الرئيسية بلوق الصفحة 436

ما وجه الدعاء للملائكة بالرحمة مع كونها لا تعصي الله تعالى؟

ما وجه الدعاء للملائكة بالرحمة مع كونها لا تعصي الله تعالى؟

السؤال:

أولاً : أود أن أشكركم من كل قلبي على كل ما تبذلونه فى الفتاوى ، لما لها من فوائد عظيمة ، لقد تمت الإجابة على أسئلة كثيرة لي على هذا الموقع ، وفقكم الله  ، ويأجركم ​​على ما تبذلونه من جهود .

أمس كنت أقرأ كتاباً ممتعاً عن الملائكة وعلمت بوجود العديد منهم في السماوات ، قرأت سابقاً أن الملائكة ليس لديهم الإرادة الحرة ، وهم مخلوقات أكثر طاعة – أي : إلى الله – ثم جئت إلى التفكير في نهاية الصلاة ، حيث نقول ” السلام عليكم  ” أو ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” للملَك على يميننا الذي يعني السلام والرحمة من الله عليكم .

وسؤالي هو : لماذا تحتاج الملائكة الرحمه من الله إذا كانوا خالين من الخطيئة ؟ ألا يعني ذلك بأنهم لن يحاسبوا من الله ؟ فلماذا يحتاجون إلى رحمة الله وهم بالفعل لهم رحمة الله ؟ قد قرأت في حديث حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى رحمة الله ليدخل الجنة ، ولكن هناك ملائكة بالفعل في الجنة .

ثانياً : في السنَّة لماذا نقول حين التسليم من الصلاة نسلِّم على الملَك الموجود على اليمين ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” في حين الملَك الموجود على اليسار نسلم فنقول ” السلام عليكم ورحمة الله ” ألأن الملك الذي على يسار يكتب خطايانا ؟ .

آسف لو كنت أسأل كثيراً ولكن بالإضافة إلى ما سبق لماذا نسلِّم على الملائكة ؟ وكيف لا تكون إذا كانوا ملائكة الله ؟ وإذا كانوا مسالمين فيريد الله أن يزيد من سلامهم وإذا لم يكونو كذلك فلن يريد الله ذلك أيضاً . أشكركم على وقتكم ، وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

نشكر لأخينا الفاضل اهتمامه بالموقع وحرصه على الاستفادة مما يُكتب فيه ، ونشكره على دقة ملاحظته وحسن سؤاله ، ولنا مع ما سأل عنه وقفات :

الأولى :

أن ما يقصده المصلي من السلام في نهاية صلاته ليس هو على الملائكة حصراً عليهم ، فبالإضافة إلى نية الخروج من الصلاة : فإن الإمام ينوي السلام على المأمومين ، وأما المأمومون فينوون السلام على الإمام وعلى المأمومين الذين معهم ، وأما المنفرد فإنه ينوي بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة وهما الأمران المشتركان مع الإمام والمأموم .

 

ثانياً:

اختلف العلماء في زيادة ” بركاته ” في التسليم في الصلاة ، وقد ذهب جمهور العلماء إلى التسليم بلفظ ” السلام عليكم ورحمة الله ” عن اليمين وعن الشمال ، وبذلك صحت الأحاديث الكثيرة ، وعليه أكثر أهل العلم .

قال الترمذي – رحمه الله – بعد أن روى الحديث – :

والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم ، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق .  ” سنن الترمذي ” ( 2 / 89 ) .

وثمة خلاف في زيادة لفظة ” وبركاته ” هل هي في التسليمتين ، أم في الثانية فحسب ، أم أنها غير ثابتة أصلاً ، وبكل قول قال طائفة من أهل العلم .

ولعلك عرفت بذلك أنه لا تعلُّق لهذه الزيادة بالملَك الذي على اليمين ؛ لأن الجمهور لا يقولونها أصلاً ، ومن العلماء من يصحح أحاديث ورودها في التسليمتين .

 

ثالثاً:

وأما الدعاء للملائكة بالرحمة فهو أمر غير مستنكر في الشرع ، وبالتأمل في المسائل الآتية يتبين وجه الدعاء للملائكة بالرحمة :

  1. أن الملائكة مخلوقات ، وليس ثمة مخلوق ليس بحاجة لرحمة الله ، قد ثبت دعاء عائشة رضي الله عنها بالرحمة لجبريل عليه السلام وهو على رأس الملائكة .

عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هَذَا جِبْريلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمُ ) قالت : قلت : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته .

رواه البخاري ( 3045 ) ومسلم ( 2447 ) .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – :

في هذا دليل على أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى رحمة الله عز وجل وإلى أن يسلمهم الله من الآفات ، ولهذا قالت ” وعليه السلام ورحمة الله ” .

” شرح صحيح البخاري ” ( كتاب الاستئذان شريط 3 ) .

 

 

وقال الرازي – رحمه الله – :

فإن قالوا : لا نسلِّم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه : فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال ممكنة الوجود لذواتها ، والأول : باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني : فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى . ” تفسير الرازي ” ( 20 / 186 ) .

  1. أن الملائكة عباد لله تعالى ، قد أكرمهم بعبادات عظيمة ، وقد أثنى عليهم بها خيراً ، ولا يكون العبد عبداً لله يستحق الثناء على عبادته إلا أن يكون محققا للعبودية بأركانها الثلاثة وهي الحب والرجاء والخوف ، وقد أثبت الله تعالى ذلك لخاصة عبيده ومنهم الملائكة الكرام ، قال تعالى ( قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) الإسراء/ 56 ، 57 .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى التقرب إليه ، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف ، فهذه طريقة عبادة وأوليائه .

” بدائع الفوائد ” ( 3 / 522 ) .

وقال – رحمه الله – أيضاً – :

فجمع بين المقامات الثلاثة ؛ فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه ، ثم يقول ( ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) فذكر الحب والخوف والرجاء ، والمعنى : إن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه فهم عبيده كما أنكم عبيده فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له ؟! . ” طريق الهجرتين ” ( ص 422 ) .

  1. أن الملائكة خلق مكلَّف بالعبادة والطاعة .

قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله – :

ويمكن أن نقول : إن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كُلف بها أبناء آدم ، أما القول بعدم تكليفهم مطلقاً : فهو قول مردود ؛ فهم مأمورون بالعبادة والطاعة ( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 ، وفي الآية أنهم يخافون ربهم ، والخوف نوع من التكاليف الشرعية ، بل هو من أعلى أنواع العبودية ، كما قال فيهم ( وَهُمْ مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 28 . ” عالم الملائكة الأبرار ” ( ص 35 ) .

  1. أن ما يناله المقطوع لهم بالجنة والدرجات العُلى ليس ذلك مقابل أعمالهم وطاعاتهم بل هو بسبب رحمة الله تعالى ؛ إذ ليس ثمة عمل لمخلوق يمكن أن يكون ثمناً لدخول الجنة ونيل الدرجات العُلى ، وإنما أعمالهم سبب لتحصيل رحمة الله التي بها يدخلون الجنة ويكونون من المرحومين يوم القيامة ، فاحتاج هؤلاء للدعاء لهم بالرحمة ، ومنه ما يكون في صلاتنا من الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة بقولنا ” السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ” .

عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( لَنْ يُدْخِلَ أَحَداً عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ) . رواه البخاري ( 5349 ) ومسلم ( 2816 ) .

ومنه يُعلم أنه لا يلزم من الاستغفار وجود ذنب ، ومن دُعي له بالمغفرة والرحمة وهو ليس من أهل الذنوب فيكون ذلك لرفع درجته ومنزلته عند الله تعالى ، ولعلَّه من أجل ذلك لم يرد الدعاء بالرحمة للأنبياء والملائكة تخصيصاً بل كان الدعاء بالرحمة تبعاً للدعاء بالسلامة ، ولم يُعهد من استعمال السلف رحمهم الله قول ” رحمه الله ” و ” غفر الله له ” لملَك ولا لنبي ، بل قد نصَّ طائفة من العلماء على منعه .

قال الآلوسي – رحمه الله – :

وقال الطحاوي في حواشيه على ” الدر المختار ” : ” وينبغي أن لا يجوز ” غفر الله تعالى له ” أو ” سامحه ” ؛ لما فيه من إيهام النقص ” .

وهو الذي أميل إليه ، وإن كان الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجوب ذنب ، بل قد يكون بزيادة درجات كما يشير إليه استغفاره عليه الصلاة والسلام في اليوم والليلة مائة مرة ، وكذا الدعاء بها للميت الصغير في صلاة الجنازة ، ومثل ذلك فيما يظهر ” عفا الله تعالى عنه ” ، وإن وقع في القرآن : فإن الله تعالى له أن يخاطب عبده بما شاء ، وأرى حكم الترحم على الملائكة عليهم السلام كحكم الترحم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم . ” روح المعاني ” ( 22 / 87 ) .

 

والله أعلم.

 

هل للملائكة إرادة واختيار؟ وهل يمكن أن تقع منهم معصية لخالقهم ومخالفة؟

هل للملائكة إرادة واختيار؟ وهل يمكن أن تقع منهم معصية لخالقهم ومخالفة؟

السؤال:

سؤالي هو : هل تطيع الملائكة الله من تلقاء إرادتهم الحرة ؟ فقد أخبرني أحد الإخوة بأن للملائكة إرادة ، واختياراً حرة لكي تطيع ، أو تعصي أوامر الله ، لكنهم اختاروا الطاعة دائماً ، والأدلة التي قدمها ليوضح أن لديهم إرادة حرة كانت الآية رقم 30 من سورة البقرة فقد قال : إن الملائكة تحدثت من تلقاء نفسها دون أن تتلقى أمراً من الله بالحديث ، كما كان الحديث الذي يقول بقيام جبريل بتلقيم فم فرعون دليلاً آخر قدمه لي ، فقد قال : إن جبريل قام بذلك لأنه خشي أن تلحق رحمة الله فرعون , وأنه لم يكن مأموراً من الله بذلك , وقدم دليلاً منطقيّاً آخر بأنه إذا كانت الملائكة كالدمى ، أو الإنسان الآلي : فإنها لم تكن في هذا الحال جديرة بالثناء , وأنا أطرح هذا السؤال لأن الشيخ ” عمر سليمان الأشقر ” كتب في كتابه عن الملائكة بأنهم ليس لديهم القدرة على عصيان الله ، كما تكرر هذا القول في كتاب الإمام السيوطي ” الحبائك في أخبار الملائك ” حيث يقول : بأن الملائكة معصومون كما تم رواية الرأي القائل بأن الملائكة ليس لديها إرادة حرة عن الصحابي عبد الله بن سلام ( الحاكم فى ” مستدرك الصحيحين ” ، ووافقه الذهبي ) .

– رجاء هل بوسعكم توضيح أي الرأيين هو الرأي الصحيح وفقاً للقرآن والسنَّة ؟ .

– وجزاكم الله خيراً .

– اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ، ونعوذ بك من علم لا ينفع .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– من أركان الإيمان بالله تعالى : الإيمان بالملائكة المقرَّبين .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : الْإِيمَانُ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، قَالَ : مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، قَالَ : مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) رواه البخاري ( 50 ) ومسلم ( 9 ) .

 

 

ثانياً:

والملائكة خلق من خلق الله , وعباد من عباده ، مفطورون على العبادة ، ومجبولون عليها , والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة , منها : قوله تعالى : ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، وقال تعالى : ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 .

قال القرطبي – بعد أن ذكر قصة هاروت وماروت ما روي عن قصتهما من روايات أهل الكتاب , وأنه ووقع منهم المعصية بعد أن ركَّب الله فيهما الشهوة –  :

هذا كله ضعيف ، وبعيد عن ابن عمر وغيره ، لا يصح منه شيء ؛ فإنه قول تدفعه الأصول ، في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه ، وسفراؤه إلى رسله ، ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، ( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء/ 26 ، 27 ، ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) الأنبياء/ 20 .

وأما العقل : فلا يُنكِر وقوع المعصية من الملائكة , ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ، ويخلق فيهم الشهوات ، إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ، ومن هذا : خوف الأنبياء ، والأولياء الفضلاء العلماء ، ولكن وقوع هذا الجائز لا يُدرك إلا بالسمع ، ولم يصح .

” تفسير القرطبي ” ( 2 / 52 ) .

أي : لم يصح وقوع ذلك منهم .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

ولفظ الملَك يشعر بأنه رسول منفِّذ لأمر غيره ، فليس لهم من الأمر شيء ، بل الأمر له لله الواحد القهار , وهم ينفذون أمره ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 27 ، 28 ، ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 ، ( لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، ولا تتنزل إلا بأمره ، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه ، فهم عباد له مكرمون ، منهم الصافُّون , ومنهم المسبحون ، ليس منهم إلا من له مقام معلوم لا يتخطاه , وهو على عمل قد أُمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه ، وأعلاهم : الذين عنده سبحانه ، لا يستكبرون عن عبادته ، ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون . ” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 127 ) .

ومما يؤكد هذا المعنى : أن الله تعالى رفع منها الشهوة , التي هي داعية الذنب ، والمعصية ، والهوى .

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : 

كما قال أبو بكر عبد العزيز – من أصحابنا – وغيره : خُلقَ للملائكة عقولٌ بلا شهوة , وخُلق للبهائم شهوة بلا عقل , وخُلق للإنسان عقل وشهوة ، فمَن غلب عقلُه شهوتَه : فهو خير من الملائكة , ومَن غلبت شهوتُه عقلَه : فالبهائم خير منه .

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 428 ، 429 ) .

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

وحجة من قال : إن أصله – أي : إبليس –  ليس من الملائكة : أمران : أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس ، كما قال تعالى عنهم : ( لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ 6 ، وقال تعالى : ( لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء/ 27 . ” أضواء البيان ” ( 3 / 356 ) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

عن هذا التقسيم للإيمان هل هو صحيح أو لا ؟ الإيمان خمسة : إيمان مطبوع وهو إيمان الملائكة ، وإيمان معصوم وهو إيمان الأنبياء ، وإيمان مقبول وهو إيمان المؤمنين ، وإيمان مردود وهو إيمان المنافقين ، وإيمان موقوف وهو إيمان المبتدعة ؟ .

