الرئيسية بلوق الصفحة 266

حكم لعبة الدومينو؟ وحكم من يلعب بها في مسجد طيلة الليل ولا يصلي الفجر!.

حكم لعبة “الدومينو”، وحكم من يلعب بها في مسجد طيلة الليل ولا يصلي الفجر!

السؤال:

ما حكم لعبة ” الدومينو ” ؟ هل هو جائز ، أم مكروه ، أم حرام ؟ .

أصبحت هذه اللعبة قضية يدور حولها الجدل هنا في مدينة ” نيويورك ” حيث يجتمع بعض الشباب بعد صلاة العشاء ، ويبدؤون باللعب داخل المسجد ! حتى الصباح ، ثم يغادرون قبل صلاة الفجر ، ولا يشهدون الجماعة ! وقد أصبحت هذه ظاهرة متكررة منهم ، بالإضافة إلى أنهم يستخدمون كهرباء المسجد ، والثلاجة ، وغيره من الممتلكات أثناء مكوثهم ، كل ذلك دون إذن من الإمام ، وعندما أخبرهم بخصوص ذلك هددوا بأنهم سيهجرون المسجد ، وينفصلون عنه . فما رأيكم ؟.

 

الجواب:

          الحمد لله

أولاً:

لعبة الدومينو – وتسمَّى ” الضومنة – عرَّفها الأستاذ على حسين أمين يونس بقوله: ” هي حجارة مستطيلة ملساء مستوية على أحد أوجهها خط يفصلها من النصف، على كل جهة مجموعة النقاط ، ليأخذ كل لاعب مجموعة منها ، بحيث ترمى ، أو تقلب على الوجه الخاوي من النقاط ، ليأخذ كل لاعب مجموعة منها ، ثم يرتبونها بطريقة معينة ، ليفوز أحدهم بالحظ كالنرد تقريباً ، وتمارَس على قمار غالباً ” .

” الألعاب الرياضية ، أحكامها ، وضوابطها في الفقه الإسلامي ” ( ص 269 ) .

وهذه صورة تلك الأحجار لمن يرغب رؤيتها :

http://file14.9q9q.net/preview/44272342/domeno.jpg.html

 

ثانياً:

تقدم لنا التفصيل في حكم الألعاب ، وأنها تنقسم إلى قسمين : ألعاب مُعِيْنة على الجهاد في سبيل الله ، وألعاب لا تُعين على الجهاد ، وهي نوعان  : ألعاب ورد النص بالنهي عنها ، كاللعب التي يستعمل فيها حجر ” النرد ” .

الضرب الثاني : ألعاب غير مشتملة على محرّم ، ولا تؤدي في الغالب إليه ، كأكثر ما نشاهده من الألعاب ، فهذه تجوز بالقيود الآتية :

الأول : خلوُّها من القمار ، وهو الرهان بين اللاعبين .

الثاني : ألا تكون صادَّةً عن ذكر الله الواجب ، وعن الصلاة ، أو أي طاعة واجبة ، مثل برّ الوالدين .

الثالث : ألا تستغرق كثيراً من وقت اللاعب ، فضلاً عن أن تستغرق وقته كلّه . 

ثالثاً:

وقد صحَّ نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعب بالنرد , ولذا كانت كلمة أكثر أهل العلم على تحريم اللعب بها ، وقد قال بعض الشافعية بالكراهة ، وردَّ عليهم من أئمة المذهب ، ورجحوا – تبعاً لأكثر العلماء – القول بالتحريم .

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 40 / 224 ، 225 ) :

اللعب بالنرد حرام عند جمهور الفقهاء – المالكية والحنابلة ، والصحيح عند الشافعية ورأي لبعض الحنفية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ) – رواه مسلم – ، ولقوله : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) – رواه أبو داود وابن ماجه ، وهو حديث حسن – .

ويُكره تحريماً عند الحنفية ؛ للحديث السابق ، ولأنه إن قامر به : فالميسر حرام بالنص ، وإن لم يقامر : فهو عبث ولهو ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ : تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ ، وَمُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ ) – رواه أبو داود والنسائي ، وإسناده ضعيف ، لكن له شواهد – .

وعلل الشافعية التحريم بأن معتمده الحزر ، والتخمين المؤدي إلى غاية من السفاهة ، والحمق  .

قال الرافعي : ويقاس على الشطرنج ، والنرد كل ما في معناه من أنواع اللهو : فكل ما معتمده الحساب كالمنقلة حفرٌ ، أو خطوط ينقل منها ، وإليها حصي بالحساب : لا يحرم ، وكل ما معتمده التخمين : يحرم ، النرد ونحوه ، والنرد موضوعه ما يخرجه الكعبان: أي: الحصى، فهو كالأزلام، ومقابل الصحيح عند الشافعية أنه يكره. انتهى.

قال الماوردي – رحمه الله – :

ولا يختلف مذهب الشافعي أن النرد أغلظ في المنع من الشطرنج ، وصرح فيها بالكراهة ، واختلف أصحابه ، هل هي كراهة تحريم أم كراهة تنزيه ؟ فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تنزيه وتغليظ ، ترد به الشهادة وإن لم تحرم ، وذهب أكثرهم – وهو الصحيح – إلى أنها كراهة تحريم توجب فسق اللاعب بها ، ورد شهادته  .

” الحاوي الكبير ” ( 17 / 187 ) .

 

 

رابعاً:

لعبة ” الدومينو ” قائمة على الحظ في ابتداء لعبها ، وذلك بالتوزيع العشوائي لكعابها ، ثم تقوم على الحظ في أكثر شأنها أثناء اللعب ؛ لأن اللاعب عندما يلصق حجر الدمينو بما يشبهه من جهة فإنه لا يتحكم في النصف الآخر منه ، فهذا جانب الحظ ، وهكذا الأمر بالنسبة للاعب المقابل له .

ومن هنا فإن ” الدومينو ” تقوم على الحظ غالباً ، ولا ينبغي إنكار أن فيها شيئاً من الذكاء ، لكنه نادر ، والحكم إنما هو للغالِب .

ولذلك عرَّف الدكتور عبد الله الناصر – وفقه الله – اللعبة بقوله :

الضومنة : وهي لعبة مكونة من مجموعة قطع مستطيلة , يلعب بها ألعاب متعددة غالبها معتمد على الحظ والصدفة . ” الضوابط العامة في مجال السبق وتطبيقاتها المعاصرة ” ( ص 23 ) – ترقيم الشاملة – .

وكل ما كان من الألعاب قائماً على الحظ – ولو غالباً – : فله حكم اللعب بـ ” النرد ” ، ولا ينبغي الاختلاف في تحريمه ، وقد صح النهي عنه في صريح السنَّة وصحيحها ، كما لا ينبغي تعليق التحريم على اللعب على مال ، بل النرد من الميسر ، والميسر محرَّم لذاته .

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

وأخرج الآجرِّي والبيهقى عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ” النرد من الميسر ” . وإسناده صحيح . ” إرواء الغليل ” ( 8 / 427 ) .

قال أبو بكر الآجرِّي – رحمه الله – :

واللاعبُ بهذه النرد من غيرِ قمارٍ : عاصٍ للهِ عز وجل ، يجبُ عليه أن يتوبَ إلى الله عز وجل من لهوه بها ، فإن لعب بها ، وقامر : فهو أعظمُ ؛ لأنه أكل الميسر ، وهو القمارُ ، وقد نهى اللهُ عز وجل عن الميسرِ ، واللعبُ بالنردِ فهو من الميسر لا يختلفُ العلماءُ فيه ” . ” تحريم النردِ والشطرنج والملاهي ” ( ص 53 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فالميسر محرَّم بالنص ، والإجماع ، ومنه : اللعب بالنرد ، والشطرنج ، وما أشبهه ، مما يصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، ويوقع العداوة والبغضاء ، فإن كان بعوض : حرم إجماعاً ، وإن لم يكن بعِوَض : ففيه نزاع عند الصحابة ، وجمهور العلماء ، كمالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، ونص الشافعي : على تحريم النرد وإن كان بلا عوض ، وتوقف في الشطرنج ، ومنهم من أباح النرد الخالي عن العوض ؛ لما ظنوا أن الله حرم الميسر لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة أكل المال بالباطل ، فقالوا : إذا لم يكن فيه أكل مال بالباطل : زال سبب التحريم .

وأما الجمهور فقالوا : إن تحريم الميسر مثل تحريم الخمر ؛ لاشتماله على الصدِّ عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، ولإلقائه العداوة والبغضاء ، ومنعه عن صلاح [ ذات ] البيْن الذي يحبه الله ورسوله ، وإيقاعه اللاعبين في الفساد الذي يبغضه الله ورسوله ، واللعب بذلك يلهي القلب ، ويشغله ، ويغيب اللاعب به عن مصالحه أكثر مما يفعله الخمر ؛ ففيها ما في الخمر وزيادة ، ويبقى صاحبها عاكفًا عكوف شارب الخمر عن خمره ، وأشد ، وكلاهما مشبَّه بالعكوف على الأصنام ، كما في المسند أنه قال : ( شارب الخمر كعابد الوثن ) – رواه ابن ماجه بلفظ ” مدمن الخمر ” وحسنه الألباني – ، وثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : أنه مرَّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ” ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ” وقلَب الرقعة .

وإذا كان ثمَّ مال : تضمن أيضاً أكل المال بالباطل ، فيكون حراماً من وجهين .

” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 4 / 60 ، 61 ) .

خامساً:

وقد أفتى طائفة من أهل العلم بخصوص ” الدومينو ” بعينها ، وأن لها حكم ” النرد ” ، ولو كان اللعب بها على غير مال :

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة :

ما حكم لعب ” الورقة ” و ” الضومنة ” عندما يكون المرء مؤديّاً كامل الحقوق ، والواجبات التي عليه ، وعدم الانشغال بها عن أمور العبادة ، وإنما مجرد تسلية مع الأهل ، أو الأصدقاء ؟ .

فأجابوا :

يحرم اللعب بـ ” الورقة ” ، وبـ ” الضومنة ” ، ولو لمجرد التسلية مع الأهل والأصدقاء ، ولْيشغلوا ذلك الوقت مما هو خير : كتلاوة القرآن ، ودراسة علم شرعي ، وإصلاح ذات البين ، ونحو ذلك ، مما يعود عليهم بالنفع ، وعلى الأمة بالخير .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 236 ، 237 ) .

  1. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً – :

هذه الألعاب التي يمارسها الناس ، وهي : الضومنة ، والجوكر ، والبييه – أي :البيه – ، والشطرنج ، والنرونج ، والطبل ، والفصوص ، هل هذه الألعاب تعتبر من الميسر ؟ وهل هي يا صاحب الفضيلة محرمة أم مكروهة ؟ وهل تجوز للإمام الذي يؤم المسلمين في أوقات الصلاة ، ويعتلي المحراب أيام الجمع والأعياد لكي يخطب الخطبة المنبرية ؟ هذا سؤالي أرجو الإفادة .

فأجاب :

اللعب مما ذكر من اللعب : محرَّم ، بل من كبائر الذنوب ، إذا كان بعوَض ، ويعتبر قماراً ، قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : ” أجمع العلماء على أن اللعب بالشطرنج على العوض قمار لا يجوز ” . ا.هـ وكذا يحرم اللعب مما ذُكر إذا ترتب عليه ترك واجب : كتأخير الصلاة عن وقتها ، وضياع حق زوجته وأبويه ، وسائر من يعولهم ، أو أدى إلى الوقوع في محرم من عداوة وبغضاء ، ونزاع ، وسباب : فهو حرام ، ولو كان بغير عوض .

أما إذا قدِّر خلو اللعب بها عن ذلك : فالصحيح أنه محرم أيضاً ؛ لما صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مرَّ بقوم يلعبون بالشطرنج ، فقال : ” ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ” ؟ فشبههم بالعاكفين على الأصنام ، ولما نقل عن ابن عمر ، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ،  من النهي عن اللعب بها ، وممن قال بتحريم ذلك : أبو حنيفة وأصحابه ، وأحمد وأصحابه ، رحمهم الله ، ومالك وأصحابه ، رحمهم الله تعالى ؛ وذلك لأن اللعب بها وبأمثالها ذريعة إلى اللعب بعوَض آجلاً ، وإن خلا منه عاجلاً ، ولأن الغالب بها أنه يشغل عن واجبات ، ويفضي إلى النزاع والسباب ، ويولد العداوة والبغضاء ، ويصد عن الصلاة وعن ذكر الله ، وفي الحديث : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) .

وإذا كان الإنسان في مركز قيادي ، كالدعاة إلى الله ، وجماعة الحسبة ، وأئمة المساجد وخطبائها ، ومَن فوقهم في المنصب ، أو أدنى منهم : كان اجتناب المنكر ، وفعل الواجب : ألزم عليه ؛ لكونه قدوة لغيره ، يحتذى حذوه .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 207 – 209 ) .

  1. وقال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله – تحت عنوان ” فيما لا يجوز المسابقة فيه برهن ولا بغيره ” – :

لا تجوز المباراة ، والمسابقة ، في لعب النرد ، والشطرنج ، وما ما ثلهما من ألعاب زماننا هذا ، من ” الكيرم ” ، و ” الورق ” ، و ” الديمنو ” ، وكرة الطاولة ، وما إلى ذلك . ” منهاج المسلم ” ( ص 282 ) طبعة دار السلام .

  1. وقال الدكتور عبد الله الناصر – وفقه الله – بعد أن ذكر مجموعة من الألعاب المعاصرة ، ومنها ” الدومينو ” – :

والذي يجمع بين هذه الألعاب : أن معتمدها هو الحدس ، والتخمين , وقد يظهر فيها شيءٌ من التدبير ، والتحليل ، ولكن عامل التخمين هو الغالب ، فيكون لها حكم الغالب ، فلا يجوز لعبها ، ولا المسابقة فيها ، ولا بذل السَّبَق في لعبها .

