الرئيسية بلوق الصفحة 16

حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور

حكمُ الصّلاة في المساجد التي فيها قبور

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فقد استفاضت سنّة الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- بالنّهي عن اتّخاذ القبور مساجد، وذلك بالصّلاة عندها، أو ببناء مسجد عليها، ومِن ذلك ما في الصّحيحين: عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال وهو في سياق الموت: (لعنةُ الله على اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد).
وفيهما أيضًا: أنّه -صلّى الله عليه وسلّم- قال لَمّا ذُكرتْ له كنيسةٌ مِن كنائس النّصارى بالحبشة وما فيها مِن الصّور، قال: (أولئكَ إذا ماتَ فيهم الرّجلُ الصّالحُ أو العبدُ الصّالحُ بنوا على قبرهِ مسجدًا، وصوّروا فيها تلكَ الصّورَ، أولئكَ شرارُ الخلقِ عندَ الله).
وفي صحيح مسلم: عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقولُ قبلَ أن يموت بخمس: (ألّا إنّ مَن كانَ قبلكم كانوا يتّخذون قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، ألّا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإنّي أنهاكم عن ذلك).
قال الشّيخ محمّد بن عبدالوهّاب -رحمه الله- في كتاب التّوحيد: (باب ما جاءَ مِن التّغليظ في مَن عبدَ الله عندَ قبر رجلٍ صالح، فكيف إذا عبده؟!) وذكر أحاديثا، وقالَ بعد ذكره حديثَ “جندب”: ( فقد نهى عنهُ في آخر حياتهِ، ثمّ إنّه لَعَنَ وهو في السّياق مَن فعلَهُ، والصّلاةُ عندها مِن ذلك، أي: مِن اتّخاذها مساجد، وإن لم يبن مسجد). وختمَ الباب بما رواه الإمام أحمد وأبو حاتم في صحيحه، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعا: (إنّ مِن شرارِ النّاس مَن تدركهم السّاعةُ وهم أحياء، والذين يتّخذون القبورَ مساجد).
فدلّت هذه الأحاديثُ على تحريم اتّخاذ القبور مساجد، سواء بالصّلاة عندها، أو ببناء مسجدٍ عليها، وقد شاعَ عند كثيرٍ مِن جهلة المسلمين الغلو في قبور الصّالحين، أو مَن يظنّون فيهم الصّلاح، وأوجبَ لهم ذلك الوقوع في أنواعٍ مِن الشّرك الأكبر والأصغر، فبنوا على تلك القبور المساجد والقباب، فانتشرت في كثير مِن بلاد المسلمين المساجد التي فيها قبور، وهي نوعان:
النّوع الأوّل: مساجد أسّست -ابتداءً- تعظيمًا لصاحب القبر، ليُزار، ويُصلّى عنده، ويُطاف به.
النّوع الثّاني: مساجد أسّست لإقامة الصّلوات الخمس، وإقامة الجُمع والجماعات فيها، فاعتدى بعضُ النّاس فدفنَ فيها معظَّمًا صَالحًا أو غير صالح، وغلبَ هذا الواقع، حتى صار كثيرٌ مِن المسلمين يجدون حرجًا؛ لأنّهم لا يجدون مسجدًا خاليًا عن تلك القبور، فهم بين أمرين: إمّا أن يتركوا حضورَ الجمعة والجماعة التي تقام في تلك المساجد، وإمّا أن يحضروا متأوّلين العذر لهم في ذلك، لهذا يجب أن يُعلم الفرق بين النّوع الأوّل والثّاني؛ فالمساجدُ المؤسّسة على الشّرك هي مِن جنس مسجد الضّرار، فيجبُ هدمها، ولا تصحّ الصّلاة فيها، ولو أدّى ذلك إلى ترك الجماعة.
وأمّا النّوع الثّاني: فهي مساجد محترمة، وحرمتها كحرمة غيرها مِن مساجد المسلمين، لا يُبطلُ حرمتها اعتداءُ مَن اعتدى بالدّفن فيها، وعليه: فلا حرج على مَن صلّى فيها، حتى ولو كانَ القبرُ في جهة القبلة، والغالبُ أن يكون دونه جدار، فلا يستقبل مباشرة، وأمّا قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (لا تصلّوا إلى القبور) فذلك في حال الاختيار.
بل لا يجوزُ ترك الجمعة والجماعة مِن أجل ما يُوجد في تلك المساجد مِن قبورٍ طارئة عليها، بل الواجب على مَن قدر أن ينبشَ هذه القبور ويخرجها؛ لأنّ وجودها في المسجد كان اعتداء.
وبهذا يتبيّن أنّ المعتبر في حكم الصّلاة في المساجد التي توجد فيها القبور: ما أُسّست عليه، فمَا أُسّس على الشّرك والبدعة فلا تجوز الصّلاة فيه؛ لأنّه لم يُؤسّس على تقوى، وما أُسّس لإقامة شرائع الله فهو المُؤسّس على التقوى، فيكون مِن بيوت الله التي أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكرَ فيه اسمُهُ.
قال اللهُ لنبيّه في شأن مسجد الضّرار وما أشبهه، وفي شأن مسجده -صلّى الله عليه وسلّم: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}(التوبة:108) الآيات.
وإذا اشتبه الأمرُ على المسلم في مسجدٍ مِن تلك المساجد: فيبني على غالب ظنّه، ويستدلُّ على الواقع بالقرائن، وبسؤال أهل الخبرة مِن أهل السنّة في تلك البلد.
وأعظمُ دليلٍ على أنّ المسجد المؤسّس على تقوى مِن الله ورضوان لا يَمنع مِن الصّلاة فيه ولا غيرها مِن العبادات ما أُحدثَ فيه مِن منكر مِن شرك وما دونه؛ أقول أدلُّ دليلٍ على ذلك: ما عُلم مِن سيرته -صلّى الله عليه وسلّم- قبل الهجرة وبعدها مِن صلاته في المسجد الحرام، وطوافه بالبيت، مع ما كان في المسجد مِن الأصنام، ومِن ذلك: صلاتهُ وطوافُه في عمرة القضاء مدّة إقامته بمكة.
وقد ذكر هذا الاستدلال على المسألة الإمام ابن كثير في كتابه “الأحكام الكبير” فقال -رحمه الله- بعد كلام: “وكذلك كانَ -صلوات الله وسلامه عليه- يُصلِّي عند الكعبة قبل الهجرة، ويجعلُها بين يديه متوجِّهًا إلى بيت المقدس، وقد كان عندها مِن الأصنامِ المُشخَّصة شيءٌ كثير، حتَّى قيل: إنَّهُ كان حولَها ثلاثُمئةٍ وستون صنمًا، و”هُبَلُ” داخلُها، و”إساف ونائلة” تجاهها، ولكن لمْ يكنِ الحال يتمكنُ فيهِ مِن إزالتِها مِن عندها”.
وكذلك كان بالكعبة في عمرة القضاء وحولها ما حولها ممَّا ذكرنا، والغالب أنَّه صلَّى عندَ المقام -وكان مُلصقاً بالبيتِ- ركعتي الطَّواف، فقد أقام هنالك ثلاثةَ أيام، يُصلِّي كلَّ يوم وليلة بأصحابه الصَّلوَات الخمس عندها، ثمَّ ترحَّلَ عنها، وتركها كذلك، حتَّى كان عامُ الفتح، وتمكَّنَ مِن إزالةِ ذلك، لمْ يدخلِ البيتَ حتَّى أُلقِيَت الصُّورُ المجسَّدةُ مِن هنالك، ومُحِيتِ الصُّورُ الممثَّلةُ مِن داخلِهِ وخارجِهِ، ورجع الحقُّ إلَى نصابه، وعاد شارد الدِّين بعد ذهابه، ودخل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- البيت، وصلَّى داخل الكعبة ركعتين، كما سنذكره في استقبال القِبلة، إن شاء الله تعالَى، وهاهنا تنبيهٌ جيِّدٌ قويٌّ:
وهو أنَّهُ لمَّا كانَ أصلُ وضع الكعبة علَى اسم الله وحدَه لا شريكَ له، كما قالَ تعالَى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}(الحج:29)، وكذلك بيت المقدس وُضعَ بعده بأربعين سنة، كما في الصَّحيحين عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، إلى أن قال ابنُ كثير -رحمه الله-: “والمقصودُ أنَّ كلَّ معبدٍ وُضعَ أوَّلاً علَى التَّوحيدِ فالصَّلاةُ فيهِ مشروعةٌ، ولا يضرُّ ما كان فيهِ مِن الأشياءِ المكروهة المنهيِّ عنها؛ لأنَّ المؤمنَ لا يلتفت إليها، وإنَّما قصدُهُ الصَّلاة في هذه البقعةِ المشروع الصَّلاة فيها بالأصل. فأماّ ما وُضعَ أوَّلاً علَى الشِّرك كالكنائسِ، والمعابد المتَّخذة أوَّلاً لغير مقصدٍ شرعيٍّ، فهذه لا يُصلَّى فيها، ولا يُقامُ فيها، كما قالَ تعالَى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}(التوبة:108) الآية. أهـ كلام ابن كثير.
وبهذا يُعلم أنّه لا أثرَ لإدخال حجرة عائشة -رضي الله عنها- في المسجد، وفي الحجرة قبرُه -صلى الله عليه وسلم-، لا أثر لذلك على فضيلة مسجده -صلّى الله عليه وسلّم-، ففضله بعد إدخال الحجرة فيه كفضله في حياته -صلّى الله عليه وسلّم-، وبعد وفاته، قبل إدخال الحجرة، فلم تزل الصّلاة فيه -ولا تزال- بألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام.
وبهذا يبطلُ احتجاج بعض القبوريين على صحّة الصّلاة في مساجدهم بوجود الحجرة التي فيها القبر الشّريف في مسجد الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-، زاعمين أنّ هذا يقتضي أن يكون قبر النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- في المسجد، والعلماء يقولون: إنّ إحاطةَ المسجدِ بالحجرةِ لا يلزمُ منهُ أن تكونَ البقعةُ التي فيها القبر مِن المسجد؛ ولو فُرِضَ أنّ البقعةَ صارت مِن المسجد، وصار القبرُ في المسجد، فهذا لا أثر له في حكم الصّلاة في مسجده -صلّى الله عليه وسلّم-؛ لأنّه مؤسَّس على التّقوى، فلا يضرّه ما أُحدث فيه، حتى ولو اعتدى ظالمٌ فدفن في مسجده -صلّى الله عليه وسلّم- ميتًا، فذلك لا يمنع من الصّلاة فيه، ولا يقدح في فضيلته،كما تقدّم بيانه، ووجههُ ظاهرٌ، كما في النّقل عن الإمام “ابن كثير”، والله أعلم. وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, حرر في: 1435/6/14 هـ

أملاه:
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك

١٤/جمادى الآخرة/١٤٣٥ الموافق ١٤/أبريل/٢٠١٤

اقرأ ما كتبه “الزبير أبو معاذ الفلسطيني” وهو يعيش الآن في خيمة فيما تبقى من “غزة” :

اقرأ ما كتبه “الزبير أبو معاذ الفلسطيني” وهو يعيش الآن في خيمة فيما تبقى من “غزة” :

📝🚨
ليس لها من دون الله كاشفة، وما نحن فيه الآن في قطاع غزة لن ينجينا منه إلا الله، فلن نقفز عن الواقع لنصفه بغير وصفه كما يفعل محللو “استديوهات” التحليل الذين يتقاضون الأموال لقاء تحويل الهزيمة إلى انتصارات، الواقع اليوم لو قلنا أنه نكبة جديدة فهذا أهون الأوصاف، بل نحن في أشد نكبات الشعب الفلسطيني المسلم منذ سقوط حكم العثمانيين، والقضية الفلسطينية اليوم تقف على أعتاب التصفية السياسية الكاملة، وإنهاء المقاومة المسلحة تماما، ومن يظن أن هذا التوصيف مبالغٌ فيه فهو مسكين، يريد أن يعيش أوهام النصر في خيالاته!

أنا لن ألوم حركة حماس، ولن أفعل ذلك أبدا طالما أن المعركة مشتعلة، فبعد مُضي ما يقرب من عامين تغيرت الكثير من القناعات الخاصة بهذه المعركة؛ كلما تكشفت لنا حقائق كانت خلف كواليسها، لكن لستُ مستعدا لإلقاء اللوم -في أي قضيةٍ متعلقةٍ بهذه المعركة- على إخواني الذين يواجهون هذا العدو المجرم وحدَهم؛ مخذولين متروكين، لا أرى من الشهامة والمروءة أن يفعل مسلمٌ ذلك، وربما لو كان في العمر بقيةٌ بعد أن تضع الحرب أوزارها نستطيع أن نكتب عن ما ظهر لنا من مكامن الخلل في التصور وما نتج عنه من خلل في التقدير والمواقف والآراء، وذلك لاستخلاص العِبر؛ لعلنا نشارك بسهمٍ في صناعة الوعي، أما والمعركة دائرةٌ فلا فائدة في حديثٍ عن أمرٍ قد وقع لننشغل به عن أمور قد تقع بنفس الخلل في التصور، الأصل هو الالتفاف للمعركة وما هو آتٍ فيها، ولقد كنتُ كتبتُ عدة مقالات خلال هذه الحرب تراجعتُ عن نشرِها عندما أحسستُ أنها قد تفتُّ في عضد المجاهدين؛ وهُم وحدَهم في الساحة يدافعون عن أمة الملياري مسلم، حتى أصلُ هذا المقال كتبتُه منذ حوالي ثلاثة أسابيع وترددتُ في نشرِه، بل واستشرتُ قبلَ أن أفعل، فنصحني بعض الأفاضل بعدم النشر لأنهم يرون الوقت يسمح بمزيد من الصبر، إلا أن أكثرَ مَن استشرتُهم قالوا لا ضيرَ من نشرِه، بل يجب نشرُه، وقالوا أن الاستطاعة مناط التكليف، فالظروف قد وصلت إلى مرحلةٍ شديدة الحساسية.

وهنا قد يقال وماذا ستفعلُ كلماتٌ مغمورةٌ في الأعماق السحيقة لهذا العالم الافتراضي؟! الحقيقة المؤكدة أننا لسنا أصحاب القرار، وكلماتنا لن تشارك في صناعته، لكننا أصحاب الميدان، فنحن وأطفالنا ونساؤنا من يتحمل تكاليف مرور الوقت الذي يَقطر دما مع عقارب ساعتِه، فلستُ أُلقي رأيا وأنا أعيش في مأمنٍ عن تكاليف الصبر؛ كما يفعل “ثورجية” الأمة الذين لا يرَون الغزيَّ إلا غارقا في دمه مع أطفالِه لكي يَبقى في أنظارهم العبد الصالح الذي يقاتل ولا يعرف الاستسلام! ومن يطالب بوقف هذه المهلكة فإنه يتحول في أنظارهم إلى خائنٍ مفرّط، حتى لو كان الغزيَّ نفسُه الذي فقد أهلَه وبيتَه ومالَه ويعيش مذلولا في خيمةٍ مهترئةٍ تحت أشعة الشمس الحارقة ولا يجد قوت يومه بل لا يجد مكانا يقضي فيه حاجته بكرامة ونظافة! هذا الغزيُّ يجب أن يَبقى في هذه الحال وإلا لن يُرضي “ثورجية” الشاشات الذين يكتبون بكل حماسة عن المقاومة مع أغانٍ وموسيقى صاخبة ورقصاتٍ وبعض المثلثات الحمراء، ثم بعد تعاطيهم لجرعة الحماسة يَتركون لوحة المفاتيح وشاشات العرض التي تنقل نزيف حياتنا ليذهبوا ويمارسوا حيواتهم بكل طبيعيةٍ ويسر في بيوتهم الجميلة مع أهليهم وأطفالهم! لذا يجب أن أقول رأيي فيما أشارك فيه أنا وأطفالي بدمائنا وأمعائنا الخاوية، لعله يصل بأقدار الله إلى من يصنعون القرار، فإن لم يصل لهم فهو كلمةُ حقٍّ يجب أن تقال لعلها تساهم في شيءٍ من الوعي بدلا من الفوضى الفكرية التي تتعامل مع معاناتنا كأنها مشاهد تمثيلية أو أرقام عابرة! أو اعتبروا هذا الرأي نفثة مصدور واقرأوه بلا اهتمام؛ أو توقفوا هنا ولا تكملوه وأكملوا حياتكم واتركونا مع حياة الموت التي تحبون أن نكملها بلا ضجيجٍ يفسد صورة البطولة في أذهانكم.

أقول: فيما يتعلق بقضية المفاوضات وما يُنسب لحركة حماس أنها تتعنت فيها وترفض خروجها من المشهد السياسي مع ما يلقاه المسلمون من عنت وويلات الحرب كل دقيقة وليس كل يومٍ يمرّ= أقول هنا يجب أن يعلم الجميع أن حماس تناور للهرب من النهاية التي يرسمها العالَم لهذه الحرب، وهي تصفية القضية الفلسطينية تماما وإنهاء أشكال المقاومة على أرض فلسطين وإخراج قطاع غزة من المسرح الفلسطيني برمّته بتهجير أهل القطاع إلى الخارج، وهذا يعني انتهاء دور الشعب الفلسطيني تماما في مجابهة عدوه، فهل يمكن أن تتحمل حركة حماس تبعات هذا القرار؟! هي تعلم أنها ستُرجَم بعد المعركة إن وصلنا إلى هذه النتيجة، ولن يَغفر لها أحدٌ ذلك حتى أولئك الذين يطالبونها اليوم بالرضا بأي شيء في مقابل توقف هذه المهلكة والمحرقة.

📝🚨
=وأنا أحد من يطالب بوقف هذه الحرب الرهيبة بأي ثمن، ولو كان تصفية القضية الفلسطينية، لأنه بوضوح شديد أصبح أهل فلسطين عموما وقطاع غزة خصوصا في حكم الأسير العاجز، وتبيّن أن مواجهة هذا العدو المجرم المتغوّل بإمكانيات شعب أعزل وحيد ليس له مددٌ ونصرةٌ مِن أمته هي مواجهة خاسرة، بل مَهلكة حقيقية وفناء مؤكد، والقضية الفلسطينية ليست مقدَّمَةً عقلًا على دماء المسلمين وليست بأوْلى شرعًا مِن حقنها، كيف ولو كانت النتيجة على أيِّ حال هي نفسُها ستؤول إلى تصفية القضية الفلسطينية، فلو استمرت المعركة بما نراه من واقعٍ مريرٍ قائمٍ وأدوات معدومة أو توقفت بصفقة سياسية بشروط الأعداء= فالنهاية واحدة، إذن حقن دماء المسلمين بأطفالهم ونسائهم وعجزَتهم وعاجزيهم ومرضاهم ومَن تبقى من رجالهم ومقاتليهم فإن هذا واجبٌ شرعي يأثم المفرط فيه والمتأخر عنه إثما عظيما.

حماس أمامها اليوم طريقان لا ثالث لهما كما يَظهر بوضوح:
– إما أن تتنازل وتَقبل بشروط الأعداء لإنهاء حرب الإبادة والاجتثاث.
– أو تواصلَ التمسك في شروطها مع استمرار العنت والقتل والتجويع للـ”المدنيين” المسلمين في قطاع غزة.

ولو تجاوزنا الواقع والعقل وما بين أيدينا من أسباب معدومة وافترضنا أن النتيجة لكلا المساريْن قد تكون مختلفة= فحتى مع هذا الافتراض فإنّ كِلا المساريْن مُرٌّ علقم، ومِنَ الغفلة والحماقة استمرار مراهنة الآخرين على تغيراتٍ في المشهد السياسي قد تعِينُ حماس على المناورة وفرضِ شيءٍ من شروطها، لأن الوقت يمر بدماء الأطفال والنساء والعجزة والمجوعين والمكلومين، وما أكثر الرهانات التي فشلت منذ بداية هذه الإبادة الجماعية والفاتورةُ تزداد يوما بعد يوم من دماء الأطفال! رهانٌ في البداية على دخول محور إيران للمعركة، ليتبين أن إيران وحزبُها اللبناني أول القافزين من مركب المعركة؛ ليؤكدوا المؤكد أن قضية فلسطين ليست قضيتَهم والمعركة مع الصهاينة ليست معركتَهم، ثم رهانٌ على احتجاجات أهالي أسرى اليهود وما يمكن أن يحدِثه ذلك من ضغطٍ داخلي لإيقاف الحرب، ثم رهانٌ على الخلافات السياسية للصهاينة واحتمالية تفكك حكومتهم، ثم رهانٌ على توسع المعركة إلى ساحات أخرى، ثم رهانٌ على الضغط الدولي، ثم رهانٌ على وعود الإدارة الأمريكية الجديدة وما تعلنه من سياسات لإيقاف الحروب، فإلى متى َتبقى دماؤنا رهينةً للرهانات الخاسرة؟!

لذا يجب أن تُعان حماس على اتخاذ القرار، ولو أن أهل العلم رجّحوا هذه الخيارات على الميزان الشرعي لرجَحت كفة إيقاف هذه المَهلكة حتى لو على حساب تصفية القضية الفلسطينية، أو هكذا أظن الحق، فدماء المسلمين في هذه المعركة الخاسرة ليست ماءً، وأعدادُ قتلاهم ومصابيهم ليست أرقامًا، ويمكن القول الآن أن أهل فلسطين قد أدّوا كل ما عليهم وفوق ما عليهم بمراحل ومراحل، ولا عتب على مسلمٍ في فلسطين خاصةً قطاع غزة أن تقف مقاومتُه عسكريا وسياسيا في هذه المرحلة حقنا لدماء المسلمين على هذه الأرض، إن العتب اليوم يقع على أمة الإسلام، فقضية الأرض المباركة فلسطين والمسجد الأقصى هي قضية المسلمين جميعا، وليست خاصةً بالمسلمين في فلسطين، وترْكُ الشعب الفلسطيني المسلم يواجه هذه المحرقة وحدَه بلحوم أطفاله لا يُرضي الله وليس من دينه ولا شرعِه.

اليوم على الهيئات العلمية الإسلامية العالمية أن تبادر إلى إصدار بيانات شرعية تفتي حماس بجواز التنازل في هذه المرحلة، بحيث تجعل لها الفرصة لتحميل مسؤولية التنازل على هيئات العلماء في الخارج؛ لتَخرج من هذا الحرج، وتُخلّص المسلمين في قطاع غزة من هذا العنت الشديد والظلم الرهيب، حتى لو كان السبيل تواجدُ قوات دولية على أرض القطاع؛ عربيةٍ أو مختلطة، لكي يكونوا حائلا بين يهود وبين المسلمين العُزّل الذين لا حول لهم ولا قوة، وأنا أعلم كما يعلم الجميع أن هذه القوات ستُكمل مهمة تصفية القضية الفلسطينية عن المحتلين، لكن هذا أهون شرا من بقاء جيش يهود على أرض غزة لا يحول بينه وبين المسلمين حائل، ولازال يضع الخطط العسكرية تلو الخطط ويجعل من لحوم المسلمين -أطفالا ونساءً- ميدانا لتجاربه العسكرية، إلى أنْ وصلنا اليوم إلى اتخاذ قرارٍ علنيٍّ باحتلالٍ لكامل مساحة القطاع، وقرارٌ كهذا يحتاج إلى عامٍ على الأقل لتنفيذه أمام كتلة بشرية هائلة بحجم 2 مليون مسلم أغلَقت الأنظمة العربية الحاكمة في وجوههم أبواب الهرب من ويلات الحرب بدعوى “وقف التهجير”، وساهمت في منع الغذاء والدواء لهم ولأطفالهم، وجودُ هذه الكتلة البشرية الضخمة على مساحة قطاع غزة الصغيرة قبل الحرب والتي تقلصت إلى الربع اليوم يعني أن جيش يهود ستُترك له المساحة الزمنية اللازمة لتنفيذ مخططات السيطرة الكاملة، وكل دقيقة ستمر ستحمل مزيدا من الدم النازف بلا قدرة على وقف نزيفه أو قدرةٍ لترجمة نزيفه إلى منجز سياسي، بل حتى العودة إلى السادس من أكتوبر أصبحت حلما لا يمكن التفكير فيه، بل نصرا كاملا لو حدث؛ ولن يحدث بما نراه اليوم من ضعفٍ شديد.

📝🚨
=والحقيقةُ أنني مقتنعٌ تماما أن الهدف الحقيقي لهذه الحرب ليس إنهاء حكم حماس أو إعادة أسرى يهود من الأَسر، هذه أهداف معلنة غير حقيقية، بل الهدف الحقيقي هو تحويل القطاع إلى بيئة طاردة لا تَصلح للحياة، بحيث يرحل الغزيّون عن أرضهم حال توقفت الحرب، ليكُون رحيلُهم رحيلا جبريا في ثوب الرحيل الطوعي، ولقد كتبتُ عن ذلك في بداية الحرب، واتهمني يومَها في دِيني من قضى إلى ربه فيما بعد؛ رحمه الله وغفر له، ثم مرّت الأيام كأنها أعوام وما زادني مرورها إلا اقتناعا بهذه الحقيقة، ولازلنا ننتظر أياما وأياما لا نَعرِف كيف ستمر ومتى ستنتهي، لكن ما نعلمه يقينا أنها ستمرّ مثقلةً ومحمّلةً بمزيدٍ من الدماء والأوجاع.

وكلما أمعنت في التفكير وصلت إلى نفس النتيجة، فلا يوجد بأيدينا خيارات، وأعني الأدوات التي يَغلب على الظن في وجودها أن للصبر ثمرة مرجوة، ولو في الحد الأدنى، هذه الأدوات مفقودة اليوم، ومِن المفارقة أن عدونا يريد الوقت، ويسعى قدر الإمكان لإطالة أمد الحرب لتحقيق الهدف الرئيس غير المعلن كما أسلفتُ: تحويل غزة إلى بيئة طاردة لا تصلح للحياة، وفي المقابل فإن الوفد المفاوض -تحديدا قادة حماس في الخارج- ليس بين أيديهم سوى الانتظار والتمسك بحبل الوقت بحثا عن تغيرات في المشهد السياسي من خلالها يحاولون تحصيل شيءٍ من شروطهم، فإلى متى تتركنا الأمة متمسكين في خيارٍ وحيدٍ هو نفسُه ما يحتاجه عدونا ليستمر في مخططاته الإجرامية؟! ولازلنا ننتظر أن يجرب عدونا خططه الجديدة فينا ليرى أيها يمكن أن ينجح ليستمر فيه، وأيها الذي يفشل ليجد بديلا عنه، ولكي يبقينا في ميدان تجاربه كفئران التجارب.

حتى جهاد مجاهدي غزة وتحديدا مجاهدو كتائب القسام على عظيم ما يصنعونه إلا أنه لازال غير مؤثرٍ تأثيرا يوقف المعركة، رغم ما نراه من نماذج عجيبة في الاستبسال والقتال سيكتب عنها التاريخ، لكن الحقيقة أن الألم الذي يسببه جهاد هؤلاء الأبطال لازالت يهود تستطيع تحمله، وهو ضمن القدرة الاستيعابية لهم، ليس لأن يهود أهلُ معاركٍ وحروب، بل لأنهم يتعاملون مع هذه المعركة على أنها معركة وجودية؛ إما هم أو نحن، لذا فكل خسائرهم تعتبر بالنسبة لهم ثمنا مقبولا في سبيل تحقيق أهدافهم، ولن يترددوا في تحمل المزيد لأنهم لن يقبلوا أن يتكرر السابع من أكتوبر، بل لن يقبلوا أن يَبقى من يفكر في السابع من أكتوبر جديد، والظن بالله أنهم سيفشلون في نهاية المطاف، وسينتقم الله منهم، لكن متى الله أعلم، ولا يمكن أن نراهن على غيب لا نعلمه. وتقريرُ هذه الحقيقة لا يعيب المجاهدين، فمن يقاتل طيلة ما يقرب من عامين بلا أيِّ دعمٍ خارجي من أمته؛ وبأظفاره وأسنانه وكل ما يستطيع ولازال يقاتل= فهؤلاء الأبطال الأشاوس يجب أن نستبقيهم لمواقع قادمة، لا أن نراهن على صمودهم حتى آخر مقاتل! وليت الأمر يقف على الرجال المقاتلين، لقلنا أن هذا خيارُهم الذي اختاروه وطريقهم الذي سلكوه، لكن القتال يراد له أن يستمر حتى آخر طفل فينا كما قالها بلسانه أحد ضيوف قاعات التحليل المكيّفة!

أما من يطالب باستمرار المعركة تعلقا بوعد الله بالنصر وتعليقا على شماعة الإيمان فهذا لا يَفهم وعد الله ولا نصرَه ولا يفهم حقيقة الإيمان كيف لا ينفصل عن الأسباب التي بين أيدي المؤمنين، وأبسط ردٍّ على هؤلاء أن يُقال: طالما أنّ نصرَ الله قادمٌ على أي حال فلماذا لا تطالبون بوقف هذه المهلكة بأي ثمن لحقن دماء أطفال المسلمين ونسائهم ومِن ثمّ تنتظرو النصر؟! هل الله أمركم بانتظار نصره عندما يُترك ضعفة المسلمين في مواجهة إجرام الكافرين؟! وبدون أيِّ قدرة على منع الكفرة من إجرامهم؟! لم نُؤمر بذلك ولم يكن هذا دينًا، فإنْ كان سيدنا خالد رضي الله عنه قد سحب جيشا من الرجال المقاتلين الأفذاذ أولى البأس الذين خرجوا طلبا للنصر أو الشهادة وليس بينهم طفلٌ ولا امرأةٌ ولا كهلٌ؛ سحبَ هذا الجيش من مواجهةٍ كانت ستُفضي إلى فَنائه عندما قرأ سيدُنا خالد الواقعَ وعرف الأسباب التي بين يديه، فكان هذا بالمفهوم العسكري نصرا، وبالمنظور الشرعي حقًّا لا تشوبه شائبة؛ عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل هم الكُرّار) أمام من قال متعلقا بالإيمان دون الأسباب: (هم الفُرّار).

كما أن الذي يَغلُب على الظن عند من يفهم السنن كيف تسير بأن هذا قد يكون العلو الأخير ليهود وأن هذه المعركة قد تكون بدايةَ نهايتِهم= فهذا وإن كنتُ أيضا أشارك أصحابَه نفس الظن فليس سببا لترْك المسلمين العُزّل ليواجهو مصيرهم في انتظار النهاية المظنونة لدولة يهود في المرحلة المقبلة، لأننا لا نعلم الغيب، فقد يكون هذا العلو الأخير وقد لا يكون، والظن لا يُغني عن الحق، كما أننا لا نعلم متى ستكون هذه النهاية التي نتوقعها ونرجوها؛ ونؤمن بتحققها طال الزمن أم قصُر، هل بعد شهرٍ أم شهرين أو عامٍ أم عامين، أو ربما بعد عشرة أعوام، لا يمكن أن يُترك المسلمون العُزّل يواجهون هذه المحرقة بأطفالهم في انتظار تحقق أمر لا نعلم متى يكون!

📝🚨
=وبكل وضوح ودون مجاملات لا يَحتملها هذا الواقع المرير -ولأجل التوضيح لا القدح والله- أقول: حركة حماس يجب أن تُعان في اتخاذ القرار الشرعي الصحيح مهما كان مريرًا؛ لأن المفاضلةَ اليومَ بين سيءٍ شديد السوء وأسوأ منه، فلقد بدأ مجلسُها العسكري هذه المعركة واتخذ قرارها منفردًا دون أن يكون بينهم طالبُ علمٍ معتبَرٌ واحدٌ على الأقل؛ يقدّر المصالح والمفاسد الشرعية، بل حتى دون مرجعيةٍ سياسيةٍ للمكتب السياسي للحركة نفسِها، واليومَ المكتبُ السياسي وُكلَت إليه مهمة المفاوضات وليس بينهم أيضا عالمٌ واحد! فإنْ سبَق السيف العذل في اتخاذ قرار بِدء المعركة فقرار التفاوض حول إيقافها يجب أن يكون العبءُ الأكبر فيه على علماء المسلمين المنضوين تحت هيئات عالمية، وهم من يجب أن يتحملوا مسؤولية التبعات السياسية لقرار التنازل لحقن دماء المسلمين، ليس إنقاذا لحماس من هذه التبعات فقط، بل إنقاذا لأمةٍ من المسلمين تُركت بلا رحمةٍ بلحوم أطفالها في مواجهة كفرٍ مدجج بكل أنواع السلاح؛ ومدعومٍ من كل العالم عربا وعجما سرا وجهرا.

وقبل أن أختم أقول: أنا ابن غزة ولقد عشت هذه الحرب منذ أول دقيقة حتى اليوم، فلا يزايدن أحدٌ بوصمى بالتخاذل أو الاستسلام، فلقد فقدت بيتي ومالي وكل ما أملك وأكتب من خيمتي التي لا تمنع حرارة الشمس وأنا أقاسي الجوع مع أطفالي، ولو كان الأمر يقف عليّ وعلى أطفالي وحدنا ما تفوهت بكلمة، وأنا الذي كنتُ ولازلتُ وسأبقى بإذن الله مؤمنا بأن طريق الجهاد هو الطريق الوحيد لتحقيق النصر، لكننا في قطاع غزة لا نستطيع القيام بفرض الجهاد حق القيام، ولا حتى بأدنى صوَره التي يتحقق بها المقصود الشرعي، فأصبحنا فعلا في حكم الأسير العاجز الذي لا واجب عليه في إنقاذ نفسه، كما لستُ أدّعى أن رأيي هذا هو الحق الذي لا يقبل المعارضة، فقد أكون مخطئا نعم، لكن الواجبَ ليس عليّ في البحث لمعرفة خير الخيرين؛ أو لنقُل شر الشرّين بمعنى أدق، بل هو واجبُ العلماء الذين ملؤوا كتبهم وأشرطتهم بفقه المقاصد ووجوب النظر في المصالح واجتناب المفاسد طيلة عقودٍ سابقة، عندما كانوا ينتقدون أهل الجهاد في ثغورٍ أخرى تحت هذه العناوين، واليوم يصمتون لأسبابٍ نعلمها وأخرى لا نعلمها، ومما نعلمه أنهم لا يريدون إظهار حركة حماس بأنها المتسبب في هذه المهلكة، وكأنه من المفروض أن نتعامل معها على أنها لا تخطئ أو لا يجب أن تَظهر كذلك! في تمييزٍ واضح شديد بين الموقف من جهاد حماس اليومَ وجهاد جماعاتٍ أخرى في السابق، وهذا الحديث ليس هذا وقتُه، إنما أقوله تنبيها لمن يريد أن يطعن في ديني وهو يقرأ ظانًّا أنني أدعو إلى الاستسلام مع وجود القدرة على الاستمرار! من يريد أن يظن ذلك هو وشأنه وموعدنا يوم القيامة، لكن عليه أن يَطرح رأيه الذي يتعبد الله به لكي تقف هذه المَهلكة والإبادة الجماعية لنا ولأطفالنا بدلا من المزاودة والتنظير المسلوخ عن الواقع وأصحابُه طاعمون آمنون، وليُسمّي حلّه المطروح نصرا بدلا من الهزيمة، أو تنازلا بدلا من الاستسلام، أو انسحابا مرحليا، ليُسمّه ما شاء، فلا مشاحة في الاصطلاح طالما اتفقنا على وجوب وقف نهر الدم الجاري بلا توقف، وإلا سيفيق المسلمون على ضياع غزة وتحوُّلِ أهلها إلى وحوشٍ تحكمها شريعة الغاب، وبدلا من انتشار الإيمان بالله والإيمان بالأرض والقضية والجهاد فلننتظر شعبا ينتشر فيه الكفر والإلحاد والكفر بالأرض والجهاد والمقاومة، فلا يتوقعن أحدٌ أنّ ذلك بعيد، فترْكُ شعبٍ كاملٍ أعزلٍ في وسط هذه الفتن العظيمة والبؤس الشديد والظلم الرهيب قد تكون نتائجه كارثية حقا، فلنترك الرهانات الخاسرة ولنلتفت للواقع الأليم ونعمل على الفرار منه بما تبقى.

ومن نافلة القول أنه لو تغيرت الظروف فستتغير التقديرات، فكما كانت قناعتنا في بداية المعركة مختلفةً عن اليوم، فإنّ غدًا يَحمل ما فيه، ولسنا مكلفين بافتراض ما سيكون وبين أيدينا ما هو كائن، إن قدّر الله أقدارًا أخرى تعطينا فرصةً لفرض شروطنا أو بعضها فلكل حادثٍ حديث، أما وحالُنا كما هو اليوم من ضعفٍ شديد وانعدامٍ للحيلة وتسلطٍّ لأهل الكفر على أهل الإسلام المستضعفين فهذا ما يجب أن نتعامل معه وأن لا نقفز عليه، وإني لو تبيّن لديّ خطأ ما أدعو إليه فسأتراجع عنه فور تبيّن الحق، فلستُ متشبّثًا برأيٍّ يَحمل باطلا، فالأمر عظيمٌ جدا وأكبر من أيٍّ أحد وأيٍّ جماعةٍ أو تيار أو مشروع، وكل كلمةٍ لا تَنطلق من فهمٍ سليمٍ للواقع ومرجعيةٍ فقهية وشرعية سديدة فالثمن هو دماءٌ معصومة ستُسفك، وأوجاعٌ أخرى ستزداد، ومزيدٌ من الفتن تنقل مزيدا من الناس إلى حومة الباطل والفساد والإلحاد، وهذا الحرص في معرفة الحق ومراد الله في هذه الفتنة العظيمة آكد ما يكون في حقِّ صناع القرار ومَن حولَهم ويؤيدهم ويشير عليهم، لأن الخطأ في الفهم والتصور سيكُون تورطا في دماءٍ معصومة برأيٍ فاسد! فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتّباعه والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

والله هو الهادي..

16/8/2025
@abomoaaz83

الشيخ سلمان الداية ثروة فقهية في فلسطين .. فمن الذي يهدر قيمتها؟

شهادة في الصميم ،،،

الشيخ سلمان الداية ثروة فقهية في فلسطين .. فمن الذي يهدر قيمتها؟

ما أكثر القيادات والدعاة والوعاظ في فلسطين، وما أقل العلماء فيها والمجتهدين!

من المؤسف ما يقوم به بعض المدانين من طعن في الشيخ سلمان الداية ومحاولة الإساءة لمكانته في غزة وفلسطين، لاسيما إذا كانوا عنده سابقا من الطلاب ومن المقربين!

وإذا كانت الأخلاق تشهد تراجعا اليوم في عموم فلسطين، فكيف تغيب الأخلاق تماما عن بعض الإسلاميين وبعض طلبة العلم الذين تخرجوا من تحت يدي الشيخ وكانوا كأبنائه عنده مدللين؟

وهل ينكر عارف أن الشيخ سلمان الداية من أرقى من عرفت فلسطين خلقا وأدبا وتواضعا وخفضا للجناح لكل من يأتيه أو يكلمه عن قرب أو من بعيد؟

إن خلاف البعض إزاء اجتهادات الشيخ سلمان فيما يخص النازلة الغزية لا تجيز لهم الطعن بالشيخ ولا التنقيص من قدره، فهذا لعمري ليس خلق المسلمين ولا العلماء العاملين ولا المجاهدين الصادقين!

وما بال الغيورين قد تجاوزوا نقاش القضايا الفقهية وعجزوا عن استحضار أدلتها التفصيلية، وانكبوا على وجوههم ببهتان وقبح يتمتمون؟

لقد كانت الحركات والأطر والشخصيات الإسلامية في غزة طوال ربع قرن تتجمل وتتألق بحضور الشيخ سلمان الداية أو حتى بذكر اسمه في قوائمها، فكيف يستوي هذا التدني عند البعض في القدح بالشيخ نتيجة عدم موافقته لمذهبهم ومواقفهم الأخيرة مع تاريخ طويل من التقرب للشيخ الفقيه والتجمل باسمه والتفاخر بعلمه؟

الشيخ سلمان الداية ثروة شرعية في فلسطين.

لا تعرف غزة ولا الضفة اليوم رجلا عالما قادرا على الاستنباط والقياس وفق الأصول الشرعية، مستحضرا الكم الأكبر من الموروث الفقهي لدى المذاهب الأربعة بأقوالها المعتمدة ومن شذ عنها وخالفهاا، كما يعرف الشيخ الفقيه سلمان الداية. فلماذا يسعى البعض لتحييده من المشهد بناء على خلافه معه في اجتهاده في قضايا السياسة الشرعية بما يخص النازلة الغزية؟

وهل هذا الموقف اللاأخلاقي مبني على أحكام شرعية تأصيلية وفقهية، أم هو نزعة حزبية يحركها الهوى الطائش وعمى البصيرة؟

الشيخ سلمان الداية فقيه وصمام أمان مجتمع غزة اليوم وفي المستقبل.

إن الشيخ سلمان الداية الذي يتوجه إليه الصغير والكبير والمرأة والرجل والعوام وطلاب العلم بطلب الفتيا، يعتبر صمام أمان مجتمعي في جانب أحكام الشريعة وفي الجانب القيمي والأخلاقي، وهو مدرسة ونموذج في الصبر الجميل – ولا نزكي على الله أحدا-

فكيف يغامر البعض بتقليل مكانته ودوره الشرعي الفقهي والاجتماعي من خلال اللمز بالشيخ والتشكيك فيه، وذلك بدل أن ينبري لنقاش وجهة نظره وفتاويه في النوازل -إذا امتلك علما وحقا يستند إليه- ويثري بذلك المساحة الشرعية الفقهية في النازلة الغزية المؤلمة؟

رفع العلماء مصيبة المصائب!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. رواه البخاري ومسلم.

وإذا كان رفع العلماء مصيبة تورث المهالك في حياة البشر، فكيف يستعجل البعض ويتجرأ على قتل العلماء معنويا وإضعاف مكانتهم المجتمعية ليبقى حاضرا ومتألقا بأخطائه وقصوره وعواره في الساحة وفي المشهد بين أكوام من البشر التائهة؟

والسؤال الأهم هو:

أين الله وأين ميزان الشريعة وأين تتجسد رعاية أحوال الناس وحفظ الدين في هذا السلوك الجارح والمخالف لسيرة كل المصلحين؟

اللهم إني أبرأ إليك من صنيع وكلام هؤلاء وما كتبته أيديهم، وأسألك يارب لي ولهم الصلاح والمغفرة والهداية.

اللهم وأسألك للشيخ سلمان الداية وإخوانه الفقهاء والمجتهدين التسديد والنفع وكمال الهداية.

اللهم احفظ غزة وأهلها الكرام ومجاهديها الأبرار وانصرهم يارب على عدوهم إنك أنت القهار.

مضر أبوالهيجاء فلسطين-جنين 18/8/2025

القرآن كتاب هداية وتشريع، لا كتاب أرقام وتنجيم

 

القرآن كتاب هداية وتشريع، لا كتاب تنجيم ولا أرقام لحساب تواريخ سقوط الدول.
واجبنا الإيمان بوعد الله بزوال الباطل وعلو الحق، مع العمل بالأسباب الشرعية والمادية، لا بترويج أوهام تشبه الكهانة.
كهنة التحديد -من القرآن وغيره-: “أخطأوا في الحساب… وأصابوا في التضليل!.
وقد أضاف” نزيه الأحدب ” نفسه للقائمة!

نشر الأستاذ (نجدت لاطة) في تاريخ ٢١/ ٢/ ٢٠١٩ مقالا بعنوان:
” نبوءة ( زوال إسرائيل عام ٢٠٢٢ ) كاذبة، ونبوءة ( موشي ديان ) صادقة”
قال:
منذ ثلاثين سنة قرأت في كتاب نقلاً عن الكاتب الإسلامي محمد أحمد الراشد أنه سمع من امرأة عجوز يهودية في مدينة الموصل أن دولة إسرائيل ستزول في عام 2022، وعندما سألها عن مصدر هذه المعلومة، أجابت بأن ذلك مذكور في التوراة.

وبعد ذلك كثر الحديث عن هذه النبوءة، بعضهم يحددها في نفس العام، وبعضهم يحددها بشكل مقرب من هذا العام. وبعد مجيء اليوتيوب ـ الذي هو قناة فضائية لكل شخص ينشر فيه ما يشاء من الأخبار صوتاً وصورة ـ انتقلت هذه النبوءة بشكل أوسع، فعلى سبيل المثال جاءت النبوءة على لسان المفكر بسام جرار، وعلى لسان عدنان إبراهيم، بل إن هذا الأخير أقسم بالله العظيم على زوالها في نفس العام. وتوالت هذه النبوءة وصارت على كل لسان.. وإن من يتابع اليوتيوب يظن أن اليهود في إسرائيل يحزمون أمتعتهم وأغراضهم للرحيل، لأن عام 2022 هو بعد ثلاثة سنوات من الآن.

وهؤلاء جميعاً اعتمدوا إما على التوراة كما ذكرت تلك العجوز، وإما على حسابات عددية لبعض الآيات من سورة الإسراء.

ثم إني سمعت قبل الربيع العربي بسنوات من الداعية عمرو خالد في مقابلة تلفزيونية أن قضية إسرائيل سننتهي منها خلال ثلاثين سنة القادمة إن شاء الله. يقصد أننا سنهزم اليهود في هذه الفترة ونسترجع فلسطين.

ثم سمعت أيضاً في عام 2012 من الدكتور طارق سويدان يقول أن قضية إسرائيل سننتهي منها خلال العشرين سنة القادمة.

وأخيراً ذكر الدكتور أحمد نوفل في مقابلة مع صحيفة السبيل الأردنية قبل سنتين أننا صرنا إلى تحرير فلسطين أقرب.

وأنا في كل هذا أنظر إلى سذاجة هذه الأقوال وهذه النبوءات، ولكن بعد الرجوع إلى علم النفس تبيّن لي أن هذه الأقوال والنبوءات شيء طبيعي في مثل المرحلة التي نمرّ بها. لأن هذه المرحلة ـ التي هي هزائم كبرى وكوارث عظمى تمرّ بها الأمة ـ تولّد مثل هذه الأقوال والنبوءات، كي لا يُصاب الإنسان بجلطة دماغية أو أمراض نفسية. بمعنى أن الإنسان ينشئ في مثل هذه الحالة آمالاً وأحلاماً ونبوءاتٍ قد تكون متناقضة مع الواقع، يفضفض الإنسان بها عن نفسه، أو يتفشفش بها. أو بمعنى آخر أن هذه الأقوال والنبوءات هي تهدئة أو تخدير للنفوس كي لا تنصدم بالواقع الأليم الذي نعيشه.

ولكن إن أخذنا هذه الأقوال والنبوءات على محمل الجد، وأردنا أن نناقشها من الناحية العلمية والواقعية، فهل ستصمد أمام أي نقاش؟ طبعاً لا تصمد أمام كلمة واحدة في أي نقاش.

نبدأ بنبوءة المرأة اليهودية.. فهل يُعقل أن كتاباً سماوياً يذكر حدثاً معيناً بأنه سيقع في السنة الفلانية ويحددها بالضبط، أي بعد نزول هذا الكتاب ـ أي التوراة ـ بثلاثة آلاف سنة تقريباً؟ فهذا شيء غريب وغير معقول، ولم يحدث أن وجدنا شيئاً كهذا في الكتب السماوية، لأن منهج هذه الكتب ليس كذلك.

وثانياً ـ ألسنا نحن المسلمين نعتقد أن التوراة محرّفة؟ فلماذا نصدق اليهود إذا أخبرونا بأن كتابهم يقول كذا وكذا؟ لماذا لا نكون منطقيٍين في تعاملنا مع الكتب السماوية المحرفة؟ ألا يشعر القارئ بأننا أصبحنا أضحوكة بأيدي اليهود؟

ولكن إذا كنتَ أيها القارئ تبحث عن الصدق في النبوءات التي تتحدث عن زوال إسرائيل فهي ما جاءت على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي (موشي ديان) صاحب العين العوراء، الذي هزم الجيوش العربية في عام 1967، حين سُئل عن احتمالات انتصار العرب على إسرائيل وطرد اليهود من فلسطين، فأجاب بالحرف الواحد: إن المسلمين سينتصرون علينا في يوم ما. وحين سُئل متى؟ أجاب: حين يكون عدد المصلين في صلاة الفجر في المسجد بنفس عدد المصلين في صلاة الجمعة، عندها ستزول دولة إسرائيل من الوجود.

فنبوءة موشي ديان هي التي يجب على المسلمين تصديقها، أما غير ذلك فهو كذب ودجل وضحك على الذقون.

فنبوءة زوال إسرائيل عام 2022 كاذبة، وألف مرة كاذبة، ومن يقول بها إنسان معتوه يريد أن يضحك على المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة. وإلا فأين الجيوش الإسلامية التي ستحرر فلسطين في الثلاث السنوات القادمة؟

أما بالنسبة للذي يعتمد ـ في هذه النبوءة ـ على حماس وأنفاقها في غزة، فهل سيتم تحرير فلسطين من خلال هذه الأنفاق؟ أليس هذا ضرباً من الخيال والجنون؟ لأن دور هذه الأنفاق هو الاستنزاف لدولة إسرائيل، كي لا تهدأ أو تستقر.. أما تحرير فلسطين كلها فلن يكون من خلال هذه الأنفاق. وقد قال تعالى (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار) فهل يُفهم من الآية أننا سنأتي من تحت الديار لتحرير فلسطين؟

وقد سُئل الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله عن موعد زوال إسرائيل وانتصارنا عليها بحسب ما جاء في سورة الإسراء، فقال: هذا يتوقف علينا، فبعد أن جمع الله اليهود لفيفاً من جميع الأقطار بقي علينا الدور في أن نعود إلى الله ونصبح مؤمنين حقاً، عندها سينصرنا الله عليهم، كما وعدنا في هذه السورة. ولم يحدد موعداً لذلك.

فهل المسلمون اليوم يستحقون هذا النصر؟ وهل أصبحوا أكفاء لهذا النصر؟ وأين الجيل الذي سيحرر الأقصى؟ الواقع يقول إن شباب المسلمين قد مسخهم الفيسبوك على الآخر، والمصائب والهزائم تنصب على الأمة انصباباً كالمطر.

فنبوءة موشي ديان تنطبق تماماً مع قول الإمام الشعراوي. أما قول غير ذلك فينبغي علينا أن نضرب به عرض الحائط ولا نلقي له بالاً. وكفى هذه الأمة سخافات ونبوءات لا تمت إلى واقعنا بصلة.

وفي الآونة الأخيرة بدأ البعض ممن يروجون لنبوءة زوال إسرائيل عام 2022 بعد قرب موعد هذا العام دون وجود ما يوحي بإرهاصات هذا الزوال.. يقولون بأنه ليس شرطاً أن يكون الزوال الكلي في نفس العام، وإنما يمكن القول أن الزوال يبدأ من هذا العام، ولا ندري متى ينتهي. طبعاً هذا كذب ودجل يدل على سخافة تلك العقول التي تقول به.

ونأتي إلى أقوال (عمرو خالد وطارق سويدان وأحمد نوفل) ، فكما نعلم أن من يريد أن يخبرنا بأن شيئاً ما سيحدث لا بد أن يكون لهذا الحدث مقدمات أو إرهاصات أو معطيات، لاسيما حين يكون الحدث كبيراً جداً، وهو زوال دولة قوية (أي إسرائيل) التي تقف معها الدول العظمى في العالم. وفي المقابل لا يوجد في الأفق ما يوحي بوجود دولة إسلامية قوية هدفها إزالة هذه الدولة.

فهل كان هؤلاء الدعاة الثلاثة على ذرة من الصواب؟ هل كانوا أصحاب بعد نظر؟ هل كانوا يرون في الأفق ما يوحي بوجود بوادر لتحرير فلسطين؟ أم أن تخدير الشعوب أصبح سمة من سمات الإسلاميين؟ وهل أصبحوا كالعلمانيين واليساريين والقوميين والناصريين الذين أشبعونا كلاماً في السابق عن تحرير فلسطين. وكلنا نتذكر قول عبد الناصر بأننا سنرمي اليهود في البحر. ونتذكر قول صدام حسين بعد احتلال الكويت بأنه سيحرر القدس.

وما معنى قول الله تعالى (فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً)؟ أليس المعنى أن قول المؤمن ينبغي أن يكون صادقاً أو صائباً أو منطقياً أو واقعياً؟ فأين الصواب والمنطق في أقوال الدعاة الثلاثة؟ وبالتالي أين التقوى في أقوالهم؟ وأين معطيات وإرهاصات زوال إسرائيل؟

ففي الواقع لا يوجد شيء يدل على قرب زوال إسرائيل، بل يوجد العكس، فالشعوب تبتعد يوماً بعد يوم عن التديّن، ومشاكلنا تزداد بشكل مخيف، ومنطقة الشرق الأوسط تحولت إلى كوارث بحجم الجبال، وإلى دمار وخراب وغلاء وحروب أهلية ولاجئين بالملايين. ثم نجد الدكتور أحمد نوفل يقول بأننا أصبحنا إلى تحرير فلسطين أقرب. أما الواقع فيقول بأننا ابتعدنا عن ذلك بأميال وعقود كثيرة. انتهى.

والله أعلم.

 

حكم استعمال أطواق ” البف “

حكم استعمال أطواق ” البف “

السؤال: 153829

ما حكم أطواق البف ، والتي هي طوق بلاستيك يوضع تحت جزء من الشعر ثم يعاد الشعر عليه بحيث يوحي بكثافة الشعر وكثرته ، وهل يدخل في الوصل ؟ .
ونسأل الله أن يكتب أجركم ، ويشكر سعيكم ، وأن ينفع بك الإسلام والمسلمين .

الجواب


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

” أطواق البف ” – ويطلق عليها ” أمشاط البف ” : فهي تعمل على تكبير الرأس ، وتسمَّى العملية : ” نفخ الشعَر ” ، و ” حشْو الشعَر ” ، وحكمها : المنع والتحريم ، ودخول ذلك في وصل الشعر الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعلته ليس بعيداً .
عَنْ قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ قَالَ : مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ الزُّورَ – يَعْنِي : الْوَاصِلَةَ فِي الشَّعَرِ – . رواه البخاري ( 5594 ) ومسلم ( 2127 ) .
وزاد مسلم : قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي : مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ .قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وهذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيءٍ آخر ، سواء كان شعراً أم لا ، ويؤيده : حديث جابر : ( زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئاً ) أخرجه مسلم … .
ويستفاد من الزيادة في رواية قتادة : منع تكثير شعر الرأس بالخرَق ، كما لو كانت المرأة – مثلاً – قد تمزق شعرها ، فتضع عوضه خرقاً ، توهم أنها شعر .
” فتح الباري ” ( 10 / 375 ) مختصراً .
وأما دخول استعمال الطوق في النهي الثاني – وهو جعل الرأس كأسنمة البخت – :
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ) رواه مسلم ( 2128 ) .
قال النووي – رحمه الله – :
ومعنى ( رؤوسهن كأسنمة البخت ) : أن يكبرنها ، ويعظمنها ، بلف عمامة ، أو عصابة ، أو نحوها .
” شرح مسلم ” ( 14 / 110 ) .
وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله – :
وقوله : ( رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ) : أسنمة : جمع سنام ، وسنام كل شيء : أعلاه . والبخت : جمع بختية ، وهي نوع من الإبل عظام الأجسام ، عظام الأسنمة ، شبَّه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن أعلى أوساط رؤوسهن تزينًا ، وتصنعًا ، وقد يفعلن ذلك بما يكثرن به شعورهن .
” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 5 / 450 ، 451 ) .
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :
ما حكم وضع شرائط في الشعر ، أو بكلات ، تزيد من حجم الرأس وتكبره ، وتزيد في طول الشعر ؟! .
ما حكم لبس بكلات أو شرائط فيها صور حيوانات أو آلات موسيقية ؟! .
فأجاب :
تكبير حجم الرأس بجمع الشعر بشرائط أو بكلات : لا يجوز ، سواء جمع الشعر أعلى الرأس ، أو بجانبه ، بحيث يصبح كأنه رأسان ، وقد جاء الوعيد الشديد في حق من يفعلن ذلك حتى تصبح رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، والبخت : نوع من الإبل له سنامان .
أما الشرائط التي لا تكبر حكم الرأس ، ويحتاج إليها لإصلاح الشعر : فلا بأس بها عند بعض العلماء .
قال في شرح ” الزاد ” : ” ولا بأس بوصله بقرامل ” .
أقول : والقرامل هي ما تشده المرأة في شعرها من حرير أو غيره من غير الشعر ، وترك ذلك أفضل ؛ خروجًا من الخلاف ؛ لأن بعض العلماء يمنع من ذلك كله .
وأما إذا كانت الشرائط أو البكلات على صور حيوانات أو آلات موسيقية : فإنها لا تجوز ؛ لأن الصور يحرم استعمالها في لباس وغيره ، ما عدا الصور التي تداس وتمتهن في الفرش والبسط ، وآلات اللهو يجب إتلافها ، وفي استعمال الشرائط والبكلات التي على صور آلات اللهو : ترويج لآلات اللهو ، ودعوة إلى استعمالها ، وتذكير بها .
” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 3 / 320 ، 321 ) .والله أعلم