الرئيسية بلوق الصفحة 52

مقطع فيديو لمحتضر مصوَّر بالأشعة هل يجوز نشره؟ وموعظة بليغة من القرطبي

مقطع فيديو لمحتضر مصوَّر بالأشعة هل يجوز نشره؟ وموعظة بليغة من القرطبي

السؤال:

يظهر في هذا المقطع لحظة نزع روح إنسان، حيث تم التصوير باستخدام الأشعة، والأشعة تبين أماكن الحرارة والبرودة، إذ أن جسم الإنسان يبرد بعد نزع الروح.

رابط المشاهدة:

http://www.mashahd.net/video/63426%20.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا نستطيع الجزم بصحة المقطع من حيث الواقع، فلا نعلم عن مصدره شيئًا، ومرجع معرفة ذلك والجزم به إلى أهل الاختصاص من أهل الطب، لكننا نجزم أن ما صوِّر ليس هو الروح كما يسوِّقه بعض ناشري ذلك المقطع؛ لأن الروح لا تُعرف كنهها ولا حقيقتها، فمِن أين لهذا القائل أن يجزم بأن هذا تصوير لروح ذلك الشخص؟! نعم يمكن الجزم بأن هذا هو حال البدن حين الوفاة، لكن لا تُنسب تلك الصور أنها للروح.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها ومادتها، أما الجسد: فأصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النطفة، لكن الروح لا نعرف من أي جوهر هي؟ ولا من أي مادة ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) الإسراء/ 85. ” لقاءات الباب المفتوح ” ( مقدمة اللقاء 82 ).

 

ثانيًا:

والوعظ بالموت ونهاية الحياة والقبر من أساليب الدعوة الشرعية، فقد جاء في الكتاب والسنَّة ما يدل على هذا الأسلوب في الوعظ عمومًا، وفيما ذكرناه خصوصًا، ومن الأدلة في ذلك:

  1. قوله تعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) النحل/ 125.
  2. وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ الَّلهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم مَوعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَت مِنهَا العُيونُ وَوَجِلَت مِنهَا القُلوبُ ).

رواه الترمذي (2676) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 4607 )، وابن ماجه ( 42 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ونشر مقاطع المحتضرين – كأمثال من مات من اللاعبين في الملاعب – ومقاطع الدفن والقبور له أثر طيب في الدعوة إلى الله: في تذكير الغافلين، وحث المنتبهين على زيادة العمل والطاعة، وقد وعظ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على قبر، ومن حكَم تشريع زيارة القبور ” التذكير بالآخرة “، وعليه: فالتذكير بالموت وحال المحتَضَرين والقبر من الوسائل الشرعية في الوعظ، ونشر مقاطع فيديو حقيقية في ذلك من العمل المباح، سواء كان هذا الوعظ للمسلم نفسه أم لوعظ غيره بها، وقد أوصى العلماء الاعتبار بذلك.

 

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه: أن يُكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرِّق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضَرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه: فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب: فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير، وفي مشاهدة من احتُضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين: معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبلغ من الأول؛ قال صلى الله عليه وسلم: ( ليس الخبر كالمعاينة” – رواه أحمد ( 3 / 341 ) بسند جيِّد – رواه ابن عباس، فأما الاعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات، وأما زيارة القبور: فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر ….

فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم، ولم تغنِ عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم، وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله.

وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه. ” تفسير القرطبي ” ( 20 / 171، 172 ).

 

والله أعلم.

 

حكم المسح على خمار الرأس للمرأة وهل يشترط له ما يشترط للمسح على الخفين؟

حكم المسح على خمار الرأس للمرأة وهل يشترط له ما يشترط للمسح على الخفين؟

السؤال:

ما هي أحكام مسح المرأة على خمارها للوضوء؟ هل لها نفس أحكام المسح على الجورب؟ وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في حكم مسح المرأة على خمار رأسها إلى أقوال ثلاثة:

  1. ذهب الجمهور – وهو رواية عن أحمد – إلى عدم جواز المسح عليه وحده، وحكموا على الوضوء إن هي فعلت بالبطلان، إلا أن يكون الخمار رقيقًا ينفذ الماء من خلاله.

* ففي ” المدونة ” ( 1 / 124 ):

قال مالك في المرأة تمسح على خمارها: أنها تعيد الصلاة والوضوء.

انتهى.

وننبه هنا إلى أن الشافعي رحمه الله قد علَّق جواز المسح على العمامة بصحة الخبر فيه، وقد صحَّت أخبار في ذلك – كحديث بِلاَلٍ في ” صحيح مسلم ” ( 275 ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ ” أي: العمامة؛ لأنها تخمر الرأس أي: تغطيه – فوجب أن يُضم الشافعي رحمه الله إلى المجيزين للمسح على عمائم الرجال وخمُر النساء.

  1. وذهب الحنابلة في الرواية الأخرى عن إمامهم إلى جواز المسح وصحة الوضوء، وهو قول ابن حزم، حيث قال:

وكل ما لُبس على الرأس من عمامة أو خمار أو قلنسوة أو بيضة أو مغفر أو غير ذلك: أجزأ المسح عليها، المرأة والرجل سواء في ذلك، لعلة أو غير علة.

” المحلى ” ( 1 / 303 ) .

  1. وذهب فريق ثالث إلى التفريق بين ما يشق نزعه وما يسهل فأجازوا المسح على الأول دون الآخر، وهو قول ابن تيمية، ومن المعاصرين: الشيخ العثيمين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

– وفي مسح المرأة على مقنعتها وهي خمارها المدار تحت حلقهما روايتان:

إحداهما: لا يجوز؛ لأن نصوص الرخص إنما تناولت الرجل بيقين، والمرأة مشكوك فيها، ولأنها ملبوس على رأس المرأة فهو كالوقاية.

والثانية: يجوز، وهي أظهر لعموم قوله ” امسحوا على الخفين والخمار ” – رواه أحمد ( 39 / 325 ) وقال المحققون: حديث صحيح من فعله صلى الله عليه وسلم لا من قوله -، والنساء يدخلن في الخطاب المذكور تبعاً للرجال كما دخلن في المسح على الخفين ….

ولأن الرأس يجوز للرجل المسح على لباسه فجاز للمرأة كالرجل، ولأنه لباس يباح على الرأس يشق نزعه غالباً فأشبه عمامة الرجل وأولى؛ لأن خمارها يستر أكثر من عمامة الرجل، ويشق خلعه أكثر، وحاجتها إليه أشد من الخفين.

” شرح العمدة ” ( 1 / 265، 266 ).

* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وعلى كُلِّ حالٍ: إِذا كان هناك مشقَّة إِما لبرودة الجوِّ، أو لمشقَّة النَّزع واللَّفّ مرَّة أخرى: فالتَّسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأوْلى ألاَّ تمسح، ولم ترد نصوصٌ صحيحة في هذا الباب. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 239 ).

والقول الثالث هو الأرجح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عمامته، ولا فرق بين عمامة الرجل وخمار المرأة، بل المرأة أولى بالجواز؛ لما ذكره شيخ الإسلام من أسباب.

وعليه : فليس كل غطاء للرأس يُمسح عليه، بل ما كان الرأس مستورًا به وثمة حرج في نزعه ، كامرأة تخشى رؤية شعرها، أو كانت تغطي رأسها المخضَّب بحناء، أو كان ثمة برد تخشى على نفسها منه، ومثل هذا من الأعذار.

 

ثانيًا:

ومن أجاز من الحنابلة المسح على خمار المرأة جعل له حكم الخفين والجوربين، فاشترط لبسه على طهارة، وجعل للمسح المدة التي للخفين والجوربين.

* قال ابن قدامة – رحمه الله – في حكم المسح على العمامة -:

وحكمها في التوقيت واشتراط تقديم الطهارة وبطلان الطهارة بخلعها: كحكم الخف؛ لأنها أحد الممسوحين على سبيل البدل “.  ” الكافي ” ( 1 / 39 ).

ولا يظهر أن هذا القول صواب، وليس للخمار – ولا للعمامة – حكم الخفين، فلا يشترط فيهما ما يشترط للمسح على الخفين، والقياس على الخفين من أبعد القياس؛ فحكم الرجلين أصلًا الغسل بخلاف الرأس فإن حكمه المسح، والخفان يُمسح ظاهرُهما فقط وأما الخمار فليس في المسح عليه مثل ذلك، بل الراجح أنه يجب أن يعمَّ المسحُ الرأسَ كله مكشوفًا كان أو مغطّى، أو كان جزءٌ مكشوفًا وآخر مغطَّى.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار والمسح على الخفين، وإنما نصَّ رسول الله في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة والخمار، قال الله تعالى: ( لتبين للناس ما نزل إليهم )، ( وما كان ربك نسيًا)، فلو وجب هذا في العمامة والخمار: لبيَّنه عليه السلام، كما بيَّن ذلك في الخفين، ومدعي المساواة في ذلك بين العمامة والخمار وبين الخفين: مدع بلا دليل، ويكلف البرهان على صحة دعواه في ذلك ، فيقال له: من أين وجب إذ نص عليه السلام في المسح على الخفين أنه لبسهما على طهارة أن يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إليه أصلا بأكثر من قضية من رأيه، وهذا لا معنى له ، قال الله تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ). ” المحلى ” ( 1 / 310 ).

* وقال – رحمه الله -:

وقول القائل: لمَّا كان المسح على الخفين موقتًا بوقت محدود في السفر ووقت في الحضر وجب أن يكون المسح على العمامة كذلك: دعوى بلا برهان على صحتها، وقول لا دليل على وجوبه، ويقال له: ما دليلك على صحة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصين في المسح على الخفين؟ وهذا لا سبيل إلى وجوده بأكثر من الدعوى، وقد ” مسح رسول الله على العمامة والخمار “، ولم يوقت في ذلك وقتًا ووقَّت في المسح على الخفين، فيلزمنا أن نقول ما قال عليه السلام، وأن لا نقول في الدِّين ما لم يقله عليه السلام، قال الله تعالى: ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ). ” المحلى ” ( 1 / 310 ).

ولم يأت حرف واحد صحيح في الشرع في اشتراط لبس العمامة على طهارة حتى يمسح عليه، ولا في التوقيت للمقيم والمسافر، وما ورد في ذلك فهو ضعيف، كحديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثا في السفر ويوما وليلة في الحضر ).

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

لكن في إسناده مروان أبو سلمة، قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الأزدي: ليس بشيء، وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح. ” نيل الأوطار ” ( 1 / 204 ).

 

والله أعلم.

 

 

حكم صلاة السلفي خلف الإمام المذهبي والأشعري

حكم صلاة السلفي خلف الإمام المذهبي والأشعري

السؤال:

أصلي في مسجد لأهل السنَّة منذ سنوات وتعلمت الكثير من إمام هذا المسجد، وجدت هؤلاء القوم يسيرون على النهج الصحيح ولا يتتبعون البدع في الدين، تعلمتُ منهم الكثير، وتغيرت أحوالي إلى الأفضل، إلا أن هذا المسجد بعيد عنِّي إلى حدٍّ ما وأحتاج في الذهاب إليه إلى السيارة، أذهب إليه في صلوات النهار كلها إلا أن صلاة الفجر والعشاء يصعب عليَّ الذهاب إليه، هناك مسجد آخر بالقرب منِّي مسافة يكفي فيها المشي إلا أن في هذا المسجد يقومون ببعض البدع، ويتبعون المذهب الحنفي في الفقه، وإمام المسجد أشعري أو ماتريدي العقيدة، فإذا حضرتُ صلاة الجماعة في هذا المسجد خلف هذا الإمام الأشعري فهل تقبل صلاتي؟ وهل آخذ ثواب الجماعة؟ حقّاً أنا في حاجة إلى إجابة صائبة، أحب مسجد أهل السنَّة لكنَّه بعيد قليلًا وهناك مشكلة في ركن سيارتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخ السائل غيرته على السنَّة وحبَّه لأهلها، ونسأل الله أن يوفقه لما فيه رضاه.

ولتعلم – أخي السائل – أن صلاة الجماعة في المسجد الذي يُسمع فيها النداء من غير مكبرات صوت هي واجبة على المكلَّف، ما لم يمنعه من ذلك عذرٌ شرعي.

 

ثانيًا:

وليس من أعذار التخلف عن صلاة الجماعة كون الإمام متمذهبًا بمذهب فقهي يخالف مذهب المأموم، وما دام أنه في دائرة الإسلام: فإنه لا يحل ترك الصلاة خلفه، ولو كان يرى في مذهبه خلاف ما يراه المأموم، ولم يزل الصحابة والتابعون يصلون خلف بعضهم بعضًا مع عدم اتفاقهم في مسائل تتعلق بالطهارة والصلاة وغيرها، ومثل هذا القول لا ينبغي لعاقل أن يشك في صحته طرفة عين، ففي القول بضدِّه تفريق بين المسلمين، وبث لروح العداوة والبغضاء وتقطيع أواصر أخوتهم الإسلامية، ومثل هذا – ولا شك – يُفرح إبليس وأتباعه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما المخالفون في الفروع كأصحاب أبي حنيفة, ومالك, والشافعي: فالصلاة خلفهم صحيحة غير مكروهة، نصَّ عليه أحمد; لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم: لم يزل بعضهم يأتم ببعض, مع اختلافهم في الفروع, فكان ذلك إجماعًا …. ” المغني ” ( 2 / 11 ).

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحمه اللّه -:  

هل تصح صلاة المأموم خلف من يخالف مذهبه؟ .

فأجاب :

– وأما صلاة الرجل خلف من يخالف مذهبه: فهذه تصح باتفاق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والأئمة الأربعة، ولكن النزاع في صورتين :

إحداهما: خلافها شاذ، وهو ما إذا أتي الإمام بالواجبات كما يعتقده المأموم، لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير إذا فعله من لم يعتقد وجوبه، والمأموم يعتقد وجوبه، فهذا فيه خلاف شاذ، والصواب الذي عليه السلف وجمهور الخلف: صحة الصلاة .

والمسألة الثانية: فيها نزاع مشهور، إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة سرًّا وجهرًا، والمأموم يعتقد وجوبها، أو مثل أن يترك الوضوء من مس الذكر، أو لمس النساء، أو أكل لحم الإبل، أو القهقهة، أو خروج النجاسات، أو النجاسة النادرة، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، فهذا فيه قولان: أصحهما: صحة صلاة المأموم، وهو مذهب مالك، وأصرح الروايتين عن أحمد في مثل هذه المسائل، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، بل هو المنصوص عنه، …. ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 378 – 380 ) باختصار.

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

الاختلاف في الفروع ليس له أثر في صحة صلاة بعض المختلفين خلف بعض، وعلى الإمام وغيره من أهل العلم أن يتحرى الأرجح في الدليل، سواء كان المأمومون يوافقونه في ذلك أم لا .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 7 / 366 ).

ثالثًا:

وليس من أعذار تخلفك عن جماعة المسجد القريب من بيتك كون الإمام أشعريًّا أو ماتريديًّا، والقاعدة عند أهل السنَّة ” صلِّ وعليه بدعته ” كما قاله الحسن البصري رحمه الله، والقاعدة عند الفقهاء ” من صحَّت صلاته لنفسه صحَّت لغيره “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك: فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم … ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 352 – 354 ) باختصار.

وعليه: فلا يصح توقفك في الصلاة خلف إمام المسجد القريب من بيتك بعذر أنه حنفي المذهب، أو أنه أشعري أو ماتريدي، وقد علمت ما قاله الأئمة الأعلام في ذلك، فلم يبق إلا الاستجابة والتسليم، ولك أجر الجماعة كاملًا غير منقوص، والصلاة صحيحة، ونسأل الله أن يتقبلها منك.

 

ونوصيك – أخي الفاضل – بحسن التعامل مع الإمام وأصحابه وأتباعه، والتلطف في القول والفعل، ومحاولة بذل النصح بالحكمة، واعلم أن كثيرين قد تركوا المذهبية والابتداع في العقائد عندما تبيَّن لهم الحق، وكثيرون كان حسن التعامل معهم من أهل الحق هو السبب في تركهم لباطلهم واعتقادهم بالعقيدة الحقة والمنهج الحق، ولعلَّ الله تعالى أن يكون أراد بهم وبك خيرًا في صلاتك في مسجدهم ذاك، والله تعالى مالك قلوب العباد ويقلبها كيف يشاء، فاحفظ على نفسك ما أنت عليه من الحق، وابذل وسعك في إيصال ذلك الحق لغيرك بأحسن أسلوب وألين عبارة، والله يتولاك ويرعاك.

 

والله أعلم.

 

أسباب الاستهزاء بالملتزمين وعاقبته، وكيف يواجه الملتزم استهزاءهم؟

أسباب الاستهزاء بالملتزمين وعاقبته، وكيف يواجه الملتزم استهزاءهم؟

السؤال:

كيف أتصرف مع الناس في حالة استهزائهم بي ( قد يكون ذلك لكوني ملتحيًا – والحمد لله ونسأل الله الثبات والتوفيق – ) فالبعض يرمونني بنظرات حادة، والبعض ينظر إليَّ بنظرة تدل على استهزاء واضح، بل على احتقار ( يقلبونني من فوق إلى تحت بأبصارهم )، والبعض يمرون بجانبي رافعين أصواتهم بالاستغفار والحولقة، وأرى أن رفع الصوت ليس بصفة عادية أي ما يدل على ذكرهم لله بل في أصواتهم بغض وكراهية، ومرَّة مرَّ بجانبي رجل رافعًا صوته بالاستغفار وعابساً وجهه، ووصل به الحد إلى أن يبزق أمامي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأنا لا أعرف ماذا يرضي الله في مثل هذه الحالات، فهل أتغافل؟ أم أواجههم؟ وفي حالة كثرة الاستهزاء من قبل الشخص ماذا أفعل؟ وفي حالة كان المستهزئ أنثى؟. فأفتوني في أمري بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم – أخي السائل – أن الاستهزاء بأهل الدِّين والسخرية منهم ليس جديدًا على أهل الشر والسوء، فقد استهزء أسلافهم بالمرسلين والصالحين، ولم يمنعهم ذلك الاستهزاء من الاستمرار في الاستقامة على أمر الله، واستمرار دعوة الناس إلى ربهم عز وجل.

قال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) الحِجر/ 10 – 13.

 

ثانيًا:

واعلم أن أولئك المستهزئين والساخرين بك وباستقامتك على أمر الله تعالى قد ذكر الله تعالى من حالهم أنهم على طريق المنافقين، وأنهم مجرمون، وأنهم من عبَّاد الدنيا.

قال تعالى ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) التوبة/ 79.

وقال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) المطَّففين/ 29.

وقال تعالى ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) البقرة/ 212.

– وفي حكم المستهزئ بمظاهر السنَّة انظر جواب سابق لنا.

ثالثًا:

واعلم – أخي السائل – أن الله تعالى ذَكر في كتابه الكريم استهزاء أقوام الأنبياء والمرسلين بهم، وذكر عاقبتهم الوخيمة في الدنيا، وذكر ما توعدهم به في الآخرة وأنهم سيصلون سعيرًا، ولعلَّ هذا أن يخفف عنك ما أنت فيه من ضيق وهم وغم، ولعل ذلك أن يكون رادعًا لهم ليتوبوا من سخريتهم بك، واستهزائهم بسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فمِن استهزائهم بنوح قولهم له: بعد أن كنت نبيًّا صرت نجارًا، وقد قال الله تعالى عن نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود/ 38، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) العنكبوت/ 14، وأمثالها من الآيات.

ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم: ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) هود/ 54، وقوله عنهم أيضًا: ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ) الآية هود/ 53، وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله: ( أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) الآية الذاريات/ 41، وأمثالها من الآيات.

ومن استهزائهم بصالح قولهم فيما ذكر الله عنهم: ( وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف/ 77، وقولهم: ( قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا ) الآية هود/ 62، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) هود/ 94، ونحوها من الآيات.

ومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) الآية النمل/ 56، وقولهم له أيضًا: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) الشعراء/ 167، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) الحِجر/ 74، ونحوها من الآيات.

ومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله عنهم: ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) هود/ 91، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) الشعراء/ 189، ونحوها من الآيات. ” أضواء البيان ” ( 1 / 473 ).

وفي حق سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ( وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ) الأنبياء/ 36.

 

رابعًا:

إذا علمت ما سبق: فإن الذي نوصيك به في مواجهة أولئك المستهزئين والساخرين:

  1. الصبر على ما تراه وتسمعه منهم، وقد سبق لك أن علمت أن الأنبياء والمرسلين لم يسلموا من الاستهزاء بهم، وقد صبروا على ما أوذوا.
  2. الاستمرار على استقامتك على الحق، وعدم التنازل عن شيء منه إرضاء للناس، وليكن على بالك دومًا السعي لإرضاء الله ولو سخط عليك بسبب ذلك الناس، ولا تبحث عما يرضي الناس فإنك بذلك تتسبب في سخط الله عليك.
  3. الاعتقاد الجازم أن الله تعالى سينتصر لك على أولئك الظالمين، وأن عاقبة استهزائهم الخسارة، وانظر في حال المرسلين وأقوامهم الذين سخروا منهم ليتأكد لك صدق ما نقوله.

قال الشيخ عطية سالم – رحمه الله – توكيدًا لما ذكرناه لك في النقاط السابقة -:

إذا كان هذا حال بعض الذين أجرموا مع بعض ضعفة المؤمنين، وكذلك حال بعض الأمم مع رسلها: فإن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه ألا يتأثر بسخرية أحد منه، ويعلم أنه على سَنن غيره من الدعاة إلى الله تعالى، وأن الله تعالى سينتصر له إما عاجلًا، وإما آجلًا، كما في نهاية كل سياق من هذه الآيات.

( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) المطففين/ 36.

وهذا رد على سخرية المشركين منه في الدنيا وهو كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) آل عمران/ 212. ” تتمة أضواء البيان ” ( 8 / 464 ، 465 ).

  1. الاعتقاد الجازم أن الله تعالى سيثيبك أجرًا جزيلًا على ما يصيبك من هم وغم وحزن بسبب ما تراه وتسمعه من أولئك الظالمين، وهذا – إن شاء الله – سيجعلك صابرًا صامدًا لا تتزحزح عن طريق الحق.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ). رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) – واللفظ له -.

النَّصب: التعب، والوصب: الألم والسقم الدائم.

  1. تجنب مجالسة أولئك المستهزئين، وهجر أماكن اجتماعهم، إلا أن ترى أنك لا تتأثر بكلامهم، وأنك ستغير من حالهم.

قال تعالى ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) النساء/ 140.

  1. الشدة تجاه من تستطيع إسكاته وردعه بها، وعدم السكوت على أفعالهم وأقوالهم؛ فإن من شأن سكوتك أن يزيد في جرأتهم عليك، والإسلام لا يطلب من أهله أن يكونوا أذلة أمام أولئك الظالمين المستهزئين، وهم أصحاب معصية وحالهم أن ذليلون صاغرون إذا ما رأوا منك شدة تجاه ما يفعلونه وما يقولونه.

قال الشيخ محمد بن صالح المنجد – حفظه الله -:

هذا الاستهزاء يجب أن نصبر أمامه، فإن كثيرًا من الملتزمين بالإسلام شخصياتهم ضعيفة جدًّا في مواجهة الاستهزاء، فكثيرٌ منهم لا يقوون على أن يتلفظوا بحرفٍ واحد يقابل فيه استهزاء المستهزئين، وهذه مسألة خطيرة؛ لأنها تسبب نظرة الضعف للإسلام، فالمستهزئ عندما يستهزئ بك وأنت تسكت وتطأطئ برأسك أمام تلك الكلمات الجارحة التي يتلفظ بها ثم تستدير وتذهب، أو تجلس وعليك علامات الخزي: يقوِّي من شأن ذلك المستهزئ، ويُضعف هيبة الإسلام في قلب المستهزئ، ويثبته أكثر على باطله الذي هو عليه.

يجب أن تكون نفوسنا قوية في مواجهة المستهزئين، نرد عليهم باطلهم، ونبين الحق ونعلنه ونصدع به، أما الشعور أو الظهور بمظهر الاستحذاء والخزي والعار والذلة أمام الفسقة والعصاة والكفرة: فهذا ليس من شيم المسلمين ولا من صفاتهم أبدًا، ولا يريد الإسلام منَّا أن نكون بهذه الصورة، وانظر إلى موقف نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود/ 38، هذه هي النتيجة، فلا بد من الصمود والمواجهة، وعدم الاستكانة أو الظهور بمظهر الضعف؛ فهذا يؤثر سلبيًّا على انتشار الإسلام وعلى هيبته في نفوس الناس.

من محاضرة ” عوائق في طريق الالتزام “.

  1. الابتعاد عن الأشياء التي تسبب الاستهزاء من قبَلهم مما يمكنك فعله أو تركه دون أن تقع في مخالفة الشرع، فلا تقصِّر ثوبك – مثلًا – إلى درجة تلتفت فيها النظر وتسبب لنفسك السخرية، والمهم في الثوب أن لا يمس الكعبين، واحذر من اللباس البالي أو غير النظيف؛ فهذا ليس من الشرع، وهو يسبب لك الأذى من السفهاء قولاً وفعلًا، فلا تتنازل عن فعل واجب، ولا تفعل محرَّمًا، وما كان فيه مجال لتركه خشية أذية الناس مما لا تستطيع الصبر عليه: فاتركه.
  2. الدعاء لأولئك البعيدين عن شرع الله بأن يهديهم الله تعالى، والدعاء لنفسك بأن يثبتك ربك على الحق.

ونسأل الله تعالى أن يصبِّرك وأن يكتب لك أجر استقامتك على دينه، وأن يهدي ضالَّ المسلمين لما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم.

 

والله أعلم.

مسائل متعددة في الإفتاء والاستفتاء والتقليد

مسائل متعددة في الإفتاء والاستفتاء والتقليد

السؤال:

قرأت في مسألة الاختلاف السائغ: عليَّ النظر في الدليل، ثم اتباع العالم الذي أراه أعلم وأوثق.

لكن لي بعض التساؤلات:

  1. هل أنا مؤهل للنظر في الأدلة أم لا؛ فإني في بداية طلب العلم الذي ينفعني ولم أبدأ بحفظ القرآن ودراسة أصول الفقه؟.
  2. هل يجوز لي ان أتبع موقع إنترنت ثقة مشرف عليه عالم ثقة – ألا وهو موقعكم – عوضًا عن اتباع عالم، مع العلم أني لا أعلم أن هذا الموقع لا يفتي وينشر إلا فتاوى المشرف، فقد ينشر فتاوى لعلماء مختلفين؟.
  3. في حالة عدم وجود الحكم في مسألة معينة عند العالم الذي أتبعه: هل يجوز لي أن آخذ الحكم من عالم آخر؟.
  4. في حالة وجود الحكم في مسألة معينة عند عالم ثقة لكن ليس الذي أتبعه هل عليَّ البحث على الحكم عند العالم الذي أتبعه أم أكتفي بهذا العالم الثقة؟.
  5. هل يجوز اختيار العالم الذي أقرب إلى ” فقه الواقع ” و ” تيسر الوصول إليه ” وليس الذي أراه أعلم وأوثق؟.
  6. إذا كان العالم الذي أراه أعلم وأوثق قد توفي – رحم الله جميع علماء أهل السنَّة – هل يجوز اختيار عالم حي خاصة للاستفتاء؟.
  7. وهل أعيد أخذ الفتاوى التي أخذتها سابقا من العالم الذي أتبعه؟.
  8. في الاستفتاء – خاصة في المعاملات – هل يجوز استفتاء عدة علماء أم الأفضل استفتاء عالم واحد فقط لمعرفة هذا العالم بي على العكس عند استفتاء عدة علماء؟ وهل في هذا تأثير على الفتوى من باب المصالح والمفاسد أو فقه الأولويات أو فقه النفس؟. فأفتوني بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا كنت في أول طلب العلم، ولم تبدأ بعدُ بحفظ القرآن، ولا أنت على علم بعلوم الآلة: فأنَّى لك الأهلية للنظر في الأدلة؟! وكيف ستعرف العام من الخاص، والمقيد من المطلق، والناسخ من المنسوخ، والصحيح من الضعيف؟! إن الأهلية للنظر في الأدلة الشرعية تتطلب منك تقدمًا في العلم الشرعي، وخاصة علوم الآلة كاللغة العربية وأصول الفقه وأصول الحديث وأصول التفسير، وكل ذلك يتطلب منك وقتًا وجهدًا، فلا تتسرع لتحكم على الأدلة قبل أوانك وإلا وقعت في إثم القول على الله بغير علم، وقد جعل الله تعالى ذلك من أعظم المحرمات في دينه فقال تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

 

ثانيًا:

لا فرق في التقليد بين أن تقلِّد عالمًا أو تقلِّد ما تقرؤه في موقعنا هذا أو غيره من مواقع الفتوى الموثوقة، بل إننا نرى أن الأخذ بالفتوى من هذه المواقع أولى؛ لأنها تقوم على جهود جماعية، وليس على جهد شخص واحد.

وما ذكره العلماء في ” شروط المفتي ” ينطبق – إن شاء الله – على موقعنا هذا بمجمله.

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله – تحت باب ذكر شروط من يصلح للفتوى -:

أول أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه: أن يكون بالغًا؛ لأن الصبي لا حكم لقوله، ثم يكون عاقلًا؛ لأن القلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله، ثم يكون عدلًا ثقةً ؛ لأن علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها, وسواء كان حرًّا أو عبدًا فإن الحرية ليست شرطًا في صحة الفتوى، ثم يكون عالمًا بالأحكام الشرعية, وعلمه بها يشتمل على معرفته بأصولها وارتياض بفروعها. ” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 33 ).

 

ثالثًا:

وفي حالة عدم وجود الحكم في مسألة ما عند من تستفيته في دينك ممن ترضى دينه وعلمه: فإنه لا حرج في الانتقال إلى مفتٍ آخر يتصف بمواصفات المفتي الأول الذي ارتضيت دينه وعلمه – فيما ترى وتعلم عنه -، وإنما المحظور هو أن يكون الانتقال لمجرد الهوى والبحث عن الرخصة؛ فإن هذا فعل محرَّم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن التزم مذهبًا معيَّنًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومِن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله: فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر .

” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 220 ).

 

رابعًا:

الأصل في المقلِّد أن لا يتحول عن إمامه الذي يقلده إلا إن كان ثمة عذر له في ذلك، كأن تكون المسألة لم يتطرق لها عالمه – كما سبق قريبًا -، أو يكون رأى غيره أعلم منه في هذه المسألة تحديدًا، فمثل هذا يكون معذوراً في البحث عن الفتوى عند عالمٍ آخر غير الذي يقلده في الأصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله – بحسب تمييزه -، وإما لكون قائله أعلم وأورع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب.

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 168 ).

وقال – رحمه الله -:

وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني، مثل أن يتبين رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله: فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر ألا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله؛ فإن الله فرض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل أحد في كل حال … . ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 223 ).

 

خامسًا:

إن العالِم الشرعي الذي يكون أهلًا لأن يُستفتى لا يكون كذلك وهو يجهل واقع ما يُفتي به؛ فإن العلم بالواقع من شروط الفتوى، وقد سبق النقل في ذلك عن ابن القيم رحمه الله.

فإذا كان قصد السائل هو فهمنا عنه: فليس عليه ملامة ولا حرج، وأما إن كان يقصد بـ ” فقه الواقع ” من يشتغل بمتابعة الأخبار السياسية ويحللها ويناظر فيها: فهذه الأمور لا تؤهل صاحبها للحكم في مسائل الشرع إن كان خاليًا من العلم الشرعي، فالعلم بالأخبار العالمية السبق فيه للمتفرغ! لمتابعتها، والتحليل السياسي يحسنه الكفار كما يحسنه المسلمون، فليس هذا مما يجعل العالم بذلك الواقع مؤهلا للإفتاء، وليس لك أن تقدمه على غيره من أهل العلم الثقات، وإن هؤلاء العلماء الثقات يتورعون عن القول فيما لا يعرفونه، فإما تكون منهم إحالة على شخص بعينه أو هيئة بعينها، أو تختار أنت غيره لكن بما ذكرناه من الشروط وهو أن يكون في ظنك أكثر علمًا وأكثر ديانة.

 

سادسًا:

إذا كان العالِم الذي تتبع فتواه وتأخذ منه العلم له مصنفات أو أشرطة مسجلة: فلا فرق أن يكون على قيد الحياة أو ميتًا، وأما إذا لم يكن له شيء من ذلك، أو احتجت لمسألة لم تجدها عنده في كتاب ولم تسمعها منه من قبل: فكيف سيكون طريق معرفتك لحكم الله إلا بسؤال عالِم تثق بدينه وعلمه ممن هو على قيد الحياة، فتسأله، فيجيبك.

وهنا نؤكد للأخ السائل – ولغيره – ليس في دين الله تعالى ما يوجب عليك اتباع عالمٍ بعينه، بل كل من تسمع منه حكم الله في مسألة وترى أنه يصلح للفتوى فخذ بقوله إذا كان عندك من أهل العلم والدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإذا نزلت بالمسلم نازلة: فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته: إنما هو مما يسوغ له ليس هو مما يجب على كل أحد، إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله فيفعل المأمور ويترك المحظور. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 208 ، 209).

 

سابعًا:

وإذا انتقلت إلى عالِم حيٍّ وصرت تأخذ منه الفتوى: فلا تعد مسائلك التي أخذتها من الأول على هذا الثاني، إلا بالشروط التي ذكرناها سابقًا، وهو أنك ترى أن هذا الثاني أعلم من الأول، فإن كنت تراه أعلم عمومًا فلك إعادة المسائل التي أخذتها عن الأول عليه، وإن كنت تراه أعلم في جوانب معينة – كالمعاملات الاقتصادية – فلا تعد إلا المسائل من هذا الجنس دون غيرها.

والمهم في كل ما سبق أن لا يكون إعادة المسائل على الآخر، والانتقال إليه دافعه الهوى وتتبع الرخص، وإنما لعذر ولما تراه أنه أعلم وأوثق.

 

ثامنًا:

إذا تعدد عندك من يصلح للإفتاء فأيَّ واحد منهم تسأل؟ نقول: إنك مخيَّر في سؤال أي واحد منهم، خلافًا لمن قال إنه يلزمك تعيين الأعلم والأورع منهم، والمهم أن يكون ” يصلح للإفتاء ” عندك، وترضاه موقعًا عن رب العالمين، ولا يحل لك سؤال من لا تراه أهلًا للفتوى علماً أو دينًا، ولا يلزمك سؤال ” الأعلم والأاورع “؛ فكون فلانًا أعلم وأفضل ديناً قد يتعسر على العامي معرفته من جهة، وقد لا يتيسر وجوده دومًا من جهة أخرى، فالصواب أن يقال: أن يستفتي العامي من يصلح للفتوى بشرط أن يكون ذا علم وذا دين، ولو وجد من هو أفضل منه علمًا ودينًا.

ومن أدلة أصحاب هذا القول: ” إجماع الصحابة على جواز سؤال العامة للفاضل والمفضول، فكانوا يقرون العامي في سؤاله للمفضول، ويقرون المفضول في إفتائه للعامي، ولم يمنعوا العامة من سؤال غير أبي بكر وعمر أو سؤال غير الخلفاء الراشدين “.

 

قال الشيخ عبد العزيز الراجحي – حفظه الله – بعد استعراض الخلاف في المسألة وذِكر الإجماع السابق لأصحاب ذلك القول -:

بعد استعراض خلاف العلماء في هذه المسألة وأدلة كلٍّ: يظهر لي أن الراجح هو القول بتخيير العامي في سؤال من شاء من العلماء.

وجه ترجيحه: قوة دليل هذا القول، وهو إجماع الصحابة على ذلك، وعدم مقاومة ما استدل به الفريق الآخر من الاحتياط وقوة الظن؛ للإجماع، فإنه دليل شرعي قطعي. ” التقليد والإفتاء والاستفتاء ” ( ص 49 ) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى وهو في قبضة اليهود؟

هل يجوز السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى وهو في قبضة اليهود؟

السؤال:

هل تجوز الصلاة في المسجد الأقصى لو أتيحت الفرصة من خلال الشركات السياحية أم يعتبر حراما لأنه من باب التطبيع مع اليهود؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

أ. لا شك أن المسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي يجوز شد الرحال إليها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ). رواه البخاري ( 1132 ) ومسلم ( 1397 ).

ب. والأصح في فضل الصلاة فيه أنها بمائتين وخمسين صلاة، وأما الحديث المشهور أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة: فضعيف، وينظر في ذلك كتاب ” تمام المنة ” للشيخ الألباني رحمه الله ( ص 292 ).

ج. والمسجد الأقصى ليس حرَما، وإطلاق بعض الناس عليه لفظ ” ثالث الحرمين “: خطأ، وإنما الحرم: مكة والمدينة.

 

ثانيا:

ومن المعلوم أن المسجد الأقصى الآن تحت سيطرة اليهود المغتصبين، ولا يمكن الوصول إليه لمن هو خارج فلسطين إلا من خلالهم، ومن هنا اختلف العلماء المعاصرون في حكم السفر من أجل الصلاة في المسجد الأقصى، فذهب بعض العلماء إلى تحريم السفر إلى القدس عن طريق اليهود وسفاراتهم، وأجازه آخرون.

* ومن أبرز أوجه المنع عند من مَنع:

  1. قالوا: لما يقتضيه ذلك السفر من أخذ تأشيرة السفر من السفارات اليهودية وهو يعدُّ إقرارا بالاغتصاب وتطبيعا مع اليهود.
  2. وقالوا: إن اليهود هم المستفيدون من هذه الأفواج المسافرة إلى المسجد الأقصى من أوجه كثيرة، من أبرزها:

أ. تحسين صورة اليهود أمام العالَم وأنها لا تمنع المصلين والعابدين من الصلاة في الأقصى.

ب. أن في تحجيما لقضية احتلال فلسطين، وحصر ذلك بالقدس، وها هي تسمح للمسلمين أينما كانوا بالمجيء للصلاة فيه.

ج. الفائدة الاقتصادية، من خلال استيفاء الرسوم في السفارة، والإقامة في فنادقهم، والشراء من بضائعهم.

د. كسر حاجز البغض والعداوة بين المسلمين وبين اليهود المحتلين من خلال زيارة سفاراتهم، والدخول بحمايتهم، ورؤية أعلامهم ترفرف في طريق الذهاب والإياب.

  1. وقالوا: إن المسافر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى معرَّض للوقوع في حبائل فتنتهم، سواء من جهة النساء، أو من جهة المال، ذلك أن الرحلة لن تكون محصورة في زيارة المسجد الأقصى، بل سيتخللها زيارة أماكن أخرى في فلسطين المحتلة، وهو ما قد يسبب فتنة في دين أو خلق من قد ينبهر بما يراه فيها.
  2. وقالوا: إن كان المراد بالسفر إلى الأقصى تحصيل الأجور المضاعفة: فإن البديل هو في الصلاة في مكة والمدينة، وبه يحصِّل أضعافا مضاعفة عما يحصله في الصلاة في المسجد الأقصى.

 

وأما الذين أجازوا الذهاب إلى القدس والصلاة في المسجد الأقصى الآن: فيقولون:

  1. ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المسجد الحرام وطاف وصلى واعتمر فيه بما سمي ” عمرة القضاء ” وذلك ستة سبع للهجرة، وكانت مكة إذ ذاك في قبضة المشركين والذين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل ذلك من دخولها، فلم يكن وجود مكة في قبضة المشركين مانعا للمسلمين من السفر إليها والصلاة في المسجد الحرام فيها، ولم يكن ذلك واجبا على المسلمين حتى يقال بأنه من باب الضرورة، وليس اليهود بأشد كفرا وطغيانا من المشركين، وهذا دليل شرعي يقضي على الخلاف، ولا ينبغي تقديم العاطفة على الشرع، ولم يكن الذهاب لمكة في ذلك الوقت تطبيعا مع المشركين، ولا مزيلا لحواجز العداء والبغضاء بين المسلمين والمشركين، بل العكس هو الصحيح؛ فإن رؤية الكعبة في قبضة المشركين زاد في العداوة والبغضاء تجاههم، ولم يكن الذهاب لمكة منسيا لجهاد الكفار المحتلين، بدليل ما حصل بعد ذلك من ” فتح مكة ” وتطهيرها من رجس الشرك وأهله، وهكذا يقال في رؤية اليهود وهم يحتلون المسجد الأقصى؛ فإن ذلك يزيد في عداوتهم وبغضهم، ويزيد من الإصرار على تحرير المسجد – بل فلسطين كلها – من قبضتهم.

 

  1. ويقولون: إن السفر إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى فيه توكيد للعالَم بأحقية المسلمين في هذا المسجد، وأنه باقٍ في ذاكرتهم لم ينسوه.

 

  1. ويقولون: إننا بسفرنا هذا نقدم دعما معنويّا للمسلمين هناك، حيث نراهم ونختلط بهم، ونقوي عزائمهم بالكلمة الطيبة والتشجيع على البقاء مرابطين.

 

  1. ويقولون: ونقدم أيضا للمسلمين هناك الدعم المادي، وذلك عن طريق الشراء من بضائعهم، أو إدخال مبالغ للفقراء والمحتاجين هناك.

 

 

 

 

 

والذي يترجح لنا هو جواز السفر إلى القدس من أجل الصلاة في المسجد الأقصى، لكن بشروط:

  1. أن تكون النية في السفر فقط إلى ” المسجد الأقصى “، دون غيره من أماكن العبادة، أو المساجد.
  2. أن لا يعقب الزيارة ولا يسبقها الذهاب إلى أماكن السياحة؛ لما فيها من مفاسد لا تخفى.
  3. أن لا تكون الإقامة في فنادق يهودية؛ لكونهم مغتصبين لها لا يملكون أرضها.
  4. أن لا يتم الشراء من أيٍّ من بضائعهم؛ لكونهم مغتصبين للأرض أو المحلات، وكل ما بني على فاسد ففاسد.

 

– وقد ذكرنا في جواب سابق تجويز الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله للسفر للصلاة في المسجد الأقصى.

 

والله أعلم.

 

حكم أكل ” البالوت ” وهي بيضة تحتوي على فرخ ميت!

حكم أكل ” البالوت ” وهي بيضة تحتوي على فرخ ميت!

السؤال:

( البالوت ) هو عبارة عن بيضة بط أو دجاج مخصبة، تحتوي بداخلها على جنين شبه مكتمل، تُغلى هذه البيضة، وتُؤكل بقشرتها، والاعتقاد السائد هنا في “الفلبين” أنها تحتوي على نسبة كبيرة من البروتين وأنها مفيدة للقلب، وتباع في أسواق الفلبين العامة وشوارعها، فما حكم أكل مثل هذا النوع من البيض؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

جاء في وصف هذا البيض في بعض المواقع:

” عادة ما يستغرق اكتمال الفرخ ( 28 ) يوما، ولكن ” البالوت ” هو بيض تم حضنه مدة ( 18 ) يوما فقط، يحصلون خلاله على جنين حقيقي له هيكل عظمي بدائي … .

عندما يصبح عمر البيضة من ( 16 – 20 ) يوما تصبح جاهزة لتنتقل إلى الأسواق، حيث يتم سلقها لآلاف الزبائن المتذوقين إلى هذه الأكلة، وهذا الأمر يتوقف على حجم البيضة، وتبقي البيضة البالغة ( 18 ) يوما هي الأفضل! حيث يقوم البائعون بغسلها جيِّدا بالإسفنج، وبعد أن تصبح نظيفة شكل كامل توضع في قدر وتسلق “. انتهى.

وهذه صورة البيضة – وهي مقززة ! – لمن رغب مشاهدتها:

http://trial.moheet.com/image/fileimages/2009/file329425/1_1221_1717_38.jpg

 

http://trial.moheet.com/image/fileimages/2009/file329425/2_1221_1717_38.jpg

 

http://trial.moheet.com/image/fileimages/2009/file329425/2_1222_2050_21.jpg

 

ثانيا:

وأما حكم أكل ذلك البيض بما فيه من جنين غير مكتمل: فهو الحرمة؛ لأنه من أكل الميتة، وحرمة أكل الميتة مما لا يُختلف فيه في شرع الله تعالى، بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة.

– وقد سئل علماء اللجنة الدائمة عن حكم أكل البيض تحديداً فأفتوا بالحرمة.

* فقد سئلوا:

لاحظنا عند زيارتنا لـ ” الفلبين ” أن أهل تلك البلاد ينتشر بينهم تناول وجبة غذائية يسمونها ” بالتوت “، وهي عبارة عن: بيض دجاج يوضع في حاضنات البيض حتى تخلق على شكل فرخ صغير بكامل صورته، وقبل أن يفقس البيض بثلاثة أيام يطبخون البيض في الماء حتى ينضج، ثم يكسرون البيض ويأكلون الفرخ الذي بداخله.

أفتونا في حكم أكل هذه الوجبة مأجورين.

فأجابوا:

إن كان الواقع كما ذكر: فإن الفرخ يعتبر ميتة لا يجوز أكله؛ لأنه تخلَّق في البيضة، وتحريم الميتة مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد .  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 305 ).

 

والظاهر أنه ثمة خطأ في اسم البيضة في السؤال، وأن الصواب في اسمها “البالوت”.

 

والله أعلم.

لماذا كان مَن لعن عائشة رضي الله عنها كافرًا ولم يكن كذلك مَن قاتلها يوم ” الجمل”؟

لماذا كان مَن لعن عائشة رضي الله عنها كافرًا ولم يكن كذلك مَن قاتلها يوم ” الجمل”؟

السؤال:

في حرب ” الجمل ” قاتل جيش علي بن أبي طالب عائشة وجيشها قـتالًا بالسيوف، ولم يقل أحد بكفر علي وجيشه لأنهم قاتلوا أم المؤمنين.

السؤال: هل يكون كافرًا مَن لعن عائشة بينما لم يكفر من رفع سيفه عليها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن الأمر يختلف، ولذا كان الحكم مختلفًا؛ فإن عائشة رضي الله عنها لم يصدر منها ما يبيح قذفها وسبَّها، وقد برأها الله تعالى مما اتهمها به المنافقون من فعل الفاحشة، ولذا كان الذي يتهمها بما برأها الله منه: كافرًا مرتدًّا؛ لأنه يكون مكذِّبا لله تعالى، وهذا ما اتفقت عليه كلمة العلماء فيمن قذفها أو سبَّها أو لعنها لأجل ذلك.

* قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النور/ 23 -:

وقد أجمع العلماء – رحمهم الله – قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذُكر في هذه الآية: فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما: أنهن كهي، والله أعلم.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 31 ، 32 ).

وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بوقعة ” الجمل ” حيث كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مشاركة بالفعل، وكانت متأولة في خروجها للبصرة، حيث ظنت أن القضاء على قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه هناك كفيل في الإصلاح بين معاوية ومن معه في الشام، وبين علي ومن معه في المدينة، ثم لما وقعت الحرب بين جيش معاوية وجيش علي رضي الله عنهما لم تشارك فيها رضي الله عنها، بل جاءت على جملها وسط المعركة ظانَّة أنهم سيوقفون الحرب، لكنَّ الخوارج وأهل الفتنة أبوا ذلك واستمروا بالقتال، بل قد نالت سهامهم جملَها حتى سقط في أرض المعركة.

* قال الطبري – رحمه الله -:

وأقبل ” كعب بن سور ” حتى أتى عائشة رضي الله عنها فقال: ” أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بكِ “، فركبت، وألبسوا هودجها الأدراع، ثم بعثوا جملَها وكان جملها يدعى ” عسكرًا ” حملها عليه ” يعلى بن أمية “، اشتراه بمائتي دينار. ” تاريخ الطبري ” ( 3 / 40 ).

 

 

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإنَّ عائشة لم تقاتِل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجتْ لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ ترك الخروج كان أولى، فكانتْ إذا ذكرتْ خروجَها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن ” يوم الجمل ” لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم. ” منهاج السنة ” ( 4 / 316 ).

فكما ترى فإن عائشة رضي الله عنها قد صدر منها مخالفة في خروجها للبصرة، وليست هي بمعصومة حتى لا يقع منها مثل هذا الخطأ بذلك التأويل.

عن قيس بن أبي حازم قال: لمَّا أقبلتْ عائشة رضي الله عنها بلغت مياه ” بني عامر ” ليلًا: نبحتْ الكلابُ، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء ” الحوأب ” – ماء قريب من البصرة، على طريق مكة -، قالت: ما أظنني إلا أنَّني راجعة، فقال بعضُ من كان معها: ” بل تَقْدُمين فيراكِ المسلمون فيصلح الله ذات بينهم “، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ذات يومٍ : ( كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلاَبُ الحَوْأب؟ ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ليس كلُّ ما يقع مِن الكُمَّل يكون لائقًا بهم، إذ المعصوم من عصمه الله، والسنيُّ لا ينبغي له أنْ يغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافِّ الأئمة الشيعة المعصومين عندهم، ولا نشك أنَّ خروجَ أمِّ المؤمنين كان خطأً مِن أصله، ولذلك همّتْ بالرجوع حين علمتْ بتحقُّقِ نبوءةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند ” الحوأب “، لكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله: ” عسى الله أنْ يصلح بك النَّاس “، ولا نشك أنَّه كان مخطئًا في ذلك أيضًا، والعقل يقطع بأنَّه لا مناص مِن القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شك أنَّ عائشةَ رضي الله عنها هي المخطئة لأسبابٍ كثيرةٍ، وأدلةٍ واضحةٍ، ومنها: ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أنَّ خطأها مِن الخطأ المغفور، بل: المأجور. ” السلسلة الصحية ” ( الحديث رقم 474 ).

ولذلك صحَّ عنها أنها ندمت وأنها كانت تبكي على ما صدر منها.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

ولا ريب أن عائشة ندمت ندامةً كليَّةً على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ.

” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 177 ).

وأما القتال الذي دار بين معاوية ومن معه وبين علي ومن معه: فهو قتال فتنة، وكان سببه أهل الفتنة والفساد، وكان الحق في جانب علي بن أبي طالب، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم على الطائفتين بأنهم مسلمون فأنَّى لأحدٍ أن يكفرهم؟! ولا فرق في الحكم الشرعي بين من قاتل عائشة وقاتل عليّاً وطلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم، فهو قتال فتنة لم يكن لأجل دينهم، ومن قاتلهم لأجل دينهم فهو كافر ولا كرامة وهذا بخلاف من سبَّ عائشة وقذفها فيما لم تفعله بل فيما برأها الله تعالى منه.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ). رواه مسلم ( 1064 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا الطائفتين المقتتلتين – علي وأصحابه، ومعاوية وأصحابه – على حق، وأن عليًّا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه؛ فإن علي بن أبي طالب هو الذي قاتل المارقين وهم ” الخوارج الحرورية ” الذين كانوا من شيعة علي، ثم خرجوا عليه، وكفروه، وكفروا من والاه، ونصبوا له العداوة، وقاتلوه، ومن معه. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 467 ).

 

فالخلاصة:

  1. قذف عائشة رضي الله عنها وسبُّها ولعنها فيما برأها الله تعالى منه: كفر، وردة، بالإجماع.
  2. أخطأت عائشة رضي الله عنها بالخروج لقتل قتلة عثمان رضي الله عنها، وكانت متأولة في فعلها، قاصدة للإصلاح بين معاوية وعلي رضي الله عنهما.
  3. علمت رضي الله عنها خطأَها، فندمت، وبكت، على ما فعلت.
  4. لم تشارك عائشة رضي الله عنها بالقتل يوم ” الجمل ” بل جاءت على جملها لتوقف بذلك الحرب، ولكنَّ أهل الفتنة والخوارج استمروا بالقتال بل صوبوا سهامهم نحوها ونحو جملها.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز له أن يشهد لنصراني ضربه يهودي؟

هل يجوز له أن يشهد لنصراني ضربه يهودي؟

السؤال:

شاهدت يهوديًّا يضرب نصرانيًّا، ودعاني هذا الأخير للشهادة، ماذا أفعل؟

الجواب:

الحمد لله

الأصل في أداء الشهادة أنه فرض كفاية إذا قام به بعض من شاهد الواقعة سقط الإثم عن الباقين، وقد يصير أداء الشهادة واجبا محتما على من شاهد الواقعة في حالين:

الأولى: أن يُدعى للشهادة.

الثانية: أن يكون في عدم شهادته تضييع لحقوق المظلوم.

 

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 236 ):

للشهادة حالتان: حالة تحمل، وحالة أداء.

فأما التحمل، وهو أن يدعى الشخص ليشهد ويحفظ الشهادة: فإن ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإن تعيَّن بحيث لا يوجد غيره: كان فرضا عليه.

وأما الأداء، وهو أن يدعى الشخص ليشهد بما علمه: فإن ذلك واجب عليه؛ لقوله تعالى ( وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ) البقرة/ 282، وقَوْله تَعَالَى ( وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) البقرة/ 283. انتهى.

 

* وفي ( 2 / 340 ):

وقد يكون أداء الشهادة فرض عين إذا كان لا يوجد غيره ممن يقع به الكفاية، وتوقف الحق على شهادته فإنه يتعين عليه الأداء؛ لأنه لا يحصل المقصود إلا به. انتهى.

 

والآيات المذكورة آنفا تنص على وجوب أداء الشهادة إذا دُعي للشهادة وتعينت عليه، وليس فيها ما يدل على الامتناع عن أدائها إن كان المشهود له أو عليه من غير المسلمين.

 

 

 

 

* قال الشافعي – رحمه الله -:

والذي أحفظ عن كل من سمعتُ منه من أهل العلم في هذه الآيات: أنه في الشاهد وقد لزمته الشهادة، وأن فرضا عليه أن يقوم بها على والديه وولده، والقريب والبعيد، وللبغيض القريب والبعيد، ولا يكتم عن أحدٍ، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحدا. ” الأم ” ( 7 / 92 ).

 

وبحسب السؤال فإننا نرى أنه يلزمك أداء الشهادة على واقعة الضرب بين اليهودي والنصراني بحسب ما رأيت، ولا تأثير لدينهما على شهادتك، على أننا ننبهك إلى أمرين:

  1. أنه لا يجوز لك القسم بغير الله تعالى حين أداء الشهادة.
  2. أنه يجوز لك عدم الإدلاء بشهادتك إن كان سيترتب عليك ضرر – ولو بغلبة الظن – من الطرف المشهود عليه.

 

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فإن عجز عن إقامتها، أو تضرر بها: لم تجب عليه؛ لقول الله تعالى: ( وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) البقرة/ 282 .

” المغني ” ( 12 / 19 ).

 

والله أعلم.

 

من الذين أقيم عليهم حد القتل في عهد النبوة؟

من الذين أقيم عليهم حد القتل في عهد النبوة؟

السؤال:

هل نفَّذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حكمَ الإعدام في أحدٍ من البشر؟ هل أمر بتنفيذ حكم الإعدام في ” أسماء بنت مروان “؟ هل حقيقي ما وقع ليهود بني قريظة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن موجبات القتل في شريعة الإسلام محدودة، وبعضها حدود شرعية، وأخرى تعزيرية يرجع أمر القتل فيها للحاكم.

ومن المستحقين للقتل في الشرع: المرتد، وحدُّه حد كفر، فلا يغسَّل ولا يورَّث ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.

ومنهم: الزاني المحصن، والقاتل عمدًا، والمحارب – قاطع الطريق -، وحدهم: حد تطهير، فيطبَّق عليهم أحكام الإسلام.

ومنهم: الجاسوس، وأمر قتله راجع للحاكم الشرعي.

ثانيًا:

نعم، ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإقامة حد القصاص – وهو سماه السائل ” الإعدام ” – على بعض المستحقين شرعاً لهدا الحد، ومن ذلك:

  1. قتل ” ابن خَطَل ” المرتد.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: ( اقْتُلُوهُ ). رواه البخاري ( 1749 ) ومسلم ( 1357 ).

* قال النووي- رحمه الله -:

قال العلماء: إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الإسلام، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. ” شرح مسلم ” ( 9 / 131، 132 ).

  1. قتل ثمانية من ” عُكَل ” و ” عرينة “، قدِموا المدينة على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأظهروا أنهم أسلموا، وأصابهم مرض فأمرهم النبي صلى الله بشرب ألبان وأبوال إبل عند راعٍ له صلى الله عليه وسلم، فخرجوا، ثم كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وسرقوا الإبل، فبعث صلى الله عليه وسلم الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، وكان هذا هو فعلهم في راعي النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد روى قصتهم: البخاري ( 3956 ) ومسلم ( 1671 ) من حديث أنس رضي الله عنه.

  1. قتل امرأة زانية محصنة رجمًا بالحجارة.

وقد روى قصتها: رواه البخاري ( 6440 ) ومسلم ( 1697 ) أبى هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهم .

  1. قتل المرأة ” الغامدية ” رجمًا بالحجارة؛ وكانت وقعت في الزنا وهي محصنة.

وقد روى قصتها : مسلم ( 1695 ) من حديث  بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.

  1. قتل ” ماعز الأسلمي ” رجمًا بالحجارة؛ وكان قد زنى بالغامدية وهو محصن.

وقد روى قصته: البخاري ( 6430 ) ومسلم ( 1691 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

  1. قتل اليهودي ” كعب بن الأشرف ” لما عَظُمَ أذاه للمسلمين، وبدأ يخوض في أعراضهم، ويشبب بنسائهم في شعره، وارتحل إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين، فحينها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وذلك في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة. وقد روى قصة قتله: البخاري ( 2375 ) ومسلم ( 1801 ).
  2. قتل يهودي برضخ رأسه بين حجرين؛ كان قد سرق حليّها ورضخ رأسها بين حجرين. وقد روى قصته: البخاري ( 2282 ) ومسلم ( 1672 ) من حديث أنس رضي الله عنه.

 

ثالثًا:

لم نعرف ” أسماء بنت مروان ” الوارد ذِكرها في السؤال، ولعلَّ السائل أراد ” أم مروان ” وهي التي روي أنها ارتدت عن الإسلام وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستتابتها فأبت أن تسلم فقتلها.

فإن كان هو المراد: فالوارد في ذلك ضعيف لا يصح.

عن جابر رضي الله عنه أن امرأة يقال لها ” أم مروان ” ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت.

رواه الدارقطني في ” السنن ” ( 3 / 118 ) والبيهقي في ” السنن ” ( 8 / 203 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

( رواه ) الدارقطني والبيهقي من طريقين، وزاد في أحدهما: ” فأبت أن تسلم فقُتلت”، وإسناداهما ضعيفان.

تنبيه: وقع في الأصل ” أم رومان “، وهو تحريف، والصواب: ” أم مروان “.

” التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ” ( 4 / 136 ).

وضعفه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 177 ).

 

رابعًا:

وأما بخصوص ما حصل مع بني قريظة: فهو صحيح، وملخص ما حصل لهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حاصرهم في ديارهم لغدرهم, ونقضهم العهد، فرضوا أن يحكم عليهم الصحابي الجليل ” سعد بن معاذ ” رضي الله عنه، فحكم عليهم: أن تُقتل المقاتلة منهم، وأن تُسبى ذريتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِم بِحُكْمِ المَلِك ).  رواه البخاري ( 2878 ) ( 1768 ).

وفي رواية لمسلم ( 1769 ): ( لقد حكم فيهم بحكم الله ).

– ” المقاتِلة : البالغين الذين من شأنهم أن يقاتلوا.

– ” تسبى الذرية “: يؤخذ النساء والصبيان فيُجعلون أرقاء ويوزعون على الغانمين المسلمين . ” ” بحكم الملِك “: أي حكم الله عزَّ وجل.

 

ولمزيد تفصيل في المسألة جميعها: انظر كتاب ” عقوبة الإعدام، دراسة فقهية مقارنة لأحكام العقوبة بالقتل في الفقه الإسلامي ” تأليف: الدكتور محمد بن سعد الغامدي، نشر: مكتبة دار السلام.

 

والله أعلم.