الرئيسية بلوق الصفحة 40

هل ثمة تعارض بين ما ثبت في أن المؤمنين يرون ربَّهم في الجنة وأنهم يرون وجهه؟

هل ثمة تعارض بين ما ثبت في أن المؤمنين يرون ربَّهم في الجنة وأنهم يرون وجهه؟

السؤال:

هل المؤمنين يرَون الله عز وجل في الجنة بكامل صفاته سبحانه أم أنهم يرون وجهه الجليل فقط؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد بينَّا اعتقاد أهل السنَّة في رؤية الله تعالى في الجنَّة بأدلة من القرآن والسنَّة والإجماع.

ثانيًا:

جاءت نصوص الوحي تبيِّن أن الاعتقاد الصحيح في رؤية المؤمنين ربَّهم تعالى، وبعضها في كون الرؤية لله تعالى، وأخرى لرؤية وجهه الكريم.

فمن الأول:

قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة/ 22، 23.

ومن الثاني:

ما جاء من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ). رواه النسائي ( 1305 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

ولا فرق فيما ورد في نصوص الوحي بين ما جاء أن المؤمنين يرون ربهم تعالى وبين ما ورد أنهم يرون وجهه عز وجل؛ لأن:

  1. الوجه من صفات الله الله تعالى، فمن رأى وجهه عز وجل فقد رأى ربَّه تعالى.

* سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

ورد في بعض أحاديث الرؤية أن الرؤية لله سبحانه وفي بعضها أن الرؤية لوجه الله فكيف الجمع بينهم؟.

فأجاب:

رؤية الله ورؤية وجه الله كلها رؤية لله عز وجل، الله عز وجل من صفاته الوجه، فرؤية الله عز وجل رؤية وجه الله. ” شرح سنن ابن ماجه ” ( شريط 23 ).

  1. أن ” الوجه ” يُعبَّر به عن الذات، ولا يقال هو الذات من غير إثبات صفة الوجه، بل يقال قد يُطلق ويراد به الذات مع إثبات الصفة بما يليق بالله عز وجل.

 

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص/ 88؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات: فيُخشى أن تكون حرَّفت، وإن أردت بالوجه نفس الصفة: أيضًا وقعت في محظور – وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره، حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه – فماذا تصنع؟!.

فالجواب:

إن أردت بقولك ” إلا ذاته “، يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله: فهذا صحيح، ويكون هنا عبَّر بالوجه عن الذات لمن له وجه.

وإن أردت بقولك ” الذات “: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه: فهذا تحريف وغير مقبول.

وعليه فنقول: ( إِلاّ وَجْهَهُ )، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء؛ لأن الفرق بين هذا وبين قول أهل التحريف: أن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات لأن له وجهًا، فعبَّر به عن الذات.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 243 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لما نهى سبحانه عن دعاء غيره لأنه هالك فإنه لا يصلح أن يدعى ويعبد: أخبر أنه هو الباقي وحده الذي يستحق أن يُدعى ويُعبد، وعبَّر بالوجه لأنه أشرف الأعضاء، كقوله تعالى: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 26، 27.

ففي الآيتين إثبات الوجه لله عز وجل على ما يليق بجلاله؛ لأن الوجه يعبَّر به عن الذات عند العرب، والقرآن نزل بلغتهم، وفيهما إخبار عن فناء كل ما سواه وبقائه وحده بجميع صفاته، فهو الحي الذي لا يموت والخلق يموتون ثم يبعثون.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 373 ).

ثالثًا:

ويجب أن يَعتقد المسلم أنه لا يمكنه الإحاطة بربه تعالى عند رؤيته عز وجل، فقد نفى الله تعالى إدراك العباد له تعالى، مع إثبات رؤيتهم له، قال تعالى ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) الأنعام/103.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وحينئذ فتكون الآية دالَّة على إثبات الرؤية، وهو أنه يُرى ولا يُدرك ، فيُرى من غير إحاطة ولا حصر، وبهذا يحصل المدح؛ فإنه وصفٌ لعظمته أنه لا تدركه أبصار العباد وإن رأته، وهو يدرك أبصارهم، قال ابن عباس – وعكرمة بحضرته – لمن عارض بهذه الآية: ” ألست ترى السماء؟ “. قال: بلى، قال: ” أفكلها ترى؟ “.

” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 88 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يرون الله كما يشاء سبحانه وتعالى في كيفية رؤيتهم إياه، وكما يشاء الله في زمن رؤيتهم إياه، وفي جميع الأحوال، يعني: على الوجه الذي يشاؤه الله عز وجل في هذه الرؤية

وحينئذ: فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها، بمعنى: أن الإنسان لا يَعلم كيف يَرى ربَّه، ولكن معنى الرؤية معلوم: أنهم يرون الله كما يرون القمر، لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 471 ).

رابعًا:

إذا فهمنا أن رؤية وجه الله تعالى في الجنة هي – أيضًا – رؤية لله تعالى: فلا مانع من أن يُرى غير الوجه من صفاته الذاتية، كاليدين مثلا، ونحو ذلك.

وقد ورد أن المؤمنين في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرون ربهم عز وجل، ويعرفونه بساقه حين يكشف لهم عنها، كما في حديث الشفاعة الطويل:

( فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ السَّاقُ. فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ … ) رواه البخاري (7440) واللفظ له، ومسلم (183).

لكن هل يرى غير ذلك من الصفات؟!.

مثل هذا لا يصح القول فيه إلا بتوقيف من الشرع، وليس في البحث عنه كبير فائدة بعد أن يكون المسلم قد أثبت ما دلت عليه النصوص من رؤية الله جل جلاله، والنظر إلى وجهه الكريم في الجنة.

 

والله أعلم.

حكم العمل بعد انتهاء ساعات الدوام لحسابه الشخصي في مجال عمله نفسه

حكم العمل بعد انتهاء ساعات الدوام لحسابه الشخصي في مجال عمله نفسه

السؤال:

أعمل مبرمجًا في شركة كمبيوتر لإنتاج البرامج التعليمية، وبعد ساعات العمل أفكر في إنتاج برامج تعليمية أخرى قد تكون مشابهة ولكن باختلاف الطريقة التي أقوم بها في جهة العمل الأولى، وذلك لحسابي الشخصي مع مجموعة من زملائي، فهل يجوز لي ذلك أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نرجو أن لا تكون البرامج التعليمية التي تود إنتاجها تحتوي على مخالفات شرعية، كموسيقى، وصور نساء، وتدريب على حساب زيادات ربوية، وما يشبه هذا مما لا يحل أن يكون في واقع الناس، ونرجو أن تكون تلك البرامج التعليمية ملتزمة بالضوابط الشرعية التي تجعل من إنتاجها رافدًا للعملية التربوية السليمة من المخالفات الشرعية.

