يحرص على الحصول على سند متصل في القرآن، وأنكر عليه آخر!

السؤال

أحد الأخوة الأفاضل من الذين نحسبهم على خير , لكنه ليس متخصصاً تخصصاً شرعيّاً ، أبلغته نيتي بإذن الله بتحصيل إجازة سند متصل بالنبي صلى لله عليه وسلم بالقرآن الكريم ، عن قارئ معروف , فردَّ عليَّ بقوله : ” دعك من خرافات الصوفية … الإجازات ، وما إلى هنالك ” ، طبعاً هو يقول : إن أهل الحديث موثوقون بالنقل ، فإجازاتهم موثوقة ، بخلاف القرآن ، فإنك قد تجد من المشايخ المجيزين ذوي رتب عالية : صوفية , وهو يقول : إنه لا يؤمَن لهم من حيث صدقهم ، وما إلى هنالك ، طبعاً كلامه لم يقنعني بالمرة ، أريد رأي سماحتكم في الموضوع ، أمعتبرة إجازة القرآن ؟ وهل يجوز أخذها ؟ . وجزاكم الله خيراً .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

جزاك الله خيراً، وبارك فيك على حرصك على تعلم القرآن، وإتقان قراءته، ونبشرك ببشارات طيبة جاءت في أحاديث صحيحة:

عن عُثْمَانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ). رواه البخاري ( 4739 ).

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ ). رواه البخاري ( 4653 ) ومسلم ( 798 ) .

قال النووي – رحمه الله – :

السفرة جميع سافر ، ككاتب وكتبة , والسافر : الرسول , والسفَرة : الرسل ؛ لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله , وقيل : السفرة : الكتبة , والبررة : المطيعون ، من البرِّ ، وهو الطاعة , والماهر : الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ، ولا يشق عليه القراءة ، بجودة حفظه ، وإتقانه .

قال القاضي : يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة ؛ لاتصافه بصفتهم ، مِن حمل كتاب الله تعالى ، قال : ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم ، وسالك مسلكهم .

” شرح مسلم ” ( 6 / 84 ، 85 ) .

ثانياً:

المقصد الأعظم من تنزيل القرآن هو : العمل به ، والقيام بأحكامه ، وهو مقدَّم على إقامة حرفه ، ونأسف أننا نرى جماعات كثيرة من الشباب ، والكبار ، والنساء ، يقيمون دروساً ، ودورات في علم التجويد ، وفي الوقت نفسه نراهم يبتعدون كل البعد عن فهم التوحيد ، وإقامته في حياتهم ، بل ترى بعض رؤوس أولئك يزعمون أن التوحيد يفرِّق بين المسلمين ! بينما يريدون تجميعهم على ” التجويد ” ، ولذا ندعو القائمين على حلقات العلم في المساجد والمدارس إلى غرس العمل بالقرآن في حياة الملتحقين بحلقاتهم ، وإن جمعوا بين الأمرين : فخير يقدمونه لأنفسهم ، ولإخوانهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنَّة , وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم ، والعمل ، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي : لقد حدَّثَنا الذين كانوا يُقرؤوننا القرآن ، كعثمان بن عفان ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما : أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النَّبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم ، والعمل ، قالوا : فتعلَّمْنا القرآن ، والعلم ، والعمل جميعاً .

وقد قام عبد الله بن عمر وهو من أصاغر الصحابة في تعلم ” البقرة ” ثماني سنين , وإنما ذلك لأجل الفهم ، والمعرفة ,  وهذا معلوم من وجوه :

أحدها : أن العادة المطردة التي جبَل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزل عليهم ، لفظاً ، ومعنى ، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد ؛ فإنه قد عُلم أنه من قرأ كتاباً في الطب ، أو الحساب ، أو النحو ، أو الفقه ، أو غير ذلك ؛ فإنه لابد أن يكون راغباً في فهمه ، وتصور معانيه ، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم الذي به هداهم الله , وبه عرفهم الحق ، والباطل ، والخير ، والشر ، والهدى ، والضلال ، والرشاد ، والغي .

فمِن المعلوم أن رغبتهم في فهمه ، وتصور معانيه ، أعظم الرغبات ، بل إذا سمع المتعلم من العالِم حديثاً : فإنه يرغب في فهمه ، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلِّغ عنه ؟! بل ، ومن المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه ؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصِّل المقصود ، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 157 ) .

ثالثاً:

لا بأس مِن تعلم التجويد ، وإتقان القراءة وفق قواعده ، وهذا العلم ليس واجباً على الصحيح ، بل هو مستحب في أعلى درجاته ، وأما الاستدلال بوجوبه بقوله تعالى : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً  ) المزمل/ 4 : فالاستدلال بها غير صحيح ، وإنما معنى الآية : التأنِّي والتمهل بقراءة القرآن ، ومن شأن التأنيِّ أن تُخرَج الحروف من أماكنها ، ويترتب عليه : تصحيح النطق بالحروف ، وتزيين الأداء ، وتحسين القراءة، والسلامة من اللحن .