” الضوابط العامة في مجال السبق وتطبيقاتها المعاصرة ” ( ص 24 ) .

سادساً:

وأما قضاء الليل في لعبها ، مع تضييع الأوقات : فلا شك أنه فعل محرم ؛ ويترتب على ذلك حرمة هذه اللعبة في حقهم – على فرض أنها كانت مباحة في أصلها – ؛ لأنها صدت عن أمر واجب ، واستغرقت وقتاً طويلاً ؛ ورأس مال المسلم هو الوقت , ويسأل عنه يوم القيامة ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ) . رواه الترمذي ( 2417 ) وصححه .

وأما استخدام المسجد لذلك : فلا شك أنه مخالفة شرعية أخرى ؛ فالمساجد إنما بنيت لذكر الله ، وإقام الصلاة , ويجب أن تصان عن مثل هذه الألعاب ؛ ولا يصح التذرع بفعل الحبشة ؛ لأن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب ؛ فهي من الألعاب المعينة على الجهاد , وأما هذه اللعبة : فهي من ألعاب اللهو .

– وكذلك يحرم استخدام وقف المسجد لغير غرضه الصحيح .

فالنصيحة لأولئك الإخوة أن يتقوا الله تعالى , وأن يجتنبوا تضييع وقتهم , وأن يصونوا بيت الله عن هذا اللهو .

وأما تهديد إمام المسجد أو المسئول بهجران بيت الله إن منعهم : فهو فعل لا يليق أن يصدر من مسلم ، والواجب عليهم قبول النصيحة ، بل وشكره عليها ، ولا يمنعكم تهديدهم من الإنكار عليهم ، ومنعهم من استعمال المسجد لهذا المنكر ، قال تعالى ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) الإسراء/ من الآية 15 .

والخلاصة :

أن لعبة ” الدومينو ” لها حكم اللعب بالنرد ، والنرد من الميسر المحرَّم لذاته ، وإن لم تكن محرَّمة في ذاتها : فهي حرام في حق أولئك المسئول عنهم ؛ لتخلف شروط الجواز في اللعب المباحة ، فهم :

  1. ضيَّعوا أنفسَ أوقات عمرهم – عمر الشباب – في اللعب بها ، فضاعت بها أعمارهم .
  2. ضيعوا أنفسَ أوقات الليل وهو الثلث الأخير من الليل ، والذي ينزل فيه رب العزة إلى السماء الدنيا ليغر للتائبين ، وليستجيب دعاء الداعين ، وهم في غفلة معرضون .
  3. تسببوا في تضييع واجب ، وهو صلاة الجماعة .
  4. استعملوا بيت الله لغير ما بُني له ، وما بني له فلم يشهدوه ! فبيت الله تعالى ليس نادياً ، ولا مضافة ، ولا مكان تسلية ، وهم قد جعلوه كذلك ، ولما حضرت الصلاة – وهو ما بني المسجد في الأصل له – غادروه ، ولم يشهدوها فيه .
  5. استعملوا أموال الوقف الموقوفة على المصلين ، والمتعلمين ، والمعتكفين ، استعملوها في غير ما وقف لأجله .

فنسأل الله أن يهديهم لما فيه رضاه ، وأن يصلح بالهم ، وقلوبهم ، وأن يستثمروا شبابهم ، وطاقتهم ، في حفظ القرآن ، وفي العلم الشرعي ، وفي الدعوة إلى الله .

 

والله أعلم .

حكم لعب الأطفال بالنرد

السؤال:

يدرس ابني في مدرسة إسلامية.  وقد لعب الأطفال مؤخرا لعبة في الصف، وكانت تتضمن رمي النرد (زهر الطاولة) ثم تسجيل الأرقام التي تظهر، والطفل الذي يسجل أعلى رقم يكون هو الفائز.  فهل هذه اللعبة جائزة؟  وما هو الحكم إن كانت هناك جوائز تعطي للفائز؟

وجزاك الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولًا:

تعريف النرد وأصله:

قال الهيتمي:

فص أو فصوص من نحو عظم أو خشب فيها نقط تطرح على لوح فيه بيوت لكل نقطة بيت يعرف بها كيفية اللعب وهذا مع أني لم أره أخذته من قول البيضاوي وضعه سابرزن ثاني ملوك الساسان ولأهله يقال له النردشير وشبه رقعته بالأرض وقسمها أربعة أقسام تشبيها بالفصول الأربعة أ.هـ له ومن قول الماوردي رحمه الله تعالى وقيل إنه موضوع على البروج الاثنا عشر والكواكب السبعة لأن بيوته اثنا عشر ونقطه من جانب الفص يتبع كالكواكب السبعة يعدل به إلى تدبير الكواكب السبعة والبروج أ.هـ له.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 353 )

 

ثانيًا:

حكم اللعب به بعِوض وغير عِوض:

لعب النرد حرام لا يجوز، وسواء كان ذلك على عوض أو ليس كذلك، ووجود من يعطي جائزة من خارج اللاعبين لا يُحل اللعب بها، وهو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة، إلا أن بعض أصحاب الشافعي جوَّزه إن كان بغير عوض، وسيأتي بيان سبب قولهم هذا والرد عليه من كلام ابن عمر وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وهذه أقوال العلماء وأدلتهم:

قال ابن حزم:

ولا يحل بيع النرد؛ لما روينا من طريق مالك عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “, فهي محرمة فملكها حرام، وبيعها حرام.

وقد روينا عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا أخذ أحدٌ من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. ومن طريق مالك عن علقمة عن أمه عن عائشة أم المؤمنين: أنها بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها أن عندهم نردًا فأرسلت إليهم لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت عليهم. ” المحلى ” ( 7 / 514 ).

وحديث أبي موسى رواه أبو داود ( 4938 ) وابن ماجه ( 3762 ).

وحسَّنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 285 ).

وقال ابن قدامة:

كل لعب فيه قمار، فهو محرم، أي لعب كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته، وما خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين، ولا من أحدهما، فمنه ما هو محر، ومنه ما هو مباح؛ فأما المحرم: فاللعب بالنرد.

وهذا قول أبي حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي.

وقال بعضهم: هو مكروه، غير محرم.

ولنا، ما روى أبو موسى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله “، وروى بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه “، رواهما أبو داود.

وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير، لم يسلم عليهم.

إذا ثبت هذا: فمن تكرر منه اللعب به: لم تقبل شهادته، سواء لعب به قمارا أو غير قمار.

وهذا قول أبي حنيفة، ومالك ، وظاهر مذهب الشافعي.

قال مالك: من لعب بالنرد والشطرنج، فلا أرى شهادته طائلة؛ لأن الله تعالى قال: { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وهذا ليس من الحق، فيكون من الضلال.

فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم، إلا أن النرد آكد منه في التحريم؛ لورود النص في تحريمه، لكن هذا في معناه، فيثبت فيه حكمه، قياسا عليه.

” المغني ” ( 10 / 172 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وتحريم النرد ثابت بالنص، كما في السنن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ” وقد رواه مالك في الموطأ.

وروايته عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا لها عندهم نرد فأرسلت إليهم إن لم تخرجوها لأخرجكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم.

ومالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالنرد ضربه وكسرها.

وفي بعض ألفاظ الحديث: عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت عنده فقال: ” عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها “، فعلق المعصية بمجرد اللعب بها، ولم يشترط عوضا بل فسر ذلك بأنه الضرب بكعابها.

وقد روى مسلم في صحيحه: عن أبي بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه “، وفي لفظ آخر: ” فليشقص الخنازير “، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده في لحم الخنزير ودمه، والذي يشقص الخنازير، يقصبها ويقطع لحمها كما يصنع القصاب، وهذا التشبيه متناول اللعب بها باليد، سواء وجد أكل أو لم يوجد، كما أن غمس اليد في لحم الخنزير ودمه وتشقيص لحمه متناول  لمن فعل ذلك سواء كان معه أكل بالفم، أو لم يكن فكما أن ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل.

وهذا يتقرر بوجوه يتبين بها تحريم النرد والشطرنج ونحوهما:

أحدها: أن يقال: النهي عن هذه الأمور ليس مختصا بصورة المقامرة فقط، فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو أجنبي لكان من صور الجعالة، ومع هذا فقد نهي عن ذلك إلا فيما ينفع: كالمسابقة، والمناضلة، كما في الحديث الأسبق: ” إلا في خف أو حافر أو نصل “؛ لأن بذل المال فيما لا ينفع في الدين، ولا في الدنيا منهي عنه وإن لم يكن قمارًا، وأكل المال بالباطل حرام بنص القرآن وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرس، أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق “.

قوله: ” من الباطل ” أي: مما لا ينفع، فإن الباطل ضد الحق: والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه، ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد، وهو الأمر النافع، فما ليس من هذا فهو باطل ليس بنافع.

وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لكن لا يؤكل به المال، ولهذا جاز السباق بالأقدام، والمصارعة، وغير ذل، وإن نهي عن أكل المال به. وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح، وإن نهي عن أكل المال به، فتبين أن ما نهي عنه من ذلك ليس مخصوصا بالمقامرة، فلا يجوز قصر النهي على ذلك، ولو كان النهي عن النرد ونحوه لمجرد المقامرة لكان النرد مثل سباق الخيل، ومثل الرمي بالنشاب، ونحو ذلك، فإن المقامرة إذا دخلت في هذا حرموه، مع أنه عمل صالح، واجب أو مستحب، كما في الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا “، ” ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا “.

وكان هو وخلفاؤه يسابقون بين الخيل، وقرأ على المنبر: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } الآية ثم قال: ” ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي “، فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله؟ واتفق المسلمون على الأمر به، بما نهى الله عنه ورسوله وأصحابه من بعده، وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا مجرد المقامرة كان النرد، والشطرنج، كالمناضلة.

الوجه الثاني: أن يقال هب أن علة التحريم في الأصل هي المقامرة، لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر في التحريم فقال تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }.

فوصف الأربعة بأنها رجس من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، ثم خص الخمر والميسر بأنه { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة }.

ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: { فهل أنتم منتهون } كما علق الفلاح بالاجتناب في قوله: { فاجتنبوه لعلكم تفلحون }، ولهذا يقال إن هذه الآية دلت على تحريم الخمر والميسر من عدة أوجه. ومعلوم أن الخمر لما أمر باجتنابها حرم مقاربتها بوجه، فلا يجوز اقتناؤها ولا شرب قليلها، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإراقتها، وشق ظروفها، وكسر دنانها، ونهى عن  تخليلها، وإن كانت ليتامى مع أنها اشتريت لهم قبل التحريم، ولهذا كان الصواب الذي هو المنصوص عن أحمد، وابن المبارك، وغيرهما أنه ليس في الخمر شيء محترم، لا خمرة الخلال ولا غيرها، وأنه من اتخذ خلا فعليه أن يفسده قبل أن يتخمر بأن يصب في العصير خلا وغير ذلك مما يمنع تخميره، بل كان { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين } لئلا يقوى أحدهما على صاحبه فيفضي إلى أن يشرب الخمر المسكر من لا يدري، ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي يدب السكر فيها ولا يدرى ما به: كالدباء والحنتم والظرف المزفت والمنقور من الخشب، وأمر بالانتباذ في السقاء الموكئ لأن السكر ينظر إذا كان في الشراب انشق الظرف، وإن كان في نسخ ذلك أو بعضه نزاع ليس هذا موضع ذكره.

فالمقصود سد الذرائع المفضية إلى ذلك بوجه من الوجوه، وكذلك كان يشرب النبيذ ثلاثا، وبعد الثلاث يسقيه أو يريقه؛ لأن الثلاث مظنة سكره، بل كان أمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة فهذا كله، لأن النفوس لما كانت تشتهي ذلك وفي اقتنائها ولو للتخليل ما قد يفضي إلى شربها، كما أن شرب قليلها يدعو إلى كثيرها فنهي عن ذلك، فهذا الميسر المقرون بالخمر إذا قدر أن علة تحريمه أكل المال بالباطل، وما في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة، ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهيها النفوس، وإذا قويت الرغبة فيها أو دخل فيها العوض كما جرت به العادة، وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك، لو لم يكن فيه مصلحة راجحة، وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع مثل: المسابقة والمصارعة، ونحو ذلك، فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان، فلم ينه عنها لأجل ذلك ولم تجر عادة النفوس بالاكتساب بها.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 462 – 464 ).

وحديث بريدة رواه مسلم ( 2260 ).

وحديث أبي موسى بلفظه الآخر: رواه أحمد ( 19700 ).

وهو حسن.

انظر: ” الإرواء ” ( 8 / 286 ).

وحديث ” ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ” ليس في الصحيح، وإنما رواه الإمام أحمد (16849) والترمذي (1637) والنسائي (3578) وأبو داود (2513) وابن ماجه (2811) وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه ( 618 ) وغيره -.

وحديث ” ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا ” – رواه ابن ماجه (2814) وهذا لفظه وقد رواه الإمام مسلم (1919) عن عقبة بن عامر بلفظ”من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى”-.

 

وقال:

اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالنرد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه “، وقال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “، وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وروي أنه قلب الرقعة عليهم.

وقالت طائفة من السلف: الشطرنج من الميسر، وهو كما قالوا، فإن الله حرم الميسر، وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام إذا كان بعوض، وهو من القمار والميسر الذي حرم الله، والنرد حرام عند الأئمة الأربعة سواء كان بعوض أو غير عوض، ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض، لاعتقاده أنه  لا يكون حينئذ من الميسر، وأما الشافعي وجمهور أصحابه، وأحمد، وأبو حنيفة، وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 475 ، 476 ).

والنرد من الميسر كما قال ابن عمر رضي الله عنهما.

