حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام
السؤال
ما حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد
أولاً:
فإنه لا يشك أحد ما للإعلام المرئي من أثر بالغ في نفوس من يشاهده ، وقد شاهدنا عظيم تأثيره في أزمات وأحوال نقلت للناس بالصوت والصورة ، فكان أن ساهمت في تغيير مجرى حياة دول وشعوب .
وقد تنبه القدماء لأثر الصورة في واقع حياتهم ، ومع أن تصويرهم لا يعدو أن يكون رسماً بدائيا إلا أنهم نطقوا ببيان عظيم أثرها ، ففي المثل الصيني : ” الصورة بألف كلمة ” ! ، ولو قالها الصينيون العصريون لقالوا ” ” بمليون كلمة ” ، ومن أقوال الفيلسوف ” أرسطو ” المنسوبة إليه : ” إن التفكير مستحيل من دون صور ” .
وذا فلا عجب إن علمنا أن الصورة تعمل في الذهن أكثر من عمل القراءة والسماع ، وقد جاء في بعض الدراسات ” أن الناس يتذكرون 10% فقط مما يسمعون ، و30% فقط لما يقرؤنه ، في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به إلى 80% ” .
ثانياً:
وبما أننا نعيش بما أطلق عليه بعضهم ” عصر الصورة ” ، ونحن نعاصر ” ثورة الإعلام والاتصالات ” : فقد توجه السؤال حول حكم عرض صور القتلى والجرحى والمنكوبين ، والذين تتعرض ديارهم لغزو غاشم ، أو جوع كاسر ، أو فتنة عظيمة ، وهل يجوز نقل صور أولئك في وسائل الإعلام ليقف الناس على حقيقة ما حلَّ بهم .
وكان الجواب :
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة ، ويمكن حصر أقوالهم في ثلاثة اتجاهات : طرفان ، ووسط ، فمن محرَّم ومانع مطلقاً ، ومن مجيزٍ مطلقاً ، وأما الوسط : فهو الذي يجيز ذلك بضوابط ، فلا يمنع مطلقاً ، ولا يجيز مطلقاً .
- أما الطرف المانع المحرِّم : فأبرز أوجه منعه :
أ. حرمة التصوير الفوتغرافي .
ب. حرمة المسلم ، وعدم جواز نقل صورته جريحاً ، أو قتيلاً .
ج. أن هذا النقل مما يسبب الضعف والخور والجُبن للمسلمين المشاهدين .
وأبرز من قال بهذا المنع : علماء اللجنة الدائمة ، والشيخ صالح الفوزان حفظه الله .
- سئل علماء اللجنة الدائمة :
إنني أعمل في جمعية إسلامية خيرية ، وهذه الجمعية لديها مجلدات بها صور فوتوغرافية ( ألبوم ) ، وهذه الصور لأعمال خيرية تقوم بها الجمعية ، على سبيل المثال من ضمن الصور يوجد صور للأيتام في أفغانستان الذين تكفلهم الجمعية ، وصور لجماعة يفطرون في شهر رمضان ضمن مشروع ( إفطار الصائم ) وغير ذلك من الصور ؛ وهذا من أجل تعريف المحسنين من الناس بالمشاريع الموجودة في الجمعية .
فسؤالي هو : هل هذه الصور حرام أم لا ؟ .
فأجابوا : لا يجوز التصوير ، لا بالآلة الفوتوغرافية ، ولا بغيرها من غير ضرورة ؛ لعموم النهي عن التصوير ، والوعيد الشديد عليه ، ولا يجوز الاحتفاظ بالصور التي لا ضرورة لبقائها ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها ، وإتلافها ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه ، وإنما يجوز التصوير والاحتفاظ ببعض الصور في حالة الضرورة ، كالصور التي في حفائظ النفوس ، وجوازات السفر ، والبطاقات الشخصية ، ورخص القيادة .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زي. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 284 ، 285 ) .
- وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :
بعض المعارض تقام لبيان جراحات المسلمين في ” فلسطين ” ، وغيرها ، يكون فيها صور الجرحى ، والقتلى ، وأحيانا تُعرض عن طريق الفيديو ، والقصد من ذلك : حث المسلمين على التبرع لإخوانهم ، فهل هذا العمل جائز ؟ .
فأجاب :
هذا العمل غير مناسب ، لا يجوز إقامة الصور للجرحى ، لكن يُدعى المسلمون للتصدق على إخوانهم ، ويبلغون أن إخوانهم مضايقون ، وأنهم يجري عليهم ما يجري من فعل اليهود ، بدون أنهم يَعرضون صور ، ويَعرضون جرحى ؛ لأن هذا فيه استعمال للتصوير .
وأيضاً : في هذا تكلف ما أمر الله تعالى به ، وفيه أيضاً : تفتيت لعضد المسلمين ؛ لأنك لما تعرض أمام الناس صور مسلم ممثَّل به ، أو مقطَّع الأعضاء : فهذا مما يُرعب المسلمين ، ويرهب المسلمين من فعل الأعداء ، والواجب : أن المسلمين لا يُظهرون الضعف ، ولا يُظهرون الإصابات ، ولا يُظهرون هذه الأمور ، بل يَكتمونها حتى لا يفتوا في عضد المسلمين . انظر كتاب : ” الإجابات المهمة في المشاكل الملمة ” ( 2 / 105 ) .
- وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم – حفظه الله – :
فما أبعد كثير من الناس عن الفقه حينما يصورون موتى المسلمين ، بالذات في المذابح حين تحصل ، وكأن هذا من أجل المصلحة الإعلامية المزعومة ، يستبيحون انتهاك حرمة الميت ، وتُنشر الصور في الجرائد دون أدنى استقباح لهذا الفعل الشنيع ، والإنسان لا يرضى لنفسه ولا لوالده أن تنشر صورته وقد قتل ، أو مات بهذه الصورة الشنيعة التي تحصل الآن ، بحجة مصلحة الدعوة ، لأجل أن الناس تنفعل ، وترى كيف يُفعل بالمسلمين ، وغير ذلك من هذه الاعتبارات المهدرة ، فهذا حق الميت ، حقه أن يُستر ، لا أن تُنشر صوره عن طريق وسائل الإعلام ، وبالذات الجرائد ، بل وأحياناً تعلَّق في المساجد ! وما من إنسان ينتبه أن هذه مخالفة لهذا الحكم الشرعي ، وهو أنه يجب ستر الميت عن الأعين ، وعدم كشفه ، فما أبعد هؤلاء من آداب الشرع . ” من شرحه على بلوغ المرام ” .
http://www.islamway.com/index.php?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=35060&scholar_id=33&series_id=1935
ثالثاً:
- 2. وأما القول بجواز التصوير للجرحى والقتلى مطلقاً : فيمكن نسبة هذا القول للمشايخ الذين لهم مواقع ينقلون فيها هذه الصور ، وللمشايخ الذين يشرفون على القنوات الفضائية الإسلامية التي تنقل هذه الصور كذلك ، ومن القائلين بالجواز – بشرط عدم تعليقها في المساجد – : موقع الفتوى في ” الشبكة الإسلامية ” :
فقد سئلوا:
شيخنا الفاضل ، هل يجوز لصق بعض الصور لما يقع في العراق من جرحى الأطفال ، وغيره ، في المساجد ؛ للتألم ، والدعاء لهم بالخير ، والصبر ، والتشجيع ، ورفع الدعاء على العدوان الظالم ؟ وجزاكم الله خيراً .
فأجابوا:
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :
فمن الوسائل النافعة في بعث الهمم ، وإحياء روح الأخوة الإيمانية ، وإعانة المحتاجين والمستضعفين من المسلمين : تعليق بعض الصور ، والمشاهد المعبرة عن حالهم ، وما هم فيه ، سواءً كان ذلك في أرض العراق ، أو فلسطين ، أو غيرهما ، ولذلك فتعليق تلك الصور في الأماكن العامة مطلوب ؛ لما فيه من الدلالة على الخير .
