هل صحَّ حديث فيه قول النبي عليه السلام عن عائشة ( وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا ؟)
هذا الحديث ما مدى صحته والذي رد لي به العالِم الرافضي طاعناً به أمَّنا عائشة رضي الله عنها قائلا لي : بأنها غير مؤمنة ، والدليل هذا الحديث الموجود في كتبكم يا أهل السنة ! أخرج الطبراني وعبد بن حميد عن كثير بن مرّة الحضرمي عن عائشة : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها مع أبي بكر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة أطعمينا ، فقالت : والله ما عندنا طعام ، فقال : أطعمينا ، فقالت : والله ما عندنا طعام ، فقال : أطعمينا ، فقالت : والله ما عندنا طعام ، فقال أبو بكر : يا رسول الله إن المرأة المؤمنة لا تحلف على الشيء أنه ليس عندها وهو عندها ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أَمؤمنة هي أم لا ؟! إن مَثل المرأة المؤمنة في النساء كمثل الغراب الأعصم من الغربان ، وإن النار خُلِقت من السفهاء ، وإن النساء من السفهاء إلا صاحبة القسط والمصباح ” .
مسند الشاميين للطبراني ج4 ص91 ، ومسند عبد بن حميد ج4 ص155 ، والمطالب العالية لابن حجر العسقلاني ج5 ص106 ، وسند الطبراني صحيح). فما تفسير علمائنا في هذا الحديث ؟ وكيف نرد عليهم به .
الجواب:
الحمد لله
أولاً:
الحديث الوارد في السؤال : لا يصح سنده ، ولا متنه ، وسنذكره بنصه ، ثم نتبعه بكلام أهل العلم :
عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَ أبي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : يَا عَائِشَةُ أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ . فَقَالَ : أطْعِمِينَا فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ ، فَقَالَ : أطْعِمِينَا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْمَرْأةَ الْمُؤْمِنَةَ لا تَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ انَّهُ لَيْسَ عِنْدَهَا وَهُوَ عِنْدَهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : وَمَا يُدْريكَ أمُؤْمِنَةٌ هِيَ أم لا ؟ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنَةِ فِي النِّسَاءِ كَمَثَلِ الْغُرَابِ الأعْصمِ مِنَ الْغِرْبَانِ ، وَإِنَّ النَّارَ خُلِقَتْ مِنَ السُّفَهَاءِ ، وَإِنَّ النِّسَاءَ مِنَ السُفَهَاءِ إِلا صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالْمِصْبَاحِ .
” القِسط ” : أي : المقدار من الماء .
” السراج ” : المصباح .
قال ابن الجوزي – رحمه الله – :
أراد : التي تَخْدُمُ بَعْلَهَا ، وتُوَضِّئُهُ ، وتقومُ على رأسِهِ بالسَّراج ، وبالقِسْطِ الذي هو إِنَاءُ يَسَعُ نِصْفَ صاعٍ .
” غريب الحديث ” ( 2 / 242 ، 243 ) .
رواه عَبد بن حُميد ( 1528 ) ، والطبراني في ” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 ) ، وابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 221 ) كلهم من طريق ” بقية بن الوليد ” ، وهو كثير التدليس عن الضعفاء ، والمتروكين ، وقد عنعنه في رواية الطبراني ، وتصريحه بالتحديث عن شيخه في رواية عبد بن حميد وابن عساكر لا تنفعه ؛ لأنه يدلس تدليس التسوية ، فهو لا يسقط شيخه ، بل شيخ شيخه ، فيسوِّي السند ، وعليه : فلا بد أن يصرح بالسماع عن شيخه ، وشيخ شيخه إلى آخر الإسناد .
ﻭﺫﻫﺏ ﺠﻤﻬﻭﺭ أهل العلم ﺇﻟﻰ ﺃﻨﻪ يكفي ممن يدلس تدليس ﺍﻟﺘﺴﻭﻴﺔ ﺃﻥ ﻴﺼﺭﺡ ﺒﺎﻟﺴﻤﺎﻉ ﻋﻥ ﺸﻴﺨﻪ ، ﻭﺸﻴخُه ﻋﻥ ﺸﻴﺨﻪ .
وفي الحديث علة أخرى ، وهي : الإرسال ، فكثير بن مرَّة تابعي ، ولم تثبت له صحبة .
وهذا تفصيل ما سبق :
1. رواية الطبراني :
حدثنا واثلة بن الحسن العِرْقِي ثنا كثير بن عبيد الحذاء ثنا بقية بن الوليد عن بُحَيْر بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرَّة عن عائشة .
” مسند الشاميين ” ( 2 / 192 رقم 1171 ) .
وفي هذا الطريق ثلاث علل :
أ. واثلة بن الحسن ، هو أبو الفياض الأنصاري العِرْقي ، ترجم له ابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” ( 62 / 366 ، 367 ) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فهو ” مجهول الحال ” ، كما جاء في كتاب ” إرشاد الداني والقاصي إلى تراجم شيوخ الطبراني ” لأبي الطيب نايف المنصوري ( ص 674 ) .
ب. بقية بن الوليد ، لم يصرِّح بالسماع إلى آخر السند ، وهو معروف بتدليس التسوية ، وتدليسه عن الضعفاء والمتروكين مما يوجب التوقف في تفرده ، بل رده .
قال الإمام الذهبي – رحمه الله – :
كان يدلِّس كثيراً فيما يتعلق بالأسماء ، ويدلِّس عن قوم ضعفاء وعوام ، يسقطهم بينه وبين ابن جريج ، ونحو ذلك ، ويروي عمَّن دبّ ودرج ! .
قال أبو حاتم : سألتُ أبا مسهر عن حديث لبقية فقال : احذر أحاديث بقية ، وكن منها على تقية ، فإنها غير نقية . ” تذكرة الحفاظ ” ( 1 / 211 ، 212 ) .
وقال – أيضاً – :
فحاصل الأمر : أن لبقيَّة عن الثقات أيضاً ما يُنكر ، وما لا يتابع عليه .
” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 527 ) .
وقال :
قال الحافظ أبو الحسن بن القطان : بقية يدلس عن الضعفاء ، ويستبيح ذلك ، وهذا إن صح مفسد لعدالته .
قلت : نعم ، تيقنَّا أنه كان يفعله ، وكذلك رفيقه الوليد بن مسلم ، وغير واحد ، ولكنهم ما يظن بهم أنهم اتَّهموا من حدَّثهم بالوضع لذلك ، فالله أعلم .
” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 528 ، 529 ) .
ج. الإرسال : فكثير بن مرَّة هو الحضرمي الرّهاوي ، أبو شجرة الحمصى ، ويقال له : أبو القاسم ، كما في ” التاريخ الكبير ” للبخاري ( 7 / 208 ) ، وقال الذهبي في ” المقتنى في سرد الكنى ” ( 1 / 51 ) : ” تابعي كبير ” . انتهى ، ونقل ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” ( 7 / 157 ) أنه روى عن طائفة من الصحابة .
وهذا الحديث لا يرويه عن عائشة رضي الله عنها حتى يُبحث في روايته عنها – مع أنه لم يصرِّح أحد أنه روى عنها ، وينظر ” تهذيب الكمال ” ( 24 / 158 ، 159 ) – ، بل هو يروي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك أعلَّه الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله ، كما في كتاب ” العلل ” لابنه عبد الرحمن ( 1 / 440 ) حيث قال : قال أبِي : ليس هذا بِشيءٍ ، إِنّما يُروى : عن خالِدِ بنِ معدان ، عن كثِيرِ بنِ مُرّة : أنَّ عائِشة سألتِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فذكر الحدِيث . انتهى
والإشارة إلى الإرسال واضحة في ذكر نهاية الإسناد ” أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم ” ، وليس الإسناد : ” عن عائشة ” ، ولو كان هكذا لم يُفرح به ؛ لأنه يكون منقطعاً .
وهو معروف بالإرسال :
أ. ففي ترجمته في ” أسد الغابة ” ( ص 1195 ) :
أخرجه أبو موسى وقال : ” أبو شجرة هذا يروى عن ابن عمر ، أرسل هذين الحديثين ” .
انتهى
وفي ” تهذيب التهذيب ” لابن حجر ( 8 / 384 ) :
وقال أبو موسى في ” ذيل الصحابة ” أورده عبدان ، وحديثه مرسل .
انتهى
ب. وقال الذهبي – رحمه الله –
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم .
” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 46 ) .
ج. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمته :
وله حديث مرفوع أرسله .
” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 5 / 638 ) .
وقال – رحمه الله – أيضاً – :
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً .
” تهذيب التهذيب ” ( 8 / 383 ) .
2. رواية عبد بن حُمَيد :
ثنا إبراهيم بن الأشعث ثنا الفضيل بن عياض أنا بقية بن الوليد حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن عائشة .
” مسند عبد بن حميد ” ( ص 441 رقم 1528 ) .
وفي هذه الرواية :
أ. التوكيد على أن مخرج الحديث بقية بن الوليد ، وقد سبق بيان حاله .
ب. التحديث من بقية عن شيخه غير مجدٍ ؛ لأن تدليسه ليس عن شيوخه ، بل عن شيوخ شيوخه ، ولذا اشترط العلماء استمرار التحديث إلى آخر الإسناد .
ج. الإرسال ، وسبق بيانه .
د. إبراهيم بن الأشعث ، للعلماء فيه كلام شديد ، يستحق معه طرح حديثه ، بل سائر ما روى ، قال ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” ( 2 / 88 ) : سألتُ أبي عن إبراهيم بن الاشعث ، وذكرتُ له حديثاً رواه عن معن عن ابن أخي الزهري عن الزهري فقال : هذا حديث باطل ، موضوع ، كنَّا نظن بإبراهيم بن الأشعث الخير ، فقد جاء بمثل هذا . انتهى ، وفي ” الثقات ” لابن حبان ( 8 / 66 ) قال عن إبراهيم بن الأشعث – ويعرف بـ” لام ” – : يُغرب ، ويتفرد ، ويخطئ ، ويخالف . انتهى
3. رواية ابن عساكر :
روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 221 ) من طريق إسحاق بن راهويه ومحمد بن المصفى عن بقية بن الوليد قال : حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن أبي شجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ودخل عليها : ( أطعمينا ) فقالت : ما عندنا طعام ، فقال : ( أطعمينا ) فقالت : والله ما عندنا طعام ، ثلاثاً ، فقال أبو بكر يعتذر عنها : والله إن المرأة المؤمنة لا تحلف على أن ليس عندها طعام وهو عندها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المرأة المؤمنة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان ، فإن النار خلقت للسفهاء وإن النساء أسفه السفهاء إلا صاحبة القسط والسراج ) .
وعلى هذه الرواية ملحظان :
أ. أنه ثمة تصحيف في آخر الإسناد ، وصوابه : ” عن كثير بن مرة أبي شجرة ” ، وليس ” عن أبي شجرة ” ، فعاد للحديث علله السابقة .
وكثير بن مرَّة لا يروي عن رجل يكنى ” أبا شجرة ” ، بل هو نفسه ، كما سبق في ترجمته ، والخطأ في مثل هذا يرد كثيراً ، عندما تعقب الكنيةُ الاسمَ ، فيُفصل بينهما على أنهما راويان ، وقد نبَّه ابن عساكر نفسه على هذا في ترجمة كثير بن مرة نفسه ، فقال :
( عن ) خليفة – هو ابن خيَّاط – قال : ” في الطبقة الثانية من محدثي أهل الشام : كثير بن مرة الحضرمي وأبو شجرة ، حمصي ” ، قال ابن عساكر : كذا فيه ، والصواب : أبو شجرة ، بغير واو .
” تاريخ دمشق ” ( 50 / 54 ) .
وبناء على هذا التصحيف فقد ذكر ابن عساكر هذه الرواية في ترجمة يزيد بن شجرة أبي شجرة الرُّهاوي ! على أنه راوٍ روى عنه كثير بن مرَّة ، وهذا غير صحيح ، بل هو نفسه ، واشتراك شيخ وتلميذه في كنية واحدة غريبة مما يلفت النظر لو كان الأمر صحيحاً ، ويُذكر مثل هذا في نوادر الأسانيد والأسماء ، ولو صحَّ أنه هو فهو ليس صحابيّاً على الصحيح من أقوال أهل العلم ، ومن عدَّه من الصحابة فقد أخطأ ، فصار الحديث منقطعاً مرسلاً .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وقال ابن حبان : يقال له صحبة ، وكذا قال ابن أبي حاتم ، وقال ابن مندة : قال بعضهم : له صحبة ، ولا يثبت ، وقال أبو زرعة : ليست له صحبة صحيحة ، ومن يقول له صحبة : مخطئ ، وقال يزيد بن أبي زياد : عن مجاهد عن يزيد بن شجرة ، وله صحبة ، وهو خطأ ، قاله أبو حاتم .
” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 6 / 662 ، 663 ) .
وقال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته – :
أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن أبي عبيدة ، واستعمله معاوية .
” سيَر أعلام النبلاء ” ( 9 / 106 ) .
انظر ” تاريخ دمشق ” ( 65 / 228 ) ، و ” تهذيب الأسماء ” للنووي ( ص 464 ) .
ب. أن لفظ الحديث هنا ليس فيه الإشكال الوارد في السؤال ، وفي سائر الروايات ، بل فيه إقرار أبي بكر رضي الله عنه على قوله عن عائشة ” إنها مؤمنة ” ! فماذا سيصنع الرافضة وقد أسقط في أيديهم الآن ؟! .
ويقال في التعليق على ما سبق :
1. كيف يكون مثل هذا الحديث طعناً في إيمان عائشة رضي الله عنها ، وهي التي روته للناس ، فكيف تروي ما هو طعن فيها ، وهي يسعها كتمانه ، فإن قيل : لم تروه هي لكن نقله كثير بن مرَّة : قلنا : الحمد لله ، هو لم يشهد الحادثة ؛ لأنه تابعي ، فسقط الحديث .
2. وإذا كان الرافضة يقبلون هذا الحديث على ما فيه : فليس رواية الطبراني وعبد بن حميد بأولى في التقديم من رواية ابن عساكر ، ورواية ابن عساكر من طريق إمام جبل ، وهو إسحاق بن راهويه ، وهي أولى عندنا بالتقديم ، وفيها فائدتان :
أ. أنها تخلو من الإشكال الوارد في السؤال ، بل هي تثبت الشهادة بإيمان عائشة رضي الله عنها من قبَل النبي صلى الله عليه وسلم .
ب. أن إرسالها أوضح من غيرها من الروايات .
فإن قدم الرافضة هذه الرواية لم يجدوا فيها الطعن في عائشة ، وإن قدموا غيرها : عارضناهم بها ! .
ثانياً:
ونقول في نقد متن هذه الرواية على فرض أن فيها طعناً بعائشة رضي الله عنها :
1. أننا نرى متنها غاية في النكارة والغرابة ، فليست هذه أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع المخالف لشرعه أن يواجهه بمثل هذا ، فكيف تكون هذه أخلاقه مع زوجته ، وهي أحب الناس إليه ؟! .
2. أننا نرى في هذه الرواية طعناً في النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث نراه غضب من أجل طعام ! وما هذه بأخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والذي يعظم اسم الله تعالى إذا حلف به مسلم ، كما فعل أخوه عيسى عليه السلام حين رأى رجلاً يسرق ، فلما أقسم له بالله أنه لم يسرق قال ” صدَقتُ يمينك وكذَّبت عينيَّ ” ! ونبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية المنكرة لم ير الطعام في بيته بعينه ، فأولى أن يصدِّق يمين زوجته .
3. وحتى على فرض علمه صلى الله عليه وسلم بوجود طعام في بيته : فإن عائشة رضي الله عنها كان يمكن أن تتصدق به ، وهو لا يعلم ، كما حدث ذلك معها في أحاديث صحيحة ، فيكون نبينا صلى الله عليه وسلم – على فرض صحة الرواية – أخبر بعلمه بوجود الطعام في بيته ، لكنه لا يعلم باستمرار وجوده وقت السؤال .
عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ : جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ! فَأَعْطَيْتُهَا ، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ، ثُمَّ قَامَتْ ، فَخَرَجَتْ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ : ( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ) .
رواه البخاري ( 5649 ) ومسلم ( 2629 ) .
هذه حال بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه حال أمنا عائشة من الكرم والجود بكل طعامها في بيتها ، وهذه حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عدم الغضب على هذا الإنفاق ، كيف وهو الذي ربَّاهم على هذا ، فأين هذه الأخلاق مما في الرواية المنكرة ؟! .
4. أنه ثبت عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه سأل أمَّنا عائشة رضي الله عنها عن الطعام إن كان عندها شيء فكان يصدِّقها بنفي وجوده ، ثم يحضر الطعام فتخبره بوجوده ، وما في الرواية الواردة في السؤال يناقض هذا ويخالفه .
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ : ( يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ ) قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ ، قَالَ : ( فَإِنِّي صَائِمٌ ) قَالَتْ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ – أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ – أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ – وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا ، قَالَ : ( مَا هُوَ ؟ ) قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ : ( هَاتِيهِ ) فَجِئْتُ بِهِ ، فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ : ( قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا ) .
رواه مسلم ( 1154 ) .
الحيْس : بفتح الحاء المهملة : هو التمر مع السمن والإقط .
والزَّوْر : بفتح الزاي : الزوار .
وقولها ” جاءنا زور وقد خبأتُ لك ” معناه : جاءنا زائرون ، ومعهم هدية ، خبأتُ لك منها ، أو يكون معناه : جاءنا زوْر فأهديَ لنا بسببهم هدية .
كذا قال النووي في ” شرح مسلم ” ( 8 / 34 ، 35 ) .
5. وكيف لا يصدِّق نبينا صلى الله عليه وسلم عائشة في عدم وجود طعام في بيته ، وهذه كانت حاله ، وهذا كان حال نسائه جميعاً ، وقد اختار نبينا صلى الله عليه وسلم ما عند الله ، فلا عجب أن لا يوقد في بيته نار لشهرين ، وإنما طعامهم التمر والماء ، وليس هذا حال بيت عائشة ، بل هو حال بيوت نسائه جميعاً رضي الله عنهن .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ : مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَضُمُّ – أَوْ يُضِيفُ – هَذَا ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَنَا … .
رواه البخاري ( 3587 ) ومسلم ( 2054 ) .
6. قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية ( فإن النار خلقت للسفهاء وإن النساء أسفه السفهاء ) : من أبطل الباطل ، وأبعده عن الحقيقة والواقع ، وأبعده عن خلُق النبي صلى الله وسلم ، وشرعه ، وكيف تكون النار خلقت للسفهاء والله تعالى أخبر أنها أعدَّت للكافرين ؟ وهل السفهاء كفار ؟! إن السفاهة في لغة العرب تعني خفة العقل ، وقلة الضبط للأمور ، وهل لمثل هؤلاء أعدَّ الله النار والسعير وهم معذورن بطبيعة الخِلقة ؟! .
قال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) النساء/ 5 . وقال تعالى : ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة/ من الآية 282 .
ومن هنا وصف الكفارُ المؤمنين بـ ” السفهاء ” ! لأنهم اتبعوا الحق ، وآمنوا ، قال تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 13 .
قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله – :
وقوله : ( أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) استفهام للإنكار ، قصدوا منه التبرىء من الإيمان على أبلغ وجه ، وجعلوا الإيمان المتبرأ منه شبيهاً بإيمان السفهاء ؛ تشنيعاً له ، وتعريضاً بالمسلمين بأنهم حملهم على الإيمان سفاهة عقولهم ، ودلوا على أنهم علموا مراد من يقول لهم ( كَمَا آمَنَ النَّاسُ ) أنه يعني بالناس : المسلمين .
والسفهاءُ جمع سفيه ، وهو المتصف بالسفاهة ، والسفاهة : خفة العقل ، وقلة ضبطه للأمور قال السموأل :
نَخاف أن تَسْفَهَ أحلامُنَا *** فَنَخْمل الدهرَ مع الخامل
والعرب تطلق السفاهة على أفَن الرأي ، وضعفه ، وتطلقها على سوء التدبير للمال ، قال تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) النساء/ 5 ، وقال : ( فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ) البقرة/ 282 الآية ؛ لأن ذلك إنما يجيء من ضعف الرأي .
ووصفهم المؤمنين بالسفاهة : بهتان ؛ لزعمهم أن مخالفتهم لا تكون إلا لخفة في عقولهم ، وليس ذلك لتحقيرهم ، كيف وفي المسلمين سادة العرب من المهاجرين ، والأنصار ، وهذه شنشنة أهل الفساد والسفه أن يرموا المصلحين بالمذمَّات ، بهتاناً ، ووقاحة ، ليلهوهم عن تتبع مفاسدهم ، ولذلك قال أبو الطيب :
وإذا أتتْكَ مَذمَّتي من ناقص *** فهي الشهادةُ لي بأني كامل .
” التحرير والتنوير ” ( 1 / 287 ) .
وقد ذكر مجاهد رحمه الله وغيره أن المقصود بالسفهاء – تحديداً – في قوله تعالى ( وَلاَتُؤتوا السُّفَهاءَ أمْوَالُكُم ) هم النساء ! وهؤلاء إنما أرادوا عدم قدرة جنس النساء على معرفة النافع من الضار في المصالح المتعلقة بالمال فقط ، لا عموماً .
قال الطبري – رحمه الله – :
ولذلك سمَّى الله عز وجل النِّساء ، والصبيانَ سفهاء ، فقال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) النساء/ 5 ، فقال عامة أهل التأويل : هم النساء والصبيان ، لضعف آرائهم ، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارِّ التي تصرف إليها الأموال .
” تفسير الطبري ” ( 1 / 293 ) .
وقال الزبيدي – رحمه الله – :
وقالَ الأزْهرِيُّ : سُمِّيت المرْأَةٌ سَفِيهَة لضعفِ عَقْلِها ، ولأنَّها لا تُحْسِنُ سِياسَةَ مالِها .
” تاج العروس من جواهر القاموس ” ( 36 / 400 ) .
ومع ذلك فقد ردَّ عليهم بعض أهل العربية ، وبعض أهل التفسير .
قال القرطبي – رحمه الله – :
واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء ، من هم ؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : هم اليتامى ، لا تؤتوهم أموالكم ، قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية ، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال : هم الأولاد الصغار ، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء ، وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : هم النساء ! ، قال النحَّاس وغيره : وهذا القول لا يصح ؛ إنما تقول العرب في النساء ” سفائه ” ، أو ” سفيهات ” ؛ لأنه الأكثر في جمع ” فعيلة ” .
” تفسير القرطبي ” ( 5 / 28 ) .
وقد أطلق الله تعالى وصف ” السفه ” على طائفة تعبيراً عن ضعفهم وقلة حيلتهم في تدبير شئون أنفسهم ، وذلك في قوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) البقرة/ من الآية282 .
كما أطلف تعالى هذا الوصف على من ضعيف الفكر ، وقليل العقل ، ذمّاً له ، لا لطبيعة خلقته ، بل لاتباعه هواه ، وتعطيله نعمة العقل ، وذلك في قوله تعالى : ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) البقرة/ 142 .
7. وفي الحديث – على فهم من يستدل به من الرافضة – نكارة واضحة من جهة اعتقادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلب عنها وصف الإيمان بسبب حلفها ذاك ، والرد على هذا من جهتين :
أ. ومن قال إن الحلف بالله تعالى كاذباً كفر أكبر ؟! إنه لو صحَّ الحديث – وأنَّى له ذلك – وكانت عائشة رضي الله عنها قد حلفت كاذبة – وحاشاها من ذلك – لكانت وقعت في إثم تستحق عليه العقوبة ، ولا تكفر عند أحد من أهل الإسلام ، ولم يكفر على مثل هذا الفعل إلا الخوارج ، وهؤلاء لا قيمة لاتفاقهم ، ولا لاختلافهم مع أهل الإسلام .
ب. ونفي الإيمان لا يستلزم نفي الإسلام ، والحديث إن كان فيه نفي الإيمان عن عائشة رضي الله عنها : فهو نفي لدرجة كمالية ، وليس نفياً للإسلام ، وهو مثل كثير من الأحاديث والتي فيها نفي الإيمان عمن آذى جاره ، ولم يسلم المسلمون من لسانه ويده ، وليست هذه الأفعال مخرجة من الإسلام قطعاً .
عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ مُسْلِمٌ ؟ ) حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( أَوْ مُسْلِمٌ ) ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) .
رواه البخاري ( 27 ) ومسلم ( 150 ) .
والظاهر – والله أعلم – أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) زجر سعداً عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : ” إن كنت مادحاً لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحداً ” – رواه أحمد وهو صحيح – ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه .
” فتح الباري ” ( 1 / 122 ) .
ومما يؤكد – على فرض صحة الحديث – أن النفي في الحديث كان للإيمان وليس للإسلام : أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي عائشة رضي الله عنها لنفسه زوجة بعدها ، والرافضة – قبحهم الله – لا يثبتون لها رضي الله عنها الإسلام ، وهو من أبلغ الطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإسلام أمنا عائشة لا يشكك به حفنة مجوس حاقدون على الإسلام وأهله الذين أطفئوا نار الفرس ، وأضاءوا للعالَمين الطريق ، وهي على ذلك : أحب الخلق إليه صلى الله عليه وسلم ، وقد صرَّح بذلك للناس أجمع ، وقد كان يحب أن يمرَّض في بيتها ، فأذن نساؤه بذلك ، حتى كان موته صلى الله عليه وسلم في بيتها ، وفي ليلتها ، وفي حَجرها .
هذا ما تيسر ذِكره من نقض ذلك المتن الباطل ، والذي لم يثبت له إسناد صحيح ، ومن فضل الله تعالى أن قد بينَّا وجهه فيما لو كان صحيحاً .
ونسأل الله أن ينتقم لأصحاب نبيه من كل من أساء إليهم ، وطعن فيهم ، وأن يجعل منه عبرة للعالَمين .
والله أعلم