وقد روى ذلك عنه البيهقي والآجري بإسناد صحيح كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في ” الإرواء ” ( 8 / 287 ).

 

ثالثًا:

وما يحرم اقتناؤه واستعماله: فلا يصح شراؤه ولا بيعه ولا هبته ولا إيداعه ولا رهنه، ولا الإجارة على حفظه، ولا وقفه، ولا الوصية به كسائر المحرمات.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام “. رواه البخاري ( 2121 ) ومسلم ( 1581 ).

 

رابعًا:

قال ابن مفلح الحنبلي:

يكره لكل مسلم مكلف أن يجالس من يلعب بشطرنج أو نرد وأن يسلم عليه بل ينكر عليه ذلك ويهجره إن لم ينزجر عنهما.

وحكى الشيخ تقي الدين أن أبا حنيفة وأحمد وغيرهما قالوا: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج؛ لأنه مظهر للمعصية، وقال مالك وصاحبا أبي حنيفة: يسلم عليه انتهى كلامه.

وقال أحمد – في رواية ابن منصور – فيمن يلعب بالشطرنج: ما هو أهل أن يسلم عليه، وهذا معنى كلام الشيخ عبد القادر وغيره، وأنه لا يسلم على المتلبسين بالمعاصي، قال الشيخ عبد القادر: وإن سلموا هم عليه رد عليهم إلا أن يغلب على ظنه انزجارهم بتركه الرد عليهم فإذا لا يرد. ” الآداب الشرعية ” ( 3 / 374 ).

 

 

خامسًا:

ولا فرق فيما سبق بين الأطفال والرجال، فما حرمه الشرع فهو على الرجال فلا يحل للأطفال إلا ما استثناه الدليل.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هل يمكن للمسلم أن يعمل تمثالًا كتذكار لأحد الأبطال؟

السؤال:

أجد صعوبة في أن أشرح لأحد أخواني المسلمين هنا أن عمل تمثال غير إسلامي حرام، وقد كانت إجابته أن المرأة التي يراد عمل التمثال لها من أبطال البلد إذ أنها حاربت المسلمين دفاعا عن بلادها، وهي من جداتي في الفترة قبل دخول الإسلام.

هل يمكن للمسلم أن يعبد تمثالا، أو أن يعمل تمثالا كتذكار لأحد الأبطال؟ حتى لو كان هذا البطل غير مسلم؟

وشكرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فهمنا من الأخ السائل أنه ينكر على صاحبه كون التمثال لكافر، وأنه إن كان لمسلم فإنه يجوز صنعه، وهذا الظن خطأ، ولا فرق من حيث كونه صنمًا في التحريم، وإن كان صُنع تمثالٍ لكافرٍ من مسلمٍ أشدَّ في الحرمة لما في ذلك من جمع شرَّين، شر صنع التمثال، وصنع تعظيم هذا الكافر، وبيان تحريم ذلك ومسائله فيما يأتي:

  1. إن قضية صنع التماثيل لا تتوقف على كونها قضية فقهية، بل تتعداها إلى أبواب الاعتقاد، وذلك أن الله تعالى اختص بتصوير خلقه وإبداعهم على أحسن صورة، فكان في فعل هذا مضاهاة لخلق الله تعالى، وكذا يتعلق الأمر في باب الاعتقاد من حيث اتخاذ هذه الأصنام آلهة تُعبد من دون الله عز وجل.

    ومما يدل على ما سبق:

  • قوله تعالى { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } ( آل عمران / 6 ).

      وقوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } (الأعراف / 11).

وقوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات  والأرض وهو العزيز الحكيم } ) الحشر / 24).

 وقوله تعالى  { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك } ) الانفطار / 6 – 8 ).

فهذه الآيات تقرر عقيدة لا شك فيها أن تصوير الخلق هو من قِبل ربهم وخالقهم ومصورهم، وأن لا يحل لأحد أن يتعدى على ربه تعالى فيضاهي الله في خلقه وتصويره.

  • عن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. رواه البخاري ( 417 ) ومسلم ( 528 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

          وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان وأما الآن فلا! وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك كما سيأتي في كتاب اللباس. ” فتح الباري ” ( 1 / 525 ).

* وقال النووي:

          قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة  الحيوان  حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أودرهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها وأما تصوير صورة  الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة  حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير. ” شرح مسلم ” ( 14 / 81 ).

  • عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعته يقول من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه فقال ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح.

     رواه البخاري ( 2112 ) ومسلم ( 2110 ).

  • عن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون.

     رواه البخاري ( 5606 ) ومسلم ( 2109 ).

  • عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم.

     رواه البخاري ( 5607 ) ومسلم ( 2108 ).

  • عن أبي هريرة أنه دخل دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورا يصور قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرَّة. رواه البخاري ( 5609 ) ومسلم ( 2111 ).

 * قال النووي:

          وأما قوله تعالى ” فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة “: فالذرَّة بفتح الذال وتشديد الراء، ومعناه: فليخلقوا ذرة فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي هي خلق الله تعالى وكذلك فليخلقوا حبة حنطة أو شعير، أي: ليخلقوا حبة فيها طعم تؤكل وتزرع وتنبت ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحب الذي يخلقه الله تعالى وهذا أمر تعجيز كما سبق. ” شرح مسلم ” ( 14 / 90 ).

  • عن أبي جحيفة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وثمن الدم ونهى عن الواشمة والموشومة وآكل الربا وموكله ولعن المصور.

   رواه البخاري ( 1980 ).

  1. وقد جاءت الشريعة بهدم الأصنام وتحطيمها لا بصنعها وترميمها، ومما يدل على ذلك:
  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول {جاء الحق وزهق الباطل } الآية. رواه البخاري ( 2346 ) ومسلم ( 1781 ).
  • عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته وفي رواية ( ولا صورة إلا طمستها ). رواه مسلم ( 969 ).

* قال ابن القيم:

          والتماثيل جمع تمثال وهو الصور الممثلة.

” الفوائد ” ( ص 196 ).

* قال شيخ الإسلام:

          فأمره بمحو التمثالين الصورة الممثلة على صورة الميت و التمثال الشاخص المشرف فوق قبره فإن الشرك يحصل بهذا و بهذا.

” مجموع الفتاوى ” ( 17 / 462 ).

 

 

  1. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الصور أن يدخلها في بيته، ورتب على ذلك آثامًا وحرمانًا للخير، ومما يدل على ذلك:
  • عن أبي طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل “. رواه البخاري (3053) ومسلم (2106).
  • عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبتُ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.

     رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 2107 ).

  1. واتخاذ الصور وسيلة للوقوع في الشرك، لأن بداية الوقوع فيه التعظيم لصاحب الصورة، وخاصة مع قلة العلم أو انعدامه، ويدل على هذا:

          عن ابن عباس رضي الله عنهما: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ( ود ) كانت لكلب بدومة الجندل وأما ( سواع ) كانت لهذيل وأما (يغوث ) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ وأما ( يعوق ) فكانت لهمدان وأما ( نسر ) فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.

رواه البخاري ( 4636 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 2 / 333 ).

وقال:

وهذه العلة – أي: التعظيم – التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك.

” الاقتضاء ” ( 2 / 334 ).

 

وقال ابن القيم رحمه الله في بيان تلاعب الشيطان بالنصارى:

وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يصور في قبة الزمان صورة الساروس وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل ثم قال في كتابه: وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا فيأخذه العامل ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيما للقرطاس والمداد بل تعظيما للملك كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان.  

وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام.

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 292 ).

وقال:

وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.

” زاد المعاد ” ( 3 / 458 ).

  1. فما سبق من الآيات والأحاديث يدل على أن علة تحريم الصور ثلاثة أمور:

الأول: المضاهاة لخلق الله.

والثاني: أنه مشابهة للكفار.

والثالث: أنه وسيلة للتعظيم والوقوع في الشرك.

  1. وبعد هذا، أرجو أن يكون فيما سبق كفاية لإقناع الأخ السائل وصاحبه بحرمة عمل التماثيل، سواء كان ذلك لمسلم أو لكافر، وأن من فعل ذلك فقد ضاهى الله في خلقه، واستحق اللعنة، ويؤمر يوم القيامة بأن ينفخ فيها الروح وأنى له ذلك؟.

 

والله أعلم.

 

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

السؤال:

أنا شاب في الـ 20 من عمري تقريباً ، من … , طالب علم ، بحمد الله وفضله , قدَّر الله أني تعرّفت منذ زمن ليس ببعيد على امرأة عن طريق الانترنت ، وكان سبب ذلك التساؤل عن ” الاسم الشخصي ” الذي كانت تضعه ، والذي بالفعل كان يلفت الأنظار ( كان عبارة عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح يثبت ما نحن عليه اليوم ) , المهم : دار الكلام بيننا لمدة 3 أسابيع تقريباً بشكل دائم ( ضمن الكلام كنا نخوض في الأمور العلمية الشرعية التي من خلالها استفاد كِلا الطرفين ، بالإضافة إلى الكلام الذي تخلله تعاطف هذه المرأة معي من كل النواحي ، ضمن الضوابط ، والقيود الشرعية ، بحيث في آخر المطاف طلبتْ مني أن أعتبرها كأم لي ! عن حسن نية ، بعد أن اعتبرتني كابن لها من أول فترة تحدثي معها ، علمتُ فيما بعد بأنها والدة أحد أصدقائي – هداه الله وإيانا – , فأمه امرأة لم يتخطَّ عمرها 38 سنة بعد , أستاذة ، تعطي التربية الإسلامية ، والقرآن الكريم , ختمت الروايات السبع ، فهي مجازة ، بحمد الله , بالإضافة أنها منتقبة ، ومواظبة على الدروس الأسبوعية عند شيخ مدينتنا الذي أدرس عنده أيضاً ، وهو شيخ فاضل من أحد تلامذة الشيخ ابن عثيمين – طيب الله ثراه – ومن الناس الذين يركزون جدّاً على طرح جهود العلماء المعاصرين ، وخاصة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وطيب ثراه ، أرادت إحدى المرّات أن تقدم لي مساعدة ( مالية ) بعد أن علمت بمشاكل أتعرض لها مع والديّ من هذه الناحية , وبالفعل قدّمت لي المساعدة ، وذلك بعد أن قابلتها وتحدثت معها بحضور زوجها وابنها ، وهكذا ، كل آخر يوم من الأسبوع تطلب مني الحضور لعندها ؛ لتطمئن على حالي ، وعلى حال وضعي في منزلي ؛ وذلك لما أخبرها من مشاكل جمّة أتعرض لها على الدوام ، وأشعر بارتياح كبير حين أخبرها بذلك , فحقّاً إني أحببتها في الله ! واعتبرتها كأم لي ! وأخاف عليها كما أخاف على أمِّي ، من قلقها ، وتوترها الدائم إن قاطعتها عن الكلام لمدة طويلة ، إلا أن جلساتي الأخيرة معها كانت بمفردنا ( وطبعا بمكان في البيت يستحيل أن يستدل من خلاله أي شخص على شرط واحد يثبت فيه وقوع الخلوة بيننا ، والحمد لله ! ) ، وشعرنا نوعاً ما بأن الضرورة ( إن كانت تعد ضرورة ) قد زالت ، وأنه ينبغي أن ننتهي من هذه الجلسات ؛ لما فيها من شبهات , وفي ذات الوقت الذي أرسل فيه رسالة لها أوضح من خلالها الأمور التي نتساهل بها نوعاً ما وهي غير جائزة ( من ناحية الكلام ، ومن ناحية النظر ، ومن ناحية الجلوس بمفردنا ) : إذ بها ترسل رسالة ذات مضمون رسالتي ، إلا أن رسالتها تختلف عنّي ، بأنها قد كتبتها منذ زمن بعيد ، وتقول في آخرها بأنه لولا محبتها لي ، ومعزتها لي : لما تأخرت في إرسالها منذ البداية ؛ لأن هذا الأمر يفرحها ، بأنها تتبع ما أمرنا به الله ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ويحزنها في آن لفراقي ؛ ولحرمانها من شخص ( اعتبرتْه بالنسبة لها كابن ، وأن الله عوضها بعد سنوات طوال من التربية بابن صالح كما تحب وترضى ، وكما تتمنى لابنها الحقيقي أن يكون , وأكثر من ذلك : صارحتني بأمر متعلق بشان ابنتها من ناحية الزواج , فأنا الآن أرغب بالزواج المبكر ، وأتحرى عن بنت على المنهج ، أعلم من خلالها أننا سوف نكون سعيدين بإذن الله مدى العمر ، وقدّر الله أن البنت التي سألت عنها ولفتت نظري في إحدى المرات بعد خروجها من مكان النساء بعد الدرس عند الشيخ : هي بنت هذه المرأة , فقالت لي : بأنها تتمنى أن يكون المتقدم لابنتي شخص مثلك ، بل أنت ، وذلك بعد مصارحتي لها أنا أيضاً بالنسبة لموضوع الزواج ، وهكذا تعمّدنا قطع الكلام بيننا ، وكلُّ منَّا ما زال يفكّر بالآخر على الدوام حتى هذا الأسبوع , أردت أن أكلمها ، وكلّمتها ، وجعلتها تطمئن عليَّ نوعاً ما ، وأنهيت حديثي معها بشكل سريع ، ووضحت بأني لم أفعل هذا كراهية بها إنما اتباع لكلام الله ، وهدي نبيه ، وقالت لي : بأنها متفهمة ، وتعلم ما أقصده تماماً ؛ لأن ما يجول في خاطرها كالذي يجول بخاطري تماماً , ومن ثم قلت لها بأني سوف ألغي بريدها الإلكتروني ، ولم يعد هناك حاجة للكلام ، وهكذا حتى الآن أعلم من خلال ابنها – أي : صديقي – ومن مصادر أخرى بأنها قلقة على الدوام ، وحزينة جدّاً ، جدّاً ، وأن أسرتها تلاحظ في هذه الآونة الأخيرة بكاءها المفاجئ ، وعدم استطاعتها من إخفاء دموعها ؛ لأسباب لا يعلمونها , وبالطبع أنا متيقن ما هو السبب , فإن كان باستطاعتي إخفاء حزني عليها : فهي امرأة ، وعاطفية أكثر ، بل هي أم ، ولا تستطيع إخفاء مشاعرها بسهولة ، وخصوصا تجاه ابنها ، كما تعتقد .

