الرئيسية بلوق الصفحة 265

سرقة الأموال والمعلومات عن طريق الإنترنت والصراف الآلي يوجب القطع أم التعزير؟

السؤال:

سرقة الأموال والمعلومات عن طريق الإنترنت والصراف الآلي يوجب القطع أم التعزير؟

 

الجواب:

          الحمد لله

أولاً:

يعدُّ المال من الضرورات الخمس التي جاءت الشرائع السماوية جميعاً بحفظها ، وفي الإسلام من التشريعات ما يؤكد ذلك ، ويؤيد ، ومن أجل ذلك حرَّم الله تعالى التعدي على أموال الآخرين بغير حق ، وحرَّم جميع صور ذلك ، من الربا ، والاختلاس ، والانتهاب ، والسرقة ، الغش ، والغصب ، والإتلاف ، وغير ذلك من صور التعدي مما فيه انتقال تلك الأموال للطرف المعتدي ، أو إفسادها وعدم انتفاع صاحبها به .

ولعلنا نقف هنا وقفة مع صورة حديثة من صور الاعتداء على أموال الآخرين ، وذلك عن طريق اختراق المعلومات الخاصة بالشخص ، وسحب أمواله ، وتملكها ، وهي في عمومها لا تخرج عن كونها ” اختلاساً ” ، أو ” سرقة ” ، على ما يأتي تفصيله ، وفي كل الأحوال هو اعتداء قبيح ، وإثم مبين ، لا يُختلف في تحريم فعله ، ولا في تحريم تملك تلك الأموال ، وأنها سحتٌ مغتصبة .

 

ثانياً:

ومن أجل الحفاظ على أموال الناس حرَّم الله تعالى جميع أنواع الاعتداء عليها ، وتملكها بالباطل ، وتحريم السرقة مما جاء النص عليه في القرآن ، والسنَّة ، والإجماع ، وقد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بمبايعة النساء على أمور منها : أن لا يسرقن ، فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) الممتحنة/ 12 ، ومن أجل ذلك شرع الله تعالى حدّاً على تلك الجريمة ، وهو قطع اليد اليمنى من الرسغ ، فقال تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) المائدة/ 38 .

      وقد كان في ذلك الحد أبلغ الأثر في منع ضعاف النفوس من التعدي على أموال الآخرين ، ولا يُلتفت إلى من استبشع ذلك طعناً في الدين ، فلا قيمة لاستبشاعه ، وإن اليد التي تعتدي على أموال الآخرين لهي أهون من أن تكرَّم ، وأما وهي أمينة فإنها ثمينة ، لذا فمن اعتدى عليها بالقطع فإن عليه نصف دية ! ، ولذا قال بعض الفقهاء عن ذلك ” كانت ثمينةً لما كانت أمينةً ، فلما خانت هانت ” .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

      وأما القطع : فجعَله عقوبة مثله – أي : مثل الجلد – ، عدلاً وعقوبةَ السارق ، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد ، ولم تبلغ جنايته حدَّ العقوبة بالقتل فكان أليق العقوبات به : إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس ، وأخذ أموالهم . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 115 ، 116 ) .

ومن المعلوم أنه لا قطع إلا إذا بلغت قسمة المسروق ربع دينار ذهبي فصاعداً ، ووزن الدينار أربعة جرامات وربع ، فعَنْ عَائِشَةَ قالت : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً ) رواه البخاري ( 6407 ) ومسلم ( 1684 ) .

 

ثالثاً:

ولا يختلف ” الاختلاس ” عن ” السرقة ” في الحكم ، فكلاهما محرَّم ، لكنهما يختلفان فيما يوجبه كل واحد منهما ، فالسرقة يترتب عليها حد ” القطع ” ، وأما ” الاختلاس ” : فالتعزير .

ومن أشهر صور الفرق بينهما :

  1. أن السارق لا يمكنك الاحتراز منه ، بخلاف المختلس .
  2. أن السارق يهتك الحرز الذي يوجد فيه المال ، وأما المختلس فإنما يأخذ المال من غير حرز .

وبتطبيق ذلك على المال الموجود في البنوك ، والذي يمكن التوصل له من المعتدي بطريق محرَّم : نجد أن انطباقه على السرقة أقرب من انطباقه على الاختلاس ، فالمال موجود في حرز ، وهو مؤمَّن بما هو أبلغ من أمان البيوت ، حيث جُعلت الأرقام السرية المانعة من دخول أحد عليها إلا صاحبها ، وليس هو كالمختلس يغافلك ليستولي على مالك ، بل يأخذها خفية ، ولا يتوصل – غالباً – أولئك اللصوص لأموال غيرهم إلا ” بسرقة ” بطاقاتهم الائتمانية ، أو سرقة بريدهم الإلكتروني ، فكان أمامهم جدار ينقبونه ، وحرز يهتكونه ، وقفل يكسرونه ، ليتوصلوا لذلك المال ، وهو ما ينطبق على تعريف السرقة .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم ، وترك قطع المختلس ، والمنتهب ، والغاصب : فمِن تمام حكمة الشارع أيضاً ؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه ؛ فإنه ينقب الدور ، ويهتك الحرز ، ويكسر القفل ، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك ، فلو لم يشرع قطعه : لسَرَق الناس بعضهم بعضاً ، وعظم الضرر ، واشتدت المحنة بالسرَّاق ، بخلاف المنتهب ، والمختلس ؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس ، فيُمكنهم أن يأخذوا على يديه ، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم ، أو يشهدوا له عند الحاكم .

وأما المختلس : فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه ، وغيره ، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه ، وإلا فمع كمال التحفظ ، والتيقظ : لا يمكنه الاختلاس ، فليس كالسارق ، بل هو بالخائن أشبه .

وأيضاً : فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثلِه غالباً ، فإنه الذي يغافلك ، ويختلس متاعك في حال تخليك عنه ، وغفلتك عن حفظه ، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً ، فهو كالمنتهب .

وأما الغاصب : فالأمر فيه ظاهر ، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب ، والنكال ، والسجن الطويل ، والعقوبة بأخذ المال ، كما سيأتي . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 80 ، 81 ) .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 286 – 289 ) باختصار :

الاختلاس ، والخلْس في اللغة : أخذ الشيء مخادعة عن غفلة ، قيل : الاختلاس أسرع من الخلس ، وقيل : الاختلاس هو الاستلاب ، ويزيد استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللغوي أنه : أخذ الشيء بحضرة صاحبه جهراً مع الهرب به ، سواءً جاء المختلس جِهاراً ، أو سرّاً ، مثل أن يمد يده إلى منديل إنسان فيأخذه .

أ. الغصب أو الاغتصاب : هو أخذ الشيء قهرا وعدوانا .

ب. السرقة : هي أخذ النصاب من حرزه على استخفاء .

ج . الحرابة : هي الاستيلاء على الشيء مع تعذر الغوث .

د. الخيانة : هي جحد ما اؤتمن عليه .

هـ. الانتهاب : هو أخذ الشيء قهراً ، فالانتهاب ليس فيه استخفاء مطلقاً ، في حين أن الاختلاس يستخفى في أوله .

وقالوا :

اتفق الفقهاء على أنه لا قطع على المختطِف ؛ لأن الاختلاس ، والاختطاف : واحد ، ولا قطع على المختلس ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ ) – رواه الترمذي ( 1448 ) والنسائي ( 4971 ) وابن ماجه ( 2591 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” -.

وقالوا :

اتفق الفقهاء على أنه لا قطع في الاختلاس ؛ لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ ) ، ولأنه يأخذ المال على وجه يمكن انتزاعه منه بالاستغاثة بالناس ، وبالسلطان ، فلم يحتج في ردعه إلى القطع . انتهى.

 

رابعاً:

و ” الحِرز ” الذي يضبط الفرق بين السرقة ، والاختلاس : ليس في الشرع ما يبينه ، ويحدد معالمه ، بل مرجع ذلك فيه إلى العُرف ، وحرز كل شيء بحسبه .

قال ابن قدامة – رحمه الله – :

والحِرز ما عُدَّ حِرزاً في العُرف ؛ فإنه لمّا لم ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه : عُلم أنه رد ذلك إلى أهل العرف ؛ لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته ، فيُرجع إليه ، كما رجعنا اليه في معرفة القبض ، والفُرقة في البيع ، وأشباه ذلك . ” المغني ” ( 10 / 246 ) .

فالحِرز ما وُضع لمنع الداخل من الدخول عليه ، ومن كان له مال في شركة ، أو بنك : فإنه لم يمكِّن كل أحدٍ من الدخول عليه ، بل جعل ما يمنعهم من ذلك ، من بطاقة يحملها هو وحده ، ومن رقم سري لا يطلع عليه غيره ، وبهما يستطيع الدخول على ” السيرفر ” الذي يتمكن من خلاله من سحب ماله ، أو تحويله ، وعموم التحكم به ، ومثل هذا لا ينبغي التردد في عدِّه ” حِرزاً ” ، وتطبيق أحكام السرقة على المتعدي عليه .

قال الصنعاني – رحمه الله – :

وتقدم الخلاف في الحرز ، واختلف القائلون بشرطيته ، فقال الشافعي ، ومالك ، والإمام يحيى : إن لكلِّ مالٍ حرزاً يخصه ، فحرز الماشية ليس حرز الذهب والفضة ، وقال الهادوية ، والحنفية : ما أحرز فيه مال : فهو حرز لغيره ، إذ الحرز : ما وُضع لمنع الداخل ألا يدخل والخارج ألا يخرج ، وما كان ليس كذلك : فليس بحرزٍ ، لا لغةً ، ولا شرعاً . ” سبُل السلام ” ( 4 / 26 ) .

 

خامساً:

وما توصلنا إليه قد واقفنا فيه كثيرين ممن بحثوا المسألة بتوسع ، ومنهم من كتب رسالة دكتوراة في معهد القضاء العالي بالمملكة العربية السعودية ، بعنوان : ” نوازل السرقة أحكامها وتطبيقاتـها القضائية ” ، وهو الشيخ فهد بادي المرشدي ، ومما قال في نتائجها :

  1. الدخول إلى بيانات الحاسب الآلي بطريق غير مأذون فيه للقيام بالتحويل الإلكتروني غير المشروع للأموال : يُعتبر سرقة لمال محرز ، ما لم يكن هناك إهمال ، أو تفريط في حفظه ؛ لأنَّ الحرز معتبر بالعادة التي لا يقترن بها تفريط .
  2. مَن سرق البطاقة اللدائنية من حاملها ، أو قام بتزويرها ، وسحب بها مبالغ ، أو قام بالشراء بها عن طريق نقاط البيع : فإنَّ فعله هذا يعتبر سرقة لمال من حرزه .
  3. يُقطع بالسرقة من كبائن الصراف الآلي ؛ لأنها محرزة بالحافظ .

انتهى.

وفي ” فتاوى الشبكة الإسلامية ” :

لقد قمتُ بشراء بعض الأشياء عن طريق الإنترنت وذلك بإدخال رقم لبطاقة الفيزا كارد وهذه البطاقة ليست لي ولا أعرف لمن هي حيث إنني حصلت عليها من خلال برنامج موجود على الشبكة . وأنا الآن في وضع مزعج لأني أشعر بأن هذا التصرف عبارة عن سرقة أفتوني جزاكم الله خيراً . للعلم: كان هناك اسم لبنك أجنبي مع رقم البطاقة أشك بأن البطاقة للبنك أو لعميل يتعامل مع البنك ، فماذا أفعل ؟ .

فأجابوا :

– الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :

فالواجب عليك التوبة إلى الله تعالى والاستغفار من هذا الذنب، وألا تعود إلى شيء من ذلك ، فإن عملك هذا يعد سرقة ، لأنك أخذت المال من حرزه ، وكفى بذلك إثما، و اعلم أن ما جاءك من هذا المال الذي اشتريت به بعض الأشياء فهو مال حرام. انتهى.

وينظر في جواب بعنوان : ” اختراق مواقع البنوك وتحويل أموال منها هل تعدُّ سرقة توجب القطع ؟ ” .

 

سادساً:

– وأما حكم الاستيلاء على معلومات محمية بأرقام سرية : فلا تخلو تلك المعلومات من حالين :

الأولى : أن تكون معلومات شخصية ، أو سياسية ، لا قيمة لها مادية ، فيكون المعتدي عليها آثماً ؛ لانتهاكه خصوصية غيره بغير وجه حق .

الثانية : أن تكون هذه المعلومات ذات قيمة مادية ، كاختراع ، أو مخطوطات ، أو كتب ودراسات ، ومثل هذه لا يشك في أنه يمكن لأصحابها بيعها ، وبعضها لها أثمان باهظة ، وحكم الاستيلاء على هذه المواد : له حكم السرقة ، وفاعله مع إثمه فإ‘نه يكون مستحقّاً لقطع يده .

وجمهور العلماء على أن المنافع مال ، بخلاف الحنفية الذي يرون أنه لا مال إلا ما كان محرزاً ، متمولاً .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 31 ، 32 ) :

يطلق المال في اللغة : على كل ما تملكه الإنسان من الأشياء .

وفي الاصطلاح : اختلف الفقهاء في تعريف المال ذلك على النحو التالي :

عرف فقهاء الحنفية المال بتعريفات عديدة ، فقال ابن عابدين : المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة .

– والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم .

– وعرف المالكية المال بتعريفات مختلفة ، فقال الشاطبي : هو ما يقع عليه الملك ، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه .

– وقال ابن العربي : هو ما تمتد إليه الأطماع ، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به .

– وقال عبد الوهاب البغدادي : هو ما يتمول في العادة ويجوز أخذ العوض عنه .

– وعرف الزركشي من الشافعية المال بأنه ما كان منتفعا به ، أي مستعدا لأن ينتفع به.

– وحكى السيوطي عن الشافعي أنه قال : لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتلزم متلفه ، وإن قلت ، وما لا يطرحه الناس ، مثل الفلس وما أشبه ذلك .

– وقال الحنابلة : المال شرعا ما يباح نفعه مطلقا ، أي في كل الأحوال ، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة . انتهى.

* وقول الجمهور هو الصواب ، وبه أخذ طائفة كبيرة من أهل العلم المعاصرين ، ورجحه علماء المجامع الفقهية .

جاء في ” قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ” ( 94 ) ما يلي :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت ، من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409هـ ( الموافق 10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م ، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع ( الحقوق المعنوية ) ، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله ، قرر ما يلي :

أولا : الاسم التجاري ، والعنوان التجاري ، والعلامة التجارية ، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها ، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها ، وهذه الحقوق يعتد بها شرعا ، فلا يجوز الاعتداء عليها .

ثانيا : يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ، ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش ، باعتبار أن ذلك أصبح حقا ماليا .

ثالثا : حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعا ، ولأصحابها حق التصرف فيها ، ولا يجوز الاعتداء عليها ، والله أعلم . انتهى .

 

والله أعلم.

حكم من أتى زوجته في دبرها في نهار رمضان

حكم من أتى زوجته في دبرها في نهار رمضان

السؤال:

في رمضان الفائت 1423 هـ كنت حديث عهد بعرس، وكنت لا أصبر عن زوجتي، وكنت أستمتع بها في نهار رمضان من غير جماع ، وأحسست مع فورة حماسي أنني أدخلته بالدبر، وكأنني أنزلت ولا أجزم لاختلاط السوائل.

فما الحكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إتيان الزوجة في دبرها كبيرة من كبائر الذنوب، بل قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان الكهّان، وسمّاه كُـفرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: ” من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدّقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم “. رواه الترمذي ( 135 ) وأبو داود ( 3904 ) وابن ماجه ( 639 ).

– والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2433 ) .

ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من أتى امرأة في دبرها فقال: ملعون من أتى امرأة في دبرها. رواه أبو داود ( 2162 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2432 ).

ففي هذه الأحاديث بيان تحريم إتيان المرأة في دبرها، وهذا الفعل مناقض للفطرة، موجب لسخط الله وغضبه، ثم هو سبب للأمراض.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -:

عما يجب على من وطئ زوجته في دبرها؟‏ وهل أباحه أحد من العلماء‏؟.

فأجاب‏:‏

الحمد لله رب العالمين، ‏‏الوطء في الدبر‏‏ حرام في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك عامة أئمة المسلمين، من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ فإن الله قال في كتابه‏: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ }، وقد ثبت في الصحيح‏: ‏أن اليهود كانوا يقولون: ‏إذا أتى الرجل امرأته في قُبلها من دبرها جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ }،‏ والحرث : ‏موضع الزرع، والولد إنما يزرع في الفرج؛ لا في الدبر … .‏

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 267 ).

وقد بيَّنا في جواب متقدم أن للزوج أن يستمتع بزوجه وهو صائم ما لم يجامع أو ينزل، وبيَّنا أن الجماع في الفرج للزوجة محرم في نهار رمضان فكيف إذا كان جماعًا في الدبر مع الإنزال؟!.

والأصل أن لا تشك في إنزالك؛ لأن مثل هذا لا يخفى حيث يعقبه فتور في الجسم، مع خروج المني دفقًا، وهو ما يمكن الشعور به دون تردد.

ثانيًا:

وأما ما يترتب على صيامك الذي فعلتَ فيه فعلتك: فإن فساد الصوم لا شك فيه، ولزم معه الإمساك عن الطعام والشراب، وقد أوجب جمهور أهل العلم القضاء والكفارة على من أولج في دبر امرأته، أنزل أم لم ينزل.

– وهذا الحكم تشترك فيه زوجتك معك؛ لأنه يظهر أنها كانت مطاوعة لك.

* قال ابن قدامة:

ولا فرق بين كون الفرج قُبُلًا أو دبُرًا من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة – في أشهر الروايتين عنه -: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج.     

ولنا: إنه أفسد صوم رمضان بجماع فأوجب الكفارة كالوطء، وأما الوطء دون الفرج فلنا فيه منع، وإن سلمنا فلأن الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطء في الدبر. ” المغني ” ( 3 / 27 ). 

وفي جواب آخر قلنا:

فمن جامع في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان، وتغيب الحشفة في أحد السبيلين: فقد أفسد صومه، أنزل أو لم يُنزل، وعليه التوبة، وإتمام ذلك اليوم، والقضاء والكفارة المغلظة.

ونوصيك وجميع المسلمين بتقوى الله تعالى في هذا الشهر وتعظيم حرماته، وينبغي للمسلم تجنب الزواج في هذا الشهر لما قد يقع معه من النقض لصيامه وترتب الكفارة المغلظة فيه.

 

والله أعلم.

 

ما هي السنة في المعاملة بين أفراد الأسرة – الأب – الأم – الزوجة – الأخوات؟

السؤال:

ما هي الطريقة النبوية “الهدي النبوي” لتوازن الحقوق بين أعضاء الأسرة “الأم – الأب – الأخوات – الزوجة”؟ كيف يمكن أن نتعامل معهم جميعًا في ضوء السنة؟ وهذا لا يعنى أن هناك فروقًا كثيرة ولكن بباسطة ما يفضل فعله يوم بيوم.

نتطلع إلى إجابتكم.

 

الجواب:

الحمد لله   

أولًا:

أولى الناس بطاعة المرء أمه ثم أبوه.

وهذا القول يشهد له الحديث الصحيح عند الشيخين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ”  جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟  قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟، قال: ثم أبوك “.

رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ).

وقد ذكر بعضهم الإجماع على فقه ظاهر الحديث، أي: أن للأم ثلاثة أرباع الطاعة والبر وللأب الربع.

قال القرطبي: 

وقد زعم المحاسبي في كتاب ” الرعاية ” له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 239 ).

ولكن الإمام ابن حجر رحمه الله ألمح إلى المخالفة فقال: 

لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر وفيه نظر.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

وعلى كل حال إن لم يكن في المسألة إجماع فهو الراجح، وهو قول الجمهور.

قال الحافظ:

وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضَّل في البر على الأب، وقيل: يكون برُّهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.

قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

فالأمر كما قال الحافظ في الكلام السابق: ” والصواب الأول “.

وذهب إلى القول الثاني: بعض الشافعية – كما ذكر ابن حجر ذلك عنهم آنفًا – وقال بعضهم: هو قول مالك.

فقد قال الإمام القرطبي: 

وروي عن مالك: أن رجلا قال له إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك، فدلَّ قول مالك هذا أن برَّهما متساو عنده. ” تفسير القرطبي ” ( 10/ 239 ).

ولم يرتض ابن حجر هذا التأويل فقال: 

والمنقول عن مالك ليس صريحا في ذلك فقد ذكره ابن بطال قال: سئل مالك: طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال: أطع أباك ولا تعص أمك، قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء.

كذا قال وليست الدلالة على ذلك بواضحة.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

وقال ابن حزم: 

الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الإنبات مع التمييز وصحة الجسم سواء كانت أمة أو حرة تزوجت أو لم تتزوج رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل والجدة أم …. ولم يأت نص صحيح قط بأن الأم إن تزوجت يسقط حقها في الحضانة ولا بأن الأب إن رحل عن ذلك البلد سقط حق الأم في الحضانة …… ثم ذكر ابن حزم حديث أبي هريرة السابق مستدلًا به .ثم قال:  فهذا نص جلى على إيجاب الحضانة لأنها صحبة.

” المحلى ” ( 10 / 323 ).

وقال ابن قدامة:

ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعا أو واجبا عليهما نص عليه أحمد في التطوع؛ لأن الأم مقدمة في البر قال أبو هريرة: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:     من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ” رواه مسلم والبخاري، وإن كان الحج واجبًا على الأب دونها بدأ به لأنه واجب فكان أولى من التطوع .

” المغني ” ( 3 / 102 ).

 

 

ثانيًا:

وأما لماذا هذا البر الزائد للأم؟.

فنقول: إنما هو لقوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا ….} [ الأحقاف / 15 ]، وقال تعالى:{ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير }    [ لقمان / 14 ].

ففي الآيتين نرى: أن الله تعالى ساوى الأب والأم في الفضل ولكنه زاد في ذكر فضل الأم في الحمل والوضع والرضاع، وهذا هو السر الذي تقدم به الأم على الأب، وبهذا قال الأئمة والعلماء.

قال ابن حجر: 

قال ابن بطال: ….. قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:  { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين } [ لقمان / 14 ]  فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة.

” فتح الباري ” (10 / 402 ).

وقال الإمام القرطبي معلقًا على الحديث السابق الذي ذكرناه: 

فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان؛ وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 239 ).

ثم يأتي الأب في المرتبة الثانية كما هو صريح من الحديث السابق وغيره من الآيات والأحاديث.

 

ثالثًا: وقد اختلف العلماء في الذي يكون بعد الأبوين.

قال ابن حجر: 

قال عياض: تردد بعض العلماء في الجد والأخ والأكثر على تقديم الجد.

قلت: وبه جزم الشافعية، قالوا: يقدم الجد، ثم الأخ، ثم يقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بواحد، ثم تقدم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم سائر العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار …… وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن إيصال البر دفعة واحدة وهو واضح.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

 والصحيح: أنه بعد الأبوين تكون العشرة والنفقة للزوجة وفي ذلك حديث كثير.

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وإذا مات صاحبكم فدعوه “.

رواه الترمذي ( 3895 ) وأبو داود ( 4899 ).

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خياركم خياركم  لنسائهم “. رواه ابن ماجه ( 1978 ).

قال البوصيري:

هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه البزار في مسنده والترمذي في الجامع وقال حديث حسن .

” مصباح الزجاجة ” ( 2 / 117 ).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك “.

رواه الطبراني ( 8 / 314 ).

قال الهيثمي:

رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.

” مجمع الزوائد ” ( 3 / 120 ).

وقال المنذري:

رواه الطبراني بإسناد حسن.

” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 42 ).

وقال الصنعاني معلقًا على هذا الحديث: 

والترتيب في الحديث ولم يذكر فيه الولد والزوجة لأنهما قد علما من دليل آخر ….. والتقييد بكونه وارثًا محل توقف، واعلم أن للعلماء خلافًا في سقوط نفقة الماضي فقيل: تسقط للزوجة والأقارب، وقيل: لا تسقط، وقيل: تسقط نفقة القريب دون الزوجة، وعللوا هذا التفصيل بأن نفقة القريب إنما شرعت للمواساة لا لأجل إحياء النفس، وهذا قد انتفى بالنظر إلى الماضي، وأما نفقة الزوجة فهي واجبة لأجل المواساة، ولذا تجب مع غنى الزوجة ولإجماع الصحابة على عدم سقوطها.

فإن تم الإجماع فلا التفات إلى خلاف من خالف بعده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ” ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “، فمهما كانت الزوجة مطيعة فهذا الحق الذي لها ثابت.

 وأخرج الشافعي بإسناد جيد عن عمر رضي الله عنه : ” أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن يأمروهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا  “، وصححه الحافظ أبو حاتم الرازي، ذكره ابن كثير في ” الإرشاد “. ” سبل السلام ” ( 3 / 221 ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال : عندي آخر، قال: أنت أبصر “.

رواه النسائي ( 2535 ) وأبو داود ( 1691 ).

والحديث: صححه ابن حبان ( 8 / 126 ) والحاكم ( 1 / 575 ).

قال الصنعاني معلقًا على هذا الحديث:

وفيه أن النفقة على النفس صدقة وأنه يبدأ بها ثم على الزوجة ثم على الولد ثم على العبد إن كان أو مطلق من يخدمه ثم حيث شاء ويأتي في النفقات تحقيق النفقة على من تجب له أولا فأولا.  ” سبل السلام ” ( 2 / 142 ).

قال ابن قدامة – في حق توزيع صدقة الفطر وبمن يبدأ -:

وإذا لم يفضل إلا صاع أخرجه عن نفسه لقوله عليه السلام: ” ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ” ولأن الفطرة تنبني على النفقة فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة فإن فضل آخر أخرجه عن امرأته لأن نفقتها آكد فإن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار ونفقة الأقارب صلة تجب مع اليسار دون الإعسار فإن فضل آخر أخرجه عن رقيقه لوجوب نفقتهم في الإعسار …….. وفي الوالد والولد الكبير وجهان أحدهما يقدم الولد لأنه كبعضه والثاني الوالد لأنه كبعض ولده وتقدم فطرة الأم على فطرة الأب لأنها مقدمة في البر بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله: مَن أبر؟ قال: أمك، قال: ثم مَن، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أباك.

ولأنها ضعيفة عن الكسب، ويحتمل تقديم فطرة الأب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:    ” أنت ومالك لأبيك ” ثم بالجد ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث. ” المغني ” ( 2 / 362 – 363 ).

رابعًا:

أما الأخوات والأخوة الذين لا كاسب لهم فتجب نفقتهم على الأخ بالتفصيل المذكور آنفًا في الحديث الذي ذكرنا تعليق الصنعاني عليه وذكر فيه الصنعاني أن هذا الترتيب مراد مطلوب.

قال القرطبي:

وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 241 ).

 

والله أعلم.

 

حكم شراء واستعمال منتجات البحر الميت

حكم شراء واستعمال منتجات ” البحر الميت “

السؤال:

هل من الجائز استخدام مواد مثل غسول الجسم ، أو الوجه …إلخ، وهي مواد تحتوي على أملاح من البحر الميت، أو تحتوي على مواد أخرى من البحر الميت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

في ” الموسوعة العربية العالمية ” :

” البحر الميِّت ” : بحيرة مالحة ، تقع في فلسطين المحتلة ، والأردن ، عند مصب ” نهر الأردن ” ، يعد ساحله الذي يبلغ 399 م تحت مستوى سطح البحر أكثر الأماكن انخفاضاً على وجه الأرض ، والبحر الميت هو أشد المسطحات المائية ملوحة في العالم ، إذ تبلغ ملوحته تسعة أضعاف ملوحة المحيط ، ويشكل هذا البحر جزءًا من الحدود الفاصلة بين فلسطين ، والأردن .

وقد سميت البحيرة بالبحر الميت : لأنه لا يوجد فيها سوى القليل من النباتات ، كما أنه لا يوجد فيها أسماك ، غير روبيان المياه المالحة ، وإلى جانب هذا تكاد الحياة النَّباتية تنعدم تمامًا في الأراضي المالحة التي تحيط بها .

يقع البحر الميت في غور عميق في القشرة الأرضية ، وتغطي مياهه نحوًا من ( 1,040 ) كم² ، ويبلغ عرضه ( 18 ) كم عند أشد النقاط اتساعاً ، بينما يبلغ طوله زهاء ( 80 ) كم .

وفي البحر الميت شبه جزيرة تعرف باسم ” اللِّسان ” تمتد إلى داخل البحر الميت من ساحله الشرقي ، وشبه الجزيرة ، تقسم البحيرة إلى : حوض شمالي كبير ، وحوض جنوبي صغير ، ويضم الحوض الشمالي أشد أجزاء البحيرة عمقًا ، وفي هذه المنطقة يبلغ قاع البحيرة ( 400 ) م تحت سطحها ، ونحواً من ( 799 ) م تحت سطح البحر .

وقد ورد ذكر البحر الميت في الإنجيل مشارًا إليه باسم ” بحر الملح ” ، كما أنَّ مدينتي ” سدوم ” ، و ” عمورة ” القديمتين نشأتا بالقرب من ضفافه . انتهى.

ثانياً:

والانتفاع بما يخرج من البحر الميت من أملاح ، ومعادن ، وطين علاجي ، وغيره : مرده إلى القول بأنها المنطقة التي عُذب بها قوم لوط ، فإن ثبتَ أن قراهم كانت هناك ، وحصل العذاب ثمَّ : فإنه لا يجوز الانتفاع بشيء مما في تلك البحيرة ، وإن لم يثبت ذلك : فحكم ما يستخرج منه داخل في الإباحة المذكورة في عدد من الآيات القرآنية ، وحكمها حكم ما في البحار الأخرى .

فهل يثبت فعلاً أن تلك البقعة كانت فيها مساكن الذين ظلموا من قوم لوط ؟ .

هذا محل خلاف ، والأكثر من أهل التاريخ والتفسير يثبت ذلك ، ويؤكده ، ويخالف في ذلك بعض العلماء من أهل الفنون المختلفة .

وهذان نقلان لمفسريْن أحدهما له باع في التفسير والتاريخ ، والآخر معاصر ، في إثبات إرسال لوط عليه السلام لأهل ” سدوم ” وما حولها ، وأنها هي ما يطلق عليه الآن ” البحر الميت ” :

  1. قال ابن كثير – رحمه الله – :

ولوط هو ابن هاران بن آزر ، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ، عليهما السلام ، وكان قد آمن مع إبراهيم عليه السلام ، وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل ” سدوم ” ، وما حولها من القرى ، يدعوهم إلى الله عز وجل ، ويأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم ، والمحارم ، والفواحش ، التي اخترعوها ، لم يسبقهم أحد من بني آدم ، ولا غيرهم ، وهو إتيان الذكور ! وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ، ولا تألفه ، ولا يخطر ببالهم ، حتى صنع ذلك أهل ” سَدُوم ” عليهم لعائن الله . ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 444 ، 445 ) .

  1. وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – :

والقوم الذين أُرسل إليهم لوط عليه السّلام هم أهل قرية ” سدوم ” و ” عمُّورة ” ، من أرض كنعان ، وربّما أطلق اسم ” سدوم ” و ” عمُّورة ” على سكّانهما ، وهو أسلاف الفنيقيين ، وكانتا على شاطىء السديم ، وهو ” بحر الملح ” ، كما جاء في التّوراة ، وهو البحر الميّت المدعو ” بحيرة لوط ” بقرب ” أرشليم ” ، وكانت قرب ” سدوم ” ، ومن معهم ، أحدثوا فاحشة استمتاع الرّجال بالرّجال ، فأمر الله لوطاً عليه السّلام لما نزل بقريتهم – سدوم – في رحلته مع عمّه إبراهيم عليه السّلام أن ينهاهم ويغلظ عليهم . ” التحرير والتنوير ” ( 8 / 230 ) .

ونذكر هنا أشهر الآيات التي يُستدل بها على أن مكان قوم لوط هو مكان معلوم مشتهر ، تمر عليه القوافل ، ويعرفه المسافرون ، في الجاهلية ، وقبلها ، وفي الإسلام :

  1. قال تعالى :

( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) التوبة/ 70 .

وقال : ( وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ) الحاقة/ 9 .

وقال : ( وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى . فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ) النجم/ 53 ، 54 .

والائتفاك هو الانقلاب ، والمراد به القرى المنقلبات بعذاب الله تعالى ، من قرى لوط عليه السلام .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

المؤتفكة : مفتعلة من الإفك ، وهو القلب والصرف ، والمراد بها : قرى قوم لوط ، بدليل قوله في غير هذا الموضع : ( وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ) بالجمع ، فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع ، كما أوضحناه مراراً .

وإنما قيل لها : ” مؤتفكة ” : لأن جبريل أفكها فأتفكت ، ومعنى أفكها : أنه رفعها نحو السماء ، ثم قلبها ، جاعلاً أعلاها أسفلها ، وجعل عاليها أسفلها ، هو ائتفاكها وإفكها .

وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة هود في قوله تعالى : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ) هود/ 82 ، وقوله تعالى في سورة الحجر  : ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) الحجر/ 73،74. ” أضواء البيان ” ( 7 / 474 ، 475 ) .

  1. وقال تعالى – على لسان شعيب عليه السلام – :

( وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ) هود/ 89 .

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – :

والمراد بالبُعد : بُعد الزمن ، والمكان ، والنسب ، فزمن لوط عليه السّلام غير بعيد في زمن شعيب عليه السّلام ، والدّيار قريبة من ديارهم ، إذ منازل مدين عند عقبة ” أيلة ” مجاورة ” معان ” ممّا يلي الحجاز ، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت ، وكان مدين بن إبراهيم عليهما السّلام – وهو جد القبيلة المسماة باسمه – متزوجاً بابنة لوط . ” التحرير والتنوير ” ( 12 / 147 ) .

  1. وقال تعالى :

( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ . وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) الصافات/ 137 ، 138 .

قال الإمام الطبري – رحمه الله – :

قول تعالى ذكره لمشركي قريش : وإنكم لتمرون على قوم لوط – الذين دمرناهم – عند إصباحكم نهاراً ، وبالليل . ” تفسير الطبري ” ( 21 / 105 ) .

  1. وقال تعالى :

( وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ . وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لَظَالِمِينَ فانتقمنا مِنْهُمْ . وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ) الحجر/ 76 – 78 .

قال ابن كثير – رحمه الله – :

وقوله : ( وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) أي : وإن قرية ” سدوم ” التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري ، والمعنوي ، والقذف بالحجارة ، حتى صارت بحيرة منتنة ، خبيثة : لبطريق مَهْيَع مسالكه ، مستمرة إلى اليوم ، كما قال تعالى : ( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ . وَبِالَّليْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) الصافات/ 137 ، 138 .

أصحاب الأيكة : هم قوم شعيب ، قال الضحاك ، وقتادة ، وغيرهما : الأيكة : الشجر الملتف ، وكان ظلمهم بشركهم بالله ، وقطعهم الطريق ، ونقصهم المكيال والميزان ، فانتقم الله منهم بالصيحة ، والرجفة ، وعذاب يوم الظلة ، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط ، بَعْدَهم في الزمان ، ومسامتين لهم في المكان ؛ ولهذا قال تعالى : ( وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ) أي : طريق مبين . ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 544 ) .

  1. وقال تعالى :

( وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) العنكبوت/ 35 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

أي : تركنا من ديار قوم لوط آثاراً بيِّنة ، لقوم يعقلون العِبر بقلوبهم ، فينتفعون بها . ” تفسير السعدي ” ( ص 630 ) .

فهذه الآيات البينات تدل على أن قرى قوم لوط كانت معروفة بعين مكانها عند من بعدهم ، وأن مشركي قريش كانوا علم بها ، ولولا ذلك ما أخبرهم الله بأن يتعظوا بها وهم يمرون عليهم في طريق سفرهم إلى الشام ، ذهاباً وإياباً ، وقد ذكر الله تعالى أنه ترك منها آية بينة ، ولا يكون ذلك مع خفاء مكانها .

فيدل كل ما ذكرناه أن قرى قوم لوط معروفة بعينها ، وقد تكاثرت الأقوال أنها هي ما يُطلق عليه ” البحر الميت ” ، وثمة اكتشافات حديثة تؤيد ذلك ، مع ما يضاف إليه من كونها كذلك عند أهل الكتاب ، فهذا كله يقوِّي بأنها كانت في بقعة ” البحر الميت ” .

ثالثاً:

ومن اطمأن قلبه إلى ما ذكرناه ، وتبين له أن تلك البحيرة هي مكان خسف وعذاب : لم يجز له الاستفادة من شيء منتجاتها ، بل ولا زيارتها من أجل السياحة ، وإذا مرَّ بها أن يسرع ، ويبكي .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ) . رواه البخاري ( 423 ) ومسلم ( 2980 ) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وهذا يتناول مساكن ثمود ، وغيرهم ، ممن هو كصفتهم ، وإن كان السبب ورد فيهم . ” فتح الباري ” ( 6 / 380 ) .