– أما المساجد فينبغي أن تصان عن تعليق هذه الصور .
رقم الفتوى ( 31678 ) ، تاريخ الفتوى : 09 ربيع الأول 1424 هـ .
http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?lang=A&Id=31678&Option=FatwaId&x=61&y=4
والشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله – يفرِّق بين الصورة المتحركة – الفيديو – ، والصورة الثابتة في هذه المسألة ، فأجاز الأولى ، وتوقف في الثانية .
فقد سئل – حفظه الله – :
فنظرًا لما سنقوم به من إقامة معرض لجراحات العالم الإسلامي ويتخلل هذا المعرض صور لبعض المصابين ، والقتلى ؛ وذلك تبيينًا لزائري هذا المعرض ، وما يحدث للمسلمين من قِبل أعدائهم ، وكذلك عرض على أجهزة الفيديو ، فما حكم الشرع في ذلك ؟ .
فأجاب :
أرى – والله أعلم – جواز هذا العرض ، إذا كانت الصور غير ثابتة ، كالصور في الشاشات من أفلام ؛ حيث أنها لا تدخل في ” الصور الثابتة ” ، وهي المنقوشة ، أو المطبوعة .
فأما الصور المرسومة في الصحائف الحائطية : فأنا أتوقف فيها ، ولو كان فيها دوافع للزائرين إلى التبرع ، لكن إن احتيج إلى الصور المرسومة : فلا بد من طمس الوجه ، والرأس ، وإبقاء الجثة التي يتمثل بها الجرح ، ونحوه .
موقع الشيخ عبد الله الجبرين ، رقم الفتوى : ( 12187 ) .
http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12187&parent=786
رابعاً:
- 3. وأما القول بجواز عرض صور القتلى والجرحى بضوابط شرعية : فهو الذي نراه قولاً وسطاً بين القولين السابقين .
ومن الضوابط التي نرى وجوب مراعاتها :
- عدم نشر صور النساء مطلقاً .
فالمرأة عورة كلها ، ولا حاجة لعَرض صورة امرأة جريحة ، أو قتيلة ، أو جائعة ، وصور الرجال تسد مسدها .
- وجوب طمس العورات .
فكثير من الصور لا يراعي ناشروها حكم الله عند تصويرها ، والواجب مراعاة ذلك عند عرضها من قبَل أهل الاستقامة ؛ لأن عورة المسلم واجب عليه سترها ، وحيث كان هو جريحاً ، أو قتيلاً ولا يستطيع ذلك : فهو معذور ، وليس ثمة عذر لمن نشر تلك الصورة .
- عدم نشر الانتهاكات الجنسية والاغتصاب .
سواء للرجال ، أو النساء ؛ فإن هذا من فضح ما يجب ستره ، ولا يحب أحد أن يكون مكان ذلك الرجل – أو المرأة من باب أولى – لتنشر صورته على أنه اغتصب ، وقد انتشرت في مواقع الإنترنت صور لأناس أبرياء انتُهك عرضهم من قبَل من لا يخاف الله من الطغاة والمجرمين ، بإدخال عصا في دبره ، أو غير ذلك من الطرق القذرة التي تدل على خساسة فاعلها ، ومثل هذا لا ينبغي أن يُختلف فيه ، وهو في النساء أعظم إثماً ، وأقبح فعلاً .
- عدم نشر الأشلاء ، والرؤوس المقطوعة .
لما في ذلك من مناقضته لحرمة المسلم .
- تجنيب المساجد تلك الصور .
وقد أصبحت كثير من المساجد معارض لعرض الصور ، وهذا لا يليق أن يُفعل في بيوت الله تعالى ، ولا مانع من عرضها في أماكن عامة ، أو مؤسسات خيرية، أو جمعيات دعوية .