فسؤالي لكم :

هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ وما الشيء المناسب الذي عليَّ القيام به تجاهها دون أي تعدٍّ على أطر الضوابط والقيود الشرعية ؟ فأمرها يهمني مثل ما يهمني أمر والدتي الحقيقية .

أفيدوني رجاء بجواب شافٍ وكافٍ , فمن الممكن أن أرسل لها جوابكم لو رأيت فيه مصلحة ومنفعة للطرفين , وجزاكم الله كل خير ، وسامحوني إن أطلت عليكم , فلو باستطاعتي أن أخبر شيخي لما كنت أخبرتكم , بارك الله فيكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

هذه القصة تصلح مثالاً لتلبيس إبليس على أهل الالتزام والاستقامة ؛ حيث نسج الشيطان شراكه وشباكه بخيوط الشرع ، فأوهم فريسته بذلك حتى علقوا ! .

– وانظر – أخي السائل – لتلك التلبيسات وتمعن بها ، فلعلها تكون عبرة لغيرك حتى لا يقع في مثلها :

أ. كانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منك : السؤال عن ” الاسم الشخصي ” والذي هو عبارة عن حديث نبوي ! فقد فتح لك الشيطان الباب لسؤال أجنبية عنك ، بعذر أنه قد لفت نظرك جعل الحديث النبوي اسماً لها ! ثم انظر كيف امتدت العلاقة بعدها، وتطورت .

ب. وكانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منها : إجابتك على سؤالك ، والسماح لنفسها بتكوين علاقة مع أجنبي ، بل زادت الوقاحة برؤيته ، بل والخلوة معه ، حتى وصل الأمر إلى البكاء على فراقه ! .

ج. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أنكما ملتزمان بضوابط الشرع في تلك العلاقة ، وأين هذه الضوابط والأمر فاسد ومخالف للشرع من أصله ؟! .

د. ومن تلبيس الشيطان عليكما : جعلك لك بمنزلة أمك ! وجعلها لك بمنزلة ابنها ! وهذا مخالف للشرع ، وليس ثمة ما يبيح اجتماع أجنبي بامرأة أجنبية عنه واعتبار بعضهما أشقاء ، أو أحدها أباً والأخرى ابنة ! أو أحدها ابناً والأخرى أمّاً ! وهذا لا يغيِّر من واقع أمركما شيئاً ، فأنتما أجنبيان عن بعضكما ، وإنما هو من تلبيس الشيطان ، ومكره .

هـ. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أن اللقاء والاجتماع فيه فوائد علميَّة ! ويستفيد كل منكما من الآخر ، وحقّاً إن الشيطان قد نجح في ذلك ، حتى ظننتما أنكما غير مخالفيْن للشرع في تلك العلاقة .

و. ومن تلبيس الشيطان عليكما : كتابة كل واحدٍ منكما رسالة للآخر ، وهذا معروف في عالم العلاقات المحرَّمة ، وخاصة بين المستقيمين والملتزمين ، حتى يظن كل واحدٍ منهما أنه غير راضٍ عن فعله ، وأنه يخالف شرع الله ، فيبادله الآخر الشعور نفسه ، حتى لا يكون أحدهما ملاكاً والآخر شيطاناً ! ، ثم سرعان ما ترجع العلاقة ؛ لأن الكتابة أصلا ليست توبة من تلك العلاقة المحرَّمة ، بل هي إحدى محطات التوقف فيها ! .

ز. ولعله من آخر تلبيس الشيطان عليك أنت : وضعك لاحتمال أن قطع العلاقة بالكلية ليس هو التصرف الشرعي المناسب ، وأنه من الممكن أن تجد سبيلاً لاستمرار تلك العلاقة معها ! ولذا ختمت سؤالك بقولك ” هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ ” ! فها هو الشيطان ما يزال يسول لك باستمرار تلك العلاقة ، وأن قطعها بالكلية قد يكون تصرفّاً خطأً ! .

ومن تأمل مثل هذه الحادثة : علم عظم أحكام الشريعة ، وعظيم حكمَتها ، حيث حرَّم العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبيين ، سواء بمكالمات ، أو مراسلات ، فضلاً عن اللقاءات والمشاهدات ، وقد ذكرنا كثيراً من الفتاوى في هذا الباب لأهل العلم.

ثانياً:

لا ينبغي لك أن تشك للحظة أن قطع علاقتك بتلك المرأة هو الصواب ، بل ليس لك خيار آخر ، فلا تتردد ، واجزم به ، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً ، وبكاء تلك المرأة على قطع العلاقة خير لها – ولكَ – من فرحها باستمرارها ، فلا تأخذك الرأفة والرحمة لبكائها ، وأسفها على الفراق ؛ لأن هذا يؤكد أن العلاقة بينكما لم تكن شرعيَّة ، وكان الأولى بها أن تفرح على قطعها ، لا أن تبكي وتتحسر .

وما حصل منكما إنما هو اتباع لخطوات الشيطان التي حذرنا ربنا تعالى من السير فيها ، وبيَّن لنا الحكمة في ذلك ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) النور/ 21 .

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:

– ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي : طرقه ووساوسه .

وخطوات الشيطان : يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان ، والبدن ، ومِن حكمته تعالى : أن بيَّن الحُكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان ، والحكمة ،، وهو : بيان ما في المنهي عنه مِن الشرِّ المقتضي والداعي لتركه ، فقال : ( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ ) أي : الشيطان ( يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) أي : ما تستفحشه العقول والشرائع من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه ، ( وَالْمُنْكَرِ ) وهو ما تنكره العقول ، ولا تعرفه ، فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان : لا تخرج عن ذلك ، فنهي الله عنها للعباد : نعمة منه ، عليهم أن يشكروه ، ويذكروه ؛ لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح ، فمن إحسانه عليهم أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة، ونحوها. ” تفسير السعدي ” ( ص 563 ).

واحذر أنت وإياها أن يقول أحدكما إنه بعيد من الفتنة ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وأينا الذي يأمن على نفسه الوقوع في الفتنة ؟! .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لا يحل للمرأة أن تسترسل في الكلام مع رجل ليس محرماً لها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) الأحزاب/ 32 .

تخاطب البائع بقدر الحاجة ، ولا تزيد على هذا ؛ لأن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وكم من امرأة تقول إنها بعيدة عن الفتنة ، ولكن لا يزال بها الشيطان حتى يفتنها، ربما إذا انصرفت من الرجل الذي تحدثت معه حديثاً أكثر مما تحتاج إليه : ربما إذا انصرفت : أدخل الشيطان عليها الهواجس ، حتى ترجع إلى الرجل الأول ، ويكون أول الكلام شرارة ، وآخره سعيراً ، والعياذ بالله .

– فعلى النساء أن يتقين الله، وألا يخضعن بالقول، وألا يكثرن الكلام إلا لحاجة …

– لهذا : لتحذر النساء من الاستمرار في مكالمة الرجال ؛ فإنه خطر ، خطر عظيم ، نسأل الله السلامة من الفتن . ” اللقاء الشهري ” ( 45 / 7 ) .

ثالثاً:

ولا ننصحك بالتزوج من ابنتها ؛ لما يؤدي ذلك لأن تكون قريباً منها ، ولا ندري ماذا أعدَّ لكما الشيطان من خطة بديلة في حال ظهرت التوبة منكما من تلك العلاقة ، وحصل زواج من ابنتها ، والقصص المثيلة تجعلنا ننصحك بالبُعد ، ففي البعد غنيمة ، أو على الأقل : سلامة .

 

والله أعلم.

حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام

حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام

السؤال:

ما حكم عرض صور القتلى والجرحى في وسائل الإعلام؟

 

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد

أولاً:

فإنه لا يشك أحد ما للإعلام المرئي من أثر بالغ في نفوس من يشاهده ، وقد شاهدنا عظيم تأثيره في أزمات وأحوال نقلت للناس بالصوت والصورة ، فكان أن ساهمت في تغيير مجرى حياة دول وشعوب .

وقد تنبه القدماء لأثر الصورة في واقع حياتهم ، ومع أن تصويرهم لا يعدو أن يكون رسماً بدائيا إلا أنهم نطقوا ببيان عظيم أثرها ، ففي المثل الصيني : ” الصورة بألف كلمة ” ! ، ولو قالها الصينيون العصريون لقالوا ” ” بمليون كلمة ” ، ومن أقوال الفيلسوف ” أرسطو ” المنسوبة إليه : ” إن التفكير مستحيل من دون صور ” .

وذا فلا عجب إن علمنا أن الصورة تعمل في الذهن أكثر من عمل القراءة والسماع ، وقد جاء في بعض الدراسات ” أن الناس يتذكرون 10% فقط مما يسمعون ، و30% فقط لما يقرؤنه ، في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به إلى 80% ” .

ثانياً:

وبما أننا نعيش بما أطلق عليه بعضهم ” عصر الصورة ” ، ونحن نعاصر ” ثورة الإعلام والاتصالات ” : فقد توجه السؤال حول حكم عرض صور القتلى والجرحى والمنكوبين ، والذين تتعرض ديارهم لغزو غاشم ، أو جوع كاسر ، أو فتنة عظيمة ، وهل يجوز نقل صور أولئك في وسائل الإعلام ليقف الناس على حقيقة ما حلَّ بهم .

وكان الجواب :

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة ، ويمكن حصر أقوالهم في ثلاثة اتجاهات : طرفان ، ووسط ، فمن محرَّم ومانع مطلقاً ، ومن مجيزٍ مطلقاً ، وأما الوسط : فهو الذي يجيز ذلك بضوابط ، فلا يمنع مطلقاً ، ولا يجيز مطلقاً .

  1. أما الطرف المانع المحرِّم : فأبرز أوجه منعه :

أ. حرمة التصوير الفوتغرافي .

ب. حرمة المسلم ، وعدم جواز نقل صورته جريحاً ، أو قتيلاً .

ج. أن هذا النقل مما يسبب الضعف والخور والجُبن للمسلمين المشاهدين .

وأبرز من قال بهذا المنع : علماء اللجنة الدائمة ، والشيخ صالح الفوزان حفظه الله .

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة :

إنني أعمل في جمعية إسلامية خيرية ، وهذه الجمعية لديها مجلدات بها صور فوتوغرافية ( ألبوم ) ، وهذه الصور لأعمال خيرية تقوم بها الجمعية ، على سبيل المثال من ضمن الصور يوجد صور للأيتام في أفغانستان الذين تكفلهم الجمعية ، وصور لجماعة يفطرون في شهر رمضان ضمن مشروع ( إفطار الصائم ) وغير ذلك من الصور ؛ وهذا من أجل تعريف المحسنين من الناس بالمشاريع الموجودة في الجمعية .

فسؤالي هو : هل هذه الصور حرام أم لا ؟ .

فأجابوا : لا يجوز التصوير ، لا بالآلة الفوتوغرافية ، ولا بغيرها من غير ضرورة ؛ لعموم النهي عن التصوير ، والوعيد الشديد عليه ، ولا يجوز الاحتفاظ بالصور التي لا ضرورة لبقائها ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمسها ، وإتلافها ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ) متفق عليه ، وإنما يجوز التصوير والاحتفاظ ببعض الصور في حالة الضرورة ، كالصور التي في حفائظ النفوس ، وجوازات السفر ، والبطاقات الشخصية ، ورخص القيادة .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 284 ، 285 ) .

  1. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

بعض المعارض تقام لبيان جراحات المسلمين في ” فلسطين ” ، وغيرها ، يكون فيها صور الجرحى ، والقتلى ، وأحيانا تُعرض عن طريق الفيديو ، والقصد من ذلك : حث المسلمين على التبرع لإخوانهم ، فهل هذا العمل جائز ؟ .

فأجاب  :

هذا العمل غير مناسب ، لا يجوز إقامة الصور للجرحى ، لكن يُدعى المسلمون للتصدق على إخوانهم ، ويبلغون أن إخوانهم مضايقون ، وأنهم يجري عليهم ما يجري من فعل اليهود ، بدون أنهم يَعرضون صور ، ويَعرضون جرحى ؛ لأن هذا فيه استعمال للتصوير .

وأيضاً : في هذا تكلف ما أمر الله تعالى به ، وفيه أيضاً : تفتيت لعضد المسلمين ؛ لأنك لما تعرض أمام الناس صور مسلم ممثَّل به ، أو مقطَّع الأعضاء : فهذا مما يُرعب المسلمين ، ويرهب المسلمين من فعل الأعداء ، والواجب : أن المسلمين لا يُظهرون الضعف ، ولا يُظهرون الإصابات ، ولا يُظهرون هذه الأمور ، بل يَكتمونها حتى لا يفتوا في عضد المسلمين .

انظر كتاب : ” الإجابات المهمة في المشاكل الملمة ” ( 2 / 105 ) .