 

 

 

وقال ابن القيم – رحمه الله – في سياق فوائد غزوة تبوك – :

ومنها : أن من مرَّ بديار المغضوب عليهم ، والمعذَّبين : لم ينبغِ له أن يدخلها ، ولا يقيم بها ، بل يسرع السير ، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها ، ولا يدخل عليهم إلا باكياً معتبراً .

ومن هذا إسراعُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السير في ” وادي مُحَسِّر ” بين ” مِنَى ” و ” عَرَفة ” ؛ فإنه المكانُ الذي أهلك الله فيه الفيلَ ، وأصحابه .

” زاد المعاد ” ( 3 / 560 ) .

وأما دليل عدم الانتفاع بشيء من أماكن العذاب :

فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا . رواه البخاري ( 3199 ) .

قال ابن العربي المالكي – رحمه الله – :

المسألة الرابعة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهرق ماء ديار ثمود ، وإلقاء ما عجن وحيس به ؛ لأجل أنه ماء سخط ، فلم يجز الانتفاع به ، فراراً من سخط الله ، وقال : ( اعلفوه الإبل ) ; فكان في هذا دليل أيضا على أن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب : يجوز أن يعلفه الإبل والبهائم ; إذ لا تكليف عليها ، ولأجل هذا قال مالك في العسل النجس : إنه تعلفه النحل ، وكذلك لا يجوز الصلاة فيها ; لأنها دار سخط وبقعة غضب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخلوها إلا باكين ) ، وروي : ( أنه تقنع بردائه ، وأوضع راحلته حتى خرج عنها )  .

” أحكام القرآن ” ( 5 / 152 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين ، إلا مع البكاء ؛ خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ، ونهى عن الانتفاع بمياههم ، حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة – وهي غزوة العسرة – وهي أشد غزوة كانت على المسلمين – أن يعلفوا النواضح بعجين مائهم . ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 80 ).

فالذي نراه : أنه لا يجوز الانتفاع بشيء من منتجات البحر الميت ، وأنه من لم تطمئن قلبه لهذا الحكم : فنرى أن يتورع عنها ، وأن يبحث عن غيرها مما لا مضرة فيها من المباحات .

 

والله أعلم.

حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام

حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام

السؤال:

ما حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام؟

 

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد

أولاً:

فإنه لا يشك أحد ما للإعلام المرئي من أثر بالغ في نفوس من يشاهده ، وقد شاهدنا عظيم تأثيره في أزمات وأحوال نقلت للناس بالصوت والصورة ، فكان أن ساهمت في تغيير مجرى حياة دول وشعوب .

وقد تنبه القدماء لأثر الصورة في واقع حياتهم ، ومع أن تصويرهم لا يعدو أن يكون رسماً بدائيا إلا أنهم نطقوا ببيان عظيم أثرها ، ففي المثل الصيني : ” الصورة بألف كلمة ” ! ، ولو قالها الصينيون العصريون لقالوا ” ” بمليون كلمة ” ، ومن أقوال الفيلسوف ” أرسطو ” المنسوبة إليه : ” إن التفكير مستحيل من دون صور ” .

وذا فلا عجب إن علمنا أن الصورة تعمل في الذهن أكثر من عمل القراءة والسماع ، وقد جاء في بعض الدراسات ” أن الناس يتذكرون 10% فقط مما يسمعون ، و30% فقط لما يقرؤنه ، في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به إلى 80% ” .

ثانياً:

وبما أننا نعيش بما أطلق عليه بعضهم ” عصر الصورة ” ، ونحن نعاصر ” ثورة الإعلام والاتصالات ” : فقد توجه السؤال حول حكم عرض صور القتلى والجرحى والمنكوبين ، والذين تتعرض ديارهم لغزو غاشم ، أو جوع كاسر ، أو فتنة عظيمة ، وهل يجوز نقل صور أولئك في وسائل الإعلام ليقف الناس على حقيقة ما حلَّ بهم .

وكان الجواب :

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة ، ويمكن حصر أقوالهم في ثلاثة اتجاهات : طرفان ، ووسط ، فمن محرَّم ومانع مطلقاً ، ومن مجيزٍ مطلقاً ، وأما الوسط : فهو الذي يجيز ذلك بضوابط ، فلا يمنع مطلقاً ، ولا يجيز مطلقاً .

  1. أما الطرف المانع المحرِّم : فأبرز أوجه منعه :

أ. حرمة التصوير الفوتغرافي .

ب. حرمة المسلم ، وعدم جواز نقل صورته جريحاً ، أو قتيلاً .

ج. أن هذا النقل مما يسبب الضعف والخور والجُبن للمسلمين المشاهدين .

وأبرز من قال بهذا المنع : علماء اللجنة الدائمة ، والشيخ صالح الفوزان حفظه الله .

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة :

إنني أعمل في جمعية إسلامية خيرية ، وهذه الجمعية لديها مجلدات بها صور فوتوغرافية ( ألبوم ) ، وهذه الصور لأعمال خيرية تقوم بها الجمعية ، على سبيل المثال من ضمن الصور يوجد صور للأيتام في أفغانستان الذين تكفلهم الجمعية ، وصور لجماعة يفطرون في شهر رمضان ضمن مشروع ( إفطار الصائم ) وغير ذلك من الصور ؛ وهذا من أجل تعريف المحسنين من الناس بالمشاريع الموجودة في الجمعية .

فسؤالي هو : هل هذه الصور حرام أم لا ؟ .

فأجابوا : لا يجوز التصوير ، لا بالآلة الفوتوغرافية ، ولا بغيرها من غير ضرورة ؛ لعموم النهي عن التصوير ، والوعيد الشديد عليه ، ولا يجوز الاحتفاظ بالصور التي لا ضرورة لبقائها ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها ، وإتلافها ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه ، وإنما يجوز التصوير والاحتفاظ ببعض الصور في حالة الضرورة ، كالصور التي في حفائظ النفوس ، وجوازات السفر ، والبطاقات الشخصية ، ورخص القيادة .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 284 ، 285 ) .

  1. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

بعض المعارض تقام لبيان جراحات المسلمين في ” فلسطين ” ، وغيرها ، يكون فيها صور الجرحى ، والقتلى ، وأحيانا تُعرض عن طريق الفيديو ، والقصد من ذلك : حث المسلمين على التبرع لإخوانهم ، فهل هذا العمل جائز ؟ .

فأجاب  :

هذا العمل غير مناسب ، لا يجوز إقامة الصور للجرحى ، لكن يُدعى المسلمون للتصدق على إخوانهم ، ويبلغون أن إخوانهم مضايقون ، وأنهم يجري عليهم ما يجري من فعل اليهود ، بدون أنهم يَعرضون صور ، ويَعرضون جرحى ؛ لأن هذا فيه استعمال للتصوير .

وأيضاً : في هذا تكلف ما أمر الله تعالى به ، وفيه أيضاً : تفتيت لعضد المسلمين ؛ لأنك لما تعرض أمام الناس صور مسلم ممثَّل به ، أو مقطَّع الأعضاء : فهذا مما يُرعب المسلمين ، ويرهب المسلمين من فعل الأعداء ، والواجب : أن المسلمين لا يُظهرون الضعف ، ولا يُظهرون الإصابات ، ولا يُظهرون هذه الأمور ، بل يَكتمونها حتى لا يفتوا في عضد المسلمين .

انظر كتاب : ” الإجابات المهمة في المشاكل الملمة ” ( 2 / 105 ) .

  1. وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم – حفظه الله – :

فما أبعد كثير من الناس عن الفقه حينما يصورون موتى المسلمين ، بالذات في المذابح حين تحصل ، وكأن هذا من أجل المصلحة الإعلامية المزعومة ، يستبيحون انتهاك حرمة الميت ، وتُنشر الصور في الجرائد دون أدنى استقباح لهذا الفعل الشنيع ، والإنسان لا يرضى لنفسه ولا لوالده أن تنشر صورته وقد قتل ، أو مات بهذه الصورة الشنيعة التي تحصل الآن ، بحجة مصلحة الدعوة ،  لأجل أن الناس تنفعل ، وترى كيف يُفعل بالمسلمين ، وغير ذلك من هذه الاعتبارات المهدرة ، فهذا حق الميت ، حقه أن يُستر ، لا أن تُنشر صوره عن طريق وسائل الإعلام ، وبالذات الجرائد ، بل وأحياناً تعلَّق في المساجد ! وما من إنسان ينتبه أن هذه مخالفة لهذا الحكم الشرعي ، وهو أنه يجب ستر الميت عن الأعين ، وعدم كشفه ، فما أبعد هؤلاء من آداب الشرع . ” من شرحه على بلوغ المرام ” .

http://www.islamway.com/index.php?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=35060&scholar_id=33&series_id=1935

 

ثالثاً:

  1. 2. وأما القول بجواز التصوير للجرحى والقتلى مطلقاً : فيمكن نسبة هذا القول للمشايخ الذين لهم مواقع ينقلون فيها هذه الصور ، وللمشايخ الذين يشرفون على القنوات الفضائية الإسلامية التي تنقل هذه الصور كذلك ، ومن القائلين بالجواز – بشرط عدم تعليقها في المساجد – : موقع الفتوى في ” الشبكة الإسلامية ” :

فقد سئلوا:

شيخنا الفاضل ، هل يجوز لصق بعض الصور لما يقع في العراق من جرحى الأطفال ، وغيره ، في المساجد ؛ للتألم ، والدعاء لهم بالخير ، والصبر ، والتشجيع ، ورفع الدعاء على العدوان الظالم ؟ وجزاكم الله خيراً .

فأجابوا:

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :

فمن الوسائل النافعة في بعث الهمم ، وإحياء روح الأخوة الإيمانية ، وإعانة المحتاجين والمستضعفين من المسلمين : تعليق بعض الصور ، والمشاهد المعبرة عن حالهم ، وما هم فيه ، سواءً كان ذلك في أرض العراق ، أو فلسطين ، أو غيرهما ، ولذلك فتعليق تلك الصور في الأماكن العامة مطلوب ؛ لما فيه من الدلالة على الخير .

– أما المساجد فينبغي أن تصان عن تعليق هذه الصور .

رقم الفتوى ( 31678 ) ، تاريخ الفتوى : 09 ربيع الأول 1424 هـ . 

http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?lang=A&Id=31678&Option=FatwaId&x=61&y=4

والشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله – يفرِّق بين الصورة المتحركة – الفيديو – ، والصورة الثابتة في هذه المسألة ، فأجاز الأولى ، وتوقف في الثانية .

فقد سئل – حفظه الله – :

فنظرًا لما سنقوم به من إقامة معرض لجراحات العالم الإسلامي ويتخلل هذا المعرض صور لبعض المصابين ، والقتلى ؛ وذلك تبيينًا لزائري هذا المعرض ، وما يحدث للمسلمين من قِبل أعدائهم ، وكذلك عرض على أجهزة الفيديو ، فما حكم الشرع في ذلك ؟ .

فأجاب :

أرى – والله أعلم – جواز هذا العرض ، إذا كانت الصور غير ثابتة ، كالصور في الشاشات من أفلام ؛ حيث أنها لا تدخل في ” الصور الثابتة ” ، وهي المنقوشة ، أو المطبوعة .

فأما الصور المرسومة في الصحائف الحائطية : فأنا أتوقف فيها ، ولو كان فيها دوافع للزائرين إلى التبرع ، لكن إن احتيج إلى الصور المرسومة : فلا بد من طمس الوجه ، والرأس ، وإبقاء الجثة التي يتمثل بها الجرح ، ونحوه .

موقع الشيخ عبد الله الجبرين ، رقم الفتوى : ( 12187 ) .

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12187&parent=786

 

رابعاً:

  1. 3. وأما القول بجواز عرض صور القتلى والجرحى بضوابط شرعية : فهو الذي نراه قولاً وسطاً بين القولين السابقين .

ومن الضوابط التي نرى وجوب مراعاتها :

  1. عدم نشر صور النساء مطلقاً .

فالمرأة عورة كلها ، ولا حاجة لعَرض صورة امرأة جريحة ، أو قتيلة ، أو جائعة ، وصور الرجال تسد مسدها .

  1. وجوب طمس العورات .

فكثير من الصور لا يراعي ناشروها حكم الله عند تصويرها ، والواجب مراعاة ذلك عند عرضها من قبَل أهل الاستقامة ؛ لأن عورة المسلم واجب عليه سترها ، وحيث كان هو جريحاً ، أو قتيلاً ولا يستطيع ذلك : فهو معذور ، وليس ثمة عذر لمن نشر تلك الصورة .

  1. عدم نشر الانتهاكات الجنسية والاغتصاب .

سواء للرجال ، أو النساء ؛ فإن هذا من فضح ما يجب ستره ، ولا يحب أحد أن يكون مكان ذلك الرجل – أو المرأة من باب أولى – لتنشر صورته على أنه اغتصب ، وقد انتشرت في مواقع الإنترنت صور لأناس أبرياء انتُهك عرضهم من قبَل من لا يخاف الله من الطغاة والمجرمين ، بإدخال عصا في دبره ، أو غير ذلك من الطرق القذرة التي تدل على خساسة فاعلها ، ومثل هذا لا ينبغي أن يُختلف فيه ، وهو في النساء أعظم إثماً ، وأقبح فعلاً .

  1. عدم نشر الأشلاء ، والرؤوس المقطوعة .

لما في ذلك من مناقضته لحرمة المسلم .

  1. تجنيب المساجد تلك الصور .

وقد أصبحت كثير من المساجد معارض لعرض الصور ، وهذا لا يليق أن يُفعل في بيوت الله تعالى ، ولا مانع من عرضها في أماكن عامة ، أو مؤسسات خيرية، أو جمعيات دعوية .

خامساً:

مناقشة المانعين :

لا شك ولا ريب عندنا في جلالة قدر من منع عرض صور الجرحى والقتلى والجوعى في وسائل الإعلام المختلفة ، لكننا في الوقت ذاته ينبغي لنا النظر في المصالح التي يمكن تحقيقها جرَّاء استعمالنا هذا السلاح ، وكما قدمنا فإن الصورة تعدل مليون كلمة ، والإعلام الآن سلاح يُقاتَل به ، ويدافع به ، ولا جدال في هذا ، ونحن نعيش في عالم الغاب ، القوي يأكل الضعيف ، والعاجز الخانع لا قيمة له في هذا العالَم ، وها هي غزة الآن تُقصف بالطائرات جوّاً ، والمدافع برّاً ، والبارجات بحراً ، وأنَّى للمسلمين في أقطار الأرض أن يعلموا حقيقة ما يجري في تلك الأرض لولا ما يُنقل لهم من صور تعبِّر عن واقعهم ؟ وأنَّى للمسلمين أن يهبُّوا لنجدتهم وهم لا يعرفون مدى السوء الذي وصلوا إليه ؟! إنها معركة مع ذلك العدو اليهودي الخبيث يستعمل فيها سلاح الإعلام كما يستعمل السلاح الناري ، ولا عجب إن رأينا تضييق العدو اليهودي على وسائل الإعلام لعدم نقل حقيقة الأخبار حتى لا يعرف العالَم مدى سوئهم ، وحتى لا يَعرف شعبهم حال أبنائهم وما صاورا فيه من حال .

ويمكن إجمال ما نرى أنه من المصالح المتحققة في استعمال سلاح الصورة بما يلي :

– لا تحتاج لثقافة وعلم ما يحتاجه من يقرأ أو يسمع

  1. التأثير على الرأي العام للوقوف مع المسلمين المستضعفين ، وإيقاف الحرب .

ويتمثل ذلك من جهتين :

أ. نشر صور ضحايا المسلمين ، حتى يعرف العالَم مدى الدمار والسوء الذي لحِق بالبلاد المحتلة وبأهلها .

ب. نشر صور قتلى المعتدين ، حتى تضغط الشعوب على حكوماتها لإيقاف الحرب ، وقد كان صورة فتاة خرجت فزعة من أرض محترقة سبباً في إيقاف حرب أمريكا الظالمة لفيتنام ، ولذلك فلا نعجب إن علمنا أن وزارة الدفاع الأمريكية قد منعت نشر صور جثث جنودها العائدين في توابيت لبلادهم من العرق ! خشية من ضغط الشعب عليهم .

ولذا فإن نشر صور القتلى والجرحى يحقق مصالح عظيمة ، ومن أبرزها إيقاف نزيف الدم الهادر من أبناء المسلمين ، وإيقاف الدمار في بلادهم ، وهذه المصلحة في الإسلام يمكن تحقيقها بارتكاب معصية ، أو ترك واجب – فيجب قطع الصلاة والصيام إذا كان لا يتم إنقاذ نفس إلا بذلك – فكيف أن في نشر صورة مختلف في تحريمها أصلاً ؟! .

  1. تثبيت الجريمة على فاعلها .

ويستفاد من ذلك :

أ. تصحيح الصورة في العالَم .

فاليهود الأخباث الآن ، ومعهم وسائل إعلام غربية عالمية كثيرة تنقل صور مآسي اليهود جرّاء إطلاق المجاهدين عليهم صواريخ بدائية ، فيستعطفونهم ، ويبتزونهم ، ويوهمون العالَم أنهم شعب مظلوم مقهور ! ولا يمكن تصحيح هذا الخلل إلا بسلاح الإعلام الذي يبين الحقيقة من غير رتوش ، ولا دجل .

ب. ولمحاكمة ومعاقبة الفاعلين إن تيسر ذلك .

كما حصل في محاكمة طغاة ” الصرب ” بنشر صور جثث القتلى من المسلمين ، وإيقاف العالَم على الكم الهائل الذي راح ضحية مذابحهم ، وقد كان للصور أبلغ الأثر في تثبيت التهمة على أولئك الطغاة وغيرهم ممن يمكن أن يأتي دورهم .

وعلماؤنا الأجلاء يجوزون نشر صور المتهمين في قضايا سرقة واعتداء ، وما نحن فيه الآن أبلغ بكثير ، حيث يكون أولئك قتلة لألوف المسلمين .

  1. الرد على إعلام العدو النافي لوقوع ضحايا ، وكشف زيف ادعائه للحرية والإنسانية .

وقد كان في نشر صور تعذيب الأمريكان في ” أبي غريب ” – العراق – ، ونشر صور المعذَّبين من الشيشان من قبَل الروس ، ونشر صور تعذيب الرافضة لأهل السنة في العراق وإيران : أبلغ الأثر في كشف زيف تلك الأديان والمناهج والطوائف ، وقد كان تعداد أسماء الضحايا وذكر أسمائهم قاطعاً للتشكيك في أخبار المستضعفين .

فكم تحصَّل من مصالح في هذا النشر ، من مراقبة السجون ، وطرد الضباط والمسئولين عن التعذيب من وظائفهم ، وإحكام الرقابة على المعتقلات ، وتحسين أوضاع المساجين ، وغير ذلك من مصالح ، لا يشك الواقف عليها أن الشريعة تتشوف لها ، وتدعو لها ، ولو ارتكب في ذلك ما فيه مفسدة ، فكيف إذا كان ذلك في قضية مختلف فيها أصلاً ؟! .

  1. فضح المنتسبين للإسلام ، وكشف إلحادهم وزندقتهم .

وقد كان نشر ” فيلم ” إعدام ” صدام ” يعادل مئات الحلقات من مناظرة أولئك الزنادقة ، ويعادل مئات الكتب والخطب في تبيين حال الرافضة ، وخبث اعتقادهم ، فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، فتبين لكثير من أهل السنَّة أن مثل هذا الفعل – الإعدام دون محاكمة عادلة ، وليلة عيد الأضحى – أن هؤلاء الرافضة ليسوا مسلمين ، وإن زعموا ذلك للناس ، حتى رأينا مظاهرات في العالَم الإسلامي تطالب بطرد السفير ” الفارسي ” ! من بلادهم ، وسمعنا على ألسنة الكتاب والخطباء والعوام لفظ ” الصفوية ” ! وهو يستعمل لأول مرة عندهم في وصف تلك الفئة المارقة .

وهذه مصالح لا يستهان بها ، والرجل قد أعدم ومات ، فاستثمار عرض صورته وقد تعرض للطعن والإهانة بعد موته لم يكن أقل نفعاً لأهل السنَّة في بيان خبث وانحراف الرافضة عن الفطرة ، والدين ، والعقل .

  1. جمع الصدقات ، والتبرعات ، وكفالة الأيتام ، ورعاية الأرامل .

فللصورة أبلغ الأثر في حث الناس على إعانة إخوانهم المستضعفين ، فرؤية الأطفال الجوعى والذين التصق بطنهم بظهرهم يغني عن مئات المحاضرات النظرية في جلب المساعدات والإعانات له ولأهله ، وكذا تصوير الجرحى لاستقبالهم في المستشفيات وعلاجهم فيها ، وهكذا في مصالح عظيمة يمكن تحقيقها إن أحسنَّا استعمال هذا السلاح ، وكما قدَّمنا فإن تأثير الصورة يبقى في ذهن رائيها أضعاف تأثير المسموع والمقروء .

  1. التهييج على الجهاد ، والانتقام لدماء المسلمين .

ولا ينكر أحد التأثير البالغ الذي أحدثته صور أطفال غزة ضحايا بين الأنقاض ، وقتلى بنيران العدو ، ولا ينسى أحد صورة الطفل الفلسطيني ” محمد الدرة ” عندما اختراقة جسمه الصغير النحيل رصاصات العدو الصهيوني ، وهو في حضن والده .

ومن شأن مثل هذه المشاهد أن تحرِّك الدماء في عروق المجاهدين ، وتدفعهم للمشاركة مع إخوانهم المجاهدين أينما كانوا ، ولا يُنكر أحد أن الناس قد اثاقلوا عن الخروج للجهاد ، ونصرة إخوانهم ، وأن متاع الدنيا قد صار أضعاف متاع السابقين ، وهذا ما جعلهم يركنون إلى الراحة والدعة ، ويطلبون السلامة لأنفسهم ، فتأتي مثل هذه المشاهد لتزهدهم في حياتهم الدنيوية ، ولتحرك دماءهم ليقوموا غضبة لدينهم .

 

 

سادساً:

هذا ، ولا ننكر أنه ثمة مفاسد حتى من نشر ما هو جائز – بشروطه وضوابطه – من الصور ، وهو ما يستدعي من القائمين على الإعلام الإسلامي أن يتصفوا بالحكمة والعقل في التعامل معها ، ومن هذه المفاسد :

  1. تبلد الإحساس بكثرة العرض لصور القتلى والجرحى .

ولذا فلا عجب أن ترى الأسرة تأكل ، وتشرب ، وهم يرون مناظر الحرب ، وصوره المفزعة .

وعلاج ذلك : أن يحسَن في كمية وكيفية عرض الصور على الناس ، فيختار الوقت المناسب ، والقدْر المناسب لعرضه على الناس .

ولذلك أصل في الشريعة :

عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . رواه البخاري ( 70 ) ومسلم ( 2821 ) .

– يتخول : يتعاهد .

– السآمة : الملل ، والضجر .

  1. توقف التأثر مع عدم الصور .

وهذا ما يحصل عند طائفة من الناس ، وهو أن الكلمة لا يكون لها تأثير عليه حتى يرى الصورة المعبِّرة .

وعلاج ذلك : بأن يحسن المتكلم – بدون صورة – توصيف الحدث ، حتى يجعل السامع كأنه يرى الحدث بعينه .

ولذلك أصل في الشريعة :

عن ابنِ عُمَرَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ). رواه الترمذي ( 3333 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي”.

  1. التسبب بالضرر العظيم على المسلمين وخاصة المدنيين .

وهذا مثل ما حصل في صور التمثيل بالمقاولين الأمريكيين الأربعة في الفلوجة ، مما تسبب بحصار جائر ، وعذاب شديد .

والحكمة تقتضي حسن اختيار ما يُنشر مما فيه نفع للمسلمين ، ودفع للضر والأذى عنهم ، وهذا يحتاج لأهل علم وعقل ، وهم يجتهدون في ذلك بما لا يرجع بالضرر على المسلمين .

– وقد يوجد غير ذلك ، لكنه قليل في جنب ما ذكرناه من مصالح عظيمة .

وبكل حال :

فهذه من مسائل الاجتهاد ، ويسع فيها الخلاف ، ومن نظر إلى قول المانعين ، وأنهم أجازوا الصور للهوية ، وتصوير المجرمين : علم أن ما ذكرناه هو أضعاف أضعاف هذه المصالح ، والإعلام سلاح يحتاج من يحسن استعماله .

ونوصي بالطلاع على كتاب الدكتور شاكر عبد الحميد – أستاذ علم نفس الإبداع ، ونائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية ” عصر الصورة السلبيات والإيجابيات ” ضمن إصدارات سلسلة ” عالم المعرفة ” في عددها 311 ، يناير 2005 م ، فهو لا يخلو من فوائد في مسألتنا هذه ليس من الناحية الشرعية ، لكن من ناحية سياسية ، وتقنية .

 

والله أعلم.

ما مفهوم المساواة في “الإسلام؟”

ما مفهوم المساواة في  ” الإسلام ” ؟

السؤال:

ما مفهوم المساواة في  ” الإسلام ” ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

لفظ ” المساواة ” يحوي حقّاً وباطلاً ، وهو لفظ مشترك في الخير والشر ، وأكثر من يستعمله وينادي به الآن إنما يريد الباطل والشرَّ الذي فيه ، فاستعمالهم له إنما هو لجعل الناس سواسية متساويين لا يفرَّقُ بينهم بسبب الدين ، ولا الجنس ، فنادوا بمساواة المرأة بالرجل في كافة المجالات حتى تلك التي من خصائص الرجال ، كما نادوا بالمساواة في المواطنة ، وأنه لا ينبغي أن يكون الدين مفرِّقاً بين الناس ، فجمعوا بين الموحد والمشرك ، والمسلم والوثني ، وجعلوهم في سياق واحد ، لا يفرق الدِّين بينهم .

وأما الخير والحق الذي في هذا اللفظ فهو أن المسلمين متساوون أمام الشرع في أحكامه ، وتكاليفه ، فلا يفرَّق بين شريف ووضيع في إقامة الحدود ، ولا بين الرجل والمرأة ، إذا جاء أحدهم بما يستحق به جلداً ، أو رجماً ، أو قتلاً ، وقد جاءت أمثلة عملية على ذلك ، فحين سرقت امرأة من قبائل العرب الشريفة ، واستحقت قطع يدها : جاء من يشفع لها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب ، وقال : ( إنَّمَا أَهْلَكَ الذينَ قَبْلَكُم أنَّهُم كانُوا إِذَا سَرَقَ ِفيهُم الشَّريفُ تَرَكُوه ، وَإِذَا سَرَقَ فيهُم الضَّعيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ ) متفق عليه ، وعندما عيّر صحابي آخر بأمه السوداء : غضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له : ( إِنَّكَ امْرُؤ فِيكَ جَاهِليَّة ) متفق عليه .

كما أن من أوجه المساواة بين الرجل والمرأة : الوعد في الآخرة بالثواب ، والجنة ، قال الله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97 .

هذا هو المعنى الحق الذي في هذا اللفظ ، وليس هذا ما يريده من ينادي بالمساواة.

وقد اعترف الإسلام بوجود ” نفي المساواة ” بين المسلمين في أبواب منه ، فنفى أن يستوي من آمن بالله وأنفق ماله قبل الحديبية ، وبين من آمن وأنفق بعدها ، كما نفى المساواة بين المجاهدين والقاعدين بغير عذر .

فالمساواة بين المرأة والرجل لها جانبان : حق ، وباطل ، فإذا أريد أنهما سواء في التكاليف والأحكام وإقامة الحدود : فالمعنى صحيح ، إلا ما استثناه النص ، وإذا أريد به أن الذكر كالأنثى في كل الأمور : فباطل ، والله تعالى يقول ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ) فالمرأة تحتاج لولي في الزواج ، وليس الرجل كذلك ، والقوامة للرجل ، لا للمرأة ، والطلاق بيد الزوج ، لا الزوجة ، والجماعة والجهاد واجبان على الرجال دون النساء ، وثمة فروق أخرى في الدية ، والعقيقة ، والميراث ، وليس يعني هذا تمييز الرجل في كل الأمور ، فقد جاءت الوصية بالأم ثلاثة أضعاف الوصية بالأب – مثلاً – كما جاء في الحديث المتفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ : ( أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ ) ، وقد قدَّم الله تعالى الإناث في بعض المواضع مثل قوله تعالى : ( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ) الشورى / 49 .

ولذا فإنه من دعا لمساواة المرأة بالرجل في كل الأمور : فهو داعية ضلال ، ودعوته : زندقة ، وإلحاد .

والعجيب أن ما يدعو إليه الغرب والشرق من المساواة بين الرجال والنساء في كل الأمور : هم أول الكافرين به ! فتاريخهم وواقعهم الحالي يشهدان على هذا ، وأنهم كانوا ولا يزالون يفرقون بين الرجل والأنثى في الوظائف ، والرواتب ، وغير ذلك من نواحي الحياة ، مما يُعلم ولا يخفى .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – :

قوله تعالى ( يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى ، ولم يبين هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب الله.

فبيَّن أنه خلق ذلك الذكر – الذي هو آدم – من تراب ، وقد بيَّن الأطوار التي مر بها ذلك التراب ، كصيرويته طيناً لازباً ، وحمأً مسنوناً ، وصلصالاً كالفخار .

وبيَّن أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم فقال : ( يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ) النساء/ 1 ، وقال تعالى : ( هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الأعراف/ 189 ، وقال تعالى : ( خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الزمر/ 6 …. .

قد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستنداً إلى وجود الرجل وفرعاً عنه ، وهذا أمر كوني ، قدري ، من الله ، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه .

وقد جاء الشرع الكريم المنزل من الله ليعمل به في أرضه بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي ، فجعل الرجل قائماً عليها ، وجعلها مستندة إليه في جميع شؤونها كما قال تعالى : ( الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ) النساء/ 34  .

فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة : لا يمكن أن تتحقق ؛ لأن الفوارق بين النوعين كوناً وقدراً أولاً ، وشرعاً منزلاً ثانياً : تمنع من ذلك منعاً باتّاً .

ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى : صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر .

ولا شك أن سبب هذا للعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر ، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم .

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشتبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال )

وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة ” بني إسرائيل [أي الإسراء ]” ، وبينا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله ، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها : لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله .

ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأثنى فرَّق الله جل وعلا بينهما في الطلاق ، فجعله بيد الرجل دون المرأة ، وفي الميراث ، وفي نسبة الأولاد إليه .

وفي تعدد الزوجات دون الأزواج : صرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد في قوله تعالى : ( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان ) البقرة/ 282 .

فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما ، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة .

وقد قال تعالى : ( أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى ) النجم/ 21 ، 22 ، أي : غير عادلة ؛ لعدم استواء النصيبين ، لفضل الذكر على الأنثى .

ولذلك : وقعت امرأة عمران في مشكلة لما ولدت مريم ، كما قال تعالى عنها : ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ) آل عمران / 36 ، فامرأة عمران تقول : ( وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ) ، وهي صادقة في ذلك بلا شك .

والكفرة وأتباعهم يقولون : إن الذكر والأنثى سواء .

ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة ، وكذب هذه الموجبة .

وقد أوضحنا في سورة ” بني إسرائيل ” في الكلام على قوله تعالى : ( إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) الإسراء/ 9 وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل ، وتفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ، وتعدد الزوجات ، وكون الولد ينسب إلى الرجل ، وذكرنا طرفاً من ذلك في سورة ” البقرة ” في الكلام على قوله تعالى : ( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) البقرة/ 228 ، وبيَّنا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفاً وكمالاً وقوة طبيعية : خلقية ، وكون الأنوثة بعكس ذلك .

وبينا أن العقلاء جميعاً مطبقون على الاعتراف بذلك ، وأن من أوضح الأدلة التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل ، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو الأنوثة كما قال الشاعر :

وما الحلي إلا زينة من نقيصة … يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وقد بيَّنا أن الله تعالى أوضح هذا بقوله : ( أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ) الزخرف/ 18 ، فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له أنقص الولدين ، وأضعفهما خِلقة ، وجبلَّة ، وهو الأنثى ، ولذلك نشأت في الحِلية من صغرها ؛ لتغطية النقص الذي هو الأنوثة ، وجبره بالزينة ، فهو في الخصام غير مبين .

لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبين في الخصام إبانة الفحول الذكور ، إذا اهتضمت وظلمت لضعفها الطبيعي …. .

وأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية ؛ لأن كمال ذكورته ، وشرفها ، وقوتها الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى : لكماله بذكورته ، ونقصها بأنوثتها .

ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها : فإن المرأة تتأثر بذلك تأثراً طبيعيّاً كونيّاً قدريّاً مانعاً لها من مزاولة الأعمال ، كالحمل ، والنفاس ، وما ينشأ عن ذلك من الضعف ، والمرض ، والألم ، بخلاف الرجل : فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك .

ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع الميادين : إلا مكابر في المحسوس ، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته .

” أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ” ( 7 / 473 – 475 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

دين الإسلام : دين العدل في العمل ، والجزاء ، وانتبه ” دين العدل في العمل ، والجزاء ” وليس كما يقول المحدَثون : ” إنه دين المساواة ” ، هذا غلط عظيم ، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة ، حتى يقول : المرأة والرجل ، والمؤمن والكافر : سواء ، ولا فرق ، وسبحان الله ، إنك لن تجد في القرآن كلمة ” المساواة ” بين الناس ، بل لا بدَّ من فرق ، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وآيات كثيرة ، فاحذر أن تتابع ، فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ، ونداءً ، بدلاً من أن تقول : ” الدين الإسلامي دين مساواة ” قل : ” دين العدل الذي أمر الله به ، يعطي كل ذي حق حقه ” ، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث ، وفي الدية ، وفي العقيقة ، وفك الرهان ، يختلفون ، وفي الدِّين : المرأة ناقصة ، إذا حاضت لم تصل ، ولم تصم ، وفي العقل : المرأة ناقصة : شهادة الرجل بشهادة امرأتين ، وهلمَّ جرّاً ، والذين ينطقون بكلمة ” مساواة ” : إذا قررنا هذا ، وأنه من القواعد الشرعية الإسلامية : ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور ، وإلا لصرنا متناقضين ، فنقول : دين الإسلام هو دين العدل ، يعطي كل إنسان ما يستحق ، حتى جاء في الحديث : ( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ) يعني : إذا أخطا الإنسان الشريف الوجيه في غير الحدود : فاحفظ عليه كرامته ، وأقلَّه ، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء ، إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة ؛ لأنه كما قيل : الكريم إذا أكرمته : ملَكته ، لكن لو وجد إنسان فاسق ماجن : فهذا اشدد عليه العقوبة ، وعزره ، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب  رضي الله عنه ضاعف العقوبة بدل أربعين جعلها ثمانين ، كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن : ( من شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه ) ؛ لأن لا فائدة في جلده ، ثلاث مرات نعاقبه ولا فائدة ، إذن خير له ولغيره أن يقتل ، وإذا قتلناه استراح من الإثم ، كما قال الله عز وجل : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأَنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ) .

والخلاصة : أن التعبير بأن دين الإسلام دين المساواة : غلط ، وليس بصحيح ، بل هو دين العدل ، ولا شك ، والعجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام : يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ) فيتناقضون ، والحديث لم ينف مطلقاً ، وإنما قال : ( إلا بالتقوى ) فهم يختلفون بالتقوى ، ثم إن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه قال : ( إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة ، واصطفى من كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ) ففضل ، ولا شك أن جنس العرب أفضل من جنس غير العرب ، لا شك عندنا في هذا ، والدليل على هذا : أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ، ورسالة ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فالأجناس تختلف ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ) فاحذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ، ولو على المدى البعيد ، أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم ، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة ، إنه على كل شيء قدير . ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 212 /المقدمة ) .

وقال – أيضاً – :

ولا يرتاب أحد يفهم دلالات الألفاظ أن بيْن قولنا ” عدل ” وقولنا ” مساواة ” فرقاً عظيماً ؛ فإن ” المساواة ” ظاهرها التسوية بين الأمور المختلفة ، وهذا خلاف المعقول ، والمنقول ؛ لخلاف قولنا ” عدل ” ؛ فإن ” العدل ” : إعطاء كل ذي حق ما يستحقه ، وتنزيل كل ذي منزلة منزلته ، وهذا هو الموافق للمعقول والمنقول ، وعلى هذا : فليس في القرآن ، ولا في السنَّة ، الأمر بمساواة المرأة مع الرجل أبداً ، بل فيهما الأمر بالعدل كما سمعت ، والذي أحبه من كتَّابنا ، ومثقفينا أن يكون التعبير بكلمة ” العدل ” بدل كلمة ” المساواة ” ؛ لما في ” المساواة ” من الإجمال ، والاشتراك ، واللبس ، بخلاف ” العدل ” فإنها كلمة واضحة بيِّنة ، صريحة ، في أن المراد أن يعطى كل ذي حق حقه ، وإذا تدبرت القرآن لوجدت أكثر ما فيه : نفي المساواة ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) ، ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) ، وما أشبه ذلك من الآيات المتعددة التي فيها نفي المساواة ، وليس إثباتها ، ولا أعلم دليلاً في الكتاب والسنَّة يأمر بالمساواة أبداً ، وإذا كان كذلك : فإن العدل أن تعطى المرأة ما يليق بها من الأعمال والخصائص ، وأن يعطى الرجل ما يليق به من الأعمال والخصائص ، وأما اشتراك الرجل والمرأة في عمل يقتضى الاختلاط ، والكلام ، والنظر ، وما أشبه ذلك : فإنه لا شك أنه عملٌ مخالف لما تقتضيه الشريعة الإسلامية في كتاب الله ، وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم … .

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 108 ، وجه أ )

 

والله أعلم.

مشكلات شاب ملتزم مع أهله العصاة

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك بطولها ، ونحن نشكرك على حسن ظنك بنا ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، بمنِّه وفضله.

ثانياً:

ما تعاني منه أخي السائل يشاركك به كثيرون ، يعيشون غربة في دينهم وهم بين أهليهم ، فقد أصبح المستقيمون على طاعة الله غرباء في بلادهم ، أو في بيوتهم ؛ لما يجدونه من إنكار لما هم عليه ، أو محاربة ، أو تثبيط همم وعزائم .

والمسلم الحق لا يلتفت لهذه المعوقات ، بل يستمر في سيره إلى ربه تعالى ، على صراطه المستقيم ، لا يعوجُّ في منهجه ، ولا في سلوكه ، بل لا تزيده هذه المعوقات إلا ثباتاً على الطريق ، وليقتدِ بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولينظر في حاله ، كيف حاربه أعمامه ، وأقرباؤه ، لمَّا جاءهم بالهدى ، ودين الحق ، وقد صبر نبينا صلى الله عليه وسلم على دعوة أولئك الأقرباء خصوصاً ، والناس عموماً ، حتى أنشأ جيلاً فريداً ، نشر الهداية في المعمورة ، وأرسى قواعد العدل في الأرض ، وما نحن إلا حسنة من حسناتهم ، بذلوا الجهود المضنية ، وضحوا بالغالي والنفيس ، من أجل الاستمرار بعمل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، في الدعوة ، والتعليم ، حتى إنك لا تجد بقعة في الأرض إلا ويُذكر فيها الإسلام ، أو يوجد فيها مسلمون .

فالذي نوصيك به ابتداءً هو الصبر على طاعة الله تعالى ، والصبر عن معصيته ، وأن تظل محافظاً على استقامتك ، مع تقوية ذلك بالعلم الشرعي ، وفعل الطاعات .

ثالثاً:

والعصاة يحتاجون لطبيب ذي علم يرشدهم لمرضهم ، ويحتاجون لذي حكمة يعالجهم مع رفضهم ، وهذا ما ينبغي عليك فعله مع أهلك ، فعليك بالعلم أولاً ، فهو زاد الداعية ، ولا يحل للجاهل أن يتكلم في دين الله تعالى ، ثم عليك بالحكمة ، وأعظم طريق الحكمة : اللين ، والرفق ، وهما من أعظم صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما وصيته للدعاة إلى الله ، قال تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) آل عمران/ من الآية 159 ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) .

 

 

 

 

رابعًا:

ونوصيك بالمبادرة بالتزوج ، وعدم تأخير إعفاف نفسك به ، فالفتن التي تعصف بالمجتمعات أصعب من أن يستطيع مواجهتها المتزوج ، فكيف بالأعزب ؟! والزواج وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب ، فاحرص على تعجيله ، وعدم تأخيره .

وإذا تأخر زواجك ، أو لم تستطعه : فاتق الله تعالى في سمعك ، وبصرك ، وفرجك ، واحذر أن تلوث ذلك بمحرمات تلقى ربك بها .

سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد باز – رحمه الله – :

ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطع الزواج وإذا لم يتزوج ؟ .

فأجاب  :

عليه أولاً أن يتقي الله ، وأن يحذر شر النفس ، من الوقوع في الفواحش المحرمة ، وأن يستعين بالله على حفظ عفته ، وحفظ فرجه ، ومن ذلك الاستعانة بالصيام ، يصوم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ) من استطاع الباءة – وهو الزواج – فليبادر بالزواج ، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته ، وهكذا غيرهم ، وإذا لم يستطع الزواج ، ولم يتيسر الزواج : فليتق الله ، وليسأل ربه العون ، وليحذر من نزغات الشيطان ، في قضاء الوطر فيما حرم الله عز وجل ، وليستعن بالصوم ، فإن الصوم يعين ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية ، من غض البصر عن النظر إلى النساء ، والعناية بأسباب حفظ الفرج ، والله يعينه ويوفقه ، إذا صدق وأخلص ، يسر الله أمره ويسر له النكاح . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 218 , 219 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشباب القادرين على النكاح أن يتزوجوا ، وبيَّن الفائدة العظيمة منه ، وهو أنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتين الفائدتين مع أن فيه فوائد كثيرة ؛ لأن هاتين الفائدتين أسرع ما يكون إلى الإنسان ، بمجرد ما يتزوج الإنسان يكف بصره عن النساء ، ويحصن فرجه ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، يصوم ؛ لأن الصوم عبادة وهو في نهاره صائم ، كافٍ ، غافل عما يتعلق بالنساء ، وفي ليله نائم ، ثم إن الصيام يضعف مجاري الدم ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا ضعفت المجاري : ضعفت مسالك الشيطان ، وصار ذلك أقرب إلى السلامة ، ولكن إذا لم يستطع الصوم ، كشاب لا يستطيع النكاح ، ولا يستطيع الصوم ماذا يفعل ؟ يفعل ما أمر الله به بقوله : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33 ، يستعف ، يتصبر ، فإن من يتصبر يصبره الله عز وجل ، وإذا كان الإنسان متعففاً كافّاً عما حرَّم الله : فإنه يدخل في قول الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) الطلاق/ 4 . ” اللقاء الشهري ” ( 46 / المقدمة ) .

 

 

خامسًا:

وأما بخصوص هجرتك من بلدك : فإننا نوصيك بما أوصى به أهل العلم ، من أن بقاءك بين أهلك أفضل إن كنت ترجو هدايتهم ، واستجابتهم لما تدعوهم إليه من الخير ، وأما إن كنت ترى أنك بذلت وسعك في دعوتهم ، ولم تجد منهم إلا الصدود ، وكنت تخشى على نفسك من الفتنة والضياع : فإنه يجب عليك الخروج من تلك الديار إلى ما هو أصلح منها لدينك ، واحذر من تغرير الشيطان من أن تنتقل إلى بلاد الكفر ، أو إلى بلاد أشد سوء مما أنت فيه .

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – :

هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط ، فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع ، في حين أنه لا يملك التغيير ؟ كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه ؟ أم ماذا يفعل ؟ .

فأجاب :

لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف المسلم من هذه الفتن ، وتلك المستجدات : يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح ، فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغيِّر شيئاً منها ، وأن يدعوهم إلى الله ، ويرشدهم إلى الصواب : فهذا أمر مطلوب ، وهو من مقاصد الدعوة.

أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم ، بل في اختلاطه هذا خطر عليه ، وعلى ذويه : فعليه أن يهاجر ، بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك ، فالله عز وجل وسَّع المجالات ، وعَدَّد الفرص ، ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2 ، 3 ، فعلى الإنسان ألا يبدي العجز ، فالله قد تكفل بالأرزاق ، وجعل مع العسر يسراً ، ومع الكرب فرجاً ، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ، ويتوكل عليه ، ويخشاه ، فالله قد وعد باليسر للمسلم ، وهو لا يخلف وعده . ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 2 / 263 ، 264 ، السؤل رقم 233 ) .

 

والله أعلم.

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

السؤال:  

بسم الله الرّحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيّدنا وحبيبنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد استشرت كثيراً في قضيتي هذه ، ودائما كان يصلني نفس الردّ أو مع اختلاف قليل ، وهذه المرة الأخيرة التي أطرح فيها قضيتي مفصلة كي أحصل على فتوى أخيرة ، لا أقول إنني أريد أن أحصل على فتوى تتوافق وإرادتي ولكني لا أقتنع بفحوى الفتوى دائماً .

أبي هو إنسان ظالم ، يفعل أفعالاً كفرية ، وأقوالاً ، هذا من باب عدم اتهامه بالكفر والتألّي على الله ، يشتم ربنا عزّ وجلّ ، ويشتم الرسول ، ويشتم الدين ، يميل لأحبار الشيعة ويتغنى بهم ، يرائي كثيراً فيصلي من أجل أن يقولوا صلّى وهكذا .

حدثتكم في فتوى سابقة كيف أنه طلق أمي ، وقام بالزواج من أخرى ، طردتنا من بيتنا لنعيش مع جدي وجدتي اللذين لا يحباننا ، لا ينفق علينا ، وحتى أخي الذي عمل معه سنوات لم يعطه حقّه ولم يبنِ له بيتاً أو يؤسس له شيئاً ، فقط في الآونة الأخيرة قام بشراء سيارة له ، وهذا بعدما أصبح أخي – ولا حول ولا قوة إلا بالله – من السكِّيرين ويميل للقتل والإجرام وهدد والدي ، ومن يسمع لهذا الكلام يقول يا له من عاق وهو عاص ومذنب ، ولكن ماذا عن والدي الذي أمضى حياته يبنى العمارات على كتفيه ليقول له في كل موقف – أعزكم الله – يا حمار ، يا فاشل ، ودمّر نفسيته ، ودمّر كيانه بهذه الاهانات والمعاملات .

قلتم لي في فتوى سابقة أن أدعو له بالهداية ، طيب هذه فعلناها ، ولكن لا أستطيع غير ذلك ، لا أستطيع أنه أقول له كيف الحال أو أجامله ، أكرهه كره أحدكم لإبليس لعنه الله .

بالنسبة لي أنا شخصيّاً : فإنه منذ زواجه بأمي وهو يهملنا جميعاً ، عندما كنت طفلة صغيرة رماني أرضا دون رحمة وظنوا أنني توفيت ، أخذَنا مرة بسيارة مع إخوتي وأمي في بيت أهلها تندب حظها ليرمينا في أحراش أو مقبرة ويقول لا أريدكم ، كبرت وتفاقمت المشاكل لتصل إلى الشرطة وما أدراك ما الشرطة ، ارتعد البيت وشتت أفراده وطلقت أمي بعد عامين تقريبا من خروجها من المنزل ، وبعد أن عشنا مع أمي لفترة رفض والدي هذا ورغم وجود إمكانية العيش مع أمي إلا أنه أصر على عودتنا لينفق علينا ، وعندما عدنا راحت زوجته توسط الجهات وتتصرف كالأفعى ليخلو لها المنزل ، وحدث هذا .

عندما أقول لشيخ – عبر الفتوى – أبي يهينني فإنه يقول أحسني إليه وادفعي بالحسنة السيئة ، هذه تنفع لصديقة تخاصمت معها وليس لوالد يقول لي أنت شيطانة ، أنت متخلفة ، أنت معتوهة ، ليتك تصابين بسرطان في حنجرتك فتنخرسي ، أنت مش رح يطلع منك إشي ، أنت فاشلة ، والكثير .

بعد هذا سكنت مع جداي وهو كعم لنا ، عم أعزب همه في الحياة ذاته ونفاقته ونساؤه ونزواته ، منذ القدم افتضحت له صور في كل البلدة مع امرأة أجنبية – والعياذ بالله – ، ومعروف بشربه الخمرة ، ومعروف بتعاونه – إن لم أقل عمالته – لليهود .

وكهذا من جيل 10 سنوات تقريبا وحتى اليوم أعيش بدون وجود أب وأم فعلي في حياتي ، وفي الفترة الأخيرة اشتد عداؤه لنا لأن له مشاريع هدم وبناء ولا يعرف أين سيذهب بنا ، يقول لي : أصلا أنت من سيتزوجك ؟! ويسخر من منظري ، مِن خَلق الله ، بشكل مؤلم وفظيع ، وإذا كان بالفعل سوف يتردد شاب بالتقدم لي أو لأحدى أخواتي فهذا بسبب سمعته التي تفوح نتناً عن مسيرة ألف عام ، وبالنهاية هذا نصيب .

استفتيتكم حول العمل في الدعم التقني عبر الهاتف وذكرت لكم شروطه من العمل حتى منتصف الليل والخلوة بالسائق أحيانا فقلتم : لا يجوز ، وأنا توقعت هذا ، هذا العمل هو عمل أختي وافق عليه أبي ويعمل لنا بين الحين والآخر استعراضات قلق وعدم رضا ، أخت أخرى لي اضطرت للموافقة على الزواج من رجل لتهرب من البيت .