فأجاب :

أقول في هذا التقسيم : إنه ليس بصحيح ، لا من أجل التقسيم ؛ لأن التقسيم قد يكون صحيحاً في أصله ، ولا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم ، لكنه ليس بصحيح في حدِّ ذاته ؛ فإن المنافقين قد نفى الله الإيمان عنهم في القرآن ، فقال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) البقرة/ 8 ، وإيمان البشر مطبوعون عليه لولا وجود المانع المقاوم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ) – رواه البخاري ومسلم – .

صحيح أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ، وصحيح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يمكن أن يرتدوا بعد إيمانهم ، ولكن التقسيم الثاني غير صحيح , وهو أنه جعل الملائكة مطبوعين على الإيمان دون البشر ، والبشر – كما تقدم – قد طبعوا على الإيمان بالله وتوحيده ، وخيرٌ من ذلك : أن نرجع إلى تقسيم السلف الصالح ؛ لأنه هو التقسيم الذي يكون مطابقاً للكتاب والسنَّة ؛ للإجماع عليه ، وهو : أن الإيمان قول باللسان ، وعمل بالأركان ، واعتقاد بالجنان .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 1 / 29 ) .

 

 

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله – أيضاً – :

أما باعتبار البداية : فإن الملائكة أفضل ؛ لأنهم خلقوا من نور ، وجبلوا على طاعة الله عز وجل ، والقوة عليها ، كما قال الله تعالى في ملائكة النار : ( عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ من الآية 6 ، وقال عز وجل : ( وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) الأنبياء/ 19 ، 20 .

ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون . يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) . ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 1 / 233 ) .

 

ثالثاً:

وأما الجواب عما احتج به المخالف لما قلناه من أنه يتصور منهم وقوع المعصية ، ومخالفة الأمر , فنذكره ونذكر الرد عليه :

  1. أما قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 30 : فلا يصلح دليلاً على ما استدل به المخالف ؛ وذلك أن الخطاب فيها كان موجهاً إلى الملائكة بأنه تعالى سيخلق خلقاً من البشر , وأنه سيكون من ذريته قتل ، وإفساد ، ومعلوم أن المتكلمين في لغة العرب يُتصور منهم السؤال والجواب , والاستفهام والاستفصال , لا الاعتراض ، هذا الذي حدث , ولم يكن ما ذكره الله تعالى عنهم من المحاورة بعد الأمر بالسجود لآدم عليه السلام ، بل كان بعد مجرد ذِكر الله تعالى لما سيكون من خلقه ذلك الخلق الجديد عليهم ، والدليل على أنه لا يتصور منهم المعصية ومخالفة الأمر : أنهم استجابوا للأمر الرباني بالسجود لآدم فور الأمر به ، كما قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) الحِجر/ 29 ، 30 ، وسورة ص 72 ، 73 .

وفي أكثر من آية ذكر الله تعالى سجود الملائكة لآدم بعد الأمر به بفاء التعقيب ، مما يدل على وجود السجود منهم على الفورية ، ودون فترة إمهال ، كما في قوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف/ من الآية 50 ، وقوله ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) الأعراف/ 11 .

  1. أما حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ : آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِى وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِى فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ ) رواه الترمذي ( 3107 ) وحسَّنه : فلا دليل فيه على أن جبريل فعل هذا من تلقاء نفسه ، ليس بأمر الله تعالى ، وقد أجاب المباركفوري عن هذا ، فقال :

ولو قيل : إن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله : فهذا يُبطله قول جبريل ( وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) مريم/ 64 … .

ثم قال :

فأما قصة جبريل عليه السلام : فإنها من هذا الباب ؛ فإن غاية ما يقال فيه : إن الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان ، وحال بينه وبينه ؛ عقوبة له على كفره السابق ، ورده للإيمان لما جاءه ، وأما فعل جبريل من دس الطين : فإنما فعل ذلك بأمر الله ، لا من تلقاء نفسه … .

ثم قال :

فأما قول الإمام : لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه عليه ، وعلى كل طاعة : هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا يجب عليه ما يجب علينا , وأما إذا كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به ، والله سبحانه وتعالى هو الذي منع فرعون من الإيمان ، وجبريل منفذ لأمر الله : فكيف لا يجوز له منع من منعه الله من التوبة ؟! وكيف يجب عليه إعانة من لم يعنه الله ؟! بل قد حكم عليه ، وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم ، حين لا ينفعه الإيمان .

وقد يقال : إن جبريل عليه السلام إما أن يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر الله به , وإما يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله , وعلى هذين التقديرين : فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة ، ولا يحرم عليه منعه منها ؛ لأنه إنما يجب عليه فعل ما أُمر به ، ويحرم عليه فعل ما نهيَ عنه ، والله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه أمَرَه بإعانة فرعون , ولا حرَّم عليه منعه من التوبة ، وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا .

” تحفة الأحوذي ” ( 8 / 418 ، 419 ) .

  1. وأما قوله : إنه يلزم من ذلك : أنهم يكونون كالدمى ، وكالإنسان الآلي ” : فلا يلزم شيء من ذلك ، بل هذا دليل على التكريم ، والتوفيق ، فلا أعظم من أن يوفق الخلق للطاعة ، ويجنَّب المعصية ، وحتى الإنسان وهو له الإرادة والاختيار : فكل توفيق للعبادة : فهي من فضل الله وكرمه ، وإعانته .

ثم يقال – أيضاً – : إن الملائكة الكرام غير متصور منهم وقوع المعصية ؛ لأنهم لا شهوة لهم – كما قدمنا – لكن هذا لا يعني أنهم غير مكلفين ، وأنهم دُمى ، نعم ، هم غير مكلفين بما كُلف به البشر ، لكنهم كلِّفوا بالأوامر ، وتفاتوا في العلم ، والخشية ، والعبادة .

قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله – :

ويمكن أن نقول : إن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كلف بها أبناء آدم ، أما القول بعدم تكليفهم مطلقاً : فهو قول مردود ، فهم مأمورون بالعبادة ، والطاعة : ( يَخَافُونّ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50 ، وفي الآية أنهم يخافون ربهم ، والخوف نوع من التكاليف الشرعية ، بل هو من أعلى أنواع العبودية ، كما قال فيهم : ( وَهُمْ مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 28 . ” عالم الملائكة الأبرار ” ( ص 21 ).

ومما يدل على أنه ثمة إرادة عند الملائكة ، وأنهم ليسوا كالدمى :

  1. قوله تعالى ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/ من الآية 6 .