ثانيا:

ولا مانع من أن تقوم على إنتاج برامج مطابقة أو مشابهة لتلك التي تقوم على إنتاجها وقت عملك في شركة الكمبيوتر، لكنَّ ذلك مشترط بشروط:

  1. أن لا تكون تستعمل مواد وبرامج وأجهزة من عملك لإنتاج برامجك الخاصة.
  2. أن يكون عملك في ذلك الإنتاج الخاص بك خارج وقت الدوام، لا فيه، ولا في جزء منه؛ لأنك مكلَّف في وقت دوامك أن تعطي شركته حقَّها من العمل خلال وقت الدوام، ولا يحل لك الانشغال بأعمال خارج نطاق العمل، وخاصة أن تكون أعمالا خاصة بك شخصيًّا.
  3. أن لا تستولي على زبائن شركتك لتسوق برامجك لهم؛ فأنت عرفت الزبائن عن طريق شركتك، وبيعك البرامج المنتجة من قبَلك لهم: يعدُّ خيانة للأمانة.

هذا الذي ظهر لنا ذِكره من شروط حتى يكون إنتاجك الخاص للبرامج التعليمية مباحًا لك في الإنتاج والبيع.

 

والله أعلم.

هل يجوز استعمال قواعد من اختراعنا لضبط حفظ القرآن؟

هل يجوز استعمال قواعد من اختراعنا لضبط حفظ القرآن؟

السؤال:

معلمة القرآن تقرأ لنا الآيات، ثم تفسر لنا الآيات تفسيرًا صحيحًا، ثم في حالة وجود صعوبة عندنا في استرسال الآيات تقول لنا المعلمة ” علامة ذهنية ” تيسر لنا الاسترسال في الآيات، مثال ذلك في سورة الإسراء ( وكان الإنسان عجولًا ) بعدها (وجعلنا الليل والنهار ) فتقول: إن الجيم في ( عجولًا ) يمكن أن تذكرنا بالجيم في (وجعلنا )، ومثال: تقول في سورة القصص ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) بعدها (إن قارون ) فتقول كلمة يفترون يمكن أن تذكرنا بقارون، ونحن على علم أن هذا ليس له علاقة بالتفسير وإنما هو علامة للاسترسال فقط، فهل هذا بدعة أو لا يجوز؟.

أرجو الرد للأهمية.

 

الجواب:

الحمد لله

نرى أن هذا الأمر وما يشبهه لا يدخل في البدعة، بل هي قواعد يُبدِع فيها العلماء والحفَّاظ للوصول بالطلاب إلى الحفظ المتقن بأيسر طريق وأسهل سبيل.

ومن هذا الباب جاءت الوصية من الحفَّاظ المتقنين – من خلال التجربة- لطلابهم الالتزام برسم مصحف واحد لا يتغير؛ حتى تنطبع الآيات في ذهن الحافظ، فهذه علامة ذهنية لكنها كتابية لا سمعية.

* قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق – حفظه الله -:

القاعدة الخامسة: حافظ على رسم واحد لمصحف حفظك.

مما يعين تمامًا على الحفظ: أن يجعل الحافظُ لنفسه مصحفًا خاصًّا لا يغيِّره مطلقًا، وذلك أن الإنسان يحفظ بالنظر كما يحفظ بالسمع، وذلك أن صور الآيات ومواضعها في المصحف تنطبع في الذهن مع كثرة القراءة والنظر في المصحف، فإذا غيَّر الحافظُ مصحفَه الذي يحفظ فيه أو حفظ من مصاحف شتى متغيرة مواضع الآيات: فإن حفظه يتشتت، ويصعب عليه الحفظ جدًّا، ولذلك: فالواجب أن يحافظ حافظ القرآن على رسم واحد للآيات لا يغيِّره.

” القواعد الذهبية في حفظ القرآن “.

وعدا عن رسم الصحف في ذهن الحافظ فإن المصحف الواحد قد يكون سبيلًا له لضبط الآيات المتشابهات.

مثال:

تكرر في كتاب الله تعالى في عدة آيات كلمتي ” النفع ” و ” الضر “، فما السبيل لضبط تلك الآيات من خلال اعتماد مصحف واحد؟.

قال بعض الحفَّاظ: في طبعة ” مجمع الملك فهد ” تتقدم دائماً كلمة ( نَفْعًا ) على ( ضرًّا ) في الوجه الأيمن، و ( ضرًّا ) على ( نَفْعًا ) في الوجه الأيسر.

و ” الوجه الأيمن ” فيه حرف ” النون ” وهو كذلك في كلمة ( نـفعًا )، والوجه الأيسر فيه حرف ” الراء “، وهو كذلك في كلمة ( ضرًّا ).

والأجود مما ذكرته لكنَّ مدرستكنَّ: ما استطاع الحافظ ربط الآية بالتي قبلها وبعدها من خلال معاني الآيات، وقد ألِّفت في ذلك مؤلفات مستقلة، وأشهرها: كتاب ” نظم الدرر في تناسب الآيات والسور “، لمؤلفه: برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي.

مثال:

قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل/ 90، فهي على علاقة بالتي قبلها وهي قوله تعالى ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) النحل/ 89، فإنها تفصيل لما أُجمل في الآية التي جاءت قبلها.

وهذا فرع من علم يطلق عليه ” علم المناسبات “.

* قال السيوطي – رحمه الله – :

وقال ابن العربي في ” سراج المريدين “: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه ” سورة البقرة “، ثم فتح الله لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 3 / 369 ).

كما اعتنى العلماء والحفَّاظ بالآيات المتشابهات وذكروا قواعد لضبطها وحفظها، ومن أعظم تلك القواعد ما يتعلق بمعاني الآيات.

مثال:

التفريق بين قوله تعالى ( قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) آل عمران/ 40، وقوله ( قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) آل عمران/ 47، فإذا عرف الحافظ أن الآية الأولى في سياق قصة زكريا وله زوجة فرَّق بينها وبين الآية الثانية وهي في مريم وليس لها زوج، فكانت الآية الأولى فيها ( يفعل ) والثانية ( يخلق ).

كما أوصى بعض العلماء والحفَّاظ بطريقة النحت لمعرفة خواتيم آيات متشابهة.

مثال:

جاء في سورة آل عمران قوله تعالى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) آل عمران/ 176، ثم بعدها قوله تعالى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) آل عمران/ 177، ثم بعدها قوله تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) آل عمران/ 178، وكلها آيات متتالية ، فكيف ضبط بعضهم قاعدة لحفظ تلك الخواتيم؟ لقد استعمل طريقة ” النحت ” فأخذ الحرف الأول من (عذاب ) والأول من ( أليم ) والأول من ( مهين ) فصار معه كلمة ” عام “، فإذا جاءت التسميع للآيات علم أن الآية الأولى تختم بكلمة ( عظيم ) والثانية بكلمة ( أليم) والثالثة  بكلمة ( مهين ).

ومنهم من ربط بين الآية واسم السورة لضبط المتشابهات.

مثال:

قال تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) الإسراء/ 89، وقال تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) الكهف/ 54، فكيف يمكن للحافظ أن يميِّز بين الآيتين ؟ يمكن ذلك من خلال قاعدة الربط بين الآية واسم سورتها، فالأولى في ” الإسراء ” وفيها حرف السين فيقدم كلمة ” الناس”، والثانية في ” الكهف ” وفيها حرف الفاء فيقدم ( في هذا ).