قال القرطبي – رحمه الله – :

والترتيل في القراءة : هو التأنِّي فيها ، والتمهل , وتبيين الحروف ، والحركات ، تشبيهاً بالثغر المرتل ، وهو المشبَّه بنور الأقحوان ، وهو المطلوب في قراءة القرآن ، قال الله تعالى : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) المزمل/ 4 .

” تفسير القرطبي ” ( 1 / 17 ) .

رابعاً:

وقد وقع في السؤال خلط في المصطلحات ، فقد اشتهر تسمية ما يحصله القارئ على الشيخ بـ ” الإجازة ” ، وهذا خطأ ؛ فالإجازة ليس فيها العرض من الشيخ القارئ ، ولا القراءة من الطالب ، ومن باب الفائدة : فإن طرق الأخذ ، والتحمُّل ، عند القراء هي ” العرْض على الشيخ ” ، و ” السماع من الشيخ ” ، و ” الإجازة ” ، وسنذكر تلخيصاً لكل ذلك ، وهو مستفاد بالكامل من بحث للدكتور ” محمد بن سيدي محمد الأمين ” ، نشر في ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 70 / 329 – 382 ) بعنوان : ” الأخذ ، والتحمُّل ، عند القراء ” .

قال – حفظه الله – :

المراد بطرق الأخذ والتحمل هنا : هو نقل القراءة عن الشيوخ الضابطين لها ، العارفين بأحكامها ، المتصفين بالصفات السالف ذِكرها – سيأتي بيانها في آخر الجواب –  .

أ. العرض على الشيخ :

وهو قراءة الطالب على الشيخ ، وعرض القارئ على المقرئ  .

وهو سنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت في الصحيح من ” أنه صلى الله عليه و سلم كان يقرأ على جبريل ويعارضه القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه القرآن مرتين ” .

فالعرض على الشيوخ هو المقدَّم عند القراء ، وإنما كان مقدماً عندهم ؛ لأنه يلاحظ فيه كيفية الأداء من تجويد الحروف ، فليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدِر على الأداء كهيئته ، وبتقديم العرض على السماع : أخذ بعض العلماء ، والمحدثين قال مالك رحمة الله تعالى : ” قراءتك عليَّ أصح من قراءتي عليك ” .

ومن هنا رُجِّح وجه العرض على الشيخ على وجه السماع منه ؛ لأن الشيخ لو غلط في القراءة ، وهيئتها : لم يتهيأ للطالب الرد عليه ، بخلاف ما لو غلط الطالب ؛ فإن الشيخ يرد عليه .

ب. السماع من لفظ الشيخ :

وهو أن يقرأ الشيخ ، والطالب يستمع ، وبهذه الطريق تلقَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ عن جبريل عليه السلام ، عن الله عز وجل  .

فكان جبريل يقرأ ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع ، فإذا فرغ جبريل : أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع ، عرضاً على جبريل  .

فتحصل له مرتبتان  :

  1. مرتبة الاستماع للفظ الشيخ .
  2. مرتبة العرض ، والقراءة على الشيخ .

وطريق كهذا : هو في أعلى مراتب الأخذ ، والتحمل ، قال تعالى مبيِّناً كيفية تلقي نبيِّه للقرآن : ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) القيامة/ 17 – 19 ، وقال تعالى : ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) طه/ 114 .

وحفظ عبد الله بن مسعود بضعاً وسبعين سورة من تلقين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ، والقراءة عليهم ، فقال : ” والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة ” ، وبهذه الطريقة أيضاً تلقَّى بعض التابعين ، حيث كان يلقنهم شيوخُهم القرآن عشر آيات ، أو خمس آيات ، بل قد يلقنوهم آية ، آية  .

ج. الإجازة :

وهي مأخوذة من جواز الماء الذي تُسقاه الماشية ، والحرث ، يقال : استجزتُه ، فأجازني ، إذا سقاك ماءً لماشيتك ، أو أرضك ، كذلك طالب العلم يستجيز العالم علمَه ، فيجيزه إياه ، فالطالب : مستجيز ، والعالم : مجيز  .

وهي في الاصطلاح : إذنُ الشيخ للطالب في الرواية عنه مروياته التي لم يقرأها ، ولم يسمعها منه ، وهي أنزل من طريقي العرْض ، والسماع ، بلا خلاف  .

وفي جواز الرواية بها خلاف بين العلماء ، فأبطلها جماعة من المحدثين , والفقهاء , وأصحاب الأصول .

وكما اختلف المحدِّثون في جواز الرواية بالإجازة المجردة عن القراءة ، والسماع : اختلف القرَّاء أيضاً  .

ومنعها من القراء : الحافظ أبو العلاء الهمذاني ، وجعله من أكبر الكبائر ! ، قال القسطلاني : كأنه أراد بذلك المنع إن لم يكن الشيخ أهلاً ؛ لأن في القراءات أموراً لا تحكمها إلا المشافهة .