ولا يسمَّى العاصي عاصياً إلا حيث يتعمد فعل المعصية ، وكذا ترك الأمر ، ولو كان الملائكة عاجزين بطبعهم عن ذلك لما أثنى الله عليهم بفعل الأوامر ، ولما سمَّى ما عجزوا عنه معصية .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

العاصي هو الممتنع من طاعة الأمر مع قدرته على الامتثال ، فلو لم يفعل ما أمر به لِعجزه : لم يكن عاصياً ، فإذا قال : ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ) : لم يكن في هذا بيان أنهم يفعلون ما يؤمرون ؛ فإن العاجز ليس بِعاصٍ ، ولا فاعل لما أمر به ، وقال : ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ليبين أنهم قادرون على فعل ما أمروا به ، فهم لا يتركونه ، لا عجزاً ، ولا معصية ، والمأمور إنما يترك ما أمر به لأحد هذين ، إما ألا يكون قادراً ، وإما أن يكون عاصياً لا يريد الطاعة ، فإذا كان مطيعاً يريد طاعة الآمر وهو قادر : وجب وجود فعل ما أمر به ، فكذلك الملائكة المذكورون ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون  .” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 61 ) .

  1. قوله تعالى عنهم في استفسارهم من ربهم تعالى عندما أخبرهم بأنه سيخلق آدم وذريته ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) البقرة/ من الآية 30 .

وليس هذا الاستسفسار والحوار إلا ممن له إرادة ، وليس هذا من إلهام الله لهم ليقولوه ، وإلا لما خاطبهم الله تعالى بقوله ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة/ 31 .

  1. حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ – أي : في المنام – فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : رَبِّ لَا أَدْرِي ) الْحَدِيثَ ، ويؤيده قوله تعالى ( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) ص/ 69 ، فقد أثبت الله تعالى ها هنا اختصام الملائكة ، وهو ما يحدث من جدال بينهم في بعض المسائل التي ذُكرت في الحديث وهي : الدرجات ، والكفارات .

وهذا لا يكون من ” دُمى ” ! .

  1. حديث الذي قتل مئة نفس ، ثم تاب ، ولما مات اختصمت فيه ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، حتى بعث الله تعالى ملَكاً يحكم بينهم ، وهو في الصحيحين .

فادِّعاء أنهم كالدمى ، أو كالإنسان الآلي : قول عارٍ عن الصحة ، وبعيد عن الحقيقة ، وأجنبي عن التحقيق العلمي ، بل هم عبادٌ مُكرمون ، لهم إرادة ، ولهم طاعات متفاوتة ، ولهم عبادات متنوعة ، وإن كانوا لا يعصون الله البتة .

رابعاً:

وأما حديث عبد الله بن سلام الذي أشار إليه السائل عن المخالف : فنحن نذكر نصَّه ، وفقهه :

عَنْ بِشْر بنِ شَغَافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ، قَالَ : وَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : إِنَّ أَعْظَمَ أَيَّامِ الدُّنْيَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَإِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : قُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَأَيْنَ الْمَلائِكَةُ ؟ قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيَّ وَضَحِكَ ، وَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، هَلْ تَدْرِي مَا الْمَلائِكَةُ ؟ إِنَّمَا الْمَلائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ السَّمَاءِ ، وَالأَرْضِ ، وَالرِّيَاحِ ، وَالسَّحَابِ ، وَسَائِرِ الْخَلْقِ الَّذِي لاَ يَعْصِي اللَّهَ شَيْئًا . رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 4 / 612 ) ، والبيهقي في ” دلائل النبوة ” ( 5 / 485 ) .

ولم نر في إسناد الحديث ما يوجب ردَّه ، وهو موقوف على عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، وليس مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه ما يؤيد قول المخالف على القطع ، بل على الاحتمال ، والاحتمال الآخر أنه يريد بأن الملائكة عليهم السلام لا يصدر منهم معصية ، بل هم ينفذون أمر الله إليهم ، كما تنفذه السماء ، والأرض ، وهذا موافق لما ذكرناه سابقاً ، وليس معناه أنه لا إرادة لهم ، كيف وقد ذكر الله تعالى إرادة للسماء والأرض ! فقال تعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) الأحزاب/ 72 .

 

 

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

فتصريحه جلَّ وعلا بأن السماء ، والأرض ، والجبال ، أبت ، وأشفقت ، أي : خافت : دليل على أن ذلك واقع بإرادة ، وإدراك ، يعلمه هو جل وعلا ، ونحن لا نعلمه .

” أضواء البيان ” ( 3 / 339 ) .

 

والله أعلم.

 

هل القرآن الكريم هو المصدر الوحيد في التشريع؟

هل يعتبر القرآن المصدر الوحيد للتشريع ؟ .

الجواب

الحمد لله

مصدر التشريع عند المسلمين هو نصوص الوحي وهما الكتاب والسنَّة ، ولا يمكن أن تكون المصادر إلا معصومة ليُرجع إليها عند الاختلاف ، وهو ما أمر الله تعالى به في عدة مواطن من كتابه ، قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } [ النساء / 59 ] ، وقال تعالى : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب } [ الشورى / 10 ] .
والسنَّة هي : ما صدرعن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير .
قولية : وهي أحاديثه التي قالها مثل قوله عن البحر : ” هو الطهور ماؤه الحل ميتته ”
رواه الإمام أحمد ( 8518 ) وأصحاب السنن وصحّحه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 480 ) . ونحو ذلك.
وفعلية : هي أفعاله صلى الله عليه وسلم مثل وضوئه وصلاته وصومه ونحو ذلك .
وتقريرية : هو شيء حدث أمامه أو اطلع عليه ثم أقر عليه الصحابة ولم ينكره عليهم ، وذلك إما بسكوته ورضاه ، أو استحسانه لذلك الفعل ، أو موافقته عليه ، مثل حديث الصحابيين اللذين أجنبا فتيمم أحدهما وصلَّى ثم حضر الماء ولم يعد الصلاة فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وبيَّن أنه وافق السنَّة رواه النسائي ( 433 ) و أبو داود ( 338 ) والدارمي ( 744 ) وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود ( 327 ) .
وقد أجمع المسلمون أن كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ، ونُقل إلينا بسند صحيح : فهو حجة على المسلمين وهو مصدر للتشريع يستنبط منه الأحكام لأفعال المكلفين .
وقد نصَّ الله تعالى في كتابه على وجوب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة له ، والآيات في ذلك كثيرة جدّاً ، نحو قوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
وللمزيد : ينظر جواب السؤال رقم ( 604 ) .
ومن زاد في مصادر التشريع الإجماع فإنما يريد به الإجماع القطعي والذي لم يُختلف فيه ويكون مرجعه الكتاب أو السنَّة .
قال ابن حزم :
وإنما نُدخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه البتة الذي يعلم ، كما يعلم أن الصبح في الأمن والخوف ركعتان ، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان ، وأن الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه وحي من الله ، وأن في خمس من الإبل شاة ، ونحو ذلك وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على وجوه نقله إذا تتبعها المرء من نفسه في كل ما يمر به من أحوال دنياه وأهل زمانه وجده ثابتاً مستقراً في نفسه .
” مراتب الإجماع ” ( ص 16 ) .

