الرئيسية بلوق الصفحة 5

كيف ينظر الدكتاتور إلى الناس ( بشار والقذافي مثالا )

تسجيلات بشار ولونة
ذات دلالة حقيقية كيف ينظر الدكتاتور إلى الناس : احتقار ، عبيد ، أنذال ، هو الرب الأعلى ، هو الذي يفهم ، وهو الذي يقرر ما هو صواب وما هو خطأ ، إنه حذام التي اذا قالت فعليهم أن يصدقوها . بشار وأمثاله يعيشون حالة مرضية أنه هو إله على الأرض يفرض ويقرر ويحرم ويحلل . انه الذي يسخر من بنائهم المساجد وكان عليهم أن يلتهوا بالطعام . ان بناء المساجد دلالة غير مريحة له لأن المسجد إشارة إلى عقيدة وتوحيد وفكر وانتماء وسجود لله وحده .
هذا الإله المسمى بشار يحتقر حيا” بسكانه الطيبين ، حتى الدمار الذي صنعه زبانيته لايلفت نظره ولا يعني له شيئا” .
الدكتاتور شخص مريض ينظر إلى الناس باحتقار ظنا” منه أن كل الناس حقيرون مثل عبيده الذين يركعون ويقبلون ويذلون .
ذهب الطاغية وبقيت أرواح من قضوا تلعنه ، وأولادهم يلعنونه ويلعنون روح أبيه الذي زرع فيه ألوهية مزعومة لم تمكنه الا من الفرار والاختفاء كالفئران ، وتبين له أن كلام زميله في الديكتاتورية قذافي ( من أنتم ) نابع من صدمة يقظة الضحية التي قالت للقذافي لا ثم قبضت عليه في المجاري .

وشهد شاهد من أهلها (٤ ): خالد مشعل يوقع على محضر “الكارثة”

خالد مشعل يوقع على محضر “الكارثة”
الحمد لله
تنبيهات:
١. هذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة “#وشهد_شاهد_من_أهلها“، وهي مخصصة لعقد مقارنة بين ما كتبتُه وحذرت منه في مقالات #كارثة_الطوفان (قبل عامين)، وبين ما أقر به واعترف به “خالد مشعل” (رئيس الحركة في الخارج) في لقائه الأخير على قناة الجزيرة بتاريخ ١٠/ ١٢/ ٢٠٢٥م.
٢. لقد جاء هذا اللقاء بمثابة “التتويج” لكل ما ذكرناه سابقا، حيث اضطر مشعل -تحت وطأة الواقع المرير- أن ينطق بما كنا نقوله، وأن يقر بالنتائج التي حذرنا منها، ولكن بلغة دبلوماسية “تلطيفية” تحاول مداراة الفشل الاستراتيجي الهائل.
٣. ولإتمام الفائدة، فقد استعنت في هذه الحلقة بقراءة تحليلية دقيقة للأستاذ “عبد الله الجديع” (نشرها تعقيباً على اللقاء)، حيث وضع يده على التناقضات بين “القديم” (زمن المكابرة) و “الجديد” (زمن الإقرار بالواقع)، لتكتمل الصورة أمام القارئ الكريم.
وإليكم تفاصيل الشهادة:
أولا:
الاعتراف بحجم “الكارثة” والثمن الباهظ
– في مقالاتي:
قلت مراراً إن الوصف الحقيقي للحدث هو “كارثة” بل هو “جحيم”، وانتقدت من يسمي الدمار نصرًا، وذكرت في الحلقة (٣):
“وإلا فقل لي ماذا تسمي هذه الكوارث من أعداد القتلى والجرحى وتدمير البيوت والبنى التحتية؟ هل هي انتصار؟”.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يضطر مشعل للاعتراف بوضوح أن الثمن لم يكن عاديّا، بل كان قاسيًا جدّا، ويقر بحجم الدمار الهائل الذي حل بغزة، قائلاً:
[08:27] “ثمنه كان قاسيًا علينا لا شك… عشرات الآلاف من الضحايا… ٦٨ مليون طن من الركام … فيه معاناة إنسانية ضخمة، فهناك ثمن باهظ دفعته غزة بالذات”.
ولا ننسى أنه قد ذكر سيطرة اليهود على ٦٠ % من قطاع غزة!
ثانيًا:
الواقع المأساوي للحاضنة الشعبية (من أحلام التحرير إلى البحث عن خيمة)
-في مقالاتي:
كتبت في الحلقة (٣):
“وقد كتب (الأستاذ أحمد يوسف صالح) المستشار السياسي السابق لـ(هنية) [أضاعونا وصار الحُلم هو الخيمة] معترفا بالواقع المر، وكتبت أنا “أضاعونا وصار الحلم هو الخبزة”.
وذكرت في الحلقة (٤) معاناة الناس من البرد والجوع وصرخات الحرائر، مما استهان به كثيرون ولم يرفعوا به رأسا ولم يساهموا في إيقافه في فرص كثيرة ضيعوها.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يقر مشعل بأن الناس عادوا لنقطة الصفر، يبحثون عن مأوى ولا يجدونه، وأن الوضع الإنساني كارثي، قائلاً:
[15:56] “المعاناة الفلسطينية … الناس اليوم في منخفض جوي جديد في غزة، كان الله في عون أهل غزة … الخيم أصبحت مهترئة لا يجدون خيمًا جديدة ولا كرفانات”.
فها هو يعترف بأن طموح الناس بات مجرد “خيمة” تقيهم البرد، بدلاً من وعود التحرير والصلاة في الأقصى التي أطلقوها في بداية الطوفان.
ثالثا:
خذلان “محور المقاومة” والاعتماد على الذات
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان:
أكدت في الحلقة (٨) والحلقة (٩) على خيانة المحور الإيراني (وحدة الساحات) وأنهم ورطوا “حماس” وتركوا “غزة” تواجه مصيرها، ووصفت العلاقة بأنها تبعية لا ندية.
ومما قلته:
“وكل الشكر لإيران وأذنابها وكل الطعن في العرب … مع أن الأصل أن يتوجه اللوم والشتم للخونة من الروافض ممن وعدكم بالدخول في المعركة ثم تخلوا عنكم جهارا نهارا”.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يحاول مشعل تبرير الموقف لكنه يعترف ضمنًا بأنهم تُركوا وحدهم، وأن الاعتماد كان على الذات لا على الحلفاء الذين “أوصدوا الأبواب”، قائلاً:
[45:06] “قد تكون الصورة شوية اختلت … لأن هناك أطرافا عربية وإسلامية أوصدت أبوابها دوننا… حماس في مسيرتها تعتمد بعد الله تعالى على ذاتها”.
ويضيف -محاولاً الترقيع-:
[45:24] “نحن جزء من هذه الأمة ولا نتخلى عن حلفائنا”.
ثم حاول التملص من المحور بقوله: “الناس تحسبنا على المحور”.
فهذا اعتراف مبطن بأن “وحدة الساحات” كانت وهمًا، وأن الحركة وجدت نفسها وحيدة تعتمد “على ذاتها” في الميدان، تماماً كما توقعتُ.
وقد علق الأستاذ عبد الله الجديع قائلا:
“ومثله مشعل الذي قال (الناس تحسبنا على المحور) و (حماس لم تكن يومًا تتموضع في محور بعينه) في تجاهل لموقف السنوار الذي جعل نفسه جزءًا من المحور، وأنَّ صالح العاروري كان جزءًا مما سمي (وحدة الساحات)، لذلك جاء حديث مشعل في هذا السياق انسحابًا من المحور، بحجة أنَّ الناس صنفت الحركة هكذا! لا أنها كانت جزءًا منه بحق.”
رابعا:
نهاية الطموح السياسي: من “حكم غزة” إلى “لجنة تكنوقراط”
– في مقالاتي:
سخرتُ من مؤتمر “وعد الآخرة” وخططهم لإدارة الدولة (الوهمية)، وبينت أن النتيجة ستكون خسارة ما كان بيدهم أصلاً.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يعلن مشعل بوضوح قبولهم بتسليم إدارة غزة (التي كانوا يحكمونها منفردين) إلى لجنة تكنوقراط، مما يعني سياسيّا العودة خطوات هائلة للوراء، قائلاً:
[29:43] “توافقنا على أن تسلم إدارة غزة لحكومة تكنوقراط من داخل غزه… وقُدم (٤٠) اسمًا تقريبا استُخلص منهم حوالي ثمانية … وهم الذين يديرون غزه”.
وهذا إقرار بفشل مشروع “التمكين” الذي كانوا يتغنون به، والقبول بـ “إدارة تكنوقراط” مجردة من السلطة السياسية الحقيقية كحل للنجاة مما صنعوه.
خامسا:
الاعتراف باستمرار الحرب كـ “حرب إبادة” وليست مغامرة مدروسة!
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان:
انتقدت من صوّر الأمر أنها مغامرة مدروسة (وهي كلمة خالد مشعل نفسه!) ، وأكدت أنها “حرب إبادة” وقد جرت الويلات.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يستخدم مصطلح “الإبادة” ويقر بأنها استمرت عامين كاملين، وليست أيامًا كما كانوا يتوهمون:
[12:27] “الحرب بصورتها اللي تمثل حرب إبادة شاملة اللي رأيناها عبر عامين كاملين لا شك أنها انتهت ونرجو ألا تعود”.
سادسا:
من “عشاق الموت” و “أصحاب الأخدود” إلى “حب الحياة”
– في مقالاتي السابقة (#كارثة_الطوفان) الحلقة (٩):
انتقدت -بشدة- العبث بمفهوم الجهاد وتحويله لمشروع موت، وسخرت من التصريحات التي تقول إن شعب غزة خلق ليموت، وقلت: “زاد على ذلك ما حصل من قادة وعلماء ودعاة من تحريفات لشرع الله … وأصلوا لمن دخل معركة أن لا يوقفها … ويرد على الكذبتين: سحب خالد بن الوليد للمسلمين من معركة مؤتة حفاظا على حياتهم”.
– موقف خالد مشعل الجديد:
ينقلب مشعل على خطاب “الموت” السابق، ليتبنى خطاب “الحياة” والتعافي: [15:56] “المعاناة الفلسطينية… الناس اليوم في منخفض جوي جديد في غزة… الخيم أصبحت مهترئة…”
[08:27]” نحن بشر نصيب ونخطئ”.
وأكد على ضرورة “إغاثة الناس” و “التعافي”.
– تعليق (الأستاذ عبدالله الجديع):
“لقد كان السنوار يتحدث عن أهل غزة بأنهم أصحاب الأخدود، مستعدون لأن يحرقوا حتى آخر طفل، كذلك كان متحدثو حماس عمومًا، بل كان “سعيد زياد” في قناة الجزيرة يقول: سيقاتل الغزي بلحم الأطفال!.
لكن التحديث الجديد الذي يحاول تمريره مشعل يظهر أي خسارة لحماس في الحاضنة الشعبية وفق خطابها السابق.
فيؤكد على أنَّ (أهل غزة يحبون الحياة!) وفي الوقت الذي كان أي حديث عن وقف الحرب أو العمليات ضد إسرائيل يقارب بالخيانة.”
وقال الجديع -أيضا-:
“فصرنا نسمع لغة إننا بشر نصيب ونخطئ، بدل حديثه السابق عن خسائر غزة التكتيكية! وموالين لإسرائيل عند كل تخطئة للقرار! ففي حديثه تلميح قوي إلى الخطأ الكارثي في إطلاق ٧ أكتوبر، بما جره ذلك من تدمير للحركة وغزة عمومًا، كأساس جديد لسياسته في حماس.”
سابعا:
التناقض في المواقف .. “الخيانة” بالأمس هي “الضمانات” اليوم
– في مقالاتي السابقة (#كارثة_الطوفان) الحلقة (١٣):
ذكرت كيف كانت حماس تمنع الفصائل الأخرى من إطلاق الصواريخ سابقا بدعوى “عدم استدراج العدو”، وتساءلت عن ازدواجية المعايير.
– موقف خالد مشعل الجديد:
يعلن مشعل القبول بتسليم إدارة غزة لحكومة “تكنوقراط”، بل ويقدم تعهدات أمنية ضمنية بعدم شن هجمات:
أ. تجميد السلاح ومنع الاستعراض به:
[22:17] يقول مشعل:
“كيف هذا السلاح يُخبأ ويُحفظ ولا يُستعمل ولا يُستعرض به في ذات الوقت لا يسلم”.
ب. ضمان عدم وجود أي تصعيد ضد إسرائيل:
[22:50] يقول عن دور الضامنين (الوسطاء):
“يستطيعون أن يضمنوا غزة وأن يضمنوا حماس وقوى المقاومة، بحيث إنه لا يأتي من داخل غزة أي تصعيد عسكري ضد إسرائيل”.
ج. عرض هدنة طويلة الأمد:
[22:28] يقول:
“عرضنا فكرة الهدنة سبع سنوات، ١٠ سنين، هدنة طويلة المدى بحيث هذه تشكل ضمانة حقيقية”.
– تعليق (الأستاذ عبدالله الجديع):
” وفي الوقت الذي كان أي حديث عن وقف الحرب أو العمليات ضد إسرائيل يقارب بالخيان، يقدم مشعل استعداده لصورة معينة من تجميد السلاح ومنع ظهوره حتى في الاستعراضات وتقديم ضمانات ألا يخرج أي هجوم من غزة على إسرائيل! وهو ما كان التيار المحسوب على إيران -وأحيانًا يداهنهم مشعل- يصفه كـ(دفاع عن إسرائيل!)”.
ثامنا:
الهدنة (الهدوء الطويل): من “الخيانة” و”التثبيط” إلى طوق النجاة الوحيد
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان (الحلقة ١٠ و ١١):
أصلتُ شرعًا لمشروعية “الهدنة” و “الصلح” و “وقف القتال” (ولو لعشر سنين أو أكثر) حقناً للدماء وحفاظاً على بيضة الإسلام، مستدلاً بفعل النبي ﷺ في الحديبية وبأقوال ابن تيمية والقرضاوي.
وانتقدتُ -بشدة- من يعدّ المطالبة بوقف الحرب “تثبيطًا” بينما العدو يبيد الناس، وذكرت أن إيران هي التي كانت تنصح بعدم قبول الهدنة -(حلقة ٨)- لاستنزاف المنطقة.
وبعد عامين من رفض الوساطات وإطالة أمد الحرب، يأتي مشعل ليعرض هو بنفسه هدنة طويلة الأمد كحل وحيد:
قال في [الدقيقة 22:28] :
“عرضنا فكرة الهدنة سبع سنوات، ١٠ سنين، هدنة طويلة المدى بحيث هذه تشكل ضمانة حقيقية”.
فاليوم يتبنى مشعل “الهدنة الطويلة” (التي دعا إليها العقلاء والعلماء سابقًا وحذرت أنا من تركها) كخيار استراتيجي للنجاة، ولكن بعد خراب غزة! فقد كان بالإمكان عقد هذه الهدنة قبل الـ ٧٠ ألف قتيل، وحينها كانت ستكون هدنة “أنداد”، أما اليوم فهي هدنة “اضطرار” وطلب للنجاة.
قال الأستاذ عبد الله الجديع:
“بعد تدمير غزة حيث لا يمكن أن تعفى حماس من مسؤوليتها البتة حتى مع وجود تيارات داخلها، وهي اليوم تحاول أن تطمئن الغزيين والمجتمع الدولي أنهم لن يعودوا بهم إلى حرب أخرى”.
= الخاتمة، والسؤال الذي يفرض نفسه:
لقد انتهى “الطوفان” باعتراف قائده السياسي بسيطرة العدو على ٦٠٪ من غزة، ودمار شامل، وخسائر بشرية هائلة، وعودة للمطالبة بـ “خيمة” و “حكومة تكنوقراط”.
وهنا نختم بالسؤال الذي طرحه “الجديع” ويوافق ما طرحته أنا في أول مقال:
“هل كان الأمر يحتاج إلى كل تلك السنوات من المواجهات وتسليم الرهائن وتحويل حياة السكان إلى جحيم حتى يقول مشعل لا تطالب غزة بواجب المقاومة بل بالتعافي؟ فعلامَ لم تتجنبوا الكارثة ابتداءً؟.”
= ورسالة إلى من سحرهم إعلام الجزيرة وغرتهم أسماء علماء الطوفان وبحثوا عن الشهرة في كثرة المشجعين والمادحين لهم، وخافوا من خسارة” اللايكات”، وأكل قلبهم الحسد:
ها هو الشنقيطي، والهامي، وأيمن وادي، وخالد مشعل، وكلهم أبناء الحركة والجماعة، بل من قادتها سياسيا وعلميا، فماذا تريدون بعدُ لتسيقظوا من غفلتكم وتتوبوا لربكم وتعتذروا لأهل غزة ولأتباعكم؟
أعلم أنه قد رجع كل واحد منكم لحاله قبل الطوفان، فهذا ينشر خرافات الطاقة، وذاك يؤسس لانتشار سوق عمله، وآخر يكتب في مواضيع تافهة، ورابع وخامس وسادس، فهل تظنون أن الأمر قد انتهى إلى هاهنا؟ وهل تظنون الأمر بهذه السهولة ليرجع كل واحد منكم لعمله بعد ما أصّلتم ونظّرتم لهذه الكارثة وتركتم أهل غزة بعذاباتهم المستمرة؟.
فالله الموعد، وهو نعم المولى ونعم النصير.
مقابلة خالد مشعل:
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٢/ ١٢/ ٢٠٢٥

ملحد يقول بوجود اختلاف في المصاحف!

ملحد يقول بوجود اختلاف في المصاحف!
السؤال:
ما تعليقكم على ما يقوله هذا الملحد في المقطع ؟ وقد انتشر في وسائل التواصل.
الجواب:
الحمد لله
هذا الشخص يخلط بين “تنوع القراءات” الذي هو وحي ومنحة إلهية، وبين “تحريف النصوص” الموجود في كتب اليهود والنصارى.
القرآن واحد، محفوظ في الصدور والسطور، واختلاف القراءات هو وجه من وجوه إعجازه وسعته التشريعية واللغوية، وليس ثغرة كما يتوهم الجاهلون.
والرد عليه من وجوه:
أولاً:
الرد على شبهة “اختلاف المصاحف” وأن القرآن ليس واحداً
١. القراءات القرآنية وحي وليست اجتهادًا بشريّا:
الاختلاف هو “قراءات” وحي، وليس “تحريفًا” بشريّا، ما يسميه المشكك “اختلافاً في المصاحف” هو في الحقيقة “قراءات قرآنية” ثابتة ومتواترة عن النبي ﷺ.
فالقرآن نزل بوجه واحد، ثم رخص الله لنبيه أن يقرأه بأوجه متعددة (قراءات) تيسيرًا على الأمة وإثراءً للمعنى، وكل هذه الأوجه وحي من الله، وليست اجتهاداً من النساخ أو خطأً منهم.
والقراءة لا تكون قرآنًا يُتلى إلا باجتماع ثلاثة أركان:
١. صحة السند: (التواتر أو الشهرة والاستفاضة).
٢. موافقة اللغة العربية: (ولو بوجه من الوجوه).
٣. موافقة الرسم العثماني ولو في أحد المصاحف: (ولو احتمالا).
٢. المصحف الإمام واحد:
عندما جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه القرآن في المصحف الإمام، كتبه برسم يحتمل القراءات المتواترة (دون نقط أو تشكيل في البداية).
فكلمة مثل (مالك) و(ملك) تُكتب برسم واحد يحتمل القراءتين، وهذا من عظيم فقه من كتب بالرسم العثماني.
فادعاء أن هناك “مصاحف مختلفة” هو تدليس؛ فالمصحف واحد، والرسم واحد، والاختلاف هو في طريقة الأداء والنطق وبعض الحروف التي لا تخرج عن الرسم العثماني والتي نزل بها الوحي.
ثانياً:
الرد على الأمثلة التي أوردها
١. شبهة البسملة (آية أم لا؟):
الافتراء:
يزعم أن اختلاف القراء في عدّ البسملة آية من الفاتحة يعني تحريفًا أو اختلافًا في القرآن.
الرد:
هذا اختلاف في العدّ والترقيم وليس في الثبوت.
البسملة ثابتة ومكتوبة في جميع المصاحف في بداية السور (عدا التوبة).
الخلاف بين الفقهاء والقراء هو: هل هي آية مستقلة من الفاتحة (كما عند الشافعية وقراءة عاصم) أم هي جزء من آية أو آية للفصل بين السور (كما عند المالكية وقراءة ورش)؟
النتيجة:
النص القرآني موجود ومثبت في الحالتين، والاختلاف هو في تصنيفها (آية رقم 1 أم لا)، وهذا لا يغير من كونها قرآناً يُتلى.
٢. شبهة (مسكين / مساكين) و (يطهرن / يتطهرن):
الافتراء:
يقول: إن هذا الاختلاف يغير الحكم الشرعي (حلال وحرام) ويجعل الدين “شخصيا”.
الرد:
هذا من أعظم وجوه الإعجاز في القراءات، حيث تأتي قراءة لتكمل معنى الأخرى أو تضيف حكمًا جديدًا يندرج تحت النص، مما يغني النص التشريعي دون الحاجة لتعدد الآيات.
أ. مثال (يطهرن / يتطهرن):
قراءة التخفيف (يَطْهُرْنَ): تعني انقطاع الدم.
قراءة التشديد (يَتَطَهَّرْنَ): تعني الاغتسال بالماء.
الجمع بينهما:
الفقهاء جمعوا بين القراءتين لاستنباط الحكم الكامل: لا يحل الجماع بمجرد انقطاع الدم (القراءة الأولى) بل لا بد من الاغتسال (القراءة الثانية).
فالقراءتان تكملان بعضهما لبناء الحكم الفقهي المتكامل، وليس بينهما تناقض.
ب. مثال (مسكين / مساكين):
الاختلاف هنا بين قراءة الإفراد (مِسْكِينٍ) وقراءة الجمع (مَسَاكِينَ) هو اختلاف “تنوع وتكامل لغوي” يصب في معنى تشريعي واحد، وليس تضادا يغير الحكم، وبيان ذلك:
– قراءة الجمع {طَعَامُ مَسَاكِينَ}: (مراعاة المطابقة)
فقد جاءت هذه القراءة لمناسبة لفظ الجمع في الفاعل في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}.
المعنى:
بما أن المكلفين جماعة (الذين)، فإن الفدية المترتبة عليهم ستكون طعام جماعة من (المساكين)، فهي مقابلة الجمع بالجمع (كل واحد منهم يطعم مسكيناً، فالمجموع مساكين).
– قراءة الإفراد {طَعَامُ مِسْكِينٍ}: (بيان الجنس ومقدار الأصل)
(مسكين) هنا اسم جنس يُراد به بيان “نوع” المستحق للفدية، أو يُراد به بيان “أصل الحكم” لليوم الواحد.
والمعنى: الفدية الواجبة عن اليوم الواحد هي طعام (فرد من جنس المساكين).
= الرد على شبهة “تغير الحكم” و”الدين الشخصي”:
ادعاء الملحد أن هذا يغير الحلال والحرام أو يجعل الدين شخصيا هو جهل مطبق بلغة العرب وأصول الفقه؛ لأن المآل التطبيقي للقراءتين واحد بإجماع الفقهاء، وهو:
إذا أفطر المكلف يوما واحدا: فعليه إطعام مسكين واحد (عمل بقراءة الإفراد التي حددت المعيار، أو بقراءة الجمع باعتبار أن الواحد جزء من الجمع).
إذا أفطر شهراً: فعليه إطعام ثلاثين مسكيناً (فتصدق قراءة الجمع).
فالقراءتان بمنزلة جملتين توضيحيتين للحكم نفسه:
الأولى تقول: “على كل واحد منكم إطعام مسكين”.
الثانية تقول: “عليكم يا معشر المفطرين إطعام المساكين”.
فأين التناقض أو الدين الشخصي في هذا؟!
ثالثا:
الرد على شبهة “ألف طريق”:
الافتراء:
يزعم الملحد أن وجود طرق وروايات كثيرة يعني الضياع وعدم الثبوت.
الرد:
كثرة الطرق (الأسانيد) هي دليل قوة وليس دليل ضعف، فالقرآن نُقل إلينا عبر آلاف السلاسل الذهبية المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكل حرف يُنطق به اليوم له سند متصل.
والعلماء ضبطوا هذه الطرق في كتب دقيقة (مثل “النشر” لابن الجزري) وميزوا المتواتر عن الشاذ.
فكثرة الطرق تعني أن القرآن محفوظ ومحمي من التحريف، لأن آلاف الرواة في مختلف الأمصار اتفقوا على نقله.
رابعا:
أرشح للقراء الكرام هذه المقاطع في المسألة:
١.
٢.
٣.
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٣/ ١٢/ ٢٠٢٥
تنبيه:
(( اشتكى الملحدون من ردي على المقطع فطالبوا بحذفه، فقدمت اعتراضا، وقد يرفض، فإن حذفوه فللجزمة، يكفي ردي عليه))

“بين لطائف الموافقات وأوهام الإعجاز العددي: وقفات علمية مع مقطع د. خالد الحربي”

“بين لطائف الموافقات وأوهام الإعجاز العددي: وقفات علمية مع مقطع د. خالد الحربي”
السؤال:
انتشر مقطع ونسب للدكتور خالد الحربي، يتكلم فيه عن أوجه الإعجاز العدد في القرآن الكريم، وذكر أمثلة لذلك، فهل من تعقيب على المقطع؟
الجواب:
الحمد لله
إن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز بياني وتشريعي، ولم ينزل ليكون كتاب ألغاز حسابية.
ما يذكره الدكتور الفاضل -وهو متخصص في القراءات- يعتمد في غالبه على “العد الكوفي” للآيات (وهو الترقيم الموجود في مصاحفنا اليوم برواية حفص)، ويتجاهل حقيقة علمية ثابتة وهي “اختلاف العَدّ” بين علماء الأمصار (المدني، البصري، الشامي، المكي)، فلو تغير رقم الآية في عدّ آخر (وهو قرآن متواتر أيضاً) لسقطت هذه “المعجزة” المزعومة، مما يدل على أنها مجرد موافقات لطيفة (إن صحت أصلا) وليست إعجازًا مقصودًا للتحدي.
تفنيد الأمثلة الواردة في المقطع نقطة بنقطة:
١. سورة الأنفال (آية الأسرى ورقم ٧٠):
الزعم:
الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ} رقمها ٧٠، وعدد أسرى بدر ٧٠.
الرد:
عدد أسرى “بدر” مختلف فيه تاريخيّا:
فعددهم عند “موسى بن عقبة” : ٣٩ أسيرًا.
وعددهم عند “ابن إسحاق” : نحو ٤٤ أسيرًا.
وقيل: ٧٠، وقيل ٦٨، وقيل غير ذلك.
فهذا الخلاف في عدد أسرى “بدر” يقضي على الفكرة من أصلها.
والأهم من ذلك: هل هذه قاعدة مطَّردة؟ هل كلما ذكر القرآن رقمًا وافق رقم الآية؟!.
ففي سورة الأنفال، الآية رقم (٦٦) ذكرت الأعداد ١٠٠ و ٢٠٠ و ١٠٠٠ و ٢٠٠٠!
قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وذكر العدد ١٠٠ في الآية رقم (٢٥٩) في سورة البقرة، قال تعالى: {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۠ئَةَ عَامٍ}.
وعدم الاطراد يدل على أن توافق رقم ٧٠ هنا هو لا علاقة له بعدد أسرى “بدر”، ولو صح ووافقت العد في جميع المصاحف فتكون لطيفة ولا يقاس عليها، فليست إعجازا.
٢. سورة المائدة (النقباء ورقم ١٢):
الزعم:
ذكر “اثني عشر نقيبًا” في الآية رقم ١٢.
الرد:
هذه قد تكون الموافقات اللطيفة، ولكنها ليست إعجازًا، ولا هي قاعدة مطردة، ففي سورة يوسف ذكر العدد ١١ في قوله تعالى {أحد عشر كوكبًا} في الآية رقم (٤)، وليس في الآية ١١، وفي سورة التوبة ذكر العدد ١٢ في قوله تعالى {اثنا عشر شهرًا} في الآية رقم (٣٦)، وليس رقم ١٢.
فالانتقائية في اختيار الآية التي توافق الرقم وترك الآيات التي تخالفه هو تلاعب بالبيانات، وليس بحثًا علميّا.
٣. سورة طه (سنوات موسى ورقم ٤٠):
الزعم:
الآية {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} رقمها ٤٠، وموسى لبث فيها ١٠ سنين وعمره كان ٣٠ فالمجموع ٤٠.
الرد:
أ. الآية ذكرت “سنين” (نكرة) ولم تحدد العدد بـ ١٠ في الآية نفسها، فالرقم ٤٠ استنبطه المتحدث من جمع عمره المفترض مع مدة لبثه.
ب. رقم الآية (٤٠) صحيح في “العدد الكوفي” وغيره، ولكن لو فتحنا مصاحف القراءات الأخرى المتواترة لوجدنا تباينًا عجيبًا:
ففي العدد البصري (رواية الدوري عن أبي عمرو، والرويس وروح عن يعقوب): رقم الآية هو (٣٨)!.
وفي العدد الشامي (رواية هشام وابن ذكوان عن ابن عامر): رقم الآية هو (٤٢).
والسؤال الذي ينسف الإعجاز المزعوم: هل كان عمر موسى عليه السلام ٤٠ سنة عند أهل الكوفة، و٣٨ سنة عند أهل البصرة، و٤٢ سنة عند أهل الشام؟! هذا الاختلاف يثبت -قطعًا- أن أرقام الآيات “اصطلاحية اجتهادية” تختلف بين الأمصار، ولا علاقة لها بأعمار الأنبياء أو الحقائق الكونية.
ج. والذي دعا المتحدث الفاضل لهذا هو اعتقاده أن عمر موسى عليه السلام عند البعثة كان ٤٠ عاما، ولعله يعتقد أنها قاعدة عامة في عمر الأنبياء والمرسلين -أو في المرسلين وحدهم-، وهذا غلط شائع حتى عند كثير من الخاصة.
فلا يوجد أصل شرعي صحيح يقول إن جميع الأنبياء والرسل بُعثوا في سن الأربعين، الموجود شرعًا هو أن نبينا محمدًا ﷺ خُصَّ بأن نزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، كما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه: “أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ…”
فهذا أصلٌ ثابت في حقِّه ﷺ، لا في حقِّ جميع الأنبياء.
والحديث المشهور على ألسنة الناس بلفظ “ما بعث الله نبيًّا إلا على رأس الأربعين” أو نحوه: لا أصل له في كتب السنة المعتمدة.
قال ابن الجوزي: “موضوع؛ لأن عيسى عليه السلام نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاثة وثلاثين سنة، فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء” انتهى
والنصوص نفسها تدل على أن بعض الأنبياء لم يُبعثوا في الأربعين، بل قبلها بكثير أو بعدها بكثير، ومن ذلك:
= يحيى عليه السلام:
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم/ ١٢).
وكثير من أهل التفسير قالوا: الحكم هو النبوة، أي: أُوتي النبوة وهو صبي.
== عيسى عليه السلام:
المعروف من آثار أهل الكتاب وبعض نقولات أهل السير أنه رُفع إلى السماء وله نحو ثلاث وثلاثين سنة.
وقد أورد الشيخ الألباني حديثا في “السلسلة الصحيحة” (رقم ٢٥١٢) بلفظ: “يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك، على حُسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون”، وحكم عليه بأنه حسن.
وقد ثبت بالقرآن أنه خاطب قومه، وجاء بالآيات والمعجزات قبل رفعه، فهذا يعني أن نبوّته قبل الأربعين قطعًا.
== نوح عليه السلام:
الأقوال عن السلف في عمر نوح عليه السلام حين أرسل لقومه كثيرة جدا، فقيل: ٤٠ ، وقيل: ٣٠٠ ،وقيل: ٣٥٠،وقيل: ٤٨٠ سنة، وكلها لا دليل عليها يثبت صحة شيء منها.
فهذه الأمثلة وحدها تكفي لنفي القول بأن البعثة لا تكون إلا في الأربعين.
٤. سورة المدثر (الوليد بن المغيرة ورقم ١٣):
الزعم:
الآية {وَبَنِينَ شُهُودًا} رقمها (١٣)، وعدد أبناء الوليد ١٣.
الرد:
هذا خوض في الغيب التاريخي بلا دليل قطعي، والروايات التاريخية في عدد أبناء الوليد بن المغيرة متضاربة جداً (قيل ١٠، وقيل ٧، وقيل ١٣، وقيل غير ذلك)، وتثبيت رقم تاريخي ظني ليتوافق مع رقم آية هو تكلف واضح.
٥. سورة البقرة (الوسطية ورقم ١٤٣):
الزعم:
عدد آيات البقرة ٢٨٦، ونصفها ١٤٣، والآية (١٤٣) هي {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
الرد:
أ. عدد آيات سورة البقرة ليس متفقا عليه أنها ٢٨٦ آية.
قال العيني -رحمه الله- عن عدد آياتها-:
ومائتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي، وهو عدد عليّ رضي الله عنه ، وفي عدد أهل البصرة: مائتان وثمانون وسبع آيات، وفي عدد أهل الشّام: مائتان وثمانون وأربع آيات، وفي عدد أهل مكّة: مائتان وثمانون وخمس آيات.
“عمدة القاري”.
وعليه: فلا يكون رقم الآية وسطا في السورة في كل أحوالها.
ب. معنى {وسطا} في الآية ليس الوجود في وسط المسافة بين شيئين، بل معناها الخيار والعدل، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بذلك، فلا مزيد على بيانه.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب تفسير القرآن) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: “عَدْلاً”، وفي رواية أخرى بالإسناد نفسه عند البخاري أيضا: “وَالوَسَطُ: العَدْلُ” .
وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” على أن هذا التفسير للكلمة منه صلى الله عليه وسلم لا مدرجة من كلام غيره؛ لدفع أي توهم في ذلك، فقال:
“قوله: (والوسط العدل) هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمُدْرَج من قول بعض الرواة كما وَهِمَ فيه بعضهم”.
انتهى
فينبغي عدم العدول عنه إلى غيره من التفسيرات اللغوية المحتملة التي قد تخالفه.
ج. ولو كان ورود لفظ (وسط) يستلزم وقوعه في (وسط السورة) حسابيّا، لانطبق ذلك على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ في سورة المائدة، لكن الآية جاءت برقم (٨٩) وسورة المائدة (١٢٠) آية، فجاءت بعيدة تماما عن المنتصف، مما يدل على أن (الوسطية) في القرآن وصف معنوي (للعدل والاعتدال) وليست إحداثية رقمية.
فكلمة (وسطاً) في لغة العرب وفي التفسير المأثور لا تعني بالضرورة “المنتصف الهندسي” بين طرفين متساويين في العدد أو المسافة، بل تعني “الخيار والعدول”.
د. والأمة الإسلامية هي “آخر الأمم” زمانا، وليست الأمة الوسطى (بمعنى الترتيب الزمني) بين أمم سابقة ولاحقة، فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة، وحصر البشرية في (يهود – مسلمين – نصارى) لتكون أمتنا في الوسط هو تحكم لا دليل عليه.
٦. سورة النور (القواعد من النساء ورقم ٦٠):
الزعم:
سن اليأس (القعود) هو ٦٠، ورقم الآية ٦٠.
الرد:
تحديد سن اليأس بـ ٦٠ هو تحديد “نظامي وظيفي حديث” (سن التقاعد)، أما بيولوجيّا وفقهيّا فهو يختلف من امرأة لأخرى (قد يكون ٥٠ أو ٥٥ أو أكثر). وربط القرآن بنظام التقاعد الوظيفي الحديث هو تسطيح لمعنى الآية.
٧. سورة النجم (الشعرى ورقم ٤٩):
الزعم:
نجم الشعرى يدور دورة كل ٤٩ سنة، والآية رقم ٤٩.
الرد:
الدورة الفلكية لنجم الشعرى اليمانية هي تقريباً ٥٠،١ سنة وليست ٤٩ بالضبط. فمحاولة “قصقصة” الحقائق العلمية لتوافق رقم الآية هو جناية على العلم وعلى القرآن.
٨. سورة هود (عشر سور):
الزعم:
تحدى بـ “عشر سور” في سورة هود، وترتيب سورة هود هو ١١.
الرد:
ترتيب سورة هود في المصحف هو (١١)، ولكي نجعلها (١٠) يجب أن نحذف الفاتحة من العد! وهذا تحكم عجييب.
والثابت أن الترتيب ١١ والآية تذكر الرقم ١٠، فلا توافق، فلا السورة رقمها ١٠ ، ولا الآية رقمها ١٠.
٩. سورة الكهف (عدد الكلمات ٣٠٩):
الزعم:
عدد الكلمات من بداية القصة إلى قوله {تِسْعًا} هو ٣٠٩ كلمة، يوافق عدد السنين.
الرد:
هذه الدعوى –أن عدد كلمات قصة أصحاب الكهف حتى كلمة ﴿تِسْعًا﴾ يساوي ٣٠٩– مبنية على طريقة خاصّة في عدّ الكلمات لا دليل عليها من الشرع؛ فإنّ
عدّ الكلمات في المصحف اجتهادي، وتختلف حسابات العد، فهل تُحسب البسملة؟ وهل تُحسب حروف العطف المتّصلة كلماتٍ مستقلة؟ وهل العدّ مبني على الرسم العثماني أو الإملاء الحديث؟.
والقراءات المتواترة والمصاحف المبنية على أعداد مختلفة (كوفي، بصري، شامي) قد تؤدّي إلى اختلاف في عدد الكلمات، فلو كان هذا المعنى مقصودًا لذاته للزم أن يكون ثابتًا في جميعها.
ولا يوجد عن السلف من الصحابة والتابعين وأئمة القراءات والتفسير أيّ إشارة إلى هذا العدد، مع عنايتهم البالغة بالسورة وقصتها، مما يدلّ على أن ربط العدد (٣٠٩) بعدد الكلمات أمر حادث لا يُبنى عليه اعتقاد.
لذلك: لا يصحّ جعل هذا الرقم “إعجازًا عدديًّا” أو دليلاً على شيء زائد عن المعنى البيّن في الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
وإن أحبّ أحدٌ أن يعدّ الكلمات للتأمّل الشخصي فلا بأس، لكن لا تُنسب هذه النتائج إلى الإعجاز الشرعي، ولا تُقدّم للناس على أنها من حقائق الوحي.
= الخلاصة:
نقدر للدكتور تخصصه في القراءات، لكن هذا الطرح يسمى في علوم القرآن “مُلَح التفسير” أو “اللطائف”، وهي استنتاجات بشرية ظنية قد تصيب وتخطئ، ولا يجوز تسميتها “إعجازاً”؛ لأن الإعجاز صفة ذاتية في القرآن ملزمة للخلق ولا تتغير بتغير الاصطلاحات (كأرقام الآيات وفواصلها التي هي اجتهادية توقيفية تختلف بين القراء).
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٣ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٤/ ١٢/ ٢٠٢٥

وقفة شرعية وتفنيد علمي لمقطع “فلسفة النار”

وقفة شرعية وتفنيد علمي لمقطع “فلسفة النار”
السؤال:
انتشر مؤخرًا مقطع لشاب يتناول قوله تعالى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ في إطار ما سماه «فلسفة النار»، فهل يمكن معرفة وجوه الخلل في كلامه؟
الجواب:
استمعت للمقطع وقد رأيت أنه قد تضمّن أخطاء عقدية وتفسيرية ومنهجية، يحسن التنبيه عليها صيانةً لجناب الوحي، وتصحيحًا للمفاهيم.
أولًا:
خطأ توصيف الله تعالى بـ«عين الأبوة»
زعم المتحدث أن الله ينظر إلى الكافرين “بعين الأبوة”، وهذا خطأ عقدي جسيم، إذ ينقل العلاقة بين الخالق والمخلوق من مقام العبودية إلى مقام المشاعر البشرية.
والله سبحانه هو الرب والإله والخالق، لا يوصف بالأبوة لا حقيقة ولا مجازًا، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.
والقرآن إنما نزل أصلًا لنقض تصورات البنوة والأبوة التي علقت بالألوهية، ولا يجوز استيراد مصطلحات لاهوتية نصرانية أو إنسانية وإسقاطها على الله تعالى تحت غطاء الوعظ العاطفي.
رحمة الله ثابتة، لكنه في الوقت نفسه شديد العقاب، ولا يُوصف إلا بما وصف به نفسه.
ثانيًا:
شبهة {أُعِدَّتْ} والخلط بين وجود النار ووقودها
بنى المتحدث تصوره على إشكال مفاده: كيف تكون النار {أُعِدَّتْ} مع أن الناس لم يدخلوا فيها بعد؟ وانتهى من ذلك إلى نفي وجودها الحسي الآن.
وهذا خطأ من جهتين:
الأولى: أن الإعداد في لغة العرب هو التهيئة والتجهيز لما سيقع مستقبلًا، ولا يلزم منه الاستعمال الفوري، كما يُعد السجن قبل دخول المساجين.
الثانية: أنه خلط بين وجود النار وامتلائها بكل وقودها، فوجود النار لا يستلزم أن يكون كل ما سيُلقى فيها قد أُلقي بالفعل.
وعقيدة أهل السنة والجماعة قاطعة بأن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وقد دل على ذلك نصوص صحيحة، منها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للنار في صلاة الكسوف، وفي المعراج.
ثالثًا:
التلبيس في تقديم {النَّاسُ} على {الْحِجَارَةُ}
زعم أن تقديم الناس على الحجارة يدل على أنهم “سبب اشتعال النار” بأفعالهم، وهذا استدلال فاسد من جهة اللغة.
فالتقديم في العربية لا يدل بالضرورة على السببية، بل يأتي لأغراض بلاغية متعددة، منها الاهتمام، والتشنيع، ومراعاة حال المخاطب.
والناس هم المخاطبون بالوعيد، فناسب تقديمهم في الذكر للزجر والردع، مع قرنهم بالحجارة تبكيتًا وإهانة، ليكون العابد والمعبود وقودًا للنار.
ولا علاقة لهذا التقديم بفكرة “الاختراع المعنوي للنار” التي توهّمها.
رابعًا:
قلب حقيقة النار بجعل الأصل معنويّا
لم ينف المتحدث العذاب الجسدي صراحة، لكنه جعل الأصل في الوقود معنويّا نفسيّا، والأجساد تابعة لاحقًا، وهذا قلب لترتيب النصوص.
والقرآن والسنة دلا دلالة صريحة على أن نار جهنم نار حقيقية حسية، تحرق الجلود واللحم والعظم، قال تعالى:
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
وأما اطلاعها على الأفئدة فزيادة في العذاب، ليجتمع الألم الظاهر مع العذاب الباطن، لا نفيًا للحس ولا تحويلًا للنار إلى مجرد حالة نفسية.
خامسًا:
العبث بمنهج التفسير وردّ أقوال السلف
تجاوز المتحدث أقوال الصحابة والتابعين والمفسرين، وتعامل مع الآية باعتبارها لغزًا وجدانيّا يُنتج شعورًا جديدًا، لا خبرًا إلهيّا يُبيّن حقيقة من حقائق الغيب.
وهذا مسلك خطير، إذ التفسير مبناه النقل والعلم واللسان العربي، لا الخواطر والانفعالات ولا التأثر بجدليات إلحادية ثم محاولة إعادة تدويرها بثوب وعظي.
والخلاصة:
الخلل الجوهري في هذا الطرح أنه حوّل التفسير من بيان مراد الله إلى تجربة شعورية ذاتية، وجعل الإحساس معيار الفهم، والنص تابعًا له.
والقرآن لم ينزل ليُشعر الإنسان بشيء جديد، بل ليخبره بحقائق الغيب كما هي.
ومن جعل شعوره حاكمًا على النص، فقد جعل نفسه ميزانًا للوحي، ولو أحسن النية.
والواجب ردّ هذه المسالك، والرجوع إلى فهم السلف الراسخين، حفظًا للعقيدة، وصيانةً لمعاني كتاب الله.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٤ رجب ١٤٤٧ هـ، ٣/ ١/ ٢٠٢٦

إيهام الأجور في خطاب مشاهير وسائل التواصل

إيهام الأجور في خطاب مشاهير وسائل التواصل
السؤال:
ينتشر في وسائل التواصل قول بعض المشاهير: “من شاهد هذا المقطع أو نشره فهو شريك معنا في كفالة هذا اليتيم” أو “له أجر بناء هذا المسجد”، فهل هذا صحيح شرعًا؟.
الجواب:
شهد الخطاب الدعوي في الفضاء الرقمي توسعًا ملحوظًا في تقرير الأجور، حتى نُسبت أجور عبادات عظيمة –ككفالة اليتيم وبناء المساجد– إلى مجرد المشاهدة أو إعادة النشر، واستُدل لذلك بأحاديث، من أشهرها حديث النبي ﷺ في الأضحية: ”اللهم هذا عن محمد، وعن آل محمد، وعن من لم يضح من أمتي”.
ويهدف هذا البحث إلى تحرير محل النزاع، وبيان الضوابط الأصولية في باب الأجور، وتقويم الاستدلال بهذا الحديث، وبيان وجه الخطأ المنهجي في القياس عليه.
أولا: صور تحصيل الثواب
تحصيل الأجر لا يخرج عن ثلاث صور:
الصورة الأولى: المباشرة
وهي الأصل، ويترتب عليها الأجر الكامل باتفاق، سواء كان وحده أو مجموعة.
الصورة الثانية: الدلالة أو الإعانة المؤثرة.
لقوله ﷺ “من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله” رواه مسلم.
والمعنى: استويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وتفاصيله.
قال المناوي -رحمه الله- في شرح حديث مسلم “من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه”-:
فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وتفاصيله؛ إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية… ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر، لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا، وقربًا خاصّا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء”.
“فيض القدير”.
الصورة الثالثة:
هبة ثواب العمل المقبول من غيره.
أجمع أهل العلم على أن أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت، وهي: الدعاء، والواجب الذي مات ولم يؤده مما تجوز فيه النيابة (كالحج، والصوم ما كان واجبًا بأصل الشرع بدون سبب كرمضان، وما كان واجبًا بأصل الشرع بسبب كالكفارة، وماكان واجبًا بالنذر كالذي ينذر أن يصوم يومين أو ثلاثا نفلًا)، والصدقة، والعتق، وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من يقول إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له في غير هذه الأمور الأربعة، وهو قول مالك -في المشهور عنه- والشافعي، وقد ذهب أحمد وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي إلى أن الميت ينتفع بذلك.
= وأما ما يسوق له مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي من إضافة صورة جديدة وهي: المشاهدة أو الانتساب المجرد (كونه متابعا أو مسجلا في حلقة تعليم أو في مجموعة تطوعية): فهذه ليست عملًا ولا سببًا مؤثرًا بذاتها، فلا يثبت بها أجر عبادة مخصوصة، فضلًا عن أجرٍ كامل.
ثانيا: تحرير معنى حديث الأضحية
عن عائشة أن النبي -ﷺ- أُتي بالأضحية وقال: “يا عائشة هلمي المدية ثم قال: اشحذيها، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل عن محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى” رواه مسلم.
وعن جابر رضي الله عنه قال: صليتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عيد الأضحى، فلما انصرف أُتي بكبش فذبحه، فقال: “بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي” رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وهما حديثان ثابتان، ودلالتهما منضبطة، وغايتهما:
١. إجزاء الأضحية عن أهل البيت مهما كان عددهم، وليست هذه الصورة من باب إشراك أهل البيت في الأجر؛ فثمة فرق بين الإجزاء والتشريك.
فمن ذبح عن أهل بيته فأضحية واحدة تجزئ عنهم جميعا ،والأجر لصاحب الذبيحة الذي بذل ثمنها وقام بالفعل، ومن أراد تشريك أسرته أو حتى من هم خارجها في أجر هذه الأضحية ففعله صحيح عند الجمهور -كما سبق ويدخل فعله في باب “إهداء القُرَب”.
٢. إجزاء ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عمن لم يضح من أمته صلى الله عليه وسلم، فهي ليست هبة عمل، ولا تشريك في أجر، فمن الخطأ حمل فعله صلى الله عليه وسلم على أحد الأمرين، فضلا عن الإيهام بأن معنى فعله هو أن كل واحد من أولئك له أجر ذبح أضحية!
ولم يقل أحد من أهل العلم إن كل واحد من أهل البيت يكون بمنزلة من ضحّى مستقلًا، إذ لو كان كذلك لما أجزأت الشاة الواحدة عن جماعة، ولوجب لكل واحد أضحية، وهو من أقوى ما يرد به على فعل المشاهير من إيهام الناس أنهم يتصدقون بريال أو ١٠٠ ريال في مسجد ويوهمون المتابعين أن لكل واحد منهم أجر الريال أو أجر ال ١٠٠ ريال! (بل تحمس بعضهم بجهل بالغ ومبالغة جاهلة بأن جعل أجر فعله لكل المسلمين! إلى يوم القيامة! وبعضهم قال: الأجر لكل مؤمن من لدن آدم إلى قيام الساعة! وكأن مفتاح الأجور بيده يوزعها كيف يشاء!) وهذا لا يمكن ألبتة، فليس لكل أفراد الأسرة أجر أضحية كما هي لذابحها.
٣. ومع ذلك فهذا الفعل -تحديدا- (وهو التضحية منه صلى الله عليه وسلم عمن لم يضح من أمته)- هو من خصوصياته، كما سيأتي بعده.
والأقرب في معناه: أن النبي صلى الله عليه ولي المؤمنين، وأبوهم، وهو ما لا يمكن لأحد أن يشاركه فيه، ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، الأحزاب/ ٦، أنَّهُ هو ﷺ أبٌ لَهم، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُما قَرَآ: (وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم)، وهَذِهِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةٌ دِينِيَّةٌ، وهو ﷺ أرْأفُ بِأُمَّتِهِ مِنَ الوالِدِ الشَّفِيقِ بِأوْلادِهِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا في رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة/ ١٢٨، ولَيْسَتِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةَ نَسَبٍ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ والنِّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: “إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكم”.
” أضواء البيان”.
وقال السعدي – رحمه الله-:
وهو ﷺ، أب للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده.
“تفسير السعدي”.
ولتعلق ذلك الأضحية عن أمته قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته.
“تفسير سورة النور”.
ثالثا: الخصوصية النبوية في هذا الفعل
رجّح الحافظ ابن حجر العسقلاني -وغيره- أن هذا الفعل من خصائص النبي ﷺ.
قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله– :
ويحتمل أن يقال: شراء … كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمَّته .
انتهى
وقال الشوكاني –رحمه الله–:
ولا (يصح) القول بصرف أحاديث الأوامر عن معانيها الحقيقية أنه ضحى عن أمته، وفي حديث آخر ضحى عن محمد وآل محمد؛ لأن تضحيته صلى الله عليه وآله وسلم قد قامت مقام التضحية منهم، وذلك مزية خصه الله سبحانه بها .
انتهى
وقال الألباني –رحمه الله–:
أما ذاك الذي جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام : فهو أمر خاص يوم أن ضحى فقال: “هذا عني وعمّن لم يضح من أمتي”.
انتهى
ويُبنى هذا الترجيح على أصل أصولي معتبر، وهو: ترك السلف للفعل مع قيام المقتضي وانتفاء المانع، لم يُنقل هذا الفعل عن الخلفاء الراشدين، ولا عن غيرهم الصحابة، ولا عن الأئمة، ولا عن العلماء، ولا عن الأغنياء الموسرين من سلفنا الصالح أن أحدًا منهم ضحّى عن “من لم يضح من الأمة”، مع شدة حرصهم على الخير والاقتداء، وهذا إجماع عملي سكوتي معتبر.
رابعا: ضابط مهم في فهم معنى التشريك بالأجر وهبة الأعمال
يخلط كثيرون في هذا الأمر، ونحن نبينه بنقطتين مختصرتبن واضحتين:
١. من أدخل غيره في عمل صالح قام به فهو “التشريك”، فيكونون جميعا شركاء -إذا قبل الله تعالى العمل- في أصل الأجر، لا في تفاصيله ومنازله، فمن تبرع بكفالة يتيم -مثلا- ولنفرض أن ثواب ذلك ألف حسنة: فيشترك هو والذين أدخلهم معه بالألف حسنة، لا أن كل واحد منهم له ألف حسنة، وهذا ما يخلط به المشاهير ويخدعون به الناس، فيتبرع بريال واحد ويشرك معه في أجره ملايين يوهمهم أن كل واحد منهم له أجر التبرع بريال!
٢. من وهب أجر عمله الصالح لغيره من أب أو أم أو قرابة أو متابعين، فهو “هبة العمل وإهداؤه”: فليس له أجر ذلك العمل، وهم جميعا شركاء في أجر ذلك العمل، لا أن كل واحد منهم له أجر ذلك العمل كاملا -كما سبق في النقطة السابقة-، وهو له أجر الإحسان إليهم.
قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
ونحن إذا أهدينا أعمالنا إلى الأموات: فليس لنا فيها أجر، يعني: ليس لنا فيها أجر العمل؛ لأن أجر العمل تخلّينا عنه إلى المُهدَى له، إنما فيها أجر الإحسان إلى هذا الرجل الذي أهدينا له العمل.
“نور على الدرب”.
خامسا: تحذير للمشاهير وتنبيه للمتابعين
الأصل المقرر شرعًا: أن اعتبار الأعمال إنما يكون بمقاصدها ونيّاتها، لا بمجرد صورها وأشكالها الظاهرة، لقوله ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”.
وعليه: فإذا كان المشهور يتعمد إظهار أفعاله ومحتواه في صورةٍ توحي بالخير أو الدعوة أو نفع الناس، بينما القصد الغالب أو المحرّك الحقيقي لذلك هو تكثير المتابعين وتعظيم العوائد المالية الناتجة عن الإعلانات أو الترويج التجاري، فإن هذا القصد يُؤثّر تأثيرًا مباشرًا في الأجر الشرعي.
فالعمل حينئذٍ، وإن كان في ظاهره مباحًا أو مشروعًا، إلا أنه يُجرّد من وصف القربة إذا خلا من قصد التعبد، أو غلب عليه قصد الدنيا، لأن الشريعة لم ترتّب الثواب على مجرد الصورة، بل على ما قام في القلب من ابتغاء وجه الله، وقد قرر أهل العلم أن من قصد بعمل الآخرة الدنيا، لم يكن له من عمله إلا ما نواه، ولا يُكتب له أجر القربة، بل قد يكون فعله من جنس المباحات التي لا ثواب فيها، أو من الأعمال التي يُخشى على صاحبها الإثم إن اقترن بها رياء أو تلبيس.
وللأسف أن أشبه ما يكون صورة وحكم فعلهم هو استئجار قارئ للقرآن ليقرأ في محفل بمال، فهي بيع عبادة، وكذلك يفعل المشهور حين يكفل يتيما ثم يبيع هذا الفعل بكثرة متابعين وكثرة مشاهدات، ولا يجوز لأحد أن يستجيب له بمشاهدة أو نشر أو متابعة.
قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
استئجار القارئ ليقرأ القرأن محرّم ولا يجوز وذلك لأن قراءة القرآن من العبادات التي يتقرّب بها الإنسان إلى ربه، وما كان من باب القربات فإنه لا يجوز أخذ العِوض الدنيوي عليه ولا يجوز لأحد أن يُعطي القارئ أجرا فيعينه على إثمه… إن قراءة هذا القارئ ليس فيها أجر؛ لأنه ما أريد بها وجه الله، والشيء الذي لا يُراد به وجه الله ليس فيه أجر، وحينئذ لا يكون فيها إلا العناء وبذل المال في غير فائدة، فالواجب على المسلم الحذر من هذا الشيء وعدم القيام به، فالقارئ آثم، والذي يُعطيه الأجرة على قراءته آثم أيضا؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان.
“نور على الدرب”
وعليه: فإن إظهار العمل بمظهر الصلاح أو الدعوة مع كون المقصد الحقيقي دنيويّا، يُعدّ صرفًا للعمل عن غايته الشرعية، ويُفضي إلى سقوط الأجر أو نقصه بقدر ما غلب من القصد الدنيوي، لأن الأجر تابع للنية، والنية روح العمل، فإذا فسدت أو انصرفت عن مقصدها، بطل أثر العمل في ميزان الثواب.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٦ رجب ١٤٤٧ هـ، ٥/ ١/ ٢٠٢٦

مجزرة شارع علي الوحش في بلدة يلدا ( من أقذر المجازر بتاريخ إيران وقطعان الشبيحة في سوريا )

في مثل هذا اليوم في عام 2014 ارتكبت مليشيات إيران وقطعان الشبيحة أقذر المجازر بتاريخها.. مجزرة شارع علي الوحش في بلدة يلدا، هذه المجزرة التي يقدر البعض عدد الشهداء فيها أكثر من 3 آلاف شهيد أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ المحاصرين حتى الموت جوعاً.. سنبقى نلاحقكم حتى القصاص منكم

 

مقال علمي مهم ( مخالَفةُ الأشَاعرةِ لمُعتقدِ أئمَّةِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ )

مقال علمي مهم
مخالَفةُ الأشَاعرةِ لمُعتقدِ أئمَّةِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ
إعدادُ القِسمِ العلميِّ بمؤسَّسةِ الدُّررِ السَّنيَّةِ
١٧ رجب ١٤٤٧ هـ
انقر على الرابط ↓

مخالَفةُ الأشَاعرةِ لمُعتقدِ أئمَّةِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ

“فتاوى نور على الدرب الصوتية”

“فتاوى نور على الدرب الصوتية”
أكثر من (١٨٠٠٠) فتوى بالكتاب والسنة الصحيحة من إذاعة القرآن الكريم.
قال صلى الله عليه وسلم “الدال على الخير كفاعله”، وقال صلى الله عليه وسلم “بلغوا عني ولو آية”.

انقر على الرابط ↓

نور على الدرب

حكم أخذ المستهلكات من الفنادق كالشامبو والصابون وعلاقات الشاي

حكم أخذ المستهلكات من الفنادق كالشامبو والصابون وعلاقات الشاي
السؤال:
السلام عليكم
هل يجوز أخذ الشامبوهات والكريمات القطع الصغيرة التي بالفندق للبيت؟.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
= إذا كان النزيل يتعمد إخفاء العبوات غير المستعملة يوميا ليوهم عامل الخدمة أنها نفدت ليضع له بدلا منها، بقصد جمع أكبر كمية وأخذها معه؛ فهذا لا يجوز؛ لأنه نوع من التحايل و الإسراف، وخروج عن الإذن العرفي، فالفندق يضعها للكفاية والحاجة لا للتجارة أو التخزين.
= حكم أخذ البقية يوم الخروج: الجواز.
وهو ما تبقى عند المغادرة النهائية.
فما كان موجودا في الغرفة لحظة المغادرة سواء كان مستعملا أو غير مستعمل، جاز له أخذه؛ لأنه مخصص له وقد انتهت إقامته، وغالبا ما يكون مآله التلف أو الرمي، فأخذه هنا حفظ للمال.
= تنبيه:
الغالب في سياسات الفنادق أنها لا تقدّم حزمة جديدة من المستهلكات يوميّا تلقائيّا، وإنما تعيد تعبئة ما نفد أو ما طُلب، ويختلف ذلك باختلاف نظام الفندق وسياساته.
وعليه؛ فالعبرة في الحكم بالإذن العرفي أو النظام المعلن، لا بمجرد وجود المستهلكات في الغرفة.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٣/ ١/ ٢٠٢٦