  1. وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم – حفظه الله – :

فما أبعد كثير من الناس عن الفقه حينما يصورون موتى المسلمين ، بالذات في المذابح حين تحصل ، وكأن هذا من أجل المصلحة الإعلامية المزعومة ، يستبيحون انتهاك حرمة الميت ، وتُنشر الصور في الجرائد دون أدنى استقباح لهذا الفعل الشنيع ، والإنسان لا يرضى لنفسه ولا لوالده أن تنشر صورته وقد قتل ، أو مات بهذه الصورة الشنيعة التي تحصل الآن ، بحجة مصلحة الدعوة ،  لأجل أن الناس تنفعل ، وترى كيف يُفعل بالمسلمين ، وغير ذلك من هذه الاعتبارات المهدرة ، فهذا حق الميت ، حقه أن يُستر ، لا أن تُنشر صوره عن طريق وسائل الإعلام ، وبالذات الجرائد ، بل وأحياناً تعلَّق في المساجد ! وما من إنسان ينتبه أن هذه مخالفة لهذا الحكم الشرعي ، وهو أنه يجب ستر الميت عن الأعين ، وعدم كشفه ، فما أبعد هؤلاء من آداب الشرع . ” من شرحه على بلوغ المرام ” .

http://www.islamway.com/index.php?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=35060&scholar_id=33&series_id=1935

 

ثالثاً:

  1. 2. وأما القول بجواز التصوير للجرحى والقتلى مطلقاً : فيمكن نسبة هذا القول للمشايخ الذين لهم مواقع ينقلون فيها هذه الصور ، وللمشايخ الذين يشرفون على القنوات الفضائية الإسلامية التي تنقل هذه الصور كذلك ، ومن القائلين بالجواز – بشرط عدم تعليقها في المساجد – : موقع الفتوى في ” الشبكة الإسلامية ” :

فقد سئلوا:

شيخنا الفاضل ، هل يجوز لصق بعض الصور لما يقع في العراق من جرحى الأطفال ، وغيره ، في المساجد ؛ للتألم ، والدعاء لهم بالخير ، والصبر ، والتشجيع ، ورفع الدعاء على العدوان الظالم ؟ وجزاكم الله خيراً .

فأجابوا:

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :

فمن الوسائل النافعة في بعث الهمم ، وإحياء روح الأخوة الإيمانية ، وإعانة المحتاجين والمستضعفين من المسلمين : تعليق بعض الصور ، والمشاهد المعبرة عن حالهم ، وما هم فيه ، سواءً كان ذلك في أرض العراق ، أو فلسطين ، أو غيرهما ، ولذلك فتعليق تلك الصور في الأماكن العامة مطلوب ؛ لما فيه من الدلالة على الخير .

– أما المساجد فينبغي أن تصان عن تعليق هذه الصور .

رقم الفتوى ( 31678 ) ، تاريخ الفتوى : 09 ربيع الأول 1424 هـ . 

http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/ShowFatwa.php?lang=A&Id=31678&Option=FatwaId&x=61&y=4

والشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله – يفرِّق بين الصورة المتحركة – الفيديو – ، والصورة الثابتة في هذه المسألة ، فأجاز الأولى ، وتوقف في الثانية .

فقد سئل – حفظه الله – :

فنظرًا لما سنقوم به من إقامة معرض لجراحات العالم الإسلامي ويتخلل هذا المعرض صور لبعض المصابين ، والقتلى ؛ وذلك تبيينًا لزائري هذا المعرض ، وما يحدث للمسلمين من قِبل أعدائهم ، وكذلك عرض على أجهزة الفيديو ، فما حكم الشرع في ذلك ؟ .

فأجاب :

أرى – والله أعلم – جواز هذا العرض ، إذا كانت الصور غير ثابتة ، كالصور في الشاشات من أفلام ؛ حيث أنها لا تدخل في ” الصور الثابتة ” ، وهي المنقوشة ، أو المطبوعة .

فأما الصور المرسومة في الصحائف الحائطية : فأنا أتوقف فيها ، ولو كان فيها دوافع للزائرين إلى التبرع ، لكن إن احتيج إلى الصور المرسومة : فلا بد من طمس الوجه ، والرأس ، وإبقاء الجثة التي يتمثل بها الجرح ، ونحوه .

موقع الشيخ عبد الله الجبرين ، رقم الفتوى : ( 12187 ) .

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=12187&parent=786

 

رابعاً:

  1. 3. وأما القول بجواز عرض صور القتلى والجرحى بضوابط شرعية : فهو الذي نراه قولاً وسطاً بين القولين السابقين .

ومن الضوابط التي نرى وجوب مراعاتها :

  1. عدم نشر صور النساء مطلقاً .

فالمرأة عورة كلها ، ولا حاجة لعَرض صورة امرأة جريحة ، أو قتيلة ، أو جائعة ، وصور الرجال تسد مسدها .

  1. وجوب طمس العورات .

فكثير من الصور لا يراعي ناشروها حكم الله عند تصويرها ، والواجب مراعاة ذلك عند عرضها من قبَل أهل الاستقامة ؛ لأن عورة المسلم واجب عليه سترها ، وحيث كان هو جريحاً ، أو قتيلاً ولا يستطيع ذلك : فهو معذور ، وليس ثمة عذر لمن نشر تلك الصورة .

  1. عدم نشر الانتهاكات الجنسية والاغتصاب .

سواء للرجال ، أو النساء ؛ فإن هذا من فضح ما يجب ستره ، ولا يحب أحد أن يكون مكان ذلك الرجل – أو المرأة من باب أولى – لتنشر صورته على أنه اغتصب ، وقد انتشرت في مواقع الإنترنت صور لأناس أبرياء انتُهك عرضهم من قبَل من لا يخاف الله من الطغاة والمجرمين ، بإدخال عصا في دبره ، أو غير ذلك من الطرق القذرة التي تدل على خساسة فاعلها ، ومثل هذا لا ينبغي أن يُختلف فيه ، وهو في النساء أعظم إثماً ، وأقبح فعلاً .

  1. عدم نشر الأشلاء ، والرؤوس المقطوعة .

لما في ذلك من مناقضته لحرمة المسلم .

  1. تجنيب المساجد تلك الصور .

وقد أصبحت كثير من المساجد معارض لعرض الصور ، وهذا لا يليق أن يُفعل في بيوت الله تعالى ، ولا مانع من عرضها في أماكن عامة ، أو مؤسسات خيرية، أو جمعيات دعوية .

خامساً:

مناقشة المانعين :

لا شك ولا ريب عندنا في جلالة قدر من منع عرض صور الجرحى والقتلى والجوعى في وسائل الإعلام المختلفة ، لكننا في الوقت ذاته ينبغي لنا النظر في المصالح التي يمكن تحقيقها جرَّاء استعمالنا هذا السلاح ، وكما قدمنا فإن الصورة تعدل مليون كلمة ، والإعلام الآن سلاح يُقاتَل به ، ويدافع به ، ولا جدال في هذا ، ونحن نعيش في عالم الغاب ، القوي يأكل الضعيف ، والعاجز الخانع لا قيمة له في هذا العالَم ، وها هي غزة الآن تُقصف بالطائرات جوّاً ، والمدافع برّاً ، والبارجات بحراً ، وأنَّى للمسلمين في أقطار الأرض أن يعلموا حقيقة ما يجري في تلك الأرض لولا ما يُنقل لهم من صور تعبِّر عن واقعهم ؟ وأنَّى للمسلمين أن يهبُّوا لنجدتهم وهم لا يعرفون مدى السوء الذي وصلوا إليه ؟! إنها معركة مع ذلك العدو اليهودي الخبيث يستعمل فيها سلاح الإعلام كما يستعمل السلاح الناري ، ولا عجب إن رأينا تضييق العدو اليهودي على وسائل الإعلام لعدم نقل حقيقة الأخبار حتى لا يعرف العالَم مدى سوئهم ، وحتى لا يَعرف شعبهم حال أبنائهم وما صاورا فيه من حال .

ويمكن إجمال ما نرى أنه من المصالح المتحققة في استعمال سلاح الصورة بما يلي :

– لا تحتاج لثقافة وعلم ما يحتاجه من يقرأ أو يسمع

  1. التأثير على الرأي العام للوقوف مع المسلمين المستضعفين ، وإيقاف الحرب .

ويتمثل ذلك من جهتين :

أ. نشر صور ضحايا المسلمين ، حتى يعرف العالَم مدى الدمار والسوء الذي لحِق بالبلاد المحتلة وبأهلها .

ب. نشر صور قتلى المعتدين ، حتى تضغط الشعوب على حكوماتها لإيقاف الحرب ، وقد كان صورة فتاة خرجت فزعة من أرض محترقة سبباً في إيقاف حرب أمريكا الظالمة لفيتنام ، ولذلك فلا نعجب إن علمنا أن وزارة الدفاع الأمريكية قد منعت نشر صور جثث جنودها العائدين في توابيت لبلادهم من العرق ! خشية من ضغط الشعب عليهم .

ولذا فإن نشر صور القتلى والجرحى يحقق مصالح عظيمة ، ومن أبرزها إيقاف نزيف الدم الهادر من أبناء المسلمين ، وإيقاف الدمار في بلادهم ، وهذه المصلحة في الإسلام يمكن تحقيقها بارتكاب معصية ، أو ترك واجب – فيجب قطع الصلاة والصيام إذا كان لا يتم إنقاذ نفس إلا بذلك – فكيف أن في نشر صورة مختلف في تحريمها أصلاً ؟! .

  1. تثبيت الجريمة على فاعلها .

ويستفاد من ذلك :

أ. تصحيح الصورة في العالَم .

فاليهود الأخباث الآن ، ومعهم وسائل إعلام غربية عالمية كثيرة تنقل صور مآسي اليهود جرّاء إطلاق المجاهدين عليهم صواريخ بدائية ، فيستعطفونهم ، ويبتزونهم ، ويوهمون العالَم أنهم شعب مظلوم مقهور ! ولا يمكن تصحيح هذا الخلل إلا بسلاح الإعلام الذي يبين الحقيقة من غير رتوش ، ولا دجل .

ب. ولمحاكمة ومعاقبة الفاعلين إن تيسر ذلك .

كما حصل في محاكمة طغاة ” الصرب ” بنشر صور جثث القتلى من المسلمين ، وإيقاف العالَم على الكم الهائل الذي راح ضحية مذابحهم ، وقد كان للصور أبلغ الأثر في تثبيت التهمة على أولئك الطغاة وغيرهم ممن يمكن أن يأتي دورهم .

وعلماؤنا الأجلاء يجوزون نشر صور المتهمين في قضايا سرقة واعتداء ، وما نحن فيه الآن أبلغ بكثير ، حيث يكون أولئك قتلة لألوف المسلمين .

  1. الرد على إعلام العدو النافي لوقوع ضحايا ، وكشف زيف ادعائه للحرية والإنسانية .

وقد كان في نشر صور تعذيب الأمريكان في ” أبي غريب ” – العراق – ، ونشر صور المعذَّبين من الشيشان من قبَل الروس ، ونشر صور تعذيب الرافضة لأهل السنة في العراق وإيران : أبلغ الأثر في كشف زيف تلك الأديان والمناهج والطوائف ، وقد كان تعداد أسماء الضحايا وذكر أسمائهم قاطعاً للتشكيك في أخبار المستضعفين .

فكم تحصَّل من مصالح في هذا النشر ، من مراقبة السجون ، وطرد الضباط والمسئولين عن التعذيب من وظائفهم ، وإحكام الرقابة على المعتقلات ، وتحسين أوضاع المساجين ، وغير ذلك من مصالح ، لا يشك الواقف عليها أن الشريعة تتشوف لها ، وتدعو لها ، ولو ارتكب في ذلك ما فيه مفسدة ، فكيف إذا كان ذلك في قضية مختلف فيها أصلاً ؟! .

  1. فضح المنتسبين للإسلام ، وكشف إلحادهم وزندقتهم .

وقد كان نشر ” فيلم ” إعدام ” صدام ” يعادل مئات الحلقات من مناظرة أولئك الزنادقة ، ويعادل مئات الكتب والخطب في تبيين حال الرافضة ، وخبث اعتقادهم ، فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، فتبين لكثير من أهل السنَّة أن مثل هذا الفعل – الإعدام دون محاكمة عادلة ، وليلة عيد الأضحى – أن هؤلاء الرافضة ليسوا مسلمين ، وإن زعموا ذلك للناس ، حتى رأينا مظاهرات في العالَم الإسلامي تطالب بطرد السفير ” الفارسي ” ! من بلادهم ، وسمعنا على ألسنة الكتاب والخطباء والعوام لفظ ” الصفوية ” ! وهو يستعمل لأول مرة عندهم في وصف تلك الفئة المارقة .

وهذه مصالح لا يستهان بها ، والرجل قد أعدم ومات ، فاستثمار عرض صورته وقد تعرض للطعن والإهانة بعد موته لم يكن أقل نفعاً لأهل السنَّة في بيان خبث وانحراف الرافضة عن الفطرة ، والدين ، والعقل .

  1. جمع الصدقات ، والتبرعات ، وكفالة الأيتام ، ورعاية الأرامل .

فللصورة أبلغ الأثر في حث الناس على إعانة إخوانهم المستضعفين ، فرؤية الأطفال الجوعى والذين التصق بطنهم بظهرهم يغني عن مئات المحاضرات النظرية في جلب المساعدات والإعانات له ولأهله ، وكذا تصوير الجرحى لاستقبالهم في المستشفيات وعلاجهم فيها ، وهكذا في مصالح عظيمة يمكن تحقيقها إن أحسنَّا استعمال هذا السلاح ، وكما قدَّمنا فإن تأثير الصورة يبقى في ذهن رائيها أضعاف تأثير المسموع والمقروء .

  1. التهييج على الجهاد ، والانتقام لدماء المسلمين .

ولا ينكر أحد التأثير البالغ الذي أحدثته صور أطفال غزة ضحايا بين الأنقاض ، وقتلى بنيران العدو ، ولا ينسى أحد صورة الطفل الفلسطيني ” محمد الدرة ” عندما اختراقة جسمه الصغير النحيل رصاصات العدو الصهيوني ، وهو في حضن والده .

ومن شأن مثل هذه المشاهد أن تحرِّك الدماء في عروق المجاهدين ، وتدفعهم للمشاركة مع إخوانهم المجاهدين أينما كانوا ، ولا يُنكر أحد أن الناس قد اثاقلوا عن الخروج للجهاد ، ونصرة إخوانهم ، وأن متاع الدنيا قد صار أضعاف متاع السابقين ، وهذا ما جعلهم يركنون إلى الراحة والدعة ، ويطلبون السلامة لأنفسهم ، فتأتي مثل هذه المشاهد لتزهدهم في حياتهم الدنيوية ، ولتحرك دماءهم ليقوموا غضبة لدينهم .

 

 

سادساً:

هذا ، ولا ننكر أنه ثمة مفاسد حتى من نشر ما هو جائز – بشروطه وضوابطه – من الصور ، وهو ما يستدعي من القائمين على الإعلام الإسلامي أن يتصفوا بالحكمة والعقل في التعامل معها ، ومن هذه المفاسد :

  1. تبلد الإحساس بكثرة العرض لصور القتلى والجرحى .

ولذا فلا عجب أن ترى الأسرة تأكل ، وتشرب ، وهم يرون مناظر الحرب ، وصوره المفزعة .

وعلاج ذلك : أن يحسَن في كمية وكيفية عرض الصور على الناس ، فيختار الوقت المناسب ، والقدْر المناسب لعرضه على الناس .

ولذلك أصل في الشريعة :

عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُود يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . رواه البخاري ( 70 ) ومسلم ( 2821 ) .

– يتخول : يتعاهد .

– السآمة : الملل ، والضجر .

  1. توقف التأثر مع عدم الصور .

وهذا ما يحصل عند طائفة من الناس ، وهو أن الكلمة لا يكون لها تأثير عليه حتى يرى الصورة المعبِّرة .

وعلاج ذلك : بأن يحسن المتكلم – بدون صورة – توصيف الحدث ، حتى يجعل السامع كأنه يرى الحدث بعينه .

ولذلك أصل في الشريعة :

عن ابنِ عُمَرَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ). رواه الترمذي ( 3333 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي”.

  1. التسبب بالضرر العظيم على المسلمين وخاصة المدنيين .

وهذا مثل ما حصل في صور التمثيل بالمقاولين الأمريكيين الأربعة في الفلوجة ، مما تسبب بحصار جائر ، وعذاب شديد .

والحكمة تقتضي حسن اختيار ما يُنشر مما فيه نفع للمسلمين ، ودفع للضر والأذى عنهم ، وهذا يحتاج لأهل علم وعقل ، وهم يجتهدون في ذلك بما لا يرجع بالضرر على المسلمين .

– وقد يوجد غير ذلك ، لكنه قليل في جنب ما ذكرناه من مصالح عظيمة .

وبكل حال :

فهذه من مسائل الاجتهاد ، ويسع فيها الخلاف ، ومن نظر إلى قول المانعين ، وأنهم أجازوا الصور للهوية ، وتصوير المجرمين : علم أن ما ذكرناه هو أضعاف أضعاف هذه المصالح ، والإعلام سلاح يحتاج من يحسن استعماله .

ونوصي بالطلاع على كتاب الدكتور شاكر عبد الحميد – أستاذ علم نفس الإبداع ، ونائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية ” عصر الصورة السلبيات والإيجابيات ” ضمن إصدارات سلسلة ” عالم المعرفة ” في عددها 311 ، يناير 2005 م ، فهو لا يخلو من فوائد في مسألتنا هذه ليس من الناحية الشرعية ، لكن من ناحية سياسية ، وتقنية .

 

والله أعلم.

ماذا أفعل مع هذا الرجل الذي يسب العلماء؟

ماذا يفعل مع هذا الرجل الذي يسب العلماء؟

السؤال:

يوجد رجل من مصر يعيش في مكة المكرمة ، وكان يعمل في الرياض ، وترك العمل منذ فترة ويدعي – كما يقول – أنه قد تفرغ للعلم وهو واسع الاطلاع ، ولا يزيده اطلاعه إلا تمسكاً بشواذ الأقوال ، وكأنه يتحرى ذلك ، ولم يسلم من ذمه عالم من علماء مصر سواء من يسميهم علماء السلطة أو علماء الصحوة ، حتى كان عندنا علماء يشار إليهم بالبنان في مصر أمثال الشيخ أسامة عبد العظيم ، والشيخ محمد إسماعيل لم يسلموا من ذمه ، وكنت على علاقة به ، وكان يعرف أنني من تلامذة الشيخ أسامة عبد العظيم ، فكان لا يذمه عندي ، وقد التقيت بأحد الإخوة الذين التقى هذا الرجل قريباً ، فأبلغني أنه لما ذكر عنده الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال  – والعهدة على الراوي – : ( اللهم ضيِّق عليه قبره واجعل قبره حفرة من حفر النار ) ، فلما قال له الأخ : ولم ذلك ؟ قال : لأنه كان يقول طاعة ولاة الأمر واجبة ولا يوجد ولاة أمر في وقتنا الحاضر ، أو أن هؤلاء الموجودين لا يصلح أن نقول عليهم ولاة أمر وفاجأني هذا الأخ أن هذا الرجل يقول في بعض المسائل الفقهية بآراء شاذَّة جدّاً ، بل قد تكون منكرة مثل ما قال : ” إن إتيان المرأة في دبرها لا شيء فيه ، وإن الأحاديث الواردة في ذلك إما ضعيفة أو موضوعة”.

وإن الرجل ليس لديه الآن مصدر للتكسب ، ويقول : ” يجب على الإخوة أن يؤدوا إليَّ المال لأنني متفرغ لخدمة العلم ” .

والحقيقة قد غاظني ما سمعته من هذا الرجل ، وأتى في نفسي أن أبلغ عنه ، فإن كان هذا فكره الذي يقره هو ولا يقول بخلافه يعزر أو يرجع عنه .

– فماذا تنصحونني أن أفعل ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

من الكلام ما يستحق أن يناقش ويرد عليه ، ومنه ما هو أقل من أن يؤبه له ؛ لأنه لا وزن له وقيمة ؛ فصاحبه قد جمع بين الجهل والجهالة ، والظاهر أنه يعجبه أمره ، فلعلَّ غيره أن يستفيد مما سنقول ، وأما هو فليقرأ عن الإسلام من جديد ليعرف حقيقة نفسه ، وبُعده عن آدابه وفضائله فضلاً عن تعديه على أحكامه وشرائعه .

 

 

ثانياً :

رفع الله تعالى قدْر العلماء ، وأعلى منزلة العلم ، وقد تعددت فضائل العلم والعلماء ، وأُلِّفت في ذلك المؤلفات ، وسنكتفي بالنزر اليسير في هذه الكلمات .

– قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ فاطر / 28 ] .

– وقال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ الزمر / 9 ] .

عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من سلك طريقا يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ” . رواه الترمذي ( 2682 ) وأبو داود ( 3641 ) وابن ماجه ( 223 ). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 70 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله : موالاة المؤمنين ، كما نطق به القرآن ، خصوصاً العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ، إذ كل أمَّة قبل مبعث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم ؛ فإنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته ، والمحيون لما مات من سنته ، بهم قام الكتاب ، وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا .”  مجموع الفتاوى ” ( 20 / 231 ، 232 ) .

ثالثاً :

وما يصيب العلماء من أذية السفهاء وتطاول الجهلاء إنما هو من الابتلاء الذي يرفع الله تعالى بها درجاتهم ، فلا ينبغي لهم التأثر بمثل هذا الكلام ، فإن الله تعالى يرفع به درجاتهم ، وتزداد به عقوبة الظالم لهم المعتدي عليهم .

قال تعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [ العنكبوت / 2 ، 3 ] .

 

 

 

رابعاً :

وإذا كانت الغيبة محرمة : فإن غيبة العلماء أشد حرمة ، وإذا كانت أذية المسلمين إثماً : فإن أذية أهل العلم أعظم إثماً ، وإن من آيات الله تعالى أنه يعجل العقوبة للظالم لهم والمعتدي عليهم في الدنيا قبل الآخرة .

 قال الإمام النووي رحمه الله تعالى :

… وقال تعالى { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } – [  الأحزاب / 58 ] – وفي الباب حديث أبي مسعود الأنصاري وحديث ابن عباس المتقدمان في الباب الثاني وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط ” رواه أبو داود  – ( 4843 ) – وهو حديث حسن …

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” إن الله عز وجل قال من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب ” رواه البخاري – ( 6137 ) – ، وثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته ” – لم يروه الإمام البخاري ، وإنما رواه الإمام مسلم ( 658 ) – ، وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما قالا : إن لم يكن العلماء أولياء الله : فليس لله ولي .

 قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله : اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يغشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } …”  التبيان في آداب حملة القرآن ” ( ص 15 ، 16 ) .

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الربا اثنان وسبعون بابا ، أدناها مثل إتيان الرجل أمه ، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه ” . رواه الطبراني في الأوسط ( 7151 ) من رواية عمر بن راشد وقد وثق ، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب ( 1857 ) .

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله :

حق على العاقل أن لا يستخف بثلاثة : العلماء ، والسلاطين ، والإخوان ؛ فإنه من استخف بالعلماء : ذهبت آخرته ، ومن استخف بالسلطان : ذهبت دنياه ، ومن استخف بالإخوان : ذهبت مروءته .”  سير أعلام النبلاء ” ( 7 / 450 ) .

وقال الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

إذا كان الإنسان لا يجوز له أن يغتاب أخاه المؤمن وإن لم يكن عالماً : فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين !؟ … وليعلم الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرح العالم فسيكون سبباً في رد ما يقول هذا العالم من الحق ، وليعلم أن الذي يجرح العالم لا يجرحه  شخصيّاً بل هو تجريح لإرث محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء ، فإذا جرح العلماء وقدح فيهم : لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم ، وهو مورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جرح .”  الصحوة الإسلامية ، ضوابط وتوجيهات ” ( ص 117 – 118 ) .

وقال الشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم :

إن المسيء إلى العلماء والطاعن عليهم بغياً وعدواً : قد ركب متن الشطط ، ووقع في أقبح الغلط ؛ لأن حرمة العلماء مضاعفة ، وحقوقهم متعددة ، فلهم كل ما ثبت من حقوق المسلم على أخيه المسلم ، ولهم حقوق المسنين والأكابر ، ولهم حقوق حملة القرآن الكريم ، ولهم حقوق العالمين والأولياء الصالحين  .

”  الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام ” ( 9 – 10 ) .

خامساً :

وما يرغب به المتكلم ظلماً وزوراً في أهل العلم وهو إسقاطهم إنما يرجع عليه كيده في نحره ، فإن الله سبحانه وتعالى يُعلي شأن العالِم الحافظ لدينه والداعي إليه ، ويُسفل شأن هذا الظالم المعتدي .

قال الذهبي – في ترجمة الإمام الشافعي – :

وقال بعض الناس منه غضّاً ، فما زاده ذلك إلا رفعة وجلاله ، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى ، وقلَّ من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى . ” سير أعلام النبلاء ” ( 11 / 204 ) .

سادساً :

والطعن في العلماء وفحش القول فيهم مرفوض حتى لو كان من أهل العلم ، وقد تكلَّم ابن حزم في بعض أهل العلم بمثل هذا القول الفاحش ، وظن بعض الناس أن لهم فيه قدوة حسنة ، وما علموا أنه بذلك مخالف للشرع ، وأنه ليس لهم قدوة في فعله هذا .

قال الإمام الذهبي رحمه الله – في ترجمة ابن حزم – :

… وصنف في ذلك كتباً كثيرة وناظر عليه ، وبسط لسانه وقلمه ، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب ، بل فجَّج العبارة وسبَّ وجدَّع ، فكان جزاؤه من جنس فعله ، بحيث إنه أَعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة ، وهجروها ونفروا منها ، وأُحرقت في وقت ، واعتنى بها آخرون من العلماء ، وفتّشوها انتقاداً واستفادة ، وأخذاً ومؤاخذة ، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين ، فتارة يطربون ومرة يعجبون ، ومن تفرده يهزؤون ، وفي الجملة فالكمال عزيز ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ” سير أعلام النبلاء ” ( 18 /  186 ، 187 ) .

سابعاً :

ولا يعني ما قلناه أن الأئمة والعلماء لا يخطئون ، بل هم يصيبون ويخطئون ، لكنهم لا يتعمدون المخالفة ، وهم إذا أخطأوا حصَّلوا أجراً واحداً ، وخطؤهم مغمور في بحر علمهم وحسناتهم ودفاعهم عن دين الله عز وجل .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

… ومَن له علم بالشرع والواقع : يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح ، وآثار حسنة ، وهو من الإسلام وأهله بمكان : قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور ، بل مأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يتبع فيها ، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين . ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 283 ) .

ثامناً :

وأقبح من السب والشتم والطعن في أهل العلم هو تكفيرهم ، وإذا كان تكفير عامة المسلمين من كبائر الذنوب فإن تكفير العلماء أعظم جرماً وإثماً ، والمسلم الذي ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه الإسلام إلا بيقين مثله ، ومثل هؤلاء ليسوا أهلاً للكلام في مسائل الطهارة فضلاً أن يكونوا أهلاً لأحكام التكفير .

– ولا شك أنه أحق بما يدعيه في غيره من أهل العلم .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ” . رواه البخاري ( 5753 ) ومسلم (60).

– ودعاؤه دعاء إثم سيبوء بإثمه إلا أن يتوب ويستغفر ربه .

وانظر إلى خذلان الله له حيث يتبنى أقوالاً شاذة تتناسب مع شذوذه في الفكر والمنهج ، وانظر إلى بطالته وسفول يده ، حيث يطلب من الناس أن تنفق عليه ، وهو يكفرهم ؛ لأن من يكفر صفوة الأمة من علمائها فلن يحكم على من هم دونهم بالإسلام .

