الرئيسية بلوق الصفحة 74

هل تُغطَّى رِجلا المحرِم الميت بكفنه كما يُغطَّى رأسه أم تُكشفان؟

هل تُغطَّى رِجلا المحرِم الميت بكفنه كما يُغطَّى رأسه أم تُكشفان؟

السؤال:

هل الميت المحرِم – حاج أو معتمر – تُغطَّى رِجله أم تبقى مكشوفة مثل رأسه ووجهه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

سبق منَّا تفصيل القول في حكم كشف المحرِم وجهه حال حياته، وبعد مماته، وبينّا هناك أن قول جمهور العلماء وهو: عدم وجوب تغطية المحرِم الذكَر وجهه حال حياته، وأنه لا يجب ستر وجهه بعد مماته، وبينا هناك أن الأرجح هو العكس من ذلك، احتياطًا، وخروجًا من الخلاف.

وأما الرِّجلان للمحرم الميت: فليس في السنَّة النبويَّة ما يدل على وجوب كشفهما، كحالهما حال الإحرام.

وعمدة المسألة: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ). رواه البخاري ( 1206 ) ومسلم ( 1206 ).

وتفرد ” مسلم ” بزيادة ” الوجه، فرواه مرة: ( وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ)، ورواه أخرى: ( وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ ).

– ( فوقصته ): من الوقص وهو كسر العنق.

– ( سدر ): ورق شجر، يدق ويستعمل في الغسل والتنظيف.

– ( ولا تحنطوه ): لا تضعوا له الحَنوط، وهو طيب يخلط للميت خاصة، وهو يدل على أن جميع أنواع الطيب لا تحل للمحرم.

وقوله صلى الله عليه وسلم بالمنع من تغطية رأس المحرِم الميت ووجهه: يدل بمفهومه أنه يُغطى سائر بدنه إلا هذين، وقد خَطَّأ حُذَّاق المذهب الحنبلي الرواية عن أحمد رحمه الله المانعة من تغطيتهما.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

واختلف عنه – أي: عن الإمام أحمد – في تغطية رجليه، فروى حنبل عنه: ” لا تُغطى رجلاه “، وهو الذي ذكره ” الخِرَقي “، وقال الخلاَّل: ” لا أعرف هذا في الأحاديث، ولا رواه أحدٌ عن أبي عبد الله غير حنبل، وهو عندي وهم من حنبل “.

والعمل على أنه يغطى جميع المحرم إلا رأسه؛ لأن إحرام الرجل في رأسه، ولا يمنع من تغطية رجليه في حياته، فكذلك في مماته. ” المغني  ” ( 2 / 404 ).

 

ومذهب الشافعي رحمه الله أنه يُكشف رأس المحرِم فقط، وأنه حتى وجهه إنما ورد الأمر بكشفه لئلا يُستر شيء من الرأس الوارد النهي عن ستره.

وأما مذهب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله فهو: أن غسل المحرِم، وتكفينه هو كغسل وتكفين سائر الأموات من المسلمين، وعندهم أن حديث ابن عباس هو خاص بذلك الصحابي، وأن الله تعالى يمكن أنه أوحى للنبي صلى الله عليه وسلم بأن إحرامه لم ينقطع، وأما سائر الناس المحرِمين: فإنه – عندهم – بموتهم ينقطع إحرامهم، وقد ردَّ عليهم العلماء، وبينوا تناقضهم، فهم قد استدلوا بالحديث على المنع من تغطية المحرِم وجهه حال الحياة، ثم امتنعوا عن الاستدلال به في المنع من تغطيته وتغطية رأسه حال الممات!.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 244 ، 245 ):

قال الشافعية والحنابلة: إذا مات المحرم، والمحرمة: حرُم تطييبهما، وأخذ شيء من شعرهما، أو ظفرهما، وحرُم ستر رأس الرجل، وإلباسه مخيطًا، وحرُم ستر وجه المحرمة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصته ناقته فمات: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا).

وعند الحنفية والمالكية: يكفَّن المحرم، والمحرمة، كما يكفن غير المحرِم، أي: يُغطَّى رأسه، ووجهه، ويطيَّب، لما روي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المحرم يموت: ( خمِّروهم ولا تشبهوهم باليهود )، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال في المحرم: ” إذا مات انقطع إحرامه “، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به )، والإحرام ليس من هذه الثلاثة. انتهى.

* وللفائدة:

فحديث ( خمِّروهم ولا تشبهوهم باليهود ): رواه الدارقطني في ” سننه ” ( 2 / 296 ) من طريق: علي بن عاصم عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

حديث لا يصح، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرف ” علي بن عاصم ” بالكذب، وكان أحمد: سيىء الرأي فيه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، قلت: بلى قد روى هذا مرسلًا.

” التحقيق في أحاديث الخلاف ” ( 2 / 5 ).

وروى الدارقطني في ” سننه ” ( 2 / 297 ) الحديث ذاته بلفظ آخر، وهو (خَمِّرُوا وُجُوهَ مَوْتَاكُم وَلاَ تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ )، لكن أحد رواته أخطأ فرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في أصله مرسل، كما ذكره البيهقي رحمه الله في ” سننه ” ( 3 / 394 )، والحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 574 ) عن الإمام أحمد.

وضعفه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 3556 ).

 

* والخلاصة:

أنه لم يرد في تغطية رجلي المحرِم، وكشفهما حديث في السنَّة الصحيح، ومفهوم حديث الأمر بكشف الرأس والوجه – على الخلاف فيه -: يدل على أن المسكوت عنه أمره واسع، والمحرِم أصلًا لا يكشف قدميه، بل يلبس النعل، والأصل في الكفن أنه يُغطى به البدن جميعه، فعلى من كفَّن محرِماً أن يكشف رأسه ووجهه، ويغطي سائره، إلا المرأة فإنه يُغطى بدنها كله، محرِمة كانت، أو غير محرِمة.

 

والله أعلم.

 

حكم ممارسة فنون قتالية تحتوي على خرافات عقيدية ومخالفات شرعية

حكم ممارسة فنون قتالية تحتوي على خرافات عقيدية ومخالفات شرعية

السؤال:

كنت متحمسًا جدًّا لأكون ملمًّا بالمهارات، والفنون الحربية، لكن أصابني الفزع بعد ذلك من بعض الأشياء المتعلقة بهذا الفن نفسه، فالفن الذي أمارسه يقال إن منشأه في بلاد ” الماسونية ” ، فقد قرأت أن التثليث كان مشهورًا جدًّا في بلد المنشأ لمثل هذه الفنون،  فقد كانوا يستخدمون التثليث بحركة القدمين – الهرم بالعين -، وكانوا أيضًا يفعلون بعض الجروح على شكل زوايا، مستخدمين السيف، وفي نوع آخر من الفن الذي أود أن أمارسه كانوا يستخدمون حركة القدمين على شكل دوائر، ويفعلون بعض الجروح، ويقولون: إن تأثير هذه الأشياء تكون بالتوافق مع الطبيعة، – أعلم أن كل هذه المعتقدات ما هي إلا هراء وأكاذيب ليس لها أي أساس من الصحة -، وعلى الرغم من كل هذه الأشياء التي ذكرتها في أصول نشأة هذا الفن: فهل أظل أمارس مثل هذه الفنون التي ذكرتها؟ أم أن هذا سيكون من قبيل الشرك بالله؟ وأيضاً لو كانوا يركعون، ويقومون بالانحناء عندما كانوا يمارسون هذا الفن، وأنا لا أركع، ولا أنحني عندما أمارسه، فهل أستمر في ممارسته؟  فضلا التكرم بالإجابة، مع الدليل.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في التدرب على ممارسة الفنون القتالية: الجواز، وهو من إعداد النفس على الجهاد في سبيل الله تعالى، وعلى تقوية الذات ضد أهل الفساد، والباطل.

وقد شاب بعض هذه الفنون ما يُخرجها عن حكم الإباحة، وبخاصة تلك المستوردة من ” آسيا ” حيث تعتمد في أصلها على الشعوذة، والخرافة، والعقائد البوذية، وعقائد الشرك والضلالة، فإن ثبت هذه فيها: حرم ممارستها تعلُّمًا، وتعليمًا.

ومن استطاع أن يستل من تلك الفنون القتالية ما فيها من نفع وفائدة للبدن، وأن يخلصها مما فيها من شرك، وخرافة: جاز تعلمها، وتعليمها.

ويصدق على تلك الفنون القتالية ما يصدق على غيرها من الألعاب، من ضرورة الالتزام بالشروط الشرعية، والكف عن فعل ما يخالف الشرع أثناء ممارستها، فلا يجوز أثناء ممارسة تلك الفنون كشف العورات، وإضاعة الصلوات، كما لا يجوز الضرب على الوجه، ولا انحناء اللاعب للمدرب، لا للمسلم منهم، ولا للكافر، من باب أولى.

 

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

أجمع أهل العلم على أن الانحناء لا يجوز لأحد من المخلوقين؛ لأنه لا يكون إلا لله تعالى؛ تعظيمًا له سبحانه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه لغير الله، فقد سأله رجل كما في حديث أنس رضي الله عنه، فقال: ” يا رسول الله: الرجل منَّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: ( لا ) ” رواه التزمذي وابن ماجه .

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 24 / 130، 131 ).

