الرئيسية بلوق الصفحة 38

هل يجوز للرجل أن يقترض مالًا ( للمهر ) ليتمكن من الزواج؟.

السؤال:

هل يجوز للرجل أن يقترض مالًا ( للمهر ) ليتمكن من الزواج؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا شك أن الزواج كرامة وفضيلة وسنة عن أنبياء الله ورسله:{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } [ الرعد / 38 ].

 

  1. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تكفل بإعانة من أراد الزواج ففي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف “. رواه الترمذي ( 1655 )  وحسنه ، والنسائي ( 3120 ) وابن ماجه ( 2518 ).

والحديث: حسَّنه الترمذي، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 3050 ).

فعلى من يرغب بالزواج أن يستعين بالله في هذا الأمر وسيجد العون من الله تبارك وتعالى.

 

  1. يجوز للمسلم أن يقترض مالًا لكي يتزوج ويعف نفسه وخاصة إذا وجد في نفسه رغبة ملحة وخشي الوقوع في الفتن أو الحرام، ولكن على المسلم أن لا يتكلف ما لا يستطيع أو يحمل نفسه فوق طاقتها، فيقترض المسلم على قدر الحاجة والضرورة والله سيكتب له العون على سدادها إن علم منه صدق نية السداد ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله “.

رواه البخاري ( 2257 ).

 

– ونسأل الله أن يعينك على الزواج وأن يعين كل راغب به من المسلمين.

 

والله أعلم.

 

حكم قول: ” رحمه الله ” بعد ذكر اسم الموتى، وهل فعله الصحابة؟

السؤال:

سمعت القليل من المسلمين الذين يقولون دائما “رحمه الله” بعد ذكرهم لاسم أحد الموتى من المسلمين،  وخصوصا العلماء السابقين.

هل فعل الصحابة هذا الفعل عند موت أحدهم؟  وهل هذا من البدع؟  وإذا كان الجواب بلا، فلماذا لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

قول ” رحمه الله ” بعد ذكر اسم أحد الموتى: لا حرج فيه، بل وقد تقال هذه الكلمة للأحياء، وهو ليس من باب الجزم واليقين، بل هو من باب الدعاء والرجاء.

وقد ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم هذه العبارة دعاءً لبعض أصحابه الأحياء دلالة على قرب موته، وذكرها دعاءً لبعض من ذكَّره آية أنسيها، وذكرها الصحابة رضي الله عنه دعاءً لبعض أصحابهم الموتى، وتتابع العلماء على هذه الكلمة دعاءً بعد ذكر اسم أحدٍ من العلماء الذين قضوا نحبهم – غالبًا -.

وهذه طائفة من الأحاديث والآثار والأقوال ففي هذه المسألة:

  1. عن سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فقال رجل منهم: أسمِعنا يا عامر من هنيهاتك فحدا بهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من السائق؟ قالوا: عامر، فقال: رحمه الله، فقالوا: يا رسول الله هلا أمتعتنا به؟ فأصيب صبيحة ليلته، فقال القوم: حبط عمله قتل نفسه فلما رجعت وهم يتحدثون أن عامرًا حبط عمله فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله، فقال: كذب من قالها، إن له لأجرين اثنين، إنه لجاهد مجاهدٌ، وأي قتل يزيده عليه. رواه البخاري ( 6496 ) .
  2. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا. رواه البخاري ( 2512 ) ومسلم ( 788 ).

ومن هذا الباب:

عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفُنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف, فلمَّا أصبح غدا على النبي  صلى الله عليه وسلم فقال: قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة.

رواه مسلم ( 2054 ).

  1. عن أبي جمرة قال: قال لنا ابن عباس ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غِفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي … فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثل ما صنع بالأمس وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس قال فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله.

رواه البخاري ( 3328 ).

  1. عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فيأبى أن يقبله فقال: يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رحمه الله. رواه البخاري ( 2599 ).
  2. عن عبدة وعاصم بن أبي النجود سمعا زر بن حبيش يقولا: سألت أبيَّ بن كعب رضي الله عنه فقلت: إنَّ أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: رحمه الله أراد أن لا يتكل الناس أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين فقلت بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. رواه مسلم ( 762 ).
  3. قال الإمام النووي:

يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار فيقال: رضي الله عنه أو رحمة الله عليه أو رحمه الله ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء: إن قول رضي الله عنه عنه مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم: رحمه الله فقط فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور استحبابه، ودلائله أكثر من أن تحصر، فإن كان المذكور صحابيا ابن صحابي قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: وكذا ابن عباس، وكذا ابن الزبير وابن جعفر وأسامة بن زيد ونحوهم ليشمله وأباه جميعا. ” المجموع ” ( 6 / 149 ).

  1. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله:

الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأما بعد:

فقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين، وهم يصفون الميت فيها بأنه ” مغفور له ” أو ” مرحوم ” أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله وأن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنَّة أو نار إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب أو شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كالعشرة من الصحابة ونحوهم، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له أو مرحوم، ولذا ينبغي أن يقال بدلا منها: غفر الله له أو رحمه الله أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت.

وأسأل الله سبحانه أن يهدينا جميعا سواء السبيل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 2 / 57 ).

  1. وقال علماء اللجنة الدائمة:

المشروع: أن يقال في حق الميت المسلم رحمه الله، لا ” المرحوم “.

وقالوا:

لا يجوز قول ” المرحوم ” للميت، وإنما يقال رحمه الله؛ لأن الجملة الأولى إخبار من القائل، وهو لا يعلم الحقيقة، بل الله سبحانه الذي يعلمها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 141 ).

 

 

والله أعلم.

زوجها لا ينفق عليها ولا على أطفالها، فكيف تنفصل عنه؟

السؤال:

أعيش في إنجلترا، وعندي طفلتين تذهب الصغرى منهما لمدرسة لذوي الحاجات الخاصة.  والد الطفلتين يعمل في الخارج.  إنه لا يعطيني مالا، وعندما أسافر لزيارته فأنا أقوم بدفع قيمة تذاكر سفري وسفر الطفلتين أيضا.  إنه لا يعطيني مالا للمصروفات، ولذلك فقد أجبرت على العمل.  لقد طلبت منه حتى مهري لكنه رفض أن يعطيني مهري بشكل قاطع.  وفي آخر مرة ذهبت فيها لزيارته، اتهمني بأني أتسبب في صرف ماله عندما أكون معه.  لقد وقع العديد من المشاجرات مع عائلته في الماضي، وقد وصل به (أو بهم) الأمر لدرجة أنه (أو أنهم) كان (أو كانوا) يضربني (أو يضربونني).  أنا لا يُسمح لي بالبقاء في بيت والديه بينما تعيش زوجات اخوته في بيت والدي أزواجهن.  إنه يذهب أيضا للزيارة دون أن يبالي بمشاعري.  وفي مثل هذه الحالات، حيث لا يقوم الزوج بأي من مسؤولياته تجاه زوجته وأبنائه، وليكن ذلك في صورة توفير المال والمسكن، أو متابعة تعليم الأطفال والاهتمام بذلك، أو الاهتمام بصحتهم، فهل يجوز لي أن أبطل الزواج، أم يجب على طلب الخلع؟  أرجو أن تجيب على سؤالي فالوضع أصبح يزيد من كآبتي كما أني لا أعرف أين أقف مع شخص مثله.  ونقطة أخرى، فهو لا يتصل بي هاتفيا ولا يبعث لي برسائل.  أرجو أن تساعدني.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على الزوج أن يتقي الله تعالى في زوجته وأن يفعل ما أوجب الله عليه، ومما أوجب الله عليه المعاشرة بالمعروف، ومنه: النفقة عليها وعلى أولاده.

قال ابن قدامة:

نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب فقول الله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }، ومعنى: { قدر عليه } أي: ضيق عليه، ومنه قوله سبحانه: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر }، أي: يوسع لمن يشاء، ويضيق على من يشاء …

وأما السنة: فما روى جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال: ” اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “، رواه مسلم، وأبو داود، ورواه الترمذي، بإسناده عن عمرو بن الأحوص، وقال: { ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا; فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن }، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، متفق عليه.

وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه.

وأما الإجماع: فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن، إذا كانوا بالغين، إلا الناشز منهن، ذكره ابن المنذر، وغيره. ” المغني ” ( 8 / 157 ).

وقد أباح الشرع للمرأة أن تأخذ من مال زوجها دون علمه إن كان قد قصَّر في النفقة عليها وعلى أولاده.

عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف.

رواه البخاري ( 5049 ) ومسلم ( 1714 ).

 

ثانيًا:

وأوجب الشرع على الزوج دفع المهر لزوجته كاملًا غير منقوص، وحرَّم عليه أخذ شيءٍ منه إلا بطيب نفسٍ منها.

قال الشافعي:

وقال عز وجل { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } فبين الله عز وجل في كتابه أن مال المرأة ممنوع من زوجها الواجب الحق عليها إلا بطيب نفسها وأباحه بطيب نفسها لأنها مالكة لمالها، ممنوع بملكها، مباح بطيب نفسها كما قضى الله عز وجل في كتابه، وهذا بين أن كل من كان مالكا فماله ممنوع به محرم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحا بإباحة مالكه له، لا فرق بين المرأة والرجل، وبين أن سلطان المرأة على مالها، كسلطان الرجل على ماله إذا بلغت المحيض وجمعت الرشد. ” الأم ” ( 2 / 269 ).

 

ثالثًا:

وإذا كان هذا الزوج – أو غيره من الأزواج – يرغب بامرأته زوجةً له فإن عليه أن يسرحها بإحسان, ولا يحل له أن يخترع أسبابًا وحكايات فيها اتهامات، أو يسيء معاشرة امرأته، وهو كاره لها، وقد جعل الله له سبيلًا وهو الطلاق، وهذا من الأوامر التي أمر بها الأزواج، قال تعالى { فإمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان }.

ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

قال القرطبي:

قوله تعالى { فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل.

” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

رابعًا:

ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال { فلا  تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

قال القرطبي:

قوله تعالى { فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل.

” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

 

خامسًا:

ولا يحل للزوج أن يضيِّق على الزوجة لتخالع نفسها وتفتديها، ولا ينجيه ذلك عند الله عز وجل، لأن حق   المرأة لا يضيع إذا تنازلت مكرهة فخالعت نفسها.

وهذا ما لم تأتِ الزوجة بفاحشة الزنا، أو أن رفضت طاعته بالمعروف، فترفض أن تخالع، فهنا يجوز له أن يضيِّق عليها.

قال الله تعالى { ولا تعضلوهن  لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }

فهي وإن كانت مخالعة لتفتدي نفسها منه بعد أن كرهها فضيِّق عليها : فإنه لا يذهب حقها.

والحال: أن البغض إن كان من الزوجة: فتخالع وتفتدي نفسها، ولا يحل لها أن تجبره على الطلاق، فتجمع بين أخذ حقها وكرهها المقام عند زوجها.

وإذا كان البغض من الزوج: فلا يحل له أن يضيِّق عليها، لتفتدي نفسها فتخالع، فيجمع بين أخذ مهرها وكرهه لها.

قال ابن كثير:

وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي: تضاروهن في العشرة لتترك ما أصدقتَها أو بعضَه أو حقًّا مِن حقِّها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ولا تعضلوهن } يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحدٍ واختاره ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 466 ).

 

سادسًا:

فإذا أرادت الزوجة أن تخالع زوجها فلتفعل، ولتؤد إليه مهرها، وطالما أنه لم يدفعه لها فلتحلله منه، وإلا فإن الأصل أن ترفع عليه قضية طلاق ليطلقها وليدفع لها مهرها كاملًا.

وإذا استطاعت الزوجة أن تصبر على أذى زوجها فلتفعل، ولتستعن بربها بدعائه والتضرع إليه، ونسأل الله أن يفرج كربها ويُذهب حزنَها.

 

والله أعلم.

كان تاركًا للصلاة عند عقد النكاح، فهل عقده باطل؟

السؤال:

أنا مسلم, ووالداي كذلك, وقد وُلدت في مجتمع مسلم، بل إن جميع الناس أو سكان دولتي هم من المسلمين 100%. لكن, ولسوء الحظ, فقد كنت ممن لا يصلي أبدا وأنا صغير, وأصعب شيء هو أني عندما تزوجت, لم أكن أصلي وقتها. وقد اتفق بعض العلماء على أن الذي لا يصلي فإنه لا يعتبر مسلما أبدا. وإذا كان الشخص الذي لا يصل هو غير مسلم, فإن عقد نكاحه يكون باطلا, حتى وإن كان الشخص يقوم بأمور الزواج وفقا للشريعة.  وقد تبت الآن إلى الله مما عملته سابقا.  فكيف يكون الوضع إذا كان زواجي ليس صحيحا, بسبب أني لم أكن أصلي عندما تزوجت؟ هذا الأمر يشوش تفكيري. لذلك, هل علي أن أعيد عقد النكاح؟(بالمناسبة, فقد رُزقنا بطفلين, ولله الحمد).

 

الجواب:

الحمد لله

العقد الذي يقع بين الزوجين قبل إسلامهما عقد صحيح، وعقود الكفار في النكاح عقود صحيحة ملزمة، إلا من تزوج منهم امرأة أبيه أو أحد محارمه.

فإن أسلم الرجل بعد كفره لا يقال له جدد عقدك مع امرأتك بل عقده صحيح ماض لا ضرر فيه.

 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

بل لو أسلم الزوجان الكافران أُقرا على نكاحهما بالإجماع، وإن كانا لا يقران على وطء شبهة وقد احتج الناس بهذا الحديث على أن نكاح الجاهلية نكاح صحيح، واحتجوا بقوله: { وامرأته حمالة الحطب } [ المسد / 4 ]، وقوله: { وامرأة فرعون } [ التحريم / 11 ]، وقالوا: قد سماها الله امرأة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 175 ).

* قال ابن القيم:

قال مالك: قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم فلم يفرق النبي بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك  النكاح.

قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 651، 652 ).

* وقال:

ويعلم علمًا ضروريا أنه لم يفسخ عقد نكاح أحد سبق امرأته بالإسلام أو سبقته ثم أسلم الثاني لا في العدة ولا بعدها.

وكذلك أيضا يعلم أنه لم يجدد نكاح أحد سبقته امرأته بالإسلام أو سبقها ثم أسلم الثاني لا في العدة ولا بعدها.

وكذلك أيضا يعلم أنه لم يجدد نكاح أحد سبقته امرأته أو سبقها بالإسلام بحيث أحضر الولي والشهود وجدد العقد والمهر وتجويز وقوع مثل هذا ولا ينقله بشر على وجه الأرض يفتح باب تجويز المحالات وأنه كان لنا صلاة سادسة ولم ينقلها أحد وأذان زائد ولم ينقله أحد ومن هذا النمط وذلك من أبطل الباطل وأبين المحال فهذه سيرة رسول الله  وأحواله وأحوال أصحابه بين أظهر الأمة تشهد ببطلان ما ذكره وأن إضافته إليه محض الكذب والقول عليه بلا علم.

فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد “، رواه الترمذي فكيف تقولون إنه لم يجدد لأحد ممن تقدم إسلام امرأته نكاحا؟

قيل: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله قاله أئمة الحديث، قال الترمذي: في إسناده مقال،

وقال الإمام أحمد: هذا حديث ضعيف، والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرها على النكاح الأول، هذا لفظه.

وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت، والصواب: حديث ابن عباس ” أن النبي ردها بالنكاح الأول”. وقال الترمذي – في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ” أنه ردها بالنكاح الأول فكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين ولم يحدث نكاحا ” -: هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 665 – 667 ).

* وقال رحمه الله تعالى:

وتضمن أن أحد الزوجين إذا أسلم قبل  الآخر لم ينفسخ النكاح بإسلامه فرقت الهجرة أو لم تفرق، فإنه لا يعرف أن رسول الله جدد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر قط، ولم يزل الصحابة يسلم الرجل قبل امرأته وامرأته قبله ولم يعرف عن أحد البتة أنه تلفظ بإسلامه هو وامرأته وتساوقا فيه حرفًا بحرف، هذا مما يعلم أنه لم يقع البتة، وقد رد النبي ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع وهو إنما أسلم الحديبية وهي أسلمت من أول البعثة فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة.

وأما قوله في الحديث ” كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين ” فوهم إنما أراد ” بين هجرتها وإسلامه “. ” زاد المعاد ” ( 5 / 136 ).

 

والله أعلم.

 

نصراني يبحث عن الحقيقة ويسأل عن الفروقات بين القرآن والإنجيل؟

السؤال:

قرأت في الصحيفة أن 15% من القرآن يتحدث عن المسيح؛  وكذلك فقد قرأت في النسخة الإنجليزية (لمعاني) القرآن أن محمدًا كان يؤمن بالمسيح وإبراهيم وبجميع الأنبياء وبكتبهم التي سبقت القرآن.  إذا كان الأمر كذلك, فلماذا يقبل القرآن ببعض التعاليم الواردة في الكتاب المقدس, مثل معجزات المسيح, وعدم وقوعه في المعصية, وأنه نبي, … إلى غير ذلك, ويتناقض مع العديد من التعاليم الواردة فيه مثل إلهية المسيح كما ورد في “إيسا” 9:6 و”جان” 1:1, و3:16, وتألم المسيح وموته تكفيرا عن خطايا البشر كما ورد في العهدين القديم والجديد؟

إذا كان القرآن خاليا من الخطأ, فلماذا توجد كل هذه الطوائف في الإسلام مثل “شوهيت(؟)” و”الشيعة” على التوالي؟

لماذا يسمح القرآن بتعدد الزوجات, بينما يمنع الكتاب المقدس من ذلك كما ورد في “جن.” 2:24 و”مات.” 19:5؟

إن روحي تبحث عن الحقيقة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن الله تبارك وتعالى قد أكثر من ذكر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في كتابه لأسباب عديدة منها:

  1. أنه نبيٌّ من أنبيائه، بل ومن أولي العزم من رسله إلى خلقه وعباده، والإيمان به واجب كباقي الأنبياء كما أمر الله سبحانه بقوله { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون }.
  2. إن أولى الناس بالعناية الدعوية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ وذلك أنهم أقرب الأمم ممن جاءتهم الرسل من آخر الأمم التي بعث فيها آخر الرسل، وقد علم كلٌّ من اليهود والنصارى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصافه مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، والواجب أن لا ينكروها وأن يسارعوا إلى الإيمان به؛ لأنهم يؤمنون من قبل بالرسل خلافًا لغيرهم من عبدة الأوثان، فلما لم يكن منهم ما أُمروا به من الإيمان بآخر الرسل عليه الصلاة والسلام: كان لابد من الرد عليهم وتبين ما آلو إليه من تحريف التوحيد والأحكام فكثر ذكرهم لذلك.
  3. وهو أصل الأصول، وعليه قوام الدين والدنيا، وبه تكون النجاة من النار، والدخول إلى الجنان، وهو تقرير التوحيد لله الواحد الأحد، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا في عيسى عليه السلام فقالت اليهود: هو دجَّال أفاك كذاب مفتر على الله وجب قتله! والنصارى كان خلافهم أشد فمنهم من قال: إنه الله! ومنهم من قال: إنه ابن الله متحد مع الله في الأقانيم في الظاهر ابن الله وفي الحقيقة الله! ومنهم من قال: هو ثالث الأقانيم التي هي مرجع أصل التوحيد ومدار التثليث! وآخرون قالوا: بل هو رسول من عند الله وبشر كسائر الخلق لكن الله خصه بمعجزات ليقيم الحجة على العباد، والآخِرون هم المصيبون فكان لابد من تفصيل الحال وبيان حقيقة الأمر وإظهار عيسى بما يليق به ولا ينقصه كسائر الأنبياء والمرسلين أنه بشر مخلوق من طين اختاره الله عن سائر البشر ليكون من غير أب إظهارًا لقدرة الله على إيجاد الخلق مع زوال الأسباب، وإن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  كما قال الحق سبحانه { إن مَثَل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } فهذا الفيصل في خلق نبي الله عيسى مع إعجازه أمام أعين البشر فالأكثر إعجازا منه وهو آدم عليه السلام.

فإن كان عيسى عليه السلام وُلد من غير أب: فإن آدم خلقه الله من غير أب وأم وهذا أدعى لإظهار قدرة الله سبحانه وتعالى في الخلق والإبداع وأعظم إعجازا من خلق عيسى عليه السلام  فلكل ذلك وغيره كان لابد من التفصيل في أمر عيسى عليه السلام  ووضع الأمور في نصابها وبيانها على حقيقتها.

والخلاصة: أن المعجزات التي وهبها الله تبارك وتعالى لعيسى عليه السلام إنما هي كسائر معجزات الأنبياء للتدليل على صدقه وأنه رسول الله حقًّا فخلط المحرِّفون هذه المعجزات على بسطاء الناس، وجعلوا من معجزاته وسلية للقول بأنه ابن الله أو الله، وهذا كله تحريف لتعاليم المسيح ورسالة المسيح عليه السلام.

ومن ثم لو أن كل من اتبع نبيًّا جعل من معجزاته التي وهبه الله إياها أنَّه إلهٌ لكان كل الأنبياء آلهة  فما من نبي إلا وتميز عن غيره بمعجزاته فالجبال سبَّحت مع داود عليه السلام وما سبحت مع عيسى، والبحر شُق لموسى وكلَّم ربَّه وكلمه ربُّه فكان كليم الله وما كان هذا لعيسى عليهما السلام، ونوح أغرق الله الأرض بدعائه وما كان هذا لعيسى ومحمد صلى الله خصه الله بكلامه وحفظ له معجزته من الزوال والتحريف وبعث للناس كافة وكان له من المعجزات ما لم يكن لعيسى فهل يجوز أن يكونوا آلهة؟!.

 

ثانيًا:

أما القول أنه إذا لم يكن القرآن محرَّفًا فلمَ توجد هذه الفرق الكثيرة من شيعة وغيرها من الفرق؟.

والجواب على هذا السؤال: أنه لا دخل للقرآن بصواب النَّاس وخطئهم؛ لأن القرآن الكريم هو سبيل الهداية للنَّاس وهذه الفرق قد حذَّر الله تبارك وتعالى منها، ونهى أن نتشبه بالأمم  التي فرَّقت دينها كما قال الله تبارك وتعالى  { ولا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون }، وقال الله تعالى { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } وأمرهم الله سبحانه  بالاعتصام بكتابه واتباع سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم فقال { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون }، وقال سبحانه { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم } أي: لا تقولوا قولًا ولا تفعلوا فعلًا خلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالمراد: بيان أن الله تبارك وتعالى نهى الناس عن الفرقة وأمرهم بالاجتماع فاتَّبعوا أهواءهم وتترسوا خلف شهواتهم وشبهاتهم ونبذوا كتاب الله خلف ظهورهم وإن حملوا آية من كتاب الله لم يرجعوا في فهمها إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يكون الرأي عندهم هو الحكم وعقلوهم الفاسدة هي المرجع وكل ذلك ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا:

أما السؤال عن تعدد الزوجات في الإسلام ومنعها في العهد الجديد: فاعلم أن الله تبارك وتعالى جعل لكل رسول شرعةً ومنهاجًا فما مِن نبيٍّ أرسله الله إلا وأمره بالتوحيد، وأما الشرائع فكانت مختلفة ناسخة لبعضها البعض، فما كان جائزًا في زمن آدم عليه السلام من الأحكام والشرائع نُسخ بعضُه في زمن نوح عليه السلام، وما كان جائزًا في زمن نوح كان بعضه منسوخًا في زمن إدريس على القول الصحيح أنه بعد نوح عليهما السلام …. وما كان في زمن موسى نسخ بعضه في زمن عيسى عليه السلام وهذا كما قال الحق سبحانه وتعالى  { لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا }، فإذا فهمت هذا فاعلم أن تعدد الزوجات لم يكن في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وحسب بل كان التعدد في شرائع الأنبياء السابقين ومثاله أن يعقوب عليه السلام قد تزوج من امرأتين وجمع بين أختين على ما ذكر في العهد القديم من سفر التكوين في الباب التاسع والعشرين ( 15 – 35  ).

وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام كان قد تزوج من امرأتين وهما هاجر وسارة  وذكر العهد القديم أن نبي الله داود تزوج من سبعين امرأة أو تسع وتسعون على حد قول العهد القديم،  وسليمان قد تزوج من مائة امرأة، وغير ذلك مما يبين لك أن كلَّ نبيٍّ من الأنبياء يطبق ما شرع الله له من الأحكام، وأن تعدد الزوجات ليس خاصًّا بهذه الأمة، وأما منع النصارى من هذا التعدد فيمكن أن يكون لسببين:

الأول: أنه من شرع الله، وهذا واجب التطبيق قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنَّهم ابتدعوه من عند أنفسهم تشديدًا عليها كما فعلوا في الرهبانية التي ابتدعوها ولم تكن قد كتبت عليهم لكن أرادوا منها أن يرضوا الله عز وجل بها.

 

والله اسأل لك الهداية والتوفيق لبلوغ دين الحق وهو الإسلام وعلى سنة نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام بفهم أصحابه الغر الميامين الكرام.

 

والله الهادي.

 

نصرانية تسأل عن لباس المرأة المسلمة ومعتقدات المسلمين وتمسكهم بها!.

السؤال:

أكتب بحثا عن الدين الإسلامي، وأتمنى إن تتمكن من الإجابة على بعض الأسئلة التي سألقيها في مقابلاتي.

  • كيف ترون القيود المفروضة على لباس المرأة, والاحتفالات بأعياد الميلاد, والتقاط الصور الفوتوغرافية؟
  • كيف تقارنون أنفسكم مع غير المسلمين؟
  • هل ترون أن مجيئكم إلى الولايات المتحدة سوف يغير في معتقداتكم الإسلامية؟

4- هل ترون أن دينكم يقيدكم, أم هل تجدون متعة في تمسككم به, ولماذا؟

  • كيف ترون وضع المرأة في أفغانستان, حيث لا تسمح الحكومة لها بالعمل؟

 

الجواب:

الحمد لله

 أولًا:

أ. القيود التي فرضتها الشريعة على المرأة هي عنوان حريتها، بل إن هذا القيد إذا خلعته فهي مقيدة وإذا سلسلت به فهي حرة.

أرأيت لو أنك ملكت جوهرة جميلة بهية تستهوي القلوب، وتميل الأبصار إليها من حسنها فتتدافع إليها النظرات متتاليات معجبات، وتتمناها الأنفس، وكل نفس تحدث صاحبها وتقول: هل لك من سبيل إلى هذه الجوهرة.؟

ونفس أخرى تقول لآخر: الناس في غفلة عنك فمد يدك إليها واجعلها في جيبك.

وكذا المرأة جوهرة ثمينة تتطلع إليها النفوس، وتشرئب إليها الأعناق، فلو تركنا المرأة تلبس ما تشاء لأسرتها الأيدي العابثة وقيدتها بقيد الشهوات والنظرات.

ثم إننا لم نفرض على المرأة لباسها من خواطرنا ولا بأمانينا، بل لقد حكم الله تعالى عليها هذا من فوق سماواته، فعظمة هذا القرار من عظمة الذي قرره وحسبك بعظمة الله تعالى عظمة وبكبريائه كبرياءا.

فقد قال الله تعالى جل في علاه:

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [ الأحزاب / 59 ].

فلباس المرأة صون لها وعفة وطهر وحفاظ للمجتمع من الضياع والفسق والدعارة والدياثة، وما أهلك المجتمعات في بلاد الغرب إلا بعدما تبرجت نساؤها وخانت النساء أزواجهن.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء “. رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

 

وعن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان “. رواه الترمذي ( 1173 ).

والحديث: حسَّنه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 936 ).

وقد علمنا أن المرأة لو مرت وهي غير متزينة بجمع من الرجال لأمكن للشيطان أن يفتنهم بها أو يبقي شيئًا من ذلك في قلوبهم، فكيف بها حال تعطرها وتبرجها، ففتنتها مضرة ولا شك كما أخبر بذلك نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ب. أما أعياد الميلاد التي يصنعها الكفار من غير المسلمين فلا يحل لنا أن نشاركهم بها لأن في مشاركتنا لهم موافقة لهم على ما يعتقدون من الشرك الذي لا نعتقده.

قال الإمام ابن القيم:

وقد سمى الله سبحانه أعيادهم زورًا، والزور لا يجوز إظهاره، فقال تعالى: { والذين لا يشهدون الزور } [ الفرقان / 72 ]، قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في تفسيره: ….  عن الضحاك: { والذين لا يشهدون الزور } عيد المشركين، وقال سعيد بن جبير: الشعانين، وكذلك قال ابن عباس: الزور، عيد المشركين ….. وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره: فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الفقيه الشافعي: ” ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه …. .

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1244 – 1245 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأما أعياد المشركين فجمعت الشبهة والشهوة والباطل ولا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها إلى ألم فصارت زورًا، وحضورها: شهودها، وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟ ثم مجرد هذه الآية فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم ذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم وغيرها من الزور ويقتضي الندب إلى ترك حضورها وقد يفيد كراهية حضورها لتسمية الله لها زورًا.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 1 / 183 ).

وسئل – يعني ابن تيمية – عمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس والميلاد وخميس العدس وسبت النور ومن يبيعهم شيئا يستعينون به على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئا من ذلك أم لا؟.

فأجاب: الحمد لله، لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 329 ).

ج. أما التقاط الصور الفوتغرافية:

فقد سبق الجواب على مثلها في السؤال رقم ( 10044) فقلنا هناك:

أما التصوير الفوتوغرافي أو التصوير بالفيديو فقد اختلف العلماء في حكمهما:

فقال قوم: هي حرام، حكمها حكم التصوير بالنحت أو الرسم باليد وما أشبه هذا، واستدلوا بالأحاديث الزاجرة عن التصوير والمحرمة له وهي:

  • قال أبو زرعة: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورًا يصور قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة …. “. رواه البخاري ( 5609 ) – واللفظ له – ومسلم ( 2111 ).

ب.  عن مسلم قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صفته تماثيل فقال: سمعت عبدالله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون  “. رواه البخاري ( 5606 )  ومسلم ( 2109 ).

ج.  عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله   الملائكة “. رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 2107 ).

د.  عن عائشة رضي الله عنها قالت: ”  قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين”. رواه البخاري (5610 ) ومسلم ( 2107 ).

– القرام: ستر رقيق فيه ألوان نقوش.

– السهوة: الرف أو سترة تكون في ساحة البيت.

– يضاهون: يشابهون.

فألحق المحرمون للتصوير الفوتغرافي هذا التصوير بالتصوير باليد والنقوش وقالوا: له حكمه لأن العلة المانعة من ذلك هي وجود الصورة التي فيها الروح.

وقال آخرون:

لا يأخذ التصوير الفوتغرافي حكم التصاوير الأخرى؛ لأن التصوير الفوتغرافي خيال كخيال المرآة فالتصوير بها كالوقوف أمام المرآة وكلاهما مباح لا إثم فيه.

وقالوا: إن هذا التصوير يعطي صورة مماثلة طبق الأصل لا ترى اختلافًا بين الصورتين فليس فيها محاولة للمشابهة بخلق الله الذي نص الحديث عليه وجعله علة للتحريم.

وأحل بعضهم التصوير بالفيديو وحرموا التصوير بالورق – أي: التصوير الفوتوغرافي بالكاميرا -.

يقول الشيخ ابن عثيمين:

وأما الصور بالطرق الحديثة فهي قسمان:

القسم الأول: لا يكون له منظر ولا مشهد ولا مظهر، كما ذكر لي عن التصوير بأشرطة الفيديو فهذا لا حكم له إطلاقا ولا يدخل في التحريم مطلقا، ولهذا إجازة أهل العلم الذين يمنعون التصوير على الآلة الفوتغرافية على الورق وقالوا: إن هذا لا  بأس به حتى إنه قيل: هل يجوز أن تصور المحاضرات التي تلقى في المساجد؟ فكان الرأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يشوش على المصلين وربما يكون المنظر غير لائق  وما أشبه ذلك.

القسم الثاني: التصوير الثابت على الورق، وهذا إذا كان بآلة فوتوغرافية فورية فلا يدخل في التصوير ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن هذا ملعون؛ لأنه لم يصور في الواقع فإن التصوير مصدر صوَّر يصوِّر أي: جعل هذا الشيء على صورة معينة كما قال الله تعالى:  { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } [ آل عمران /6 ] ، وقال: { وصوركم فأحسن صوركم } [ التغابن / 3 ].

فالمادة تقتضي أن يكون هناك في الفعل في نفس الصورة؛ لأن ” فعل ” في اللغة العربية هذا مقتضاه، ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن ندخله في اللعن ونقول إن هذا الرجل ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله  فيه: يجب علينا  أيضا التورع في منع ما لا يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب فكما نتورع في الإيجاب: نتورع أيضا في السلب، وكذلك كما يجب أن نتورع في السلب: يجب أن نتورع في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم ولكن سيترتب عليها عقوبات فهل نشهد أن هذه العقوبات باللعن وشدة الظلم وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يفرق بين رجل أخذ الكتاب الذي خطته يدي وألقاه في الآلة الفوتغرافية  وحرك الآلة فانسحبت الصورة فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم الأول، ويقال: هذا خطه ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلده بيدي أرسم مثل حروفه وكلماته فأنا الآن حاولت أن أقلدك، وأن أكتب ما كتبت، وأصور ما صورت أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا، ولهذا يمكن أن أصور في الليل ويمكن أصور إنسانًا وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يصوِّر الرجل الأعمى، فكيف نقول إن هذا الرجل مصور؟

فالذي أرى أن هذا لا يدخل تحت اللغة، ولا يكون تحت التصوير بناء على المادة التي اشتق منها ” صور “.

 

ولكن يبقى النظر إذا أراد الإنسان أن يصور هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئًا محرمًا: فهو حرام، وإن قصد به شيئًا واجبًا: كان واجبا، فقد يجب التصوير أحيانًا خصوصا الصور المتحركة، فإذا رأينا مثلًا إنسانًا متلبسا بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد كمحاولة أن يقتل، وما أشبه ذلك  ولم نتوصل بإثباتها إلا بالتصوير: كان التصوير حينئذ واجبًا، خصوصًا في المسائل التي تضبط القضية تمامًا،  لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، إذا أجرينا هذا التصوير لإثبات شخصية الإنسان خوفًا من أن يتهم بالجريمة غيره، فهذا أيضا لا بأس به، بل هو مطلوب.

وإذا صورنا هذه الصورة من أجل التمتع بالنظر فهذا حرام بلا شك، وكالصورة للذكرى؛ لأننا لا نقول إنها غير صورة، هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. ” الشرح الممتع ” ( 2 / 197 – 200  ).

 

ثانيًا:

الإسلام هو آخر الديانات التي ارتضاها الله تعالى لخلقه جميعًا، وقد أرسل الله خير أنبيائه به، وأمره أن يدعوَ الناس جميعًا إليه، فصار الإسلام حاكمًا على غيره من الأديان، وأصبح القرآن ناسخاً لما قبله من الكتاب السماوية ومهيمنًا عليها، وقد ثبت بما لا شك فيه أن كل الأديان السابقة قد حرَّفها أهلها، وكل الكتب السماوية السابقة قد بُدلت وحرفت، فهي صحيحة في أصلها وهي من عند الله ولكن جاء الإسلام فأمر الله تعالى الناس جميعًا به ولم يرض منهم غيره، فمن آمن بغيره لا يقبل الله منه دينه.

والدليل على ذلك قوله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين }   [ آل عمران  / 85 ].

قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:

يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام ليَدين به: فلن يَقبل الله منه، { وهو في الآخرة من الخاسرين }، يقول: مِن الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل.

” تفسير الطبري ” ( 3 / 339 ).

والإسلام لا ينظر إليهم على أنهم مذنبون فحسب بل على أنهم كافرون مخلدون في نار جهنم كما سبق في الآية السابقة.

هو خاسر في جهنم لا يخرج منها، ولا يمكن للكافر أن يدخل الجنة إلا أن يسلم، قال الله تعالى: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين } [ الأعراف / 40 ].

 

 

 

 

بل إن الله تعالى أخذ العهد على الأنبياء جميعًا أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وينصرونه لو قُدِّر أن يكون بين ظهرانيهم، كما قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ  وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ . فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }   [ آل عمران / 81،   82 ].

عن أبي الدرداء قال: جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتُها من أخ لي من ” بني زريق ” فتغير وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال عبد الله بن زيد – الذي أريَ الأذان -: أمسخ الله عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إمامًا، فسرِّي عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدًا أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين.  رواه أحمد ( 15437 ).

 وقال ابن حجر:

.. جميع طرق هذا الحديث، وهي وان لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا.

” فتح الباري ” ( 13 / 525 ).

 

ثالثًا:

لو أننا ذهبنا إلى الولايات المتحدة فلن يزيدنا هذا إلا تمسكًا والتزامًا وقوةً في ديننا لأننا سنبصر الضلال على حقيقته وسنعايشه فنكون أشد فرارا ونفرة منه، والذي يرى الشيء ويعاينه ليس كمن سمع به، إذ الرائي سيكون أكثر بصيرة واستيقانا، فإذا كنا ننكر على ضلالات الناس هناك دون أن نراهم فكيف بنا إن عايناهم وأبصرتهم عيوننا.

قال شاعر العرب:

خذ مـا رأيــت ودع شيئا سمعت به       فــي رؤية البـدر ما يغنيك عن زحل

وعندكم من المسلمين ما يكفي من العدد، من سائر أقطار العالم، وكلهم مازال مستمسكا بعقيدته لا يبيعها بملء الأرض ذهبا.

 

رابعًا:

نحن لم نؤمن بالله تعالى إلا بعدما امتلأت قلوبنا رغبة وحبا وإيمانا وتصديقا بديننا فنؤمن بالله تعالى الذي هو ربنا وخالقنا ومنشؤنا من العدم وهو رازقنا ومصرف أمورنا إليه مآلنا ومنتهانا بيده رزقنا ومعايشنا.

فنحن نحب القرآن الذي هو كلام الله تعالى الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله وسن لنا به ما يصلح  دنيانا وأخرانا، وكذلك نحب نبينا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا نبدل بحبه شيئا من الدنيا.

وإن تمسكنا في الدين رغبة حقة في القلب، ولا نرى ذلك قيدا يقيدنا ويمنعنا مما سواه، فإن حلاوة الإيمان خالطت بشاشة قلوبنا وتمكنت من سويدائها فهي في صميم الصميم تمشي في عروقنا مع الدماء.

قال القرطبي:

وقال سهل بن عبدالله: ” علامة حب الله: حب القرآن، وعلامة حب القرآن: حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم: حب السنَّة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة: حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة: أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه: أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا: ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة.

” تفسير القرطبي ” ( 4 / 60 – 61 ).

وقال ابن رجب الحنبلي:

ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه وزيادة الإيمان بذلك وتحقيق التوكل على الله عز وجل وخوف الله سرا وعلانية والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا واختيار تلف النفوس بأعظم أنواع الآلام على الكفر واستشعار قرب الله من العبد ودوام استحضاره وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما والحب في الله والبغض فيه والعطاء له والمنع له وأن يكون جميع الحركات والسكنات له وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية والاستبشار بعمل الحسنات والفرح بها والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها وإيثار المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأموالهم وكثرة الحياء وحسن الخلق ومحبة ما يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين ومواساة المؤمنين خصوصا الجيران ومعاضدة المؤمنين ومناصرتهم والحزن بما يحزنهم.

” جامع العلوم والحِكم ” ( 1 / 32 ).

فديننا الذي نحب عالج لنا أمراض القلوب:

فقابلنا المصائب بالصبر.

وفقر الدنيا بغنى النفس.

وضيق الدنيا بسعة الآخرة.

وزهدنا بما في أيدي الناس ورغبنا بما في يد الله تبارك وتعالى.

طلقنا الدنيا واقترنا بالآخرة.

فلم نزل على هذا حتى يبعثنا الله تعالى إليه.

 

خامسًا:

لقد حرم الإسلام على المرأة الابتذال والتهتك سواء في ملبسها أو في عملها فحجبها عن الرجال لتصان وتحفظ عفتها، والذي حدث هنالك في أفغانستان هو تطبيق لشرع الله تعالى الذي فرض على المرأة أن تصون نفسها من وحل التبرج والتبذل والخلاعة.

وتعريض المرأة للخروج للعمل ينقص من عفتها ويعرضها للفتن والمساويء، بل إن ديننا من حفاظه على المرأة حبب لها الصلاة في بيتها ولم يحببها لها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي تعدل الصلاة فيه ألف صلاة فيه والمسجد الحرام الذي تعدل الصلاة فيه بمائة ألف صلاة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام “. رواه البخاري ( 1133 ) ومسلم ( 1394 ).

فمع هذا الأجر العظيم يرد علينا هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب الصلاة معك، فقال: قد علمت انك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل. رواه ابن خزيمة ففي ” صحيحه ” ( 1689 ).

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه الرجال من النساء وحذر النساء من الرجال، وعظم أمرهم حتى جعل فتنتهم أشد الفتن وأشد المضرات.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء “. رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

قال ابن حجر: 

وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء }، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك ويقع في المشاهدة حب الرجل ولده من امرأته التي هي عنده أكثر من حبه ولده من غيرها. وقد قال بعض الحكماء: النساء شر كلهن وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع أنها ناقصة العقل والدين تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين كشغله عن طلب أمور الدين وحمله على التهالك على طلب الدنيا وذلك أشد الفساد. ” فتح الباري ” ( 9 / 138 ).

وقال ابن القيم رحمه الله:

ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة.  …

فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعا لذلك. ” الطرق الحكمية ” ( ص 408 ).

 

 

وإننا لنقرأ في كثيرٍ من الأحيان شكاوى المرأة في الغرب، ونسمع آهات كثيرة متعددة من هنا وهناك كلها تطالب بأن تُحفظ للمرأة كرامتها وعفتها، وأن لا تكون سلعة رخيصة في الإعلانات والمحلات لجلب الزبائن، وكلهنَّ يحسدن المرأة في الإسلام على ما أعطاها من إكرامٍ وتعظيم، وليس معنى هذا أن المرأة لا تعمل في الإسلام، بل إنها تعمل أعظم العمل وأخطره وهو تربية أولادها على الدين والخلق، والقيام بواجب الزوج الذي جعل الله تعالى جسمَه مهيئًا للعمل دون المرأة.

 

قال الفيلسوف الإقتصادي ” جون سيمون “:

النساء قد أصبحن الآن نسَّاجات وطبَّاعات … إلخ، وقد استخدمتْهن الحكومة في مَعاملها، وبهذا اكتسبن بضعة دريهمات، ولكنهن في مقابل ذلك قد قوَّضن دعائم أسرهنَّ تقويضًا، نعم، … وهناك نساء يشتغلن بصك الدفاتر، وفي محلات التجارات، ويُستخدمن في المكاتبات، وفي وظيفة التعليم، وبينهن عدد عديد في التلغرافات والبوسطات والسكك الحديدية، وبنك فرنسا والكريدي ليونيه، ولكن هذه الوظائف قد سلختْهنَّ من أُسرهنَّ سلخًا. ” مجلة المجلات ” المجلد 17، بواسطة ” وسقط القناع ” لعصام الخالدي ( ص 30 ).

 

ويقول ” جيوم فريرو ” البحَّاثة الشهير:

يوجد في أوروبا كثير من النساء اللواتي يتعاطين أشغال الرجال، ويلتجئن بذلك إلى ترك الزواج بالمرة، … ولو تمادى الحال على هذا المنوال لنشأ منه خلل اجتماعي عظيم الشأن، وإنا لنذكر أن ” هتلر ” في أواخر أيَّامه قد بدأ يمنح الجوائز لكل امرأة تترك عملها خارج البيت وتعود إلى بيتها، وكذلك فعل          ” موسوليني “، ويكاد يُجمع مفكرو الغرب على أنه ليس هناك سبب لضياع الأبناء وفسادهم وتفكك أُسرهم إلا هجر المرأة بيتَها لتعمل خارجه. ” مجلة المجلات ” المجلد 17، بواسطة ” وسقط القناع ” لعصام الخالدي ( ص 31 ).

وفي عام ( 1660 م ) تجمعت ( 74 ) دولة في مؤتمر الجريمة في ” لندن ” فقرر أن مِن أهم عوامل ازدياد الجرائم بين الأحداث: خروج المرأة من البيت، والفراغ الذي تتركه لأبنائها الأحداث. ” صوت الإسلام ” عدد 115، سنة 1961 م، بواسطة ” وسقط القناع ” لعصام الخالدي ( ص 30 ).

 

وتقسيم الأدوار في العمل أمر منطقي معقول، فما يستطيعه الرجل لا تستطيعه المرأة، وما تقدر على فعله المرأة يعجز عنه كثير من الرجال.

 

 

 

 

ومشاركة المرأة للرجال في الأعمال في غالبها ما تكون مكابرة وإلا فهي أعجز من أن تستطيعها فضلًا عن أنها تتقنها، وإنك إذا نظرت في بعض الأعمال والمِهن لا تكاد تجد فيها امرأة، لحاجة هذه الأعمال للقوة أو للجرأة أو للحكمة، وخذ مثالا على ذلك: طب العظام، فمن النادر أن تجد امرأة في هذا التخصص! وإن وجد فنسبته لا تكاد تُذكر.

 

وهذا لا يعني أن الإسلام يحرم العمل بالكلية على المرأة، لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط وضوابط، بل إن بعض الأعمال لا يحل للرجل العمل بها مع توفر النساء، كتدريس النساء، أو علاجهن أو ما شابههما.

 

وعلى كل حال: فالحكم في عمل المرأة هو الجواز إن كانت الظروف مهيأة لعملهن في أمن وأمان، وكان مجال العمل فيه لا يصلح إلا لهن.

 

وأنه لا يجوز حيث يوجد الاختلاط وتعريضها للفتن وقلة أو انعدام الأمن.

 

والله أعلم.

 

 

فتاة في بلاد الغربة تريد إكمال دراستها والحصول على قرض، وتطلب التوجيه والنصح.

السؤال:

فتاة مسلمة، أنهت دراستها الثانوية العام الماضي، وانتقلت من عند والدتها إلى بلاد ما وراء البحار لتعيش مع أخيها. ودخلت الإسلام, بينما باقي أفراد عائلتها ليسوا مسلمين أو أنهم يتبعون أي دين آخر.

تلك الفتاة كانت تلبس الحجاب, لكنها لا تلبسه بشكل صحيح الآن. ولا يوجد عذر لذلك, لكنها ترغب في الحصول على وظيفة لا تمانع لبسها الحجاب. كما أن أخوها لن يجبرها على خلع الحجاب. وهي الآن تعمل، لكنها ترغب في الذهاب للكلية لتحصل على درجة جامعية في التدريس. والمشكلة، حيث أن الحكومة في بلاد والدتها تعطي قروضا بفوائد عالية, والبلاد التي هي فيها الآن تعطي قروضا بدون فوائد, لكن عليها أن تنتظر مدة سنتين كاملتين قبل أن تتمكن حتى من التقديم للحصول على قرض من هذا النوع.  وهي لا تريد أن تضيع الوقت على نفسها. وقد تعرفت على سائق سيارة أجرة (تاكسي) تقي, وقد أخبرها أنه يجب عليها ألا تكون في بيئة كتلك؛ وأن عليها أن تتزوج في أسرع وقت ممكن. وأخوها لا يسمح لها بمغادرة البيت أبدا, كما أنه صاحب نفوذ قوي جدا. إنها تريد أن تذهب إلى والدتها للدراسة، لكنها لا ترغب في الحصول على قرض بفوائد ربوية. فبماذا تنصحها؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحمد لله الذي كتب لك الهداية للدخول في دين الإسلام وهذه نعمة لا توازيها نعمة على وجه الأرض.

ثانيًا:

لاشك أن يواجه المسلم الملتزم الذي أسلم حديثا بعض الصعوبات وبعض المشاكل وخصوصا أنه تعود على نمط من الحياة يوجب دخوله الإسلام أن يغيره وبالتالي قد يواجه بعض الصعوبات من أسرته ومن مجتمعه الذي يعيش فيه.

ثالثًا:

المسلم الجديد لا بد أن يبحث عن رفقة ملتزمة صالحة تعينه وترشده وتقدم له النصائح حتى لا يتأثر بالجو الذي كان عليه ولا يستزله الشيطان أو رفاق السوء بالرجوع على ما كان عليه.

رابعًا:

أنصح الأخت المسلمة أن تتقي الله سبحانه وتعالى وأن تلتزم بالحجاب الصحيح وقد تواجهها بعض الصعوبات ولكن الله سوف يكون لها سندًا وعونًا وسيحفظها إن علم صدق النية والإخلاص.

 

 

خامسًا:

أنصحها أن لا تلتفت لدخول الجامعة لأن ذلك يؤدي إلى الوقوع في محاذير شرعية كالتعامل بالربا – كما ذكرت السائلة – أو التخلي عن الحجاب أو الاختلاط المحرم.

سادسًا:

أنصحها أن تبحث عن زوج مسلم يعفها وتعيش في كنفه كما ذكر لها ذلك السائق المسلم وأن تستعين بالله على ذلك، وتتفرغ لدراسة اللغة العربية حتى تستطيع أن تفهم الإسلام جيدا وتتفرغ لدراسة الإسلام حتى تكون داعية إلى الإسلام وتنقذ ما استطاعت من أهلها وأقاربها ومجتمعها  من الموت على الشرك وهذه من أهم الأعمال وأفضلها لمن دخل في الإسلام في الدنيا والآخرة، وأسأل الله أن يثبتك على الإسلام وأن يكتب الهداية لأسرتك.

 

والله أعلم.

 

 

إذا كان كل شيء مكتوبا ومقدرا، فما دورنا كبشر؟

السؤال:

تحدث لي أشياء سيئة كثيرة لكنني أحاول وآمل أن تتحسن الأمور يومًا ما، رغم أني ألوم نفسي، لكن الملّا (الشيخ) قال لي إن هذا محتوم وينبغي أن أعتبره اختبارًا من الله.

أتساءل: إذا كان كل شيء قدر ومكتوب ما دورنا كبشر؟ ماذا يقول الإسلام عن المحاولة والقدر؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. نحن لا ندري ماذا كتب الله لنا، لذا فإن دور المسلم هو العمل بطاعة الله تعالى والابتعاد عن نهيه، وأما ما كتبه الله علينا في الأزل فهو يدل على كمال علمه سبحانه وأنه يعلم ما كان وما يكون، ولا علاقة لعلمه سبحانه بما سنفعل بالثواب والعقاب، إنما الثواب والعقاب على أعمالنا.

لذا لا ينبغي للعاصي أن يحتج بقدر الله تعالى، لأن الله تعالى أمرنا أن نؤمن بالقدر لا أن نحتج به، ومن احتج على معاصيه بالقدر فقد شابه المشركين فضلا عن أنه حكم على عقله بالفساد، وعلى دينه بالنقض، وفيه خراب للعالم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر يؤمن به ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض؛ فإن القدر إن كان حجة وعذرًا: لزم أن لا يُلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه، وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه إذا ظُلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحد أن يفعله فهو ممتنع طبعً محرمٌ شرعًا.

ولو كان القدر حجة وعذرًا لم يكن إبليس ملومًا ولا معاقبًا، ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزًا، ولا إقامة الحدود جائزًا، ولا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل القاتل، ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه.

ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلًا في فِطَر الخلق وعقولهم: لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم؛ فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته.

ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع، فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده. ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 323 ).

  1. وما يوجد في نفوس الناس من الشر هو من خلق الله، لكن هذا لا يعني أنه الله يحبه فضلا عن أن يكون قد أمر به، وكيف يكون ذلك وهو الذي أمر بمجاهدة النفس، ورتَّب الثواب عليها، ونهى عن الشر والمعصية ورتَّب العقوبة عليها؟ والله تعالى جعل – بحكمته – النفوسَ مهيأة للخير والشر، وطلب من الناس فعل الخير وترك الشر والمعاصي، هذا هو عملهم وما خُلقوا لأجله.

لكن خلط الناس في هذا الأمر جعلهم يتخبطون في فهم هذه الحقيقة الشرعية المهمة.

قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله:

ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يُلهم العبد فجورَه وتقواه، والإلهام: الإلقاء في القلب، لا مجرد البيان والتعليم – كما قاله طائفة من المفسرين – إذ لا يقال لمن بيَّن لغيره شيئًا وعلَّمه إياه أنه قد ألهمه ذلك هذا لا يعرف في اللغة البتة، بل الصواب ما قاله ابن زيد قال: جعل فيها فجورها وتقواها، وعليه حديث عمران بن حصين أن رجلا من مزينة – أو جهينة – أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى قال، ففيم العمل؟ قال: مَن خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها، وتصديق ذلك في كتاب الله {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها }.

فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء والقدر السابق يدل على أن المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها لا مجرد تعريفها، فإن التعريف والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر، ومن فسر الآية من السلف بالتعليم والتعريف فمراده تعريف مستلزم لحصول ذلك لا تعريف مجرد عن الحصول فإنه لا يسمى إلهاما، وبالله التوفيق.

” شفاء العليل ” ( ص 55 ).

  1. ومن علم مراتب القدر وفهمها على وجهها الشرعي انحلت عنه إشكالات كثيرة، وزالت من قلبه وعقله وساوس متعددة، وبخاصة المرتبة الثالثة وفيها بيان التفريق بين الإرادة الكونية وهو ما شاءه الله أزلا، وبين الإرادة الشرعية وهو ما يحبه الله ويرضاه.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

قد ذكر العلماء رحمهم الله أن الإيمان بالقدر يجمع أربعة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه علم الأشياء كلها قبل وجودها بعلمه الأزلي وعلم مقاديرها وأزمانها وآجال العباد وأرزاقهم وغير ذلك كما قال سبحانه وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ العنكبوت / 62 ]، وقال تعالى: { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } [ الطلاق / 12 ]، وقال تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [ الأنعام / 59 ]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

الثاني: من مراتب الإيمان بالقدر: كتابته سبحانه لجميع الأشياء من خير وشر وطاعة ومعصية وآجال وأرزاق وغير ذلك كما قال سبحانه: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحج / 70 ]، في آيات كثيرة سبق بعضها آنفًا، وفي الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: { فَأمّا مَن أعطى . وصدَّقَ بالحُسنى } الآيتين [ الليل / 5 ، 6 ]، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله بن مسعود المخرج في الصحيحين في ذكر خلق الجنين وأنه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.

الأمر الثالث من مراتب الإيمان بالقدر: أنه سبحانه وتعالى لا يوجد في ملكه ما لا يريد ولا يقع شيء في السماء والأرض إلا بمشيئته، كما قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28 ، 29 ]، وقال تعالى: { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } [ المدثر / 55، 56 ]، وقال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [ الأنعام / 137 ]، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الأنعام / 39 ]، وقال عز وجل: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } [ الأنعام / 125 ]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً معلومة من كتاب الله.

والإرادة في هذه الآية بمعنى المشيئة، وهي إرادة كونية قدرية بخلاف الإرادة في قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً } [ النساء / 26 – 28 ]، فالإرادة في هذه الآيات الثلاث إرادة شرعية أو دينية بمعنى المحبة، والفرق بين الإرادتين:

الأولى: لا يتخلف مرادها أبدًا، بل ما أراده الله كونا فلا بد من وقوعه كما قال تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ يـس / 82 ].

أما الإرادة الشرعية: فقد يوجد مرادها من بعض الناس وقد يتخلف.

وإيضاح ذلك: أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة ومع ذلك أكثر الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق؛ لأنه سبحانه وتعالى قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبيَّنها، ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعًا لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة.

وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.

ومما يزيد المقام بيانا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما أمن بمشيئة الله وإرادته الكونية وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل والله الموفق.

 

الأمر الرابع من مراتب الإيمان بالقدر: أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لجميع الأشياء من ذوات وصفات وأفعال فالجميع خلق الله سبحانه وكل ذلك واقع بمشيئته وقدرته فالعباد وأرزاقهم وطاعاتهم ومعاصيهم كلها خلق الله وأفعالهم تنسب إليهم فيستحقون الثواب على طيبها والعقاب على خبيثها والعبد فاعل حقيقة وله مشيئة وله قدرة قد أعطاه الله إياها والله سبحانه هو خالقه وخالق أفعاله وقدرته ومشيئته كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة / 20]، وقال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [التكوير / 28 ، 29 ]، فلا يخرج شيء من أفعال العباد ولا غيرهم عن قدرة الله ولا عن مشيئته فعلم الله شامل ومشيئته نافذة وقدرته كاملة لا يعجزه سبحانه شيء ولا يفوته أحد كما قال عز وجل: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } [ الطلاق / 12 ]، والعرش وما دونه من سماوات وأرضين وملائكة وبحار وأنهار وحيوان وغير ذلك من الموجودات كلها وجدت بمشيئة الله وقدرته لا خالق غيره ولا رب سواه ولا شريك له في ذلك كله كما أنه لا شريك له في عبادته ولا في أسمائه وصفاته كما قال تعالى: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الزمر / 62 ]، وقال تعالى: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ البقرة / 163 ]، وقال سبحانه: { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ . الله الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص كلها ]، وقال سبحانه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الشورى / 11 }، فالله سبحانه هو الخالق وما سواه مخلوق وصفاته كذاته ليست مخلوقة وكلامه من صفاته والقرآن الكريم من كلامه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كلام الله عز وجل منزل غير مخلوق بإجماع أهل السنة وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة.

وبما ذكرنا يتضح لطالب الحق أن مراتب القدر أربع من آمن بها وأحصاها فقد آمن بالقدر خيره وشره.

وقد ذكر العلماء هذه المراتب في كتب العقائد وأوضحوها بأدلتها وممن ذكر ذلك باختصار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه: ” العقيدة الواسطية ” وذكرها وأوسع فيها الكلام تلميذه المحقق العلامة الكبير أبو عبد الله ابن القيم في كتابه: ” شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ” وهو كتاب نفيس عظيم الفائدة نادر المثل أو معدومه ننصح بقراءته والاستفادة منه.

والله أسأل سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة عليه وأن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم . . إنه جواد كريم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

” فتاوى ابن باز ” ( 6 / 58 – 61 ).

 

والله أعلم.

قول الصوفية: بأنّ هنالك علم منقول وعلم معقول وعلم ما وراء العقول ويحتجون بقصة موسى مع الخضر!!.

السؤال:

كيف ترد على الصوفية الذين يقولون بأن هنا علم منقول وعلم معقول وعلم ما وراء العقول ويحتجون بقصة موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر وأن الله آتاه العلم اللدني ..؟!!.

 

الجواب:

الحمد لله

الصوفية بدعة خطيرة على الإسلام وأهله، وتقسيمهم العلم بهذا التقسيم كان من شر بدعهم بل هو رأس ضلالاتهم.

قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: 

جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل ـ يعني أصل: أن علم الغيب مما لا يكون إلا لله ـ  فأقاموا شيئا سمَّوْه ” الكشف الصوفي ” وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السموات جميعا، وما في الأرض جميعا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع  قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي…هكذا والله.

” الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة ” ( ص 235  ).

ويقول المؤلف في معرض كلامه عن أحدهم وهو الجيلي: 

ولا يتوقف هذا الهذيان الذي يطالعنا به الجيلي في كتابه لحظة واحدة  فهو يزعم أنه قد كشفت له الحجب فرأى العالم عاليه وسافله، وشاهد الملائكة جميعا، وخاطبهم والرسل والأنبياء؛ فها هو يقول ويدعي: ” وفي هذا المشهد اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض أقمت فيه بزبيد بشهر ربيع الأول في ثمانمائة من الهجرة النبوية فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه  عليهم أجمعين والأولياء والملائكة العالين، والمقربين، وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات  جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه الأزل إلى الأبد – ويستطرد قائلا -: وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه “.

” المرجع السابق ” ( ص 250 ).

وقال الإمام أبو اليسر البزدوي: 

وفي الصوفية قوم يدعون الإلهام يقولون: حدثني قلبي عن ربي، ثم يذكرون بعض ما وضعه ” القرامطة ” من الإشارة الفاسدة بالألفاظ الهائلة يغرون بها العامة جعلوا ذلك مكسبة  لأنفسهم  وأنكروا  الشرائع أجمع، فهؤلاء  شرُّ خليقة الله تعالى، وواحد من هؤلاء  حضر من  بلدة بخارى سنة 478 ،وجمع الصوفية وبعض أصحاب الشافعي على نفسه، وكنت خرجت من بلدة بخارى إلى بعض قراها فلّما حضرت أخبروني بحضوره، وكان قبل ذلك يعتقد مذهب أبي حنيفة ويميل إلى الاعتزال، فبعثت إليه اثنين  من أصحابي قلت لهما: قولا له لماذا تركت مذهب أبي حنيفة وأخرجت هذه البدع. فقال؛  ما تركته: فقلت لهما: قولا له لماذا ترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؟ فاضطر إلى كشف سريرته الخبيثة فقال: ظهر لي ما لو ظهر لكم ترفعون أيديكم! فقلت لهما: قولا له ماذا ظهر لك هل تقدر على إظهاره أو لا تقدر؟ فإن كنت تقدر على إظهاره: فأظهر، وإن كنت لا تقدر على إظهاره: فذلك بدعة عجزت عن إظهارها، ثم قلت لهما: قولا له إنا على الطريقة التي كان عليها الرسل والأنبياء  والصالحون من الفقهاء من جميع الأعصار وأتقياؤهم وأولياؤهم وقرّاؤهم وأنت أيها التلبيس ـ هكذا جاءت في الأصل ـ   الضال الغاوي المغوي أعرضت عن طريقة هؤلاء وسلكت طريقة إبليس وهي طريقة الروافض والقرامطة، فعند ذلك فرّ من بلدة بخارى ونواحيها فرار القرود من الأسود والهنود من القيود، وقد أخبرني واحد من فقهائنا أنه سأل هذا المبتدع لم تركت مذهب أبي حنيفة وترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه صلى الله عليه وسلم وغيرهم ويرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، فقال: قلت له رأيت في المنام؟ قال: بل في اليقظة!!.

” المرجع السابق ” ( ص 689 – 690 ) ناقلًا عن كتاب ” أصول الدين ” للبزدوي.

ونذكر فيما يلي بعض أقوالهم الباطلة الشنيعة:

قال المناوي:

قال الغزالي: قال أبو يزيد: ليس العالِم الذي يحفظ من كتاب فإذا أنسي ما حفظ صار جاهلا، إنما العالِم الذي يأخذ علمه من ربِّه أي وقت شاء بلا تحفظ ولا درس، وهذا هو العالم الرباني وإليه الإشارة بقوله تعالى { وعلمناه من لدنا علما } مع أن كل علمٍ من لدنه لكن بعضها بواسطة تعليم الخلق فلا يسمَّى ذلك علمًا لدنيًّا، بل العلم اللدنِّي الذي ينفتح في سر العالم من غير سبب مألوف من خارج. ” فيض القدير ” ( 2 / 8 ).

ولا يكون ذلك ـ أي علم ما وراء العقول ـ إلا بعد الرياضيات النفسية ومجاهدة النفس مع الزهد والجوع والعطش والانقطاع عن الناس وقد نقل الذهبي بعض كلام ابن حمدين عن أحوال القوم فقال:

وقال – أي: ابن حمدين ينقل كلام الغزالي -: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فيجلس فارغ القلب مجموع الهم يقول الله الله الله على الدوام فليفرغ قلبه ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث، قال: فإذا بلغ هذا الحد: التزم الخلوة في بيت مظلم وتدثر بكسائه فحينئذ يسمع نداء الحق ” يا أيها المدثر ” و ” يا أيها المزمل “.

قلت ـ القائل هو ابن حمدين: سيد الخلق إنما سمع { يا أيها المدثر } من جبريل عن الله وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبدًا بل سمع شيطانًا أو سمع شيئًا لا حقيقة من طيش دماغه والتوفيق في الاعتصام بالسنة والإجماع. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 334 ).

وقد يصل الحد ببعضهم بعد ذلك أن يؤمن بالاتحاد.

قال صديق خان:

ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملؤا الصحف منه مثل الهروي في كتاب ” المقامات ” له وغيره وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم، وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضًا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبًا لم يعرف لأولهم، فأشرب كل واحدٍ من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم.  ” أبجد العلوم ” ( 2 / 161 ).

ويقول ابن حمدين وهو محمد بن حمدين القرطبي – في وصف أحوالهم:

إن بعض مَن يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه ثم تبرأ منه شغفًا بالشرعة الغزالية والنحلة الصوفية: أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد – أي: الغزالي، وكتابه هو ” إحياء علوم الدين ” – إمام بدعتهم فأين هو من شنع مناكيره ومضاليل أساطيره المباينة للدين وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعه ولا يفوز بإطلاعه إلا من تمطَّى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها وشرع أحكامها، قال أبو حامد: وأدنى النصيب هذا العلم التصديق به وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئًا فاعرض قوله على قوله ولا يشتغل بقراءة قرآن ولا بكتب حديث لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جبته والتدثر بكسائه فيسمع نداء الحق فهو يقول ذروا ما كان السلف عليه وبادروا ما أمركم به. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 332 ).

ويقول الذهبي معلقًا عل بعض كلام الغزالي: 

ومما أخذ عليه – يعني أبا حامد -: قال إن للقدر سرًّا نهينا عن إفشائه!!

فأي سرٍّ للقدر فإن كان مدركا بالنظر: وصل إليه ولا بد، وإن كان مدركا بالخبر: فما ثبت فيه شيء وإن كان يدرك بالحال والعرفان: فهذه دعوى محضة.

” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 337 – 338 ).

ولكن يجب علينا أن نتوسط في هذا المجال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليهما من دليل أو مشاهدة، باطنة أو ظاهرة: عام أو خاص، فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعًا كثيرًا.

وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم لأحدٍ بغير الطريق التي يعرفها، حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك، وكذلك الأمور الكشفية التي للأولياء  من أهل الكلام من ينكرها، ومن أصحابنا من يغلو فيها، وخيار الأمور أوساطها.

فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث، وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفيًا وإثباتًا، فمِن الناس مَن ينكر منها ما لا يعرفه، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه، فيرفعه فوق قدره وينفي ما سواه، فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض، وهم أكثر خلق الله تناقضًا واختلافًا، وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعيًّا.

وطائفة ممن تدَّعى السنَّة والحديث يحتجون فيه بأحاديث مصنوعة يعلم أنها كذب وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوي وكثير من المتصوفة والفقراء يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفًا وهي خيالات غير مطابقة وأوهام غير صادقة: { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا } [ النجم / 28 ].  ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 185 ).

وأما بالنسبة للخضر عليه السلام: فالصحيح أنه كان نبيًّا، وأن العلم الذي وهبه الله إياه إنما هو العلم الذي يعطيه الله لأنبيائه عليهم السلام.

وقد ضلَّ كثير من المتصوفة لما ظنوا أن الخضر كان وليًّا، وأنه كان عنده العلم اللدني، فراحوا يفضلون لذلك الأولياء على الأنبياء، ومن هنا قال الحافظ ابن حجر:

وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكا بهذه القصة وبما اشتملت عليه وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة ولم ينظر فيما خص الله به موسى عليه السلام من الرسالة وسماع كلام الله وإعطائه التوراة فيها علم كل شيء وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى وأدلة ذلك في القرآن كثيرة ويكفي من ذلك قوله تعالى { يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } وسيأتي من أحاديث الأنبياء من فضائل موسى ما فيه كفاية.

وقال نقلا عن القرطبي -:

وإن قلنا إن الخضر ليس بنبي بل ولي فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به عقلا ونقلا والصائر إلى خلافه كافر لأنه أمر معلوم من الشرع بالضرورة.

قال:

وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانا لموسى ليعتبر الثانية ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتنجلي لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى ويؤيده الحديث المشهور استفت قلبك وأن أفتوك.

قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر؛ لأنه إنكار علم من الشرائع فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه كما قال الله تعالى: { يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } وقال { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به وحث على طاعاتهم والتمسك بما أمروا به فإن فيه الهدى وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك فمن ادعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب.

قال: وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا لأن من قاله أنه يأخذ عن قلبه لأن الذي يقع فيه هو حكم الله وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة كما قال نبينا  صلى الله عليه وسلم  أن روح القدس نفث في روعي قال وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي عن ربي.

وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع نسأل الله الهداية والتوفيق.

وقال غيره: من استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع من خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة ويجوز له فعله فقد ضل وليس ما تمسك به صحيحا فإن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعا وعقلا ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك واضحا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتملات وأما قتله الغلام فلعله كان في تلك الشريعة وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان والله أعلم.

” فتح الباري ” ( 1 / 221 ، 222 ).

 

والله  أعلم.