والله أعلم

ذكر اسم ” الله ” في الكتب السابقة، وهل كان جميع الأنبياء والرسل يدعون به؟

هل يمكن أن نجد اسم ” الله ” في كتب الديانات الأخرى كالتوراة والإنجيل وفيدا الهندوس الخ… ؟
حسب الإسلام ، هل كان جميع الرسل والأنبياء يدعون باسم الله أم بأسماء أخرى ؟ .

الجواب
الحمد لله
نعم ، نجد اسم ” الله ” في ” التوراة ” و ” الإنجيل ” أما ” الويدا ” – وهو كتاب الهندوس – فلا نجد هذا الاسم فيه ؛ لأنها ديانة وثنية شركية في أصلها .
لكن هذا الاسم ” الله ” ليس هو اللفظ نفسه الذي يوجد في أصل التوراة والإنجيل ، وذلك أن هذه اللفظة عربية لم ترد إلا في القرآن الكريم ، وكتبهم كانت باللغة السريانية والعبرية .
وقد كان يرد معناها في التوراة والإنجيل وكان ذلك بلفظ ” السيد ” و ” الإله ” و ” الرب ” ، ولما ترجم المترجمون تلك الكتب وضعوا كلمة ” الله ” مكان بعض الكلمات السابقة .
ولا يزال اليهود والنصارى يقرأون في كتبهم ويلفظونها بغير ما نلفظه نحن وهو لفظ ” الله ” ، ومن قرأها فإنه يقول ” الرب ” أو ” الإله ” ، ومن قرأها بالإنجليزية قال ” guod ” .
كتاب اليهود التوراة :
أ. ( هو الله الجالس على كرة الأرض ، الذي ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة السكن … ) .
” إشعيا ” 40 : 22 –25
ب. ( أن الرب هو الإله ، ليس آخر سواه ) .
” سفر التثنية ” الإصحاح 4 : 35
ج. ( الرب إلهنا رب واحد ) .
” سفر التثنية ” الإصحاح 6 : 4 .
كتاب النصارى الإنجيل :
أ. قال عيسى : ( وأنا إنسان قد علمكم بالحق الذي سمعه من الله ) .
” يوحنا ” 8 : 40 .
ب . ( الله لم يره أحد قط ) .
” إنجيل يوحنا ” الإصحاح 1 : 18 .
أما كتاب ” ويدا ” الهندوس :
فـ ” الويدا ” هو كتاب الهندوس المقدَّس ، وقد جمع العقائد والعادات والقوانين ، ولا يُعرف له واضع ، ويعتقد الهندوس أنه أزلي لا بداية له ! وهو عبارة عن أربع كتب دينيَّة : الريج ويدا ، ياجورويدا ، ساما ويدا ، آثار ويدا .
وليس لاسم ” الله ” ذكر في عقيدة الهندوس ولا في كتبهم ؛ لأنهم يعبدون آلهة متعددة ، وفي كتاب ” الويدا ” آلهة عديدة ، ولكنها اجتمعت في ثلاثة آلهة رئيسية هم : ” فارونا ” في السماء ، و ” إندرا ” في الهواء ، و ” أغنى ” في الأرض !
انظر – لما سبق – ” أديان الهند الكبرى ” لأحمد شلبي ( ص 40 ، 48 ) .
وقال :
يتجه الفكر الهندوسي فيما يختص بالإله إلى نزعة التعدد غالباً ، وقد بلغ التعدد عند اليهود مبلغاً كبيراً ، فقد كان عندهم لكل قوة طبيعيَّة تنفعهم أو تضرهم إله يعبدونه ويستنصرون به في الشدائد كالماء والنار والأنهار والجبال وغيرها ، وكان يدْعون تلك الآلهة لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم من المواشي والغلاَّت والثمار وتنصرهم على أعدائهم .
” أديان الهند الكبرى ” لأحمد شلبي ( ص 203 ) .
ثانياً :
ومما لا شك فيه أن جميع الرسل قد دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وقد دعوهم باسم ” الإله ” و ” الرب ” وما أشبههما ، وأما بلفظ ” الله ” : فلا يظهر ذلك كما سبق في أول الكلام .
وما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم أنهم دعوا إلى ” الله ” فإنما هو ترجمة باللفظ العربي ، ولا يمكن أن يكون هو لفظهم نفسه لأنهم – عليهم السلام – لم يتكلموا بالعربية ، ولا يعرف استعمال هذه الكلمة – أي : الله – إلا في الاستعمال العربي .
مثال للترجمة :
قال الله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }
[ النحل / 36 ] .
وقال عز وجل : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } [ المائدة / 72 ] .

والله أعلم

هل الرسول – صلى الله عليه وسلم – يخطئ أم لا؟

هل النبي صلى الله عليه وسلم يخطئ أم لا ؟
سؤالي عن الرسول صلى الله عليه وسلم. بعض المسلمين يقولون إنه بدون خطايا، وآخرون يقولون إنه ليس بدون خطايا. أنا شخصيا لا أعتقد أنه بدون خطايا لأنه بشر. هل يمكنك أن تخبرني بالرأي الصحيح من الكتاب والسنة؟ ولكم جزيل الشكر. والله أكبر.
الحمد لله
أولا : استعمال كلمة خطايا في السؤال خطأ كبير ، لأن الخطايا جمع خطيئة وهذا محال على الرسل والأصح أن تقول أخطاء جمع خطأ لأن الخطأ قد يكون عفوياً وليس كذلك الخطيئة .
ثانياً : أما الخطيئة فاٍن الرسل ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يرتكبوا شيئاً منها بقصد معصية الله تعالى بعد الرسالة وهذا بإجماع المسلمين ، فهم معصومون عن كبائر الذنوب دون الصغائر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر : هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف … وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول .
” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 319 ) .
وهذا سؤال موجه إلى اللجنة الدائمة حول الموضوع :