 

 

 

تاسعاً :

فما هي نصيحة أهل العلم لهؤلاء المتطاولين ، وكيف يعالج أحدهم نفسه ؟ وما هو الموقف من خطأ العلماء ؟ .

أ. قال الإمام الذهبي رحمه الله :

ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدَّعناه : لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا ، رحم الله الجميع بمنه وكرمه .

 ” سير أعلام النبلاء ” ( 14 / 396 ) .

ب. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد :

إذا ظفرت بوهَم لعالم : فلا تفرح به للحط منه ، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط ، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام لا سيما المكثرين منهم .

وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص ، إلا متعالم ” يريد أن يطبَّ زكاما فيحدث به جذاما “.

نعم ، يبنه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله ، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه والحط عليه فيغتر به من هو مثله .

”  حلية طالب العلم ” ( ص 42 ) .

ج. سئل الشيخ ابن عثيمين :

ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقاً للقدح فيهم ورميهم بالبهتان ؟ وما النصيحة التي توجهها لطلبة العلم في ذلك ؟ .

فأجاب :

العلماء – بلا شك – يخطئون ويصيبون ، وليس أحد منهم معصوماً ، ولا ينبغي لنا بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سلماً للقدح فيهم ، فإن هذا طبيعة البشر كلهم أن يخطئوا إذا لم يوفقوا للصواب ، ولكن علينا إذا سمعنا عن عالم أو عن داعية من الدعاة أو عن إمام من أئمة المساجد إذا سمعنا خطأ أن نتصل به ، حتى يتبين لنا ؛ لأنه قد يحصل في ذلك خطأ في النقل عنه ، أو خطأ في الفهم لما يقول ، أو سوء قصد في تشويه سمعة الذي نقل عنه هذا الشيء ، وعلى كل حال فمن سمع منكم عن عالم أو عن داعية أو عن إمام مسجد ، أو أي إنسان له ولاية ، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون : فعليه أن  يتصل به وأن يسأله : هل وقع ذلك منه أم لم يقع ، ثم إذا كان قد وقع فليبين له ما يرى أنه خطأ ، فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه ، وإما أن يكون هو المصيب ، فيبين وجه قوله حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحياناً ولا سيما بين الشباب .

وإن الواجب على الشباب وعلى غيرهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم ، وأن يسعوا بالنصح والاتصال بمن نُقل عنه ما نُقل حتى يتبين الأمر ، أما الكلام في المجالس ولا سيما في مجالس العامة أن يقال ما تقول في فلان ؟ ما تقول في فلان الآخر الذي يتكلم ضد الآخرين ؟ فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقاً ؛ لأنه يثير الفتنة والفوضى فيجب حفظ اللسان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه – : ” ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسان نفسه ، وقال : كف عليك هذا ، قلت : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو قال : على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم “.

  وأنصح طلبة العلم وغيرهم أن يتقوا الله وألا يجعلوا أعراض العلماء والأمراء مطية يركبونها كيف ما شاءوا ، فإنه إذا كانت الغيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب فهي في العلماء والأمراء أشد وأشد ، حمانا الله وإياكم عما يغضبه ، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا ، إنه جواد كريم . ” العلم ( السؤال 101 ) ” .

 

والله الهادي.

مشكلات شاب ملتزم مع أهله العصاة

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك بطولها ، ونحن نشكرك على حسن ظنك بنا ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، بمنِّه وفضله.

ثانياً:

ما تعاني منه أخي السائل يشاركك به كثيرون ، يعيشون غربة في دينهم وهم بين أهليهم ، فقد أصبح المستقيمون على طاعة الله غرباء في بلادهم ، أو في بيوتهم ؛ لما يجدونه من إنكار لما هم عليه ، أو محاربة ، أو تثبيط همم وعزائم .

والمسلم الحق لا يلتفت لهذه المعوقات ، بل يستمر في سيره إلى ربه تعالى ، على صراطه المستقيم ، لا يعوجُّ في منهجه ، ولا في سلوكه ، بل لا تزيده هذه المعوقات إلا ثباتاً على الطريق ، وليقتدِ بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولينظر في حاله ، كيف حاربه أعمامه ، وأقرباؤه ، لمَّا جاءهم بالهدى ، ودين الحق ، وقد صبر نبينا صلى الله عليه وسلم على دعوة أولئك الأقرباء خصوصاً ، والناس عموماً ، حتى أنشأ جيلاً فريداً ، نشر الهداية في المعمورة ، وأرسى قواعد العدل في الأرض ، وما نحن إلا حسنة من حسناتهم ، بذلوا الجهود المضنية ، وضحوا بالغالي والنفيس ، من أجل الاستمرار بعمل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، في الدعوة ، والتعليم ، حتى إنك لا تجد بقعة في الأرض إلا ويُذكر فيها الإسلام ، أو يوجد فيها مسلمون .

فالذي نوصيك به ابتداءً هو الصبر على طاعة الله تعالى ، والصبر عن معصيته ، وأن تظل محافظاً على استقامتك ، مع تقوية ذلك بالعلم الشرعي ، وفعل الطاعات .

ثالثاً:

والعصاة يحتاجون لطبيب ذي علم يرشدهم لمرضهم ، ويحتاجون لذي حكمة يعالجهم مع رفضهم ، وهذا ما ينبغي عليك فعله مع أهلك ، فعليك بالعلم أولاً ، فهو زاد الداعية ، ولا يحل للجاهل أن يتكلم في دين الله تعالى ، ثم عليك بالحكمة ، وأعظم طريق الحكمة : اللين ، والرفق ، وهما من أعظم صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهما وصيته للدعاة إلى الله ، قال تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) آل عمران/ من الآية 159 ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) .

 

 

 

 

رابعًا:

ونوصيك بالمبادرة بالتزوج ، وعدم تأخير إعفاف نفسك به ، فالفتن التي تعصف بالمجتمعات أصعب من أن يستطيع مواجهتها المتزوج ، فكيف بالأعزب ؟! والزواج وصية النبي صلى الله عليه وسلم للشباب ، فاحرص على تعجيله ، وعدم تأخيره .

وإذا تأخر زواجك ، أو لم تستطعه : فاتق الله تعالى في سمعك ، وبصرك ، وفرجك ، واحذر أن تلوث ذلك بمحرمات تلقى ربك بها .

سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد باز – رحمه الله – :

ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطع الزواج وإذا لم يتزوج ؟ .

فأجاب  :

عليه أولاً أن يتقي الله ، وأن يحذر شر النفس ، من الوقوع في الفواحش المحرمة ، وأن يستعين بالله على حفظ عفته ، وحفظ فرجه ، ومن ذلك الاستعانة بالصيام ، يصوم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ) من استطاع الباءة – وهو الزواج – فليبادر بالزواج ، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته ، وهكذا غيرهم ، وإذا لم يستطع الزواج ، ولم يتيسر الزواج : فليتق الله ، وليسأل ربه العون ، وليحذر من نزغات الشيطان ، في قضاء الوطر فيما حرم الله عز وجل ، وليستعن بالصوم ، فإن الصوم يعين ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية ، من غض البصر عن النظر إلى النساء ، والعناية بأسباب حفظ الفرج ، والله يعينه ويوفقه ، إذا صدق وأخلص ، يسر الله أمره ويسر له النكاح . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 218 , 219 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشباب القادرين على النكاح أن يتزوجوا ، وبيَّن الفائدة العظيمة منه ، وهو أنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاتين الفائدتين مع أن فيه فوائد كثيرة ؛ لأن هاتين الفائدتين أسرع ما يكون إلى الإنسان ، بمجرد ما يتزوج الإنسان يكف بصره عن النساء ، ويحصن فرجه ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، يصوم ؛ لأن الصوم عبادة وهو في نهاره صائم ، كافٍ ، غافل عما يتعلق بالنساء ، وفي ليله نائم ، ثم إن الصيام يضعف مجاري الدم ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا ضعفت المجاري : ضعفت مسالك الشيطان ، وصار ذلك أقرب إلى السلامة ، ولكن إذا لم يستطع الصوم ، كشاب لا يستطيع النكاح ، ولا يستطيع الصوم ماذا يفعل ؟ يفعل ما أمر الله به بقوله : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33 ، يستعف ، يتصبر ، فإن من يتصبر يصبره الله عز وجل ، وإذا كان الإنسان متعففاً كافّاً عما حرَّم الله : فإنه يدخل في قول الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) الطلاق/ 4 . ” اللقاء الشهري ” ( 46 / المقدمة ) .

 

 

خامسًا:

وأما بخصوص هجرتك من بلدك : فإننا نوصيك بما أوصى به أهل العلم ، من أن بقاءك بين أهلك أفضل إن كنت ترجو هدايتهم ، واستجابتهم لما تدعوهم إليه من الخير ، وأما إن كنت ترى أنك بذلت وسعك في دعوتهم ، ولم تجد منهم إلا الصدود ، وكنت تخشى على نفسك من الفتنة والضياع : فإنه يجب عليك الخروج من تلك الديار إلى ما هو أصلح منها لدينك ، واحذر من تغرير الشيطان من أن تنتقل إلى بلاد الكفر ، أو إلى بلاد أشد سوء مما أنت فيه .

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – :

هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط ، فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع ، في حين أنه لا يملك التغيير ؟ كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه ؟ أم ماذا يفعل ؟ .

فأجاب :

لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف المسلم من هذه الفتن ، وتلك المستجدات : يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح ، فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغيِّر شيئاً منها ، وأن يدعوهم إلى الله ، ويرشدهم إلى الصواب : فهذا أمر مطلوب ، وهو من مقاصد الدعوة.

أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم ، بل في اختلاطه هذا خطر عليه ، وعلى ذويه : فعليه أن يهاجر ، بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك ، فالله عز وجل وسَّع المجالات ، وعَدَّد الفرص ، ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2 ، 3 ، فعلى الإنسان ألا يبدي العجز ، فالله قد تكفل بالأرزاق ، وجعل مع العسر يسراً ، ومع الكرب فرجاً ، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ، ويتوكل عليه ، ويخشاه ، فالله قد وعد باليسر للمسلم ، وهو لا يخلف وعده . ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 2 / 263 ، 264 ، السؤل رقم 233 ) .

 

والله أعلم.

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

موقف الابنة من الأب الظالم المرتد من حيث البر والمعاملة

السؤال:  

بسم الله الرّحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيّدنا وحبيبنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد استشرت كثيراً في قضيتي هذه ، ودائما كان يصلني نفس الردّ أو مع اختلاف قليل ، وهذه المرة الأخيرة التي أطرح فيها قضيتي مفصلة كي أحصل على فتوى أخيرة ، لا أقول إنني أريد أن أحصل على فتوى تتوافق وإرادتي ولكني لا أقتنع بفحوى الفتوى دائماً .

أبي هو إنسان ظالم ، يفعل أفعالاً كفرية ، وأقوالاً ، هذا من باب عدم اتهامه بالكفر والتألّي على الله ، يشتم ربنا عزّ وجلّ ، ويشتم الرسول ، ويشتم الدين ، يميل لأحبار الشيعة ويتغنى بهم ، يرائي كثيراً فيصلي من أجل أن يقولوا صلّى وهكذا .

حدثتكم في فتوى سابقة كيف أنه طلق أمي ، وقام بالزواج من أخرى ، طردتنا من بيتنا لنعيش مع جدي وجدتي اللذين لا يحباننا ، لا ينفق علينا ، وحتى أخي الذي عمل معه سنوات لم يعطه حقّه ولم يبنِ له بيتاً أو يؤسس له شيئاً ، فقط في الآونة الأخيرة قام بشراء سيارة له ، وهذا بعدما أصبح أخي – ولا حول ولا قوة إلا بالله – من السكِّيرين ويميل للقتل والإجرام وهدد والدي ، ومن يسمع لهذا الكلام يقول يا له من عاق وهو عاص ومذنب ، ولكن ماذا عن والدي الذي أمضى حياته يبنى العمارات على كتفيه ليقول له في كل موقف – أعزكم الله – يا حمار ، يا فاشل ، ودمّر نفسيته ، ودمّر كيانه بهذه الاهانات والمعاملات .

قلتم لي في فتوى سابقة أن أدعو له بالهداية ، طيب هذه فعلناها ، ولكن لا أستطيع غير ذلك ، لا أستطيع أنه أقول له كيف الحال أو أجامله ، أكرهه كره أحدكم لإبليس لعنه الله .

بالنسبة لي أنا شخصيّاً : فإنه منذ زواجه بأمي وهو يهملنا جميعاً ، عندما كنت طفلة صغيرة رماني أرضا دون رحمة وظنوا أنني توفيت ، أخذَنا مرة بسيارة مع إخوتي وأمي في بيت أهلها تندب حظها ليرمينا في أحراش أو مقبرة ويقول لا أريدكم ، كبرت وتفاقمت المشاكل لتصل إلى الشرطة وما أدراك ما الشرطة ، ارتعد البيت وشتت أفراده وطلقت أمي بعد عامين تقريبا من خروجها من المنزل ، وبعد أن عشنا مع أمي لفترة رفض والدي هذا ورغم وجود إمكانية العيش مع أمي إلا أنه أصر على عودتنا لينفق علينا ، وعندما عدنا راحت زوجته توسط الجهات وتتصرف كالأفعى ليخلو لها المنزل ، وحدث هذا .

عندما أقول لشيخ – عبر الفتوى – أبي يهينني فإنه يقول أحسني إليه وادفعي بالحسنة السيئة ، هذه تنفع لصديقة تخاصمت معها وليس لوالد يقول لي أنت شيطانة ، أنت متخلفة ، أنت معتوهة ، ليتك تصابين بسرطان في حنجرتك فتنخرسي ، أنت مش رح يطلع منك إشي ، أنت فاشلة ، والكثير .