قلت : ما ذهب إليه الحافظ ابن الجزري من تقييد جواز الرواية بها بكمال الأهلية : هو الصواب ؛ فإنَّ مَن أحكم القراءة ، وأتقن الرواية ، وضبط الخلاف ، وعُرف عنه التمكن في ذلك إن طلب الإجازة ممن لم يقرأ عليه ، أو قرأ عليه البعض ، ولم يكمل ؛ ليعلو إسناده ، أو لتكثر طرقه : فله أن يروي بها متى أجيز  .

وأما من لم يكن متقناً للقراءة ، ضابطاً لها ، متلقيّاً لها ، عارفاً بأحكامها ، ومواضع الخلاف منها ، مميزاً لرواياتها ، وطرقها : فلا تجوز في حقه هذه الإجازة ، ولا يجوز له أن يروي بها القراءات ، وإن أجاز الرواية بها بعض علماء الحديث ، كما تقدم  .

ولقد بالغ القراء في الحيطة في الأخذ بالإجازة المجردة عن القراءة ، والسماع إلاَّ لمن كملت أهليته ، وعرف بالضبط والإتقان ؛ حفاظاً على كتاب الله أن يدخل فيه ما ليس منه ، أو يخرج منه ما هو منه  .

وقد اقتصر علماء القراءات على هذه الأنواع الثلاثة من طرق الأخذ ، والتحمل ، دون غيرها مما ذكره علماء الحديث ، وإن وُجد : فلا اعتداد به ، ولا اعتبار له عندهم ، ولم يأخذوا به  .انتهى ملخصاً ، وهو بحث متقن ، ننصح بالرجوع إليه .

وعليه : فالقراءة على الشيخ القارئ ، وأخذ السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يسمَّى ” إجازة ” ؛ لما سبق ذِكره ، بل هو من ” العرض على الشيخ ” ، ولولا أنه من المصطلحات المستعملة عند أهل الفن : لقلنا لا مشاحة في الاصطلاح ، لكننا ننبه على خطأ الاستعمال ؛ تبعاً لكلام أهل الفن .

وبكل حال :

فيبدو لنا أن المقصود بالسؤال هو الطريقة الأولى من طرق التحمل ، وهي طريقة ” العرض على الشيخ ” ، فيقرأ الطالب القرآن كاملاً على الشيخ ، فيصوِّب له خطأه ، ويقرُّه على صوابه .

ولا يجوز إنكار هذه الطريقة ، وقد سبق النقل فيها عن سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة .

خامساً:

وينبغي للطالب أن يختار شيخاً ذا صفات حسنة ، في اعتقاده ، ومنهجه ، وسلوكه ، وقد ذكر الدكتور محمد بن سيدي محمد الأمين الصفات التي ينبغي توفرها في الشيخ القارئ ، فقال :

وقد اشترط العلماء شروطاً ، وصفات ، متى ما توفرت في المقرئ : وجب الأخذ ، والتلقي عنه ، ومتى ما تباعد عنها ، أو عن شيءٍ منها : وجب الحذر منه ، ومن التلقي عنه  .

من تلك الصفات : سلامة معتقده ، واتباعه السنة ، وإخلاص النية فيما يعلم ، وتمكنه مما يقرئ به ، وضبطه له ، ومعرفته بعلوم القرآن ، وتجويده ، وأن يكون على دراية باللغة ، والنحو ، وما يقوم به لسانه ، وأن لا يقرئ إلا بما قرأ وتلقى بالأسانيد المتصلة ، وأن يكون على معرفة بحال الرواة ، والنقَلة  .

كما اشترطوا في صفاته الخلُقية : التواضع ، والصبر ، والحلم ، والأناة ، والسخاء ، والسكينة ، والوقار ، وغير ذلك مما ذكروا من صفات يجب أن يتحلى بها كل معلِّم ، ومعلِّم القرآن على وجه الخصوص . ” مجلة البحوث الإسلامية ” (70 / 335 ، 336 ) .

وعليه : فالعبرة هو بحال الشيخ المقرئ ، ولا يهم الطالب حال شيخ شيخه ، وغالب هؤلاء هم على العدالة الظاهرة ، ولا يعرف المتصوفة الملاحدة ، ولا إخوانهم من أهل الضلال بالحرص على إتقان القراءة ، ولو فُرض وجود مثل هؤلاء في سند قراءة : فالبحث عن سندٍ نظيف يخلو منهم هو المتعين ؛ لئلا يُكثر سواد أهل البدع ، ولا يتكثر بهم .

سادساً:

وينبغي للطالب أن يخلص في نيته في القراءة على الشيخ ، وأن لا يتكبر على غيره ، أو يغتر بما حصَّله ، وأن لا يتكثر به على أقرانه ؛ فإن من شأن ذلك أن يُحبط عليه عمله ، أو يُنقص منه أجره ، وثوابه .

وعلى ذلك : فأخذ الإجازة في القرآن إذا كان بنية إتقان القرآن , وتلقيه على الوجه الصحيح ، ثم للقيام بعد ذلك بواجب التعليم ، والتدريس : فهذا من أفضل المقاصد ، وهو أمر مندوب ، مستحب , وأما إن كان بقصد المباهاة ، والفخر ، وما شابه ذلك : فهو محرم .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة