الرئيسية بلوق الصفحة 444

هل صحَّ حديث فيه قول النبي عليه السلام عن عائشة ( وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا؟ ).

هل صحَّ حديث فيه قول النبي عليه السلام عن عائشة ( وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا ؟)
هذا الحديث ما مدى صحته والذي رد لي به العالِم الرافضي طاعناً به أمَّنا عائشة رضي الله عنها قائلا لي : بأنها غير مؤمنة ، والدليل هذا الحديث الموجود في كتبكم يا أهل السنة ! أخرج الطبراني وعبد بن حميد عن كثير بن مرّة الحضرمي عن عائشة : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها مع أبي بكر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة أطعمينا ، فقالت : والله ما عندنا طعام ، فقال : أطعمينا ، فقالت : والله ما عندنا طعام ، فقال : أطعمينا ، فقالت : والله ما عندنا طعام ، فقال أبو بكر : يا رسول الله إن المرأة المؤمنة لا تحلف على الشيء أنه ليس عندها وهو عندها ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا ؟! إن مَثل المرأة المؤمنة في النساء كمثل الغراب الأعصم من الغربان ، وإن النار خُلِقت من السفهاء ، وإن النساء من السفهاء إلا صاحبة القسط والمصباح ” .
مسند الشاميين للطبراني ج4 ص91 ، ومسند عبد بن حميد ج4 ص155 ، والمطالب العالية لابن حجر العسقلاني ج5 ص106 ، وسند الطبراني صحيح). فما تفسير علمائنا في هذا الحديث ؟ وكيف نرد عليهم به .

الجواب:

الحمد لله
أولاً:
الحديث الوارد في السؤال : لا يصح سنده ، ولا متنه ، وسنذكره بنصه ، ثم نتبعه بكلام أهل العلم :
عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَ أبي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : يَا عَائِشَةُ أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ . فَقَالَ : أطْعِمِينَا فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ ، فَقَالَ : أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْمَرْأةَ الْمُؤْمِنَةَ لا تَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ انَّهُ لَيْسَ عِنْدَهَا وَهُوَ عِنْدَهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : وَمَا يُدْريكَ أمُؤْمِنَةٌ هِيَ أم لا ؟ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنَةِ فِي النِّسَاءِ كَمَثَلِ الْغُرَابِ الأعْصمِ مِنَ الْغِرْبَانِ ، وَإِنَّ النَّارَ خُلِقَتْ مِنَ السُّفَهَاءِ ، وَإِنَّ النِّسَاءَ مِنَ السُفَهَاءِ إِلا صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالْمِصْبَاحِ .
” القِسط ” : أي : المقدار من الماء .
” السراج ” : المصباح .
قال ابن الجوزي – رحمه الله – :
أراد : التي تَخْدُمُ بَعْلَهَا ، وتُوَضِّئُهُ ، وتقومُ على رأسِهِ بالسَّراج ، وبالقِسْطِ الذي هو إِنَاءُ يَسَعُ نِصْفَ صاعٍ .
” غريب الحديث ” ( 2 / 242 ، 243 ) .
رواه عَبد بن حُميد ( 1528 ) ، والطبراني في ” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 ) ، وابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 221 ) كلهم من طريق ” بقية بن الوليد ” ، وهو كثير التدليس عن الضعفاء ، والمتروكين ، وقد عنعنه في رواية الطبراني ، وتصريحه بالتحديث عن شيخه في رواية عبد بن حميد وابن عساكر لا تنفعه ؛ لأنه يدلس تدليس التسوية ، فهو لا يسقط شيخه ، بل شيخ شيخه ، فيسوِّي السند ، وعليه : فلا بد أن يصرح بالسماع عن شيخه ، وشيخ شيخه إلى آخر الإسناد .
ﻭﺫﻫﺏ ﺠﻤﻬﻭﺭ أهل العلم ﺇﻟﻰ ﺃﻨﻪ يكفي ممن يدلس تدليس ﺍﻟﺘﺴﻭﻴﺔ ﺃﻥ ﻴﺼﺭﺡ ﺒﺎﻟﺴﻤﺎﻉ ﻋﻥ ﺸﻴﺨﻪ ، ﻭﺸﻴخُه ﻋﻥ ﺸﻴﺨﻪ .
وفي الحديث علة أخرى ، وهي : الإرسال ، فكثير بن مرَّة تابعي ، ولم تثبت له صحبة .
وهذا تفصيل ما سبق :
1. رواية الطبراني :
حدثنا واثلة بن الحسن العِرْقِي ثنا كثير بن عبيد الحذاء ثنا بقية بن الوليد عن بُحَيْر بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرَّة عن عائشة .
” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 رقم 1171 ) .
وفي هذا الطريق ثلاث علل :
أ. واثلة بن الحسن ، هو أبو الفياض الأنصاري العِرْقي ، ترجم له ابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 62 / 366 ، 367 ) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فهو ” مجهول الحال ” ، كما جاء في كتاب ” إرشاد الداني والقاصي إلى تراجم شيوخ الطبراني ” لأبي الطيب نايف المنصوري ( ص 674 ) .
ب. بقية بن الوليد ، لم يصرِّح بالسماع إلى آخر السند ، وهو معروف بتدليس التسوية ، وتدليسه عن الضعفاء والمتروكين مما يوجب التوقف في تفرده ، بل رده .
قال الإمام الذهبي – رحمه الله – :
كان يدلِّس كثيراً فيما يتعلق بالأسماء ، ويدلِّس عن قوم ضعفاء وعوام ، يسقطهم بينه وبين ابن جريج ، ونحو ذلك ، ويروي عمَّن دبّ ودرج ! .
قال أبو حاتم : سألتُ أبا مسهر عن حديث لبقية فقال : احذر أحاديث بقية ، وكن منها على تقية ، فإنها غير نقية . ” تذكرة الحفاظ ” ( 1 / 211 ، 212 ) .
وقال – أيضاً – :
فحاصل الأمر : أن لبقيَّة عن الثقات أيضاً ما يُنكر ، وما لا يتابع عليه .
” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 527 ) .
وقال :
قال الحافظ أبو الحسن بن القطان : بقية يدلس عن الضعفاء ، ويستبيح ذلك ، وهذا إن صح مفسد لعدالته .
قلت : نعم ، تيقنَّا أنه كان يفعله ، وكذلك رفيقه الوليد بن مسلم ، وغير واحد ، ولكنهم ما يظن بهم أنهم اتَّهموا من حدَّثهم بالوضع لذلك ، فالله أعلم .
” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 528 ، 529 ) .
ج. الإرسال : فكثير بن مرَّة هو الحضرمي الرّهاوي ، أبو شجرة الحمصى ، ويقال له : أبو القاسم ، كما في ” التاريخ الكبير ” للبخاري ( 7 / 208 ) ، وقال الذهبي في ” المقتنى في سرد الكنى ” ( 1 / 51 ) : ” تابعي كبير ” . انتهى ، ونقل ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” ( 7 / 157 ) أنه روى عن طائفة من الصحابة .
وهذا الحديث لا يرويه عن عائشة رضي الله عنها حتى يُبحث في روايته عنها – مع أنه لم يصرِّح أحد أنه روى عنها ، وينظر ” تهذيب الكمال ” ( 24 / 158 ، 159 ) – ، بل هو يروي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك أعلَّه الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله ، كما في كتاب ” العلل ” لابنه عبد الرحمن ( 1 / 440 ) حيث قال : قال أبِي : ليس هذا بِشيءٍ ، إِنّما يُروى : عن خالِدِ بنِ معدان ، عن كثِيرِ بنِ مُرّة : أنَّ عائِشة سألتِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فذكر الحدِيث . انتهى
والإشارة إلى الإرسال واضحة في ذكر نهاية الإسناد ” أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم ” ، وليس الإسناد : ” عن عائشة ” ، ولو كان هكذا لم يُفرح به ؛ لأنه يكون منقطعاً .
وهو معروف بالإرسال :
أ. ففي ترجمته في ” أسد الغابة ” ( ص 1195 ) :
أخرجه أبو موسى وقال : ” أبو شجرة هذا يروى عن ابن عمر ، أرسل هذين الحديثين ” .
انتهى
وفي ” تهذيب التهذيب ” لابن حجر ( 8 / 384 ) :
وقال أبو موسى في ” ذيل الصحابة ” أورده عبدان ، وحديثه مرسل .
انتهى
ب. وقال الذهبي – رحمه الله –
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم .
” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 46 ) .
ج. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمته :
وله حديث مرفوع أرسله .
” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 5 / 638 ) .
وقال – رحمه الله – أيضاً – :
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً .
” تهذيب التهذيب ” ( 8 / 383 ) .
2. رواية عبد بن حُمَيد :
ثنا إبراهيم بن الأشعث ثنا الفضيل بن عياض أنا بقية بن الوليد حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن عائشة .
” مسند عبد بن حميد ” ( ص 441 رقم 1528 ) .
وفي هذه الرواية :
أ. التوكيد على أن مخرج الحديث بقية بن الوليد ، وقد سبق بيان حاله .
ب. التحديث من بقية عن شيخه غير مجدٍ ؛ لأن تدليسه ليس عن شيوخه ، بل عن شيوخ شيوخه ، ولذا اشترط العلماء استمرار التحديث إلى آخر الإسناد .
ج. الإرسال ، وسبق بيانه .
د. إبراهيم بن الأشعث ، للعلماء فيه كلام شديد ، يستحق معه طرح حديثه ، بل سائر ما روى ، قال ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” ( 2 / 88 ) : سألتُ أبي عن إبراهيم بن الاشعث ، وذكرتُ له حديثاً رواه عن معن عن ابن أخي الزهري عن الزهري فقال : هذا حديث باطل ، موضوع ، كنَّا نظن بإبراهيم بن الأشعث الخير ، فقد جاء بمثل هذا . انتهى ، وفي ” الثقات ” لابن حبان ( 8 / 66 ) قال عن إبراهيم بن الأشعث – ويعرف بـ” لام ” – : يُغرب ، ويتفرد ، ويخطئ ، ويخالف . انتهى
3. رواية ابن عساكر :
روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 221 ) من طريق إسحاق بن راهويه ومحمد بن المصفى عن بقية بن الوليد قال : حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن أبي شجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ودخل عليها : ( أطعمينا ) فقالت : ما عندنا طعام ، فقال : ( أطعمينا ) فقالت : والله ما عندنا طعام ، ثلاثاً ، فقال أبو بكر يعتذر عنها : والله إن المرأة المؤمنة لا تحلف على أن ليس عندها طعام وهو عندها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المرأة المؤمنة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان ، فإن النار خلقت للسفهاء وإن النساء أسفه السفهاء إلا صاحبة القسط والسراج ) .
وعلى هذه الرواية ملحظان :
أ. أنه ثمة تصحيف في آخر الإسناد ، وصوابه : ” عن كثير بن مرة أبي شجرة ” ، وليس ” عن أبي شجرة ” ، فعاد للحديث علله السابقة .
وكثير بن مرَّة لا يروي عن رجل يكنى ” أبا شجرة ” ، بل هو نفسه ، كما سبق في ترجمته ، والخطأ في مثل هذا يرد كثيراً ، عندما تعقب الكنيةُ الاسمَ ، فيُفصل بينهما على أنهما راويان ، وقد نبَّه ابن عساكر نفسه على هذا في ترجمة كثير بن مرة نفسه ، فقال :
( عن ) خليفة – هو ابن خيَّاط – قال : ” في الطبقة الثانية من محدثي أهل الشام : كثير بن مرة الحضرمي وأبو شجرة ، حمصي ” ، قال ابن عساكر : كذا فيه ، والصواب : أبو شجرة ، بغير واو .
” تاريخ دمشق ” ( 50 / 54 ) .
وبناء على هذا التصحيف فقد ذكر ابن عساكر هذه الرواية في ترجمة يزيد بن شجرة أبي شجرة الرُّهاوي ! على أنه راوٍ روى عنه كثير بن مرَّة ، وهذا غير صحيح ، بل هو نفسه ، واشتراك شيخ وتلميذه في كنية واحدة غريبة مما يلفت النظر لو كان الأمر صحيحاً ، ويُذكر مثل هذا في نوادر الأسانيد والأسماء ، ولو صحَّ أنه هو فهو ليس صحابيّاً على الصحيح من أقوال أهل العلم ، ومن عدَّه من الصحابة فقد أخطأ ، فصار الحديث منقطعاً مرسلاً .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وقال ابن حبان : يقال له صحبة ، وكذا قال ابن أبي حاتم ، وقال ابن مندة : قال بعضهم : له صحبة ، ولا يثبت ، وقال أبو زرعة : ليست له صحبة صحيحة ، ومن يقول له صحبة : مخطئ ، وقال يزيد بن أبي زياد : عن مجاهد عن يزيد بن شجرة ، وله صحبة ، وهو خطأ ، قاله أبو حاتم .
” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 6 / 662 ، 663 ) .
وقال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته – :
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن أبي عبيدة ، واستعمله معاوية .
” سيَر أعلام النبلاء ” ( 9 / 106 ) .
انظر ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 228 ) ، و ” تهذيب الأسماء ” للنووي ( ص 464 ) .
ب. أن لفظ الحديث هنا ليس فيه الإشكال الوارد في السؤال ، وفي سائر الروايات ، بل فيه إقرار أبي بكر رضي الله عنه على قوله عن عائشة ” إنها مؤمنة ” ! فماذا سيصنع الرافضة وقد أسقط في أيديهم الآن ؟! .
ويقال في التعليق على ما سبق :
1. كيف يكون مثل هذا الحديث طعناً في إيمان عائشة رضي الله عنها ، وهي التي روته للناس ، فكيف تروي ما هو طعن فيها ، وهي يسعها كتمانه ، فإن قيل : لم تروه هي لكن نقله كثير بن مرَّة : قلنا : الحمد لله ، هو لم يشهد الحادثة ؛ لأنه تابعي ، فسقط الحديث .
2. وإذا كان الرافضة يقبلون هذا الحديث على ما فيه : فليس رواية الطبراني وعبد بن حميد بأولى في التقديم من رواية ابن عساكر ، ورواية ابن عساكر من طريق إمام جبل ، وهو إسحاق بن راهويه ، وهي أولى عندنا بالتقديم ، وفيها فائدتان :
أ. أنها تخلو من الإشكال الوارد في السؤال ، بل هي تثبت الشهادة بإيمان عائشة رضي الله عنها من قبَل النبي صلى الله عليه وسلم .
ب. أن إرسالها أوضح من غيرها من الروايات .
فإن قدم الرافضة هذه الرواية لم يجدوا فيها الطعن في عائشة ، وإن قدموا غيرها : عارضناهم بها ! .

ثانياً:
ونقول في نقد متن هذه الرواية على فرض أن فيها طعناً بعائشة رضي الله عنها :
1. أننا نرى متنها غاية في النكارة والغرابة ، فليست هذه أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع المخالف لشرعه أن يواجهه بمثل هذا ، فكيف تكون هذه أخلاقه مع زوجته ، وهي أحب الناس إليه ؟! .
2. أننا نرى في هذه الرواية طعناً في النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث نراه غضب من أجل طعام ! وما هذه بأخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والذي يعظم اسم الله تعالى إذا حلف به مسلم ، كما فعل أخوه عيسى عليه السلام حين رأى رجلاً يسرق ، فلما أقسم له بالله أنه لم يسرق قال ” صدَقتُ يمينك وكذَّبت عينيَّ ” ! ونبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية المنكرة لم ير الطعام في بيته بعينه ، فأولى أن يصدِّق يمين زوجته .
3. وحتى على فرض علمه صلى الله عليه وسلم بوجود طعام في بيته : فإن عائشة رضي الله عنها كان يمكن أن تتصدق به ، وهو لا يعلم ، كما حدث ذلك معها في أحاديث صحيحة ، فيكون نبينا صلى الله عليه وسلم – على فرض صحة الرواية – أخبر بعلمه بوجود الطعام في بيته ، لكنه لا يعلم باستمرار وجوده وقت السؤال .
عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ : جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ! فَأَعْطَيْتُهَا ، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ، ثُمَّ قَامَتْ ، فَخَرَجَتْ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ : ( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ) .
رواه البخاري ( 5649 ) ومسلم ( 2629 ) .
هذه حال بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه حال أمنا عائشة من الكرم والجود بكل طعامها في بيتها ، وهذه حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عدم الغضب على هذا الإنفاق ، كيف وهو الذي ربَّاهم على هذا ، فأين هذه الأخلاق مما في الرواية المنكرة ؟! .
4. أنه ثبت عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل أمَّنا عائشة رضي الله عنها عن الطعام إن كان عندها شيء فكان يصدِّقها بنفي وجوده ، ثم يحضر الطعام فتخبره بوجوده ، وما في الرواية الواردة في السؤال يناقض هذا ويخالفه .
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ : ( يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ ) قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ : ( فَإِنِّي صَائِمٌ ) قَالَتْ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ – أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ – أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا ، قَالَ : ( مَا هُوَ ؟ ) قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ : ( هَاتِيهِ ) فَجِئْتُ بِهِ ، فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ : ( قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ) .
رواه مسلم ( 1154 ) .
الحيْس : بفتح الحاء المهملة : هو التمر مع السمن والإقط .
والزَّوْر : بفتح الزاي : الزوار .
وقولها ” جاءنا زور وقد خبأتُ لك ” معناه : جاءنا زائرون ، ومعهم هدية ، خبأتُ لك منها ، أو يكون معناه : جاءنا زوْر فأهديَ لنا بسببهم هدية .
كذا قال النووي في ” شرح مسلم ” ( 8 / 34 ، 35 ) .
5. وكيف لا يصدِّق نبينا صلى الله عليه وسلم عائشة في عدم وجود طعام في بيته ، وهذه كانت حاله ، وهذا كان حال نسائه جميعاً ، وقد اختار نبينا صلى الله عليه وسلم ما عند الله ، فلا عجب أن لا يوقد في بيته نار لشهرين ، وإنما طعامهم التمر والماء ، وليس هذا حال بيت عائشة ، بل هو حال بيوت نسائه جميعاً رضي الله عنهن .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ : مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَضُمُّ – أَوْ يُضِيفُ – هَذَا ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَنَا … .
رواه البخاري ( 3587 ) ومسلم ( 2054 ) .
6. قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية ( فإن النار خلقت للسفهاء وإن النساء أسفه السفهاء ) : من أبطل الباطل ، وأبعده عن الحقيقة والواقع ، وأبعده عن خلُق النبي صلى الله وسلم ، وشرعه ، وكيف تكون النار خلقت للسفهاء والله تعالى أخبر أنها أعدَّت للكافرين ؟ وهل السفهاء كفار ؟! إن السفاهة في لغة العرب تعني خفة العقل ، وقلة الضبط للأمور ، وهل لمثل هؤلاء أعدَّ الله النار والسعير وهم معذورن بطبيعة الخِلقة ؟! .
قال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) النساء/ 5 . وقال تعالى : ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة/ من الآية 282 .
ومن هنا وصف الكفارُ المؤمنين بـ ” السفهاء ” ! لأنهم اتبعوا الحق ، وآمنوا ، قال تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 13 .
قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله – :
وقوله : ( أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) استفهام للإنكار ، قصدوا منه التبرىء من الإيمان على أبلغ وجه ، وجعلوا الإيمان المتبرأ منه شبيهاً بإيمان السفهاء ؛ تشنيعاً له ، وتعريضاً بالمسلمين بأنهم حملهم على الإيمان سفاهة عقولهم ، ودلوا على أنهم علموا مراد من يقول لهم ( كَمَا آمَنَ النَّاسُ ) أنه يعني بالناس : المسلمين .
والسفهاءُ جمع سفيه ، وهو المتصف بالسفاهة ، والسفاهة : خفة العقل ، وقلة ضبطه للأمور قال السموأل :
نَخاف أن تَسْفَهَ أحلامُنَا *** فَنَخْمل الدهرَ مع الخامل
والعرب تطلق السفاهة على أفَن الرأي ، وضعفه ، وتطلقها على سوء التدبير للمال ، قال تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) النساء/ 5 ، وقال : ( فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ) البقرة/ 282 الآية ؛ لأن ذلك إنما يجيء من ضعف الرأي .
ووصفهم المؤمنين بالسفاهة : بهتان ؛ لزعمهم أن مخالفتهم لا تكون إلا لخفة في عقولهم ، وليس ذلك لتحقيرهم ، كيف وفي المسلمين سادة العرب من المهاجرين ، والأنصار ، وهذه شنشنة أهل الفساد والسفه أن يرموا المصلحين بالمذمَّات ، بهتاناً ، ووقاحة ، ليلهوهم عن تتبع مفاسدهم ، ولذلك قال أبو الطيب :
وإذا أتتْكَ مَذمَّتي من ناقص *** فهي الشهادةُ لي بأني كامل .
” التحرير والتنوير ” ( 1 / 287 ) .
وقد ذكر مجاهد رحمه الله وغيره أن المقصود بالسفهاء – تحديداً – في قوله تعالى ( وَلاَتُؤتوا السُّفَهاءَ أمْوَالُكُم ) هم النساء ! وهؤلاء إنما أرادوا عدم قدرة جنس النساء على معرفة النافع من الضار في المصالح المتعلقة بالمال فقط ، لا عموماً .
قال الطبري – رحمه الله – :
ولذلك سمَّى الله عز وجل النِّساء ، والصبيانَ سفهاء ، فقال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) النساء/ 5 ، فقال عامة أهل التأويل : هم النساء والصبيان ، لضعف آرائهم ، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارِّ التي تصرف إليها الأموال .
” تفسير الطبري ” ( 1 / 293 ) .
وقال الزبيدي – رحمه الله – :
وقالَ الأزْهرِيُّ : سُمِّيت المرْأَةٌ سَفِيهَة لضعفِ عَقْلِها ، ولأنَّها لا تُحْسِنُ سِياسَةَ مالِها .
” تاج العروس من جواهر القاموس ” ( 36 / 400 ) .
ومع ذلك فقد ردَّ عليهم بعض أهل العربية ، وبعض أهل التفسير .
قال القرطبي – رحمه الله – :
واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء ، من هم ؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : هم اليتامى ، لا تؤتوهم أموالكم ، قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية ، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال : هم الأولاد الصغار ، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء ، وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : هم النساء ! ، قال النحَّاس وغيره : وهذا القول لا يصح ؛ إنما تقول العرب في النساء ” سفائه ” ، أو ” سفيهات ” ؛ لأنه الأكثر في جمع ” فعيلة ” .
” تفسير القرطبي ” ( 5 / 28 ) .
وقد أطلق الله تعالى وصف ” السفه ” على طائفة تعبيراً عن ضعفهم وقلة حيلتهم في تدبير شئون أنفسهم ، وذلك في قوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة/ من الآية282 .
كما أطلف تعالى هذا الوصف على من ضعيف الفكر ، وقليل العقل ، ذمّاً له ، لا لطبيعة خلقته ، بل لاتباعه هواه ، وتعطيله نعمة العقل ، وذلك في قوله تعالى : ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) البقرة/ 142 .
7. وفي الحديث – على فهم من يستدل به من الرافضة – نكارة واضحة من جهة اعتقادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلب عنها وصف الإيمان بسبب حلفها ذاك ، والرد على هذا من جهتين :
أ. ومن قال إن الحلف بالله تعالى كاذباً كفر أكبر ؟! إنه لو صحَّ الحديث – وأنَّى له ذلك – وكانت عائشة رضي الله عنها قد حلفت كاذبة – وحاشاها من ذلك – لكانت وقعت في إثم تستحق عليه العقوبة ، ولا تكفر عند أحد من أهل الإسلام ، ولم يكفر على مثل هذا الفعل إلا الخوارج ، وهؤلاء لا قيمة لاتفاقهم ، ولا لاختلافهم مع أهل الإسلام .
ب. ونفي الإيمان لا يستلزم نفي الإسلام ، والحديث إن كان فيه نفي الإيمان عن عائشة رضي الله عنها : فهو نفي لدرجة كمالية ، وليس نفياً للإسلام ، وهو مثل كثير من الأحاديث والتي فيها نفي الإيمان عمن آذى جاره ، ولم يسلم المسلمون من لسانه ويده ، وليست هذه الأفعال مخرجة من الإسلام قطعاً .
عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ مُسْلِمٌ ؟ ) حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( أَوْ مُسْلِمٌ ) ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) .
رواه البخاري ( 27 ) ومسلم ( 150 ) .
والظاهر – والله أعلم – أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) زجر سعداً عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : ” إن كنت مادحاً لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحداً ” – رواه أحمد وهو صحيح – ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه .
” فتح الباري ” ( 1 / 122 ) .
ومما يؤكد – على فرض صحة الحديث – أن النفي في الحديث كان للإيمان وليس للإسلام : أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي عائشة رضي الله عنها لنفسه زوجة بعدها ، والرافضة – قبحهم الله – لا يثبتون لها رضي الله عنها الإسلام ، وهو من أبلغ الطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإسلام أمنا عائشة لا يشكك به حفنة مجوس حاقدون على الإسلام وأهله الذين أطفئوا نار الفرس ، وأضاءوا للعالَمين الطريق ، وهي على ذلك : أحب الخلق إليه صلى الله عليه وسلم ، وقد صرَّح بذلك للناس أجمع ، وقد كان يحب أن يمرَّض في بيتها ، فأذن نساؤه بذلك ، حتى كان موته صلى الله عليه وسلم في بيتها ، وفي ليلتها ، وفي حَجرها .
هذا ما تيسر ذِكره من نقض ذلك المتن الباطل ، والذي لم يثبت له إسناد صحيح ، ومن فضل الله تعالى أن قد بينَّا وجهه فيما لو كان صحيحاً .
ونسأل الله أن ينتقم لأصحاب نبيه من كل من أساء إليهم ، وطعن فيهم ، وأن يجعل منه عبرة للعالَمين .
والله أعلم