خامساً:
مناقشة المانعين :
لا شك ولا ريب عندنا في جلالة قدر من منع عرض صور الجرحى والقتلى والجوعى في وسائل الإعلام المختلفة ، لكننا في الوقت ذاته ينبغي لنا النظر في المصالح التي يمكن تحقيقها جرَّاء استعمالنا هذا السلاح ، وكما قدمنا فإن الصورة تعدل مليون كلمة ، والإعلام الآن سلاح يُقاتَل به ، ويدافع به ، ولا جدال في هذا ، ونحن نعيش في عالم الغاب ، القوي يأكل الضعيف ، والعاجز الخانع لا قيمة له في هذا العالَم ، وها هي غزة الآن تُقصف بالطائرات جوّاً ، والمدافع برّاً ، والبارجات بحراً ، وأنَّى للمسلمين في أقطار الأرض أن يعلموا حقيقة ما يجري في تلك الأرض لولا ما يُنقل لهم من صور تعبِّر عن واقعهم ؟ وأنَّى للمسلمين أن يهبُّوا لنجدتهم وهم لا يعرفون مدى السوء الذي وصلوا إليه ؟! إنها معركة مع ذلك العدو اليهودي الخبيث يستعمل فيها سلاح الإعلام كما يستعمل السلاح الناري ، ولا عجب إن رأينا تضييق العدو اليهودي على وسائل الإعلام لعدم نقل حقيقة الأخبار حتى لا يعرف العالَم مدى سوئهم ، وحتى لا يَعرف شعبهم حال أبنائهم وما صاورا فيه من حال .
ويمكن إجمال ما نرى أنه من المصالح المتحققة في استعمال سلاح الصورة بما يلي :
– لا تحتاج لثقافة وعلم ما يحتاجه من يقرأ أو يسمع
- التأثير على الرأي العام للوقوف مع المسلمين المستضعفين ، وإيقاف الحرب .
ويتمثل ذلك من جهتين :
أ. نشر صور ضحايا المسلمين ، حتى يعرف العالَم مدى الدمار والسوء الذي لحِق بالبلاد المحتلة وبأهلها .
ب. نشر صور قتلى المعتدين ، حتى تضغط الشعوب على حكوماتها لإيقاف الحرب ، وقد كان صورة فتاة خرجت فزعة من أرض محترقة سبباً في إيقاف حرب أمريكا الظالمة لفيتنام ، ولذلك فلا نعجب إن علمنا أن وزارة الدفاع الأمريكية قد منعت نشر صور جثث جنودها العائدين في توابيت لبلادهم من العرق ! خشية من ضغط الشعب عليهم .
ولذا فإن نشر صور القتلى والجرحى يحقق مصالح عظيمة ، ومن أبرزها إيقاف نزيف الدم الهادر من أبناء المسلمين ، وإيقاف الدمار في بلادهم ، وهذه المصلحة في الإسلام يمكن تحقيقها بارتكاب معصية ، أو ترك واجب – فيجب قطع الصلاة والصيام إذا كان لا يتم إنقاذ نفس إلا بذلك – فكيف أن في نشر صورة مختلف في تحريمها أصلاً ؟! .
- تثبيت الجريمة على فاعلها .
ويستفاد من ذلك :
أ. تصحيح الصورة في العالَم .
فاليهود الأخباث الآن ، ومعهم وسائل إعلام غربية عالمية كثيرة تنقل صور مآسي اليهود جرّاء إطلاق المجاهدين عليهم صواريخ بدائية ، فيستعطفونهم ، ويبتزونهم ، ويوهمون العالَم أنهم شعب مظلوم مقهور ! ولا يمكن تصحيح هذا الخلل إلا بسلاح الإعلام الذي يبين الحقيقة من غير رتوش ، ولا دجل .
ب. ولمحاكمة ومعاقبة الفاعلين إن تيسر ذلك .
