الرئيسية بلوق الصفحة 77

حقيقة قصة ” هاروت وماروت “

حقيقة قصة ” هاروت وماروت “

السؤال:

من هما هاروت وماروت? هل هما بشر أم ملكان؟ وإن كانا ملكين هل هما معصومان بالرغم من تعليم السحر للناس?.

 

الجواب:

الحمد لله

ورد ذِكر اسمي ” هاروت وماروت ” في القرآن الكريم في موضع واحد فقط، وبتأمل هذا الموضع يعرف المرء الحقائق التالية:

  1. أنهما من الملائكة، لا من البشر.
  2. أنهما مرسَلان من الله؛ تعليمًا لأناس شيئًا يقيهم من الشر، لا أنها معاقبان على ذنب.

وعليه: فمن ادَّعى أنهما من البشر، أو أنهما ملائكة وقعوا في معصية فمسخهما الله تعالى: فقد خالف نصوص الوحي، واعتقد بما في كتب بني إسرائيل، بغير حجة بيِّنة.

قال تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 102.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وكذلك اتبع اليهودُ السحرَ الذي أُنزل على الملَكين، الكائنين بأرض ” بابل “، من أرض العراق، أنزل عليهما السحر؛ امتحانًا، وابتلاءً من الله لعباده، فيعلمانهم السحر.

( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى ) ينصحاه، و ( يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس، والإضلال، ونسبته، وترويجه، إلى مَن برَّأه الله منه، وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانًا مع نصحهما: لئلا يكون لهم حجة.

فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلِّمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين، وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه.

ثم ذكر مفاسد السحر فقال: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )، وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدَري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي، كما في قوله تعالى في الآية السابقة: ( فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ).

وفي هذه الآية وما أشبهها: أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير: فإنها تابعة للقضاء، والقدر، ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل مِن فِرَق الأمَّة غير ” القدرية ” في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله، وسنَّة رسوله، وإجماع الصحابة، والتابعين.

ثم ذكر أن علم السحر: مضرة محضة، ليس فيه منفعة، لا دينية، ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة، أو خيرها أكثر من شرها.

( وَلَقَدْ عَلِمُوا ) أي: اليهود، (  لَمَنِ اشْتَرَاهُ ) أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة: ( مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلًا، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) علمًا يثمر العمل: ما فعلوه.

” تفسير السعدي ” ( ص 61 ) .

وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذين الملَكين : فهو من الإسرائيليات ، المخالفة لشرع الله تعالى ، والذي ثبت فيه عصمة الملائكة ، وعدم وجود شهوة فيهم ، فهم خلق من نور ، لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يُؤمرون .

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد روي في قصة ” هاروت وماروت ” عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين، والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن: إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 360 ).

والله أعلم.

الرد على من قسَّم البدعة إلى أقسام التكليف الخمسة، وفوائد في معنى ” البدعة “

الرد على من قسَّم البدعة إلى أقسام التكليف الخمسة، وفوائد في معنى ” البدعة ”

السؤال:

أرجو النظر في الآتي، وهو على شكل جدل بين من يقولون إن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، ومن يقولون إنه ليس بدعة، فمن يقولون إنه بدعة يستدلون على ذلك بأنه  لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن على عهد الصحابة، أو أحد من التابعين، والطرف الآخر يرد ويقول: من قال لكم إن كل ما نفعله يجب أن يكون قد وُجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو على عهد الصحابة، أو التابعين، فعلى سبيل المثال نحن لدينا اليوم ما يسمَّى بـ ” علم الرجال ” و ” الجرح والتعديل “، وغيرها، ولم يُنكر ذلك أحد إذ أن الأصل في الإنكار أن تكون البدعة المحدثة ما خالفت أصلًا، أما الاحتفال بالمولد أين الأصل الذي خولف، والكثير من الخلافات التي تدور حول هذا الموضوع؟ كما أنهم يحتجون بأن ابن كثير رحمه الله أقرّ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فما الحكم الراجح في هذه المسألة مدعما بالدليل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليُعلم أولًا أن العلماء مختلفون في تحديد تاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال، فابن عبد البر رحمه الله يرى أنه صلى الله عليه وسلم وُلد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وابن حزم رحمه الله يرجح أنه لثمانٍ خلون منه، وقيل: لعشرٍ خلون منه، كما يقوله أبو جعفر الباقر، وقيل: لثنتي عشر منه، كما يقوله ابن إسحاق، وقيل: وُلد في شهر رمضان، كما نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكَّار.

انظر ” السيرة النبوية ” لابن كثير ( ص 199 ، 200 ).

ويكفي هذا الخلاف بين العلماء لنعلم أنه لم يكن المحبُّون للنبي صلى الله عليه وسلم من سلف هذه الأمة يجزمون بيوم ولادته، فضلًا عن احتفالهم فيه، وجماهير المحتفلين بميلاده يحتفلون بيوم الثاني عشر من ربيع الأول على أنه يوم مولده صلى الله عليه وسلم، والذي لا شك فيه: أنه كان يوم وفاته! على الجزم، وأن يوم ميلاده مختلف فيه، كما سبق، فمن احتفل بميلاده فإنما هو متبع للباطنية من ” العبيدية ” – الذين سموا أنفسهم ” الفاطمية ” -، ومخالف لأهل خير القرون، المتبعين لسنته صلى الله عليه وسلم.

 

 

* قال الشيخ علي محفوظ – رحمه الله -:

أول من أحدثها بالقاهرة: الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع، فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي رضي الله عنه، ومولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت الموالد على رسومها، إلى أن أبطلها ” الأفضل أمير الجيوش “، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة ” إربل “: الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالمولد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم، وتوحيه شياطين الإنس والجن. ” الإبداع في مضار الابتداع ” ( ص 251 ).

 

ثانيًا:

وأما ما جاء في السؤال من قولٍ لبعض من يرى الاحتفال بالمولد النبوي من قوله: ” من قال لكم إن كل ما نفعله يجب أن يكون قد وُجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو على عهد الصحابة، أو التابعين “: فهو يدل على جهل عظيم بالسنَّة، وخلل كبير في فهم ” البدعة “؛ فما ذكره ذلك القائل هو الضابط فيما يُفعل مما يُتقرب فيه إلى الله تعالى من طاعات، وعبادات، سواء وُجد أصلها في الشرع فاخترع لها سبب، أو زمان، أو مكان، أو كم، أو كيف، أو جنس، وهو ما يُسمَّى ” البدعة الإضافية “، أو لم يوجد لها أصل، وهو ما يُسمَّى ” البدعة الأصلية “، ومثال الاحتفال بالمولد النبوي مثال صالح على هذا القسم.

وذلك القائل قد خلط بين ” البدعة الشرعية ” و ” البدعة اللغوية “، فلا يُشترط في أمور الدنيا أن لا نفعله إلا إن فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل هو مما امتن الله علينا به، خلقًا، وإيجادًا، وإباحة لفعله، والتمتع به، بخلاف ما هو متعلق بالدِّين من أفعال، فليس لنا أن نفعله إن لم يكن له مثال سابق، وهذه البدعة هي المنصوص على ذمها، بخلاف تلك الأخرى.

* قال ابن حجر العسقلاني – رحمه الله -:

فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أُحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدثة، والأمر المحدث. ” فتح الباري ” ( 13 / 253 ).

 

 

* وقال – أيضًا -:

وأما ” البِدَع “: فهو جمع بدعة، وهي كل شيء ليس له مثال تقدّم، فيشمل لغةً ما يُحْمد، ويذمّ, ويختص في عُرفِ أهل الشرع بما يُذمّ، وإن وردت في المحمود: فعلى معناها اللغوي. ” فتح الباري ” ( 13 / 340 ).

وبه يُعلم: أن من قسَّم البدعة إلى واجبة، ومكروهة، ومحرمة، ومندوبة، ومباحة: فإنما قسَّمها على معناها اللغوي، وإلا فكيف يستقيم الوجوب مع البدعة؟! وأول من يُعلم أنه قسَّمها إلى الأحكام التكليفية الخمسة هو العز بن عبد السلام، وقد انتُقد هذا التقسيم؛ لما فيه من مخالفة للسنَّة من جعل البدعة مذمومة كلها، وذاك التقسيم يجعل منها ما هو مأمور بها، أو مندوب لفعلها، ولما في التقسيم من إحداث خلل عند الناس في فهم البدعة، وها هو مثال صالح لهذا، وهو ما نقله الأخ السائل عن ذلك القائل، والذي أدخل البدعة اللغوية في الشرعية.

* وقد ردَّ الشاطبي رحمه الله على القرافي الذي نقل تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة عن العز بن عبد السلام، وتبنى ذلك، فقال:

والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترَع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة: أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب، أو ندب، أو إباحة: لمَا كان ثمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيَّر فيها، فالجمع بين عدِّ تلك الأشياء بدَعًا، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها: جمعٌ بين متنافيين  .

أما المكروه منها، والمحرم: فمسلَّم من جهة كونها بدعًا، لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر، أو كراهته: لم يُثبت ذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية، كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم، حسبما يذكر في بابه.

فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع: صحيح، وما قسَّمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف، ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخَه – أي: ابن عبد السلام – من غير تأمل.

 

 

– ثم ذكر عذر العز بن عبد السلام رحمه الله في ذلك التقسيم، وأنه سمى ” المصالح المرسلة ” بدَعًا، ثم قال -:

أما القرافي: فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس؛ لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم، فصار مخالفًا للإجماع. ” الاعتصام ” ( ص 152 ، 153 ) وننصح بالرجوع للكتاب ، فقد أبلغ في الرد، وأجاد ، رحمه الله.

وما ذكره القائل مما جاء في السؤال: قد عدَّه العز بن عبد السلام رحمه الله من ” البدع الواجبة “! وهو ما يعني أنه جاء الأمر به في النصَّ الشرعي، أو في قواعده، وهو ما لا ينطبق على تعريف البدعة في الشرع، بل ينطبق على تعريفها في اللغة.

* قال العز بن عبد السلام – رحمه الله -:

وللبدع الواجبة أمثلة:

أحدها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

المثال الثاني: حفظ غريب الكتاب، والسنَّة من اللغة.

المثال الثالث: تدوين أصول الفقه.

المثال الرابع: الكلام في الجرح، والتعديل، لتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على القدر المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه

” قواعد الأحكام في مصالح الأنام ” ( 2 / 173 ).

وهذه ” المصالح المرسلة ” التي سمَّاها العز بن عبد السلام بدَعًا: ليس شرطًا أن يفعلها السلف حتى يفعلها مَن بعدهم، ومَن سمَّى مثل هذا بدعة: فهو إما على معناها اللغوي، أو أنه لا يدري ما البدعة.

* قال الشاطبي – رحمه الله – تعليقاً على ” البدع الواجبة ” تلك -:

وأما ما قاله عز الدين: فالكلام فيه على ما تقدم، فأمثلة الواجب منها مِن قبيل ما لا يتم الواجب إلا به – كما قال -: فلا يشترط أن يكون معمولًا به في السلف، ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص؛ لأنه من باب ” المصالح المرسلة “، لا البدع

أما هذا الثاني: فقد تقدم، وأما الأول: لو كان ثمَّ من يسير إلى فريضة الحج طيرانًا في الهواء، أو مشيًا على الماء: لم يعد مبتدعاً بمشيه كذلك؛ لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض، وقد حصل على الكمال، فكذلك هذا .

على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنِّفين في طريقة التصوف، وعدَّها من جملة ما ابتَدع الناس، وذلك غير صحيح، ويكفي في رده إجماع الناس قبله على خلاف ما قال ….

وهذه كلها لا دليل فيها على الذم؛ لأنه لم يُذمَّ النحو من حيث هو بدعة، بل من حيث ما يُكتسب به أمر زائد، كما يذم سائر علماء السوء لا لأجل علومهم، بل لأجل ما يحدث لهم بالعرَض من الكبْر به، والعُجب، وغيرهما، ولا يلزم من ذلك كون العلم بدعة، فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدَعًا: إما على المجاز المحض من حيث لم يحتج إليها أولًا ثم احتيج بعد، أو مِن عدم المعرفة بموضوع البدعة، إذ مِن العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبْر، والزهو، وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذم

” الاعتصام ” ( ص 157، 158 ).

وفي تعليقه على حديث رقم ( 7277 )، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب 2، من ” صحيح البخاري ”  قال الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

هذا التقسيم يصح باعتبار البدعة اللغوية، وأما البدعة في الشرع: فكلها ضلالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة )، ومع هذا العموم لا يجوز أن يقال: من البدع ما هو واجب، أو مستحب، أو مباح، بل البدعة في الدِّين إما محرمة، أو مكروهة، ومن المكروه مما قال عنها إنها بدعة مباحة: تخصيص الصبح، والعصر بالمصافحة بعدهما. انتهى.

 

ثالثًا:

ومما ينبغي فهمه والوقوف عليه: أنه ينبغي النظر في توفر الأسباب، وعدم الموانع، في فعل الشيء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام، فمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبته من قبَل أصحابه: سببان توفرا زمن الصحابة الكرام لاتخاذ يوم مولده عيداً يحتفلون به فيه، وليس ثمة ما يمنع ذلك من كتاب أو سنَّة، فلما لم يفعلوه: عُلِم أنه لن يكون جائزًا، وهذا مما يستعمل في الرد على مقولة ذلك القائل التي وردت في السؤال.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك ما يُحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً له – والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع – من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا – مع اختلاف الناس في مولده -: فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا: لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منَّا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منَّا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه: في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنَّته، باطنًا، وظاهرًا، ونشر ما بُعث به، والجهاد على ذلك، بالقلب، واليد، واللسان؛ فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.

” اقتضاء الصراط ” ( ص 294، 295 ).

 

ولا نعلم أن ابن كثير رحمه الله قد أجاز الاحتفال بالمولد النبوي، ونحن ننزه عن هذا، وما نقلناه أخيرًا هو قول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، ولو قال بالجواز: فيرد عليه بما ردَّ به الأئمة على من أجازه.

 

والله أعلم.

 

 

ورثة الغاصبين هل عليهم إرجاع أموال الغصب إلى ورثة أصحاب الحقوق؟

ورثة الغاصبين هل عليهم إرجاع أموال الغصب إلى ورثة أصحاب الحقوق؟

السؤال:

نحن في بلد في ” فلسطين ” المحتلة عام 1967، قبل نحو 150 عامًا- أيام الحكم العثماني – كان بلدنا يقسَّم إلى 3 حارات ، وفي كل حارة حَمولة, حمولة في الشرق، وحمولة في الغرب، وأخرى في الجنوب، وكانت الحمولة الجنوبية قليلة العدد، واستضعفها أهل الحمولة الغربية بحيث إنهم كانوا يَلقوْن منهم أذىً كثيرًا، وكان في المنطقة أناس أغراب من الرحَّل, فذهب إليهم أهل الحمولة الجنوبية، واستعدوهم على أهل الحمولة الغربية، فلبوهم إلى طلبهم، ودارت بين الأغراب الغزاة وأهل الحمولة الغربية معركة طاحنة، نجم عنها هلاك أنفس كثيرة وانتهت المعركة بهزيمة الحمولة الغربية أمام الأغراب الغزاة، واستولى الغزاة الأغراب على أملاك الحمولة الغربية, أراضيهم، وبيوتهم، وكل مالهم، وتملّكوها، وتوارثها الأبناء عن الآباء، وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وعند احتلال الإنكليز لأرض فلسطين: تم تسجيل الأرض لملاَّكها الجدد ” أبناء الغزاة “، وصارت إلى ورثتهم من بعدهم، حتى يومنا هذا، وتم خروج أهل الحمولة الغربية من بلدهم، وأقاموا في العراء، على بعد نحو 4 أميال غربي بلدهم، حيث أقاموا لهم بلدًا جديدًا، بقي حتى عام 1948، وعندما احتل اليهود فلسطين: نزح أحفاد الحمولة الغربية عن بلدهم الجديد إلى المنطقة التي أُخرجوا منها في العهد العثماني – حيث دارت المعركة مع الأغراب – وأقاموا في البلد الذي أُخرج منه آباؤهم قبل عشرات السنوات.

السؤال: ما هو وصف يد أحفاد أبناء الغزاة الأغراب على أرض الحمولة الغربية في هذا البلد؟ وماذا عليهم أن يفعلوا في سبيل براء ذمتهم إذا كان يلحقهم إثم بسبب ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما حصل من فتن أدت إلى سفك دماء، واستيلاء على أملاك، هو من الإفساد في الأرض، وأول من يبوء بإثم ذلك كله هو من تسبب في تلك العداوات، وذلك الظلم والقتال، ثم يبوء المشاركون بالآثام التي ترتبت على أفعالهم السيئة، والمعاصي المنكرة، وخاصة إزهاق الأنفس البريئة، وهو من كبائر الذنوب.

 

 

 

 

ثانيًا:

وما حصل من ” الأغراب ” من الاستيلاء على ممتلكات ” الحمولة الجنوبية ” هو من الغصب المحرَّم، والغصب هو: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق، وهو محرَّم بالكتاب، والسنَّة، وإجماع المسلمين.

ثالثًا:

* ومن الأحكام المترتبة على غصب تلك الأراضي والممتلكات:

  1. التوبة الصادقة فيما حصل من الغاصب من تعديه على غيره، واستيلائه على ممتلكاته، وهذا لمن هو على قيد الحياة منهم، ولمن علم بغصب أهله لمال غيرهم، ورضاهم بانتقالها إليهم، وتسجيل الأرض بأسمائهم لا يجعل باطل أهلهم حقًّا.
  2. رد عين المال المغصوب لصاحبه، فإن كان المغصوب باقيًا: رده بحاله, وإن كان تالفًا: رد بدله.

ولذلك: فإن يد الغاصب هي يد ضمان، ومعناه: أن الغاصب يضمن المغصوب إذا تلف.

وعليه: فينظر في ممتلكات ” الحمولة الجنوبية ” عند ورثة ” الأغراب “، فما كان منها باقيًا على ما هو عليه – كأرضٍ، أو عقار -: فيرد لورثة ” الحمولة الجنوبية “، وما كان متلفًا من الغاصبين: فهو على حالين:

أ. أن يكون أتلف من الغاصبين وتركوا وراءهم أموالًا، فيجب على الورثة إخراج قيمة الغصب من ذلك الميراث، ودفعه لورثة ” الحمولة الجنوبية “.

ب. وما كان متلَفاً من الغاصبين، ولم يورثوا وراءهم أموالًا: فلا يلزم ورثتهم دفع قيمة الغصب لورثة من اغتُصب منهم؛ لأن ذمتهم بريئة، وذمة المغتصبين هي المشغولة.

  1. ما يحصل من ورثة الغاصبين من رد الحقوق إلى أهلها لا يعفي أهلهم من إثم الغصب، لكنه يبرؤهم هم من تملك ما ليس لهم تملكه، فالغاصبون ماتوا دون توبة، ودون إرجاع الحقوق إلى أهلها، بل لو ردَّ الغاصب ما غصبه لورثة المغصوب منه: ما كان هذا مسقطًا عنه إثم الغصب؛ لموت صاحب الحق دون مسامحته، والعفو عنه، فأولى أن يكون الإثم لازماً له إن كان ورثته هم من أدَّى الحق لورثة المغتَصب منهم.

* قال البهوتي – رحمه الله -:

ولو ندم غاصبٌ على فعله، وقد مات المغصوب منه، وردَّ ما غصبه على الورثة: برئ من إثمه، أي: المغصوب؛ لوصوله لمستحقه، ولا يبرأ من إثم الغصب؛ لِمَا أدخل على قلب مالكه من أَلَمِ الغصب، ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة، ولو ردَّه – أي: المغصوبَ – ورثةُ غاصبه بعد موته، وموت مالكه إلى ورثته: فلمغصوبٍ منه مطالبته، أي: الغاصب بما غصبه منه في الآخرة؛ لأن المظالم لو انتقلت: لما استقر لمظلوم حق في الآخرة؛ ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها بردٍّ، ولا تبرئة، فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم   ”  شرح منتهى الإرادات ” ( 2 / 321 ).

  1. ما ترتب على ممتلكات المغصوب منهم من أرباح – كتأجير عقار، أو زراعة أرض -: فليس هذا الناتج من حق الغاصب، ولا من حق ورثته، وقد اختلف العلماء فيما يكون له فيها من حق، وما يكون للمغصوب منه، وأعدل الأقوال: أن يتقاسما الأرباح بينهما نصفين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

إن كان جميع ما بيده أخذه من الناس بغير حق: … ومثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم …: فهذه الأموال مستحقة لأصحابها، ومن اكتسب بهذه الأموال – بتجارة ونحوها – فقيل: الربح لأرباب الأموال، وقيل: له، إذا اشترى في ذمته، وقيل: بل يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث، وقيل: بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال كالمضاربة، كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبو موسى الأشعري لابنيه دون العسكر،  وهذا أعدل الأقوال.

” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 328 ، 329 ).

  1. طول مدة الغصب، وتسجيل الممتلكات بأسماء الغاصبين، أو بأسماء ورثتهم: كل ذلك لا يجعل مال الغصب حلالًا لا للغاصبين، ولا لورثتهم، بل يجب إرجاع الحقوق لأهلها، ولو طالت المدة، ولو سجلوا الممتلكات بأسمائهم.

عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا ) .

رواه البخاري ( 2326 ) ومسلم ( 1713 ) .

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -: وأما قوله عليه السلام: ( فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ): فإنه بيان واضح في أن قضاء القاضي بالظاهر الذي تعبد به : لا يحل في الباطن حرامًا قد علمه الذي قضى له به وأن حكمه بالظاهر بينهم لا يُحل لهم ما حرَّم الله عليهم، مثال ذلك: رجل ادَّعى على رجلٍ بدعوى، وأقام عليه بيِّنة زور كاذبة، فقضى القاضي بشهادتهم بظاهر عدالتهم عنده، وألزم المدَّعى عليه ما شهدوا به: فإنه لا يحل ذلك للمدَّعي إذا علم أنه لا شيء له عنده، وأن بينته كاذبة، إما من جهة تعمد الكذب، أو من جهة الغلط.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 22 / 220 ).

 

والله أعلم.

دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟

دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟

السؤال:

أهلًا، آسفة على الإزعاج، لكني قلقة، زوجي مسلم، وبعد أن تزوجنا: تحولتُ للإسلام؛ لأني أحبه بجنون! وعلى استعداد أن أفديه، ولكني لم أكن أعلم معنى التحول من دين لآخر، وكيف أمارس شعائر دين مختلف، وبعد عدة سنوات: حاولت أن أتكيف مع دينه، لكن لم أكن أشعر بارتياح، فتحولت لديني السابق، وهو المسيحية، أنا أعلم أنني ارتكبت خطأً  كبيرًا، وما كان ينبغي أن أغيِّر ديني بسبب الحب، ولكنني كنت أحب زوجي بشدة ، والآن لي ولد عمره عامان، وزوجي  يريد أن يطلقني؛ لأنني تلاعبت بالأديان، والدين ليس لعبة، كما أن الإسلام لا يقبل المتحولين عنه؟ فأرجو المساعدة هل هذا صحيح؟.

ثانيًا: هل ينبغي أن أطلَّق بسبب ذلك؟ هو يقول: إنه مازال يحبني، وإذا أقر الدين على بقائه معي: فلن يفارقني، لكن هناك بعض الأئمة الذين تحدث معهم وقال: إنه ينبغي أن يطلقني، وأنا أحبه، وهو يحبني، ولدينا ابن – وأنا أعتقد أن أهم شيء في الإسلام هو الأسرة – وأنا لم أقتل، أو أؤذي أحدًا، لكني فعلت خطأً ما كان ينبغي أن أفعله. أرجو المساعدة، فأنا أحبُّه، وشكرًا على مساعدتك.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام، وأن يهديك لما في صلاح آخرتك، والفرصة التي تيسرت لك للدخول في الإسلام لم تتيسر لكثيرات غيرك، وكان يمكنك اقتناصها لتكوني على الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى دخول الجنة، وهذا الدين الذي ندين به هو دين الأنبياء والرسل جميعًا، ومنهم عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم، فقد كانا موحَّدَيْن لربِّ العالمين، وكانا ملتزمين بما شرعه الله من أحكام، وليس أشرف للمرء من أن يكون عبدًا لرب العالَمين، يلتزم شرعه، ويرجو رحمته وثوابه يوم القيامة.

 

ثانيًا:

واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة، أو ثانيها: لا يُقبل منك إلا أن تكوني صادقة، مخلصة، غير شاكة، ولا مرتابة، بل دخول فيه بقناعة، واعتقاد، راسخيْن أنه الدين الحق، وإلا لم يُقبل منك.

 

 

* واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة من أجل حبك لزوجك: لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، مع الاقتناع التام بهذا الدين، وأنه حق لا ريب فيه.

الثانية: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، من غير اقتناع به، ولا إخلاص، ولا صدق، وإنما فقط لإرضائه، والتقرب منه.

 

وإذا كان الأمر على الحالة الأولى: فدخولك في الإسلام صحيح، وما حصل منك بعد ذلك: فهو ردَّة، وكفر، ويوجب فسخ النكاح بينه وبينك، من غير حاجة لطلاق، وإنما الطلاق لأجل الوثائق والأوراق؛ لعدم اعتراف غالب المحاكم في العالم بالفرق بسبب اختلاف الدين.

وإذا أراد زوجك إرجاعك لعصمته: فلا يستطيع؛ لأنك مرتدة، ولم تعودي كتابية، والطريقة الوحيدة لرجوعك إليه: هي بدخولك الإسلام، بصدق، وافتناع بكونه الدين الحق الذي رضيه الله لخلقه أجمعين.

 

وإن كان الأمر على الحالة الثانية: فاعلمي أنك لم تكوني مسلمة في الأصل؛ لأن دخولك في الإسلام لم تتحقق شروطه، وعليه: فلا يكون ما حصل منك بعد ذلك ردَّة؛ لأنه لم يسبق ذلك إسلام أصلًا.

وعليه – أيضًا -: يكون عقد الزوجية بينكما قائم على ما كان عليه، ولم يتغير؛ لأنه يجوز للمسلم التزوج بكتابية – يهودية، ونصرانية -.

 

وبخصوص تحديد أي الحالين السابقين هو حالك: نرجو من زوجك أن يكون حكمًا على هذا الأمر، وأن يستعين بأهل العلم حوله، مع عرض ما كتبناه هنا عليهم؛ لأن من حكم عليك بالردة لعله لم يتبه لما ذكرناه من احتمال أن يُحكم ببطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وبعده يكون الحكم: هل تبقين زوجة له على اعتبار بطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وأنك لا زلت كتابية، يجوز له إبقاءك زوجة له، أو يكون فسخ للنكاح؛ باعتبار وقوعك في الردة، وهنا: لا يستطيع التزوج بك حتى لو رجعتِ للنصرانية؛ لأن برجوعك عن الإسلام تكونين مرتدة، والمرتد ليس حكمه حكم الكافر الأصلي، بل يختلفان.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وسواء كان الأمر على الحالة الأولى، أو الثانية: فإننا ندعوك بقوة وشفقة إلى الدخول في دين الله تعالى الإسلام، وندعوك للتأمل بشيء غاية في الأهمية، وهو أنك إن رضيت لنفسك أن لا تكوني مسلمة: فلن يكون بينك وبين زوجك لقاء في الآخرة، ولا مع ابنك كذلك؛ لأن اختلاف الدِّين سيفرق بينكم، وبينما يكونا في جنة الله تعالى: تكوني أنت في نار جهنم، وهذه الخسارة، وذلك الشقاء يدعوانك لإعادة النظر في الحال التي أنت عليها، فاجتماعك مع أسرتك في الدنيا سيكون محدودًا بسنين معدودة، وأما النعيم الأخروي فهو أبدي، لا ينقطع.

 

وما أجملها من أوقات، وما أحلاها من سعادة، يوم تكون الأسرة المسلمة مجتمعة في جنة الله تعالى في الآخرة، تتقلب في النعيم، وتسعد بثواب الله الجزيل، فأعيدي النظر في حالك، ولا ترضي لنفسك شقاء الدنيا والآخرة، واجعلي حبَّك لزوجك، وابنك أسبابًا للتأمل في الإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وإننا لنظن فيك خيرًا أنك لن تختاري لنفسك إلا ما هو صواب، وهو إعلان إسلامك، مخلصة من قلبك، صادقة، غير شاكَّة، ولا مرتابة.

 

ونرجو من زوجك أن يعينك على هذا الخير، وأن يأخذ بيدك إلى ما فيه سعادتك، وإننا لنشكر له موقفه مما حصل منك، وتوقفه في إرجاعك، حتى يتضح له الحكم الشرعي، ونوصيه بنفسه، وبابنه، وبك، خيرًا، ونحن ننتظر منكم أخبارًا سارَّة، ونحن على استعداد للإجابة على تساؤلاتكم الشرعية، والاجتماعية.

 

والله أعلم.

 

حكم من رمى الجمار ثم تبين له في بلده أنها أقل من سبع حصيات

حكم من رمى الجمار ثم تبين له في بلده أنها أقل من سبع حصيات

السؤال:

عندما ذهبتْ والدتي إلى الحج: ذهبت لرمي الجمرات، فأخذتْ بعض الحصوات في جيبها، فرمتها، ثم عادت إلى الفندق، وخلعت العباءة التي كانت ترتديها، عندما عادت إلى ” هولندا “: وجدت أنه بقي بعض الحصى في جيب العباءة، فهل عليها من شيء في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا خلاف بين العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمى الجمار بسبع حصيات، وأن هذا هو هديه، ولا ريب.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رمَى الجمرة بسبع حصيات، من رواية عبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عمر، وشكُّ الشاكِّ لا يؤثر في جزم الجازم.  ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 5 / 312 ).

وقد اختلف أهل العلم في حكم من أنقص من حصيات الرمي في الحج اختلافًا كثيرًا، وليس في المسألة نص يُرجع إليه ليحسم الخلاف، فأما جمهورهم فقد ذهبوا إلى وجوب استيفاء العدد الثابت في السنَّة، وتساهل آخرون مطلقًا، فقالوا: يكفي التكبير!، وقال آخرون: لو أنقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، وليس عليه شيء، وقال آخرون: إن ذلك في حال لم يكن متعمدًا، واختلفوا فيما يجب عليه مقابل ترك الحصاة، والحصاتين.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 80، 81 ):

مذهب الشافعية والحنابلة أنه يجب الدم على من ترك الرمي كلَّه، أو ترك رمي يوم، أو يومين، أو ترك ثلاث حصيات من رمي أي جمرة.

– وعند الشافعية في الحصاة: يجب مدٌّ واحد، وفي الحصاتين: ضعف ذلك.

– وعند الحنابلة في الحصاة، أو الحصاتين: روايات.

– قال في ” المغني “: الظاهر عن أحمد أنه لا شيء عليه في حصاة، ولا حصاتين.

– وذهب الحنفية إلى أنه يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمار كلها في الأيام الأربعة، أو ترك رمي يوم كامل، ويلحق به ترك رمي أكثر حصيات يوم أيضا؛ لأن للأكثر حكم الكل، فيلزم فيه الدم، أما إن ترك الأقل من حصيات يوم: فعليه صدقة، لكل حصاة نصف صاع من بُرٍّ، أو صاع من تمر، أو شعير.

– ومذهب المالكية: يلزمه دم في ترك حصاة، أو في ترك الجميع. انتهى.

هذه أقوال العلماء في المسألة، وبخصوص فعل والدتك: فالمرجو أن لا يكون عليها إثم؛ لكونها غير متعمدة لإنقاص الحصيات، ولأحوط لها: مذهب الجمهور، وهو فدية مقابل ذلك الترك لتلك الحصيات ، والأحوط في الفدية : أن تكون ذبح شاةٍ في مكة، ويوزع لحمها على فقرائها، ودليل ذلك: أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” مَن ترك نسكًا، أو نسيه: فليُهرق دمًا ” رواه مالك في ” الموطأ ” ( 905 ) بإسنادٍ صحيح.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فهذا الأثر هو عمدة من أوجب الدم في سائر واجبات الحج، وهو أثر صحيح، وقد روي مرفوعِا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الموقوف أصح، والأقرب: أنه في حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم يبعد أن يقوله ابن عباس من جهة رأيه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ( 17 / 397 ).

* وقال – رحمه الله -:

فعلى كل مَن ترك واجبًا، عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا، كرمي الجمار، أو المبيت ليالي ” مِنى “، وطواف الوداع، ونحو ذلك: دم، يُذبح في مكة المكرمة، ويقسم على الفقراء، والمجزئ في ذلك هو المجزئ في الأضحية، وهو رأس من الغنم، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 16 / 153 ).

 

والله أعلم.

 

 

تحقيق القول في مسألة سماع الأحياء لكلام الأموات

تحقيق القول في مسألة سماع الأحياء لكلام الأموات

السؤال:

هل يمكن للأحياء سماع أصوات الموتى في قبورهم، سواء كانوا معذّبين، أو منعّمين؟ لأنّه سمع أنّ هذه القدرة هي المرحلة الأولى لكي يصبح الإنسان من الأولياء الصالحين.  والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينتقل الميت بموته إلى عالم ” البرزخ “، وهو عالَم آخر غير الذي قضى عمره فيه، وهذا العالَم الغيبي ليس لأحدٍ أن يثبت فيه شيئًا، أو ينفيه، إلا بدليل من الكتاب والسنَّة .

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة تثبت تكلم ” الميت ” وهو محمول على الأكتاف لدفنه، وأيضًا وهو في قبره، وثبت في تلك الأحاديث وغيرها أن الأحياء لا يسعمون ذلك الكلام الذي قاله الميت، أما الموضع الأول فقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم ” الإنس ” من السماع، وأما الموضع الثاني: فقد استثنى “الإنس والجن”.

أ. الموضع الأول:

عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ ). رواه البخاري ( 1314 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله في آخر الحديث ( يسمع صوتها كل شيء ): دال على أن ذلك بلسان القال، لا بلسان الحال. ” فتح الباري ” ( 3 / 185 ).

* وقال العيني – رحمه الله -:

واستدل بالحديث المذكور على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان غير الإنسان.

” عمدة القاري ” ( 8 / 114 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني ) تقول ذلك بصوت مسموع، يسمعه كل شيء إلا الإنسان، لا يسمعه، نعمة من الله عز وجل؛ لأننا لو سمعنا ما يقوله الأموات على نعوشهم: لانزعجنا، لكن الله أخفاه عنَّا، لكن تسمعه الدواب، يسمعه كل شيء تقول ” قدموني قدموني “. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 549، 550 ).

ب. الموضع الثاني:

* وهو حديث البراء بن عازب المشهور، وفيه:

فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ مَنْ رَبُّكَ مَا دِينُكَ مَنْ نَبِيُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيَقُولُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَوْتَ وَيَأْتِيهِ آتٍ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ فَيَقُولُ وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ. رواه أحمد ( 30 / 578 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3 / 219 ).

وفي الفرق بين الموضعين، وعدم الإنس في الأول دون غيرهم، وعدم سماع الإنس والجن في الموضع الثاني غيرهم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله – تعليقًا على الحديث الأول -:

وقد استُشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر ( فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعه كل شيء إلا الثقلين ) والجامع بينهما الميت، والصعق، والأول استثنى فيه الإنس فقط، والثاني استثنى فيه الجن، والإنس؛ والجواب: أن كلام الميت بما ذُكر لا يقتضي وجود الصعق – وهو الفزع – إلا من الآدمي؛ لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجن في ذلك، وأما الصيحة التي يصيحها المضروب: فإنها غير مألوفة للإنس، والجن، جميعًا؛ لكون سببها عذاب الله، ولا شيء أشد منه على كل مكلف، فاشترك فيه الجن، والإنس. ” فتح الباري ” ( 3 / 185 ).

* ويستُثنى من الإنس في سماع عذاب القبر: النبي صلى الله عليه وسلم.

أ. عن زَيْد بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: ( مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ ) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ ) قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ ، فَقَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ). رواه مسلم ( 2868 ).

ب. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَجَبَتْ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: ( يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا ). رواه البخاري ( 1309 ) ومسلم ( 2769 ).

– وجبت الشمس: غربت.

والحديث رواه ابن حبان ( 7 / 394 ) وبوَّب عليه بقوله: ” ذِكر الإخبار بأن المصطفى صلى الله عليه و سلم أسمع أصوات الكفرة حيث عذبت في قبورها “.

وفي عدم سماع الإنسان في كلا الموضعين حكَم جليلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

– قوله: ( إلا الإنسان ): يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحِكَم عظيمة؛ منها:

أولًا: ما أشار إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: ( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن  يسمعكم من عذاب القبر ).

ثانيًا: أن في إخفاء ذلك سترًا للميت

ثالثًا: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذَّب، ويصيح: لم يستقر لهم قرار .

رابعًا: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك.

خامسًا: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه .

سادسًا: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين: لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوه قطعًا؛ لكن إذا كان غائباً عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر: صار من باب الإيمان بالغيب .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 482، 483 ).

ثالثاً:

والاتصال الوحيد بين الأحياء والأموات ، والذي يمكن للحي فيه سماع الميت : هو عندما يصير الحي في عالم الأموات ! وذلك بالنوم ، فتتصل روحه بروح الأموات ، ويمكن رؤيتهم وسماع كلامهم .

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

قال ابن القيم رحمه الله : ” وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه ، فيستخبره ، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ ، فيصادف خبره كما أخبر ” ، فهذا هو الذي عليه السلف ، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله ، وتسمع ، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 311 ، 312 ).

رابعا:

وأما من يزعم أنه يستطيع سماع الأموات في قبورهم، وأنه يراهم، ويتحدث معهم: فهو يكذب في ذلك، وإنما يرى الشياطين تتمثل له بصورة الأموات، أو تخاطبه بأصواتها، وتلبس عليه، وهو يلبس على الناس.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطابٍ يسمعه، وشخصٍ يراه، وتصرفٍ عجيب، ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن، والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق، وخرج منه الميت، وكلمه، وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء، وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس، ويدَّعي أحدهم أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان، ويكون كاذبا في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدّا، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر، وعانقه، أو كلمه: هو المقبور، أو النبي، أو الصالح، وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان، ويتبين ذلك بأمور:

أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها: تغيب ذلك الشخص، أو ساخ في الأرض، أو احتجب، ولو كان رجلا صالحا، أو ملَكا، أو جنيّا مؤمنا: لم تضرَّه آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح مِن حديث أبي هريرة لما قال له الجني: اقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيْك مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( صَدَقَك وَهُوَ كَذُوبٌ ) – رواه البخاري (2311) – معلَّقاً بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” (ص 533) .

ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.

ومنها: أن يستعيذ بالعوَذ الشرعية؛ فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم، وتريد أن تؤذيهم، وتفسد عبادتهم، كما جاءت الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد أن تحرقه، فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخا كبيرا قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ قَالَ: تَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَرَعَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ قَالَ مَا أَقُولُ؟ قَالَ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرِ يَا رَحْمَنُ قَالَ فَطَفِئَتْ نَارُهُمْ وَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

ومنها: أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين.

والمقصود هنا: أنَّ مِن أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة، ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق، وخرج منه شيخ بهيٌّ: عانقه، أو كلَّمه: ظنَّ أن ذلك هو النبي المقبور، أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق؛ وإنما الشيطان مثَّل له ذلك، كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق، وأنه خرج منه صورة إنسان، ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان، وأراه أنه خرج من الحائط.

” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 168 – 178 ) باختصار.

 

والله أعلم.

حكم استعمال نبتة ” كف مريم ” للحامل لتسهيل ولادتها

حكم استعمال نبتة ” كف مريم ” للحامل لتسهيل ولادتها

السؤال:

هناك ورد يسمَّى بـ ” ورد مريم “، تعتقد العائلة أنه عندما تُغمر في الماء، وتوضع بجانب المرأة التي على وشك الولادة: فإنها بمجرد أن تتفتح حتى تساعد المرأة في تسهيل ولادتها! فأنا أظن أن هذه خرافة، وأنها تصرف الشخص عن التوكل على الله، مع أن أختي قالت: إنها جربتْها فنجحت معها، فما هي نصيحتكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

من الواضح أن ما جاء في السؤال هو محض ” خرافة “؛ إذ لا تعلق لتفتح وردة بجانب امرأة حامل على وشك الوضع بتسهيل عملية الولادة.

ولعله حصل لبس عند الأخت السائلة، أو من نقلت عنهم، وأنهم خلطوا بين ” ورد مريم “, و ” كف مريم “، فالأول لا نعلم له وجودًا، والطريقة الواردة في السؤال محض خرافة كما سبق، وأما نبتة ” كف مريم ” فهي التي لها تعلق بالولادة، حيث ثبت أنها تساعد المرأة في ولادتها.

ويعرف نبات ” كف مريم ” علميًّا باسم: ” Anastatica hierochuntica “، وهي تستعمل في علاج ” نزلات البرد ” عند الأطفال عن طريق التبخير، ويُشرب منقوعها لتسهيل عملية الولادة في حال تعسرها.

* قال الدكتور جابر بن سالم القحطاني – وهو من المختصين في الأعشاب -:

” كف مريم ” هو نبات يشبه في شكله الكف المقبوض، ويستعمل عند الشعور بالطلْق، حيث تسحق نصف حبة واحدة، وتنقع في ملء كوب ماء بارد، لمدة 4 ساعات، ثم يصفَّى، ويشرب الماء مرة واحدة فقط، أما اللهوم بشكل عام: فلا أنصح باستخدامه.

جريدة الرياض، الإثنين 28 ربيع الأول 1428هـ، 16 إبريل 2007 م، العدد (14175).

ويُعتقد أن التسمية جاءت من أسطورة تدعي أن مريم عليها السلام كانت تقبض بيدها عليها أثناء ولادتها!.

وهذه صورة النبتة:

http://www.khayma.com/hawaj/HERBPIC2/KFMRYM.JPG

 

والله أعلم.

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

السؤال:

رجل أو امرأة يعملان في الدعوة، ويؤلفان الكتب، هل يجوز له أو لها أن يأخذا ربحًا على الكتب الدينية التي يكتبها – أو تكتبها هي – بعد تغطية كلفة الطباعة، أو أجرًا على إلقاء محاضرة، أو تعليم أحدٍ دينَه؟ وهل ينقص من أجره يوم القيامة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أما ما ذُكر من أخذ الأجرة على كتابة الكتب الإسلامية، أو إلقاء المحاضرات النافعة، أو تعليم الدين: فكل ذلك جائز، على القول الصحيح، ويقوى الجواز حيث توجد الحاجة لأخذ ذلك الأجر.

ومن أدلة الجواز:

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟! حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 5405 ).

– ومعنى ( مرُّوا بماء ) أي: بقوم نازلين على ماء.

  1. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

رواه البخاري ( 4741 ) ومسلم ( 1425 ).

– ومعنى ( فاعتل له ) حزن وتضجر من أجله، أو: تعلل أنه لم يجده.

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكلاهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وغيرهم، ومنَعَه جماعة، منهم: الزهري، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) يردان قول مَن منع ذلك، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة. ” شرح مسلم ” ( 9 / 214، 215 ).

وقد ردَّ العلماء على قول الحنفية الذين منعوا من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، وواجب شرعي، والأجر فيه على الله، وأباحوا أخذ الأجر على الرقية.

* قال ابن بطَّال رحمه الله:

وأما قول الطحاوي: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا فرض: فغلط؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض، فكيف تعليمه؟! وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد: ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك: فضيلة، ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضًا الصلاة ليس بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة على الرقَى، وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة.

وقوله عليه السلام: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم. ” شرح صحيح البخاري ” ( 6 / 405، 406).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تأخذ أجرًا على تعليم القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلا امرأة بتعليمه إياها ما معه من القرآن، وكان ذلك صداقها، وأخذ الصحابي أجرة على شفاء مريض كافر بسبب رقيته إياه بفاتحة الكتاب، وقال في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) أخرجه البخاري ومسلم، وإنما المحظور: أخذ الأجرة على نفس تلاوة القرآن، وسؤال الناس بقراءته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 96 ).

 

ثانيًا:

ولا شك أن لأخذ الأجرة على التعليم، والكتابة، وإلقاء المحاضرات، أثرًا في حصول الأجل الكامل لثواب تلك الأعمال الجليلة، لكن ننبه أنه ليس كل من لم يأخذ أجرًا على تلك الأعمال أنه سيحصل ثوابها كاملًا يوم القيامة – كما كان عمله رياءً وسُمعة -، وفي المقابل ليس كل من أخذ أجرًا دنيويّا أنه ستضيع عليه أجور الآخرة؛ وذلك إذا أتقن عمله، وقصد بتلك الأجور الدنيوية أنها مقابل تفرغه لتلك الأعمال، لا أنها مقابلها.

 

 

 

والحال أنه يمكن تقسيم المعلمين والمؤلفين والدعاة الذين يأخذون الأجور على أعمالهم تلك، من رواتب، أو مال بيعٍ لتلك الكتب، أو مال يُدفع لهم مقابل إلقاء المحاضرات: يمكن تقسيمهم إلى قسميْن:

  1. أن يقصد أولئك بتلك الأجور والأموال الاستعانة بها على طاعة الله، ويكون قصدهم الأصلي نشر العلم، ورفع الجهل عن الناس، ورفع راية الإسلام في كل مكان، وأما ما يحصل من نفع دنيوي: فهو تبع لا أصل، ولا شك أن أجر هؤلاء ليس كمن فعل تلك الطاعات ولم يأخذ من أجور الدنيا شيئًا، فأجرهم ناقص، ويكمل بحسب قوة النية الأصلية، وضعف التبع.
  2. أن يقصد أولئك بنشر تلك الأعمال الكتابية، والقيام بالأعمال الدعوية، والتعليم: أن يقصدوا بذلك ما يترتب عليها من نفع دنيوي، ابتداءً، وانتهاءً، وليس من مقصودهم نفع الناس، ولا رفع الجهل عنهم، فمقصود هؤلاء الأصلي نفع أنفسهم، غير حريصين انتفع الناس أو لم ينتفعوا.

وقد اختلف العلماء في أثر نية هؤلاء، فقال بعض العلماء ببطلان أعمالهم، وطاعاتهم، وقال آخرون: لا يأثم على نيته، ولكن ليس لهم أجور – قطعًا – في الآخرة، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول الأول.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وجماع هذا: أن المستحب: أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلم، أو ليعلِّم، أو ليجاهد: فحسن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها )، شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع إذا كانت أجنبية.

وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق: فهذا من أعمال الدنيا، ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده، والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص، ليس هذا موضعها. ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 19، 20 ).

* وقول شيخ الإسلام رحمه الله قول قوي، وهو مؤيد بحديثين:

الأول:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّ يَعْلَى ابْنَ مُنْيَةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ فَوَجَدْتُ رَجُلًا فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا السُّهْمَانِ وَمَا يَبْلُغُ سَهْمِي فَسَمِّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَسَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَتُهُ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ فَذَكَرْتُ الدَّنَانِيرَ فَجِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرَهُ فَقَالَ: ( مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى ).

رواه أبو داود ( 2527 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

أي: لا يُعطى شيئًا من الغنيمة؛ لأنه اتفق معه على هذا المقدار، وكذلك ليس له شيء في الآخرة؛ لأنه ما جاهد من أجل الله، وإنما خرج من أجل الأجرة.

” شرح سنن أبي داود ” ( 13 / 439 ) ترقيم الشاملة.

الثاني:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا أَجْرَ لَهُ) فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ وَقَالُوا لِلرَّجُلِ عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّكَ لَمْ تُفَهِّمْهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ: ( لَا أَجْرَ لَهُ ) فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: ( لَهُ لَا أَجْرَ لَهُ ).

رواه أبو داود ( 2516 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله -:

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه ( لاَ أَجْرَ لَهُ  ) وهي محمولة على أنه لم يكن له غرضٌ في الجهاد إلا الدنيا.

” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 17 ).

* وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

لأن الذي يدفعه للجهاد: هو أن يحصل عَرَضًا دنيويًّا، من غنيمة، أو أجرة، ولعل المقصود من ذلك: أن قصده الدنيا وحدها, ولا يريد إعلاء كلمة الله.

” شرح سنن أبي داود ” ( 13 / 417 ) ترقيم الشاملة.

 

والله أعلم.

 

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات ” مونت بلانك “؟

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات ” مونت بلانك “؟

السؤال:

فقد انتشر بين الناس ماركة عالمية ” مون بلان ” – للتصحيح فالماركة اسمها ” مونت بلانك “، تحمل شكلًا مشابهًا لـ ” نجمة إسرائيل “،  فهل يجوز ارتداء حليهم، أو اقتناء أقلامهم، أو كباكتهم؟ وهل لهذه النجمة ارتباط ديني؟ أرجو توضيح ذلك؛ فقد عم بها البلاء.

وهذا موقع الشركة www.montblanc.com.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– ثمة تنبيهات لا بدَّ منها قبل الإجابة على السؤال، وهي تتعلق بالمصطلحات، وضرورة عدم موافقة اليهود فيما يخالف منها الشرع، والواقع، والتاريخ:

  1. من الخطأ أن نقول: ” نجمة داود “، والصواب: أن نقول: ” النجمة السداسية “؛ لأنه لا يُعرف لداود عليه السلام نجمة، ثم هم يريدون نسبة أنفسهم لنبي من الأنبياء، مع أن الواقع أن الكفرة منهم ملعونون على لسانه عليه السلام، قال تعالى: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) المائدة/ 78.
  2. من الخطأ أن ننسب اليهود إلى ” إسرائيل “، فلا يقال ” دولة إسرائيل “، ولا ” شعب إسرائيل “؛ لأن ” إسرائيل ” هو يعقوب عليه السلام، وهؤلاء الكفرة لا يستحقون شرف النسبة لأي نبي، والأليق بهم تسميتهم ” يهود “، أو يقال ” بنو إسرائيل “.

 

ثانيًا:

وثمة اختلاف في حقيقة تاريخ اتخاذ النجمة شعارًا لليهود، والمسألة فيها أقوال كثيرة، وليس ثمة ما يرجح بعضها على بعض، والذي ظهر لنا أنه لم يكن لها ارتباط ديني من حيث الأصل، أما الآن فقد اختلف الأمر، وصارت شعارًا لهذه العصبة الكافرة، وجزء من علَم تلك الدول اليهودية المحتلة لفلسطين.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” نجمة داود “، ” Star of David “:

وتسمَّى أيضًا ” ترس داود “، وهي الرمز العالمي لليهودية، تظهر نجمة داود في علَم ” دولة إسرائيل “! – وقد نبهنا علىعدم جواز إطلاق هذا اللفظ عليهم – والمعابد اليهودية، وفي الأشياء التي تستخدم عند ممارسة الطقوس الدينية، وفي شعارات مختلف المنظمات.

تتكون النجمة من مثلثين، يتشابكان لتكوين نجمة سداسية، وشكل هذه النجمة معروف منذ القدم، ولكن لا يعرف الباحثون متى اشتهر بوصفه رمزًا لليهودية، ويعتقد أنه ظهر قبل عام 960 ق.م، أما المصطلح اليهودي ” ماغن ديفيد ” الذي يعني ” ترس داود “: فيعود إلى أواخر القرن الثالث الميلادي. انتهى.

ومن أراد الزيادة في معرفة تاريخ ظهور هذه النجمة السداسية: فلينظر كتاب ” موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية ” تأليف الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله.

 

ثالثًا:

ولكون النجمة السداسية الآن صارت شعارًا لتلك العصابة الإجرامية، وجزء من رايتها: فإن المنع من نقشها، ورسمها على الثياب، والساعات، والجدُر، وغيرها : هو المتعيِّن، وهو الذي أفتى به العلماء.

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

عن حكم بيع أو شراء أو عرض: ” نجمة إسرائيل “! أو ” الصليب “، أو ما يمت لليهود والنصارى بشيء من شعائرهم؟.

فأجابوا:

لا يجوز عمل هذه المصوغات بما يحمل شعارات الكفر ورموزه، كالصليب، ونجمة إسرائيل، وغيرهما، ولا يجوز بيعها، ولا شراؤها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / – 70 ).

 

رابعًا:

وأما بخصوص ذات العلامة التجارية الوارد ذِكرهافي السؤال: فالذي علمناه أنه لا يُقصد بذلك الشعار ” النجمة السداسية “، وليست الشركة المنتجة شركة يهودية، وإذا عُرفت حقيقة الأمر تبين حكم المسألة.

فاسم الماركة ” مونت بلانك “montblanc  هو اسم ” جبل ” ثلجي في فرنسا، يقع على الحدود الفرنسية الإيطالية، وهو يعد أعلى الجبال الواقعة في ” أوروبا الغربية “، والشركة المنتجة لهذه المصنوعات هي شركة ألمانية، تأسسيت سنة 1906 م، وكان لها اسم غير هذا، وفي عام 1909 تم تغيير الاسم، وفي عام 1913 تم ابتكار هذا الشعار، وقد قصدوا بالشعار قمة ذلك الجبل، وأن مصنوعاتهم تشبه تلك القمة، في بياضها، وعالميتها، وعلو مكانتها، وهذا كله بحسب موقعهم الذي أحالنا عليه الأخ السائل، ونذكر هذا من باب الإنصاف، وعدم الغلو في النظر للمسائل، وننبه هنا إلى أمور:

  1. أن كثيرًا من الناس يزعم في أشكال كثيرة أنها صليب، ومن ثم يحرم صناعتها، أو رسمها، أو شراءها وبيعها وهذا ليس صحيحًا، بل الصليب المأمور بنقضه، والمحرَّم شراء ما نُقش عليه: هو ما كان صليباً في ذاته.

 

  1. بعض منتجات الشركة الوارد ذكرها في السؤال قد تكون محرَّمة باعتبار آخر، إما لذاتها كساعات ذهبية للرجال، أو لاستعمالها، كزينة محرّم على المرأة إظهارها، أو عطور نسائية تضعها يجد الأجانب ريحها.

 

ويمكن لمن أراد الاطلاع على شعار الشركة أن يراه هنا:

http://www.lacotedesmontres.com/mesIMG/imgStd/21807.jpg

 

والله أعلم.

 

 

 

هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

السؤال:

هل ما زال باب الاجتهاد مفتوحًا؟ وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجَهد، وهو المشقة، أو الوسع، أو الطاقة.

وأما الاجتهاد عند علماء الفقه، أو الأصول: فقد عرَّفوه بتعاريف متقاربة في ألفاظها، ومعانيها، وإذا كان قد أُورد على بعض هذه التعاريف اعتراضات ترجع إلى الصناعة اللفظية، فكلها تدور حول بذل الجَهد، والطاقة لمعرفة الحكم الشرعي من دليله.

وأدق ما قيل في تعريفه ما ذهب إليه صاحب ” مسلَّم الثبوت ” – وهو: محب الله بن عبد الشكور البهاري -: ” إن الاجتهاد هو: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنِّي “. ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 18، 19 ).

 

ثانيًا:

وفي أوائل القرن السادس انطلقت دعوى إغلاق باب الاجتهاد، ولا يملك أحد أن يغلق باب الاجتهاد، وليس ذلك من حق أحد حتى يغلقه، ودعوى إغلاق باب الاجتهاد هي ” اجتهاد ” أصلًا! فهي دعوى متناقضة، إذ كيف لهذا المدَّعي أن يجتهد في إغلاقه، ثم يمنع غيره منه؟!.

 

ثالثًا:

ولا تزال الأمة تمر عليها النوازل، ويحتاج المسلمون في الأرض لمعرفة حكم الله تعالى فيها، ولا يتم ذلك إلا بالاجتهاد في النظر في الأدلة الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لها.

ومَن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم الحاجة إليه، وأنه ” لم يترك الأوائل للأواخر شيئًا “: يُرد عليه بوجود نوازل تُلزم أهل العلم بالإفتاء فيها، وبيان حكم الله الذي يرونه منطبقًا عليها، ولا يوجد لها ذِكر في كتب المتقدمين.

ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم وجود مَن هو أهل له، أو وجود من يجتهد إرضاء لحكامه: فيرد عليه بالكثرة الكاثرة من أئمة الدِّين في كل عصر، ومصر، ممن هم أهلٌ للاجتهاد، وممن لا يخافون في الله لومة لائم.

* ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق حتى لا يُفتح المجال لكل أحد أن يفتي في دين الله: فيرد عليه:

أ. أن الحاجة ملحة للحكم على ما يستجد من مسائل.

ب. أن العلماء وضعوا ضوابط وشروطًا ينبغي تحققها في المجتهد، فليست المسألة فوضى حتى يُجعل الاجتهاد بيد كل أحد.

ج. أن الجاهل لو أفتى بغير علم فإن العلماء له بالمرصاد لإسقاطه، والتحذير منه، فهم أمناء الدين، وحراس حدوده.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 42، 43 ) :

والذي نَدين الله عليه: أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علمٍ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، ومواطن الإجماع، وفتاوى الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودونت بها السنَّة النبوية، وأن يكونوا قبل ذلك وبعد ذلك على الصراط المستقيم، لا يخشون في الله لومة لائم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث، وما يجدّ من نوازل، وألا يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يُحسن أن يجمع بين أشتات الموضوع، ويرجح بعضها على بعض.

والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد إنما نزعوا عن خوفٍ من أن يدَّعي الاجتهاد أمثال هؤلاء، وأن يفتري على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، وإنما يقولون ذلك إرضاء للحكام، ولقد رأينا بعض من يدَّعي الاجتهاد يتوهم أن القول بكذا وكذا فيه ترضية لهؤلاء السادة، فيسبقونهم بالقول، ويعتمد هؤلاء الحكام على آراء هؤلاء المدعين، فقد رأينا في عصرنا هذا من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقا؛ لأن المصلحة – في زعمه – توجب الأخذ به، ومنهم مَن أفتى بجواز الإجهاض ابتغاء تحديد النسل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه ” تنظيم الأسرة “، ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحدِّ، ومنهم … ومنهم … فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على القول بإقفال باب الاجتهاد.

ولكنا نقول: إن القول بحرمة الاجتهاد وإقفال بابه جملة وتفصيلًا لا يتفق مع الشريعة نصًّا وروحًا، وإنما القولة الصحيحة هي إباحته، بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه؛ لأن الأمَّة في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية فيما جدَّ من أحداث لم تقع في العصور القديمة.  انتهى.

* وسئل علماء اللجنة الدائمة: 

هل يعتبر باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية مفتوحًا لكل إنسان، أو أن هناك شروط لا بد أن تتوفر في المجتهد؟ وهل يجوز لأي إنسان أن يفتي برأيه، دون معرفته بالدليل الواضح؟ وما درجة الحديث القائل ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) أو ما معناه؟.

فأجابوا:

باب الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية لا يزال مفتوحًا لمن كان أهلاً لذلك، بأن يكون عالمًا بما يحتاجه في مسألته التي يجتهد فيها، من الآيات والأحاديث، قادرًا على فهمهما، والاستدلال بهما على مطلوبه ، وعالمًا بدرجة ما يستدل به من الأحاديث، وبمواضع الإجماع في المسائل التي يبحثها حتى لا يخرج على إجماع المسلمين في حكمه فيها، عارفًا من اللغة العربية القدر الذي يتمكن به من فهم النصوص؛ ليتأتَّى له الاستدلال بها، والاستنباط منها، وليس للإنسان أن يقول في الدين برأيه، أو يُفتي الناس بغير علم، بل عليه أن يسترشد بالدليل الشرعي، ثم بأقوال أهل العلم، ونظرهم في الأدلة، وطريقتهم في الاستدلال بها، والاستنباط، ثم يتكلم، أو يفتي بما اقتنع به، ورضيه لنفسه دينًا.

أما حديث ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ): فقد رواه الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في ” سننه “، عن عبد الله بن أبي جعفر المصري مرسلًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 17 ، 18 ).

 

رابعًا:

وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟! ولعل السائل يريد: الاجتهاد الذي يخالف ما أجمع عليه الصحابة، والجواب عليه: أنه لا يجوز لأحدٍ أن ينقض إجماعًا ثابتًا، ليس من أهل عصرنا فحسب، بل من كل من جاء بعد ثبوت ذلك الإجماع، ولو كان من التابعين، وإنما نرى خلاف العلماء للإجماعات قبلهم لأسباب:

  1. أنه قد لا يكون ثبت لدى ذلك الفقيه ذلك الإجماع، فبذل وسعه، واجتهد، وتوصل لخلاف ما ثبت الإجماع عليه.
  2. أن الإجماع الثابت قد لا يكون إجماعاً متفقًا على حجيته، كالإجماع السكوتي، فيرى الفقيه أن من حقه أن يجتهد، وأن ذلك الجماع ليس ملزمًا له.

وأما مع كون الإجماع قطعيًّا: فإنه لا يحل لأحدٍ أن يجتهد في المسألة أصلًا، فضلًا أن يخالفها، والإجماع مستنده النص، والمخالف له: مخالف للقرآن والسنَّة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما أجمعوا عليه فلا بدَّ أن يكون فيه نصٌّ عن الرسول، فكل مسألة يُقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين: فإنها مما بيَّن الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البيِّن، وأما إذا كان يظن الإجماع، ولا يقطع به: فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر؛ بل قد يكون ظن الإجماع خطأ ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع، وما لا يكفر.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 39 ).

* وقال السرخسي – رحمه الله -:

الإجماع موجب للعلم قطعًا بمنزلة النص، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الاجماع بدليله. ” أصول السرخسي ” ( 1 / 308 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح؛ لقوة مأخذه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 64 ).

 

والله أعلم.