هل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث؟

السؤال:

عندما كان ينزل الوحي بالقرآن الكريم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابته وجمعه في المصحف. فهل هناك دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بجمع الحديث في كتب ككتب البخاري ومسلم والترمذي …الخ لحفظ الحديث؟

 

الجواب:

الحمد لله

أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الأحاديث عنه في عدة أحاديث ، ولم يأمر أن تُجمع على أبواب معينة أو ترتيب خاص ، وهذا الأمر حصل فيما بعد لتسهيل العلم على الناس .

* ومن الأحاديث الثابتة في كتابة بعض الصحابة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم:

  1. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ” إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين فإنها لا تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقيد ” ، فقال العباس : إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إلا الإذخر ” فقام أبو شاه – رجل من أهل اليمن – فقال: اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اكتبوا لأبي شاه . رواه البخاري ( 2302 ) ومسلم ( 1355 ) .

زاد البخاري: قال الوليد بن مسلم للأوزاعي : ما قوله ” اكتبوا لي يا رسول الله ” ؟ قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

  1. عن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكتُ عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: ” اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق “. رواه أبو داود ( 3646 ).
  2. عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي بن أبي طالب : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري ( 111 ).
  3. عن أبي قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق ، قال : فأخرج منه كتاباً ، قال : فقال عبد الله بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مدينة هرقل تفتح أولاً ” – يعني : قسطنطينية – . رواه أحمد ( 6607 ) .

والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 4 ).

 

* وأما ما ورد من النهي عن الكتابة: فالصحيح أنه منسوخ.

قال الحافظ ابن القيم رحمه الله:

قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها ، والإذن متأخر ، فيكون ناسخا لحديث النهي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح ” اكتبوا لأبي شاه ” يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها ، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة ، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب ، ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها ” الصادقة ” ولو كان النهي عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن ، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها ، وهذا واضح ، والحمد لله .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم في مرض موته ” ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ” ، هذا إنما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه.

وكتب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتابا عظيما في الديات وفرائض الزكاة وغيرها وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب وكتاب أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس وقيل لعلي ” هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ فقال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا ما في هذه الصحيفة ، وكان فيها العقول وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر “.

وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره فلما علم القرآن وتميز وأفرد بالضبط والحفظ وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة.

وقد قال بعضهم : إنما كان النهي عن كتابة مخصوصة وهي أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس .

وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقا .

وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ فإذا حفظ محاها .

وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها ، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل . ” تهذيب السنن ” ( 10 / 55 ، 56 ) .

 

والله أعلم.

الحمد لله الذي جعلكم منفِّرين !

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه ” إن منكم منفرين ” ، وهذا عتب وإنكار على من كانت طريقته في الدعوة إلى الله فيها تنفير عن الدين أو الطاعة .
ولكننا – الآن – نحمد الله تعالى أن جعل بعض من ينتسب إلى الدين أو إلى الدعوة السلفية منفِّراً حتى لا يُفتن الناس به فيكون سبباً لفتنة غيره فيكفينا فتنته هو .
وفي عالم النت وبالأخص البال توك تجد ذلك واضحاً :
فالرافضة : يدخلون غرف أهل السنة ويسبون ويشتمون شتائم قبيحة لا تليق بإنسان فضلاً أن تكون لائقة بمسلم .
ثم إن دخلتَ غرفهم رأيت الشرك والسب والتجريح لأفاضل أهل الأرض بعد الأنبياء وهم الصحابة الكرام .
فالحمد لله الذي جعلهم منفِّرين حتى لا يُفتن بهم إلا من هو على شاكلتهم .

وبعض المنتسبين للسلف : تدخل غرفهم أو ترى كتاباتهم فلا تسمع ولا ترى منهم إلا الطعن والتجريح في أفاضل أهل العلم ، وهم يحاولون صرف الشباب عنهم بكل ما أوتوا من قوَّة ، ويجعل بعض أكابرهم من الأصاغر ذلك له همّاً وديدنا واستغلالا لكل مناسبة ولو كانت خطأً فقهيا أو وهماً في حديث .

لذا رأينا انصراف عقلاء الشباب عنهم لما رأوه منهم من سوء أدب وقلة عقل وفهم ، وهو ما سبَّب قسوة لقلوب كثير من ( المنفَّرين ) .

فالحمد لله الذي جعلهم بهذه الأخلاق وهذا الأدب حتى يكونوا منفِّرين لدعوتهم .

وبعضٌ آخر : ينتسب للسلفية ظلما وزوراً ، فإذا سمعتَ كلامه أو قرأتَ كتابته فهي لا تخرج – غالباً – عن السب والشتم والتصنيف الجائر والظلم البيِّن الواضح والافتراء على خلق الله – ولا أعني أهل الضياع فهم قد سلموا من هؤلاء بل أعني الدعاة والعاملين للإسلام – .

بل وتعدَّى أمرهم إلى نصرة ( الشرك ) و ( البدعة ) و ( والضلالة ) إذا كان الصف الآخر المقابل لهؤلاء ( حزبيّاً ) ( سروريّاً ) ( قطبيّاً ) حسب تصنيفاتهم الجائرة .

بل وتعدَّى أمر هؤلاء إلى تسمية ( المجاهدين ) – الذين زكَّاهم كبار أهل العلم من الأكابر – ( خوارج ) ضاربين كلام الكبار عرض الحائط ، فهو لا يصلح هنا لأن ( شيخ الفتنة ) ! أعلم من أولئك الكبار – في زعمهم – !

وإذا أراد الواحد من هؤلاء أن يدعو لمنهجه ! وطريقته !! بدعوة الناس إلى مجلس علم عند ( كبير ) لهم فلا يسمع إلا السب والشتم وقلة الأدب مع المخالفين ، فإن لم يكن من ذلك ( الكبير ) فممن حوله من ( الصغار ) ( الأصاغر ) !!

والأخزى من ذلك أنه لو دعا هذا الداعية ! واحداً إلى ( منتدى ) لهم ، فلن يقرأ – غالباً – إلا الطعن والتجريح والتحذير والسب والشتم للعاملين للإسلام ، وممن ؟ من أسماء مستعارة لا تخرج عن ( خردة الحدادة ) و ( بهائم الحراسة ) ويكفي أن يذيِّل الواحد منهم اسمه بما يدل على ( قِدمه ) !! ليظن أنه صار داعية لمنهج معصوم قديم .

فالحمد لله الذي جعل هؤلاء منفِّرين حتى لا يُفتن فيهم إلا من هو مثلهم وعلى شاكلتهم .

والحمد لله الذي جعل كل من سبق – ومثلهم غيرهم – منفِّرين عن دعوتهم ومنهجهم ! وهي حكمة الرب الخالق .

طبعاً ولا ننسى تلوثهم ببدع من سبقهم من فرق الضلال ، فأضافوا إلى سوء خلقهم : ضلالَهم في ( العقيدة ) فلا للسلف في ( أخلاقهم ) اقتدوا ولا بـ ( عقيدتهم ) اهتدوا .
حكمة بالغة
والله المستعان

خاطرة حول علم الجرح والتعديل وحوار مع جرَّاح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فقد يسَّر الله لي ” زيارة ” بعض مجالس ” آكلي لحوم البشر ” ! والجرَّاحين ” الأطفال ” الذين فهموا الشرع بالتقليد لبعض جهلة المتصدرين ، وأصبحوا كالببغاوات يرددون ما يسمعون منهم ضاربين عرض الحائط قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ، وضاربين عرض الحائط كل حديث وأثر يأمرهم بالعدل والإنصاف والتثبت .

وفي هذا المجلس الذي لم يرق لبعضهم حضوري لما كان يسمعه عني زوراً وبهتاناً مما لا أصل له ، دار كلام ونقاش أحببت ذكر خلاصته وفائدته للقراء من إخواني لعل فيه عبرة وعظة .

قال بعضهم : قال بعض شيوخنا ! لا بدَّ من إحياء علم الجرح والتعديل من جديد !!
قلت : نعم ! ولكن فلننتبه لأمور :
1. نريد إحياء علم الجرح والتعديل ، لا ابتداع علم ” الجرح والتجريح ” !! فنحن لا نرى ممن يدعو هذه الدعوة أي تعديل ! بل تجريح في تجريح فحريٌّ بعلمهم هذا أن يسمى علم ” الجرح والتجريح ” !!
2. وعلم ” الجرح والتعديل ” لا يقوم به ” الصغار ” و ” الجهلة ” بل لا بد له من أئمة كسفيان ومالك وشعبة ويحي بن سعيد القطان وغيرهم ، والواقع اليوم أنه تجرأ على هذا العلم ” صغار ” القوم وأطفالهم ، فهل هذا كذاك ؟
3. ولا بدَّ لمن يقوم بهذا العلم من ” علم ” يطلع فيه على أحوال المتكلَّم عليه ، ولا بدَّ من الإحاطة بحياته وأقواله وأفعاله حتى يتسنى له العدل في الحكم ، أما الحكم على نقل مبتور ، أو خبر ضعيف ، أو الاعتماد على ” وكالة يقولون ” ! فليس هذا من دأب علماء ” الجرح والتعديل ” !
4. ولا بدَّ لمن يقوم بهذا العلم أن يكون ثقة عدلاً في دينه ، لا أن يكون ضعيفاً ساقط العدالة ! والواقع أن كثيراً ممن يقوم على هذا ” العلم ” ! اليوم – إلا من رحم الله – من النوع الثاني ، فنحن قد عرفنا بعض هؤلاء ” الجرَّاحين ” لا يصلي صلاة الجماعة في المسجد ! وبعضهم كان يتكلم في الشرع قدحاً وذمّاً في بعض الدعاة وصوت ” التلفاز ” يخرق آذاننا ! وبعضهم سارق لجهود غيره متشبع بما لم يعط ! ورابع وخامس وسادس .. الخ ! فهل على مثل هؤلاء يعتمد في الجرح والتعديل وهم أحق بالجرح وأولى به ؟!
5. وعلم الجرح والتعديل لا يقوم على ” التقليد ” بل على البينة والدليل ، فهل إذا ” جرح ” فلان – المجروح أصلاً – فلاناً يؤخذ بقوله على أنه قرآن منـزل ؟؟!! بل لا بدَّ من ذكر دليله وبيَّنته على هذا الجرح وإلا كان محض افتراء يردُّ في وجهه ! فكم لابن معين ! من تعديل مرفوض ! وكم لابن أبي حاتم ! من تجريح مرفوض ! أفيكون تجريح ” فلان ” ! وتعديله مقبولين هكذا على الإطلاق ؟؟!!
6. ولا بدَّ من تطبيق كافة قواعد الجرح والتعديل ، ومن أهمها تقديم التعديل المفسر على الجرح المجمل ، فكم من ” مجروح ” عُرفت عدالته ببينات كثيرة وبشهادات مختلفة ، ثم يأتي ” جرَّاح ” ويدَّعي ” جرحاً ” مجملاً ، أفيقبل مثل ” التجريح ” ؟؟!!

فبهت ” الجرَّاحون ” الذين في المجلس ولم يستطيعوا جواباً ، وكانوا قد ظنوا أن الأمر ” شوربة ” ! وفوضى !
والله المستعان

176 معاني كلمات وجمل مشتهرة منتشرة في كتب أهل العلم للمشاركة

يحصل أن يقرأ بعضنا جملا وكلمات يكون كاتبها – أو قائلها – على علم ودراية بها ، ويظن الناس يعلمون علمه ، وقد تكون كذلك لكن في زمنه دون زمن من بعده .
وقد يقع بعضنا في حرج عندما يسمع – أو يقرأ – لعالم أو طالب علم وهو يقول : إن فلانا لا يعرف ( كذا ) من ( كذا ) ! ويكون المستمع أو القارئ من هذا النوع ! ويشعر بالحرج
ويذكرني هذا بقول من يصف غيره بالجهل بأنه ( لا يعرف كوعه من بوعه ) ! ولو سألت تسعة أعشار ونصف من يستمع له لكانوا من جماعة ذاك ( ابتسامة )
فلنحاول جمع ما يتيسر من الكلمات والجمل المشتهرة المنتشرة التي تحتاج لتوضيح ، فلعل في ذلك فائدة .
وأبدأ :
1. عبارة ” الشخصية الاعتبارية ”
قال الشيخ خالد المصلح :

الشخصية الاعتبارية: هي كل جهة ذات ذمة، وأهلية لثبوت الحقوق المالية لها وعليها، مستقلة عن حقوق الأفراد، ومن أمثلة هذا شخصية الدولة، وشخصية بيت المال، ونحو ذلك.
[ينظر: المدخل الفقهي للزرقا، 3/256-258 ].
من كتابه ” الحوافز التجارية ”

( المصالح المرسلة )

كثيرون يرددونها وقد يعرفون معناها والتمثيل لها ، لكنهم لا يستطيعون تفسير مفرداتها وخاصة كلمة ” مرسلة ”

فما معناها :

المصلحة ثلاثة أقسام:
1. مصالح اعتبرتها الشريعة ، فهي معمول بها ؛ لأن أدلة الشريعة اقتضت اعتبارها .
2. مصالح ألغتها الشريعة، فلا يجوز العمل بها ؛ لأن أدلة الشريعة أبطلت العمل بها .
3. مصالح مرسلة لم يأتِ في الشريعة دليل خاص يقتضي اعتبارها أو إلغاءها.
ومعنى كونها مرسلة أي : مطلقة خالية من الدليل الخاص على موضع النزاع أو البحث ، وتكثر في المعاملات .

فائدة 1 :
قال الشيخ السعدي رحمه الله :
مصالح مرسلة، وهي التي لم يأت بها نص لا بإلغائها ولا باعتبارها، وقد اختلف العلماء في حجيتها، فمنهم من يثبت الحجية، ومنهم من ينفي الحجية، وقد رأى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهم الله- أنه لا يمكن أن توجد مصلحة مرسلة، بل المصالح جميع المصالح مُعْتَبَرة جميعا. من رأى مصلحة ظنها مرسلة فلا يخلو من أحد أمرين:
الأمر الأول: أن تكون مفسدة، ولا تكون مصلحة.
والأمر الثاني: أن يدل عليها نص من الشارع خفي على ذلك الفقيه، وفي هذا القول قوة، وفيه إثبات لكمال الشريعة ولشمولها، والناظر في النصوص الشرعية يجدها شاملة لأغلب مصالح العباد، وأن المرء لا يحتاج إلى القياس إلا في مواطن قليلة تسد النقص الوارد في دليل النصوص على الحوادث.
انتهى

فائدة 2:
قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
المصالح المرسلة لا ينبغي أن تجعل دليلاً مستقلاً، بل نقول :هذه المصالح المرسلة إن تحققنا أنها مصلحة فقد شهد لها الشرع بالصحة والقبول وتكون من الشرع، وإن شهد لها بالبطلان فإنها ليست مصالح مرسلة ولو زعم فاعلها أنها مصالح مرسلة. وإن كان لا هذا ولا هذا فإنها ترجع إلى الأصل، إن كانت من العبادات فالأصل في العبادات الحظر، وإن كانت من غير العبادات فالأصل فيها الحل، وبهذا يتبين أن المصالح المرسلة ليست دليلاً مستقلاً.
انتهى

إخلاف الوعيد بين الشيخين الشنقيطي والعثيمين

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – :

قوله تعالى: {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} :

هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب، أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتاً لا يصح معه تخلفه عنه، وهو دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده، لأنه قال: إنه لا يخلف وعده ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال:

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

لا يصح بحال ؛ لأن وعيده تعالى للكفار حق ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل كما دل عليه قوله هنا: {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}.

وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله: سها فسجد. أي لعلة سهوه وسرق فقطعت يده أي لعلة سرقته، ومنه قوله تعالى {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حق ووجب عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك .

” أضواء البيان ”

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

الوجه السادس : أن يقال : إن هذا من باب الوعيد ، والوعيد يجوز إخلافه ؛ لأنه انتقال من العدل إلى الكرم ، والانتقال من العدل إلى الكرم كرم وثناء وأنشدوا عليه قول الشاعر ‏:‏

وإني وإن أوعدته أو وعدته ** لمخلف إبعادي ومنجز موعدي

أوعدته بالعقوبة ، ووعدته بالثواب ، لمخلف إيعادي ومنجز موعدي‏ .‏

وأنت إذا قلت لابنك ‏:‏ والله ، إن ذهبت إلى السوق لأضربنك بهذا العصا‏ ،‏ ثم ذهب إلى السوق ، فلما رجع ضربته بيدك ، فهذا العقاب أهون على ابنك ، فإذا توعد الله عز وجل القاتل بهذا الوعيد، ثم عفا عنه ، فهذا كرم ‏.‏

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 8 / 220 ، 221 ) .

قلت :

فهل يمكن التوفيق بين القولين بحمل تخلف الوعيد على المسلمين ، وعدم تخلفه في حق الكفار فلا يكون ثمة إشكال ولا خلاف ؟!

ثبت بالتجربة أن كل من أدمن ( الاحتجاج بالخلاف في مواجهة النص ) أفضى به ذلك إلى ( رقة الدين ) فيصبح يستصغر كثيرا من الخطايا التي يقترفها ، والواقع شاهد .

ثبت بالتجربة أن كل من أدمن ( الاحتجاج بالخلاف في مواجهة النص ) أفضى به ذلك إلى ( رقة الدين ) فيصبح يستصغر كثيرا من الخطايا التي يقترفها ، والواقع شاهد .

و قد نبّه الشاطبي على هذه العلاقة فقال : ” في اتباع رخص المذاهب من المفاسد : الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف ، والاستهانة بالدين إذ يصير سيالاً لا ينضبط ”

” الموافقات ” 5/102
منقول

(اللغة العربية لغة الظاء لا الضاد)

(اللغة العربية لغة الظاء لا الضاد)

شاع على ألسنة المشتغلين بالعربية وغيرهم أن العربية لغة الضاد ..
ويساق في هذا الصدد حديث حكم ابن كثير عليه بأن لا أصل له :
«أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش» . ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تح: مازن الجصلي، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، ط1، 2004(29/1).
كما يساق قول المتنبي :
لاَ بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي …
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لاَ بِجُدُودِي
وبهم فخـر كل من نطق الضا …
دَ وعوذ الجاني وغوث الطريد

ولكن عند التحقيق ربما حكمنا بأن هذه التسمية فيها نوع من المجازفة العلمية كبير ….
إليكم هذه النقول :
يقول ابن دُرَيد “ت321 هـ :”ستة أحرف للعرب، ولقليل من العجم؛ وهن: العين، والصاد، والضاد، والقاف، والطاء، والثاء”].
انظر:ابن دريد، جمهرة اللغة، تح: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين لبنان، ط1، 1987. ج1 ص41.
فهذا يثبت وجود الضاد عند العجم
وذهب مكي بن أبي طالب إلى أن الخصوصية للعرب في الضاد يرجع فقط إلى كثرة استعمال العرب للضاد مقارنة بغيرهم لا إلى احتكاره دون غيرهم .
يقول مكيُّ بن أبي طالب “ت437هـ”:
“ستَّة أحرف انفردت بكثرة استعمالِها العربُ، وهي قليلة في لغات بعضِ العجم، ولا توجد ألبتة في لغات كثير منهم، وهي: العين، والصاد، والضاد والقاف، والظاء، والثَّاء”
( انظر :مكي بن أبي طالب، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، تح: أحمد حسن فرحات، دار عمار، الأردن، ط3، 1996. ص113)

ولهذا الرَّأي الأخير انتصر طائفةٌ من المُحَقِّقين؛ من أمثال: أبي حيَّان النَّحْوي “ت745هـ”[انظر :همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تح: عبدالحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية، مصر، د.ت. ج3ص490]، وعزِّ الدين ابن جماعة “ت767هـ”[شرح كافية ابن الحاجب، تح: محمد محمد داود، دار المنار، د.ت. ج1 ص338.].

وهذا المذهب يتوافق مع ما توصَّلَ إليه المُشتغِلون بعلم اللغات المقارن؛ فإنهم يكادون يُجمِعُون على أنَّ مقولة: “العربية لغة الضاد” ليست دقيقة تمامًا، ومال بعضُهم إلى تأكيد وُجودِ صوت الضاد أو أَثَرٍ منه في اللُّغات السَّامية الأخرى،
ومن البحوث الرَّائدة في هذا المجال: الدراسة التي تقدَّمت بها “سلوى ناظم” إلى مؤتمر مَجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستِّين، موسومةً بـ: “العربية لغة الضاد أم الظاء؟!”، وفيها تُقرِّر: “أن الضاد التي وصفها القدامى لها وجودٌ في اللغات الحبشية.
(انظر: كمال بشر، علم الأصوات، دار غريب، مصر، 2000. ص264).
……………….

أما أن اللغة العربية هي لغة الظاء فهذا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المجازفة …
فقدصَرَّح الخليل في مقدمة “العين” قائلاً: “وليس في شيءٍ من الألسن ظاءٌ غير العربية”[العين. ج1 ص53]، وكرَّر هذا المعنى في موضع آخر من الكتاب عينِه بقوله: “والظاء عربية لم تُعطَ أحدًا من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها”(المصدر نفسه. ج8 ص174).
وبمثل قول الخليل يصرِّحُ مكي بن أبي طالب[الرعاية لتجويد القراءة. ص113]، وأَبو حيَّان النحوي، وشيخُه ابنُ أَبي الأَحْوَص، وغيرُ واحِدٍ[تاج العروس من جواهر القاموس. ج38 ص529.]، بل قد نقل أبو عمرٍو الداني الإجماعَ في هذه المسألة؛ فقال:
“أجمع علماء اللُّغة على أنَّ العرب خُصَّت بحرف الظاء دون سائر الأمم، لم يتكلَّم بها غيرهم”[الفرق بين الضاد والظاء في كتاب الله – عز وجل – وفي المشهور من الكلام، تح: حاتم صالح الضامن، دار البشائر، سورية، ط1، 2006. ص 34.]؛
فعلى هذا تكون العربية لغةَ الظَّاء لا الضَّاد.

فمن مجموع ما تقدَّم يُمكن القولُ: إنَّ نعتَ اللغة العربية بأنها لغة الظاءُ أَولى من نعتِها بكونها لغةَ الضاد؛
يقول كمال بشر: “هناك إشارات متناثرة في أعمال السابقين والخالفين تشير بل تكاد تُؤكِّد أنَّ صوت الظاء “لا الضاد” هو الخاص بالعربية”[علم الأصوات. ص272.]، ومن جملة تلك الإشارات المُومَأ إليها: البحث الموسوم بـ: “العربية لغة الضاد أم الظاء؟”، الذي تقدَّمت به “سلوى ناظم” إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستين[المرجع السابق. ص264.]، تُثبِتُ من خلاله أن الأَولى نعتُ اللسان العربي بأنه لسان الظاء.

ولكن :، نظريًّا لا يختلف عاقلان أن الحُكم على صوتٍ ما بأنه حِكرٌ على لسانٍ بعَينه، لا يتأتَّى إلا بعد استقراء جميع لغات البشر، وهيهاتَ لإنسانٍ أن يستقرئ جميع أنواع اللسان، فهذا الشافعيُّ “ت 204هـ” يقول:
“ولسان العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يُحيط بجميع علمِه إنسانٌ غير نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامَّتها حتى لا يكون موجودًا فيها مَن يعرفه” (لرسالة، تح: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، لبنان د. ت. ص42).

فإذا كانت الإحاطة باللسان العربي نفسِه مُمتنِعة، مع أنَّ أهلَه كانوا موجودين في رقعة جغرافية محدَّدة؛ فكيف الإحاطة بلغات سائر البشر، والحكم على صوت أو أصوات بعينِها بأنه قد خُصَّت به لغة دون بقيَّة اللغات؟!