* وقالوا – أيضًا -:

لا يجوز لمسلم أن يحني رأسه للتحية، سواءً كان ذلك لمسلم، أو كافر؛ لأنه من فعل الأعاجم لعظمائهم، ولأنه شبيه بالركوع، والركوع تحية، وإعظامًا: لا يكون إلا لله

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 116 ).

 

فعليك – أخي السائل – ترك الأفعال التي هي شرك -، أو خرافة -، وترك ما فيه مخالفة شرعية – كما ذكرناه من الانحناء -، ولا حرج عليك من الاستفادة من تلك الفنون القتالية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية في عموم الألعاب الرياضية، وغيرها.

 

وتجد تلك الضوابط – مع بيان بعض المخالفات في كثير من الألعاب الرياضية – في أجوبة الأخرى، فانظرها.

 

والله أعلم.

 

 

متى وُلد عيسى بن مريم؟ وهل في القرآن إشارة إلى أنه وُلد في الصيف؟

متى وُلد عيسى بن مريم؟ وهل في القرآن إشارة إلى أنه وُلد في الصيف؟

السؤال:

لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في شهر ” كانون أول ” ، وخصوصًا أن موسم الرطَب هو في شهر الصيف، فما هو التاريخ التقريبي لميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مسألة تحديد وقت ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عليها تنبيهات:

  1. أنها من الغيب الذي لا يمكن لأحدٍ الجزم به، إلا أن يكون ممن يوحي لهم الله تعالى بوحيٍ من عنده؛ لأنه لا سبيل لمعرفة ذلك إلا به؛ لانقطاع الأسانيد بيننا وبين ذلك الزمان، ولاختلاف النقلة في تحديد وقت ميلاده عليه السلام.
  2. أن معرفة ذلك الوقت علم لا ينفع، والجهل به غير ضارٍّ، ولو كان في معرفة ذلك فائدة لجاءتنا النصوص به، ثم لو عرفنا وقت ميلاده: فما هو وقت ميلاد موسى، وإبراهيم، وغيرهما من الأنبياء والرسل؟! وما فائدة معرفة ذلك الوقت؟! وهذا يقودنا إلى التنبيه الثالث.
  3. ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أقرب من ميلاد عيسى بن مريم، وكان ابنًا في بيئة تتجه لها أنظار العالَم – مكة المكرمة -، وكان ابنا لشرفاء وسادة تلك البقعة، ومع ذلك كله لا يُعرف على التحديد وقت ميلاده صلى الله عليه وسلم، والخلاف في تحديده مشهور.

 

ثانيًا:

وجزم الأخ السائل بأنه ” لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في شهر كانون أول “: في غير مكانه، وليس مع أثبت شيئًا أو نفاه أدلة يطمئن القلب لها، ولا هو بالشيء الذي يُجزم بحدوثه على التحديد.

وثمة اتجاهات في إثبات وقت ميلاد عيسى بن مريم عليه السلام عند النصارى، فضلًا عن المسلمين، فالنصارى يزعمون أنهم أتباع دينه، وهو ربٌّ لكثير منهم! أو ابن ربِّهم! ومع ذلك ليس ثمة اتفاق بينهم على تحديد ميلاده!.

ولا يختلف المسلمون عن النصارى في الخلاف في تحديد وقت ميلاد عيسى عليه السلام، إلا أن الخلاف عندنا منطلقه الفهم لآيات من كتاب الله تعالى فيها التصريح بوجود رطَب على شجرة نخيل عند ولادة عيسى عليه السلام، ومن ثَمَّ اختلف العلماء عندنا هل كان وقت ميلاده عليه السلام في ” الصيف ” لكون ذلك الوقت موسم تلك الثمرة، أو كان الأمر كرامة من الله تعالى في إيجاد تلك الثمرة في غير موسمها، كما أجرى الله تعالى الماء من تحت أمه مريم وقت ولادة ابنها عيسى عليه السلام، وكما أنطق الله تعالى ابنها وهو طفل صغير؟! خلاف بين العلماء، والأظهر – والله أعلم – هو القول الثاني.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ) لم يصرِّح جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه، ولكنَّه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو: ط الرطَب الجني ” المذكور، والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه بـ ” السري “، كما تقدم، هذا هو الظاهر.

*وقال بعض العلماء:

إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به: كان جذعًا يابسا؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني.

* وقال بعض العلماء:

كان الجذع جذع نخلة نابتة، إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر، وجعله رطباً جنيّاً.

* وقال بعض العلماء:

كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجوداً.

* والذي يُفهم من سياق القرآن:

أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة، ولم يكن الرطَب، والنهر، موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابساً، أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر، وجعله رطبًا جَنيًّا، ووجه دلالة السياق على ذلك : أن قوله تعالى: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ) يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به، فوجود هذه الخوارق، من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود: تطمئن إليه نفسها، وتزول به عنها الربية، وبذلك يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسيًّا: لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت، كما هو ظاهر، وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود: لا غرابة فيه، وقد نص الله جل وعلا في ” آل عمران ” على خرقه لها العادة في قوله ( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ).

* قال العلماء:

كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وإجراء النهر، وإنبات الرطب: ليس أغرب من هذا المذكور في سورة ” آل عمران “. ” أضواء البيان ” ( 3 / 397 ).

 

هذا هو الذي نراه راجحاً صحيحًا، وبه نعلم أنه لا يمكننا تكذيب من قال إن ميلاد عيسى عليه السلام في الشتاء، بل هو الأقرب للصواب؛ لأنه ليس موسمًا للرطَب، لكن هذا القول ليس متفقاً عليه عند النصارى، ولا عند المسلمين، وسنذكر فيما يلي عمَّن يرجِّح خلاف ما رجحناه، ويذكر الخلاف عند النصارى في تحديد ميلاد عيسى عليه السلام.

 

*قال الأستاذ محمد عزت الطهطاوي:

هل وُلد المسيح حقّاً في فصل الشتاء في 25 ديسمبر، كما يقول النصارى الغربيون، أو في يناير، كما يقول النصارى الشرقيون؟.

ورد في إنجيل ” لوقا ” حكاية عن ميلاد المسيح عليه السلام: ” وكان في تلك الكورة رعاة متبدين، يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب حولهم، فخافوا خوفاً عظيمًا، فقال لهم الملاك: ” لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم، يكون لجميع الشعب، إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح “. ( إنجيل ” لوقا “، إصحاح 2، عدد 8-9-10-11 ).

 

ومعنى ذلك: أن يكون الميلاد في وقت يكون الرعي فيه ممكناً في الحقول القريبة من ” بيت لحم ” المدينة التي ولد فيها المسيح عليه السلام، وهذا الوقت يستحيل أن يكون في الشتاء؛ لأنه فصل تنخفض فيه درجة الحرارة – وخصوصًا بالليل – بل وتغطي الثلوج تلال أرض ” فلسطين “، وجعْل عيد الميلاد للسيد المسيح في فصل الشتاء: لا أساس له إذًا، بل هو من مخترعات الوضاع يجعله في فصل الشتاء وفي هذه التواريخ المذكورة انفا.

 

* ولندلل على ذلك بالاتي:

1- يقول الأسقف ” بارنز “: غالبًا لا يوجد أساس للعقيدة القائلة بأن يوم 25 ديسمبر كان بالفعل ميلاد المسيح، وإذا ما كان في مقدورنا أن نضع موضع الإيمان قصة ” لوقا ” عن الميلاد مع ترقب الرعاة بالليل في الحقول قريباً من ” بيت لحم “؛ فإن ميلاد المسيح لم يكن ليحدث في الشتاء حينما تنخفض درجة الحرارة ليلاً وتغطي الثلوج تلال أرض اليهودية، ويبدو أن عيد ميلادنا قد اتفق عليه بعد جدل كثير ومناقشات طويلة حوالي عام 300 بعد الميلاد.

كتاب ” ظهور المسيحية ” للأسقف بارنز.

 

2- وهذا الرأي الذي ذهب إليه الأسقف ” بارنز ” قد استمده الذين كتبوا بيانات عن عيد الميلاد في ” دائرة المعارف البريطانية “، ودائرة ” معارف شاميرز “، فقد ورد في الطبعة الخامسة عشرة من المجلد الخامس في الصفحة ( 642 ، 643 أ ) من ” دائرة المعارف البريطانية ” ما يلي: ” لم يقنع أحد مطلقاً بتعين يوم أو سنة لميلاد المسيح – ولكن صمم آباء الكنيسة في عام 340 بعد الميلاد على تحديد تاريخ للاحتفال بالعيد – اختاروا بحكمة يوم الانقلاب الشمسي في الشتاء، الذي استقر في أذهان الناس، وكان أعظم أعيادهم أهمية، ونظرًا إلى التغيرات التي حدثت في التقاويم: تغير وقت الانقلاب الشمسي، وتاريخ عيد الميلاد بأيام قليلة “.

 

3- ورد في دائرة ” معارف شاميرز ” الآتي: ” كان الناس في كثير من البلاد يعتبرون الانقلاب الشمسي في الشتاء يوم ميلاد الشمس، وفي روما كان يوم 25 ديسمبر يحتفل فيه بعيد وثني قومي – ولم تستطع الكنيسة أن تلغي هذا العيد، بل باركته، كعيد قومي لشمس البر “.