كنت أصلي في صف الخامس والسادس ، وبعد أن بلغت انقطعت عن الصلاة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فلم أجد مشجعاً أو محذراً ، الكل هنا في غفلة ، فسرت في المنكرات من علاقات محرمة بشبان ، وأنا لا أبرر لنفسي المعصية ، لكن هذا هو الطريق المتوقع من فتاة لا أب لها ولا أم ، يريدون منها أن تكبر بمفردها دون حنان أو عناية ، دون سؤال ، دون توجيه ، ولا يعمّر قلبها الايمان ، وتبت بفضل الله وقطعت علاقتي بهؤلاء ، وبدأت أصلي وأصوم بشكل متواصل ، وتحجبت ، فلم يعجبه هذا ، وصرت في المنزل متطرفة ، إرهابية ، يخجل من مرافقتي ، يقول لي : ماذا هل تظنين أنك رابعة العدوية ؟! .

أخواتي لسن محجبات ولذلك يجدن فرص العمل مفتوحة أقصد العمل بدون شهادة ، أنا لست كذلك ولكن الرزق من الله ، لم أعد أطلب منه شيئاً ؛ لانه أصلاً لا يعطي وإن أعطى فهو يمنُّ ويذل بما أعطى ، كنت أريد المشاركة في دورة تحفيظ القرآن فرفض بسبب تافه ، ولكني أعلم أن ذلك مرجعه إلى التكلفة ، حرمني من كل شيء في الحياة ، حتى الرفقة الصالحة لا سبيل لي إليها بسبب عدم خروجي من المنزل ، وهو لا ينفق على البيت الذي أعيش به ، جداي اللذان ينفقان ويمنان بدورهما ولا ينفقان إلا القليل ، ولا أقول إلا الحمد لله ، لكن بعد كل هذا كيف يقول لي شيخ فاضل : عامليه بلطف ؟! أي لطف وأي حب ؟! هو لم يعاملني بشيء من هذا منذ ولدت ، لم يقل مرة في حياته كيف حالك ؟ أي برّ وهو دفعني إلى كل ما يغضب الله عليّ لأبحث عن رعاية الأب واهتمامه في علاقات محرمة أودت بي إلى الضياع والكآبة ؟ لماذا عندما جاء أب إلى سيّدنا عمر بن الخطاب يشكو عقوق ابنه فقال الابن : هو لم يسمني باسم لائق – أسماه ” جُعل ” – ، ولم يختر لي الأم الصالحة ، ولم يعلمني معنى الخلافة في الأرض ، لماذا يقول سيّدنا عمر للوالد : لقد عققت ابنك قبل أن يعقك ؟ والقصة مشهورة ، وربنا سبحانه وتعالى وصف سيّدنا إبراهيم أنه لما تبيّن له أن أباه كافر لم يعد يستغفر له .

ثم لحظة ، الآية ماذا تقول ؟ ( كما ربياني صغيراً ) أنا لم يربني أحد وأنا صغيرة ، عندما كنت ثمانية أشهر ذهبت أمي لبيت أهلها حزينة ، وأبي يقضي أوقاته مع الغانيات وأنا في البيت مهملة منذ أن كنت 8 أشهر ، وهذا أرى تأثيره في شخصيتي ، ما معنى أن يُترك طفل 8 أشهر لمدة سنة ونصف لتعود أمي إليَّ وأنا ابنة عامين ؟! هذا ابتلاء من الله وأنا راضية ولا أريد من أحد شيئا لكن لا يقول لي برّي والديك ، ولا تكلفوا الناس بما لم يكلفهم به الله ، فالبر إن كان الوالدان مشركيْن هو لما أنفاقه وبذلاه وتعبوا من أجل ولدهم أي تربيته وهو لم يفعل ، وإن كان الوالدان فظيْن متحجري القلب فالبر بسبب إيمانهما ، لكن ماذا يحملني بالله عليك على أن أبر والدي ؟ .

– أتحدى أي شيخ يكون له أب كأبي ويبرّه ولو فعل من الغد سأبر والدي .

– دمّر شخصيتي ، آذاني ، أهانني ، لم يؤدبني ، دفع بي إلى كل منكر ، وأكرهه .

وختاماً : أذكر لكم أنني تأملت في عديد من قصص الصحابة لأجد كيف أن البر كان بسبب رعاية الوالدين وإن كانا مشركين .

ثم إن أمي حملتني لكن لم ترضعني لأنها ذهبت تحزن في بيت أهلها ، حملت فيَّ 9 أشهر لا أنكر هذا وهذا فقط ، وسأبرها لهذا السبب ، أما والدي فعندما يقول لي أحدهم برِّيه فهو كمن يقول : اذهبي لتزرعي شتلة ” خبيزة ” على سطح القمر ، أطلت كثيراً وأعتذر لهذه الإطالة وأتمنى منكم إجابة مع الأدلة .

أما الآيتان :

( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) .

فالحمد والشكر لله ، أما أبي فعلى ماذا أشكره ؟ وأمي حملتني وقلت إني لا أنكر هذا ، لكن فصالي في عامين ، لا فهي لم ترضعني .

( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) رب ارحمها كما ربياني صغيراً ، وليس كما أهملاني صغيراً وكبيراً ومراهقا – حاشا لله – .

فأقول : ارحمهما كما ربياني وليس كما تركني ابنة 8 شهر ليزني وأمي تندب حظها في بيت أهلها .

وأقترح أنه عندما يتم إعطاء فتوى أن لا تكون بالعموم ، لأنه شيء مفروغ منه أن بر الوالدين واجب ، لكن لكل حالة ظروف خاصة .

وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك وعشنا مع حروفها بآلامها وأحزانها ، وقد ساءنا الحال الذي وصل لها والدك ، وأهل بيتك ، وإننا لنرجو الله تعالى أن يهدي ضالَّهم ، وأن يوفقهم إلى ما يرضيه تعالى ، وهذا ابتلاء أصابك فاصبري واحتسبي لعلَّ الله أن يكشفه عنكِ أو يُعظم لكِ يوم القيامة أجراً .

ثانياً:

وساءنا وقوعك في المعاصي والآثام ، وإلقاء التبعة في ذلك على والدك ومعاملته لك غير صحيح ، وقد أفرحتنا توبتك ، فاستمري عليها ، وأكثري من الأعمال الصالحة ، ونوصيك بشدة بالدعاء فهو سلاح المستضعفين ،  وملجأ المحتاجين ، وملاذ الخائفين ، ليس بينكِ وبين الله واسطة فاستيقظي آخر الليل وارفعي يديك بالدعاء لربك الهادي للعباد والمقلِّب للقلوب ، اطلبي منه بصدق وإخلاص أن يكشف ما بك من بلاء ، وأن يهدي والدك وبقية أهلك ، وثقي بربك عز وجل أنه على كل شيء قدير ، وأنه قادر على تغيير حالك بكلمة ” كن ” ، واعلمي أنه تعالى قد هدى من هو أشد بأساً وظلماً وكفراً من والدك ، ونرجو الله تعالى أن تكون الاستجابة عاجلاً غير آجل .

ثالثاً:

جعلت الشريعة الإسلامية المطهَّرة حقّاً للوالدين على أولادهم ولو كانوا ظلمة أو كفَّاراً ، ولو كانوا دعاة يجاهدون أولادهم ليقعوا في الكفر ، وثمة واجبات أوجبها الله تعالى على الوالدين من الرحمة بأولادهم – ذكوراً وإناثاً – ومن العدل بينهم في العطية والمعاملة ، ومن حسن تربيتهم ورعايتهم ، وتقصير الوالدين في كل هذا أو في شيء منه لا يكون مسوِّغاً للأولاد في عقوق والديهم والإساءة إليهم ، فلا تقابل الإساء بإساءة ، ولا تُدفع المعصية بمعصية .

 

 

 

رابعاً:

وهذه الحقوق التي جعلها الله تعالى للوالدين ولو كانوا كفاراً لا تشمل الكافر بردة عن دينه ؛ فإن الكافر المرتد لا حقَّ له بشيء من البر والإحسان ، وليس له في الشرع حقوق يطلبها من المسلمين ، بل إما أن يعود إلى الإسلام وإما أن يُقتل ، وبما أنك تذكرين عن والدك أنه يسب الله عز وجل ويسب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ويسب الإسلام : فإنه يصير بذلك مرتداً ؛ فإن سبَّ الله تعالى أو رسوله أو دينه كفرٌ مخرج عن الملَّة بإجماع أهل السنَّة ، فكيف بها مجتمعة كلها في شخص واحد ؟! لا شك أنه يصير بذلك مرتداً خبيثاً مجرماً ، وإن مات على هذا كان مخلَّداً في نار جهنم .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في حالة قريبة من حالتك لابنة تنصح والدها فيسب دينها ! – :

الواجب على من نُصح أن يتشكر ممن نصحه ؛ لأنه ما أسدى أحدٌ معروفاً إلى أحد أبلغ من نصيحةٍ تنفعه في دينه ودنياه ، كيف يقابل النصيحة والعياذ بالله بالسب والشتم ؟! بل سمعنا في السؤال أنه يسب الدِّين ! والعياذ بالله ، يسب الدِّين الذي تأمره به ابنته ، وسب دين الله كفرٌ مخرجٌ عن الملة ، وهذا الرجل لو مات على هذا السب لكان خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله ، لا ينفعه مالٌ ولا بنون ، فعليه أن يراجع نفسه وأن يتوب إلى الله وباب التوبة مفتوح والحمد لله ، يقول الله عز وجل : ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ) الزمر/ 53 – 59 ، آيات عظيمة ، على هذا الأب أن يتلوها بتمعن وتفكر وتدبر لعلَّ الله سبحانه وتعالى أن يدركه برحمته وفضله ، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه وأن يهديه صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير .

” اللقاء الشهري ” ( 35 / جواب السؤال رقم 8 ) .

وعليه : فإننا لا نقول لك إنه يلزمك بر ذلك الوالد الأثيم ، فهو ليس له حقٌّ عليك في هذا ، ولكننا في الوقت نفسه أمام حالة ليس لها علاج عملي في الواقع ، فالشرع معطَّلٌ تطبيقه على مثل أبيك ، فليس ثمة مجال ليحكم عليه أحد بشرع الله المطهر فيستتيبه ويأمره بالإحسان لأولاده ، أما والواقع هو هذا فإنه لا بدَّ لك من مواجهة هذا الواقع الأليم الذي تعيشينه بشيء من الرشد والحكمة ، فالذي نقوله لك : لأنه ليس لأبيك عليك حق من البر والإحسان إليه في المعاملة حتى يرجع عن كفره ويعلن إسلامه ، وهذا ما يجعلك مطمئنة من هذا الباب ، ويجوز لك هجران بيته ولا يلزمك القاء معه ، لكن يجب أن يكون انتقالك إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك من كيد الأشرار ومكر الفجَّار ، فإن تيسر لك هذا فلا حرج عليك في فعله وقد سقط حق والدك عليك في البر وسقطت ولايته .

فإن لم يتيسر لك الخروج من المنزل : فليس أمامنا إلا الوصية لك بالصبر على ما تلاقينه من ضرر وأذى ، وقد صبر قبلك كثيرون عانوا من أسيادهم وأهليهم كثيراً ثم جعل الله تعالى لهم فرَجاً ومخرجاً ، ونوصيك بالدعاء لوالدك وأهلك ، وهو خير سلاح بيدك بعد الصبر ، وقد كانت أم أبي هريرة تسب النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذي أبا هريرة ابنها بهذا فصبر أبو هريرة عليها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لها ، فدعا لها وهداها الله ، ونوصيك بوالدتك خيراً فإن لها حقوقاً عليك ، ولا يجب معاملتها كوالدك وليس لها الحكم نفسه ، ومن الخطأ أن تربطي برَّها برضاعتها لك ، والظاهر أن ما حصل لها إنما هو بسبب ظلم والدك ، فلا تحمليها ما لا طاقة لها به ، ولا تلقي عليها آثام وخطايا ليست تستحقها .

– وقد ذكرنا حكم برِّ الأب والأم المرتديْن وطريقة التعامل معهما في أجوبة أخرى فلتنظر ففيها مزيد فائدة .

– وللفائدة فقصة عمر بن الخطاب مع الرجل الذي عقَّ ابنه لم نجد لها إسناداً .

 

والله أعلم.