الرئيسية بلوق الصفحة 47

هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

السؤال:

قال لي أحد الأصدقاء إن الكذب من أجل حفظ النفس فرض، وأن ذلك ذُكر في القرآن، ولعله استدل بقصة عمّار بن ياسر وقوله تعالى ( إلا من اُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) بينما الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان.

السؤال هو: لو أن شخصًا وقع في ظرف يجبره على أن يقول إنه غير مسلم وإلا مات، فما العمل؟ هل يقول إنه غير مسلم وينجو من الموت أم العكس؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قاله لك صديقك من جواز التلفظ بالكفر حماية لنفس المتكلم بها من الضرر أو الأذى الذي لا يُحتمل: صحيح، وقد ثبت ذلك في القرآن، وروي في السنَّة ما يؤيده، ولم يختلف العلماء فيه.

أما القرآن:

فقد قال تعالى ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

قال الطبري – رحمه الله -:

عن ابن عباس قال: فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه: فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه: فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 305 ).

وأما السنَّة:

فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يُعَذِّبُوهُ فَقَارَبُوهُ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا بِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ ) قَالَ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( فَإِنْ عَادُوا فَعُد ).

البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 8 / 208 ) والحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 389).

وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، يدل على أن للقصة أصلًا.

 

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض.

” فتح الباري ” ( 12 / 312 ).

وأما الإجماع:

أ. فقد قال ابن كثير – رحمه الله -:

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر إبقاءً لمهجته.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

ب. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

واتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر: لم يصر كافرًا.

انتهى.

 

ثانيًا:

والمكرَه على قول الكفر يجب أن يكون إكراهه ملجئًا له لقول كلمة الكفر، والعذر إنما هو للمكرَه إكراهاً تامًّا ملجئًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

والإكراه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعًا، كالإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، قلَّ الضرب أو كثر.

وهذا النوع يسمَّى ” إكراهًا تامًّا “.

ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه التلف، وهذا النوع من الإكراه يسمَّى ” إكراها ناقصًا “. انتهى.

وقد ذكر العلماء شروطًا للإكراه التام الملجئ لقول كلمة الكفر، وهي:

أ. أن يكون التهديد بما يسبب إتلافًا كالقتل والقطع، أو أذى لا يُحتمله المسلم كالحبس ، والضرب.

ب. أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما هدَّد به.

ج. أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، ولو بالهرب أو بالاستغاثة بغيره .

د. أن يغلب على ظن المكرَه وقوع ما هدَّد به المكرِه.

 

ثالثًا:

وهل يجوز للمكرَه أن يصبر ويحتمل الضرر والأذى ولو قُتل في سبيل ذلك؟ نعم يجوز له ذلك، وقد فعله بلال بن رباح رضي الله عنه وغيره.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: ” أحَد، أحَد “، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلته، رضي الله عنه وأرضاه.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

 

رابعًا:

وأيهما أفضل: الصبر والتحمل ولو أدى إلى الموت، أم الترخص برخصة الشرع وإظهار الكفر باللسان؟.

الأقرب أن يُقال: الأفضل هو الصبر والتحمل، وخاصة لمن كان من أهل العلم أو الفضل أو القدوة للناس، وهو قول الجمهور.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والأفضل والأولى: أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 18 ):

ويتفق الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأصح عند الشافعية: على أن الصبر والثبات على الإيمان مع الإكراه ولو كان بالقتل: أفضل من الإقدام على الكفر، حتى لو قتل كان مأجورًا؛ لما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ من دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) – رواه البخاري -.

ومقابل الأصح عند الشافعية أوجه:

أحدها: الأفضل الإتيان بكلمة الكفر صيانة لنفسه.

والثاني: إن كان من العلماء المقتدى بهم: فالأفضل الثبوت.

والثالث: إن كان يتوقع منه الإنكاء – أي: في العدو – والقيام بأحكام الشرع: فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه، وإلا فالأفضل الثبوت. انتهى.

 

خامسًا:

قال الأخ السائل ” الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان “.

فهل ثبت في السنَّة ما يخالف ما سبق من الرخصة في قول كلمة الكفر للمكرَه مما يوافق كلام الأخ السائل؟.

نعم، ثبت شيء من هذا لكن العبرة بفهمه على قواعد أهل العلم في الجمع بين النصوص.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ ). رواه ابن ماجه ( 4034 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

فهذا الحديث ليس فيه المنع من الأخذ بالرخصة، بل فيه بيان الأفضل عند الإكراه، وقد سبق أن قول الجمهور أن الأفضل: الصبر والتحمل، وأما الرخصة فثابتة في كتاب الله تعالى.

 

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وهذا يدل على أنه ينبغي اختبار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة، فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه ؛ لقوله تعالى: ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) النحل/ 106.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 2 / 283 ).

 

والله أعلم.

 

حكم تواقيع كتَّاب المنتديات التي يكون فيها آيات قرآنية

حكم تواقيع كتَّاب المنتديات التي يكون فيها آيات قرآنية

السؤال:

ما حكم التواقيع التي تحمل تصاميم لصور مصاحف أو مساجد وفيها آيات قرآنية سواء كانت فلاشية أم ثابتة؟.

أنا ( … ) هوايتي التصميم، وفي الرابط نماذج للتواقيع التي أصممها، فهل هي جائزة أم غير جائزة؟. أرجو الاطلاع والرد عليَّ بوضوح.

وفقكم الله.

http://www.ansarsunna.com/vb/showthread.php?t=5319

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فإن مما يحزن القلب ما نراه من توقيعات كثير من كتَّاب الإنترنت من الذكور والإناث، من وضع صور فاسقين وفاسقات، وكافرين وكافرات، وفي أوضاع مخلة بالحياء كصورة رجل يعانق فتاة ليقبلها، ومن حيث التبرج والسفور في صور النساء، ولم يكتف بعضهم بتلك الصور المحرَّمة حتى أضاف إليها أغاني هابطة مع معازف محرمة تُسمع عند وضع ” الفأرة ” – الماوس – على الصورة نفسها، وهذا كله لا شك في حرمته، وفاعل ذلك هو من المعينين على نشر الإثم والفحش، فلعلَّ مسلمًا عاقلًا يصل إليه هذا الحكم الشرعي فيكفَّ عن فعله، ولعلَّ صاحب موقع عاقل يمنع هذا الإسفاف أن يحصل في موقعه، وبمنعه هذا يرفع عن كاهله الآثام كلها التي يرتكبها كتَّاب منتداه.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الكتَّاب أصحاب الاستقامة والالتزام بشرع الله فإننا نشكرهم على وضع التواقيع الشرعية المؤثرة، والتي تحمل معاني عظيمة، كفائدة علمية، أو كلمة لأحد السلف فيها معنى جليل، أو شعر فيه حكمة، وقد خلت تواقيع أولئك المستقيمين الملتزمين – ذكورًا وإناثًا – من الصور المحرَّمة، والأغاني والمعازف ، فكانوا أنموذجًا صالحًا لغيرهم.

 

ثالثًا:

ومن أراد من الإخوة المستقيمين أن يضع في توقيعه صورة لمسجد، أو ما ليس فيه روح كالأشجار والبحار وغيرهما: فلا يُمنع من ذلك، ولو صاحب تلك الصورة نشيدة أو قصيدة ملتزمة بالضوابط الشرعية تُسمع عند وضع ” الفأرة ” -الماوس – على الصورة.

وأما وضع آيات قرآنية في التوقيع: فله حالان:

الأولى: أن تُوضع بقصد الزينة.

وهذا ممنوع، ولا يجوز فعله، ” وفي هذا انحراف بالقرآن عما أنزل من أجله من الهداية والموعظة الحسنة والتعهد بتلاوته ونحو ذلك، والقرآن لم ينزل لتزيين الحيطان وإنما نزل هدى للناس وبيانًا.

الثانية: أن توضع بقصد التذكير بمعانيها، وخاصة إذا صاحبها سماع لها إذا وضعت الفأرة عليها – كما رأيناه في الرابط من صاحبة السؤال -.

فهذا اختلف في جوازه، الراجح عندنا أنه جائز، بل نحن نشجع عليه، ففيه إسماع لآيات القرآن فيتعلم نطقها، وفيه تذكير بمعانيها فلعلَّها تصادف عاملًا بها طائعًا لها، والله تعالى أمر بالتذكير بالقرآن فقال: ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) ق/ 45.

* قال الطبري-  رحمه الله -:

يقول تعالى ذِكره: فذكِّر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلتُه إليك من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري. ” تفسير الطبري ” ( 22 / 385 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وأما تعليق الآيات والأحاديث في المكاتب والمدارس: فلا بأس به للتذكير والفائدة. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 513 ، 514 ).

* وقال – رحمه الله -:

تعليق الآيات والسور على الجدران في المكتب أو المجلس للتذكير والعظة: لا بأس بذلك على الصحيح، ولقد كره بعض علماء العصر وغيرهم تعليقها، ولكن لا حرج فيه إذا كان ذلك للتذكير والعظة، وكان المكان محترما كالمجلس والمكتب ونحو ذلك، أو يعلِّق حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، كل ذلك فيه مواعظ وذكرى. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 695)

 

– ويفضَّل في مثل هذه الحال أن تتغير الآية كل فترة زمنية؛ ليتنوع التذكير بآيات القرآن.

 

والله أعلم.

ما حكم الممرضة التي تعين الأطباء على الإجهاض المحرَّم؟

ما حكم الممرضة التي تعين الأطباء على الإجهاض المحرَّم؟

السؤال:

امرأة تشتغل في مستشفى، تعقّم آلات الجراحة، وتعدّها، وتمدّها للجرّاحين أثناء العمليّات الجراحيّة، ولكن من ضمن هذه العمليّات هناك عمليّات إجهاض – والعياذ بالله -، فهي تسأل: هل تعتبر آثمة ولها دور في هذه الجريمة بإعانتها للجرّاحين في إعداد وإمداد الآلات المخصّصة لهذا الفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان أولئك الأطباء الجرَّاحون لا يتقون الله في عملياتهم فلن يقتصر أمرهم على إجهاض الأجنة الحية؛ فثمة عمليات أخرى محرَّمة يمكنهم القيام بها، كعمليات التجميل التي فيها تغيير لخلق الله، وعمليات الولادة القيصرية لمن لا تستدعي حالتها تلك العملية، ومثل قطع النسل بإغلاق الأنابيب، وعمليات نقل الأعضاء المشتراة أو المسروقة، وغير ذلك، وكل تلك العمليات – وغيرها مما هو مثلها – لا يجوز إعانتهم عليها، لا بتعقيم أدوات الجراحة ومناولتهم إياها، ولا بتجفيف عرقهم، ولا بتقطيب مرضاهم وضحاياهم!.

 

وإجهاض الأجنة بعد نفخ الروح فيها محرَّم في شرعنا أشد التحريم، وممنوع في أكثر الديانات والقوانين، وهو بالإضافة لكونه محرَّما لما فيه من قتل لنفسٍ محرَّمة فإنه قد يتسبب بتعطيل بعض أجهزة الأم، ومنها الرحم، مما قد يسبب قطع الإنجاب، كما أن في الإجهاض تشجيعا على الفاحشة ونشرا للزنا، ولذا فإن الإجهاض المباح قانونا لا يوجد إلا في الدول التي تسعى جاهدة في نشر الفحشاء والمنكر في شعبها، وأصحاب تلك القوانين ومعهم الأطباء الذين يباشرون لهم نصيب قول الله تعالى: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة/ 32، وفي قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور/ 19.

وإذا كانت الأم موافقة على الإجهاض فهي شريكة مع الطبيب في قتل تلك النفس، والراجح: أن الدية – وهي خمسٌ من الإبل – والكفارة – وهي صيام شهرين متتابعين – على المباشر وهو الطبيب، لا على الآمر – وهي الأم – مثلا -.

وأما من أعان الطبيب على الإجهاض من الممرضات: فهي داخلة في التعاون على الإثم والعدوان، وهو محرَّم، والإثم والعدوان واضحان جليَّان في هذه العملية المحرَّمة، وقد قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/ 2 .

وعليه: فلا يجوز لتلك الممرضة إعانة طبيب على عملٍ محرَّم مما ذكرنا أمثلته فيما سبق، فإن فعلت فهي آثمة.

 

مع التنبيه على أن الممرضات – غالبا – لا يخلو عملهن من أمور أخرى مخالفة للشرع، كالخلوة بطبيب أو ممرض أو مريض، وكالاختلاط مع الرجال، والسهر في المناوبات، وعلاج الرجال والنظر إلى عوراتهم من غير ضرورة، وكم حصل من جرَّاء بعض ذلك من مفاسد لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، لذا فالنصيحة للأخوات المستقيمات على طاعة الله أن يبحثن عن بيئة شرعية في عملهن، كالعمل مع طبيبة في عيادة خاصة بالنساء، أو في مستشفى في قسم خاص بالنساء، مع تجنب ما سبق ذِكره من مخالفات للشرع.

 

والله أعلم.

شبهات وتشكيكات في بعض تشريعات الإسلام من طالبة مسلمة!

شبهات وتشكيكات في بعض تشريعات الإسلام من طالبة مسلمة!

السؤال:

يقلقني هذا الشيء فعلًا، لأني فتاة في الخامسة عشر من عمري، وأعيش في ” المملكة المتحدة “، وتحدث لي أشياء أحيانًا تربكني كثيرًا، ولا أعرف ما الذي أفعله لأني أشعر أني أفقد إيماني تدريجيًّا بالإسلام وليس بالله، وأظن أن السبب الرئيسي هو ” الحقوق الجنسية “، وأعني بذلك: أن الولد له أن يفعل أي شيء ولن يعلق عليه أحد أي تعليق ولكن على النقيض بالنسبة للفتاة لو أنها خرجت بمفردها أو أي شيء من قبيل هذا فليس لها إلا الجحيم، وأرى أن هذا جور شديد، وأغضب بشدة حين أفكر في ذلك، أعني: لماذا يقول الناس إن الإسلام هو أعظم دين على وجه البسيطة إذا كان غير عادل وقاسي؟ أعني: أن بعض المسلمين يرون أنه من الطبيعي أن تتزوج الفتاة وهي في سن الخامسة عشر لرجل في سن الثلاثين ولم تقابله من قبل، فلماذا هذا طبيعي؟.

لماذا يصح للولد الخروج ويعود وهو مخمور ولا يستطيع المشي وينام مع ملايين الفتيات المختلفات؟.

فلماذا عندما تخرج البنت وحدها وتريد قضاء أي شيء في حياتها لا تستطيع لأن الإسلام يمسك عليها ذلك؟.

ولماذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج من غير المسلم عندما تقع في حبه ولكن هذا مناسب للولد أن يتزوج من المرأة غير المسلمة؟.

ولماذا للرجل حق الاختيار بين النساء ولكن أحيانًا لا يمكن ذلك للمرأة مطلقًا؟.

لماذا هذا الظلم الشديد؟.

أعتذر بشدة للاستمرار والتعدي في ( الأعمار )، أنا حقًّا فقط أريد مساعدتكم أنا حتى لا أعرفكم تحديدًا ولكن أنا لا أريد أن أفقد إيماني وأصير كافرة، وحتى لا أصبح كافرة: أرجو الإجابة على سؤالي، وأسأل إذا كان لديكم وقت لتراسلوني على البريد الإلكتروني شخصيًّا، والمساعدة من خلال ذلك.

من فضلكم، من فضلكم، من فضلكم ردُّوا علي في أقرب فرصة.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثمة مقدمات لا بد من الحديث معك حولها فنرجو أن تنتبهي لما نقوله لك:

1. نحن نراعي أنك تعيشين في بلاد منحلة من حيث الأخلاق، ويباح فيها ما هو محرَّم في الشرع، ووصلت بها حالهم – ذكورًا وإناثًا – إلى ركوب الدراجات الهوائية في الشارع أمام الناس وهم عراة! وتأثر الإنسان من البيئة حوله لا يُنكر، ولذا جاء التشديد في الإقامة بين أظهر المشركين ومثلهم المنحلين أخلاقيًّا، ونرى أنك لو كنتِ في بيئة طاهرة محافظة لما صدر منك مثل هذا.

2. ونحن نراعي أيضًا سنَّكِ حيث أنك تبلغين الخامسة عشرة فقط، وهذه مرحلة النضوج، وتسمى عند كثيرين ” مرحلة المراهقة ” وفيها يغلب التفكير في الأمور الجنسية عند الذكور والإناث، ونرى أنك لو كنتِ في سن أكبر من هذا لما صدر منك مثل هذا.

3. نأسف أن يكون في استفساركِ ما فيه خروج عن السؤال والاستفسار إلى الطعن في شرع الله وفي حكمته، وفي التفريق بين الإيمان بالله تعالى وبين تشريعات الإسلام، وما تشريعات الإسلام إلا من الله تعالى أصلًا، فهي منه لا من غيره، فكان الأولى أن تخرج مثل تلك الاعتراضات على هيئة أسئلة يراد من ذِكرها إزاحة الشبهات، لا أن تكون بمثل ذلك الأسلوب وتلك الحدية.

4. قد حصل عندكِ خلط بين أحكام الإسلام وتصرفات المسلمين، فشرائع الإسلام مطهرة، شرعها الله تعالى ليُصلح بها العباد والبلاد، وما يخالف فيه المسلمون شرع ربهم فإنما يُنسب لهم لا لدينهم، فدين الله تعالى لا يجيز للذكر شرب الخمر، ولا مصاحبة الفتيات الأجنبيات، ولا يجيز له الزنا، فكيف تنسبين تلك الموبقات والكبائر التي يفعلها الشباب التائه لشرع الله تعالى أنه يجيزها لهم ويحرمها على الإناث؟! لقد أخطأتِ وخلطتِ، أخطأتِ نسبة أفعالهم للشرع، وخلطتِ حينما اعتقدت أن تلك الأفعال مباحة للذكور دون الإناث.

ثانيًا:

ولقد قلتِ في سؤالك كلمات منكرة، وهي غاية في الظلم والعدوان، وفي قولها خطر على دينك، فيلزمك التوبة منها والندم عليها، ومن أعظمها قولك ” لماذا يقول الناس إن الإسلام هو أعظم دين على وجه البسيطة إذا كان غير عادل وقاسي؟ ” فهذه كلمات لو قالها من يعقل معناها لكانت كلمات ردَّة في حقِّه! ففيها سبٌّ لله تعالى؛ وهو قول عظيم – ولعل عذرك أن يكون خلطكِ بين تشريعات الله تعالى وأفعال بعض المسلمين – فالإسلام هو دين الله تعالى، وهو الذي شرعه، وهو الذي أوحى به لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ ) آل عمران/  19، وقال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/ 85.

واتهام الإسلام بعدم العدل والقسوة من أبطل الباطل، قال تعالى – في نقض التهمة الأولى – ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل/ 90، وقال تعالى – في نقض التهمة الأخرى – ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة/ 185.

( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) يونس/ 32.

ثالثًا:

الأصل في الأوامر والنواهي أنه لا فرق فيها بين الذكور والإناث، ومع عدم الحاجة للتنبيه على ذلك في كل الأحكام إلا أننا وجدنا الله تعالى قد نصَّ في بعض المناهي الشرعية على ذِكر الجنسين، وهو توكيد لما نقوله من أنه لا فرق – في الأصل – بين الجنسين وخاصة في النواهي الشرعية، ومن الأمثلة على ذلك:

1. قال تعالى ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) المائدة/ 38.

2. وقال تعالى ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) النور/ 2.

3. وقال تعالى ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ … ) النور/ 30، 31.

فهل هذا كافٍ لك لتعلمي مدى خطئكِ في اعتقادك أن المحرمات تباح للذكور دون الإناث؟! ومنه تعلمين أن قولك ” لماذا يصح للولد الخروج ويعود وهو مخمور ولا يستطيع المشي وينام مع ملايين الفتيات المختلفات؟ “: لا أساس له من الصحة، فالخمر والزنا من كبائر الذنوب، ولا فرق فيهما بين الذكور والإناث، وكلاهما – لو فعلهما – يستحق الإثم والحد، وأما تفريق كثير من الناس بين السماح لأبنائهم في فعل ذلك دون بناتهم: فهذا من تزيين الشيطان لا من تشريع الرحمن!.

رابعًا:

وقولك ” بعض المسلمين يرون أنه من الطبيعي أن تتزوج الفتاة وهي في سن الخامسة عشر لرجل في سن الثلاثين ولم تقابله من قبل، فلماذا هذا طبيعي؟ “: فيه تجنٍّ من وجوه:

1. لن يحصل نكاحٌ من ابن الثلاثين لابنة الخامسة عشرة إلا بموافقتها! فما الذي يضيرك أنتِ لو أن واحدة توافق على التزوج من ابن الثلاثين أو ابن الأربعين؟! وعدم مقابلتها لهذا الزوج من قبل لا يعني شيئًا، فالأمر لها إن شاءت وافقت عليه بعد السؤال عنه والاستفسار عن حاله وإن شاءت رفضته.

ثم إن مقابلتها له من قبل – كما يحصل في عالَم المخالفين للشرع من أصحاب العلاقات المحرَّمة – لا يعني أن زواجهما سيكون سعيدًا، بل إن كل ما تسمعينه من ضرب الأزواج لزوجاتهم وقتل الزوجات لأزواجهن والطلاق والفراق والخيانات الزوجية: كل ذلك – في العالَم الذي تعيشين فيه وأمثاله – هو يجري بين زوجين تعارفا من قبل والتقيا بل وفي كثير من الأحوال يكون وُلد لهما أولاد! فهل كان ذلك اللقاء قبل الزواج نافعهم في شيء؟!.

2. أنه كما يتزوج ابن الثلاثين من ابنة الخامسة عشرة: فقد يتزوج ابن العشرين من ابنة الثلاثين بل وابنة الأربعين! فكان ماذا؟! أليست العبرة بتوافقهما ورضاهما؟ فما الذي يضير اختلاف العمر بين الزوجين، وهل ثمة زواج كان أسعد من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة وعائشة؟! إن زواجه بخديجة رضي الله عنهما كان وهي تكبره بضعف عمره تقريبًا، وزواجه بعائشة كان وهو يكبرها بستة أضعاف تقريبًا، وهما زواجان من أنجح الزواجات في الأرض، وكان الجميع في سعادة غامرة فيه، فمتى كان فارق السن بين الزوجين بذاته مؤثرًا بالسلب في الزواج؟!.

خامسًا:

وأما قولك ” فلماذا عندما تخرج البنت وحدها وتريد قضاء أي شيء في حياتها لا تستطيع لأن الإسلام يمسك عليها ذلك؟ “: ليس صوابًا؛ لأن الإسلام لا يمنع المرأة من الخروج وحدها للمسجد، ولا للسوق، ولا لبيت أهلها وأقربائها وجيرانها، وإنما الممنوع أن تسافر وحدها من غير محرَم، وما شُرع المحرَم في السفر إلا حماية لها من العابثين والطامعين بها، ولعلَّكِ ترين في البلاد التي تعيشين فيها أن المرأة لا تأمن على نفسها الخروج وحدها للسوق ولا للعمل وهي تعلم بوجود ذئاب الشوارع بانتظارها! فالإسلام عندما يشرِّع ما فيه حفاظ على المرأة لا يسيء لها، بل هو يُعلي من شأنها، ويقدرها غاية التقدير، ويراعي جوانب ضعفها وحاجتها لغيرها ليقوم بصيانتها وحمايتها من العابثين والطامعين.

سادسًا:

وأما قولك ” ولماذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج من غير المسلم عندما تقع في حبه ولكن هذا مناسب للولد أن يتزوج من المرأة غير المسلمة؟ “: فعجيب منك ! وهل هذا قول تقوله من تؤمن بالله تعالى ربِّها وتكتب في تعريف نفسها أنها مسلمة؟! فأين الإيمان باسم الله الحكم وأين الإيمان بصفة الحكمة لربك تعالى؟ وأين الاستسلام لأوامره ونواهيه؟ فها أنت الآن تريدين للمسلمة التي تقع في حب رجلٍ بوذي أو هندوسي أن تتزوجه! وها أنت تعتقدين أن الإسلام يبيح للرجال التزوج بوثنية أو شيوعية أو بوذية، وهذا ظن خاطئ، ولم يُبَح للرجال المسلمين من الكافرات إلا ممن كانت من اليهود والنصارى، ولا يحل لهم غير ذلك من أصحاب الديانات.

وأما المسلمة فحرام عليها تزوج أحد من أي دين آخر غير الإسلام، وهي مسألة إجماع لا يخالف فيها أحد.

والعجيب أنك تريدين للمسلمة التزوج من أي كافر تقع في حبِّه! بينما كثير من الكفار لا يزوجون بناتهم لمسلمين ولو وقعن في حبهم! فالرافضة والبوذيون والهندوس لا يزوجون بناتهم لمسلمين! بل ثمة طوائف النصارى لا يتزوج بعضهم من بعض! فكيف وقع لك أن الإسلام لا يحرص على المسلمة فيشرع لها التزوج بصاحب أي ديانة ليفتنها في دينها؟!.

ومرة أخرى نؤكد على تأثير البيئة والسن عليك مما يجعل تفكيرك في الجنس غالبًا على العقل وعلى الشرع، هذا إن كنت مسلمة – أصلًا – كما زعمتِ في التعريف بك، ونرجو أن يكون أمرك أنك مسلمة تأثرت بمؤثرات سلبية وأن يكون قد زال ذلك كله، وأن تصيري مؤمنة تفتخر بدينها، وتعتز بانتسابها لنبيها محمد صلى الله عليه وسلم.

سابعًا:

وأما قولك ” ولماذا للرجل حق الاختيار بين النساء ولكن أحيانًا لا يمكن ذلك للمرأة مطلقًا؟ لماذا هذا الظلم الشديد؟ “: فخطؤه واضح بيِّن، وإنما المرأة تختار كما يختار الرجال، بل قد تختار أكثر منه! فالمرأة التي يخطبها الرجال لها أن توافق على من شاءت اختياره وترفض من عداه، ففي حقيقة الأمر أنها اختارت من الرجال من يناسبها، بينما قد لا يتيسر للرجل إلا أن يرى واحدة أو اثنتين، فكل اختيار من الرجال هو في الواقع اختيار من المرأة؛ لأن لها أن ترفضه.

ومن عادة المرأة أن تكون ” مخطوبة ” لا ” خاطبة “، أن تكون ” منكوحة ” لا ” ناكحة ” وأن تكون ” مطلوبة ” لا ” طالبة “، هذا هو الأصل، ولا مانع شرعًا إذا أعجبت المرأة برجل أن تبدي رغبتها بالتزوج منه، لكن ذلك لا يتعدى هذا الأمر فهي لا تخطبه ولا تتزوجه، بل هو الخاطب وهي المخطوبة، وهو المتزوِّج وهي المزوَّجة.

ثامنًا:

ولتعلمي – أخيرًا – أن الإسلام قد أكرم المرأة بنتًا وأمًا وزوجة، وأنه قد حفظ لها حقوقها المسلوبة منها، وأنه في تشريعاته الجليلة قد راعى ضعفها وعاطفتها فشرع في حقها ما يصون عرضها ويحمي شرفها، وما ترينه من ضياع الأعراض والتعدي على النساء بالتحرش والاغتصاب إنما هو بسبب سوء أخلاق الرجال الذين نزعت منهم الرحمة، وخلا من حياتهم مراقبة الله تعالى، وبسبب تبرج النساء وتهاونهن في الاختلاط والمصافحة والمزاملة والمراسلة، ولو أن النساء يلتزمن شرع الله تعالى في لبساهن، وفي عدم اختلاطهن بالرجال، وعدم سفرهن وحدهن، ويلتزمن بضوابط الشرع في المحادثة مع الرجال، والنظر إليهم لانتهى فساد كبير عريض من المجتمعات.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصلُ كل بليَّة وشرٍّ، وهو مِن أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء: سببٌ لكثرة الفواحش، والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ” الطرق الحُكمية ” ( ص 407 ).

فالنصيحة لك: أن تحذري من مزالق الشيطان، وأن تعظمي ربك تعالى، وتفتخري بدينك، وتظهري التقدير لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، واعلمي أن الحياة ليست هي الجنس فقط حتى ينصب تفكيرك في عالَمه، والإسلام كله مشرق، وأحكامه كلها مصلحة للأفراد والمجتمعات في كل زمان وفي أي مكان، والعقلاء من الغرب يدخلون في دين الله أفواجًا ليس مجاملة لأحد بل لاعتقادهم عظمة تشريعاته، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهؤلاء العقلاء قد فصلوا بين ما عرفوه عن الإسلام وبين ما يرونه من أفعال المسلمين، فأعيدي النظر في أقوالك وقلبي النظر في أحكامك، وسيتبين لك عظمة هذا الدين وأنك تعيشين في نعمة جليلة حُرمها مليارات من الناس.

والله أعلم.

حكم من قدَّم ضماناً بنكيًّا لشركة مقابل نسبة، وحكم عمولة الساعي بينهما؟

حكم من قدَّم ضماناً بنكيًّا لشركة مقابل نسبة، وحكم عمولة الساعي بينهما؟

السؤال:

يوجد شركة أجنبية تريد جلب معدات مشاريع للسعودية، ومطلوب عليهم ” ضمان بنكي ” بمبلغ 50 مليون ريال، وجمعت بين وسيط الشركة الأجنبية ومستثمر لبناني في السعودية ليقوم اللبناني برفع ” ضمان بنكي ” للشركة من ” البنك الأهلي ” من رصيده لدى البنك ويبقى المبلغ في البنك، علما أن اللبناني قد اشترط على الشركة نسبة ما يقارب 10 إلى 12 بالمئة من المبلغ المقدم لهم بالضمان، وسيقدم لنا المستثمر اللبناني مبلغا في حدود 700 ألف ريال عمولة للسعاة.

السؤال:

هل السعي في هذه المسألة جائز أم لا ويعتبر مالاً حراما – ربا -؟ وإذا قبضته وصرفته في تسديد ديون مهلكة عليَّ هل يجوز أم لا؟ وإذا أصبح ربا أرجو إفادتي في ماذا أصرفه بحيث لا يدخل في ذمتي كأموال حرام، وإن استخدمت المبلغ بصفة مؤقته ومن ثم أخرجته من ذمتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ما فعله ذلك المستثمر من تقديم ضمان للشركة الأجنبية عن طريق بنك ربوي، مقابل نسبة مئوية من مبلغ الضمان: فعل محرَّم؛ فالكفالة عقد إرفاق لا يجوز استيفاء مال مقابلها، وفي حال استحقاق شيء من مبلغ الضمان للشركة المورِّدة فسيكون هذا من باب ” القرض الذي جرَّ منفعة ” إذ سيرجع المستثمر على الشركة الأجنبية لاستيفاء المبلغ المخصوم من مبلغ الضمان، وستكون النسبة التي أخذها هي المنفعة مقابل ذلك القرض – وهو المبلغ المخصوم من مبلغ الضمان – ، ولكلا السببين اتفق العلماء على حرمة أخذ مال مقابل الضمان المالي ، وأما المعاصرون: فذهب جماهير العلماء إلى الحكم نفسه إلا قليلا منهم، ومن خالف فهو محجوج بالإجماع.

* قال الشيخ عمر المترك – رحمه الله -:

ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز أخذ جُعل على الضمان، وقد عللوا هذا المنع بسببين:

  1. أنه في حالة عدم الوفاء المضمون عنه بالالتزام تجاه الطرف الثالث: يكون الضامن ملزماً بأداء الدَّيْن بحكم هذا الضمان، وإذا أداه: وجب له على المضمون عنه المبلغ لدى أدائه فصار الضمان كالقرض مالا، فإذا أخذ عِوضا: صار القرض جارّا للمنفعة.
  2. أن الضمان معروفٌ، وموضوعه: الإرفاق، فإذا شرط الضامن لنفسه حقّا: خرج عن موضوعه، فمنع صحته، قال في ” الشرح الكبير ” للدردير: ” وأما صريح ضمان بِجُعْل: فلا خلاف في منعه؛ لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله، فأخذ العِوض عليها سحت “.

وقال في موضع آخر – معلِّلا بطلان الضمان بجُعل -: ” لأن الضامن إذا غرم الحق للطالب: رجع على المدين بمثل ما غرم مع زيادة ما أخذه من الجُعل، وهذا لا يجوز؛ لأنه سلف بزيادة، وإن لم يغرم بأن أدى الغريم: كان أخذه الجُعل باطلا “.

” الربا والمعاملات المصرفية ” ( ص 387 ، 388 ).

ونقل عن أئمة المذاهب الأربعة ما يؤيد المنع، ونقل كلام المخالفين ورجَّح التحريم تبعا للاتفاق القديم وموافقة لجمهور العلماء المعاصرين.

– ولينظر قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حول ” خطاب الضمان “.

فيتبين مما سبق: حرمة أخذ مال – مقطوعا أو نسبة – مقابل الضمان البنكي إذا كان المبلغ من البنك أو من شخص أو هيئة – والاستثناء هو فقط للمصاريف الإدارية -.

والذي غطَّى مبلغ الضمان في الصورة الواردة في السؤال ليس البنك – كما هو العادة الغالبة – وإنما هو ذلك المستثمر، وعليه: ففعله حرام، والنسبة التي أخذها من الشركة سحت، وما دُفع لكم من مبلغ ” سعي ” أو ” عمولة “: لا يحل لكم الانتفاع به، وعليكم التخلص منها في توزيعها في وجوه الخير المختلفة، ولا يحل لكم إرجاعها لذلك المستثمر إلا أن يتوب من فعله ولا يأخذ من الشركة نسبة من مبلغ الضمان، فإن فعل: فهو أحق بماله المدفوع لكم من غيره، وإن لم يفعل: فلا يُرجع له، ولا يَجمع بين فعله المحرَّم وماله المبذول مقابله.

 

ثانيا:

وإذا قلنا لك بأنه يجب عليك التخلص من ذلك المبلغ في وجوه الخير المتنوعة: فإنه يمكنك أن تأخذ منه إن كنت محتاجا بشدة القدْر الذي تُعطيه لغيرك ممن هو في مثل حالتك، وفي هذا تشجيع لك على التوبة والتخلص من ذلك المال، فلا نأمرك بإعطاء المحتاجين والمدينين وأنت واحد منهم لا تأخذ شيئا، فخذ منه القدْر المعقول لا باعتبار حلِّه أصلا بل باعتبار أنك توزعه على أهل الحاجة وأنت منهم.

– وقد نقلنا عن ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله نقولات علمية في هذه المسألة في عدد من الأجوبة المتقدمة، فلتنظر.

 

واعلم أن الخير كل الخير فيما عند الله من الثواب والأجور، وأن المال الحرام له آثار سيئة على من تملَّكه أو تصرف به، ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك ويفرِّج كربك، وأن يرزقك الرزق الحلال الطيب.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هل ينتظر حج القرعة الأقل تكلفة أم يحج بتكاليف أعلى في وقته الحالي؟

هل ينتظر حج القرعة الأقل تكلفة أم يحج بتكاليف أعلى في وقته الحالي؟

السؤال:

أدَّخر مبلغا للحج منذ أعوام، ولكن هذا المبلغ في حدود حج القرعة، هناك استغلال من قبَل شركات السياحة ليصبح الحج السياحي بمصر ضعف حج القرعة، يوجد استطاعة بتوفير الفَرق على حساب بعض المتطلبات المستقبلية وإن كانت غير أساسية، فهل لي أن أنتظر حج القرعة لإحساسي بالاستغلال من قبَل تلك الشركات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحج من أركان الإسلام العملية، وقد أوجبه الله تعالى على المستطيع مرة في العمر، قال تعالى: ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) آل عمران/ 97 .

وهو واجب على الفور، على الصحيح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، فهو قول أبي حنيفة ومالك في المشهور عنه، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، والمزني من الشافعية، وهو قول داود الظاهري، وبه يقول طائفة من علمائنا المعاصرين.

 

ثانيا:

وإنما يجب الحج على المستطيع، وهو الذي يكون صحيح البدن، ويملك من المال الزائد عن نفقاته الأصلية ونفقات أهله ما يستطيع السفر والرجوع من حجه.

وقد لا يستطيع الغني صحيح البدن في زمننا هذا الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج لما اتفق عليه من سفر عدد محدد من كل بلد، وقد ذهبت بعض الدول لاعتماد طريقة الأقدم في الميلاد، ودول أخرى ذهبت لاعتماد طريقة القرعة، فصار هذا الأمر داخلا في الاستطاعة الشرعية، فمن لم يكن سنُّه يؤهله للحج على حسب ترتيب بلده، أو لم يظهر اسمه في القرعة: لا يعدُّ مستطيعا، إلا أن يملك وسيلة أخرى مباحة لا يأخذ بها حق غيره فيكون حينئذٍ من المستطيعين.

 

ثالثا:

وعليه: فإذا كان الأخ السائل ليس عنده قدرة مادية للحج السياحي: فلا يعدُّ مستطيعا، وأما إن كان يملك من المال ما يستطيع دفعه لذلك النوع من السفر السياحي دون أن يؤثِّر في نفقة من تلزمه نفقتهم من أهله وغيرهم: فنرى أنه مستطيع، ويجب عليه اختيار الحج السياحي لأداء فريضة الحج.

ثم إن هذا هو أنسب له من انتظار حج القرعة من وجوه أخرى – عدا احتمال وفاته -، منها:

  1. أنه الآن مستطيع بدنا، وقد يظهر اسمه في القرعة في وقت لا يكون حينها مستطيعاً السفر ببدن.
  2. أنه قد تأتيه مشكلات وموانع تحول بينه وبين ذهابه للحج.

ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعجل للحج، وأخبر أنه قد تحصل موانع تمنع القادر الآن من القدرة لاحقا.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ ). رواه أبو داود ( 1732 ) وحسنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وبيَّن بعض الحكَم من هذا التعجل فقال: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ )  رواه ابن ماجه ( 2883 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

  1. أن حج القرعة قد تصل تكاليفه لاحقا إلى حد الحج السياحي الآن، والناظر في هذا الأمر في دول العالَم يجده واقعيّا، فلا تزال تكاليف الحج تزداد عاما بعد آخر.

 

لذلك كله: نرى أن على الأخ السائل التعجل في الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج عن طريق ” الحج السياحي ” إذا كان يملك من القدرة المالية ما يستطيع دفعه في ذلك النوع من السفر من غير أن يؤثر على نفقة أهله وأولاده ومن تلزمه نفقتهم؛ لأنه يكون بذلك مستطيعاً شرعا، فيجب الحج عليه على الفور، وما ذكرناه من أسباب أخرى لعلها تحثه على المسارعة وعدم تأخير حجه لوقت ظهور اسمه في القرعة.

 

والله أعلم.

 

يرغب بالتزوج من امرأة باكستانية متدينة وأهلها يريدونها فلسطينية من أجل القضية!

يرغب بالتزوج من امرأة باكستانية متدينة وأهلها يريدونها فلسطينية من أجل القضية!

السؤال:

أنا شاب بريطاني من أصل فلسطيني، ولكني لا أحمل إلا الجنسية البريطانية، وأنا أدعو إلى الله في هذه البلاد بقدر ما أستطيع طاعة لله عز وجل ومن أجل أن أشعر بالارتباط لديني وجنسيتي الأصلية، كما أني على وشك أن أكمل دراستي الجامعية في مجال الطب، وأنوي بإذن الله تعالى أن أتزوج في أقرب فرصة، وقد وجدت الفتاة المناسبة التي وجدت فيها التدين والشخصية الرائعة بالإضافة إلى بعض المواصفات الأخرى التي أبحث عنها، وأحب أن أشير هنا إلى أني لست من الشباب الذين يؤمنون بـ ” الحب قبل الزواج “، لذلك ليس بيني وبين هذه الفتاة أي نوع من أنواع التواصل إلى أن يأذن الله بالزواج.

ولكن هناك مشكلة تعترض طريق زواجي من هذه الفتاة، هذه المشكلة هي أن والدايَّ يرفضان فكرة الزواج بها؛ وذلك لأنها من أصول باكستانية، ويقولان: إنه يجب عليّ أن أتزوج فتاة فلسطينية لكي أشعر بانتمائي، ولأننا في حرب هناك في ” فلسطين ” ونحن بحاجة إلى أن نكثر نسلنا قدر الإمكان، ويريان أن زواجي بفلسطينية هو نوع من أنواع النصرة للفلسطينين والجهاد ضد الصهاينة، كما أنهم يقولون إن زواجي بفتاة غير فلسطينية من شأنه أن يؤثر في أولادي فينشؤون نشأة منفصمة غير ملتفتين إلى قضيتهم الأصل، ألا وهي قضية ” فلسطين “، كما أن تربية والدتهم ستؤثر عليهم فينشؤون على غير حمل هموم القضية الفلسطينية، وأن هذا سيكون فيه خدمة غير مباشرة للمخططات الصهيونية في طمس الهوية الإسلامية والفلسطينية.

قد يكون في هذا الكلام شيء من المنطق ولكن هذه الفتاة لطالما كانت متحمسة للقضية الفلسطينية، ولطالما شاركت في فعاليات لدعم القضية، إذًا فلست أرى أن مانعًا من أن أتزوجها، كما أنني أخاف إن أنا انصعت لكلام والداي وتزوجت من يرونه هم فعند ذلك سأشعر أني تزوجت من لا أريد ومن لا رغبة لي بها، حتى وإن سلمتُ لوالدي بهذا الشرط فسأجد صعوبة في تطبيق بقية شروطهما التي يشترطانها في أبوي من سأتزوجها، فإنهما يشترطان أن لا يكون أبواها مطلقيْن! وأن يكونا متعلميْن! وأن يكون لدى والدها عمل مرموق! إلى آخره من المظاهر الاجتماعية الجوفاء التي لا تمت إلى لب موضوع الزواج بصلة.

إنني أحب والداي ولا أريد أن أغضبهم، لكن في الوقت ذاته أرى أنه قد طال البحث عن زوجة وأظنني وجدت ضالتي في هذه الفتاة، ففيها كل ما أبحث عنه من تدين إلى جمال إلى قوة شخصية، أسئلتي هي:

– أيحق لوالداي أن يرفضا زواجي بهذه الفتاة لا لشيء إلا لأنها من أصل باكستاني وليست فلسطينية حتى وإن كانت متدينة؟ وهل يحق لهما أن يجبراني على عدم الزواج بها؟.

– إنهما يهدداني بقطع علاقتي بهما ونبذي من الأسرة نهائيًّا إن لم أتزوج بفلسطينية، ويقولان إن لم أفعل ذلك فسأكون قد عصيتهما، فهل يجوز لهما هذا؟.

– هل يُشترط للرجل رضا والديه لكي يتزوج طالما أنه وجد من يَرضى دينها وخلقها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يختلف المسلمون في وجوب بر الوالدين، والإحسان إليهما بالقول والفعل، والأوامر بذلك في الكتاب والسنَّة معلومة مشهورة، ومنها قوله تعالى ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) لقمان/ 15، وقوله تعالى ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) الإسراء/ 23.

ولكن ليُعلم أن القاعدة في طاعة الوالدين الواجبة هي: ” أنه تجب طاعتهما فيما فيه نفع لهما ولا ضرر على الولد فيه “، ولو كانت الطاعة الواجبة مطلقة في كل شيء – أي: في ما فيه منفعة للولد ولا مضرة فيه على الأب -: لحصل في هذا مفاسد كثيرة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الابن لا يلزمه طاعة أبيه في شيء لا ضرر على أبيه فيه وللولد فيه منفعة، ولو قلنا: إنه يلزم الابن أن يطيع والده في كل شيء حتى في ما فيه منفعة للولد ولا مضرة فيه على الأب: لحصل في هذا مفاسد.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 641 ).

 

ثانيًا:

واختيار الزوجة ليس مخاطبًا به آباء الأزواج ولا أمهاتهم، بل المخاطب به هو الزوج نفسه، فهو الذي قيل له ( ولا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) البقرة/ 221، وهو الذي قيل له ( فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ )- رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ) – ولا يتعدى دور الوالدين عن الاستشارة في الاختيار لا الاختيار نفسه فضلًا عن إجبار الابن عليه.

وإذا كان الطعام والشراب لا يُختلف في أنه لا يجوز إجبار الوالدين ابنهم على نوعهما: فالزواج أولى وأحرى بالحكم.

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ليس لأحدِ الأبوين أن يُلزم الولد بنكاح مَن لا يريد وأنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحدٍ أن يلزمه بأكل ما ينفِر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى؛ فإن أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول: يؤذي صاحبه كذلك، ولا يمكن فراقه.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 30 ).

 

ثالثًا:

وقد يعترض الوالدان على اختيار ابنهما لامرأة لينكحها بسبب ديني كأن تكون لا تصلي أو تكون متبرجة أو يكون لأهلها سمعة سيئة ويخشون من القرب منهم وغير ذلك مما يشبه هذه الأسباب: فنرى – حينئذٍ – أنه يجب على الابن طاعة والديه في عدم اختيار تلك الزوجة، بل كل عاقل لو أمر الزوج بترك التزوج بها: فإنه لا يسعه مخالفة ذلك، فأمر الوالدين أحرى بالتنفيذ.

وأما إن كانت أسباب رفض الوالدين دنيوية مثل كونها غير جميلة، أو من غير قبيلة أهله، أو كون والديها مثقفين أو أغنياء: فكل هذه الأسباب لا تُلزم الابن بطاعة والديه، بل له الخيار في اختيار من تناسبه من ذوات الدِّين، وله الرضوخ لاختيار والديه والنزول عند رغبتهما إن شاء.

* قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

لا يجوز أن يجبر الوالد ابنه على أن يتزوج امرأة لا يرضاها، سواء كان لعيب فيها ديني أو خَلقي، وما أكثر الذين ندموا حين أجبروا أولادهم أن يتزوجوا بنساء لا يريدونهن، يقول: تزوجها لأنها بنت أخي، أو لأنها من قبيلتك، وغير ذلك، فلا يلزم الابن أن يقبل، ولا يجوز لوالده أن يجبره عليها.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 640 ).

 

وخلاصة الجواب عن أسئلتك:

  1. لا يحق لوالديك أن يرفضا زواجك بتلك الفتاة لأنها من أصل باكستاني وليست فلسطينية، ولا يحق لهما أن يجبراك على عدم الزواج بها.
  2. لا يجوز لهما أن يهدداك بقطع علاقتهما بك ونبذك من الأسرة إن لم تتزوج بفلسطينية، ولا تكون عاصيًا لهما إن خالفت رأيهما.
  3. لا يُشترط للرجل رضا والديه لكي يتزوج طالما أنه وجد من يَرضى دينها وخلقها.

 

 

رابعًا:

والذي ننصحك به أنه إن لم تكن متعلقاً بتلك الفتاة، وأمكنك اختيار غيرها من ذوات الدين ممن يرضى عنها أهلك فهو أفضل؛ لأنك تجمع بذلك بين تحقيق رغبتك ورغبتهما، وإن كان قلبك متعلقًا بها أو رأيت غيرها ممن لا توافق شروط أهلك فترفق بإقناعهما ولا تقطع حبل الصلة بينك وبينهما ووسِّط من أهل الخير والعقل من يحاول إقناعهما بتحقيق رغبتك وبتخطئتهما في شروطهما القاسية.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل من حق الفتى أن يختار شريكة حياته بنفسه، أم والداه هم اللذان يجبرانه على أن يأخذ فتاةً معينة، فمثلًا: والدي يصر على أن يزوجني من ابنة عمي، وليس لي رغبةٌ فيها ، هل عدم طاعة الوالدين في هذه الحالة تعتبر من العقوق؟.

فأجاب:

لا يلزمك؛ لأن النكاح أمره عظيم، فإذا كانت المرأة لا تناسبك: فإنه لا يلزمك، ( إنما الطاعة في المعروف )، لكن تستسمح والديك بالكلام الطيب والأسلوب الحسن حتى تلتمس أنت ووالداك امرأة ً تناسبك، فإن الزواج من امرأة لا تناسبك ولا تريدها: يضر ولا ينفع، خسارة، فالواجب على والديك أن لا يجبراك على امرأةٍ لا تريدها، والواجب عليك أن تستسمحهما، وأن تستعمل معهما الرفق والكلام الطيب حتى لا تقع بينك وبينهما شيء من العقوق، والفرقة، والاختلاف.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 911 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز تدريس أولادنا في مدرسة إسلامية بٌنيت بقرضٍ ربويٍّ؟

هل يجوز تدريس أولادنا في مدرسة إسلامية بٌنيت بقرضٍ ربويٍّ؟

السؤال:

هل يجب على المسلمين أن يرسلوا أطفالهم إلى مدرسة إسلامية تم بناءها بقرض ربوي ( فائدة ) من البنك؟ وهذه المدرسة هي المدرسة الإسلامية الوحيدة بالمدينة، ولهذا فليس هناك بديل إسلامي آخر.

وبالمناسبة: فإن هذه المدرسة الإسلامية تعاني من بعض المشاكل ولم تسِر على ما يرام منذ افتتاحها ربما بسبب الربا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أوجب الله تعالى على الوالدين العناية بأولادهم ذكورا وإناثا، وليست العناية محصورة بالطعام والشراب واللباس بل ثمة ما هو أهم من ذلك وأولى أن يكون له نصيب في اهتمامات الوالدين وحساباتهم، ونعني به تربية الأولاد على الأخلاق الإسلامية وحب الدِّين، وتعليمهم العلم الشرعي النافع، ومتابعة قيامهم بالواجبات الشرعية وعلى رأسها الصلاة، وتجنيبهم أصدقاء السوء وأخلاق السوء.

ولعلَّ حسن اختيار منطقة السكنى، وحسن اختيار الجيران والأصدقاء أن يكون مساهماً في حسن التربية والرعاية، كما أن حسن اختيار المدرسة الإسلامية له أكبر الأثر في إحسان التعليم والتربية، وليعلم كل والد ووالدة أن الله تعالى سائلهم عن رعيتهم ، فإن نصحوا لهم أُجروا، وإن قصَّروا أَثِموا.

 

ثانيا:

وكون المدرسة الإسلامية قد بُنيت بقرض ربوي: فإن هذا غير مؤثر في حل إرسال المسلمين أولادهم إليها، والإثم إنما هو على من اقترض بالربا لا على الدارسين ولا على المدرسين.

ومن بنى بيتا بقرض ربوي فإنما إثمه عليه وحده، وليس ذلك بمؤثر على حل زيارته في ذلك البيت والأكل من طعامه، مع النصح له بالتوبة مما فعل.

وأعظم من ذلك وأجل: أنه لو بُني مسجد بأموال ربوية صرفة، أو اقترض مال بنائه من بنك ربوي بزيادة ربوية: ما كان ذلك بمؤثر على حل الصلاة فيه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن ذلك – أيضا – ما أشكل على بعض الناس: يأتي إنسان يتعامل بالبنك أو يتعامل بأشياء أخرى محرَّم كسبها، ثم يبني مسجدا أو يصلح طريقا فيقول: هل يجوز أن أصلِّي في هذا المسجد الذي أصلحه مَنْ مَالُهُ حرامٌ أو أمشي في الطريق؟ نرى أنه لا بأس أن يصلِّي في هذا المسجد ولو كان من مال ربوي أو من كسب محرم آخر؛ لأن إثمه على كاسبه، ثم نقول: هذا الرجل الذي بنى المسجد لعله أحدث توبة وبنى هذا من أجل أن يتخلص من الإثم والكسب الحرام، فنكون إذا صلينا في ذلك وشجعناه: نكون عونًا له على التوبة. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 60 ).

 

وعليه: فيتبين مما سبق أن بناء مدرسة من قرض ربوي لا ينبغي أن يكون حائلا بينكم وبين إرسال أولادكم إليها، وخاصَّة أنه لا يوجد غيرها، فلو كان الحكم على التحريم لكان يمكن أن يكون إرسال أولادكم إليها جائزا من باب الضرورة، أما والحكم على الجواز: فلا حاجة لهذا الحكم.

 

والله أعلم.

 

حكم الحوار القرآني المشتهر في المنتديات بعنوان “ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين”!

حكم الحوار القرآني المشتهر في المنتديات بعنوان”ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين”!

السؤال:

مرَّت امرأة فائقة الجمال برجل فقير بل معدم، فنظر إليها وقلبُه ينفطر شغفًا بجمالها، ثم تقدم منها ودار بينهما الحوار الآتي:

الرجل: ( وزيّناها للناظرين ).

المرأة: ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ).

الرجل: ( بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ).

المرأة:( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب).

الرجل: ( نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ).

المرأة: ( لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ).

الرجل: ( وإن كان ذو عسرة ).

المرأة: ( حتى يغنيهم الله من فضله ).

الرجل: ( والذين لا يجدون ما ينفقون ).

المرأة: ( أولئك عنها مبعدون ).

عندها احمرَّ وجه الرجل غيظًا وقال: ” ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين!! “.

فأجابته المرأة: ( للذكر مثل حظ الأنثيين ).

هل هذه نوع من الاستهزاء أو نوع من الاقتباس؟ وما الحكم الذي يترتب على من ينشر هذه القصة؟.

في انتظار ردكم الشافي، بارك الله فيكم، دمتم في رعاية الله وحفظه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذه القصة باطلة ولا أصل لها من جهة، ومحرَّم نشرها من جهة أخرى، فقد احتوت على استهزاء بالقرآن الكريم وقبح في الاستعمال لآياته في غير موضعها، ولو عقل أولئك الذين ينشرونها منزلة القرآن وقدَروا الله حقَّ قدْره لنزَّهوا كتاب الله أن يستعمل في حوار بين أجنبي فاجر يتغزل بجمال امرأة أجنبية عنه ويساومها على نفسها!.

 

 

وإنَّ جعْل القرآن بدلًا من الكلام فيه انتقاص لكلام الله تعالى، ولا شك عندنا في تحريمه، وهذا بخلاف الاقتباس المناسب من آيات القرآن في موضعه اللائق به في الكلام، وهذا أمر حسن، وله ضوابط.

قال الشيخ مصطفى الرحيباني – رحمه الله -:

( وحرُم جعل القرآن بدلا من الكلام مثل أن يرى رجلا جاء في وقته فيقول! { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى }! فلا ) يجوز أن ( يُستعمل ) القرآن ( في غير ما هو له ) لما فيه من التهاون وعدم المبالاة بتعظيمه واحترامه، ( وقال الشيخ ) تقي الدين – أي: ابن تيمية -: ( إن قرأ عندما يناسبه فحسن كقول من دعي لذنب تاب منه: { مَا يَكُونُ لَنَا أَن نَتَكَلَّم بِهَذا }! وكقوله عند إصابته ( وعند ) ما ( أهمَّه: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى الله }، و ) كقوله ( لمن استعجله: { خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل } فهذا وأمثاله مما هو مناسب لمقتضى الحال جائز؛ لأنه لا تنقيص فيه.

” مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ” ( 1 / 607 ).

وهو الحكم نفسه الذي يقال في القصة المشهورة للمرأة التي أُطلق عليها ” المتكلمة بالقرآن “.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقد سمعنا أن واحدًا من الناس قال: أنا لن أتكلم بكلام الآدميين أبدًا، لا أتكلم إلا بكلام الله فإذا دخل إلى بيته وأراد من أهله أن يشتروا طعامًا قال: ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ) الكهف/ 19.

وقد قال أهل العلم: يحرم جعل القرآن بدلًا من الكلام، وأنا رأيت زمن الطلب قصة في جواهر الأدب عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتعجب الناس الذين يخاطبونها، فقال لهم من حولها: لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن.

نقول: هي زلَّت الآن! فالقرآن لا يُجعل بدلًا من الكلام، لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضية وقعت، كما يذكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخطب فخرج الحسن والحسين يمشيان ويعثران بثياب لهما فنزل فأخذهما، وقال: ( صدق الله: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) التغابن/ 15.

فالاستشهاد بالآيات على الواقعة إذا كانت مطابقة تمامًا لا بأس به.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 6 / 531 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص ذلك الحوار المنتشر في المنتديات بكثرة – وللأسف – فهو قبيح للغاية، ولا يشك في تحريمه أحدٌ شمَّ رائحة العلم؛ ففي الحوار المزعوم: نظر محرَّم من الطرفين، وطلب لمس المرأة، ومساومة على الفاحشة بدفع ثمن مقابلها، ثم لعن الذكور جميعًا، وكل ذلك – وغيره من الأشياء المنكرة – استُدل عليه بآيات من كتاب الله تعالى! أفيليق بمسلم عاقل أن يفرح لهذا الحوار وينشره في الآفاق وهو مشتمل على تسويق تلك المحرمات والمنكرات بآيات من كتاب الله تعالى؟!.

فقد وقفنا على فتاوى خاصة فيه تحرَّم ذلك الفعل القبيح ، وتحرم نشره، منها:

  1. قال الشيخ عبد الرحمن السحيم – عضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض – وفقه الله: أعوذ بالله من الخذلان، هذا استهزاء واستخفاف بِكلام الله جلّ جلاله، وهذا من اتِّخاذ آيات الله هزوًا، ولا يجوز نشر مثل هذا الباطل، ولا الرضا به، بل يجب إنكاره، والبراءة منه.

http://www.khayma.com/da3wah/341.html

  1. وقال الأستاذ أحمد مجيد الهنداوي – وفقه الله -:

هذا السؤال الذي قد تفضلتَ به فيه فائدةٌ أخرى، وهي: تحذير المسلمين مما يقع من جهلة الناس ومما يقع ممن لا علم له بحيث يستخدمون كلام الله استخدامًا لا يليق بجلاله ولا يليق بعظمته ولا يليق بتوقيره.

وأما عن حكم التكلم بالقرآن على هذه الصورة بأن يُنزَّل منزلة الكلام العادي: فهذا الفعل من المحرمات ولا يجوز أن يفعله المؤمن، بل إن فعله: فقد ارتكب ذنبًا عظيمًا وكبيرة من الكبائر؛ لأنه بذلك استخدم كلام الله جلَّ وعلا على غير النسق الذي أراده الله جلَّ وعلا، وعلى غير المعنى الذي أراد الله جل وعلا أن يبينه للعباد، فحوَّله وصرفه إلى هذه المعاني التي قد تكون معانٍ باطلة، وربما حملت معانٍ مرذولة، كما وقع في هذا السؤال عندما قال هذا العبد لهذه المرأة: ( وزيَّناها للناظرين)، فهو يقصد أنه نظر إلى هذه المرأة فرآها ذات حسن وجمالٍ وكأن الله جلَّ وعلا قد زيَّنها لينظر إليها الناس، فاستخدم الآية استخداماً قبيحًا، وكذلك لمَّا قال لها (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا )! فهذا استخدامٌ مرذولٌ، وطريقة بشعة في استنزال الآيات في مواضع لا تليق بها؛ فإن الآية إنما سيقت في بيان ما كان يطالب به بنو إسرائيل نبيهم عيسى – صلوات الله وسلامه عليه – في أن ينزل عليهم المائدة، كما قال الله جل وعلا على لسانهم: (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدينَ )، ومن المعلوم أن هذه المائدة التي أنزلت عليهم من أعظم الآيات التي أنزلها الله جل وعلا على عيسى، ولذلك فإنه حكم بأن من كفر بعدها فإنه سيعذبه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، كما قال تعالى: ( قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ  )، وأفرد الله هذه السورة الطويلة التي هي من طوال السور وسمَّاها بهذا الاسم العظيم وهو ” المائدة “.

فهذا الاستنزال لكلام الله جل وعلا قبيحٌ ومرذول، ولا يصح أن يكون في هذا الموضع؛ فإن هذا الاستخدام استخدام يدل على شيء من التهاون وشيء من قلة التعظيم لكتاب الله جل وعلا، وهذا بالجملة عملٌ محرم لا يصح أن يقع، نعم، قد يقع أن يكون هنالك استخدامٌ لكتاب الله جل وعلا في مواضعه الصحيحة، كأن يكون هنالك موقف من المواقف التي يصح أن تُورد الآية فيه موردًا سليمًا لا يدل على خلل ويورد أيضًا على مورد التعظيم ومورد الجد في الكلام كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى خيبر وقد خرج بجيشه المظفر لفتحها ولقتال اليهود، فلما رآها صلى الله عليه وسلم قال: ( الله أكبر .. الله أكبر .. خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ). والحديث أخرجه مالك في ” الموطأ “، والبخاري في ” صحيحه “.

ومع هذا: فالصواب: الجزم بالمنع بالاستخدام لمثل ما يقع الآن من استخدامٍ باطل وجعل هذا الاستخدام من علامات الفطنة والذكاء! بل وربما أجري في ذلك المسابقات وتقديم أصحابها على أنهم من الأذكياء وأن لديهم فهماً ومعرفة بكتاب الله عز وجل، فهذا من الجهل الفاضح ومن عدم المعرفة بما يليق بهذا الكتاب العزيز.

فالصواب: هو القطع بتحريم هذا الاستخدام وعدم الالتفات إلى هذه الأعمال التي يقوم بها جهلة الناس، فإن هذا الكتاب إنما أنزله الله جل وعلا ليتدبر وليحكم به وليكون حاكمًا مهيمنًا على الناس، وإذا أُوردت آياته فإنما تُورد على جهة التعظيم وجهة التعبد وجهة الاستدلال وتقرير الأحكام، فهذا هو الذي ورد لأجله كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )، وقال الله تعالى: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ).

ونسأل الله عز وجل أن يجزيك عن هذا السؤال خير الجزاء، وأن يجعلك من الذَّابين عن دينه المدافعين عن حرماته. وبالله التوفيق.

http://www.islamweb.net/consult/index.php?page=Details&id=269306

وعليه: فيجب تحذير المواقع الإلكترونية من نشر تلك القصة الباطلة وما تحويه من مخالفة للشرع ظاهرة، ويجب على المستطيع أن يُنكر على من نشر تلك القصة، ويطلب منه حذفها وتحذير الناس منها، مع بيان السبب الداعي لهذا، وإذا تطوع أحد فنشر جوابنا هذا في تلك المواقع – التي يكون مسجِّلًا فيها – فيكون قد أحسن غاية الإحسان، ويكون أبرأ ذمته.

 

والله أعلم.

هل يجوز للمرأة أن تعلِّم الرجال والنساء بصوتها في موقع خاص بها؟

هل يجوز للمرأة أن تعلِّم الرجال والنساء بصوتها في موقع خاص بها؟

السؤال:

أنا طالبة مولعة بتعلم لغات العالم، وقد وضعت ” مدونة ” خاصة بتعلم اللغة التي أتعلمها، فأضع دروسًا صوتية فيها – بصوتي الحقيقي – دون تكلف أو مزاح أو خضوع في القول، ومدة الدروس – غالبًا – خمس دقائق، المدونة يدخلها الكثير من الزوار من الفتيات والفتيان، ويدرسون تبعًا لدروسي، ومَن لديه سؤال يسأل عن طريق رسائل الإيميل أو عن طريق وضع سؤال في المكان المخصص للأسئلة، ولكن عارضني زوجي وقال لي: ” صوت المرأة عورة، ولا يجوز أن تعلِّم رجالًا “، مع العلم أنه لا تواصل مباشر بيني وبينهم أبدًا، وأغلبية زوار الموقع هن النساء.

– الكثير استفاد منها، من مبتعثين ومن يسكن في ” كوريا ” أو ممن يريد تعلم اللغة.

الحمد لله لم تصلني مضايقات من أحد أو كلام سيء أو بذيء من أحد الزوار، بل كلهم يشكرون ويدعون لي بالخير.

سؤالي:

هل شرعًا محرم على المرأة ذلك؟ وبماذا تنصحوني في هذه الحالة؟ وإذا كنتُ امرأة أحب أن أفيد غيري دون طلب لشهرة أو سمعة ماذا عليَّ أن أفعل؟ هل أُبقي طموحي ومهاراتي حبيسة نفسي؟ أم ماذا أفعل؟.

زوجي يريدني أن أغلق ” المدونة “، وسأغلقها امتثالا لأمره، ولكني أريد أن أعرف أمر الله تعالى في مثل هذا الأمر.

مدونتي هي: ” … “.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله تعالى أن يجمع بينك وبين زوجك على خير، وقد رأينا في رسالتك حب الخير والنفع للناس، ورأينا فيها الاستعداد للامتثال لحكم الشرع، ورأينا فيها تقديم طاعة الزوج على رغبات النفس، وهذه أمور جليلة عند اجتماعها في شخص واحد، ونحن نوصي زوجك بكِ خيرًا.

 

ثانيًا:

وقد رأينا في ” مدونتك ” مخالفات شرعية، فقد ظهر لنا فيها صورة امرأة متبرجة أثناء الدعاية لساعة يد، كما ظهر لنا صورتان لرجلين مرسومتان باليد، وكلاهما من المحرمات.

ثالثًا:

صوت المرأة ليس بعورة، وفي الوقت نفسه لم يشرع للمرأة أن تؤذِّن، ولا أن تصلي بالرجال، ولا أن تخطب الجمعة والعيدين، ولا أن تسبح إن أخطأ الإمام بل تصفق، وكل ذلك حفاظًا عليها – وعلى من يستمع لها – صيانة وبُعدًا لها عن الفتنة.

ويكون صوتها عورة إن هي تكلمت على مسمع من الرجال الأجانب عنها بخضوع وتغنج، وهنا تكون الحرمة في إظهار صوتها.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

صوت المرأة نفسه ليس بعورة لا يحرم سماعه إلا إذا كان فيه تكسر في الحديث وخضوع في القول، فيحرم منها ذلك لغير زوجها، ويحرم على الرجال سوى زوجها استماعه؛ لقوله تعالى: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) الأحزاب/ 32.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 202، 203 ).

وقد ذكرنا أن أصل صوت المرأة ليس بعورة مع نقولات عن أهل العلم وذلك في أجوبتنا الأخرى فلتنظر.

ومن خلال ما سمعناه في مدونتك تبين لنا أنه ليس ثمة تكسر ولا تغنج في كلامك، وأنتِ غير معلومة العين لأحدٍ من الداخلين لمدونتك، ولكن قلوب الناس ليست سواء، وفتن هذا الزمان قد عصفت بالنساء والرجال حتى إن أحدهم ليفتن بأقل شيء، ولذا لا نرى للمرأة أن تُسمع صوتها للرجال إلا لضرورة، وليس تعليم اللغات من هذه الضرورة.

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

المرأة موضع قضاء وطر الرجال، فهم يميلون إليها بدافع غريزة الشهوة، فإذا تغنجت في كلامها: زادت الفتنة، ولذلك أمر الله المؤمنين إذا سألوا النساء حاجة أو متاعا أن يسألوهن من وراء حجاب، فقال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) الأحزاب/ 53، ونهى النساء إذا خاطبن الرجال أن يخضعن بالقول؛ لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، فإذا كان هذا هو الشأن والمؤمنون في قوة إيمانهم وعزته: فكيف بهذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان وقل المتمسك بالدين.

فعليكِ عدم مخالطة الرجال الأجانب، وعدم التحدث معهم إلا في حاجة ضرورية، مع عدم الخضوع واللين في القول؛ للآية المذكورة.

وبهذا تعلمين أن الصوت المجرد والذي ليس معه خضوع ليس بعورة؛ لأن النساء كنَّ يكلمنَ النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألنه عن أمور دينهن، وهكذا كنَّ يكلمنَ الصحابة في حاجتهن، ولم ينكر ذلك عليهن.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 203، 204 ).

 

رابعًا:

وبما أن زوجك قد طلب منك التوقف عن التعليم الصوتي فنرى أنك تستجيبين له، وقد رأينا عندك الاستعداد لهذا الأمر، وهو فعل تُحمدين عليه.

ونحن هنا يمكن أن نقترح ما نجمع به بين رغبتيكما، وهو أن يكون نشاطك في التعليم موجَّهًا للنساء فقط، وثمة غرف صوتية خاصة بالنساء يمكنك أن تؤدي رسالتك في تعليمهن وإفادتهن دون أن يكون حرج من زوجك في سماع الرجال، وبذا يتحقق لك ما أردتِ، ويزول عن زوجك الحرج في ظهور صوتك للرجال.

 

وهذا مثال لموقع كتابي وصوتي موثوق خاص بالنساء:

http://www.t-elm.net/moltaqa/

والإسلام لا يقف في وجه المرأة التي تريد نفع الناس وفق الضوابط الشرعية، والزوج لا ينبغي له أن يتسلط في قراراته.

 

– وقد قلنا في آخر جواب آخر:

أنّه لا ينبغي للزوج أن يستغل هذا الحق في إيذاء مشاعر زوجته، ومصادرة رأيها، والتعنت في حرمانها من رغباتها، بل عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يحرص على مشاورة زوجته ومحاورتها، وتبيين الحكم الشرعي لها، وتوفير البدائل المباحة التي تسعدها، وتنمي قدراتها، وتحقق شيئا من رغباتها. انتهى.

وعن الشيخ العثيمين رحمه الله أن للمرأة أن تدعو إلى الله وتعلم بنات جنسها، وأن مجالات عملها هو مجامع النساء، ولتدع مجامع الرجال.

 

والله أعلم.