 

4- يقول ” بيك ” من علماء تفسير الكتاب المقدس: ” لم يكن ميقات ولادة المسيح شهر ديسمبر على الإطلاق، فعيد الميلاد عندنا قد بدأ التعارف عليه أخيرًا في الغرب. ” تفسير الكتاب المقدس ” للدكتور بيك ( ص 727 ).

 

5- هناك دليل تاريخي ثابت موثوق به يوضح أن المسيح ولد في شهر أغسطس، أو سبتمبر، فقد كتب الدكتور جون د . أفيز في كتابه ” قاموس الكتاب المقدس ” تحت كلمة ” سنة “: أن البلح ينضج في الشهر اليهودي أيلول، كما ورد في صفحة (117) من كتاب ” تفسير الكتاب المقدس ” لـ ” بيك ” العبارة الاتية: ” إن شهر أيلول يطابق عندنا شهر أغسطس، وسبتمبر “.

 

6- ويقول الدكتور ” بيك ” في مناقشة ” جون ستيوارت ” لمدونة ” من معبد انجورا “: وعبارة وردت في مصنف صيني قديم، يتحدث عن رواية وصول الإنجيل للصين سنة 25 – 28 ميلادية، حيث حدد ميلاد المسيح في عام 8 قبل الميلاد، في شهر سبتمبر، أو أكتوبر، وحدد وقت الصلب في يوم الأربعاء عام 24 ميلادية.

 

* النتائج التي تستخلص مما تقدم:

1- ونخلص من كل ذلك طبقا للبحوث السابقة التي أجريت حاليًّا على أصول المسيحية: أن المسيح لم يولد في ديسمبر، أو يناير، ولكن في أغسطس، أو سبتمبر، ويكون حمْل السيدة مريم لم يبدأ في مارس، أو إبريل، كما يريد مؤرخو الكنيسة أن يلزموا الناس باعتقاده، بل بدأ حملها في نوفمبر، أو ديسمبر.

 

2- إن القران الكريم يُستخلص من تفسيره أن المسيح مولود في أغسطس، أو سبتمبر، وهذا يتفق مع الحقائق التاريخية، ومع رواية إنجيل ” لوقا “، وإن كان ذلك دون قصد، وأنه يظهر مما حكاه القرآن عن السيدة ” مريم “: أنها كانت ترقد عند ولادتها في سقيفة على مكان مرتفع من التل حيث تقف نخلة على منحدر منه، وكان من الميسور لها أن تصل إلى جذعها، وتهزه، وكثرة النخيل في ” بيت لحم ” واضحة في الكتاب المقدس في الإصحاح الأول من ” سِفر القضاة “، وكذلك ” قاموس الكتاب المقدس ” المؤلَّف بمعرفة الدكتور ” جونر يفنز “، كما أن حقيقة إرشاد السيدة ” مريم ” إلى نبع – كما ورد في القران الكريم – لتشرب منه: تشير إلى أن ميلاد المسيح قد حدث فعلًا في شهر أغسطس، أو سبتمبر، وليس في ديسمبر حيث يكون الجو باردًا كالثلج في كورة اليهودية، وحيث لا رُطَب فوق النخيل حتى تهز جذع النخلة فتساقط عليها رطبُا جنيًّا، قال تعالى: ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا )، والمعنى: أنه جعل قربَها جدولاً صغيرًا كان قد انقطع ماؤه، ثم جرى، وامتلأ، وسمي سريّا لأن الماء يسري فيه، وأنه في إمكانها أن تتناول من الرطَب الصالحة للاجتناء إذا أرادت أن تأكل، وإذا أرادت أن تشرب: أمكنها ذلك من جدول الماء، الذي كان يسري بجانبها. ” النصرانية والإسلام ” الأستاذ محمد عزت الطهطاوي ( ص 241 – 244 ) مكتبة النور.

 

* والخلاصة:

ليس في شرعنا ما يثبت تحديد ولادة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، لا السنة، ولا الشهر، ولا اليوم، ومن قال إن القرآن فيه إشارة إلى أن مولده كان في فصل ” الصيف “: فمردود، بما نقلناه من خلاف العلماء أولًا، وبما هو لائق من كون ذلك الإيجاد للرطَب كان في غير موسمه، وأما النصارى: فغالبهم يرى أن مولده كان في شهر ” ديسمبر “، أو ” يناير “، وكان فصل الشتاء، وثمة من نقد ذلك عندهم، وبيَّن أنه خطأ، وأن مولده عليه السلام كان في ” الصيف “.

 

 

وبكل حال: ليس ثمة ما يُجزم به، وليس هذا من العلم النافع، ولولا تعلق الإجابة بشرح آية من كتاب الله: لما تجشمنا الرد على السؤال، وإذا كان النصارى قد اختلفوا في أصل عيسى عليه السلام ما هو، واختلفوا في أصل الاعتقاد: فأنَّى لهم الاتفاق على ما هو دونه؟!.

 

والله أعلم.

طلقها زوجها مرارًا وتزوجت أخاه سرًّا ثم أُجبِرَ على طلاقها ورجعت للأول!

طلقها زوجها مرارًا وتزوجت أخاه سرًّا ثم أُجبِرَ على طلاقها ورجعت للأول!

السؤال:

لديَّ صديقة تعيش هنا في ” النرويج “, تزوجت منذ 13 سنة، ولها ثلاث أطفال، زوجها اعتاد على الزنا منذ أن تزوجها، وكان رجلاً لا يعرف الحقوق الزوجية أبدًا، فكان يضربها، ويشتمها، ويتلفظ بأقبح الكلمات، فصبرت المرأة، وكانت تقول: ” لعل الله يصلحه “، ولكن بدون جدوى، فطلقها مرارًا، حتى أصبحت لا تعرف عدد مرات الطلاق، ولكن أهلها كانوا يجبرونها على عدم تركه لأنه عيب! ولا يعيرون اهتماما للحرام التي تقع فيه ابنتهم، فبعد تسع سنوات ضاق بها العيش، وانفصلوا لأنه طلَّقها أمام الجميع هذه المرة، فوقعوا في الأمر الواقع – الأهل -، وقبلوا بالطلاق، فبعد مرور العدة تزوجها أخوه الأصغر، وبسريّة تامَّة عن الأهل، المشكلة أنه عندما عرف الزوج الأول بالزواج: عمل ما لا يعمله المجنون، إذ أمر – وبشدة – أخاه الأصغر بأن يطلق زوجته إجباريًّا، والثاني لم يكن موافقًا على الطلاق، ولكن ما كان باليد حيلة، وتزوجها زوجها الأول عند أحد الشيوخ الموجودين في ” النرويج “، وقال عند عقد القران – أي: عند الشيخ – بأن التي أتزوجها بنت عذراء! وخال البنت كان وكيلاً عليها.

الآن هي تذرف بدل الدموع دمًا، ولا تريد الزوج الذي أهانها خلال هذه السنين، ولم يعطها حقَّها بأي نوع من الأنواع.

هي تسأل فضيلتكم: ماحكم هذا الزواج، والطلاق؟.

أفيدونا، أفادكم الله، وهي تنتظر الجواب بفارغ الصبر، وقد طلبت مني أن أرسل برسالتها إلى أحد الشيوخ بدلًا عنها لأنها لا تجيد الكتابة بالعربيَّة جيِّدًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن كان لنا عتب نذكره ابتداء: فهو على أهل تلك الزوجة، وذلك من وجوه:

  1. اختيارهم السكنى في بلاد كافرة منحلة، وتركهم المقام في بلاد إسلامية.
  2. سكوتهم على الظلم الذي كان يقع على ابنتهم، وعدم وضع الأمور في نصابها، وهو الذي لعله سبَّب تسلط ذلك الزوج على ابنتهم.
  3. قبولهم ببقاء ابنتهم عند زوج أغلب الظن – إن لم يكن يقيناً – أنه يعيش معها بالحرام؛ لأنه كما جاء في السؤال أنه طلَّقها مرارًا! فإن كانت الطلقات ثلاث فما فوق: فعقدهم باطل، وما كان يجري بينهم من علاقة فهي محرَّمة.

 

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الزوجة وعلاقتها مع زوجها: ففيها نوع غموض، وتحتاج لاستفصال من أصحاب العلاقة مباشرة، ولا يغني هذا عن ذهابها لواحد من أهل العلم تشرح له ما جرى بينها وبين زوجيها بالتفصيل، ونحن نذكر هنا أحكاماً عامَّة، قد تنطبق عليها بحسب فهمنا لحقيقة حالها:

  1. ذلك الزوج الأول الذي تقول إنه طلقها مرارًا: هي أدرى بعدد الطلقات، فإن كان طلقها مرتين: فهو طلاق يملك فيه الرجعة، وأما إن طلقها الثالثة – فما فوق -: فهو طلاق يجعلها أجنبية محرَّمة عليه، لا تحل له إلا أن تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة.

 

  1. زواجها الثاني ورد في السؤال أنه كان ” بسرية تامَّة عن الأهل “، فإن كان المقصود به أهله: فلا إشكال، وإن كان المقصود به أهلها: فالنكاح باطل، ولا تبنى عليه أحكام؛ لأنه تمَّ من غير ولي لها.

 

  1. وإن كان أهلها على علم بالزواج الثاني، وقد وافق وليها عليه: فهو نكاح صحيح، وإن ثبت أن زوجها الثاني أراد التزوج بها ليحلها لأخيه: فهو نكاح تحليل، يأثم به، هو ومن عرف بأمره، ولا تحل لزوجها الأول إن طلقها الثاني.

 

  1. إن كان أهلها على علم بالزواج الثاني، وقد وافق وليها عليه، ولم يكن ينوي تحليلها لزوجها الأول: فهو نكاح صحيح، وطلاقه لا يقع إن ثبت أنه كان بإكراه شديد من أخيه، خلافًا لأبي حنيفة القائل بوقوعه.

* قال أبو عمر ابن عبد البر – رحمه الله -:

اختلف العلماء في طلاق المكره، فذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: إلى أن طلاق المكرَه لا يلزم، ولا يقع، ولا يصح، والحجة لهم: قول الله عز و جل ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن ) النحل/ 106، فنفى الكفر باللسان إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان، فكذلك الطلاق إذا لم يرده بقلبه، ولم ينوه، ولم يقصده: لم يلزمه، وروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس في طلاق المكره: أنه لا يلزم، كما قال ابن عمر، وابن الزبير.

وبه قال شريح، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، والضحاك، وأيوب، وابن عون. ” الاستذكار ” ( 6 / 201، 202 ).

 

 

  1. وبناء على ما في النقطة السابقة: فالزواج الثاني يكون باطلًا؛ لأنه إن ثبث شرعًا أن أخاه كان قد طلَّقها تحت الإكراه الشديد: فوقوعه لاغٍ، ووجوده كعدمه، والزواج الثاني باطل، فتعتد منه بحيضة، وترجع للأول.

 

  1. وإن كان الطلاق في غير إكراه شديد، وكان يمكن للأخ أن يدفعه، ولم يبذل جهده في ذلك: فطلاقه واقع شرعًا، وتحل للأول – إن كان بغير نية التحليل – بعد العدة .

 

  1. وإن كان طلاق الثاني شرعيًّا: فزواجها من الثاني باطل من وجهين:

أ. أنه تمَّ من غير رضاها.

ب. أن خالها كان وليها في النكاح، والخال لا يكون وليًّا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب, كالأخ من الأم, والخال, وعم الأم, والجد أبي الأم ونحوهم.

نصَّ عليه أحمد في مواضع  وهو قول الشافعي, وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. ” المغني ” ( 7 / 13 ).

 

  1. كذب الزوج، أو الزوجة، أو الأولياء في بيان حقيقة حال الزوجة من كونها مطلقة، أو بكر، أو ثيب: إثم مبين، لكنه غير مؤثر في صحة العقد، إن كان الجميع يعلمون بحقيقة الحال لكنهم رضوا بكتابة غير الواقع.

 

هذا – تقريبًا – ما يمكننا قوله في قضية تلك الأخت المسئول عنها، وهو كما ترى قضية تحتمل وجوهاً متعددة من الأجوبة، وتحتاج لاستفصال من صاحب العلاقة مباشرة، ونرى أنه لا بدَّ من عرض قضيتها مباشرة على رجل من أهل العلم ليحكم فيها، وما ذكرناه هنا فلعله ينفعها أو ينتفع به غيرها.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

السؤال:

قرأت الفتاوى المتعلقة بعدم جواز مشاركة غير المسلمين في احتفالاتهم، ولكنني أريد أن أعرف ما حكم الاحتفال معهم في مناسبة مدرسية أو جامعية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية مما لا يجب أن يُختلف في حرمته، على الأقل الأحوال، وقد سبق لنا في فتاوى متعددة بيان ذلك، والتحذير منه.

 

ثانيًا:

وأما مناسباتهم الشخصية الخاصة، كزواج، أو نجاح في مدرسة، أو تعيين في وظيفة، أو شفاء من مرض، أو إنجاب ولد، أو قدم من سفر، ونحوه: فهذا مما اختلف فيه العلماء إلى أقوال ثلاثة – وهي أقوال ثلاثة عن الإمام أحمد -: فمنهم من رأى الجواز، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين، وهذا أرجح الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وتحرم العيادة، والتهنئة، والتعزية لهم, كالتصدير، والقيام, وكمبتدع يجب هجره، وعنه- أي: عن الإمام أحمد -: يجوز، وعنه: لمصلحة راجحة, كرجاء إسلام, اختاره شيخنا – أي: ابن تيمية –  ومعناه اختيار الآجري, وأنه قول العلماء: يُعاد، ويعرض عليه الإسلام، نقل أبو داود: إن كان يريد يدعوه إلى للإسلام: فنعم.

” الفروع و تصحيح الفروع ” ( 10 / 334 ).

 

* على أننا ننبه إلى شروط أخرى يجب توفرها حتى يقال بالجواز، ومنها:

  1. خلو بيئة التهنئة والزيارة من المنكرات، كالاختلاط، والمعازف، والأطعمة والأشربة المحرمة، فاحتفالات المسلمين غالبًا – وللأسف – لا تخلو من منكرات، فالحكم نفسه لاحتفالات غير المسلمين إن احتوت على منكرات.
  2. أن تخلو عبارات التهنئة من مخالفات شرعية، كابتدائه بالسلام، أو الدعاء له بالعز والبقاء.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه، ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى ، والكلام فيها كالكلام في التعزية، والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم ” متَّعك الله بدينك “، أو ” نيَّحك فيه ” – أي: قوَّاك فيه -، أو يقول له: ” أعزك الله “، أو ” أكرمك “، إلا أن يقول ” أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به “، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة.  ” أحكام أهل الذمة ”  ( 1 / 441 ).

 

  1. أن لا يهنَّأ ذلك الكافر – ولا المسلم كذلك – إن كان رجوعه من سفر معصية، أو حرب على المسلمين، أو لتولي وظيفة محرمة، كعمل في بنك، أو قضاء بين الناس بخلاف الشرع.

* قال ابن القيم -رحمه الله -:

فمن هنَّأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر: فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء، والتدريس، والإفتاء؛ تجنباً لمقت الله، وسقوطهم من عينه، وإن بُلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشرٍّ يتوقعه منهم، فمشى إليهم، ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق، والتسديد: فلا بأس بذلك. ” أحكام أهل الذمة ” ( 1 / 441، 442 ).

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وهو ممن يميل للمنع بالكلية -:

لا يجوز الذهاب إلى أحد من الكفار عند قدومه للتهنئة بوصوله، والسلام عليه؛ لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

 

  1. تجنب تهنئة رؤوس الكفر كالقساوسة، والأحبار، وزعماء الكفر؛ لقطع الطمع في إسلامهم، ولما في تهنئتهم ومشاركتهم من عزٍّ لهم، وذل للمسلم، إلا أن يُطمع بأحد بعينه: فيجوز، كما في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب.

 

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وسئل عن تهنئة ” قس ” بوصوله -:

وأما ذهاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهودي الذي كان مريضًا: فإن هذا اليهودي كان غلامًا يخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمَّا مرض عاده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليعرض عليه الإسلام، فعرَضه عليه، فأسلم، فأين هذا الذي يعوده ليعرض عليه الإسلام من شخص زار قسّاً ليهنئه بسلامة الوصول، ويرفع من معنويته؟! لا يمكن أن يقيس هذا على ذاك إلا جاهل، أو صاحب هوى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

 

فالقول بالمنع من مشاركة الكفار في مناسباتهم الشخصية هو الأحوط، والجواز بشروط هو الأرجح دليلًا، وتعليلًا.

 

والله أعلم.

 

 

هل يأثم من نسي ما حفظه من القرآن بسبب ضعف ذاكرته؟

هل يأثم من نسي ما حفظه من القرآن بسبب ضعف ذاكرته؟

السؤال:

ما حكم من حفِظ شيئًا من القرآن الكريم، أو الأسماء الحسنى، ثم نسيها، أو نسي بعضًا منها بسبب ذاكرته الضعيفة، هل سيعذبه الله على ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا ينبغي للمسلم أن يقول ” نسيتُ ” فيما ضاع من ذاكرته في حفظه للقرآن، بل يقول: ” أُنسيتُ ” أو ” نُسِّيت “.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( بِئْسَمَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا ). رواه البخاري ( 4744) ومسلم ( 790 ).

وفي لفظ لمسلم: ( لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ ).

 

وهو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ( رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا ).

رواه البخاري ( 4751) ومسلم ( 788 ).

 

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

قوله في آخر الحديث: ( بل هو نُسِّي )، وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر، والتشديد لغيره، ولكل منهما وجهٌ صحيح، فعلى التشديد يكون معناه: أنه عوقب بتكثير النسيان عليه؛ لما تمادى في التفريط، وعلى التخفيف يكون معناه: تُرِك غير مُلْتَفَتٍ إليه، ولا مُعْتَنىً به، ولا مرحوم، كما قال الله تعالى: ( نسوا الله فنسيهم )؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة . ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 419 ).

 

 

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في حكم نسيان القرآن ممن كان حفظه، وقد ذهب طائفة من الشافعية إلى أنه من الكبائر! وقال بعضهم إنه من الذنوب.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن نسيان القرآن من الذنوب. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 423 ).

* وقال الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله -:

( ونسيانه كبيرة ), وكذا نسيان شيء منه؛ لخبر ( عُرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها )، وخبر ( من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة أجذم ) رواهما أبو داود ) ا.هـ.

* وفي حاشية ” الرملي ” عليه:

قوله: ( ونسيانه كبيرة ) موضعه إذا كان نسيانه تهاونًا وتكاسلًا.

” أسنى المطالب ” ( 1 / 64 ).

 

والصحيح: أنه ليس ذنبًا، فضلًا أن يكون كبيرة، ولكنه مصيبة، أو عقوبة، والغالب أن يكون هذا بسبب إعراضه عن العمل به، وعدم تعاهده، وقد أمِر بكلا الأمرين، فلما لم يستجب للأمر عوقب بما فيه سلب لخيرٍ عظيم، وقد يكون نسيانه له بسبب معاصٍ وذنوب، فيأثم عليها، ويعاقب بسلب القرآن منه، وأما إن كان نسيانه لما حفِظَ بسبب ضعفٍ في ذاكرته: فلا شيء عليه، لكن عليه المداومة على تنشيطها بكثرة القراءة، وبالقيام بما يحفظ؛ فإنه من أعظم السبل للبقاء على ما يحفظ.

  1. من قال إنه مصيبة:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفًا قال: ” ما مِن أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم )، ونسيان القرآن من أعظم المصائب. ” فتح الباري ” ( 9 / 86 ).

  1. من قال إنه عقوبة:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -: مَن جمع القرآن: فقد علت رتبته، ومرتبته، وشرف في نفسه، وقومه شرفًا عظيمًا، وكيف لا يكون ذلك و ” من حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه ” – قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وانظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5118 ) -، وقد صار ممن يقال فيه: ” هو مِن أهلِ الله تعالى وخاصته ” – رواه ابن ماجه ( 215) وهو صحيح -، وإذا كان كذلك: فمِن المناسب تغليظ العقوبة على من أخلَّ بمزيته الدينية، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره، كما قال تعالى : ( يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين )؛ لاسيما إذا كان ذلك الذنب مما يحط تلك المزية ويسقطها؛ لترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة . ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 419 ).

وبكل حال : فهي مصيبة أو عقوبة، لكن لا نجزم بالإثم لمجرد النسيان.

 

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

فلا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته، ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه وردًا يوميّا يساعده على ضبطه، ويحول دون نسيانه؛ رجاء الأجر، والاستفادة من أحكامه، عقيدة، وعملًا، ولكن مَن حفظ شيئا مِن القرآن ثم نسيه عن شغل، أو غفلة: ليس بآثم، وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 99 ).

 

والظاهر أن من قال إن نسيان القرآن من الذنوب، أو الكبائر: قد استدل بحديثين وردا في ذلك – كما نقلناه عن زكريا الأنصاري -، لكن كلا الحديثين لا يصحان، فلا يصلح الاستدلال بهما.

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا ).

رواه الترمذي ( 2916 ) وضعفه، ونقل عن البخاري استغرابه منه، وأبو داود ( 461)، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “.

  1. عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ ).

رواه أبو داود ( 1474 ) وضعفه الألباني في ” ضعيف أبي داود “.

والظاهر أن من قال إن النسيان كبيرة، أو أنه ذنب: لم يرِد ما يكون بسبب ضعف الذاكرة، بل ما كان النسيان بسبب التهاون، والكسل، كما صرَّح به الرملي الشافعي.

 

* سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله -:

نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبون بسبب نسيان ما حفظوه؟.

فأجاب:

نسيان القرآن له سببان:

الأول: ما تقتضيه الطبيعة.

والثاني: الإعراض عن القرآن، وعدم المبالاة به.

فالأول: لا يأثم به الإنسان، ولا يعاقب عليه، فقد وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى بالناس، ونسي آية، فلما انصرف ذكَّره بها أبيّ بن كعب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلا كنت ذكرتنيها )، وسمع رسول الله قارئاً يقرأ، فقال: (يرحم الله فلانا فقد ذكرني آية كنت أنسيتها).

 

وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة: ليس فيه لوم على الإنسان.

 

أما ما سببه الإعراض، وعدم المبالاة: فهذا قد يأثم به، وبعض الناس يكيد له الشيطان، ويوسوس له أن لا يحفظ القرآن لئلا ينساه ويقع في الإثم! والله سبحانه وتعالى يقول: ( فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) النساء/ 76، فليحفظ الإنسان القرآن؛ لأنه خير، وليؤمل عدم النسيان، والله سبحانه عند ظن عبده به.

” كتاب العلم ” ( 96 ، 97 ).

 

وما سبق من الجواب هو في ” نسيان القرآن “، ولم نجد شيئا من كلام العلماء في ” نسيان أسماء الله الحسنى “، وليسا سواءً.

 

والله أعلم.

حكم التدخين عن طريق ” الأرجيلة ” – الشيشة – وبيان مضار ذلك

حكم التدخين عن طريق ” الأرجيلة ” – الشيشة – وبيان مضار ذلك

السؤال:

هل الشيشة حرام؟ وماذا لو أن الشخص لم يستخدم أي نوع من أنواع التبغ، وإنما يستخدم ماء الورد، فهل ما تزال حراماً كذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما لا شك فيه أن ” الدخان ” من أخبث السموم التي تكالب كثير من الناس على تناوله، غير عابئين بما يسببه من الأمراض، والتي تؤدي إلى موت كثيرين منهم، وقد ذكرت ” منظمة الصحة العالمية ” في تقريرها لعام 2008 م: أنّ تعاطى ” التبغ ” يقتل بالفعل 5.4 مليون نسمة سنويًّا!، أي: بمعدل 14.000 شخصًا تقريبًا كل يوم!، وأنه ما لم تتخذ إجراءات عاجلة: فإن التبغ سيقتل 10 مليون شخص سنويًّا بحلول عام 2020 م!

 

ثانيًا:

و ” التبغ ” – ومثله ” الجراك ” و ” المعسِّل ” – الذي يدخَّن عن طريق ” الشيشة ” – الأرجيلة – لا يختلف عن تبغ السجائر العادية الملفوفة بالورق، بل فيه من السوء ما ليس في السجائر.

* وجاء في موقع ” جمعية مكافحة التدخين ” في البحرين ما نصه:

مكونات الشيشة:

لا تختلف هذه المكونات عن مكونات تبغ السجائر، ودخانها, حيث أن بها ما لا يقل عن 4000 مادة سامَّة, أهمها: النيكوتين، وغاز أول أكسيد الكربون، والقطران، والمعادن الثقيلة، والمواد المشعة، والمسرطنة، والمواد الكيميائية الزراعية، ومبيدات الحشرات، وغيرها الكثير من المواد السامَّة.

تدَّعي بعض شركات إنتاج التبغ إزالة كل أو معظم مادة القطران من تبغ الشيشة, كما أنه يضاف إلى تبغ الشيشة العديد من المواد المنكهة مجهولة التركيب, ونجهل مقدار ضررها.

ما يقال عن التدخين عن طريق الشيشة – أو النارجيلة – باستخدام التبغ، أو الجراك، أو المعسِّل بأنه خالي من الخطر: غير صحيح البتة، فقد أثبتت أحد الدراسات على مدى أربع سنوات في المملكة العربية السعودية بأن المعسِّل هو عبارة عن تبغ خالص, مع كميات كبيرة من الأصباغ، والألوان، والنكهات التي تخلط من غير أي رقابة صحية، وثبت أنها تسبب مختلف الأمراض والسرطانات.

ويحتوي ” الجراك ” على 15 % من التبغ الذي يخلط ببعض العسل، والفواكه، والمضافات الكيمائية التي تطبخ، وتخمَّر. انتهى.

http://www.antismokingbh.org/fact8.asp

ثالثًا:

ويعتقد بعض السذَّج من الناس أن تناول هذه النبتة عن طريق ” الأرجيلة ” – الشيشة – حلال! لأن الدخان يمرُّ عبر ماء الأرجيلة! وهذا بعيد جدًّا عن الصواب، وأما أهل الخبرة فيقولون:

  1. تدخين رأس واحد للأرجيلة يعادل تدخين عشرة سجائر على الأقل.
  2. الاحتراق الجزئي للمعسِّل يزيد من المواد السامة في الأرجيلة.
  3. استعمال الأرجيلة من قبل أشخاص متعددين يزيد من انتقال الأمراض المعدية بينهم.
  4. الماء لا يُفلتر المواد السامة والمسرطنة التي يحتويها تبغ الأرجيلة.

* وجاء في موقع ” جمعية مكافحة التدخين ” في البحرين ما نصه:

هناك اعتقاد لدى الكثيرين بأن تدخين ” الشيشة ” أقل ضررًا من السيجارة, وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن مرور الدخان من خلال الماء الموجود في الشيشة يعمل على ترشيح الدخان من المواد الضارة وبالتالي تقليل الضرر الناجم عن تدخين الشيشة، وقد تبيَّن خطأ هذا الاعتقاد من خلال تحليل الدخان الخارج من فم مدخن الشيشة على أنه يحتوي على نفس المواد الضارة، والمسرطنة الموجودة في دخان ” السجائر “، كما أثبتت الدراسات أن التدخين بالشيشة:

  1. يسبِّب الإدمان.
  2. يقلل من كفاءة أداء الرئتين لوظائفهما, ويسبب انتفاخ الرئة ” الإنفزيما “، والالتهاب الشعبي المزمن، وهذا المرض يحد من قدرة الإنسان على بذل أي مجهود كلما تفاقم.
  3. يؤدي إلى حدوث سرطانات الرئة، والفم، والمريء، والمعدة.
  4. يؤدي إلى ارتفاع تركيز غاز أول أكسيد الكربون في الدم.
  5. يؤدي إلى تناقص الخصوبة عند الذكور، والإناث.
  6. يساعد على ازدياد نسبة انتشار ” التدرن الرئوي ” عند مستخدمي الشيشة.
  7. عند النساء المدخنات للشيشة أثناء الحمل يؤدي إلى تناقص وزن الجنين, كما يعرض الأجنَّة إلى أمراض تنفسيَّة مستقبلًا، أو إلى حدوث الموت السريري المفاجئ بعد الولادة.
  8. انبعاث الروائح الكريهة مع النفَس، ومن الثياب، كذلك من التأثيرات الأخرى، كبحة الصوت, واحتقان العينين, وظهور تجاعيد الجلد، والوجه خصوصًا في وقت مبكر.
  9. هذا علاوة على كون تدخين الشيشة يعتبر أحد أهم ملوثات الهواء في غرف المنازل، وقريبًا من المقاهي حيث يوجد عدد كبير من المدخنين. انتهى من الرابط السابق.

ولذا كان تحريم استعمال التدخين عن طريق الأرجيلة – الشيشة – هو المتعيّن.

* سئل الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

عن الفرق بين شرب الدخان بورقه الملفوف، وشرب الجراك في الشيشة … إلخ؟.

فأجاب:

والدخان خبيث – بلا شك -؛ ولما فيه من الإخلال بالصحة، وإضاعة المال المنهي عنها.

إذا ثبت هذا: فلا فرق بين شربه في أوراقه المعدة له، وفي غيرها، كالشيشة الخبيثة، وسواء كان ورق الدخان المشروب خالصُا، أو مخلوطًا بغيره كالجراك: فإنه مخلوط بالدخان الخبيث، والأسماء لا تغير الحقائق، وإذا خلط الشيء المحرم بغيره: فتحريمه باق بحاله، وفي الحديث: ( يأتي في آخر الزمان أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها ) – رواه أحمد، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” ( 414 ) -.

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 12 / 90 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

الشيشة، والنرجيلة، والدخان: من الخبائث، وهي محرمة؛ لما فيها من الأضرار على البدن، والمال، قال الله تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ )، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا ضرر ولا ضرار )، فلا يجوز استعمال هذه الأمور، ولا بيعها، ولا ترويجها.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 351 ).

رابعًا:

وأما سؤالك عن استعمال الشيشة من غير وضع ” تبغ ” بل ” ماء ورد ” فقط: فهو ما لا نعرفه، ولا نتخيل وجوده، فما هي المادة المحترقة؟ وماذا ستستنشق؟ والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فنرجو توضيح الأمر في مرة قادمة.

 

والله أعلم.

حكم إنشاء الجمعيات الخيرية، ونصائح في التعامل مع أصحاب الأموال

حكم إنشاء الجمعيات الخيرية، ونصائح في التعامل مع أصحاب الأموال

السؤال:

نسأل عن حكم الجمعيات الخيرية، وما الضوابط التي تنصح بها السلفي في حالة التعاون معها – إن كان جائزًا – ومع أصحاب الأموال من عوام الناس الذين يحبون دعوتنا، ولا يعرفون تفاصيلها؛ لأنهم يثقون في إخواننا السلفيين بإعطائهم الأموال، وتوزيعها في أماكنها، وجزاكم الله خيرًا، وصلكم الله بهداه، ووفقكم لرضاه، وأعانكم على تقواه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إقامة الجمعيات الخيرية الإسلامية يعدُّ من الأعمال الجليلة للأشخاص القائمين على تأسيسها، ونرجو لهم تحصيل الأجور العظيمة بسبب إنشاء تلك الجمعيات؛ لما لها من نفع متعدٍّ للمسلمين، بل لضعفائهم، وفقرائهم، وإن إعانة هؤلاء، وتفريج كرباتهم: لهو من الأعمال الجليلة في شرع الله تعالى؛ لما لها من أجور جزيلة، ومن هذه الأعمال التي تقوم بها الجمعيات، ولها تلك الأجور:

  1. كفالة الأيتام.

عَنْ سَهْل بنِ سَعْد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا – وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا – ).

رواه البخاري ( 4998 ). ومسلم ( 2983 ) من حديث أبي هريرة بلفظ قريب.

 

  1. السعي على الأرامل.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ ).

رواه البخاري ( 5038 ) ومسلم ( 2982 ).

 

  1. بناء المساجد.

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ).

رواه البخاري ( 439 ) ومسلم ( 533 ).

 

 

 

  1. قضاء الديون.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ). رواه مسلم ( 2699 ).

 

  1. تزويج العزاب.

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ ). رواه البخاري ( 2442 ) ومسلم ( 2580 ).

 

  1. تفطير الصائمين.

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ). رواه الترمذي (807) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وابن ماجه (1746)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ويشمل ما سبق – وثمة كثير لم نذكره – وغيره من أعمال الجمعيات الخيرية: هذا الحديث المبارك، والذي هو نصٌّ في فضل الطاعات المتعدية:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ, وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ, أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً, أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا, أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا, وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ – يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ – شَهْرًا, وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ, وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ ). رواه الطبراني ( 12 / 453 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 955 ) .

وعليه:

فمن كان من الجمعيات الخيرية قائمًا على مثل هذه المشاريع النافعة: فإنه يُعان، ويشجع عليها؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) المائدة/ من الآية 2.

 

 

ثانيًا:

وليست الجمعيات الخيرية كلها سواء من حيث المنهج، والاعتقاد، بل منها ما هو حزبي جلد، تتعصب لحزبها، ومنها ما يتبنى أفرادها اعتقادًا فاسدًا، كالأشعرية، والتصوف.

والموقف من الأولى يختلف عنه من الثانية، ففي حال كانت الجمعية حزبية – والحزب في إطاره العام من أهل السنَّة -: فإنها تُعان على ما فيه خدمة للإسلام، ولا تعان على ما في نشاط لحزبها، وجماعتها، وأما الجمعيات التي يقوم عليها أصحاب اعتقاد فاسد: فينبغي هجرها، وأن يقوم أهل السنَّة بإنشاء جمعية مستقلة خاصة بهم.

 

ثالثًا:

والموقف من أصحاب الأموال ينبغي أن يكون حكيمًا، وإذا كانوا من أهل الدنيا، وليسوا أفرادًا منكم: فإننا ننصح في التعامل معهم:

  1. أن لا يكون التقرب منهم طمعًا في أموالهم، بل طمعاً في هدايتهم، وهم لو هداهم الله، واقتنعوا بالمنهج السلفي، واعتقدوا عقيدة أهل السنَّة والجماعة: فإن ذلك كافٍ ليقوموا بنصرته، بأموالهم، وجاههم.

 

  1. أن تجعلوا بعضهم أعضاء في مجلس إدارة الجمعية؛ فإن من شأن هذا أن يُكسبكم ثقتهم، وفي الوقت نفسه يقربهم من الاعتقاد الصحيح، والمنهج السليم.

 

  1. أن تتعاهدوهم بالعناية، والرعاية، وذلك بتقديمهم في احتفالات الجمعية، ونشاطاتها العامة، فمثل هذه النفوس مجبولة على حب التقديم، وهذا ما يفعله أهل الدنيا معهم، فأنتم أولى بهذه المداراة، وليس في ذلك مخالفة لشرع الله.

وفي فتح مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ). رواه مسلم ( 1780 ).

* قال الدكتور علي الصلابي – حفظه الله -:

ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيئٌ يُشبع ما تتطلع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيت له على الإسلام، وتقوية لإيمانه، وكان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملًا على امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان، وبرهن له بأن المكانة التي كانت له عند قريش: لن تنتقص شيئًا في الإسلام، إن هو أخلص له، وبذل في سبيله، وهذا منهج نبوي كريم، على العلماء، والدعاة إلى الله أن يستوعبوه، ويعملوا به في تعاملهم مع الناس. ” السيرة النبوية، عرض وقائع، وتحليل أحداث ” ( ص 756 ).

 

 

  1. إيقافهم بأنفسهم على حالات محتاجة؛ وذلك حتى يطمئنوا أن أموالهم تذهب في طريقها الصحيح، وحتى يكون هذا دافعاً لهم لاستقرار البذل، واستمراره، بل زيادته.

 

  1. تقديم شهادات ثناء باسم الجمعية، أو هدايا رمزية، ويفضل أن يكون ذلك كل عام؛ حتى يستمر عطاؤهم، وتقوى قلوبهم على البذل، وفي شرعنا أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لكل من يأتي بزكاته، فقال تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) التوبة/ 103، وهو ما طبَّقه صلى الله عليه وسلم عمليًّا.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ ) فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ). رواه البخاري ( 1427 ) ومسلم ( 1078 ).

 

هذا ما ننصحكم به في التعامل مع أصحاب المال، والجاه، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

 

والله أعلم.

 

مرضت ورفضت زوجة ابنها أن تخدمها وطلبت أن تسكن خارجا عن أهله

مرضت ورفضت زوجة ابنها أن تخدمها وطلبت أن تسكن خارجا عن أهله

السؤال:

أتوجه إليكم بالسؤال التالي، طالبًا من فضيلتكم التكرم بالرد عليه بما فتح الله عليكم من العِلم، راجيًا من الخالق جلَّ وعلا أن يجزل لكم الثواب: أنا أم لولدين، تزوَّج الأول، وسكن في شقة، وبقيتُ مع زوجي وولدي الثاني في الشقة المجاورة، وتزوج ولدي الثاني في نفس الشقة التي نسكن فيها، بابنة عمته – شقيقة زوجي -، وكانت علاقتي بالبنت، وبأمها، علاقة قويَّة جدًّا، وبعد الزواج بفترة قصيرة: أُصبت بانزلاق غضروفي في العمود الفقري، الأمر الذي منعني من القيام بأي عمل مهما كان بسيطًا، وبعد مكوثنا مع ولدي وزوجته بسنتين تقريبًا: فوجئت بأن زوجة ولدي تركت البيت، وذهبت إلى بيت أهلها، وتطالب ببيت مستقل لها، ولزوجها، بدون أي سبب يستدعي ذلك، خاصة وأنه لا يوجد لدي سوى ولديّ المذكوريْن، وليس لديَّ بنات، وأنا غير قادرة على رعاية نفسي وزوجي، ولم يصدر منِّي تجاهها أي شيْ يستدعي غضبها، بل كنت أعاملها كابنتي، كما أني غير قادرة على فراق أولادي، ولا أتحمل غيابهم عني ولو ليوم واحد، وحاولنا معها ومع أهلها لإصلاح الأمر والعودة إلى ما كنَّا عليه، لكننا قوبلنا بالإصرار الشديد من الجميع على أن تخرج هي وولدي في بيت آخر، وأنها لا تستطيع البقاء معنا، ورعايتنا، وبالإمكان – كوضع مؤقت – أن نظل معها شهرًا أنا وزوجي، ثم نعيش مع ولدي الأكبر شهرًا، وهكذا بالتناوب، مع العلم أن زوجة ولدي الأكبر موظفة، وعندها ثلاثة أبناء، بينما الأخرى ليست موظفة، وليس لديها أبناء، وكانت تقضي معظم وقتها – صباحًا مساءً – في بيت أهلها؛ لقربه من منزلنا، وكنا نتحمل تقصيرها في رعايتها لنا، وإهمالها لنا، ولم نُظهر شيئًا سوى الرضى، والحب، وكنَّا نُخفي ذلك عن ولدي؛ خشية المشاكل، وقد شكل هذا التصرف منها ومن أهلها صدمة عنيفة لنا؛ لأنه غير مبرر، ولأن العلاقة بيننا كانت قويَّة جدًّا، ولأنني غير قادرة على فراق ابني: تركتُ لها البيت أنا وزوجي، وسكنَّا مع ولدي الأكبر في الشقة الأخرى، وخرجتُ من بيتي وأنا منهارة، وأبكي بكاءً شديدًا، وبأعلى صوتي؛ لأني لم أكن متوقعة أنني سأتعرض في حياتي لمثل هذا الموقف، وبعدها وافق أبوها على إعادتها إلى البيت بعد خروجنا منه، بشرط: أن لا يدخل منَّا أحدٌ عند ابنته، وبعد فترة: أظهرت هي وأهلها استياءهم لعدم دخولنا عندهم – وذلك حرجاً من الناس فقط – ولكنني بعد ما حدث لم أستطع الدخول، لا عندها، ولا عند أهلها، وتحوَّل حبِّي لها ولأمها إلى كرهٍ، وأدعوا عليهما، ولي على هذا الحال حوالي عشرة أشهر، وفي المقابل: هناك قطيعة من قبَلهم، والتواصل بيننا عدمٌ، وأنا في حالة قلق، وخوف من الحرام؛ بسبب هذه القطيعة، ومما أجده في نفسي، من كرهٍ لم أستطع التغلب عليه.

لذا أفيدونا – جزاكم الله عنا خير الجزاء – بما يتوجب علينا عمله؛ وقاية من الوقوع في الحرام، واتقاءً لغضب الله تعالى.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلمي – أختنا السائلة – أنه من حق زوجة ابنك أن يكون لها مسكن مستقل، يحتوي على ضرورات المسكن، من غرفة نوم، ومطبخ، وحمّام، ويختلف الأمر سعة وضيقًا باختلاف قدرة الزوج، وحال الزوجة، وهذا من حقوق الزوجة التي يصح لها التنازل عنه لتسكن مع أهله – بشرط أن تكون البيئة شرعية -، وللزوجة أن ترجع عن موافقتها لتطالب زوجها بسكنها الخاص.

 

ثانيًا:

ومما يجب عليك علمه – أختنا السائلة – أن زوجات أبنائك لا يجب عليهن خدمتكِ أنتِ وزوجكِ، إلا أن يكون ذلك بطيب نفسٍ منهنَّ، وليس من حق الزوج على زوجته خدمة أمِّه وأبيه، ولا على مثل هذا تمَّ العقد الشرعي بينهما، بل الواجب عليها خدمة زوجها، والعناية بأولادها، وأما تكليف الزوجات بالعناية بأهل الزوج، والرعاية لهم: فهذا مما لا توجبه الشريعة على إحداهنَّ، إلا أن تتبرع واحدة منهنَّ عن طيب نفسٍ منها؛ احتسابًا للأجر الأخروي، وإرضاء لزوجها، فالبحث عما يُرضي الزوج من الأعمال المباحة وفعله من قبَل الزوجة: مما يدل على رجاحة عقلها، ومتانة دينها، ومن لا تفعل: فلا حرج عليها.

 

ثالثًا:

والواجب على زوجك أن يقوم بما يخفف عنك عبء المرض، والخدمة، وكذا أبناؤك؛ وذلك بالتعاقد مع امرأة تقوم على خدمتك، والعناية بك، في أوقات تحتاجين وجودها بجانبك، مع أخذ الاحتياط في عدم الخلوة مع زوجك، وأبنائك، وقطع النظر المحرَّم بينهم جميعًا.

وليس لك أن تحملي في قلبك على زوجات أبنائك، فهم لم يرتكبوا فعلًا محرَّمَا بامتناعهن عن خدمتك، والسكن معك، ولا ينبغي أن تحملي في قلبك على أهل زوجة ابنك لوقوفهم مع ابنتهم، فما فعلوه ليس أمرًا منكرًا، ولعلك تفعلين الفعل نفسه لو أنه كان لك ابنة متزوجة من رجل يجعلها تخدم أهل زوجها.

 

وبكل حال: فنحن ننصح زوجات أبنائك برعايتك، والعناية بك، وهو أمر لو فعلوه لأجروا عليه جرًا عظيمًا، والترتيب الذي اتُّفق عليه بالمكث شهرًا عند كل واحدة منهما: أمر جيد، وهو يخفف العبء على كل واحدة، ويقسِّم الجهود عليهما، بدلًا من أن تتحمله واحدة.

 

ونسأل الله أن يشفيك، ويعافيك، ويكتب لك أجر الصبر على المرض، واحتساب الأجر عند الله تعالى، ونوصيك بتصفية قلبك على زوجات أبنائك، وعلى أهاليهن.

 

والله أعلم.

 

 

يريد معاونة في ” الإعجاز العلمي ” في القرآن ليستعمله في دعوة الكفار

يريد معاونة في ” الإعجاز العلمي ” في القرآن ليستعمله في دعوة الكفار

السؤال:

أنا مؤمن – بلا شك – أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الذي كان أُنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ( إنّا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون ).

أقول ذلك لأن عندي بعض الأصدقاء الكفرة، وأود أن أتكلم معهم في ” فضائل الإسلام “، على أمل أن يسلموا، وإن أحد الأمور المهمة التي أريد طرحها لهم عن الإسلام هي عن معجزات القرآن الكريم, مثل أن أقول لهم: إن القرآن الكريم الذي بين أيدنا هو نفسه الذي كان قبل 1429 سنة, فأقول لهم: إن القرآن الكريم يُثبت أنه لا يوجد تشابه بين بصمتين لأصبعين في العالم, وأقول لهم أيضا الكثير من العلوم الحديثة التي تم اكتشافها، مثل كروية الأرض ، أنه قد أثبتها القرآن الكريم ,  والكثير من المعجزات.

فكيف لي أن أُثبت أصالة القرآن الكريم لأنني أشعر أن أحدهم سيجادل ويقول: إن أحدًا ما قد أدخل على القرآن مثل تلك الحقائق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لك أخي السائل حرصك على الخير، وعلى هداية الناس لهذا الدين العظيم، ونبشرك أن ما تفعله هو من أجلِّ العبادات، والطاعات، وهو مما يميز هذه الأمة الخيِّرة، أن جعلها الله تعالى آمرة بالمعروف، وناهية عن المنكر، قال تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) آل عمران/ 110.

فاستمر – بارك الله فيك – على نشر الخير في الأرض، وابذل ما تستطيع من جهد لهداية من ضل عن الطريق.

 

وفي الوقت نفسه ننبهك إلى ضرورة طلب العلم، والسعي في تحصيله؛ لأن ما تقوم به هو من مهمات الأنبياء، ولا بدَّ لمن قام بهذا الجهد أن يكون على دراية بما يتكلم به، وخاصة أنك تتكلم في شرع الله، وهو ما ينبغي التأني فيه حتى تتقن العلوم الشرعية، وخاصة المتعلقة بموضوع الدعوة، وهو المسائل العلمية في الإعجاز القرآني.

 

ثانيا:

ونحب أن ننبهك – والمسلمين جميعًا – في سياق الكلام عن ” الإعجاز العلمي ” في القرآن الكريم إلى أمور، نرجو أن يكون فيها فائدة:

  1. القرآن الكريم كتاب هداية، احتوى على ما يُصلح حال الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، وهو ليس كتاب ” كيمياء “، أو ” جيولوجيا “، أو ” طب “، وما فيه من إشارات لعلوم الطبيعة لا ننكرها، لكن لا نعطيها أكبر من حجمها.

وإعجاز القرآن في أصله هو إعجاز لغوي، بياني، ومن هنا فقد تحداهم النبي صلى الله عليهم بالإتيان بمثله، فعجزوا، مع أنهم أهل فصاحة، وبيان.

  1. ينبغي التفريق بين ” النظريات ” و ” الحقائق ” في هذا الباب، فكثيرًا ما يُخلط بينهما، فتُجعل النظريات حقائق ثابتة، فتفهم الآيات من القرآن من خلالها، ثم سرعان ما تُنقض بنظرية أخرى! فيقع في قلب المسلم من الشك والريب ما يكون سببه جهل من تكلم في هذا العلم، وخلط بين الأمور.

كما أنه توجد حقائق لا شك فيها، فترد لظاهر يفهمه المسلم خطأ، فينبغي التنبه للفرق بين الأمرين، وعدم الخلط بينهما.

* وقد ذكر العلماء أن كتاب الله تعالى يفسَّر على وجوه:

أ. تفسير القرآن بالقرآن.

ب. تفسير القرآن بالسنَّة.

ج. تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.

د. تفسير القرآن بلغة العرب.

ومن العلماء من أضاف وجهاً خامسًا، وهو قول التابعي.

ولا مكان للنظريات الحديثة لتزاحم تلك الوجوه، بل – وللأسف – وُجد من قدَّمها على الوجه الأول! اغترارًا بما اكتشفه ” مختبر “، أو قاله ” عالِم ” كافر مخصص.

* قال الشيخ صالح الفوزان – رحمه الله -:

أما تفسير القرآن بغير هذه الوجوه: فلا يجوز؛ لأنه قول على الله بلا علم، فالذين يفسِّرون القرآن بالنظريّات الحديثة – أو ما يسمُّونه بالعلم الحديث -: فهذا خطأ، وهذا قول على الله بلا علم، فالنظريّات هذه: عمل بشر، تصدَّق، وتكذَّب، وكثير منها يكذب، ويأتي نظرية أخرى تبطل هذه النظرية السابقة، مثل: ما عند الأطباء، ومثل: ما عند الفلاسفة؛ لأنه عمل بشر، فالنظريّات الحديثة لا يفسَّر بها كلام رب العالمين، ولا يقال: هذا من الإعجاز العلمي – كما يسمونه – ، هذا ليس بإعجاز علمي أبدًا، كلام الله يُصان عن نظريّات البشر، وعن أقوال البشر؛ لأن هذه النظريّات تضطرب، ويكذب بعضها بعضًا، فهل يفسَّر كلام ربنا بنظريّات مضطّربة؟، هذا باطل، ولا يجوز، ويجب رفض هذا التفسير، والاقتصار على الوجوه الأربعة – أو الخمسة – التي نصّ عليها أهل العلم، كما ذكرها ابن كثير رحمه الله، في أول ” التفسير “.

” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ” ( ص 317 ).

  1. وللأخذ بما يقوله بعض العلماء المعاصرين بما تدل عليه بعض الآيات القرآنية من أوجه الإعجاز العلمي ينبغي مراعاة أمور:

أ. عدم الجزم بالنظريات على أنها حقائق علمية لا تقبل المناقشة.

ب. عدم الجزم بأن ما يقولونه هو تفسير للآية القرآنية، ولا هو بالمرجح بين الأقوال المختلفة فيها.

ج. يجب مطابقة المعنى المذكور للغة العربية؛ لأنها لغة القرآن.

د. أن يكون المتكلم في دلالة الآية من أصحاب العلم الشرعي.

هـ. أن لا يخالف المعنى المذكور آية، أو حديثًا صحيحًا، أو إجماعًا.

و. الابتعاد عن التكلف في الاستنباط من الآية القرآنية.

انظر ” التفسير العلمي للقرآن بين المجيزين والمانعين ” للشيخ محمد الأمين ولد الشيخ.

والقول بدلالة الآيات على بعض مسائل مكتشفة حديثًا لا مانع منه إذا كان الأمر  منضبطًا بتلك الضوابط، وقولهم في الآية لا يختلف عما يقوله غيرهم من دلالة الآية على مسألة فقهية، أو عقيدية، أو سلوكية، أو إدارية، وهي قابلة للنقاش، والرد، وكثيرًا ما استدل أرباب المذاهب الفقهية وأهل الانحراف والزيغ بآيات قرآنية تقوية لما يقولونه، ثم يقوم أهل العلم بالرد عليهم، وبيان خلل فهمهم للآية.

ومن هنا رأينا مناقشات عديدة للعلماء المعاصرين مع المستدلين بآيات من القرآن على معانٍ ومسائل في العلوم الحديثة، وليس كل ما يقال يُقبل، ولا كل من يرد يصيب، ولذا رأينا من يعرض أبحاثه فيما يسمى ” الإعجاز العلمي ” يُناقش في المؤتمرات من قبَل أهل الاختصاص، ويرد عليه في كتب، وأبحاث، فيحذف أشياء، ويثبت على بعضها، ويتوقف في ثالثة، وهكذا، وكل هذا يؤكد ما ذكرناه سابقًا، وهو أن هذا الأمر كله لا يعدو أن يكون اجتهادًا بشريًّا قابل للتخطئة.

والذي لا نقره من بعض المتكلمين في ” الإعجًاز العلمي ” هو سخريتهم من تفسير السلف، وتجاهلهم له، وقطع الصلة بينهم بمثل هذه النظريات!، وكذا عدم الالتفات إلى اللغة العربية لتكون معيناً لهم لفهم الآية على وجهها، مما أدى بهم إلى اختراع أقوال في الآيات مما لا أصل له في الشرع، فمثل هذا يرد من غير تردد.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الشرع في التفاسير التي تسمى بـ ” التفاسير العلمية “؟ وما مدى مشروعية ربط آيات القرآن ببعض الأمور العلمية التجريبية؟ فقد كثر الجدل حول هذه المسائل.

فأجابوا:

إذا كانت من جنس التفاسير التي تفسر قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) بأن الأرض كانت متصلة بالشمس وجزءًا منها، ومن شدة دوران الشمس انفصلت عنها الأرض، ثم برد سطحها، وبقي جوفها حارًّا، وصارت من الكواكب التي تدور حول الشمس، إذا كانت التفاسير من هذا النوع : فلا ينبغي التعويل، ولا الاعتماد عليها.

وكذلك التفاسير التي يستدل مؤلفوها بقوله تعالى: ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) على دوران الأرض، وذلك أن هذه التفاسير تحرِّف الكلم عن مواضعه، وتخضع القرآن الكريم لما يسمونه نظريات علمية، وإنما هي ظنيات، أو وهميات، وخيالات، وهكذا جميع التفاسير التي تعتمد على آراء جديدة ليس لها أصل في الكتاب، والسنَّة، ولا في كلام سلف الأمة؛ لما فيها من القول على الله بغير علم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 180، 181 ).

ثالثًا:

وللاطلاع على موقع متخصص في الأمور العلملية التجريبية تلك: انظر:

http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show&select_page=2

ومن الطبيعي أننا لا نقر كل ما في الموقع؛ لأن الأمر يحتاج لتتبع، وطول كتابة، ولكن لأن القائمين عليه هم من أهل الاختصاص: فلعل ما فيه من الصواب ينفعك فيما طلبت.

رابعًا:

وأما قولك في احتمال أن يزعم زاعم أنه ثمة من وضع هذه الأشياء في القرآن: فهو احتمال بعيد؛ لأن وجود هذا الاحتمال مرفوض حتى عند أعداء الدين، وهم يعلمون قطعًا أن ما تلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وما تلاه النبي على أصحابه: هو الذي بين أيدينا الآن، ليس فيه حرف زائد، ولا ناقص، فلو أدخل أحد حرفًا فيه: لانكشف أمره، وافتُضح، وقد تكفل الله تعالى بحفظه، ولا نظن أنك قصدت أن أحدًا من المتقدمين قد يكون هو الذي وضع مثل هذه الزيادات في القرآن؛ فبالإضافة لما ذكرناه من حفظ الله له من التحريف: فقد كان المتقدمون في غفلة وبُعد عن العلم التجريبي هذا، وعن اكتشافه بالأدوات والآلات المخترعة حديثًا.

 

والله أعلم.