كما حصل في محاكمة طغاة ” الصرب ” بنشر صور جثث القتلى من المسلمين ، وإيقاف العالَم على الكم الهائل الذي راح ضحية مذابحهم ، وقد كان للصور أبلغ الأثر في تثبيت التهمة على أولئك الطغاة وغيرهم ممن يمكن أن يأتي دورهم .
وعلماؤنا الأجلاء يجوزون نشر صور المتهمين في قضايا سرقة واعتداء ، وما نحن فيه الآن أبلغ بكثير ، حيث يكون أولئك قتلة لألوف المسلمين .
- الرد على إعلام العدو النافي لوقوع ضحايا ، وكشف زيف ادعائه للحرية والإنسانية .
وقد كان في نشر صور تعذيب الأمريكان في ” أبي غريب ” – العراق – ، ونشر صور المعذَّبين من الشيشان من قبَل الروس ، ونشر صور تعذيب الرافضة لأهل السنة في العراق وإيران : أبلغ الأثر في كشف زيف تلك الأديان والمناهج والطوائف ، وقد كان تعداد أسماء الضحايا وذكر أسمائهم قاطعاً للتشكيك في أخبار المستضعفين .
فكم تحصَّل من مصالح في هذا النشر ، من مراقبة السجون ، وطرد الضباط والمسئولين عن التعذيب من وظائفهم ، وإحكام الرقابة على المعتقلات ، وتحسين أوضاع المساجين ، وغير ذلك من مصالح ، لا يشك الواقف عليها أن الشريعة تتشوف لها ، وتدعو لها ، ولو ارتكب في ذلك ما فيه مفسدة ، فكيف إذا كان ذلك في قضية مختلف فيها أصلاً ؟! .
- فضح المنتسبين للإسلام ، وكشف إلحادهم وزندقتهم .
وقد كان نشر ” فيلم ” إعدام ” صدام ” يعادل مئات الحلقات من مناظرة أولئك الزنادقة ، ويعادل مئات الكتب والخطب في تبيين حال الرافضة ، وخبث اعتقادهم ، فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، فتبين لكثير من أهل السنَّة أن مثل هذا الفعل – الإعدام دون محاكمة عادلة ، وليلة عيد الأضحى – أن هؤلاء الرافضة ليسوا مسلمين ، وإن زعموا ذلك للناس ، حتى رأينا مظاهرات في العالَم الإسلامي تطالب بطرد السفير ” الفارسي ” ! من بلادهم ، وسمعنا على ألسنة الكتاب والخطباء والعوام لفظ ” الصفوية ” ! وهو يستعمل لأول مرة عندهم في وصف تلك الفئة المارقة .
وهذه مصالح لا يستهان بها ، والرجل قد أعدم ومات ، فاستثمار عرض صورته وقد تعرض للطعن والإهانة بعد موته لم يكن أقل نفعاً لأهل السنَّة في بيان خبث وانحراف الرافضة عن الفطرة ، والدين ، والعقل .
- جمع الصدقات ، والتبرعات ، وكفالة الأيتام ، ورعاية الأرامل .
فللصورة أبلغ الأثر في حث الناس على إعانة إخوانهم المستضعفين ، فرؤية الأطفال الجوعى والذين التصق بطنهم بظهرهم يغني عن مئات المحاضرات النظرية في جلب المساعدات والإعانات له ولأهله ، وكذا تصوير الجرحى لاستقبالهم في المستشفيات وعلاجهم فيها ، وهكذا في مصالح عظيمة يمكن تحقيقها إن أحسنَّا استعمال هذا السلاح ، وكما قدَّمنا فإن تأثير الصورة يبقى في ذهن رائيها أضعاف تأثير المسموع والمقروء .
- التهييج على الجهاد ، والانتقام لدماء المسلمين .