#مشاركاتكم_
……

الشيخ بلعام

قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذيِنَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف/175-176-177].
قال ابن القيم رحمه الله: فشبَّه سبحانه مَن آتاه كتابه وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيرَه فترك العمل به واتَّبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو مِن أخبث الحيوانات وأوضعها قدراً، وأخسِّها نفساً، وهمَّته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ومِن حرصه أنَّه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّم ويستروح حرصاً وشرهاً. ولا يزال يَشُمُّ دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجرٍ رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو مِن أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المروحة أحبُّ إليه مِن اللحم الطري. والعذرة أحبُّ إليه مِن الحلوى وإذا ظفر بميتةٍ تكفي مائةَ كلـبٍ لم يَدَع كلباً واحداً يتناول منها شيئاً إلاّ هرَّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشَرَهِه.
ومِن عجيبِ أمره وحرصه أنَّه إذا رأى ذا هيئةٍ رثةٍ وثيابٍ دنيَّةٍ وحالٍ زرِيَّةٍ نبحه وحمل عليه، كأنَّه يتصور مشاركتَه له ومنازعتَه في قُوتِه. وإذا رأى ذا هيئةٍ حسنةٍ وثيابٍ جميلةٍ ورياسةٍ وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجلها على اللهِ والدارِ الآخرةِ مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.
قال ابن جريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤاد له، إنْ تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهُدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطعٌ.
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنَّه ليس له فؤادٌ يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا مِن قلة صبره عنها،وهذا يلهث مِن قلة صبره عن الماء، فالكلب مِن أقل الحيوانات صبراً عن الماء، وإذ عطش أكل الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبرٌ على الجوع.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مِن أشدِّ الحيوانات لـهثاً، يلهث قائماً وقاعداً وماشياً وواقفاً، وذلك لشدَّة حرصه، فحرارةُ الحرصِ في كبده توجبُ له دوام اللهث.
فهكذا مشبَّهه شدةُ الحرص وحرارةُ الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإنْ حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركتَه ولم تعظْه فهو يلهث.
قال مجاهد: ذلك مثَل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إنْ تحمل عليه الحكمة لم يحملْها، وإن تتركْه لم يهتدِ إلى خيرٍ، كالكلب إنْ كان رابضاً لهث، وإنْ طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحقِّ، دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يُوعظ، كالكلب يلهث طرداً وتركاً.
وقال عطاء: ينبح إنْ حملتَ عليه أو لم تحمل عليه.
وقال أبو محمد بن قتيبة: كلُّ شيءٍ يلهثُ فإنما يلهثُ مِن إعياءٍ أو عطشٍ إلا الكلب، فإنَّه يلهث في حالِ الكلال وحالِ الراحة وحالِ الصحة وحالِ المرض والعطش فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، وقال: إنْ وعَظْتَه فهو ضالٌّ، وإن ترَكْتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إنْ طردتَّهُ لهث وإنْ تركْتَه على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: { وَإِنْ تَدْعُوهُم إِلى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُم سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم أَمْ أَنْتُم صَامِتُونَ } [الأعراف/193].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل مِن الحِكم والمعاني:
– فمنها: قوله: { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فأخبر سبحانه أنَّه هو الذي آتاه آياته، فإنَّها نعمةٌ، والله هو الذي أنعم بـها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أي: خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ مِن جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسلخ عن اللحم. ولم يقل (فسلخناه منها) لأنَّه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه.
– ومنها: قوله سبحانه: { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان } أي: لحقه وأدركه، كما قال في قوم فرعون: { فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ } [الشعراء/60] وكان محفوظاً محروساً بآيات الله محميَّ الجانب بـها من الشيطان لا ينـال منه شيئاً إلا على غِرَّةٍ وخطفة. فلمَّا انسلخ مِن آيات الله ظفِر به الشيطانُ ظفَر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.
– ومنها: أنَّه سبحانه قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فأخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم – فإنَّ هذا كان مِن العلماء- وإنَّما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإنَّ هذا كان مِن أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، نعوذ بالله مِن علمٍ لا ينفع.
وأخبر سبحانه أنَّه هو الذي يرفع عبدَه إذا شاء بما آتاه من العلم، وإنْ لم يرفعه الله فهو موضوعٌ، لا يرفعُ أحدٌ به رأساً، فإنَّ الربَّ الخافضَ الرافعَ سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه وشرَّفْناه ورفعنا قدرَه ومنـزلته بالآيات التي آتيناه.
قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ } : عائدٌ على الكفر والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه.
وهذا المعنى حقٌّ ، والأول هو مراد الآية، وهذا مِن لوازم المراد ، وقد تقدم أنَّ السلف كثيراً ما ينبهون على لازمِ معنى الآية، فيظنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المراد منها.
وقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ }. قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ.
والمـُخلِدُ من الرجال: هو الذي يبطىء في مِشْيته، ومِن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أنْ تخرج رَباعيَّتُه. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة:
بأبناء حيٍّ مِن قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة/17] أي: قد خُلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سنٍّ واحدٍ أبداً.
وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السنِّ فلا تنافي بين القولين.
وقوله: { فَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، قال الكلبي: اتَّبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو رَوْق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. وقال ابن يمان: اتَّبع امرأته لأنهَّا هي التي حملته على ما فعل.
فإنْ قيل: الاستدراك بـ (لكن) يقتضي أنْ يثبت بعدها ما نفى قبله، أو ينفي ما أثبت كما تقول: (لو شئتُ لأعطيتُه، لكني لم أعطِه) و (لو شئتُ لما فعلتُ كذا لكني فعلتُه).
والاستدراك يقتضي: (ولو شئنا لرفعناه بـها ولكنَّا لم نشأ، أو لم نرفعه)، فكيف استدرك بقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ } بعد قوله : { لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا مِن الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أنَّ مضمون قوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنَّه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: مِن إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنَّه آثر الدنيا وأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه.
وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بـها، فذكر المشيئة، والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنَّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بـها. قال: ألا ترى إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أنْ يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره: لوجب أنْ يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنَّا لم نشأ. ا.هـ.
فهذا من الزمخشري شنشنةٌ نعرفها مِن قدريٍّ نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنُّجعة في جعْلِ كلام الله معتزليّاً قدريّاً. فأين قوله: { وَلَوْ شِئْنَا } مِن قوله: ولو لزمها؟. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بَطَل أصله.
وقوله: (إنَّ مشيئة الله تابعةٌ للزوم الآيات) مِن أفسدِ الكلام وأبطلِه، بل لزومه لآياته تابعٌ لمشيئة الله، فمشيئةُ الله سبحانه متبوعةٌ لا تابعةٌ، وسببٌ لا مسبَّب، وموجب مقتضٍ لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده) ا.هـ .
انظر : ” أعلام الموقعين ” [1/165-169]. وانظر: ” الفوائد ” [ص150].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
ضرب اللهُ المثلَ لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها: بالكلب، ولم تكن حقارةُ الكلبِ مانعةً مِن ضربه تعالى المثلَ به. وكذلك ضربُ المثلِ بالذباب في قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَـنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ } [الحج/73] ، وكذلك ضربُ المثلِ ببيتِ العنكبوت في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/41]. وكذلك ضربُ الله المثلَ بالحمارِ في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة/5] وهذه الآيات تدل على أنَّه تعالى لا يستحيي مِن بيانِ العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة. وقد صرَّح بهذا المدلول في قوله: { إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة/26]. ا.هـ (أضواء البيان [2/303]).

التعريف والتنكير

التنكير للأقل والتعريف للأعظم ( فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) هو الحديبية ،( إذا جاء نصر الله والفتح ) هو فتح مكة ، ( إنه كان فاحشة) هو الزنا ، ( أتأتون الفاحشة ) هو اللواط .