س : بعض الناس يقولون ومنهم الملحدون : إن الأنبياء والرسل يكون في حقهم الخطأ يعني يخطئون كباقي الناس ، قالوا : إن أول خطأ ارتكبه ابن آدم قابيل هو قتل هابيل … داود عندما جاء إليه الملكان سمع كلام الأول ولم يسمع قضية الثاني …. يونس وقصته لما التقمه الحوت ، وقصة الرسول مع زيد بن حارثة قالوا بأنه أخفى في نفسه شيئا يجب عليه أن يقوله ويظهره ، قصته مع الصحابة : انتم أدرى بأمور دنياكم ، قالوا بأنه اخطأ في هذا الجانب . قصته مع الأعمى وهي { عبس وتولى أن جاءه الأعمى }
فهل الأنبياء والرسل حقا يخطئون وبماذا نرد على هؤلاء الآثمين؟
الجواب
ج: نعم الأنبياء والرسل يخطئون ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم بل يبين لهم خطأهم رحمة بهم وبأممهم ويعفو عن زلتهم ويقبل توبتهم فضلا منه ورحمة والله غفور رحيم كما يظهر ذلك من تتبع الآيات القرآنية التي جاءت فيما ذكر من الموضوعات في هذا السؤال … وأما أبناء آدم فمع انهما ليسا من
الأنبياء …. بين الله سوء صنيعه بأخيه ….انتهى
عبد العزيز بن باز – عبد الرزاق عفيفي – عبد الله بن غديان – عبد الله بن قعود
” فتاوى اللجنة الدائمة ” برقم 6290 ( 3 / 194 ) .
ثالثاً : أما قبل الرسالة فقد جوز عليهم العلماء أنه قد يصدر منهم بعض صغائر الذنوب ، وحاشاهم من الكبائر والموبقات كالزنا وشرب الخمر وغيرها فهم معصومون من هذا .
= وأما بعد الرسالة ، فإن الصحيح أنه قد يصدر منهم بعض الصغائر لكن لا يُقرون عليها .
قال شيخ الإسلام :
وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ، ولا يقرون عليها ، ولا يقولون إنها لا تقع بحال ، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً ، وأعظمهم قولاً لذلك : الرافضة ، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل .
” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 320 ) .
= وهو معصومون في التبليغ عن الله تعالى .
قال شيخ الإسلام رحمه الله :
فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبىء الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه .
” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 7 ) .
رابعاً : أما الخطأ الذي بغير قصد فهو في سبيلين :
1- في أمور الدنيا فهذا يقع ووقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فيه مثل سائر البشر كأمور الزراعة ، والطب والنجارة وغيرها لأن الله تعالى لم يقل لنا إنه أرسل إلينا تاجراً أو مزارعاً أو نجاراً أو طبيباً ، فالخطأ في هذه الأمور الجبلية لا يقدح برسالته صلى الله عليه وسلم .
عن رافع بن خديج قال : ” قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يُأبِّرون النخل قال: ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنفه قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان أحسن فتركوه فنقصت فذكروا ذلك له فقال : إنما أنا بشر مثلكم ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر .
رواه مسلم ( 2361 ) .
التأبير : التلقيح .
نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في أمر الدنيا لأنه كسائر البشر ولكنه لا يخطئ في أمر الدين .
2- الخطأ بأمور الدين من غير قصد :
الراجح في ذلك من أقوال العلماء : أنه يقع من النبي مثل هذا ولكن على سبيل فعل خلاف الأولى .
فقد تعرض له المسألة وليس عنده في ذلك نص شرعي يستند إليه فيجتهد برأيه كما يجتهد العالم من آحاد المسلمين فإن أصاب نال من الأجر كفلين وإن أخطأ نال أجراً واحداً وهذا قوله صلى الله عليه وسلم ” إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ” .
رواه البخاري ( 6919 ) ومسلم ( 1716 ) من حديث أبي هريرة .
وقد حدث هذا منه في قصة أسرى بدر.
عن أنس قال : استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال إن الله عز وجل قد أمكنكم منهم ، قال : فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم قال فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس ، قال : فقام عمر فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم ، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك ، فقام أبو بكر فقال : يا رسول الله إن ترى أن تعفو عنهم وتقبل منهم الفداء ، قال : فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم قال فعفا عنهم وقبل منهم الفداء ، قال : وأنزل الله عز وجل { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم } إلى آخر الآية [ سورة الأنفال /67 ] .
رواه أحمد ( 13143 ) .
فنلاحظ أن هذه الحادثة لم يكن عند رسول الله فيها نص صريح فاجتهد واستشار أصحابه ، فأخطأ بالترجيح لأنه لم يجد نصاً .
ومثل هذا في السنة قليل فيجب أن نعتقد العصمة للرسل والأنبياء وأن نعلم أنهم لا يعصون الله تعالى .

والله أعلم

ملحدة تسأل عن الفروق الروحية بين محمد والأنبياء

السؤال : أبحث خصوصا عن الهيئة الروحية الخاصة بنبوءة محمد (صلى الله عليه وسلم) . هل يوجد أي فرق بين جانبه الروحي وبين الجانب الروحي الخاص بالأنبياء الآخرين ؟
مثلا: كيف كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يؤدي العبادة ؟ أو ما الفرق الذي كان يفعله أثناء الصلاة والصيام ؟ كيف كانت تصرفاته أثناء صلاة الفرض والنافلة ؟
هل هناك فرق بين صلاته وبين صلاة غيره من الأنبياء ؟ إذا كان هناك فرق فما هو ؟
أسأل كل هذه الأسئلة لأنه بما أن الله هو رب الأنبياء جميعهم, فما هو السبب في أن هؤلاء الأنبياء جميعهم لم يأمروا الناس بالقيام بنفس العبادات أو الصلاة؟ الأمر غير واضح عندي.
سأقدر لك إجابتك سؤالي بالتفصيل المطول لأتمكن من استيعاب الأمر. وإذا لم تستطع ذلك, فأرجو أن ترسل بريدي هذا لشخص يمكنه الإجابه، فقد بحثت في شبكة المعلومات الإنترنت ولم أجد إجابات شافية لأسئلتي. وشكرا لك
الحمد لله
أولاً :
محمد صلى الله عليه وسلم خَلقٌ مِن خلق الله تعالى ، وهو كالبشر لا يختلف عنهم بطبيعة خلقته وذلك مقرر في القرآن الكريم .
قال تعالى { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد } ( الكهف / 110 ) .
وعن ابن عباس أنه سمع عمرَ رضي الله عنه يقول على المنبر : سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله ” .
رواه البخاري ( 3189 ) .
فالذي يدعو إليه الرسول صلى الله عليه و سلم هو عبادة الله تبارك وتعالى فلم يكن يدعو إلى تعظيم ذاته و لم يكن يدّعي أنه من غير طينة البشر بل إنه كان ينهى عن ذلك كما سبق .
فهو عبد يبتغي رضوان الله ويخشى عذابه وهذا الذي كان يميزه عن غيره كمال العبودية لله تعالى .
ولم يكن يختلف عن سائر إخوانه الأنبياء في شيء من العقيدة وقد بيَّن عقيدته وعقيدة إخوانه من الأنبياء .
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لِعَلاَّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد ” .
رواه البخاري ( 3259 ) ومسلم ( 2365 ) .
معنى عَلاَّت : نساء عدة .
فشبه نفسه و إخوانه الأنبياء كالأخوة من أب واحد و أمهات شتى
فكلهم جاء بدعوة لا إله إلا الله و لكن في بعض العبادات عندهم اختلاف
و الفرق بين عبادته و عبادة الأنبياء غير معلوم على التفصيل ولكنه بجملته متفق . فالأنبياء الأولون يصومون و القرآن دعا إلى الصيام قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } ( البقرة / 183 )
ولا نعلم كيف صيام من قبلنا ولكن علمنا أن نبي الله داود كان يصوم يوماً ويفطر آخر .
عن عبد الله بن عمرو قال : قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” قال : فصُم صيام داود عليه السلام ، قال : وكيف ؟ قال : كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ” .
رواه البخاري ( 1841 ) ومسلم ( 1966 ) .
و صيامنا في رمضان نترك الطعام و الشراب بكل أنواعه و جماع النساء من الفجر حتى تغيب الشمس .
هذا صيام الفرض أما صيام النافلة فهو على إطلاقه عدا بعض الأيام منها يومي العيد .
وأما الصلاة فقد كان الأنبياء يصلون و لا نعلم كيفية ذلك إلا ما ذكر من صلاة إبراهيم أنها ركعتان في الفجر وركعتان في المساء .
و صلاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خمس صلوات واجبات في اليوم والتطوع وقته مفتوح إلا ما كان بعد صلاة العصر إلى المغرب ، وما بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس .
وصفة الصلاة : يستقبل القبلة و قبلة المسلمين هي الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ثم يكبر مستفتحاً الصلاة قائلاً : الله أكبر ثم يقرأ الفاتحة ، وهي ركن ثم يقرأ من القرآن ما شاء .
والتطويل فيها حسن ، ثم يركع والركوع أن يحني ظهره ثم يذكر الله بما شاء ، والتطويل فيها حسن ، ثم يرفع ظهره ويقول سمع الله لمن حمده ، ومعنى سمع : استجاب .
ثم يهوي ساجداً وذلك بوضع جبهته على الأرض فيذكر الله ما شاء ، والتطويل فيها حسن ، ثم يرفع ويقول : رب اغفر لي ، ثم يسجد مثل الأولى ، و يرفع ، ويقول في كل حركة مما ذكرنا : الله أكبر . حاش الرفع من الركوع فإنه يقول : سمع الله لمن حمده .
بهذا تتم الركعة الأولى .
ثم يقوم للثانية يصنع كما صنع في الأولى .
ثم يجلس فيقرأ أقوالاً مخصوصة ، فإن كانت صلاته ثنائية استدار بوجهه لليمين ، وقال : السلام عليكم ورحمة الله ، ثم استدار للشمال ، وقال : السلام عليكم ورحمة الله .
و إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية لم يستدر بوجهه ولكنه قام فجاء بالثلاثية أو الرباعية وصنع كما صنع في الأوليين .
ولا فرق في ذلك بين الواجبة و المندوبة .
هذا ما نستطيع أن نختصره من الصلاة ، والصيام في هذه العجالة و إن كانت أحكام الواحدة من الصلاة أو الصيام لو تتبعناها لملأت أوراقاً كثيرةً .