ولا ينكر أحد التأثير البالغ الذي أحدثته صور أطفال غزة ضحايا بين الأنقاض ، وقتلى بنيران العدو ، ولا ينسى أحد صورة الطفل الفلسطيني ” محمد الدرة ” عندما اختراقة جسمه الصغير النحيل رصاصات العدو الصهيوني ، وهو في حضن والده.
ومن شأن مثل هذه المشاهد أن تحرِّك الدماء في عروق المجاهدين ، وتدفعهم للمشاركة مع إخوانهم المجاهدين أينما كانوا ، ولا يُنكر أحد أن الناس قد اثاقلوا عن الخروج للجهاد ، ونصرة إخوانهم ، وأن متاع الدنيا قد صار أضعاف متاع السابقين ، وهذا ما جعلهم يركنون إلى الراحة والدعة ، ويطلبون السلامة لأنفسهم ، فتأتي مثل هذه المشاهد لتزهدهم في حياتهم الدنيوية ، ولتحرك دماءهم ليقوموا غضبة لدينهم .
سادساً:
هذا ، ولا ننكر أنه ثمة مفاسد حتى من نشر ما هو جائز – بشروطه وضوابطه – من الصور ، وهو ما يستدعي من القائمين على الإعلام الإسلامي أن يتصفوا بالحكمة والعقل في التعامل معها ، ومن هذه المفاسد :
- تبلد الإحساس بكثرة العرض لصور القتلى والجرحى .
ولذا فلا عجب أن ترى الأسرة تأكل ، وتشرب ، وهم يرون مناظر الحرب ، وصوره المفزعة .
وعلاج ذلك : أن يحسَن في كمية وكيفية عرض الصور على الناس ، فيختار الوقت المناسب ، والقدْر المناسب لعرضه على الناس .
ولذلك أصل في الشريعة :
عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . رواه البخاري ( 70 ) ومسلم ( 2821 ) .
– يتخول : يتعاهد .
– السآمة : الملل ، والضجر .
- توقف التأثر مع عدم الصور .
وهذا ما يحصل عند طائفة من الناس ، وهو أن الكلمة لا يكون لها تأثير عليه حتى يرى الصورة المعبِّرة .
وعلاج ذلك : بأن يحسن المتكلم – بدون صورة – توصيف الحدث ، حتى يجعل السامع كأنه يرى الحدث بعينه .
ولذلك أصل في الشريعة :
عن ابنِ عُمَرَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ). رواه الترمذي ( 3333 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي”.
- التسبب بالضرر العظيم على المسلمين وخاصة المدنيين .
وهذا مثل ما حصل في صور التمثيل بالمقاولين الأمريكيين الأربعة في الفلوجة ، مما تسبب بحصار جائر ، وعذاب شديد .
والحكمة تقتضي حسن اختيار ما يُنشر مما فيه نفع للمسلمين ، ودفع للضر والأذى عنهم ، وهذا يحتاج لأهل علم وعقل ، وهم يجتهدون في ذلك بما لا يرجع بالضرر على المسلمين .
– وقد يوجد غير ذلك ، لكنه قليل في جنب ما ذكرناه من مصالح عظيمة .
وبكل حال :
فهذه من مسائل الاجتهاد ، ويسع فيها الخلاف ، ومن نظر إلى قول المانعين ، وأنهم أجازوا الصور للهوية ، وتصوير المجرمين : علم أن ما ذكرناه هو أضعاف أضعاف هذه المصالح ، والإعلام سلاح يحتاج من يحسن استعماله .
ونوصي بالطلاع على كتاب الدكتور شاكر عبد الحميد – أستاذ علم نفس الإبداع ، ونائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية ” عصر الصورة السلبيات والإيجابيات ” ضمن إصدارات سلسلة ” عالم المعرفة ” في عددها 311 ، يناير 2005 م ، فهو لا يخلو من فوائد في مسألتنا هذه ليس من الناحية الشرعية ، لكن من ناحية سياسية ، وتقنية .
والله أعلم.