 

* والخلاصة:

لا نرى حرجًا من استعمال قواعد لضبط الحفظ، والمهم في ذلك عدم تعريض معنى الآيات للتحريف، وعدم التكلف إذا استعملت طريقة ربط الآيات بعضها ببعض من خلال معانيها، وما ذكرته لكنَّ المدرِّسة لا يصلح إلا في بداية الآيات التي لا يستطيع الحافظ ربطها بما قبلها ولا تصلح أن تكون مع كل آية وإلا حصلت مشقة بالغة.

 

* قال السيوطي – رحمه الله -:

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: المناسبة علم حسَنٌ، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام: أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة: لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك: فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسَن الحديث فضلًا عن أحسنه؛ فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنَة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 3 / 370 ).

 

والله أعلم.

 

 

من هم أصحاب الأعراف؟ وما مصيرهم في آخر الأمر؟

من هم أصحاب الأعراف؟ وما مصيرهم في آخر الأمر؟

السؤال:

سمعت أن هناك مكانًا يقع ما بين الجنة والنار، أصحيح ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نعم، هناك مكان بين الجنة والنار يسمَّى ” الأعراف “، وهو سور عالٍ يطلِّع منه أصحابه على أهل الجنة وعلى أهل النَّار ، ثم يُدخلهم ربهم عز وجل في آخر المطاف جنَّته ولا يدخلون النار، وأرجح  الأقوال فيهم أنهم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم.

قال تعالى: ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) الأعراف/ 46 – 49.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فقوله تعالى ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) أي: بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يُضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب، باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلي الكفار من جهتهم العذاب.

والأعراف: جمع عَرف، وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف.

قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته.

عن ابن مسعود قال: … ” ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرَفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا ( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار ( قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فأما أصحاب الحسنات فإنهم يُعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعطى كل عبد يومئذ نورًا فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ( قَالُوا رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ).

وأما أصحاب الأعراف: فإن النور لم ينزع من أيديهم فيقول الله ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) فكان الطمع للنور الذي في أيديهم، ثم أدخلوا الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا “.

يريد: آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار.

وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم، وهذا من جنس القول الأول.

وقيل: هم قوم رضي عنهم أحدُ الأبوين دون الآخر يحبسون على الأعراف حتى يقضي الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما.

وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين.

وقيل: هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا.

وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم.

والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها، وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة.

وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع أو الموقوف على قولين، الأول: اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني: هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ما لم نعلم أنه قاله. ثم يقال لأهل الأعراف ( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ). ” طريق الهجرتين ” ( ص 564 – 567 ) باختصار.

والقول بأنهم ملائكة هو قول أبي مِجلَز لاحق بن حُمَيد، وهو بعيد عن الصواب.

* قال السيوطي -رحمه الله – وقد نقل القول عنه رحمه الله -:

قال الحليمي في ” المنهاج ” ثم القونوي في ” مختصره “: وقد قيل: ” إن أصحاب الأعراف ملائكة يحبون أهل الجنة ويبكّتون أهل النار “، وهو بعيد لوجهين:

أحدهما: قوله تعالى ( وَعَلى الأَعرافِ رِجالٌ ) والرجال: الذكور العقلاء، والملائكة لا ينقسمون إلى ذكور وإناث.

والثاني: إخباره تعالى عنهم وأنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، والملائكة غير محجوبين عنها، كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له ولا عذاب يومئذ على ملك.  انتهى. نقله السيوطي في ” الحبائك في أخبار الملائك ” ( ص 88 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

السؤال:

قال لي أحد الأصدقاء إن الكذب من أجل حفظ النفس فرض، وأن ذلك ذُكر في القرآن، ولعله استدل بقصة عمّار بن ياسر وقوله تعالى ( إلا من اُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) بينما الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان.

السؤال هو: لو أن شخصًا وقع في ظرف يجبره على أن يقول إنه غير مسلم وإلا مات، فما العمل؟ هل يقول إنه غير مسلم وينجو من الموت أم العكس؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قاله لك صديقك من جواز التلفظ بالكفر حماية لنفس المتكلم بها من الضرر أو الأذى الذي لا يُحتمل: صحيح، وقد ثبت ذلك في القرآن، وروي في السنَّة ما يؤيده، ولم يختلف العلماء فيه.

أما القرآن:

فقد قال تعالى ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

قال الطبري – رحمه الله -:

عن ابن عباس قال: فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه: فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه: فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 305 ).

وأما السنَّة:

فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يُعَذِّبُوهُ فَقَارَبُوهُ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا بِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ ) قَالَ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( فَإِنْ عَادُوا فَعُد ).

البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 8 / 208 ) والحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 389).

وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، يدل على أن للقصة أصلًا.

 

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض.

” فتح الباري ” ( 12 / 312 ).

وأما الإجماع:

أ. فقد قال ابن كثير – رحمه الله -:

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر إبقاءً لمهجته.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

ب. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

واتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر: لم يصر كافرًا.

انتهى.

 

ثانيًا:

والمكرَه على قول الكفر يجب أن يكون إكراهه ملجئًا له لقول كلمة الكفر، والعذر إنما هو للمكرَه إكراهاً تامًّا ملجئًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

والإكراه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعًا، كالإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، قلَّ الضرب أو كثر.

وهذا النوع يسمَّى ” إكراهًا تامًّا “.

ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه التلف، وهذا النوع من الإكراه يسمَّى ” إكراها ناقصًا “. انتهى.

وقد ذكر العلماء شروطًا للإكراه التام الملجئ لقول كلمة الكفر، وهي:

أ. أن يكون التهديد بما يسبب إتلافًا كالقتل والقطع، أو أذى لا يُحتمله المسلم كالحبس ، والضرب.

ب. أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما هدَّد به.

ج. أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، ولو بالهرب أو بالاستغاثة بغيره .

د. أن يغلب على ظن المكرَه وقوع ما هدَّد به المكرِه.

 

ثالثًا:

وهل يجوز للمكرَه أن يصبر ويحتمل الضرر والأذى ولو قُتل في سبيل ذلك؟ نعم يجوز له ذلك، وقد فعله بلال بن رباح رضي الله عنه وغيره.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: ” أحَد، أحَد “، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلته، رضي الله عنه وأرضاه.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

 

رابعًا:

وأيهما أفضل: الصبر والتحمل ولو أدى إلى الموت، أم الترخص برخصة الشرع وإظهار الكفر باللسان؟.

الأقرب أن يُقال: الأفضل هو الصبر والتحمل، وخاصة لمن كان من أهل العلم أو الفضل أو القدوة للناس، وهو قول الجمهور.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والأفضل والأولى: أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 18 ):

ويتفق الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأصح عند الشافعية: على أن الصبر والثبات على الإيمان مع الإكراه ولو كان بالقتل: أفضل من الإقدام على الكفر، حتى لو قتل كان مأجورًا؛ لما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ من دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) – رواه البخاري -.

ومقابل الأصح عند الشافعية أوجه:

أحدها: الأفضل الإتيان بكلمة الكفر صيانة لنفسه.

والثاني: إن كان من العلماء المقتدى بهم: فالأفضل الثبوت.

والثالث: إن كان يتوقع منه الإنكاء – أي: في العدو – والقيام بأحكام الشرع: فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه، وإلا فالأفضل الثبوت. انتهى.

 

خامسًا:

قال الأخ السائل ” الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان “.

فهل ثبت في السنَّة ما يخالف ما سبق من الرخصة في قول كلمة الكفر للمكرَه مما يوافق كلام الأخ السائل؟.

نعم، ثبت شيء من هذا لكن العبرة بفهمه على قواعد أهل العلم في الجمع بين النصوص.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ ). رواه ابن ماجه ( 4034 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

فهذا الحديث ليس فيه المنع من الأخذ بالرخصة، بل فيه بيان الأفضل عند الإكراه، وقد سبق أن قول الجمهور أن الأفضل: الصبر والتحمل، وأما الرخصة فثابتة في كتاب الله تعالى.

 

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وهذا يدل على أنه ينبغي اختبار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة، فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه ؛ لقوله تعالى: ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) النحل/ 106.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 2 / 283 ).

 

والله أعلم.

 

حكم تواقيع كتَّاب المنتديات التي يكون فيها آيات قرآنية

حكم تواقيع كتَّاب المنتديات التي يكون فيها آيات قرآنية

السؤال:

ما حكم التواقيع التي تحمل تصاميم لصور مصاحف أو مساجد وفيها آيات قرآنية سواء كانت فلاشية أم ثابتة؟.

أنا ( … ) هوايتي التصميم، وفي الرابط نماذج للتواقيع التي أصممها، فهل هي جائزة أم غير جائزة؟. أرجو الاطلاع والرد عليَّ بوضوح.

وفقكم الله.

http://www.ansarsunna.com/vb/showthread.php?t=5319

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فإن مما يحزن القلب ما نراه من توقيعات كثير من كتَّاب الإنترنت من الذكور والإناث، من وضع صور فاسقين وفاسقات، وكافرين وكافرات، وفي أوضاع مخلة بالحياء كصورة رجل يعانق فتاة ليقبلها، ومن حيث التبرج والسفور في صور النساء، ولم يكتف بعضهم بتلك الصور المحرَّمة حتى أضاف إليها أغاني هابطة مع معازف محرمة تُسمع عند وضع ” الفأرة ” – الماوس – على الصورة نفسها، وهذا كله لا شك في حرمته، وفاعل ذلك هو من المعينين على نشر الإثم والفحش، فلعلَّ مسلمًا عاقلًا يصل إليه هذا الحكم الشرعي فيكفَّ عن فعله، ولعلَّ صاحب موقع عاقل يمنع هذا الإسفاف أن يحصل في موقعه، وبمنعه هذا يرفع عن كاهله الآثام كلها التي يرتكبها كتَّاب منتداه.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الكتَّاب أصحاب الاستقامة والالتزام بشرع الله فإننا نشكرهم على وضع التواقيع الشرعية المؤثرة، والتي تحمل معاني عظيمة، كفائدة علمية، أو كلمة لأحد السلف فيها معنى جليل، أو شعر فيه حكمة، وقد خلت تواقيع أولئك المستقيمين الملتزمين – ذكورًا وإناثًا – من الصور المحرَّمة، والأغاني والمعازف ، فكانوا أنموذجًا صالحًا لغيرهم.

 

ثالثًا:

ومن أراد من الإخوة المستقيمين أن يضع في توقيعه صورة لمسجد، أو ما ليس فيه روح كالأشجار والبحار وغيرهما: فلا يُمنع من ذلك، ولو صاحب تلك الصورة نشيدة أو قصيدة ملتزمة بالضوابط الشرعية تُسمع عند وضع ” الفأرة ” -الماوس – على الصورة.

وأما وضع آيات قرآنية في التوقيع: فله حالان:

الأولى: أن تُوضع بقصد الزينة.

وهذا ممنوع، ولا يجوز فعله، ” وفي هذا انحراف بالقرآن عما أنزل من أجله من الهداية والموعظة الحسنة والتعهد بتلاوته ونحو ذلك، والقرآن لم ينزل لتزيين الحيطان وإنما نزل هدى للناس وبيانًا.

الثانية: أن توضع بقصد التذكير بمعانيها، وخاصة إذا صاحبها سماع لها إذا وضعت الفأرة عليها – كما رأيناه في الرابط من صاحبة السؤال -.

فهذا اختلف في جوازه، الراجح عندنا أنه جائز، بل نحن نشجع عليه، ففيه إسماع لآيات القرآن فيتعلم نطقها، وفيه تذكير بمعانيها فلعلَّها تصادف عاملًا بها طائعًا لها، والله تعالى أمر بالتذكير بالقرآن فقال: ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) ق/ 45.

* قال الطبري-  رحمه الله -:

يقول تعالى ذِكره: فذكِّر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلتُه إليك من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري. ” تفسير الطبري ” ( 22 / 385 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وأما تعليق الآيات والأحاديث في المكاتب والمدارس: فلا بأس به للتذكير والفائدة. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 513 ، 514 ).

* وقال – رحمه الله -:

تعليق الآيات والسور على الجدران في المكتب أو المجلس للتذكير والعظة: لا بأس بذلك على الصحيح، ولقد كره بعض علماء العصر وغيرهم تعليقها، ولكن لا حرج فيه إذا كان ذلك للتذكير والعظة، وكان المكان محترما كالمجلس والمكتب ونحو ذلك، أو يعلِّق حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، كل ذلك فيه مواعظ وذكرى. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 695)

 

– ويفضَّل في مثل هذه الحال أن تتغير الآية كل فترة زمنية؛ ليتنوع التذكير بآيات القرآن.

 

والله أعلم.

ما حكم الممرضة التي تعين الأطباء على الإجهاض المحرَّم؟

ما حكم الممرضة التي تعين الأطباء على الإجهاض المحرَّم؟

السؤال:

امرأة تشتغل في مستشفى، تعقّم آلات الجراحة، وتعدّها، وتمدّها للجرّاحين أثناء العمليّات الجراحيّة، ولكن من ضمن هذه العمليّات هناك عمليّات إجهاض – والعياذ بالله -، فهي تسأل: هل تعتبر آثمة ولها دور في هذه الجريمة بإعانتها للجرّاحين في إعداد وإمداد الآلات المخصّصة لهذا الفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان أولئك الأطباء الجرَّاحون لا يتقون الله في عملياتهم فلن يقتصر أمرهم على إجهاض الأجنة الحية؛ فثمة عمليات أخرى محرَّمة يمكنهم القيام بها، كعمليات التجميل التي فيها تغيير لخلق الله، وعمليات الولادة القيصرية لمن لا تستدعي حالتها تلك العملية، ومثل قطع النسل بإغلاق الأنابيب، وعمليات نقل الأعضاء المشتراة أو المسروقة، وغير ذلك، وكل تلك العمليات – وغيرها مما هو مثلها – لا يجوز إعانتهم عليها، لا بتعقيم أدوات الجراحة ومناولتهم إياها، ولا بتجفيف عرقهم، ولا بتقطيب مرضاهم وضحاياهم!.

 

وإجهاض الأجنة بعد نفخ الروح فيها محرَّم في شرعنا أشد التحريم، وممنوع في أكثر الديانات والقوانين، وهو بالإضافة لكونه محرَّما لما فيه من قتل لنفسٍ محرَّمة فإنه قد يتسبب بتعطيل بعض أجهزة الأم، ومنها الرحم، مما قد يسبب قطع الإنجاب، كما أن في الإجهاض تشجيعا على الفاحشة ونشرا للزنا، ولذا فإن الإجهاض المباح قانونا لا يوجد إلا في الدول التي تسعى جاهدة في نشر الفحشاء والمنكر في شعبها، وأصحاب تلك القوانين ومعهم الأطباء الذين يباشرون لهم نصيب قول الله تعالى: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة/ 32، وفي قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور/ 19.

وإذا كانت الأم موافقة على الإجهاض فهي شريكة مع الطبيب في قتل تلك النفس، والراجح: أن الدية – وهي خمسٌ من الإبل – والكفارة – وهي صيام شهرين متتابعين – على المباشر وهو الطبيب، لا على الآمر – وهي الأم – مثلا -.

وأما من أعان الطبيب على الإجهاض من الممرضات: فهي داخلة في التعاون على الإثم والعدوان، وهو محرَّم، والإثم والعدوان واضحان جليَّان في هذه العملية المحرَّمة، وقد قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/ 2 .

وعليه: فلا يجوز لتلك الممرضة إعانة طبيب على عملٍ محرَّم مما ذكرنا أمثلته فيما سبق، فإن فعلت فهي آثمة.

 

مع التنبيه على أن الممرضات – غالبا – لا يخلو عملهن من أمور أخرى مخالفة للشرع، كالخلوة بطبيب أو ممرض أو مريض، وكالاختلاط مع الرجال، والسهر في المناوبات، وعلاج الرجال والنظر إلى عوراتهم من غير ضرورة، وكم حصل من جرَّاء بعض ذلك من مفاسد لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، لذا فالنصيحة للأخوات المستقيمات على طاعة الله أن يبحثن عن بيئة شرعية في عملهن، كالعمل مع طبيبة في عيادة خاصة بالنساء، أو في مستشفى في قسم خاص بالنساء، مع تجنب ما سبق ذِكره من مخالفات للشرع.

 

والله أعلم.

شبهات وتشكيكات في بعض تشريعات الإسلام من طالبة مسلمة!

شبهات وتشكيكات في بعض تشريعات الإسلام من طالبة مسلمة!

السؤال:

يقلقني هذا الشيء فعلًا، لأني فتاة في الخامسة عشر من عمري، وأعيش في ” المملكة المتحدة “، وتحدث لي أشياء أحيانًا تربكني كثيرًا، ولا أعرف ما الذي أفعله لأني أشعر أني أفقد إيماني تدريجيًّا بالإسلام وليس بالله، وأظن أن السبب الرئيسي هو ” الحقوق الجنسية “، وأعني بذلك: أن الولد له أن يفعل أي شيء ولن يعلق عليه أحد أي تعليق ولكن على النقيض بالنسبة للفتاة لو أنها خرجت بمفردها أو أي شيء من قبيل هذا فليس لها إلا الجحيم، وأرى أن هذا جور شديد، وأغضب بشدة حين أفكر في ذلك، أعني: لماذا يقول الناس إن الإسلام هو أعظم دين على وجه البسيطة إذا كان غير عادل وقاسي؟ أعني: أن بعض المسلمين يرون أنه من الطبيعي أن تتزوج الفتاة وهي في سن الخامسة عشر لرجل في سن الثلاثين ولم تقابله من قبل، فلماذا هذا طبيعي؟.

لماذا يصح للولد الخروج ويعود وهو مخمور ولا يستطيع المشي وينام مع ملايين الفتيات المختلفات؟.

فلماذا عندما تخرج البنت وحدها وتريد قضاء أي شيء في حياتها لا تستطيع لأن الإسلام يمسك عليها ذلك؟.

ولماذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج من غير المسلم عندما تقع في حبه ولكن هذا مناسب للولد أن يتزوج من المرأة غير المسلمة؟.

ولماذا للرجل حق الاختيار بين النساء ولكن أحيانًا لا يمكن ذلك للمرأة مطلقًا؟.

لماذا هذا الظلم الشديد؟.

أعتذر بشدة للاستمرار والتعدي في ( الأعمار )، أنا حقًّا فقط أريد مساعدتكم أنا حتى لا أعرفكم تحديدًا ولكن أنا لا أريد أن أفقد إيماني وأصير كافرة، وحتى لا أصبح كافرة: أرجو الإجابة على سؤالي، وأسأل إذا كان لديكم وقت لتراسلوني على البريد الإلكتروني شخصيًّا، والمساعدة من خلال ذلك.

من فضلكم، من فضلكم، من فضلكم ردُّوا علي في أقرب فرصة.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثمة مقدمات لا بد من الحديث معك حولها فنرجو أن تنتبهي لما نقوله لك:

1. نحن نراعي أنك تعيشين في بلاد منحلة من حيث الأخلاق، ويباح فيها ما هو محرَّم في الشرع، ووصلت بها حالهم – ذكورًا وإناثًا – إلى ركوب الدراجات الهوائية في الشارع أمام الناس وهم عراة! وتأثر الإنسان من البيئة حوله لا يُنكر، ولذا جاء التشديد في الإقامة بين أظهر المشركين ومثلهم المنحلين أخلاقيًّا، ونرى أنك لو كنتِ في بيئة طاهرة محافظة لما صدر منك مثل هذا.

2. ونحن نراعي أيضًا سنَّكِ حيث أنك تبلغين الخامسة عشرة فقط، وهذه مرحلة النضوج، وتسمى عند كثيرين ” مرحلة المراهقة ” وفيها يغلب التفكير في الأمور الجنسية عند الذكور والإناث، ونرى أنك لو كنتِ في سن أكبر من هذا لما صدر منك مثل هذا.

3. نأسف أن يكون في استفساركِ ما فيه خروج عن السؤال والاستفسار إلى الطعن في شرع الله وفي حكمته، وفي التفريق بين الإيمان بالله تعالى وبين تشريعات الإسلام، وما تشريعات الإسلام إلا من الله تعالى أصلًا، فهي منه لا من غيره، فكان الأولى أن تخرج مثل تلك الاعتراضات على هيئة أسئلة يراد من ذِكرها إزاحة الشبهات، لا أن تكون بمثل ذلك الأسلوب وتلك الحدية.

4. قد حصل عندكِ خلط بين أحكام الإسلام وتصرفات المسلمين، فشرائع الإسلام مطهرة، شرعها الله تعالى ليُصلح بها العباد والبلاد، وما يخالف فيه المسلمون شرع ربهم فإنما يُنسب لهم لا لدينهم، فدين الله تعالى لا يجيز للذكر شرب الخمر، ولا مصاحبة الفتيات الأجنبيات، ولا يجيز له الزنا، فكيف تنسبين تلك الموبقات والكبائر التي يفعلها الشباب التائه لشرع الله تعالى أنه يجيزها لهم ويحرمها على الإناث؟! لقد أخطأتِ وخلطتِ، أخطأتِ نسبة أفعالهم للشرع، وخلطتِ حينما اعتقدت أن تلك الأفعال مباحة للذكور دون الإناث.

ثانيًا:

ولقد قلتِ في سؤالك كلمات منكرة، وهي غاية في الظلم والعدوان، وفي قولها خطر على دينك، فيلزمك التوبة منها والندم عليها، ومن أعظمها قولك ” لماذا يقول الناس إن الإسلام هو أعظم دين على وجه البسيطة إذا كان غير عادل وقاسي؟ ” فهذه كلمات لو قالها من يعقل معناها لكانت كلمات ردَّة في حقِّه! ففيها سبٌّ لله تعالى؛ وهو قول عظيم – ولعل عذرك أن يكون خلطكِ بين تشريعات الله تعالى وأفعال بعض المسلمين – فالإسلام هو دين الله تعالى، وهو الذي شرعه، وهو الذي أوحى به لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ ) آل عمران/  19، وقال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/ 85.

واتهام الإسلام بعدم العدل والقسوة من أبطل الباطل، قال تعالى – في نقض التهمة الأولى – ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل/ 90، وقال تعالى – في نقض التهمة الأخرى – ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة/ 185.

( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) يونس/ 32.

ثالثًا:

الأصل في الأوامر والنواهي أنه لا فرق فيها بين الذكور والإناث، ومع عدم الحاجة للتنبيه على ذلك في كل الأحكام إلا أننا وجدنا الله تعالى قد نصَّ في بعض المناهي الشرعية على ذِكر الجنسين، وهو توكيد لما نقوله من أنه لا فرق – في الأصل – بين الجنسين وخاصة في النواهي الشرعية، ومن الأمثلة على ذلك:

1. قال تعالى ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) المائدة/ 38.

2. وقال تعالى ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) النور/ 2.

3. وقال تعالى ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ … ) النور/ 30، 31.

فهل هذا كافٍ لك لتعلمي مدى خطئكِ في اعتقادك أن المحرمات تباح للذكور دون الإناث؟! ومنه تعلمين أن قولك ” لماذا يصح للولد الخروج ويعود وهو مخمور ولا يستطيع المشي وينام مع ملايين الفتيات المختلفات؟ “: لا أساس له من الصحة، فالخمر والزنا من كبائر الذنوب، ولا فرق فيهما بين الذكور والإناث، وكلاهما – لو فعلهما – يستحق الإثم والحد، وأما تفريق كثير من الناس بين السماح لأبنائهم في فعل ذلك دون بناتهم: فهذا من تزيين الشيطان لا من تشريع الرحمن!.

رابعًا:

وقولك ” بعض المسلمين يرون أنه من الطبيعي أن تتزوج الفتاة وهي في سن الخامسة عشر لرجل في سن الثلاثين ولم تقابله من قبل، فلماذا هذا طبيعي؟ “: فيه تجنٍّ من وجوه:

1. لن يحصل نكاحٌ من ابن الثلاثين لابنة الخامسة عشرة إلا بموافقتها! فما الذي يضيرك أنتِ لو أن واحدة توافق على التزوج من ابن الثلاثين أو ابن الأربعين؟! وعدم مقابلتها لهذا الزوج من قبل لا يعني شيئًا، فالأمر لها إن شاءت وافقت عليه بعد السؤال عنه والاستفسار عن حاله وإن شاءت رفضته.

ثم إن مقابلتها له من قبل – كما يحصل في عالَم المخالفين للشرع من أصحاب العلاقات المحرَّمة – لا يعني أن زواجهما سيكون سعيدًا، بل إن كل ما تسمعينه من ضرب الأزواج لزوجاتهم وقتل الزوجات لأزواجهن والطلاق والفراق والخيانات الزوجية: كل ذلك – في العالَم الذي تعيشين فيه وأمثاله – هو يجري بين زوجين تعارفا من قبل والتقيا بل وفي كثير من الأحوال يكون وُلد لهما أولاد! فهل كان ذلك اللقاء قبل الزواج نافعهم في شيء؟!.

2. أنه كما يتزوج ابن الثلاثين من ابنة الخامسة عشرة: فقد يتزوج ابن العشرين من ابنة الثلاثين بل وابنة الأربعين! فكان ماذا؟! أليست العبرة بتوافقهما ورضاهما؟ فما الذي يضير اختلاف العمر بين الزوجين، وهل ثمة زواج كان أسعد من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة وعائشة؟! إن زواجه بخديجة رضي الله عنهما كان وهي تكبره بضعف عمره تقريبًا، وزواجه بعائشة كان وهو يكبرها بستة أضعاف تقريبًا، وهما زواجان من أنجح الزواجات في الأرض، وكان الجميع في سعادة غامرة فيه، فمتى كان فارق السن بين الزوجين بذاته مؤثرًا بالسلب في الزواج؟!.

خامسًا:

وأما قولك ” فلماذا عندما تخرج البنت وحدها وتريد قضاء أي شيء في حياتها لا تستطيع لأن الإسلام يمسك عليها ذلك؟ “: ليس صوابًا؛ لأن الإسلام لا يمنع المرأة من الخروج وحدها للمسجد، ولا للسوق، ولا لبيت أهلها وأقربائها وجيرانها، وإنما الممنوع أن تسافر وحدها من غير محرَم، وما شُرع المحرَم في السفر إلا حماية لها من العابثين والطامعين بها، ولعلَّكِ ترين في البلاد التي تعيشين فيها أن المرأة لا تأمن على نفسها الخروج وحدها للسوق ولا للعمل وهي تعلم بوجود ذئاب الشوارع بانتظارها! فالإسلام عندما يشرِّع ما فيه حفاظ على المرأة لا يسيء لها، بل هو يُعلي من شأنها، ويقدرها غاية التقدير، ويراعي جوانب ضعفها وحاجتها لغيرها ليقوم بصيانتها وحمايتها من العابثين والطامعين.

سادسًا:

وأما قولك ” ولماذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج من غير المسلم عندما تقع في حبه ولكن هذا مناسب للولد أن يتزوج من المرأة غير المسلمة؟ “: فعجيب منك ! وهل هذا قول تقوله من تؤمن بالله تعالى ربِّها وتكتب في تعريف نفسها أنها مسلمة؟! فأين الإيمان باسم الله الحكم وأين الإيمان بصفة الحكمة لربك تعالى؟ وأين الاستسلام لأوامره ونواهيه؟ فها أنت الآن تريدين للمسلمة التي تقع في حب رجلٍ بوذي أو هندوسي أن تتزوجه! وها أنت تعتقدين أن الإسلام يبيح للرجال التزوج بوثنية أو شيوعية أو بوذية، وهذا ظن خاطئ، ولم يُبَح للرجال المسلمين من الكافرات إلا ممن كانت من اليهود والنصارى، ولا يحل لهم غير ذلك من أصحاب الديانات.

وأما المسلمة فحرام عليها تزوج أحد من أي دين آخر غير الإسلام، وهي مسألة إجماع لا يخالف فيها أحد.

والعجيب أنك تريدين للمسلمة التزوج من أي كافر تقع في حبِّه! بينما كثير من الكفار لا يزوجون بناتهم لمسلمين ولو وقعن في حبهم! فالرافضة والبوذيون والهندوس لا يزوجون بناتهم لمسلمين! بل ثمة طوائف النصارى لا يتزوج بعضهم من بعض! فكيف وقع لك أن الإسلام لا يحرص على المسلمة فيشرع لها التزوج بصاحب أي ديانة ليفتنها في دينها؟!.

ومرة أخرى نؤكد على تأثير البيئة والسن عليك مما يجعل تفكيرك في الجنس غالبًا على العقل وعلى الشرع، هذا إن كنت مسلمة – أصلًا – كما زعمتِ في التعريف بك، ونرجو أن يكون أمرك أنك مسلمة تأثرت بمؤثرات سلبية وأن يكون قد زال ذلك كله، وأن تصيري مؤمنة تفتخر بدينها، وتعتز بانتسابها لنبيها محمد صلى الله عليه وسلم.

سابعًا:

وأما قولك ” ولماذا للرجل حق الاختيار بين النساء ولكن أحيانًا لا يمكن ذلك للمرأة مطلقًا؟ لماذا هذا الظلم الشديد؟ “: فخطؤه واضح بيِّن، وإنما المرأة تختار كما يختار الرجال، بل قد تختار أكثر منه! فالمرأة التي يخطبها الرجال لها أن توافق على من شاءت اختياره وترفض من عداه، ففي حقيقة الأمر أنها اختارت من الرجال من يناسبها، بينما قد لا يتيسر للرجل إلا أن يرى واحدة أو اثنتين، فكل اختيار من الرجال هو في الواقع اختيار من المرأة؛ لأن لها أن ترفضه.

ومن عادة المرأة أن تكون ” مخطوبة ” لا ” خاطبة “، أن تكون ” منكوحة ” لا ” ناكحة ” وأن تكون ” مطلوبة ” لا ” طالبة “، هذا هو الأصل، ولا مانع شرعًا إذا أعجبت المرأة برجل أن تبدي رغبتها بالتزوج منه، لكن ذلك لا يتعدى هذا الأمر فهي لا تخطبه ولا تتزوجه، بل هو الخاطب وهي المخطوبة، وهو المتزوِّج وهي المزوَّجة.

ثامنًا:

ولتعلمي – أخيرًا – أن الإسلام قد أكرم المرأة بنتًا وأمًا وزوجة، وأنه قد حفظ لها حقوقها المسلوبة منها، وأنه في تشريعاته الجليلة قد راعى ضعفها وعاطفتها فشرع في حقها ما يصون عرضها ويحمي شرفها، وما ترينه من ضياع الأعراض والتعدي على النساء بالتحرش والاغتصاب إنما هو بسبب سوء أخلاق الرجال الذين نزعت منهم الرحمة، وخلا من حياتهم مراقبة الله تعالى، وبسبب تبرج النساء وتهاونهن في الاختلاط والمصافحة والمزاملة والمراسلة، ولو أن النساء يلتزمن شرع الله تعالى في لبساهن، وفي عدم اختلاطهن بالرجال، وعدم سفرهن وحدهن، ويلتزمن بضوابط الشرع في المحادثة مع الرجال، والنظر إليهم لانتهى فساد كبير عريض من المجتمعات.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصلُ كل بليَّة وشرٍّ، وهو مِن أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء: سببٌ لكثرة الفواحش، والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ” الطرق الحُكمية ” ( ص 407 ).

فالنصيحة لك: أن تحذري من مزالق الشيطان، وأن تعظمي ربك تعالى، وتفتخري بدينك، وتظهري التقدير لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، واعلمي أن الحياة ليست هي الجنس فقط حتى ينصب تفكيرك في عالَمه، والإسلام كله مشرق، وأحكامه كلها مصلحة للأفراد والمجتمعات في كل زمان وفي أي مكان، والعقلاء من الغرب يدخلون في دين الله أفواجًا ليس مجاملة لأحد بل لاعتقادهم عظمة تشريعاته، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهؤلاء العقلاء قد فصلوا بين ما عرفوه عن الإسلام وبين ما يرونه من أفعال المسلمين، فأعيدي النظر في أقوالك وقلبي النظر في أحكامك، وسيتبين لك عظمة هذا الدين وأنك تعيشين في نعمة جليلة حُرمها مليارات من الناس.

والله أعلم.

حكم من قدَّم ضماناً بنكيًّا لشركة مقابل نسبة، وحكم عمولة الساعي بينهما؟

حكم من قدَّم ضماناً بنكيًّا لشركة مقابل نسبة، وحكم عمولة الساعي بينهما؟

السؤال:

يوجد شركة أجنبية تريد جلب معدات مشاريع للسعودية، ومطلوب عليهم ” ضمان بنكي ” بمبلغ 50 مليون ريال، وجمعت بين وسيط الشركة الأجنبية ومستثمر لبناني في السعودية ليقوم اللبناني برفع ” ضمان بنكي ” للشركة من ” البنك الأهلي ” من رصيده لدى البنك ويبقى المبلغ في البنك، علما أن اللبناني قد اشترط على الشركة نسبة ما يقارب 10 إلى 12 بالمئة من المبلغ المقدم لهم بالضمان، وسيقدم لنا المستثمر اللبناني مبلغا في حدود 700 ألف ريال عمولة للسعاة.

السؤال:

هل السعي في هذه المسألة جائز أم لا ويعتبر مالاً حراما – ربا -؟ وإذا قبضته وصرفته في تسديد ديون مهلكة عليَّ هل يجوز أم لا؟ وإذا أصبح ربا أرجو إفادتي في ماذا أصرفه بحيث لا يدخل في ذمتي كأموال حرام، وإن استخدمت المبلغ بصفة مؤقته ومن ثم أخرجته من ذمتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ما فعله ذلك المستثمر من تقديم ضمان للشركة الأجنبية عن طريق بنك ربوي، مقابل نسبة مئوية من مبلغ الضمان: فعل محرَّم؛ فالكفالة عقد إرفاق لا يجوز استيفاء مال مقابلها، وفي حال استحقاق شيء من مبلغ الضمان للشركة المورِّدة فسيكون هذا من باب ” القرض الذي جرَّ منفعة ” إذ سيرجع المستثمر على الشركة الأجنبية لاستيفاء المبلغ المخصوم من مبلغ الضمان، وستكون النسبة التي أخذها هي المنفعة مقابل ذلك القرض – وهو المبلغ المخصوم من مبلغ الضمان – ، ولكلا السببين اتفق العلماء على حرمة أخذ مال مقابل الضمان المالي ، وأما المعاصرون: فذهب جماهير العلماء إلى الحكم نفسه إلا قليلا منهم، ومن خالف فهو محجوج بالإجماع.

* قال الشيخ عمر المترك – رحمه الله -:

ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز أخذ جُعل على الضمان، وقد عللوا هذا المنع بسببين:

  1. أنه في حالة عدم الوفاء المضمون عنه بالالتزام تجاه الطرف الثالث: يكون الضامن ملزماً بأداء الدَّيْن بحكم هذا الضمان، وإذا أداه: وجب له على المضمون عنه المبلغ لدى أدائه فصار الضمان كالقرض مالا، فإذا أخذ عِوضا: صار القرض جارّا للمنفعة.
  2. أن الضمان معروفٌ، وموضوعه: الإرفاق، فإذا شرط الضامن لنفسه حقّا: خرج عن موضوعه، فمنع صحته، قال في ” الشرح الكبير ” للدردير: ” وأما صريح ضمان بِجُعْل: فلا خلاف في منعه؛ لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله، فأخذ العِوض عليها سحت “.

وقال في موضع آخر – معلِّلا بطلان الضمان بجُعل -: ” لأن الضامن إذا غرم الحق للطالب: رجع على المدين بمثل ما غرم مع زيادة ما أخذه من الجُعل، وهذا لا يجوز؛ لأنه سلف بزيادة، وإن لم يغرم بأن أدى الغريم: كان أخذه الجُعل باطلا “.

” الربا والمعاملات المصرفية ” ( ص 387 ، 388 ).

ونقل عن أئمة المذاهب الأربعة ما يؤيد المنع، ونقل كلام المخالفين ورجَّح التحريم تبعا للاتفاق القديم وموافقة لجمهور العلماء المعاصرين.

– ولينظر قرار ” مجمع الفقه الإسلامي ” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حول ” خطاب الضمان “.

فيتبين مما سبق: حرمة أخذ مال – مقطوعا أو نسبة – مقابل الضمان البنكي إذا كان المبلغ من البنك أو من شخص أو هيئة – والاستثناء هو فقط للمصاريف الإدارية -.

والذي غطَّى مبلغ الضمان في الصورة الواردة في السؤال ليس البنك – كما هو العادة الغالبة – وإنما هو ذلك المستثمر، وعليه: ففعله حرام، والنسبة التي أخذها من الشركة سحت، وما دُفع لكم من مبلغ ” سعي ” أو ” عمولة “: لا يحل لكم الانتفاع به، وعليكم التخلص منها في توزيعها في وجوه الخير المختلفة، ولا يحل لكم إرجاعها لذلك المستثمر إلا أن يتوب من فعله ولا يأخذ من الشركة نسبة من مبلغ الضمان، فإن فعل: فهو أحق بماله المدفوع لكم من غيره، وإن لم يفعل: فلا يُرجع له، ولا يَجمع بين فعله المحرَّم وماله المبذول مقابله.

 

ثانيا:

وإذا قلنا لك بأنه يجب عليك التخلص من ذلك المبلغ في وجوه الخير المتنوعة: فإنه يمكنك أن تأخذ منه إن كنت محتاجا بشدة القدْر الذي تُعطيه لغيرك ممن هو في مثل حالتك، وفي هذا تشجيع لك على التوبة والتخلص من ذلك المال، فلا نأمرك بإعطاء المحتاجين والمدينين وأنت واحد منهم لا تأخذ شيئا، فخذ منه القدْر المعقول لا باعتبار حلِّه أصلا بل باعتبار أنك توزعه على أهل الحاجة وأنت منهم.

– وقد نقلنا عن ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله نقولات علمية في هذه المسألة في عدد من الأجوبة المتقدمة، فلتنظر.

 

واعلم أن الخير كل الخير فيما عند الله من الثواب والأجور، وأن المال الحرام له آثار سيئة على من تملَّكه أو تصرف به، ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك ويفرِّج كربك، وأن يرزقك الرزق الحلال الطيب.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هل ينتظر حج القرعة الأقل تكلفة أم يحج بتكاليف أعلى في وقته الحالي؟

هل ينتظر حج القرعة الأقل تكلفة أم يحج بتكاليف أعلى في وقته الحالي؟

السؤال:

أدَّخر مبلغا للحج منذ أعوام، ولكن هذا المبلغ في حدود حج القرعة، هناك استغلال من قبَل شركات السياحة ليصبح الحج السياحي بمصر ضعف حج القرعة، يوجد استطاعة بتوفير الفَرق على حساب بعض المتطلبات المستقبلية وإن كانت غير أساسية، فهل لي أن أنتظر حج القرعة لإحساسي بالاستغلال من قبَل تلك الشركات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحج من أركان الإسلام العملية، وقد أوجبه الله تعالى على المستطيع مرة في العمر، قال تعالى: ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) آل عمران/ 97 .

وهو واجب على الفور، على الصحيح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، فهو قول أبي حنيفة ومالك في المشهور عنه، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، والمزني من الشافعية، وهو قول داود الظاهري، وبه يقول طائفة من علمائنا المعاصرين.

 

ثانيا:

وإنما يجب الحج على المستطيع، وهو الذي يكون صحيح البدن، ويملك من المال الزائد عن نفقاته الأصلية ونفقات أهله ما يستطيع السفر والرجوع من حجه.

وقد لا يستطيع الغني صحيح البدن في زمننا هذا الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج لما اتفق عليه من سفر عدد محدد من كل بلد، وقد ذهبت بعض الدول لاعتماد طريقة الأقدم في الميلاد، ودول أخرى ذهبت لاعتماد طريقة القرعة، فصار هذا الأمر داخلا في الاستطاعة الشرعية، فمن لم يكن سنُّه يؤهله للحج على حسب ترتيب بلده، أو لم يظهر اسمه في القرعة: لا يعدُّ مستطيعا، إلا أن يملك وسيلة أخرى مباحة لا يأخذ بها حق غيره فيكون حينئذٍ من المستطيعين.

 

ثالثا:

وعليه: فإذا كان الأخ السائل ليس عنده قدرة مادية للحج السياحي: فلا يعدُّ مستطيعا، وأما إن كان يملك من المال ما يستطيع دفعه لذلك النوع من السفر السياحي دون أن يؤثِّر في نفقة من تلزمه نفقتهم من أهله وغيرهم: فنرى أنه مستطيع، ويجب عليه اختيار الحج السياحي لأداء فريضة الحج.

ثم إن هذا هو أنسب له من انتظار حج القرعة من وجوه أخرى – عدا احتمال وفاته -، منها:

  1. أنه الآن مستطيع بدنا، وقد يظهر اسمه في القرعة في وقت لا يكون حينها مستطيعاً السفر ببدن.
  2. أنه قد تأتيه مشكلات وموانع تحول بينه وبين ذهابه للحج.

ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعجل للحج، وأخبر أنه قد تحصل موانع تمنع القادر الآن من القدرة لاحقا.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ ). رواه أبو داود ( 1732 ) وحسنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وبيَّن بعض الحكَم من هذا التعجل فقال: ( مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ )  رواه ابن ماجه ( 2883 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

  1. أن حج القرعة قد تصل تكاليفه لاحقا إلى حد الحج السياحي الآن، والناظر في هذا الأمر في دول العالَم يجده واقعيّا، فلا تزال تكاليف الحج تزداد عاما بعد آخر.

 

لذلك كله: نرى أن على الأخ السائل التعجل في الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج عن طريق ” الحج السياحي ” إذا كان يملك من القدرة المالية ما يستطيع دفعه في ذلك النوع من السفر من غير أن يؤثر على نفقة أهله وأولاده ومن تلزمه نفقتهم؛ لأنه يكون بذلك مستطيعاً شرعا، فيجب الحج عليه على الفور، وما ذكرناه من أسباب أخرى لعلها تحثه على المسارعة وعدم تأخير حجه لوقت ظهور اسمه في القرعة.

 

والله أعلم.