والله أعلم

سؤال من نصرانية عن أصل النبي صلى الله عليه وسلم وبداية الإسلام؟

أصل النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ودعوته للإسلام .
أخبرني أحد المتعصبين النصارى قصة بداية الإسلام فقد أخبرني أن أحد الرهبان النصارى قد طرد من الكنيسة فذهب إلى إيران ثم ساعده الشيطان واغتصب فتاة عمرها 13 سنة فولدت طفلاً سمته محمد وهكذا ولد النبي فهل هذا صحيح أم اختلاق من النصارى وإذا لم يكن صحيحاً فهل يمكن أن تخبرني عن القصة الحقيقية؟

الحمد لله
لا يشك عاقل منصف أن هذا من الكذب الصريح ، وإثباتهم لمثل هذا الأمر من المستحيلات ، لكن لمَّا وجدوا بعض المغفلين الذين يستمعون بلا تفحص ، ويشهدون بلا بيِّنة : سهُل عليهم نسج الافتراءات ، واختلاق الأكاذيب .
ولقد كان ” هرقل ” عظيم الروم أكثر إنصافاً من هؤلاء المتعصبين من النصارى ، بل كان الكفار المشركون عبدة الأصنام أصدق من هؤلاء المتعصبة حينما احترموا عقولهم وأسماع غيرهم ، فنزهوا ألسنتهم عن الطعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد ثبت عندنا بالوجه القطعي الصحيح أن ” هرقل ” سأل ” أبا سفيان ” – أيام كان على الشرك – ” كيف نسبه – أي : محمد صلى الله عليه وسلم – فيكم ؟ قال : هو فينا ذو نسب ، قال هرقل : فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها .
وثبت عندنا بالوجه القطعي قول نبينا صلى الله عليه وسلم ” إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ” .
ومما يوضح هذا ويبيِّنه : تواتر هذا الأمر واشتهاره بين كل الطوائف والقبائل والأديان ، وتناقلوه جيلاً بعد جيل ، حتى عُدَّ من خالف في هذا مُنتقِصاً لنفسه لا لنبينا صلى الله عليه وسلم .
وإننا لنلاحظ أن كثيراً من المتعصبة عندما لا يجدون مجالاً للطعن في الدين لسمو أحكامه ، وعلو شرائعه : نجدهم يشتغلون بالتافه من القول ، والطعن في النسب ، وما شابه ذلك مما لا يمكنهم إثباته ، بينما يتغاضون عن الكلام عن أخلاقه وشمائله .
وعلماء النسب في كل عصر لا يختلفون في نسبه صلى الله عليه وسلم ، حتى صار ذلك من المعلوم بالضرورة ، ولم يتكلف العلماء في إثبات نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة إليه .
وإنه لو كان ما قاله هؤلاء المتعصبة صحيحاً : لكان أسبق الناس إلى نشره : الكفار والمنافقون ، وهم أحرص الناس على الطعن بنبينا صلى الله عليه وسلم ، فالكفار طعنوا في عقله ، فقالوا : ساحر وجنون ، ولو علموا عنه شيئاً في عِرْضه لما ترددوا في قوله .
والمنافقون : طعنوا في عِرْضه واتهموا عائشة بالفاحشة لشيء رأوه لا يدل على ما قالوه ، ومع ذلك لم تسلم منهم رضي الله عنها ، ثم أنزل الله تعالى براءتها في القرآن وأكذبهم في قولهم .
ولو علم المنافقون ما قاله أولئك المتعصبة عن نبينا صلى الله عليه وسلم : ما صدَّهم شيء عن القول به ونشره بين العامة والخاصة .
هذا ، وإننا لنجزم أن هؤلاء المتعصبة ليعلمون أنه ليس كذلك ، وأن الواحد منهم يعرف نبينا صلى الله عليه وسلم كما يعرف ولده ! ، وإن عندنا في كتاب ربنا عز وجل ما يبيِّن ذلك في قوله تعالى { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } [ الأنعام / 20 ] .
وليس هناك قصة لولادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد تزوج والده ” عبد الله بن عبد المطلب ” من ” آمنة بنت وهب ” وأنجبا ذرية منها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
ونحب أن نحيل السائلة إلى كتاب خاصٍّ في موضوعها هذا ليتبين لها كذب أولئك المفترين على نبينا ، وهذا الكتاب لمسلم كان يوماً من الأيام من كبار القساوسة النصارى ، وهو من طائفة الكلدانيين التابعين للكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، وكان يحمل شهادة الليسانس في علم اللاهوت ، وكان اسمه يومها ” القسيس دافيد بنجامين كلداني ” ، فلما أسلم صار اسمه ” عبد الأحد داود ” ، واسم كتابه ” محمد – صلى الله عليه وسلم – في الكتاب المقدَّس ” ! وفي كتابه هذا إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإثبات نسبه من كتب الكاثوليك المقدَّسة عندهم نفسها .

والله الهادي لا رب سواه

عنده مشكلة بنسب النبي صلى الله عليه وسلم

نسب النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال : إنني مؤمن أخاف الله وعرفت من الفلسفة أنه باعتبارنا علماء بطبيعتنا فإنه يجب علينا التعلم من المهد إلى اللحد ولأنني عدت من معتقد آلي فقد بدأت أقرأ في التفسير وأبواب العلم الأخرى وهناك مشكلة تتعلق بنسب النبي صلى الله عليه وسلم.
عند قراءة التاريخ لا بد أن تصل إلى نقطة تحل فيها الثقة محل التفسير والتحليل.
وخلال قراءتي وجدت أن الشيعة يفندون الفقه والحديث عند السنة وليس العكس.
إنني متحير جداً وأرغب في إجابة متأنية من شخص متعلم.

الحمد لله
السؤال غير مفهوم ، وسأجيب بحسب ما أظن أني فهمت السؤال .
1 ـ أما نسب النبي صلى الله عليه و سلم فهو :
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
رواه البخاري في ” باب المناقب ” ( قبل حديث 3836 ) .
وهذا أصح شيء في نسب الرسول صلى الله عليه و سلم وقد اتفق أهل الأنساب عند هذا أما ما بعد عدنان فمختلف فيه وليس على صحته دليل .
ومما هو معلوم أن الرسول صلى الله عليه و سلم من ولد إسماعيل .
عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ” ( صحيح الترمذي : 3605)
وأما نسبة الرسول بعد عدنان إلى إسماعيل ففيه خلاف .
2 ـ التاريخ لا يُطلب فيه السند ، ويترخص فيه بخلاف الحديث ؛ لذلك فهو مما تجوز روايته وذكره دون سند ولكن ليس على سبيل الجزم ، وهذا بشرط أن لا يأتي التاريخ بذكر حدث يخالف الكتاب أو السنة الصحيحة ، أو أن يأتي بما لا يقبله الشرع أو العقل ، وكذا لا يجوز استنباط أحكام شرعيَّة منه .
3 ـ بل إن أهل السنة لم يناموا عن أمر الشيعة ولم يهملوه بل وألَّفوا في شأنهم تواليف كثيرة على رأسها كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ” منهاج السنة ” .
ولكن هذا الذي ذكرت معروف عند عوامهم وغير معروف عند عوامنا فهم بخاصتهم وعامتهم يعادون أهل السنة ولكن قليل من عوام أهل السنَّة مَن يعرف حقيقة الرافضة ، والسبب في ذلك قلَّة الفقه في الدين وتقصير المبيِّنين الناصحين .

والله أعلم

لماذا يجب علينا أن نطيع ونحترم النبي صلى الله عليه وسلم؟

لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى أقصى درجة ؟

الحمد لله
1. أوجب الله تعالى علينا طاعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } [ المائدة / 92 ] .
2. وأخبر الله تعالى أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى .
قال الله تعالى :{من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا}[النساء / 80] .
3. وحذَّر الله عز وجل من التولي عن طاعته ، وأن هذا قد يصيب المسلم بالفتنة وهي فتنة الشرك .
قال الله عز وجل : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور / 63 ] .
وعن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى . رواه مسلم ( 870 ) .
4. ولا يتم إيمان المسلم حتى يحبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، بل حتى يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ” . رواه البخاري ( 14 ) .
عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ” . رواه البخاري ( 15 ) ومسلم ( 44 ) .
عن عبد الله بن هشام قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر . رواه البخاري ( 6257 ) .
5. وقد وعدَ الله تعالى من أحبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يكون معه في الجنة .
عن أنس بن مالك قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال : ” وما أعددت للساعة ؟ ” ، قال : حبُّ الله ورسوله ، قال : ” فإنك مع من أحببت “، قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم ” فإنك مع من أحببت ” .
رواه مسلم البخاري ( 3485 ) ومسلم ( 2639 ) .
والله الهادي

الفترة الزمنية بين خلق آدم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم

الفترة الزمنية بين خلق آدم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم

السؤال:

كم هي الفترة الزمنية بالسنين ما بين خلق آدم عليه السلام وخلق محمد صلى الله عليه وسلم؟

الجواب:

الحمد لله

لم يأتِ في الشريعة تحديدٌ لفترة ما بين آدم ومحمد عليهما الصلاة السلام ، بل ولا يعرف مقدار ما عاش آدم عليه السلام .

لكن جاءت بعض الأحاديث والآثار متفرقة يمكن بعد جمعها الوصول إلى تقدير زمنٍ لكن ليس للفترة بأكملها، ومنها:

  1. قوله تعالى في مدة لبث نوح عليه السلام في دعوة قومه {ولقد أرسلنا نوحا” إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} – العنكبوت ( 14 ) – .
  2. عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام قال : سمعت أبا سلام قال : سمعت أبا أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله أنبيٌّ كان آدم ؟ قال : نعم ، مكلَّم ، قال : فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون . رواه ابن حبان في ” صحيحه ” ( 14 / 69 ) ، وقال ابن كثير في ” البداية والنهاية ” ( 1 / 94 ) : هذا على شرط مسلم ولم يخرجه .
  3. عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله أنبي كان آدم ؟ قال : نعم ، معلَّم مكلم ، قال : كم بينه وبين نوح ؟ قال : عشر قرون ، قال : كم بين نوح وإبراهيم ؟ قال : عشر قرون ، قالوا : يا رسول الله كم كانت الرسل ؟ قال : ثلاث مائة وخمس عشرة  جمّاً غفيراً . رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 288 ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، والطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 8 / 118 ) بإسنادٍ صحيح .
  4. روى البخاري (3732 ) عن سلمان الفارسي قال : فترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستمائة سنة .
  5. قال القرطبي :

واختلف في قدر مدة تلك الفترة فذكر محمد بن سعد في كتاب الطبقات عن ابن عباس قال كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة سنة ولم يكن بينهما فترة وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وتسعون سنة . ” تفسير القرطبي ” ( 6 / 121 ).

  1. قال ابن حجر :

وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من ألفي سنة ومدة النصارى من ذلك ستمائة . ” فتح الباري ” ( 4 / 449 ) .

 

  1. وقال :

ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته لا بالنسبة إلى طول الزمان وقصره كون أهل الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم دون المدة التي بين نبيّنا صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا أن مدة الفترة بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم   ستمائة سنة وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان . ” فتح الباري ” ( 2 / 40 ) .

وبالنظر إلى ما سبق من الأحاديث والآثار والأقوال يمكن تقدير الفترة بين آدم ومحمد عليهما الصلاة والسلام من خمسة آلاف سنة إلى ستة آلاف .

فلو فرضنا أن عمر آدم عليه السلام : 1000 سنة – ، وبينه وبين نوح : 1000 سنة ، وبين نوح وإبراهيم : 1000 سنة ، وليس بين إبراهيم ويعقوب إلا إسحاق ، وبين يعقوب ومحمد صلى الله عليهم وسلم : 2000 سنة فيكون المجموع كما سبق وذكرنا .

والجزم بذلك من المحال ، لتعذر معرفة عمر آدم ، وعمر إسحاق عليهم السلام .

 

والله أعلم.