ما هي السنة في المعاملة بين أفراد الأسرة – الأب – الأم – الزوجة – الأخوات؟

السؤال

ما هي الطريقة النبوية “الهدي النبوي” لتوازن الحقوق بين أعضاء الأسرة “الأم – الأب – الأخوات – الزوجة”؟ كيف يمكن أن نتعامل معهم جميعًا في ضوء السنة؟ وهذا لا يعنى أن هناك فروقًا كثيرة ولكن بباسطة ما يفضل فعله يوم بيوم.

نتطلع إلى إجابتكم.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

أولى الناس بطاعة المرء أمه ثم أبوه.

وهذا القول يشهد له الحديث الصحيح عند الشيخين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ”  جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟  قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟، قال: ثم أبوك “. رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ).

وقد ذكر بعضهم الإجماع على فقه ظاهر الحديث، أي: أن للأم ثلاثة أرباع الطاعة والبر وللأب الربع.

قال القرطبي: 

وقد زعم المحاسبي في كتاب ” الرعاية ” له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 239 ).

ولكن الإمام ابن حجر رحمه الله ألمح إلى المخالفة فقال: 

لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر وفيه نظر.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

وعلى كل حال إن لم يكن في المسألة إجماع فهو الراجح، وهو قول الجمهور.

قال الحافظ:

وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضَّل في البر على الأب، وقيل: يكون برُّهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.

قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

فالأمر كما قال الحافظ في الكلام السابق: ” والصواب الأول “.

وذهب إلى القول الثاني: بعض الشافعية – كما ذكر ابن حجر ذلك عنهم آنفًا – وقال بعضهم: هو قول مالك.

فقد قال الإمام القرطبي: 

وروي عن مالك: أن رجلا قال له إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك، فدلَّ قول مالك هذا أن برَّهما متساو عنده. ” تفسير القرطبي ” ( 10/ 239 ).

ولم يرتض ابن حجر هذا التأويل فقال:

والمنقول عن مالك ليس صريحا في ذلك فقد ذكره ابن بطال قال: سئل مالك: طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال: أطع أباك ولا تعص أمك، قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء.

كذا قال وليست الدلالة على ذلك بواضحة. ” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

وقال ابن حزم: 

الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الإنبات مع التمييز وصحة الجسم سواء كانت أمة أو حرة تزوجت أو لم تتزوج رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل والجدة أم …. ولم يأت نص صحيح قط بأن الأم إن تزوجت يسقط حقها في الحضانة ولا بأن الأب إن رحل عن ذلك البلد سقط حق الأم في الحضانة …… ثم ذكر ابن حزم حديث أبي هريرة السابق مستدلًا به .ثم قال:  فهذا نص جلى على إيجاب الحضانة لأنها صحبة. ” المحلى ” ( 10 / 323 ).

وقال ابن قدامة:

ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعا أو واجبا عليهما نص عليه أحمد في التطوع؛ لأن الأم مقدمة في البر قال أبو هريرة: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:     من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ” رواه مسلم والبخاري، وإن كان الحج واجبًا على الأب دونها بدأ به لأنه واجب فكان أولى من التطوع . ” المغني ” ( 3 / 102 ).

ثانيًا:

وأما لماذا هذا البر الزائد للأم؟.

فنقول: إنما هو لقوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا ….} [ الأحقاف / 15 ]، وقال تعالى:{ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير }    [ لقمان / 14 ].

ففي الآيتين نرى: أن الله تعالى ساوى الأب والأم في الفضل ولكنه زاد في ذكر فضل الأم في الحمل والوضع والرضاع، وهذا هو السر الذي تقدم به الأم على الأب، وبهذا قال الأئمة والعلماء.

قال ابن حجر: 

قال ابن بطال: ….. قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:  { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين } [ لقمان / 14 ]  فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة.

” فتح الباري ” (10 / 402 ).

وقال الإمام القرطبي معلقًا على الحديث السابق الذي ذكرناه: 

فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان؛ وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 239 ).

ثم يأتي الأب في المرتبة الثانية كما هو صريح من الحديث السابق وغيره من الآيات والأحاديث.

 

ثالثًا: وقد اختلف العلماء في الذي يكون بعد الأبوين.

قال ابن حجر: 

قال عياض: تردد بعض العلماء في الجد والأخ والأكثر على تقديم الجد.

