الرئيسية بلوق الصفحة 59

خرج مع جماعة التبليغ ويسأل عن ثلاث مسائل سمعها منهم

خرج مع جماعة التبليغ ويسأل عن ثلاث مسائل سمعها منهم

السؤال:

اعتدت أن أكون  فردًا من أفراد ” جماعة التبليغ “، وقالوا لي أشياء جعلتني في حيرة، فأعلموني إن كانوا على صواب أم لا.

على سبيل المثال: قالوا لي: إني إذا رفعتُ الأذى من الطريق فسوف أنال الحور العين في الجنة، وكذلك لو قمت بالتصفير فإني أنادي على الشيطان، بل قالوا لابن أخي إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه.

فهل هذه الأشياء صحيحة؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد سبق لنا الحديث حول هذه الجماعة، وأشرنا إلى بعض ما لها وما عليها.

 

ثانيًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله إنك ” إذا رفعتَ الأذى من الطريق فسوف تنال الحور العين في الجنة “: إنما هو اعتمادًا منهم على حديث غير صحيح، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا علي! أعط الحور العين مهورهن: إماطة الأذى عن الطريق، وإخراج القمامة من المسجد، فذلك مهر الحور العين ).رواه الديلمى في ” مسند الفردوس ” ( 5 / 328 ) من غير إسناد، والكتاب من مظنة الأحاديث الضعيفة.

ولإماطة الأذى عن الطريق فضائل:

أ. فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ).

رواه البخاري ( 9 ) ومسلم ( 35 ) – واللفظ له -.

ب. وإماطة الأذى عن الطريق موجب لشكر الله تعالى لفاعله، ولمغفرة ذنوبه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه ).

رواه البخاري ( 624 ) ومسلم ( 1914 ).

 

 

ج. وإماطة الأذى عن الطريق موجب لدخول الجنة:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ).

رواه مسلم ( 1914 ).

وفي رواية:

( مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ).

د. وإماطة الأذى عن الطريق من العمل النافع:

عن أَبي بَرْزَةَ الأسلمي قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: ( اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ). رواه مسلم ( 1915 ).

قال النووي – رحمه الله -:

هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق، سواء كان الأذى شجرة تؤذي، أو غصن شوك، أو حجرًا يعثر به، أو قذرًا، أو جيفة، وغير ذلك.

وإماطة الأذى عن الطريق من ” شُعَب الإيمان ” – كما سبق في الحديث الصحيح – وفيه التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررًا.

قوله صلى الله عليه و سلم ( رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق ) أي: يتنعم في الجنة بملاذها بسبب قطعه الشجرة.

” شرح مسلم ” ( 16 / 171 ).

ثالثًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله لك إنك ” لو قمتَ بالتصفير فإنك تنادي على الشيطان “: فهذا لا أصل له في كتاب ولا سنَّة.

وفي التصفير خلاف بين العلماء فمن قائل بالتحريم، ومن قائل بالجواز، والقول الثالث: الكراهة، وهو ما رجحناه.

رابعًا:

ما ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من قوله لابن أخيك ” إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه “: قول باطل، ولا أصل له في الشرع.

وتغطية الرأس ترجع لعرف الناس، فإن تعارف أهل البلد على أن الرجال يغطون رؤوسهم فيصير الكاشف له بينهم فاعلا لخارم من خوارم المروءة، وستره في الصلاة حينئذ أفضل؛ لأنه يكون من الزينة، وليس في عدم تغطيته إثم، وإن تعارفوا فيما بينهم على كشف رؤوسهم فلا حرج في كشفه، والأمر في ذلك واسع.

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا طبَّقنا هذه المسألة على قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الأعراف/ 31: تبيَّن لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزِّينة، أما إذا كُنَّا في قوم لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة: فإنَّا لا نقول: إنَّ ستره أفضل، ولا إنَّ كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: ” أنه كان يُصلِّي في العِمامة “، والعِمَامة ساترة للرَّأس.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 2 / 166 ).

وليس ثمة نص نبوي يوجب ولا يستحب تغطية الرأس لا في الصلاة ولا في دخول الخلاء.

قال علماء اللجنة الدائمة:

ستر رأس الرجل في الصلاة ليس واجبًا، والأمر في ذلك واسع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 170 ).

وقالوا:

لا يجب تغطية الرأس على الرجل في الصلاة، ولا في غيرها، ويجوز الإئتمام بمن لا يغطي رأسه؛ لأن الرأس بالنسبة للرجل ليس بعورة.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 171 ، 172 ).

وقالوا:

تغطية الرجل رأسه في الصلاة ليست من سننها.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 172 ).

وكل الفتاوى السابقة مذيلة بأسماء العلماء:

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

وإننا نوصي جماعة التبليغ أن يلتزموا ذكر الصحيح من الأحاديث، وأن يجتنبوا الضعيف والموضوع – وما أكثره عندهم -، وقد يسَّر الله من سبل العلم ما تقوم به الحجة عليهم، فها هي الكتب بين أيديهم محققة، وها هم العلماء يملؤون الأرض وقد يسر الله سبل الاتصال بهم بأدنى تكلفة، وها هي الأقراص العلمية، والمواقع الموثوقة، كل ذلك يجعلهم غير معذورين في نشر الأحاديث الضعيفة والقصص المنكر والتأويلات الشاذة لآيات القرآن، فعسى أن نجد فيهم صحوة علمية، وعقلاء يدعونهم إلى هذا الخير.

 

والله أعلم.

 

تساؤلات حول قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش والإجابة عليها

تساؤلات حول قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش والإجابة عليها

السؤال:

مقدمة السائل غير واضحة تمامًا، ولكنه يتحدث عن قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها وقصة زواجها بزيد بن حارثة رضي الله عنه، ثم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل ويقول:

  1. إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟.
  2. إذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات – آيات سورة الأحزاب – بنفسه ليخدم غرضه؟.
  3. طالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟.

أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان زيد بن حارثة رضي الله عنه في أول أمر الإسلام ابنًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبنِّي، وكان يُدعى ” زيد بن محمد “، وقد زوَّجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته ” زينب بنت جحش ” رضي الله عنها، فلمَّا أبطل الله تعالى التبنِّي نسب زيدٌ لأبيه ” حارثة ” ولما كان هذا الأمر عليه ثقيلًا أن ينزع عنه النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله تعالى بأن خصَّه بميزة تفرد بها عن المسلمين جميعًا بأن ذكر الله تعالى اسمه في القرآن في آية تتلى إلى قيام الساعة، ثم إن ” زيدًا ” رضي الله عنه اشتكى لنبينا صلى الله عليه وسلم من زوجته ” زينب “، والنبي يصبِّره ويذكره بتقوى الله تعالى، وبعد ذلك الإبطال للتبني يوحي الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن زيدًا سيطلق زوجته وأنها ستكون زوجة له! فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر – وهو تزوجه بزينب مستقبلًا – عن الناس ولم يبده لأحد، ولم يكن وحيًا مأمورًا بتبليغه، وإنما خبر سيتحقق، وقد حصل فعلًا أن طلق زيد زوجته زينب، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فقه الصحابية الجليلة عائشة رضي الله عنها أن قالت إن محمَّدًا لو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم آية العتاب هذه التي عاتبه بها ربه تعالى، وهي قوله تعالى: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب/ 37.

فليس في قصة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدح بمقامه، ولا ينزل من قدره، وما يذكره بعض المفسرين في ذلك من أقوال تخالف ما ذكرناه فكله ضعيف ومردود.

قال القرطبي – رحمه الله -:

قال ابن العربي: فإن قيل لأي معنى قال له: ( أمسك عليك زوجك ) وقد أخبره الله أنها زوجُه؟.

قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له ” زيد ” من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها.

فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه، وهذا تناقض؟!.

قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحُكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه، وتقبلوه.

” تفسير القرطبي ” ( 14 / 190 ).

ثانيًا:

وأما جواب السؤال الأول وهو ” إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟ “: فهذا لا يرِد على من فقه معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومن أعظمها في هذا الباب اسم الله تعالى ” الحكيم “، وصفته ” الحكمة “.

إن التطبيق العملي للأحكام الشرعية يختلف في قوته وأثره عن الواقع النظري، وخاصة فيما يتعلق بأمرٍ مشتهر في الجاهلية ويُراد القضاء عليه، أو بأمر يوقع على الناس الحرج لو لم يُرى في الواقع العملي، ولنضرب على ذلك أمثلة:

  1. إفطار النبي صلى الله عليه وسلم عمليًّا استعدادًا للقاء العدو.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ” كُرَاعَ الْغَمِيمِ ” فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: ( أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ). رواه مسلم ( 1114 ).

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

وإنما رفع الإناء ليراه الناس فيقتدوا بفعله … ولما كان مقصوده بإفطاره إفطار الناس: لم يكن لأحد أن يخالفه، فلما صام قوم أطلق عليهم اسم ” العصاة “.

” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 719 ).

 

  1. أكل النبي صلى الله عليه وسلم من أجرة الرقية.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيٍّ من أحياء العرب فلم يَقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تَقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلا فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن – أي: سورة الفاتحة – ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ).

رواه البخاري ( 5404 ) ومسلم ( 2201 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( واضربوا لي بسهم ): فإنما قاله تطييبًا لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث ” العنبر “، وفى حديث أبى قتادة فى حمار الوحش مثله.

” شرح مسلم ” ( 14 / 188 ).

ومن هذا الباب: التزوج فعليًّا بزوجة الابن بالتبنّي بعد تطليقها، أو الوفاة عنها؛ لتحقيق أنها ليست زوجة ابن، وأنه ليس ابنًا في شرع الله تعالى، وتطبيق ذلك عمليًّا من نبي هذه الأمة له أعظم الأثر في القضاء على التبني وآثاره، وفي ذلك يقول تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) الأحزاب/ 37.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ) أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك: لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال له: ” زيد بن محمد “، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ )، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم: ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم ) النساء/ 23؛ ليحترز من الابن الدَّعِي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.

وقوله: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 426 ).

 

 

وأوضح منه فيما نريده ما قاله الطاهر بن عاشور رحمه الله حيث قال:

وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة، وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دَعِيِّه، فلما أبطله الله بالقول إذ قال: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكَمْ أَبْنَاءَكَم ) الأحزاب/ 4: أكَّد إبطاله بالفعل؛ حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: ” إن ذاك وإن صار حلالًا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال “، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعيّ من أفضل الناس وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

والجمع بين اللام وكي: توكيد للتعليل، كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك.

” التحرير والتنوير ” ( 22 / 39 ).

فما حصل من تزوج زيد رضي الله عنها بزينب، ثم تطليقه لها، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها: كل ذلك كائن لا محالة، وكل ذلك قد قدَّره الله تعالى أزلًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره ربُّه بالتزوج من زينب رضي الله عنها أول الأمر فكيف سيتزوجها؟ فلما قضى الله تعالى ذلك وأمره به: سارع إلى تنفيذ الأمر، فكان زواجه منها تزويجًا له من ربِّه تعالى، وفي ذلك يقول تعالى ( زَوَّجْنَاكَهَا )، ولذلك كانت زينب رضي الله تعالى تفتخر على ضرائرها بذلك – وحقَّ لها أن تفعل – بأن أهاليهن قد زوجوهن، وأما هي فقد زوَّجها ربُّها تعالى من النبي صلى الله عليه وسلم، قال أنس رضي الله عنه: ” فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ” رواه البخاري ( 6984 ).

فكيف لتلك الأحكام والفضائل أن تظهر لولا وقوع التبني فعليًّا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزويجه لابنه في التبني من ابنة عمه، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم منها بعد إبطال التبني؟!.

ثالثًا:

قول السائل ” إذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات – آيات سورة الأحزاب – بنفسه ليخدم غرضه؟! “: يدل على وقاحته وعلى أنه ليس بمسلم، وأنه كذب في تعبئة بياناته أنه مسلم، وليست هذه المرة الأولى التي نرى فيها مثل هذا التصرف، ونحن إن أجبنا هؤلاء فلما نرجوه من الخير لهم، ونجيب حتى لا يكون في ذهن المسلم أي شبهة في دينه، والمسلم يعظم نبيه غاية التعظيم، ويعتقد أن القرآن كله كلام الله، ومما يدل على جهل هذا السائل وحقده على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل عن إمكانية كونه صلى الله عليه وسلم – حاشاه – قد اختلق هذه الآية! وعلى العكس تمامًا كان كلام أهل العلم والعقل حيث جعلوا هذه الآية دليلًا على أنه عبدٌ يوحى إليه وأنه بلَّغ ما أنزل عليه، وأنه لو كان صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية! لما فيها من عتاب الله له أنه أخفى ما سيبديه ربه تعالى، وأنه خشي من المنافقين وأهل السوء أن يطعنوا به عندما يتزوج من مطلَّقة ابنه بالتبني! فيأتي هذا ويسأل ذلك السؤال السخيف والذي يدل على حقد وغيظ على الإسلام وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ.

رواه البخاري ( 6984 ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قولها: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ). رواه مسلم ( 177 ).

وزينب رضي الله عنها ليست غريبة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي ابنة عمته، ولو أراد التزوج بها – حتى من قبل تزوج زيد بها – لما كان ثمة عائق يحول دون ذلك، فأي حاجة لاختلاق آية ينسبها لربه تعالى ليتزوجها بها؟! إن مثل هؤلاء السائلين يفكرون بمنطق قساوستهم وأحبارهم وأسيادهم – إن كانوا رافضة -، فهؤلاء المحرفون لدين الله والمفترون على الله تعالى ما لم يشرعه صدر ويصدر منهم كثير من مثل هذا، فيأتي هذا السائل الأخرق ليسأل مثل هذا السائل ظانًّا أنه يمكن التوصل به للطعن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنَّى له ذلك.

رابعًا:

وقول السائل ” طالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنَّى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟ “: هو من باب التشكيك في الشرع ومحاولة النيل من أحكامه، فهو يعلم أن زوجة الابن من الصلب لم يقل أحد بجواز التزوج بها بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، وأنها تصير محرَّمة على والد الزوج بمجرد العقد إلى يوم القيامة، كما قال تعالى في سياق ذِكر المحرَّمات في النكاح: ( وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم ) النساء/ 23، فهذا نصٌّ واضح صريح في المسألة وهو تحريم زوجة الابن من الصلب، وذاك نص صريح في جواز التزوج من زوجة الابن الذي كان متبنَّى، فأي حاجة لمثل ذلك السؤال الأخرق؟!.

خامسًا:

وقول السائل ” أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها “: مما يُتعجب منه، لكن إن علمنا أنه غير مسلم – كما هو الظاهر من وقاحته في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – زال العجب، فهل الإيمان بالله تعالى ووحدانيته يتوقف على هذه المسألة؟! وهل الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة يتوقف على هذه المسألة؟! ولو أن السائل قال إنه ” كافر ” وإن هذه الشبهات تقف حائلًا بينه وبين الإسلام لاحترمنا صدقه ولأجبنا عليه مقدِّرين له سؤاله واستفساره عن ديننا، ولأثنينا عليه، كما نفعل عادة مع من يصدق معنا، وأما أن يكون الإنسان مسلمًا أصلًا فهذا لا تقف هذه المسألة حائلًا دون استمراره على دين الله، فأي حاجة تدعو هذا ليكذب علينا أنه مسلم ثم يأتي ويطعن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بطريقة الأسئلة الماكرة؟!.

وبكل حال: فنحن ندعو هذا السائل لأن يراجع نفسه، ويعلم أن دين الله تعالى قائم ومنصور، وأنه إن اهتدى فلنفسه، وإن ضلَّ فعليها، وليعلم أن هذه الحادثة قد مضى عليها حوالي خمسة عشر قرنًا ولم تكن سببًا في خروج أحدٍ من دين الله تعالى، وإنما كانت – فقط – مجالًا للطعن من المنافقين واليهود وأتباعهم، وبحمد الله قد أجاب أهل العلم على إشكالاتها، وبينوا ما في رواياتها من ضعف ونكارة، وكل من يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ويقف على أحواله وأخلاقه لا تخطر بباله هذه الوساوس، ولا يعلق إيمانه عليها؛ لما يعلمه من حقائق تقضي على تلك الشبهات وتمنع من حدوث ريبة في أفعاله أصلًا.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء؟!

هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء؟!

السؤال:

سمعت أن من مات بسبب السرطان أو حرقًا أو غرقًا فإنه يدخل الجنة، فهل هذا صحيح؟ فإني أعرف شخصًا قضى حياته مدخنًا ثم مات بسبب سرطان في الحلق، ولكن الأطباء لم يقولوا إن السرطان الذي أصابه هو بسبب التدخين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت في صحيح السنَّة أنواع من الشهداء لهم منازل الشهداء في الآخرة، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ).

وعن جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ ) قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ. وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ. وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ. وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ ). رواه أبو داود ( 3111 ) والنسائي ( 1846 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة، تَفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه و سلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء. ” فتح الباري ” ( 6 / 44 ).

وقد جعل بعض العلماء ” المرض ” داخلًا في تلك الأنواع، ولم يصحَّ في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما استدلوا به فهو ضعيف جدًّا أو موضوع، وهو:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ ).

رواه ابن ماجه ( 1615 ) وحكم عليه ابن الجوزي والألباني بالوضع، كما في ” السلسلة الضعيفة ” ( 4661 ).

 

 

ثانيًا:

ومن مات بمرض ” السرطان ” فإنه يدخل في أنواع الشهداء الوارد ذكرهم في الحديث بشرطين:

الأول: أن يكون موضع السرطان في ” البطن “، فيصدق عليه أنه ” مبطون “.

سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل يدخل من يموت بالسرَطان في ” المبطون “؟.

فأجاب:

لا؛ لأن السرطان لا يكون دائمًا في البطن، فقد يكون في غير البطن.

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 230 ).

وبما أن صاحبك كان موضع السرطان في ” حلقه ” فهو غير داخل في أي نوع من أنواع أولئك الشهداء.

الثاني: أن لا يكون ذلك المرض بسبب تناوله الدخان أو المخدرات أو الخمور، وغيرها من المحرمات، إلا أن يكون قد تاب من ذلك توبة نصوحًا، وامتنع عن تناول تلك المحرمات.

وهذا الشرط عام في كل من ذُكر في الحديث، فالحامل من زنا وتموت في الطلق ليست من الشهداء، والغريق إذا ركب البحر لمعصية أو فجور ومات غرقًا ليس من الشهداء، وهكذا من تهدم عليه حائط وهو يزني أو يشرب الخمر لا يكون من الشهداء، وقد ذكرنا في جواب سابق عن علماء اللجنة الدائمة أن مات نتيجة حادث سيارة وهو داخلها أنه يدخل في ” صاحب الهدم ” فيكون شهيدًا بإذن الله، لكن ذلك لا ينطبق – قطعًا – على من أولئك الشباب المتهورين الذين حصل معهم هذا وهم ” يفحطون ” بها ، ولا على أولئك المتسابقين في ظروف صعبة في الجبال والأودية وعلى الثلوج.

وفي جواب سابق نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغريق العاصي في ركوبه البحر لا يكون شهيدًا.

وقال – رحمه الله – في موضع آخر:

ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 381 ).

وقال السيوطي – رحمه الله -:

قال القرطبي: وهذا والذي قبله – أي: صاحب الهدم والغريق – إذا لم يغررا بنفسيهما، ولم يهملا التحرز، فإن فرَّطا في التحرز حتى أصابهما ذلك: فهما عاصيان. ” الديباج على مسلم ” ( 4 / 508 ) .

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 273 ، 274 ):

واستثني من الغريب: العاصي بغربته، ومن الغريق: العاصي بركوبه البحر، كأن كان الغالب فيه عدم السلامة، أو ركوبه لإتيان معصية من المعاصي، ومن الطلْق: الحامل بزنى. انتهى.

وإذا كان شهيد المعركة الذي يُقتل بالسيف إن كان قاتل عصبية أو حمية أو رياء لا يكون له فضل الشهداء ولا مرتبتهم، فأولى أن لا يكون لأولئك ذلك الأجر الجزيل.

 

والخلاصة:

مرض السرطان بحد ذاته لا يدخل الميت بسببه في أنواع الشهداء إلا أن يكون المرض في بطنه, ومن كان مرضه بسبب الدخان أو غيره ومات منه قبل التوبة فلا يكون شهيدًا ولو كان موضع المرض في بطنه، فإن كان المرض في بطنه ولم يكن بسبب فعل محرَّم كان له منزلة الشهداء في الآخرة إن شاء الله.

 

والله أعلم.

 

 

 

نصرانية تبحث عن الحق وتسأل عن حكم النقاش في مسائل الاعتقاد وعن الردة

نصرانية تبحث عن الحق وتسأل عن حكم النقاش في مسائل الاعتقاد وعن الردة

السؤال:

أنا امرأة أمريكية، مسيحية، أمضيت عدة سنوات في تلقي معلومات زائفه عن الإسلام، ولكنني مؤخرًا أخذت على كاهلي مهمة البحث والتعلم بنفسي.

إنها فكرة رائجة في أوساط المسيحيين من الأمريكان أن الإسلام لا يقبل النقاش في أمور العقيدة، ويصف ذلك بالردة والانتكاس، ولا أظن أن هذه هي القضية، فكيف؟ ومن يتولى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي تتعلق بالعقيدة؟ فإذا كان الشخص في شك من بعض المسائل فمن يجيبه ويعينه في رفع الالتباس؟ وما هي الردة بمعناها الصحيح؟ ومن هو المرتد حقًّا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحن نحيِّي فيك روح الجد والبحث والاجتهاد في التعرف على الحق، وقد أحسنتِ غاية الإحسان في نبذك للمصادر التي تكتب معلومات زائفة عن الإسلام، وإن أصول البحث العلمي المنصف تقتضي أن تؤخذ المعلومة عن الشيء من مصادره، لا من مصادر شانئيه وأعدائه، وقد أحسنتِ في مراسلتنا للبحث عن المعلومة الصحيحة عن الإسلام، ولن نألوا جهداً في الرد على استفساراتك، والسير معك في بحثك عن الحق، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تسلكي الطريق المنجي لك في الآخرة، وهو طريق الأنبياء والمرسلين، والذين بعثهم الله تعالى ليدلوا الناس على الصراط المستقيم الذي يوصلهم لرضوانه تعالى وجنته.

ثانيًا:

وأما الزعم بأن الإسلام لا يقبل النقاش في مسائل العقيدة، وأنه يعد ذلك ردَّة: فهو من الافتراءات العديدة عن الإسلام، والتي يروجها أعداؤه؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين الذي ختم الله تعالى به الأديان، وليسيئوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به رسله الكرام، وأرسله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا.

واعلمي أيتها السائلة أنه يحسن بنا أن نجلي الأمر لك على أتم وجه، فنقول:

  1. ينقسم السائلون والمناقِشون لمسائل الاعتقاد في الإسلام إلى قسمين:

الأول: يسأل ويناقش باحثًا عن الحق، أو طالباً لإزالة الشبهة من قلبه، أو راغباً في تقوية الحق الذي هو عليه، أو مستفسرًا عن شيء يجهله.

فمثل هذا السائل أو المناقش يُسمع له، ويُجاب عن أسئلته، ويزال ما عنده من شُبَه، بالعلم المؤصل بالأدلة الشرعية من القرآن والسنَّة.

وإنما يتولى هذه الإجابات لأولئك السائلين والمناقشين: أهل العلم، وقد أمر الله تعالى مَن جهل شيئًا بدينه أن يسأل أهل العلم، وقد توعد الله تعالى كل من يُسأل عن شيء يعلمه فكتمه بالوعيد الشديد، فمن حق الجاهل بالشرع أن يسأل، ومن واجب العالِم أن يجيبه.

فقولك أيتها السائلة: ” ومن يتولى الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي تتعلق بالعقيدة؟ “: فالجواب عليه في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) النحل/ 43، والسؤال هنا إنما هو مسألة اعتقادية، وهي كون رسل الله تعالى كانوا رجالًا، وهي آية عامة تشمل السؤال عن مسائل العقيدة وغيرها.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الله تعالى أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) الأنبياء/ 7، وواضح أننا نسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسلَ رجالٌ : هو من العقيدة، ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 311 ).

وقولك: ” فإذا كان الشخص في شك من بعض المسائل فمن يجيبه ويعينه في رفع الالتباس؟ “: فالجواب عليه في القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) يونس/ 94.

وهذه الآية خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به أتباعه، فلا هو بالذي شك، ولا بالذي سأل، وأما نحن فمن شكَّ منَّا في شيء فليسأل أهل العلم ليزيلوا له إشكاله.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

التحقيق: أن الخطاب في قوله: ( إِنْ كُنْتَ فِي شّكٍّ ) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به: من يمكن أن يشك في ذلك من أمته.

” أضواء البيان ” ( 7 / 165 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وإذا كان هذا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يَشُكَّ: فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين: فنرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب، أي: إلى أهل العلم؛ لنأخذ بما يقولون، وهذا عام يشمل مسائل العقيدة.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 311 ).

 

 

الثاني: يناقش من أجل المماراة ، والمجادلة الفارغة، ومن أجل تشكيك المسلمين بدينهم واعتقادهم، ولإدخال الشبَه في قلوبهم وعقولهم.

وهذا الصنف من الناس يمكن للعالِم أن يتجاهله ولا يناقشه، وقد يجب عليه أحياناً تجاهله إن رأى في ذلك ردعاً له وتبكيتًا، ومثل هؤلاء يضيعون الأوقات الثمينة، ويتسببون في فتنة الناس وتشكيكهم في أصول دينهم، ولو كانوا باحثين عن الحق لوجب احترامهم، وللزم العالِم أن يجيبهم على مسائلهم، ولكنهم ليسوا كذلك.

  1. وتنقسم المسائل العقيدية في الإسلام إلى قسمين:

الأول: مسائل قطعية لا شك فيها، ثبتت باليقين، ولم يختلف فيها علماء الإسلام، كوحدانية الله تعالى، والإيمان بالملائكة، والنبيين، واليوم الآخر، وغير ذلك مما هو مثلها.

وهذه المسائل لا مجال للنقاش فيها، ولا مجال لرأي آخر فيها، ومن حق السائل أن يعلم حكم الله تعالى فيها، وليس له أن يعترض عليها أو ينقضها أو يتبنى قولاً آخر فيها.

الثاني: مسائل ظنية الثبوت، اختلف فيها علماء الإسلام، وحصل فيها بينهم نقاش، ومدارسة، للوصول إلى الصواب من القولين.

 

ومثل هذه المسائل لا مانع من النقاش فيها، والاختلاف حولها، وقد اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، فالنقاش فيها ليس كالنقاش في القسم الأول، ومن أمثلتها: اختلاف العلماء في عذاب القبر هل هو على البدن أو على الروح؟ والاختلاف في الذي يوزن يوم القيامة هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟ واختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه في المعراج هل رآه بعينه أو رآه بقلبه؟ فكل تلك المسائل – ومعها غيرها مثلها – مما وقع فيه الاختلاف بين العلماء، وليس كونها من مسائل العقيدة أنه يمنع النقاش فيها، والحوار حولها، ويعبِّر بعض العلماء عن هذه المسائل بمصطلح ” فروع العقيدة “، بينما يطلق على القسم الأول مصطلح ” أصول العقيدة “، ولا يهم التسمية، وإنما المهم أنه يوجد في الإسلام مسائل في العقيدة، ويُقبل فيها النقاش والأخذ والرد، وأما مسائل القسم الأول فيَسأل عنها مَن كان جاهلًا بها، وإذا عرف قدرها في الشرع ومنزلتها لم يسعه إلا التسليم والاعتقاد.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وأما الردَّة فنلخص أمرها لكِ في نقاط:

  1. الردة هي: الخروج من الإسلام بفعل أو ترك يوجب ذلك، وقد تكون بالقلب أو اللسان أو العمل.
  2. ليس كل مسلم وقع في الكفر يكون كافرًا مرتدًا، فهناك أعذار قد يعذر بها المسلم ولا يحكم بكفره ، منها الجهل، والتأويل، والإكراه، الخطأ .
  3. المرتد لا يقتل مباشرة بعد وقوعه في الردة، لا سيما إذا كانت ردته بسبب شبهة حصلت له، بل يُستتاب ويعرض عليه الرجوع إلى الإسلام وتزال شبهته – إن كان عنده شبهة – فإن أصر على الكفر بعد ذلك: قُتل .
  4. وقد تسألين لمَ شُرعت الردة في هذا الدِّين؟ فنجيبكِ:

جاءت هذه الشريعة المطهرة لإصلاح الفرد والمجتمعات إلى يوم القيامة، وفي ضمن ذلك كان فيها من الأحكام ما يحفظ على الناس دينهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وأموالهم، فشرع حد السرقة وهو قطع اليد حفظًا لأموال الناس، وشرع تحريم الانتحار حفظًا لأبدانهم، وشرع حد القذف وحد الزنا حفظًا لأعراض الناس، وشُرع حد الخمر حفظاً لعقولهم، وشرع حد الردة حفظاً لدينهم! وقد تتساءلين كيف هذا؟ فنقول: إنه لو كان يجوز لكل أحد يدخل الإسلام أن يخرج منه باختياره: لكان في ذلك تشكيك للناس في دينها، وزرع للريبة في قلوبهم، ولكان في مقدور طائفة من الحاقدين على الإسلام أن تعلن إسلامها، وتبين جوانب عظمة الإسلام للناس، ثم تعلن بعد أيام أنها وجدت الإسلام دين تخلف وإرهاب – على حد زعم المبغضين لهذا الدين -، وهكذا في كل مرة يتفق مجموعة من أعداء الإسلام على الفعلة نفسها، وقد جاء في القرآن الكريم ما بيَّن الله تعالى به ذلك على لسان أعداء الإسلام، فقال تعالى عنهم ( وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) آل عمران/ 72.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دِين المسلمين، ولهذا قالوا: ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ).

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 59 ).

 

 

 

أرأيتِ كيف يكيد أعداء الإسلام للإسلام والمسلمين؟ أرأيت كيف حفظ الله دينه بهذا التشريع الجليل – حد الردَّة -؟ فالإسلام لا يتعرض لغير المسلمين المحاربين بالقتل، ولا يجيز ذلك، ولهم أن يختاروا ما يشاؤون من الأديان، لكنهم إن دخلوا في الإسلام فيجب عليهم الالتزام بأحكامه وتشريعاته، ومن ضمن ذلك حد الردة، وفي نهاية الأمر هو لصالح الإنسان نفسه، فإن بقاءه في الإسلام فيه الخير له، وليس كل أحدٍ يوفَّق للدخول في الإسلام، لكنَّ الله تعالى وعد بأن يدلَّ الراغب بالحق على طريقه، وأن يهديه ويوفقه، وما نراكِ إلا من هؤلاء، فنسأل الله تعالى أن يهديكِ وأن يوفقك للاستقامة على دين الله تعالى، ونحن على أتم الاستعداد لإجابتك عما تريد معرفته حول الإسلام وأحكامه وتشريعاته.

 

والله أعلم.

 

التعليق على ما يسمى ” رابطة الرقاة ” وبيان حال صاحب فكرتها

التعليق على ما يسمى ” رابطة الرقاة ” وبيان حال صاحب فكرتها

السؤال:

وجدت هذا الموقع للرقية، واسمه ” رابطة الرقاة “.

http://www.alroqia.info/RabitatAlroqat.htm

ومن هذا الموقع ما يلي:

كيفية الانضمام للرابطة:

يكون الانضمام لرابطة الرقاة بالتوجه بنية صادقة لله بالدعاء التالي: ( اللهم يا عالم بمكاني وسامع دعائي وشاهد عليّ ووكيلي، سجل اسمي عندك في رابطة الرقاة ووجه من الآن وحتى مماتي ذِكري وعبادتي لجلالك، إلى حيث توجه رقية ” رابطة الرقاة ” لتحرق السحرة والشياطين وأئمة الكفر والظالمين ).

وهذا التسجيل يتم مرة واحدة في العمر، ولا داعي لتكراره؛ لأن الله لا يغفل ولا ينسى، وحيث أن الله لا يعين على الشرك ولا على الضلال: لذلك فلا خوف مع توكيل الله المطلع على الأسرار في توجيه الرقية لتحرق الشياطين وأئمة الكفر.

ماذا تكسب بانضمامك إلى رابطة الرقاة:

تكسب طاقة عالية جدًّا ناتجة عن مجموع طاقة ” رابطة الرقاة ” أثناء الرقية العالمية مما يجعل قدرتك على هزيمة الشياطين المسلطين عليك أسهل، ومع نظام العلاج بالتقوى والقرآن نتحدى بعون الله الكثير من الأمراض.

( اطلب نسختك المجانية بالإيميل من كتيب ” العلاج بالتقوى والقرآن الكريم ” ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يُعرف كاتب ” برنامج الرقاة ” والداعي إلى الانضمام إلى ” رابطة الرقاة”، وهو يعرِّف نفسه بأنه ” أبو عمر ” مهندس طاقة، وهذا لا يرفع جهالته، وقد رأينا منه جهلًا وضلالًا وابتداعًا، أما الجهل: فواضح أنه لا يُحسن الإملاء فضلًا عن النحو، فثمة أخطاء كثيرة من ذلك في كتاباته التي تتبعناها في أكثر من موقع، وانظر الدعاء الذي من أهل الأرض أن يرددوه وهو ” اللهم يا عالم بمكاني وسامع دعائي وشاهد عليّ “! وصواب العبارة: ” اللهم يا عالماً بمكاني وسامعاً دعائي وشاهداً عليّ”، وسيأتي ذِكر نماذج أخرى، ومن يجهل مبادئ الكتابة الإملاء فهو لغيره أجهل.

وأما ضلاله: فهو طعنه بالسلف وأتباعهم من العلماء السلفيين، وقد سماهم بـ ” المرجفين “! وأنهم من جنود ” إبليس واليهود والصليبيين “! ومن أخطر ما قال – عليه من الله ما يستحق ” أن قول ” كل بدعة ضلالة ” هو من ” المفاهيم الشيطانية “! وهذا يدل على تعمقه في الضلال بما يوصله إلى الكفر، وقد تعدى كثيرًا حتى أخبر الناس أن حكم أولئك ” المرجفين ” في شرع الله هو القتل! وله غير ذلك من أوابد تدل على ضلاله وانحرافه عن السنَّة، ومثل هذا الضال لا يكون أهلاً للتكلم في دين الله تعالى، فضلًا أن يكون منظِّراً لمسائل جليلة من الشرع.

وهذه بعض عباراته بالنص:

  1. ” وأقوى آلية يستخدمها هذا الثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين ” هم المُرجفون.
  2. ” والمُرجفون هم قوم ممّوهون بالثوب الإسلامي، يدّعون أنهم أتباع السلف وأهل السنَّة والجماعة “.
  3. ” وخدمةً للثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين ” هاجم المرجفون كل مُجاهد، أو ذاكر لله تعالى، فما تركوا مُجاهد – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – لليهود أو للصليبيين إلا وتعدوا عليه، وشاعوا الفساد في الأرض، وأقاموا الحروب على قراءة القرآن الجماعية، وصلاة التراويح، والتهليل الجماعي يوم العيد “.
  4. ” وتأملوا كل فتوى وكل عمل منهم تجدوه – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – يصب في كفة ميزان ثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين “.
  5. والمُرجفون جُلُّ همهم بث الوساوس في الدين بمفاهيم شيطانية هي: ” كل بدعة ضلالة “.
  6. ” والمُرجفون يحملون نفس صفات الثالوث ” إبليس واليهود والصليبيين ” فهم يُصعقوا – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – بالجهاد أو بِذكر الله تعالى وخاصة جماعة .
  7. ولقد أخبرنا الغالي الحبيب صلى الله عليه وسلم عن المُرجفين، بل وأصدر حكم – ( كذا كتبها ذلك الجاهل ) – بقتلهم.

وكل ما سبق – وله غيره من مثله –  يدل على ضلال الرجل، وشدة بغضه للسنَّة وأهلها، ولا ندري كيف لرجل يريد جهاد المفسدين في الأرض وحرق الشياطين وهو يخفي اسمه؟!.

وأما ابتداعه: فيدل عليه ما جاء من أذكار وأوراد مبتدعة، فقد اخترع أورادًا وجعل لها عددًا معيَّنًا، وتقال في وقت معيَّن، وفضَّل أن يكون ذكرها جماعة!، وبدعته الكبرى هو ما سماه ” رابطة الرقاة “! ودعا فيها الراغبين في محاربة الشياطين أن يسجلوا اسمهم فيها، وعند من يتم التسجيل؟ إنه عند الله!! فطلب مخاطبة الرب تعالى والطلب منه أن يسجل اسم هذا الراقي عنده في ” الرابطة “! وهذا من الاستهزاء العظيم بالرب تعالى، وعدم تقدير الله حق قدره، فضلًا عن الابتداع في الدين.

 

 

 

وهذه بعض عباراته بالنص:

  1. ” يكون الانضمام لرابطة الرقاة بالتوجه بنية صادقة لله بالدعاء التالي: ( اللهم يا عالم بمكاني وسامع دعائي وشاهد عليّ ووكيلي ) سجِّل اسمي عندك في رابطة الرقاة “!!.
  2. ” اقرأ مع رابطة الرقاة كل ليل جمعة ” وهو الليل المحصور بين نهار الخميس والجمعة ” بعد صلاة العشاء: الرقية من الأمراض والشياطين وأئمة الكفر، وفي وسطه وعندما تصل إلى الفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والفلق والناس والصلاة على الحبيب – صلى الله عليه وسلم – كرر ما استطاعت، وإذا لم تستطع فاقرأ: الفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والفلق والناس ثم: ” اللهم صلِ وسلم وبارك في كل لمحةٍ ونفَسٍ بعدد كل معلومٍ لك على عبدك وحبيبك سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وأتباعه. ” كرر ما سبق قدر استطاعتك ، والتدبر خير من التكرار “.
  3. ” كما نرجو من الراقي الالتزام بموعد الرقية الجماعية الأسبوعي وهو الساعة 9 بتوقيت مكة ليل كل جمعة ” هو الليل المحصور بين نهار الخميس ونهار الجمعة “، ولقد حاولنا جمع الناس على موعد مشترك لأن القراءة الجماعية بها طاقة أعلى! والله المستعان “.
  4. ” والرقية هي قراءة مئة مرة الفاتحة ثم مئة مرة آية الكرسي ثم مئة مرة الإخلاص ثم مئة مرة الفلق ثم مئة مرة الناس ثم مئة مرة ” اللهم صلِ وسلم وبارك في كل لمحة ونفس بعدد كل معلوم لك على عبدك وحبيبك سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وأتباعه “
  5. ” حِزْبُ الِوقَايَةِ لِمَنْ أرَادَ الِولاٰيَةَ “:

بِسْمِ اللهِ الرَحْمٰنِ الَرحِيمِ

اَلَلٰهُمَ يَاَ حَيُ يَاَ قَيُومُ بِكَ تَحَصّنْا فَاحْمِنِا بِحِمَاَيَةِ كِفَايَةِ وقَايَةِ حَقيِقَةِ بُرْهَانِ حِرْز آَمَانِ بِسْمِ اللهِ، وأَدْخِلْنِا يَا أَوّلُ يَا آَخِرُ مَكْنُون غَيِب سرّ دَاِئرِة كنْزِ مَا شَاَءَ اللهُ لاَ قوَّةَ إِلاَ بِاللهِ، وَأسْبُلْ عَليَّنا يَا حَلِيمُ يَا سَتَارُ كَنَفَ سِتْرِ حِجَابِ صِيَانِة نَجَاَةِ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ، وَابْنِ يَا مُحِيُط يَا قَاَدِرُ عَلَيَّنا سُوَر أَمَانِ إحَاطِة مَجْدِ سُرَادِقِ عِزّ عَظَمةِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللهِ ….

وله غير ذلك من البدع والإحداث في الدين كثير، واقتصرنا على ما يبين للمسلمين حال الرجل وحكمه في شرع الله.

فالرجل جاهل بالشرع، ضال في الفكر، ومبتدع، ومثله يجب التحذير منه، ولا ينبغي لأحدٍ الاغترار بما يكتبه في كل مكان من مواقع الشبكة العنكبوتية، ولن يجد المسلم العاقل عناء في تبين حال الرجل إذا اطلع على بعض ما نقلناه عنه، فكيف إذا اطلع عليه كله؟!.

 

ثالثًا:

وله مزاعم بنى عليها أصل ضلاله وابتداعه، ومن أهمها:

  1. زعمه بوجود طاقة عند قراءة القرآن، وهذه الطاقة يمكن تخزينها، ومن ثم توجيهها للمفسدين في الأرض من الجن والإنس!.

قال:

” ولتبسيط الفكرة فإن القرآن الكريم يُنتج طاقة يمكن توجيههًا وتخزينها  – والله على كل شيء قدير – ولا يوجد أي ضرر بأن يقرأ المرء القرآن متوكلا على الله في توجيه طاقة القرآن إلى حيث يعلم الله، ذلك أن التوكل على الله حصن، فالله لن يُعين على شرك أو ضلال أو فساد ”  انتهى.

وهذا زعم ليس له أساس من الصحة، وأثر القرآن لا يُنكر، لكن ليس بتلك الصورة التي يصورها ذلك الرجل.

فهو قد صوَّر المسألة على أنها ” حرب “! فالرقاة منهم الأسلحة، وعلى الرب تعالى أن يوجه تلك الأسلحة للمفسدين في الأرض!! والتأثر بالرسوم المتحركة واضح في هذه الفكرة التي اخترعها ذلك الرجل!.

  1. زعمه أن الرقية الشرعية مِن جميع مَن في الرابطة ينتفع بها الرقاة جميعًا، وأهليهم، وذرياتهم! مستفيدين من الطاقة القرآنية التي تجتمع من قراء الرابطة!.

كما أنه يبشِّر الرقاة في الأرض والمجاهدين في سبيل الله في أي مكان أنه سيصلهم من فوائد رقية أعضاء الرابطة!.

قال:

أ. ” ويستفيد المرتبط بالرابطة بأنه يكون تحت الرقية على مدار الساعة؛ ذلك لأن كل عبادة – من ذِكر أو صلاة أو غيرها – من أي راقي بالرابطة ترقي كل فرد بالرابطة ! فالكل يرقي الكل، وبهذا يكون بحالة وقاية دائمة من الشياطين والأمراض “.

ب. ” ورابطة الرقاة هي رابطة تعتمد بالمطلق على قدرة الله وحوله وقوته حيث يوجه ويجمع الله طاقة قراءة الرقاة، ويوجهها بعلمه وحوله وقوته إلى حيث يعلم هو سبحانه ، بحيث يتم رقية أعضاء رابطة الرقاة ووالديهم وأزواجهم وذرياتهم وأزواج ذرياتهم وأرزاقهم ومصالحهم، وكل راقي على وجه الأر ، وأي مجاهد في سبيل الله هو وذويه … “.

والرقية الشرعية ليست بتلك الصورة الساذجة التي يدعيها، فهي لا تكون عامَّة، بل موجَّهة للمريض نفسه.

ومن أراد الرقية الشرعية على أحد فلا تكون عبر شريط تسجيل، ولا تكون عامَّة حيث يوجد مريض، بل تُقرأ مباشرة على المريض نفسه، وبنية علاجه بالقرآن.

 

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الرقية بفتح جهاز التسجيل: خلاف الأصل الشرعي، فالرقية بواسطة جهاز التسجيل: أمرٌ محدثٌ، لا يجوز شرعًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 85 – 87 ).

وقالوا:

الرقية لا بد أن تكون على المريض مباشرة، ولا تكون بواسطة مكبر الصوت، ولا بواسطة الهاتف؛ لأن هذا يخالف ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وأتباعهم بإحسان، في الرقية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 91، 92 ).

  1. زعمه أن قراءة القرآن تنفع في القضاء على المفسدين في الأرض وعلى الظالمين!.

قال:

أ. ” … وكل أئمة الكفر، وبالاتكال على الله الذي قال: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا ) الإسراء/ 82، فإنه يتم شفاء المؤمني، وتدمير الظالمين، ولفظ الظالمين هو لفظ يشمل ظلمة الكفار والمسلمين ”

ب. ” فما المانع من توكيل الله في توجيه طاقة الرقية إلى حيث يعلم ؛ لقتل الشياطين، وأئمة الكفر؟ “.

وقراءة القرآن ليس لها أثر في القضاء على المفسدين في الأرض، وإنما العمل بالقرآن هو الذي له أثر في ذلك، فالقيام بدعوة المفسدين، ونصحهم، وتذكيرهم، وإقامة الحجة عليهم: هو الذي له أثر في هدايتهم، وتغيير حالهم بإذن الله، كما أن جهادهم وقتالهم له أثر كذلك إن لم ينفع وقف إفسادهم إلا به، وأما مجرد قراءة القرآن للقضاء على المفسدين في الأرض فهو فكرة ساذجة تخديرية تصب في نهاية المطاف في صالح أولئك المفسدين حيث لا يأتيهم ناصح ولا يجاهدهم مجاهد، كما أن قارئ القرآن يعتقد أنه أدَّى ما عليه تجاه أولئك المفسدين بقراءته المجردة! وهذا هو الذي يخدم الثالوث! لا ما نقوله نحن.

  1. والزعم بأن الجن يحترق بالقراءة هو زعم يزعمه بعض الرقاة، ولا أصل له في الشرع، وهو غيب لا يستطيع أحدٌ منهم أن يثبته، فالجن عالَم يرانا ولا نراه، فمن أين لهم أنه احترق برقيتهم وقراءتهم؟.

 

* سئل الشيخ الألباني – رحمه الله -:

هل ثبت في السنَّة الصحيحة أن القرآن يحرق الجن؟ وكذلك الجني الذي يصرع الإنسان إذا أُمر بالخروج فلم يخرج هل يحرقُه القرآن؟.

فأجاب:

لا أعلم شيئًا من هذا في السنَّة أن تلاوة القرآن تحرق الجنيَّ المتلبس بإنسان، لكنَّ الذي نعلمه أن القرآن الكريم – كما قال رب العالمين – ” فيه شفاء للناس “، و ” هو شفاء لما في الصدور “… – وذكر حديثاً في إخراج النبي صلى الله عليه وسلم جنيّاً من طفل مجنون -.

فهذا ثابت في السنَّة أن القرآن يفيد في إخراج الجني المتلبس بالإنسان ، وهذا حديث شاهد على ذلك ، ….

أما أن القرآن يحرق الجني: فهذا شيء ما سمعتُ به، ولا عرفتُه، ولا أظنه أنه يمكن أن يصح. ” فتاوى جدة ” ( شريط رقم 16، وجه أ ).

 

فالواجب الحذر من كتابات ذلك المهندس الذي يُكنى ” أبو عمر “، وعدم الالتفات لدعاواه ودعواته، وليلزم المسلمون غرز علمائهم الثقات الأثبات الذين يعرفونهم، ولا ينبغي تقديم مثل هؤلاء الجهلة المجاهيل عليهم.

 

 

والله أعلم.

شكوى من زوجة معدد، وبيان لطائفة من مسائل فقهية في التعدد

شكوى من زوجة معدد، وبيان لطائفة من مسائل فقهية في التعدد

السؤال:

أنا امرأة متزوجة منذ 20 سنة، ولي خمسة أبناء، وأقيم أنا وزوجي وأولادي في المدينة التي يعمل فيها زوجي، وهي بعيدة عن إقامة أهلي وأهله، حرمت نفسي كل هذه السنوات من معظم كماليات الحياة ( من لباس وطعام وحلية … ) من أجل أن يجمع زوجي المال الكافي لشراء سيارة نستطيع أن نسافر بها إلى أهلنا بدون عناء.

وبعد كل هذه المدة تزوج زوجي بامرأة ثانية تقيم بهذه المدينة، وأنجب منها ولدين، وأسئلتي في أمور مختلفة كالتالي:

  1. هل يجوز لزوجي أن يستعمل سيارتنا ليسافر مع زوجته الثانية والتجول معها وقضاء حاجياتها؟.
  2. هل يجوز له إن أردتُ الذهاب لزيارة أهلي أن يجعل هذا السفر بالتداول مع الزوجة الثانية، أي: أنه لا أستطيع السفر إلى أهلي مرة تلو الأخرى حتى يسافر معها في السيارة لأي غرض ما ثم بعد ذلك يأتي دوري في السفر، وهذا حتى ولو كنت مدعوة لوليمة أو زفاف أو غيرها من الأسباب، مع العلم أن الزوجة الثانية تقيم أمام أهلها وتزورهم متى شاءت، أما أنا فبعيدة عن أهلي، فهل هذا عدل؟.

والآن أصبح زوجي يرغمني على استعمال وسائل النقل العمومية للسفر مع أولادي الصغار، ولا يريد استعمال سيارتنا التي طالما ضحيتُ من أجل أن نشتريها لكي تسهل علينا شقاء السفر، ( وذلك ليتفادى المشاكل )، هل يجوز له ذلك؟.

  1. هل يحق لزوجي بأن يأخذ أشياء من بيتي لكي يستعملها في بيته الثاني، مع العلم أن هذه الأشياء أردنا في وقت ما أن نبيعها لنشتري أغراض أخرى تحتاج إليها العائلة؟ وهل يحق له أن يشتري آلات جديدة لزوجته الثانية دون أن يفكر في تغيير آلاتنا القديمة ( التي يومًا تعمل ويومًا لا تعمل ).
  2. هل عدلٌ من زوجي أنه عندما يشتري كمية من الطعام أو الفاكهة التي تكفي أسرته الثانية المتكونة من الأبوين و طفلان لم يتجاوزا 3 سنين فإنه يشتري نفس الكمية لأسرتنا المتكونة من الأبوين و 5 أشخاص يتراوح عمرهم بين سنتين و 23 سنة؟.
  3. هل يجوز لزوجي بأن يدخل زوجته الثانية في بيتي وهذا في غيابي وبدون موافقتي ويسمح لها بتغيير أشياء من موضعها؟.

وأخيرًا أشكركم على هذا الموقع الإسلامي، وعلى الفتاوى القيمة، وبارك الله فيكم.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر الأخت السائلة على ثقتها بموقعنا، وعلى حسن ظنها به، كما نشكر لها سؤالها عن دينها وتحريها حكم الله، وهو يدل – إن شاء الله – على دين وعقل رزقها الله إياهما، فنرجو الله تعالى أن يوفقها لالتزام حكمه، وأن يوفقها لما فيه رضاه، وأن يجمع لها بين سعادة الدنيا والآخرة .

ثانيًا:

وقوفك أيتها الزوجة السائلة مع زوجك، وتوفيرك للنفقات من أجل شراء سيارة: مما يُشكر لك، ويُثنى عليك من أجله ، لكن هذا لا يجعل السيارة التي اشتراها زوجك ملكًا لك، ولا هي شراكة بينك وبينه، وإنما يكون لك من الملكية فيها بقدر ما دفعتِ من ثمنها، ولم تذكري شيئاً من ذلك، فتكون السيارة ملكاً شرعيًّا لزوجك، وهو قبل أن يتزوج بأخرى لا بدَّ أنه كان يقضي بها حوائج لنفسه، ولا نظن أنك كنت تنكرين ذلك عليه بحجة أنك وفَّرت من كمال معيشتك لأجل شراء السيارة، والظاهر أنك لم تفعلي هذا إلا بعد أن تزوج! وهذا أمر نعرفه في عالم الزوجات.

وعليه: فالسيارة ملك له، ولا حرج من استعمالها في توصيل زوجته الثانية بها، وليس ثمة مجال للإنكار عليه.

ثالثًا:

سفر الزوج المعدِّد ليس فيه قسمة بين زوجاته، وهو على حالين:

الأول: أن يكون سفرًا مطلقًا، وهنا يجب عليه أن يُقرع بين نسائه اللاتي يرغبن بالسفر معه، واللاتي يمكنهن ذلك حقيقة، فمن خرجت قرعتها سافر بها، ولا يقضي للتي بقيت، ويفعل هذا في كل سفرٍ يسافره حتى لو تكرر خروج القرعة لواحدة بعينها أكثر من مرة.

الثاني: أن يكون سفرًا لحاجة إحدى نسائه، كأن ترغب في السفر إلى أهلها، أو للعلاج، أو لحاجة غير ذلك، فهنا يسافر بها، ويقضي للتي بقيت.

وإن سافرت وحدها – دون زوجها – لحاجتها: فلا تُحسب مدة سفرها لها، وليس عليه أن يقضي لها أيام سفرها لها إن رجعت.

وعليه: فليس للزوج أن يمتنع من السفر بك إلى أهلك إلا بعد أن يسافر بالزوجة الأخرى، فليس هذا من العدل الواجب عليه، بل إنه يجلب مضرة وظلمًا، فيسافر بك إلى أهلك إن استطاع وتيسر له ذلك، ويقضي للأخرى الأيام التي يقضيها معك في السفر، وإن أوصلك ورجع، أو سافرتِ مع أحدٍ غيره: فليس لك مطالبته بالأيام التي غبتِ فيها في سفرك ذاك.

والعدل الواجب على المعدِّد هو: أن يعدل في نفقته على نسائه، وفي المبيت، وفي السكن، وفي الكسوة.

رابعًا:

ولا يجوز لزوجك أن يسمح بسفرك مع أولادك الصغار فقط، وليس لك أن تفعلي ذلك؛ فسفرك إن لم يكن فيه معك محرَم من الرجال: كان سفرًا محرَّمًا، وأثمتِ فيه أنت زوجكِ.

خامسًا:

والأغراض التي في بيتك إن كان شيء منها لك تملكينه على الوجه الشرعي: فلا يحل لزوجك أخذه إلا بإذنك، وعن طيب نفسٍ منك، وأما إن كانت تلك الأغراض ملكًا له: فهو يتصرف بها كما يشاء، لكن لا يتصرف على وجه يكون فيه ظلم أو حيف، وليس من العدل أن يُنقِص من أغراض بيت لحساب بيته الآخر، بل ينبغي أن يكون تصرفه خالياً من الظلم والميل، ويكون وفق المصلحة وعلى حسب القدرة، ومن الطبيعي أن تكون أغراض البيت الأول أقدم من أغراض البيت الثاني بسبب قدَم الزواج الأول وحداثة الزواج الثاني، لكن لا يعني هذا أن لا يجدد أغراض البيت الأول إن تعينت الحاجة لذلك، ولا يعني أن يُنقِص منه ما يحتاجونه منها، وعلى كل حال: فالمسألة تحتاج لتقوى، لا لفتوى، ففروع هذه المسائل كثيرة ومتعددة، ومن كان من الأزواج المعددين صاحب تقوى: عرَف ما أوجبه الله عليه فالتزم به، وما نهاه عنه فانتهى وتصرف في أموره الأخرى وفق المصلحة وعلى حسب القدرة دون أن يكون في تصرفه ميلٌ لجهة دون أخرى، ولا هضم لحق واحدة على حساب الأخرى.

سادسًا:

ومما يجب على الزوج المعدد: النفقة على زوجاته باعتباره زوجًا، وعلى أهل بيته باعتباره أبًا، ونعني بالنفقة الواجبة: أن يُنفق على كل بيتٍ ما يحتاجه أهله، ولا شك أنه سيحصل تفاوت في تلك النفقة تبعاً لحجم الأسرة، وأعمار أفرادها، والمهم في ذلك أن يوفِّر لكل بيت حاجته من الطعام والشراب وضروريات الحياة، ولا مانع أن يزيد في النفقة لبيت دون الآخر بشرط أن يكون ثمة مسوغ لهذه الزيادة، كأن يكون استقبال ضيوفه في ذلك البيت، أو يكون أفراد الأسرة أكبر حجمًا، أو تكون الزوجة أو أولادها يطرق بابَهم زوارٌ كُثر يحتاجون لضيافة، وهكذا في أسباب كثيرة متعددة تجعل صاحب البيتين يقدِّر حاجة بعضهم أكثر من الآخرين.

وننصح الأخت السائلة أن تتعالى عن الفتش والبحث فيما يحضره زوجها لبيتها الثاني، وأن تطلب منه حاجة بيتها هي وأولادها، دون النظر إلى ما يأتي به للأخرى؛ فإن هذا أدعى لسلامة قلبها من المرض، ولعقلها من الانشغال بتوافه الأمور، وأدعى لتجنب المشكلات بينها وبين زوجها، وأنتِ قد ذكرتِ أن زوجته الأخرى يعيش أهلها بقربها، ألا تظنين أنه ثمة حاجة لأن يزيد زوجك في تلك النفقة من أجلهم ، أو من أجل أقربائها الذين يزورونها؟.

سابعًا:

وإذا أراد الزوج تجنب المشكلات في حياته الزوجية: فلا نرى أن يُدخل إحدى زوجتيه على بيت الأخرى إلا بإذنها، وأما أن يُدخلها ويجعلها تغيِّر في أثاث البيت وترتيبه: فليس له ذلك، وهو بفعله ذلك يكون ظالماً لصاحبة البيت؛ فالبيت هو مملكة الزوجة، وهي ترتبه وتعتني بها، فدخول ضرتها عليه دون علمها، وتغييرها في ترتيبه: يُنقص من قدرها، ويوقع الظلم عليها، فليتجنب الزوج فعل ذلك ولا يفتح على نفسه أبوابًا مغلقة من المشكلات مما هو في غنى عن الانشغال بها، ومما يوقع العداوة والبغضاء بين زوجتيه وقد يؤثر ذلك مستقبلًا على علاقة أولاده من كلٍّ منهما بعضهم  ببعض، فيحصل بينهم – لا قدَّر الله – عداوة وبغضاء.

ونسأل الله أن يصلح حالكم وبالكم، وأن يوفقكم لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

هل أطلق زوجتي بسبب والدتها وتأثيرها على ابنتها؟

هل أطلق زوجتي بسبب والدتها وتأثيرها على ابنتها؟

السؤال:

في البداية أحب أعرِّف ببعض المعلومات عني أنا ( … )، وعمري 29 سنة، أعمل مهندسًا وبشهادة الجميع أنا منظم جدًّا، وأحب النظافة والهدوء، ومتزن في تصرفاتي وعقلاني، وأحب الوضوح والصراحة والحب الحقيقي، وأكره صداقات المصلحة لكني قد أُستثار بسهولة عندما أعتقد أنه شخص يحاول الاستخفاف بي أو عدم تقديري، في الغالب أكظم غيظي وأتجاهل الموضوع، لكن المشكلة عندما تصدر من خطيبتي التي أعترف بخطئي أنني أعطيتها كل حبي وأمطرت عليها الهدايا بشكل سريع وفي فترة قصيرة.

في الحقيقة أنا خاطب وكاتب كتابي على فتاة عمرها 17 سنة، عقلها وتصرفاتها تكاد تكون بيد والدتها، بمعنى: أن زوجتي لا تخرج من بيت أهلها ولا تختلط بالناس، وإن والدتها هي المديرة لكل أمورها حتى بعد زواجي منها وهي في بيت أهلها الآن، وقد اقترب موعد حفل الزفاف، والدتها تستمع لمكالماتنا الهاتفية، وتفتش بجوال زوجتي، وتأمرها بالرد عليَّ بناءً على أفكارها ومعتقداتها، باختصار: البنت مسلوبة التفكير والإرادة لوالدتها ، حاولت توجيهها ونصحها بعدم إفشاء ما يحدث بيننا ومحاولة تجنب معرفة أهلها لكن لا فائدة، أمامي تُظهر لي عدم إفشاء الأمور، ولكن أكتشف من حديثي مع والدتها ومن تصرفات خطيبتي لاحقا أنها أفشته، وتغير قناعتها ورأيها على الذي كنا قد اتفقنا عليه سابقا بناءً على توجيه والدتها للموضوع، وفي بعض الأحيان تصلني رسائل أكبر من عمرها أعرف أنه تدخل والدتها، عندما أناقش خطيبتي عنه في الهاتف ترتبك ولا تعرف كيف تتصرف لأن الرسالة ليست من مستوى عقليتها. آسف للإطالة.

مشكلتي باختصار: أن البنت عنيدة، وعصبية – نوعًا ما -، ولا تحب أن أصارحها بشيء، وتزعل كثيرًا، ومشاعرها جافة جافة، ولا تسأل عني، وفوق هذا: أنها غير متجاوبة، وتستسلم لأوامر والدتها بالكامل، وإن والدتها عصبية جدٍّا، وتحقد وتكره من لا يطعها، حتى لو أطعتها بـ 99 أمرًا وخالفتها في أمر واحد: تحقد عليَّ وتكرهني وتنكد على زوجتي، وهذا يجعل زوجتي تنظر لي بأنني المتهم في زعل والدتها، ويزيدها جفافا على جفاف.

الآن خطيبتي ( زوجتي ) تقول: إنها تحبني لكن لا تسأل عني، ولا حتى ترسل لي أي رسالة، إذا أنا بادرت ترد عليَّ بإجابة على سؤالي دون سؤال عني، ومن أقل شيء يزعلها مني تصبح عنيدة وجافة في تعاملها معي.

هل أطلقها؟ أم أصبر ويكون لي تصرف معين عندما تصبح في بيتي؟ أم اتخذ معها أسلوبًا جديدًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

سنقف معك أخي السائل وقفات نرجو الله أن ينفعك بها:

  1. ينبغي أن تعلم أنك لا تتكلم عن زوجة في بيتك وتحت طاعتك، بل أنت تتكلم عن زوجة قبل الدخول، وهي الآن تحت مسئولية أهلها، ولا طاعة لك عليها.
  2. واعلم أنك تتصف بصفات قد تكون مرفوضة عندها، وعند أهلها، وكذا هي، ولا يمكنك الحكم باستمرار ما أنت عليه، ولا ما هي عليه بعد الزواج، ففي العادة تتغير كثيرٌ من الطباع في الزوجين بعد الالتقاء في بيت واحد، ويتم الاتفاق – نظريًّا أو عمليًّا – على قواسم مشتركة يعيش في فيئها ويستظل في ظلها الزوجان في بيت الزوجية.
  3. ولا تنس أنك متزوج من زوجة تعد صغيرة السن نسبيًّا، وهو ما يجعل تعلقها بوالدتها أمرًا اعتياديًّا، وفي غالب الأعيان لن يستمر الأمر كذلك إذا صارت عندك في بيتك، ولذا لا يُستغرب من إخبار والدتها بعلاقتك بها، وما يجري بينك وبينها، وقد يكون هذا منها عفويًّا لمجرد إعلام والدتها بسعادتها معك، وفي أسوأ الحالات أن يكون الأمر تسلطًا من والدتها فعليك أن تتحمله، فطبائع الناس تختلف، ومن علِم أحوال الناس واطلع على تصرفاتهم لم يُنكر وقوع هذا، بل العاقل هو من يتحمله؛ لأن له أجلًا ينتهي عنده، وهو دخولها في بيت الزوجية، بل نحن لا نستبعد أن تتغير علاقة أم زوجتك بك إلى الأحسن، بل إنه ليس أمامها إلا هذا إن أرادت سعادة ابنتها.
  4. والنصيحة لك أخي السائل: أن تكسب قلب أم زوجتك بما تستطيعه من حلو الكلام وجميل الفعال، فتخصها بهدية، وتتلطف معها بالكلام، ومن شأن ذلك أن تصير سعيداً مع ابنتها لما للأم من تأثير عظيم في توجيه ابنتها وخاصة إن كانت صغيرة السن وقليلة التجربة ، كما هو حال زوجتك.
  5. ونرى أن تعجِّل في الزواج، ولا تؤخره؛ حتى لا يحصل من المشادات بينك وبين أهلها، أو بينك وبين زوجتك ما يؤخر الزواج، أو – لا قدَّر الله – يلغيه.
  6. قول زوجتك لك ” إنها تحبك ” مما ينبغي أن تأخذه على محمل الجد وتعطيه أهمية عظمى، وهو يعني أن أمها ليس لها تأثير عليها لبغضك أو كراهيتك، وهو مفصل مهم في قصتك معها ومع أمها، ولذلك نراك أخطأت بقولك ” أعترف بخطئي أنني أعطيتها كل حبي وأمطرت عليها الهدايا بشكل سريع وفي فترة قصيرة “!! بل ما فعلته هو الصواب، ونحن نؤيدك ونشد على يديك أن تزيد من حبك لها، وأن تكثر من كسب قلبها بكثرة الهدايا، بل وكما سبق القول أن تجعل لأمها نصيبًا من تلك الهدايا.

 

 

  1. لا يوجد أم في الدنيا عاقلة لا تريد السعادة لابنتها، ولا يوجد أم في الدنيا عاقلة تحب لابنتها العنوسة والبقاء في وجهها في البيت، فلا تظنن طرفة عين أن ما تفعله الأم معك هو لصد ابنتها عن التزوج، بل إن زفاف الابنة ومفارقتها لأهلها مع زوجها هو غاية منشودة لكل أبوين عاقلين.
  2. 8. وأخيرًا: لا ننصحك بالطلاق، ولا نراه حلاًّ لمشكلتك، بل سيصير مشكلة، فأنت لم تجربها زوجة، ولا أمًّا، بل تعاملت معها وهي محكومة في بيت أهلها، فمن أين لك أن تحكم على زواجك بالفشل، أو تحكم عليها بعدم صلاحيتها شريكة لك في حياتك؟! فاصبر على هذه الفترة من حياتك معها، وغيِّر من طريقتك في التعامل مع أمها، ولا تؤاخذ زوجتك على ما تفعله في بيت أهلها مما لا ترضاه منها، وسرِّع في إخراجها لبيتك.

فهذا ما نراه في مشكلتك، ونسأل الله لك التوفيق والسداد.

 

والله أعلم.

 

كيف يعدل الأب بين أولاده مع وجود الفوارق الفردية بينهم؟

كيف يعدل الأب بين أولاده مع وجود الفوارق الفردية بينهم؟

السؤال:

لا شك أن لكل إنسان شخصيته التي أعطاه الله إياها، وإن كانت هنالك أخلاق مشتركة بين البشر إلا أن البشر يختلفون ويتفاوتون في اجتماع تلك الأخلاق، وسؤالي في الأبناء، كيف يمكن للأب أن يتعامل مع تلك الفوارق وأن يعدل بين أولاده – ذكورًا وإناثًا – مع ما يحملونه من أخلاقيات وطبائع متباينة تجعل النفس الأبوية منجذبة لبعضهم أكثر من بعض؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. خَلَق الله تعالى خلْقَه وجعل بينهم تفاوتًا في الصفات والطباع والأخلاق، وهو أمر واقع ومشاهد، ويتسع ذلك في العالَم كله، وينحصر حتى يُرى في الأسرة الواحدة بين أولادها، ولله تعالى في هذا الحكَم الجليلة، وهو يدل على عظيم قدرته تعالى.
  2. لا يُنكر ميل النفس الأب نحو الولد الذي يتصف بصفات حسنة، سواء في خِلقته، أو خلُقه، أو يكون له طباع تجذب الناس نحوه كمرحه، وخفة دمه، ولطافته، وليس كون الولد ذكرًا يجعل الميل نحوه باللزوم، بل إننا نجد تعلق كثير من الآباء ببناتهم، والعكس.
  3. ومثل هذا الميل لا يلام عليه الأب، لكن ليس من الحكمة إظهار ذلك أمام أولاده؛ لما يترتب عليه من مفاسد، وأما من لم يكن له إلا ولد واحد فليظهر له كل شعوره ولن يلومه أحد.
  4. لا يعلم كثير من الآباء أن تمييز أحد أولاده ممن يتصف بصفات طيبة جاذبة قد يضر ذلك الولد المميَّز! وذلك بجعله مغرورًا أو متكبرًا، كما قد يجعله مصابًا بداء الكسل والبطالة والاعتماد على غيره في قضاء حاجاته، ولا شك أن مثل هذا الولد لن يكون نافعًا لنفسه، ولا لأبيه، ولا لباقي أسرته.
  5. والأسرة التي يميِّز فيها الوالدان – وخاصة الأب – أحد أولادهم عن الباقين يتسببون في مفاسد كثيرة، منها:

أ. إصابة باقي الأولاد بالإحباط من النجاح والتقدم في دينهم ودنياهم.

ب. التسبب لهم بأمراض نفسية أو بدنية.

ج. الكيد للأخ المميَّز، وقد يصل الأمر لحد القتل!.

فالآباء المميِّزون في أسَرهم إنما يساهمون في تفرقة هذه الأسرة وتشتتها؛ لما يسببه ذلك التمييز من زرع العداوة والبغضاء والحسد بين أولادهم، فيتحد المبعدون ضد المميَّز عنهم، بل وضد والديهم، ومن تأمل قصة يوسف عليه السلام ورأى ما جرى منهم تجاهه وتجاه أخيه الآخر تبين له صدق القول، وقد أخبرنا الله تعالى عن سبب فعلتهم تلك في يوسف أخيهم، فقال تعالى: ( إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ. اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ) يوسف/ 8، 9، ولا شك أن يعقوب عليه السلام لم يكن ظالمًا لأولاده أولئك، وإنما حملهم على ذلك – فقط – محبته القلبية لابنه يوسف عليهما السلام، فماذا يُتوقع من إخوة ظلمهم والدهم بأن أعطى أحد إخوانهم ما لم يعطهم؟!.

  1. ومن مظاهر التمييز بين الأولاد المشتهرة بين الناس: التمييز في العطية، وهو أمر محرَّم في شرع الله تعالى المطهَّر، ومن مساوئ ذلك التمييز: التسبب بالعقوق للوالدين، وعدم استواء الجميع في البر لوالديهم، وقد نبَّه على ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع تنصيصه على تسمية ذلك التمييز في العطية جوراً وظلمًا.

عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: (أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي)، ثُمَّ قَالَ: ( أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ ) قَالَ: بَلَى، قَالَ: ( فَلَا إِذًا ).

رواه مسلم ( 3059 ).

وكما قطع الله تعالى هذا التمييز في العطية فكذا قطع أمرًا آخر وهو الوصية لأحدٍ منهم، فحرَّم أن يوصى لوارث، وكل تلك الأحكام إنما هي لإصلاح حال الأسَر وإرساء قواعد اجتماع أفرادها وعدم تفرقهم.

  1. وعلى الأب أن يعلم أنه ليس أحد من أولاده كاملًا، ومن كان مميزًا من أولاده عنده فلو أنصف مع نفسه لوجد له صفات أخرى سلبية، والعكس يقال فيمن لم يميزهم فقد يكون عند كثير منهم صفات إيجابية كثيرة، فالطفل المحبوب بحركاته وكلماته قد لا يفيد الأسرة في شراء أغراض من البقالة، وقد لا يكون كفؤًا في القيام على الضيوف بخدمتهم، فعلى الآباء مراعاة ذلك، وتنمية ما عند أولادهم من صفات حسنة، وتشجيعهم عليها، وعدم الطلب من الآخرين أن يكونوا سواء، فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له، فقد يكون بعضهم عنده حب العمل، وآخر حب العلم، وثالث حب التجارة، كما قد توجد في بعضهم من الطباع ما ليس في الآخر، فيستثمر ذلك الأب العاقل فيجعل بعضهم مكمِّلاً للآخر، فإذا أثنى على الصفات الإيجابية في أحد من أولاده أثنى على صفات الآخرين، فلا يحصل بينهم من الحسد والعداوة شيء بإذن الله تعالى وتوفيقه.
  2. وفي هذا الباب فليحذر الوالدان من تقريع المخطئ من أولادهم والطلب منه أن يكون كأخيه فلان! بل يُذكر له من في سنه من الأقارب أو الجيران، أو يحثّ على خصال الخير ويُردع عن صفات الشر دون أن يُذكر له شخص بعينه، وإن من شأن المقارنة بينه وبين أخيه الأفضل منه في هذا الجانب أن يولِّد بينهما عداوة وبغضاء.
  3. وليس من العدل أن يجعل الأب العاق من أولاده بدرجة البارّ، وإلا لم يكن للبرِّ ميزة، فعليه أن يُعلم أولاده أن من أحسن – كإعانة أمه في البيت، أو حفظه للقرآن – فله الحسنى، ومن أساء فيُحرم منها أو يُعاقب – بحسب ما يقترفه الأولاد من معاصٍ -، ولا نعني هنا – بالطبع – أن يهبه هبة أو يعطيه عطية، فقد سبق بيان تحريم ذلك، وإنما نعني به أن يثني عليه بالكلام الحسن، وأن يزيد في مصروفه، أو أن يمكنه من اللعب بلعبة مباحة لوقت أطول ممن أساء، وهكذا، وهذا هو العدل الذي ننشده من الآباء، وليس أن يعاملوا الجميع معاملة واحدة المحسن منهم والمسيء، وإلا كان ظالماً للبارّ منهم.

فللأب أن يمنع العاصي المتمرد من أولاده من المال الذي يفعل به المعاصي، بل يجب على الأب ذلك حتى يرعوي ولده عن فعل ما يسخط ربه تعالى.

قال الشيخ عبد الله الجبرين – رحمه الله -:

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ أَشْهَد عَلَى جَوْر )، بمعنى أنه إذا مال مع أحدهم: فإنه يسمَّى جائرًا، ولكن يمكن أن يجوز ذلك إذا كان هذا الذي مال معه صالحًا، والآخر فاسدًا وماجنًا، فإذا حاول إصلاح هذا وعجز عنه بأن صار عاقًّا وعاصيًا لأبويه، وعاصيًا لله، ومعرضًا عن الله، ومعرضًا عن العبادة، ومنهمكًا في شرب المسكرات، أو في المنكرات أو في المعاصي، ولم يستطع أبواه إصلاحه: فلا مانع، بل يجوز لهم والحال هذه التساهل وعدم مساواته بغيره، بل عليهم أن يشددوا في الأمر معه، ولو أن يحرموه من تربيتهم له أو نفقتهم عليه، ولو أن يعاقبوه بما يكون سببًا في استقامته إذا وفق الله.

” دروس الشيخ ابن جبرين ” ( 1 / 23 ) – الشاملة -.

وضابط مسألة التفضيل في المعاملة من أجل تميز أحد الأولاد بشيء يستحق من أجله أن يميَّز فهنا يكون للتفضيل مسوغًا شرعيًّا، بخلاف ما لو كان التفضيل من أجل الشهوة.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

ثم نعلم أنه إن كان إعطاء لمسوغ شرعي كأن يكون فقيرًا وإخوته أغنياء، أو لديه مميز من رغبة في العلم، لايقصد محاباة، وإنما هو مراعاة المميزات، فهذا يسوغ.

 

ومن فوائده: أنه لعل بقية إخوته يطلبون العلم لأجل أن يكونوا مثله.

وتقدم لنا أنه إذا أعطاء لأجل محبته إياه: فهذا لا يسوغ.

 

 

 

أما إذا فضل بعضًا: لفضيلته ودينه، أو علمه، أو فقره، أو لكونه ذا عيال، أو مقابلة مايفعله مع والده.فمثل هذه الأمور مسوغات. أما للشهوة: فهذا ممنوع.

” فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 9 / 213 ).

  1. ومما ننصح به الآباء أن يوحدوا مشاعر أولادهم تجاه من يستحق الحنان والعطف من إخوانهم، فمثلًا: قد يوجد أحد الأولاد مصابًا بإعاقة، فلا ينبغي للوالدين أن يغفلا أهمية أن يكون الحنان والعطف من أولادهم تجاه أخيهم قبل أن يكون منهما، وهما بذلك يضمنان إعطاء ذلك المصاب حقه من المشاعر، ويضمنان عدم وقوع العداوة بينهم وبين أخيهم.
  2. ومهما اختلفت صفات وطبائع الأولاد فإن العدل بينهم في الأمور الظاهر واجب شرعي، فإن دفع تكاليف زواج أحدهم فليفعل ذلك مع كل من أراد التزوج، وإذا عالَج أحدهم لمرض ألمَّ به فليفعل الأمر نفسه مع احتاج لعلاج، وإن ساهم في تعليم لأحدهم فعليه فعل الأمر نفسه مع الباقين – ضمن دائرة التعليم المباح -، وهكذا يقال في النفقة والكسوة، فعليه أن يعدل بين أولاده فيهما – ولا نقول يسوِّي بل يعدل، ونعني به: أن يُعطي كل واحد كفايته.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والمراد بالعطية: التبرع المحض ليس النفقة، يعطي كل إنسان ما يحتاج قليلًا كان أو كثيرًا، فإذا قدِّر أن أحد أولاده يطلب العلم ويحتاج إلى كتب، والآخر ليس كذلك، فأعطى الأول ما يحتاج إليه من الكتب: فلا بأس، وكذلك لو كان أحدهم يحتاج إلى ثياب، والآخر لا يحتاج: فيعطي الذي يحتاج إلى الثياب، وكذلك لو مرض فاحتاج إلى دراهم وإلى علاج فأعطاه: فلا بأس، وكذلك لو بلغ أحدهم سنَّ الزواج فزوَّجه: فإنه لا بأس.

فكل ما كان لدفع الحاجة: فالتسوية فيه: أن يُعطي كل إنسان ما يحتاجه، أما إذا كان تبرعًا محضًا: فلابد من العدل بينهم.

” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 535 ).

بل قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه يستحب العدل بين الأولاد في ” التقبيل “! والذي يظهر أن هذا إذا قبَّل أحدًا من أولاده أمام الآخرين.

قال الإمام البغوي – رحمه الله – في شرح حديث النعمان السابق -:

وفي هذا الحديث فوائد، منها: استحباب التسوية بين الأولاد في النِّحَل وفي غيرها من أنواع البرِّ حتى في القُبَل، ذكورًا كانوا أو إناثًا، حتى لا يعرِض في قلب المفضول ما يمنعه من برِّه. لا” شرح السنة ” ( 8 / 297 ).

وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَل. ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 11 / 221 ).

وهكذا لا يكون منه تفضيل لأحدٍ على أحد، ولا يعني هذا توحيد مشاعره تجاه الجميع؛ فهذا أمرٌ لا يملكه الأب، لكنه يملك أمر العدل في الأمور الظاهرة، كما هو الحال فيمن له أكثر من زوجة، فإنه لا يُمنع من حب إحدى نسائه أكثر من الأخريات وفي الوقت نفسه هو مأمور بالعدل القادر عليه وهو العدل في الأمور الظاهرة كالنفقة والمبيت والكسوة.

 

ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يعينك على تحقيق العدل بين أولادك.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يجوز له أن يشتري أضحية بمعونة الغذاء التي تُعطى له من الدولة؟

هل يجوز له أن يشتري أضحية بمعونة الغذاء التي تُعطى له من الدولة؟

السؤال:

الحكومة الأمريكية تساعد الأشخاص ذوي الدخل المحدود بأن تعطيهم بطاقة لشراء الأكل أو الشرب على حساب الحكومة، فهل يجوز أن يستعمل هذه البطاقة – أو الكرت – لشراء الأضحية؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا: تعريف عام بالبرنامج الوارد ذِكره في السؤال:

  1. ما يُعرف بـ ” كوبونات الغذاء ” في أميركا بدأ العمل بها منذ الحرب العالمية الثانية.
  2. يُطلق على هذا المشروع رسميًّا اسم: ” برنامج المساعدة الغذائي التكميلي “.
  3. المسئول عنه في أميركا هي ” وزارة الزراعة “.
  4. أصبحت هذه الكوبونات في الوقت الحالي على شكل بطاقات إلكترونية، تشحن شهريًّا بنحو 100 دولار.
  5. خصص هذا البرنامج لمن لا يجد شيئًا يأكله، أو لمن لا يكفيه دخله؟
  6. بلغ عدد المنتفعين من ذلك البرنامج حوالي 36 مليون مواطن أميركي!.

ثانيًا: ولا نرى أن يَستعمل المسلم هذه البطاقة في شراء أضحية؛ لسببين:

الأول: أن من فعل ذلك فقد استعملها في غير مقصودها ، فمن المعلوم أن هذا البرنامج إنما يُقصد به إعانة المحتاجين، أو الذين لا يجدون ما يأكلون، وهي تمكنهم من شراء احتياجاتهم من الطعام والشراب، ومبلغها لا يكفي – غالبًا – لشراء طعام يَشبَع به المستفيد منه، وهو هبة مشروطة لا يجوز استعمالها في غير ما أُعطيت من أجله، وعليه: فلا يجوز شراء غير الطعام والشراب بها، وشراء الأضحية داخل في دائرة المنع.

الثاني: أن من يُعطى هذه البطاقات – أو الكوبونات – هم الفقراء، وهؤلاء لا تجب عليهم الأضحية، بل لا تشرع لهم إن كان شراؤها سيضيق عليهم معيشتهم، وعليه: فمن كان المعوزين المحتاجين: فلا يشتري أضحية بذلك المبلغ ليضيق على نفسه معيشته.

وأما من سجَّل في ذلك البرنامج وهو غير مستحق: فهذا قد فعل أمرًا لا يحل له، وعليه: فلا يجوز له شراء أضحية به؛ لحرمة المال المدفوع في شرائها.

 

والله أعلم.

توجيهات لمن يسيء إلى الصحابي ماعز رضي الله عنه بسبب وقوعه في الزنا

توجيهات لمن يسيء إلى الصحابي ماعز رضي الله عنه بسبب وقوعه في الزنا

السؤال:

كلمة توجهونها لمن يبغض الصحابي ماعزًا – رضي الله عنه – كونه وقع في فاحشة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه أن يقع في غيبة أو طعن في أحد فإن الواجب يقوى إذا كان الكلام في صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت سلامة الصدر مطلوبة تجاه عامة المسلمين فإنها تُطلب بشدة تجاه أولئك الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعًا.

ووقوع الصحابي ماعز بن مالك في الزنا ثابت من اعترافه به رضي الله عنه، ونقول لمن يقع من لسانه شيء تجاه ذلك الصحابي، أو يقع في قلبه بغض له:

  1. أن الصحابي ماعزًا رضي الله عنه قد أقيم عليه حد الرجم، والحدود كفارات لأهلها، فهو سيلقى ربَّه تعالى – إن شاء الله – وقد طهَّره ذلك الحد.

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ( أَتُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ).

رواه البخاري ( 4612 ) ومسلم ( 1709 ).

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة رضي الله عنه أن يستغفروا لماعز رضي الله عنه، ففعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم، كما رواه مسلم ( 1695 ) وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ( اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ ) فَقَالُوا: ” غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ “.

ومن جاء بعد الصحابة فهو أولى منهم بالاستغفار له، وهذا لا شك أنه يتنافى مع الطعن فيه، ومع بُغضه.

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له خيرًا، كما رواه البخاري ( 6434 ) وفيه: (فَقَالَ له النَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا ).

 

 

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله ( فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا ) أي: ذَكَره بجميل.

” فتح الباري ” ( 12 / 130 ).

ومن أساء لذلك الصحابي أو أبغضه فهو مخالف لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم في معاملة التائب من ذنبه عمومًا، ومن معاملة ماعز رضي الله عنه على وجه الخصوص.

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن توبة ذلك الصحابي توبة عظيمة جليلة، كما رواه مسلم ( 1695 ) وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ( لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ ).
  2. ثم إن ماعزًا رضي الله عنه من الصحابة، وهم لهم قدرهم ومنزلتهم التي لا يلحق بهم أحد ممن جاء بعدهم.

قال ابن حزم – رحمه الله -:

وتمرةٌ يتصدق بها أحدُهم – أي: الصحابة – أفضلُ مِن صدقةِ أحدِنا بما يملك، وجلسةٌ مِن الواحدِ منهم مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أفضل مِن عبادة أحدنا دهرَنا كلَّه، ولو عُمِّر أحدُنا الدهرَ كلَّه في طاعاتٍ متصلةٍ: ما وازى عملَ امرئٍ صحبَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ساعةً واحدةً فما فوقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دَعُوا لي أَصْحَابي، فَلَوْ كَانَ لأحَدِكُم مِثْلُ “أُحُدٍ” ذَهَباً، فَأَنْفَقَهُ في سَبِيلِ اللهِ؛ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ )، فمتى يطمع ذو عقل أن يُدرك أحدًا مِن الصحابةِ معَ هذا البَوْنِ الممتنعِ إدراكُه قطعًا؟!.

” الفِصَل في المِلَل والنِّحَل ” ( 5 / 68 ).

 

ولا ينبغي لأحد أن يعتقد أن ذنب الزنا سيلاحق ذلك الصحابي يوم القيامة؛ فقد بشَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم التائب بقوله: ( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ ) رواه ابن ماجه ( 4250 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “، وليست توبة ذلك الصحابي أي توبة، فقد سبق أنها توبة عظيمة تسع أمة من الأمم لو قسمت بينهم.

فكل ما سبق يدل على عدم جواز الطعن في ماعز رضي الله عنه، كما أن بغضه ليس من دين الله تعالى وقد علمتَ أنه تاب توبة جليلة، وأن ذنبه قد غفر له بالحد الشرعي الذي أقيم عليه.

 

وعليه: فمن اغتاب الصحابي بكلام سوء فإن عليه التوبة، وعليه الدعاء له، والثناء عليه.

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإذا كان الرجل قد سب الصحابة، أو غير الصحابة، وتاب: فإنه يُحسن إليهم بالدعاء لهم، والثناء عليهم بقَدر ما أساء إليهم، والحسنات يُذهبن السيئات.

” مجموعة الرسائل والمسائل ” ( 5 / 207 ).

 

ومن وقع في قلبه بغض لذلك الصحابي فلينظر فيما ذكرناه فلعله أن يرعوي عن ذلك.

 

والله أعلم.