بعد هذا سكنت مع جداي وهو كعم لنا ، عم أعزب همه في الحياة ذاته ونفاقته ونساؤه ونزواته ، منذ القدم افتضحت له صور في كل البلدة مع امرأة أجنبية – والعياذ بالله – ، ومعروف بشربه الخمرة ، ومعروف بتعاونه – إن لم أقل عمالته – لليهود .

وكهذا من جيل 10 سنوات تقريبا وحتى اليوم أعيش بدون وجود أب وأم فعلي في حياتي ، وفي الفترة الأخيرة اشتد عداؤه لنا لأن له مشاريع هدم وبناء ولا يعرف أين سيذهب بنا ، يقول لي : أصلا أنت من سيتزوجك ؟! ويسخر من منظري ، مِن خَلق الله ، بشكل مؤلم وفظيع ، وإذا كان بالفعل سوف يتردد شاب بالتقدم لي أو لأحدى أخواتي فهذا بسبب سمعته التي تفوح نتناً عن مسيرة ألف عام ، وبالنهاية هذا نصيب .

استفتيتكم حول العمل في الدعم التقني عبر الهاتف وذكرت لكم شروطه من العمل حتى منتصف الليل والخلوة بالسائق أحيانا فقلتم : لا يجوز ، وأنا توقعت هذا ، هذا العمل هو عمل أختي وافق عليه أبي ويعمل لنا بين الحين والآخر استعراضات قلق وعدم رضا ، أخت أخرى لي اضطرت للموافقة على الزواج من رجل لتهرب من البيت .

كنت أصلي في صف الخامس والسادس ، وبعد أن بلغت انقطعت عن الصلاة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فلم أجد مشجعاً أو محذراً ، الكل هنا في غفلة ، فسرت في المنكرات من علاقات محرمة بشبان ، وأنا لا أبرر لنفسي المعصية ، لكن هذا هو الطريق المتوقع من فتاة لا أب لها ولا أم ، يريدون منها أن تكبر بمفردها دون حنان أو عناية ، دون سؤال ، دون توجيه ، ولا يعمّر قلبها الايمان ، وتبت بفضل الله وقطعت علاقتي بهؤلاء ، وبدأت أصلي وأصوم بشكل متواصل ، وتحجبت ، فلم يعجبه هذا ، وصرت في المنزل متطرفة ، إرهابية ، يخجل من مرافقتي ، يقول لي : ماذا هل تظنين أنك رابعة العدوية ؟! .

أخواتي لسن محجبات ولذلك يجدن فرص العمل مفتوحة أقصد العمل بدون شهادة ، أنا لست كذلك ولكن الرزق من الله ، لم أعد أطلب منه شيئاً ؛ لانه أصلاً لا يعطي وإن أعطى فهو يمنُّ ويذل بما أعطى ، كنت أريد المشاركة في دورة تحفيظ القرآن فرفض بسبب تافه ، ولكني أعلم أن ذلك مرجعه إلى التكلفة ، حرمني من كل شيء في الحياة ، حتى الرفقة الصالحة لا سبيل لي إليها بسبب عدم خروجي من المنزل ، وهو لا ينفق على البيت الذي أعيش به ، جداي اللذان ينفقان ويمنان بدورهما ولا ينفقان إلا القليل ، ولا أقول إلا الحمد لله ، لكن بعد كل هذا كيف يقول لي شيخ فاضل : عامليه بلطف ؟! أي لطف وأي حب ؟! هو لم يعاملني بشيء من هذا منذ ولدت ، لم يقل مرة في حياته كيف حالك ؟ أي برّ وهو دفعني إلى كل ما يغضب الله عليّ لأبحث عن رعاية الأب واهتمامه في علاقات محرمة أودت بي إلى الضياع والكآبة ؟ لماذا عندما جاء أب إلى سيّدنا عمر بن الخطاب يشكو عقوق ابنه فقال الابن : هو لم يسمني باسم لائق – أسماه ” جُعل ” – ، ولم يختر لي الأم الصالحة ، ولم يعلمني معنى الخلافة في الأرض ، لماذا يقول سيّدنا عمر للوالد : لقد عققت ابنك قبل أن يعقك ؟ والقصة مشهورة ، وربنا سبحانه وتعالى وصف سيّدنا إبراهيم أنه لما تبيّن له أن أباه كافر لم يعد يستغفر له .

ثم لحظة ، الآية ماذا تقول ؟ ( كما ربياني صغيراً ) أنا لم يربني أحد وأنا صغيرة ، عندما كنت ثمانية أشهر ذهبت أمي لبيت أهلها حزينة ، وأبي يقضي أوقاته مع الغانيات وأنا في البيت مهملة منذ أن كنت 8 أشهر ، وهذا أرى تأثيره في شخصيتي ، ما معنى أن يُترك طفل 8 أشهر لمدة سنة ونصف لتعود أمي إليَّ وأنا ابنة عامين ؟! هذا ابتلاء من الله وأنا راضية ولا أريد من أحد شيئا لكن لا يقول لي برّي والديك ، ولا تكلفوا الناس بما لم يكلفهم به الله ، فالبر إن كان الوالدان مشركيْن هو لما أنفاقه وبذلاه وتعبوا من أجل ولدهم أي تربيته وهو لم يفعل ، وإن كان الوالدان فظيْن متحجري القلب فالبر بسبب إيمانهما ، لكن ماذا يحملني بالله عليك على أن أبر والدي ؟ .

– أتحدى أي شيخ يكون له أب كأبي ويبرّه ولو فعل من الغد سأبر والدي .

– دمّر شخصيتي ، آذاني ، أهانني ، لم يؤدبني ، دفع بي إلى كل منكر ، وأكرهه .

وختاماً : أذكر لكم أنني تأملت في عديد من قصص الصحابة لأجد كيف أن البر كان بسبب رعاية الوالدين وإن كانا مشركين .

ثم إن أمي حملتني لكن لم ترضعني لأنها ذهبت تحزن في بيت أهلها ، حملت فيَّ 9 أشهر لا أنكر هذا وهذا فقط ، وسأبرها لهذا السبب ، أما والدي فعندما يقول لي أحدهم برِّيه فهو كمن يقول : اذهبي لتزرعي شتلة ” خبيزة ” على سطح القمر ، أطلت كثيراً وأعتذر لهذه الإطالة وأتمنى منكم إجابة مع الأدلة .

أما الآيتان :

( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) .

فالحمد والشكر لله ، أما أبي فعلى ماذا أشكره ؟ وأمي حملتني وقلت إني لا أنكر هذا ، لكن فصالي في عامين ، لا فهي لم ترضعني .

( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) رب ارحمها كما ربياني صغيراً ، وليس كما أهملاني صغيراً وكبيراً ومراهقا – حاشا لله – .

فأقول : ارحمهما كما ربياني وليس كما تركني ابنة 8 شهر ليزني وأمي تندب حظها في بيت أهلها .

وأقترح أنه عندما يتم إعطاء فتوى أن لا تكون بالعموم ، لأنه شيء مفروغ منه أن بر الوالدين واجب ، لكن لكل حالة ظروف خاصة .

وجزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قرأنا رسالتك وعشنا مع حروفها بآلامها وأحزانها ، وقد ساءنا الحال الذي وصل لها والدك ، وأهل بيتك ، وإننا لنرجو الله تعالى أن يهدي ضالَّهم ، وأن يوفقهم إلى ما يرضيه تعالى ، وهذا ابتلاء أصابك فاصبري واحتسبي لعلَّ الله أن يكشفه عنكِ أو يُعظم لكِ يوم القيامة أجراً .

ثانياً:

وساءنا وقوعك في المعاصي والآثام ، وإلقاء التبعة في ذلك على والدك ومعاملته لك غير صحيح ، وقد أفرحتنا توبتك ، فاستمري عليها ، وأكثري من الأعمال الصالحة ، ونوصيك بشدة بالدعاء فهو سلاح المستضعفين ،  وملجأ المحتاجين ، وملاذ الخائفين ، ليس بينكِ وبين الله واسطة فاستيقظي آخر الليل وارفعي يديك بالدعاء لربك الهادي للعباد والمقلِّب للقلوب ، اطلبي منه بصدق وإخلاص أن يكشف ما بك من بلاء ، وأن يهدي والدك وبقية أهلك ، وثقي بربك عز وجل أنه على كل شيء قدير ، وأنه قادر على تغيير حالك بكلمة ” كن ” ، واعلمي أنه تعالى قد هدى من هو أشد بأساً وظلماً وكفراً من والدك ، ونرجو الله تعالى أن تكون الاستجابة عاجلاً غير آجل .

ثالثاً:

جعلت الشريعة الإسلامية المطهَّرة حقّاً للوالدين على أولادهم ولو كانوا ظلمة أو كفَّاراً ، ولو كانوا دعاة يجاهدون أولادهم ليقعوا في الكفر ، وثمة واجبات أوجبها الله تعالى على الوالدين من الرحمة بأولادهم – ذكوراً وإناثاً – ومن العدل بينهم في العطية والمعاملة ، ومن حسن تربيتهم ورعايتهم ، وتقصير الوالدين في كل هذا أو في شيء منه لا يكون مسوِّغاً للأولاد في عقوق والديهم والإساءة إليهم ، فلا تقابل الإساء بإساءة ، ولا تُدفع المعصية بمعصية .

 

 

 

رابعاً:

وهذه الحقوق التي جعلها الله تعالى للوالدين ولو كانوا كفاراً لا تشمل الكافر بردة عن دينه ؛ فإن الكافر المرتد لا حقَّ له بشيء من البر والإحسان ، وليس له في الشرع حقوق يطلبها من المسلمين ، بل إما أن يعود إلى الإسلام وإما أن يُقتل ، وبما أنك تذكرين عن والدك أنه يسب الله عز وجل ويسب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ويسب الإسلام : فإنه يصير بذلك مرتداً ؛ فإن سبَّ الله تعالى أو رسوله أو دينه كفرٌ مخرج عن الملَّة بإجماع أهل السنَّة ، فكيف بها مجتمعة كلها في شخص واحد ؟! لا شك أنه يصير بذلك مرتداً خبيثاً مجرماً ، وإن مات على هذا كان مخلَّداً في نار جهنم .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في حالة قريبة من حالتك لابنة تنصح والدها فيسب دينها ! – :

الواجب على من نُصح أن يتشكر ممن نصحه ؛ لأنه ما أسدى أحدٌ معروفاً إلى أحد أبلغ من نصيحةٍ تنفعه في دينه ودنياه ، كيف يقابل النصيحة والعياذ بالله بالسب والشتم ؟! بل سمعنا في السؤال أنه يسب الدِّين ! والعياذ بالله ، يسب الدِّين الذي تأمره به ابنته ، وسب دين الله كفرٌ مخرجٌ عن الملة ، وهذا الرجل لو مات على هذا السب لكان خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله ، لا ينفعه مالٌ ولا بنون ، فعليه أن يراجع نفسه وأن يتوب إلى الله وباب التوبة مفتوح والحمد لله ، يقول الله عز وجل : ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ) الزمر/ 53 – 59 ، آيات عظيمة ، على هذا الأب أن يتلوها بتمعن وتفكر وتدبر لعلَّ الله سبحانه وتعالى أن يدركه برحمته وفضله ، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه وأن يهديه صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير .

” اللقاء الشهري ” ( 35 / جواب السؤال رقم 8 ) .

وعليه : فإننا لا نقول لك إنه يلزمك بر ذلك الوالد الأثيم ، فهو ليس له حقٌّ عليك في هذا ، ولكننا في الوقت نفسه أمام حالة ليس لها علاج عملي في الواقع ، فالشرع معطَّلٌ تطبيقه على مثل أبيك ، فليس ثمة مجال ليحكم عليه أحد بشرع الله المطهر فيستتيبه ويأمره بالإحسان لأولاده ، أما والواقع هو هذا فإنه لا بدَّ لك من مواجهة هذا الواقع الأليم الذي تعيشينه بشيء من الرشد والحكمة ، فالذي نقوله لك : لأنه ليس لأبيك عليك حق من البر والإحسان إليه في المعاملة حتى يرجع عن كفره ويعلن إسلامه ، وهذا ما يجعلك مطمئنة من هذا الباب ، ويجوز لك هجران بيته ولا يلزمك القاء معه ، لكن يجب أن يكون انتقالك إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك من كيد الأشرار ومكر الفجَّار ، فإن تيسر لك هذا فلا حرج عليك في فعله وقد سقط حق والدك عليك في البر وسقطت ولايته .

فإن لم يتيسر لك الخروج من المنزل : فليس أمامنا إلا الوصية لك بالصبر على ما تلاقينه من ضرر وأذى ، وقد صبر قبلك كثيرون عانوا من أسيادهم وأهليهم كثيراً ثم جعل الله تعالى لهم فرَجاً ومخرجاً ، ونوصيك بالدعاء لوالدك وأهلك ، وهو خير سلاح بيدك بعد الصبر ، وقد كانت أم أبي هريرة تسب النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذي أبا هريرة ابنها بهذا فصبر أبو هريرة عليها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لها ، فدعا لها وهداها الله ، ونوصيك بوالدتك خيراً فإن لها حقوقاً عليك ، ولا يجب معاملتها كوالدك وليس لها الحكم نفسه ، ومن الخطأ أن تربطي برَّها برضاعتها لك ، والظاهر أن ما حصل لها إنما هو بسبب ظلم والدك ، فلا تحمليها ما لا طاقة لها به ، ولا تلقي عليها آثام وخطايا ليست تستحقها .

– وقد ذكرنا حكم برِّ الأب والأم المرتديْن وطريقة التعامل معهما في أجوبة أخرى فلتنظر ففيها مزيد فائدة .

– وللفائدة فقصة عمر بن الخطاب مع الرجل الذي عقَّ ابنه لم نجد لها إسناداً .

 

والله أعلم.