قلت: وبه جزم الشافعية، قالوا: يقدم الجد، ثم الأخ، ثم يقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بواحد، ثم تقدم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم سائر العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار …… وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن إيصال البر دفعة واحدة وهو واضح.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

والصحيح: أنه بعد الأبوين تكون العشرة والنفقة للزوجة وفي ذلك حديث كثير.

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وإذا مات صاحبكم فدعوه “. رواه الترمذي ( 3895 ) وأبو داود ( 4899 ).

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خياركم خياركم  لنسائهم “. رواه ابن ماجه ( 1978 ).

قال البوصيري:

هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه البزار في مسنده والترمذي في الجامع وقال حديث حسن . ” مصباح الزجاجة ” ( 2 / 117 ).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك “.

رواه الطبراني ( 8 / 314 ).

قال الهيثمي:

رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.

” مجمع الزوائد ” ( 3 / 120 ).

وقال المنذري:

رواه الطبراني بإسناد حسن.

” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 42 ).

وقال الصنعاني معلقًا على هذا الحديث: 

والترتيب في الحديث ولم يذكر فيه الولد والزوجة لأنهما قد علما من دليل آخر ….. والتقييد بكونه وارثًا محل توقف، واعلم أن للعلماء خلافًا في سقوط نفقة الماضي فقيل: تسقط للزوجة والأقارب، وقيل: لا تسقط، وقيل: تسقط نفقة القريب دون الزوجة، وعللوا هذا التفصيل بأن نفقة القريب إنما شرعت للمواساة لا لأجل إحياء النفس، وهذا قد انتفى بالنظر إلى الماضي، وأما نفقة الزوجة فهي واجبة لأجل المواساة، ولذا تجب مع غنى الزوجة ولإجماع الصحابة على عدم سقوطها.

فإن تم الإجماع فلا التفات إلى خلاف من خالف بعده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ” ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “، فمهما كانت الزوجة مطيعة فهذا الحق الذي لها ثابت.

وأخرج الشافعي بإسناد جيد عن عمر رضي الله عنه : ” أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن يأمروهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا  “، وصححه الحافظ أبو حاتم الرازي، ذكره ابن كثير في ” الإرشاد “. ” سبل السلام ” ( 3 / 221 ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال : عندي آخر، قال: أنت أبصر “.

رواه النسائي ( 2535 ) وأبو داود ( 1691 ).

والحديث: صححه ابن حبان ( 8 / 126 ) والحاكم ( 1 / 575 ).

قال الصنعاني معلقًا على هذا الحديث:

وفيه أن النفقة على النفس صدقة وأنه يبدأ بها ثم على الزوجة ثم على الولد ثم على العبد إن كان أو مطلق من يخدمه ثم حيث شاء ويأتي في النفقات تحقيق النفقة على من تجب له أولا فأولا.  ” سبل السلام ” ( 2 / 142 ).

قال ابن قدامة – في حق توزيع صدقة الفطر وبمن يبدأ -:

وإذا لم يفضل إلا صاع أخرجه عن نفسه لقوله عليه السلام: ” ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ” ولأن الفطرة تنبني على النفقة فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة فإن فضل آخر أخرجه عن امرأته لأن نفقتها آكد فإن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار ونفقة الأقارب صلة تجب مع اليسار دون الإعسار فإن فضل آخر أخرجه عن رقيقه لوجوب نفقتهم في الإعسار …….. وفي الوالد والولد الكبير وجهان أحدهما يقدم الولد لأنه كبعضه والثاني الوالد لأنه كبعض ولده وتقدم فطرة الأم على فطرة الأب لأنها مقدمة في البر بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله: مَن أبر؟ قال: أمك، قال: ثم مَن، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أباك.

ولأنها ضعيفة عن الكسب، ويحتمل تقديم فطرة الأب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:    ” أنت ومالك لأبيك ” ثم بالجد ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث. ” المغني ” ( 2 / 362 – 363 ).

رابعًا:

أما الأخوات والأخوة الذين لا كاسب لهم فتجب نفقتهم على الأخ بالتفصيل المذكور آنفًا في الحديث الذي ذكرنا تعليق الصنعاني عليه وذكر فيه الصنعاني أن هذا الترتيب مراد مطلوب.

قال القرطبي:

وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 241 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة