الرئيسية بلوق الصفحة 45

المسعف وطبيب الطوارئ وتحمل المسئولية عن موت المصاب في حادث

المسعف وطبيب الطوارئ وتحمل المسئولية عن موت المصاب في حادث

السؤال:

أنا مسعف، أعمل بالقطاع الصحي، طُلب مني مباشرة حالة ( حادث سيارة )، وكان المُصاب ملقى على الأرض؟ عندما حضرت للمصاب – لست متأكداً بالضبط هل كان لديه نبض أو لا – نقلته على سيارة الإسعاف، وقمت بإجراء الإسعافات اللازمة له – الإنعاشات القلبية والتنفسية – وذلك بعد ما تأكدت داخل السيارة أن النبض غير موجود.

ولما وصلت للمستشفى سلمت المصاب لقسم الطوارئ، وضعوه في غرفة الإنعاش، سألني أحد الدكاترة المتواجدين ( هل كان لديه نبض أثناء نقلك المصاب من موقع الحادث ) فأجبته بـ ” لا ” غير شعورية، وأنا لست متأكدًا من ذلك هل كان لديه نبض أو لا، كان الوقت للمستشفى من الموقع ما يقارب نصف ساعة، وكنت وقتها أقوم على الإنعاش، وكنت صائمًا ومنهكًا جدًّا من جراء الجهد الذي بذلته أثناء الوصول للمستشفى، فما قلت هذه الكلمة حتى أزالوا من المصاب الأجهزة، وأعلنوا وفاته.

أحس بتأنيب الضمير الآن، لو قلت نعم: كانوا استمرو بعملية الإنعاش له، وقد تكون سبباً بعد الله سبحانه برجوع المصاب للحياة، أعيش في دوامة الآن, وتفكير, علماً بأن الحادثة مضى عليها أكثر من سنتين.

ما المترتب عليَّ عمله الآن؟ وهل عليَّ كفارة؟ وكيف أتخلص من التفكير بالموضوع؟ علمًا أنه أصبح هاجسًا يؤرقني في كل حين وفي كل حالة إسعافية أقوم بها.

أرجو الرد في أسرع وقت ممكن، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بسؤالنا بعض الأطباء عن حالتك تبين لنا أنه لا شيء عليك من الناحية الفنية، وأن دور المسعف يكون في منطقة الكارثة يقدِّم ما يستطيعه من علاج للمصابين، وينتهي بتسليم هؤلاء المصابين لطبيب الطوارئ.

وعمل طبيب الطوارئ يبتدئ منذ أن يستلم المصاب، وليس له أن يبني على قول المسعف مسائل خطرة، فقد لا يكون المسعف أصلاً موجودًا، وعلى الطبيب التصرف بما يستطيعه تجاه المصابين مع قطع النظر عن شهادة المسعف والتي قد تكون ناقصة أو مخطئة.

وإزالة أجهزة الإنعاش عن المريض ليست تُبنى على شهادة مسعف بل على تقدير الطبيب المختص باستنفاذ الوقت اللازم لوضع المريض تحت أجهزة الإنعاش.

ولا يخلو المريض المصاب من كونه وصل إلى المستشفى حيًّا أو ميتًا، فإن وصل حيًّا: فلا تُرفع أجهزة الإنعاش إلا بتقرير من ثلاثة من الأطباء المختصين، وإن وصل ميِّتًا: فلا حاجة أصلا لأجهزة الإنعاش.

وبه يتبين أنه لا علاقة للمسعف بشهادته في فحص نبض المصاب؛ لأن العبرة بحال وصوله، وفحص المريض لدى وصوله من مهمة أطباء الطوارئ وطواقمهم، فهم الذين سيضعونه تحت أجهزتهم، فإن تبين لهم أنه ميت : فلا تهم شهادة المسعف بوجود نبض أثناء الكشف عليه في مكان الحادث أم لا يوجد نبض، وإن تبين لهم أنه حي: فلا تهم شهادة المسعف كذلك؛ لأنه إن قال لا يوجد نبض فقد تبين خلاف كلامه، وإن قال يوجد نبض فقد تأكدت شهادته.

والذي رأيناه في شهادتك في السؤال أنك مضطرب في الجزم بوجود النبض ففي مرة قلت إنك لستَ متأكدًا من وجوده، وثانية قلت إنك متأكد من عدم وجوده، وثالثة كالأول ! وكل ذلك لا يهم طالما أنك ذكرتَ أنك ” قمتَ بإجراء الإسعافات اللازمة له – الإنعاشات القلبية والتنفسية – ” فهذا هو المهم، وهو عملك المناط بك، وأما شهادتك عند الطبيب فلا قيمة لها؛ لأنه لا ينبغي للطبيب أن يبني عليها.

وعليه: فلا يظهر أنك عليك – أخي السائل – شيء تجاه ما حصل مع المريض المصاب، فلا داعي للقلق ولا للحزن، ونسأل الله أن يرحم ذلك الميت إن كان من المسلمين.

ولا نستطيع الحكم على المسألة من جهة الطبيب إلا أن نستمع منه عما جرى معه.

ونوصيك بإتقان عملك، وأن تتقي الله في المرضى والمصابين، وأن تكون جادًّا جازماً في شهادتك.

 

ثانيًا:

وننبهك – أخي السائل – إلى أنه يجوز لك الإفطار – بل قد يجب عليك – إن كنتَ لا تستطيع تأدية عملك على وجهه الصحيح بما فيه إنقاذ نفوسٍ معصومة إلا بالفطر، فلك أن تفطر، بل قد يجب عليك، فتأكل أو تشرب بقدر ما يرجع إليك نشاطك لتؤدي عملك، ولا يلزمك الإمساك بقية اليوم، وعليك قضاء اليوم الذي أفطرت فيه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن الأعذار أيضًا: أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ معصوم من هلكة، مثل أن يجد غريقاً في البحر، أو شخصًا بين أماكن محيطة به فيها نار، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر: فله حينئذ أن يفطر وينقذه، ….

فإذا وجد السبب المبيح للفطر وأفطر الإنسان به: فإنه لا يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم، فإذا قُدِّر أن شخصًا قد أفطر لإنقاذ معصوم من هلكة: فإنه يستمر مفطرًا ولو بعد إنقاذه؛ لأنه أفطر بسبب يبيح له الفطر، فلا يلزمه الإمساك حينئذ؛ لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 109 ).

 

* وقال – رحمه الله -:

في معنى ذلك من أفطر لإنقاذ غريق أو حريق ممن يجب إنقاذه فإنه يفطر ويقضي، مثلًا: رأيت النار تلتهم بيتًا وفيه أناس مسلمون، ولا يمكن أن تقوم بالواجب  بواجب الإنقاذ إلا إذا أفطرت وشربت لتتقوى على إنقاذ هؤلاء: فإنه يجوز لك بل يجب عليك في هذه الحال أن تفطر لإنقاذهم، ومثله هؤلاء الذين يشتغلون بالإطفاء، فإنهم إذا حصل حريق في النهار وذهبوا لإنقاذه، ولم يتمكنوا منه إلا بأن يفطروا ويتناولوا ما تقوى به أبدانهم: فإنهم يفطرون ويتناولون ما تقوى به أبدانهم.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 163 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

أنواع الوحي وصوره، وأثرها على النبي، ورد على ادعاء إصابته بالصرع

أنواع الوحي وصوره، وأثرها على النبي، ورد على ادعاء إصابته بالصرع

السؤال:

المناصرون للمسيحية يقولون: إن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يهدر مثل الجمل، ويحنق عند فمه، ويتمدد على الأرض عندما يأتيه الوحي، فهل هذا صحيح؟ وهم يقولون أيضا – كما قال أحمد بن حنبل – ( كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل ) – أحمد بن حنبل 1، 34، 464، الفصل 163 ) -.

ولكن الأمر الخطير أنهم يقولون: إن محمدًا كان به صرع!.

فهل يمكنكم أن تردوا على هذا الأمر بسرعة؟ فأنا بحاجة إلى إجابتكم.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن مزاعم الكذبة والمفترين على ديننا وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا تنتهي، فمنذ أن بُعث النبي صلى الله عليه وسلم للناس بدأت الحرب على النبي صلى الله عليه وسلم فاتُّهم بأنه ساحر، وأنه مجنون، وليس هذا ببدع في الاتهامات، فقد نال إخوانه الرسول من قبل مثل هذا، ولم يتواصى المتِّهمون بهذه الاتهامات بل كان ذلك بسبب طغيانهم، قال تعالى ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) الذاريات/ 52 ، 53.

 

ثانيًا:

تعددت طرق الوحي التي كان يوحي بها الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها:

  1. تكليم الله تعالى مباشرة من وراء حجاب، يقظة كما حصل ليلة المعراج، ومنامًا كما في حديث حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ – أي: في المنام – فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: رَبِّ لَا أَدْرِي … ) رواه الترمذي ( 3234 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  2. النفث في الرُّوع.

وهو ما يقذفه الله في قلب الموحَى إليه مما أراد الله تعالى، وهو داخل في ” الوحي ” المذكور في قوله تعالى ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51.

وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ وَلاَ يَحْمِلَنّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ ). رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 4 ) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 2085 ).

قال المناوي – رحمه الله -:

( في رُوعِي ) بضم الراء، أي: ألقى الوحي في خلَدي وبالي، أو في نفسي، أو قلبي، أو عقلي، من غير أن أسمعه ولا أراه. ” فيض القدير ” ( 2 / 571 ).

  1. الرؤيا الصادقة.

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ” أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. رواه البخاري.

وقال عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ – وهو من كبار التابعين -: ” رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) “. رواه البخاري ( 138 ).

  1. عن طريق جبريل عليه السلام، وكان يأتيه على صور، منها:

أ. أن يأتيه على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها.

عن مسروق أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) التكوير/ 23 وقوله ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) النجم/ 13، 14: فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ). رواه مسلم ( 177 ).

ب. أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس.

عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ ). رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ).

قال البغوي – رحمه الله -:

قوله ( يأتيني في مثل صلصلة الجرس ) فالصلصلة: صوت الحديد إذا حرك، قال أبو سليمان الخطابي: يريد – والله أعلم – أنه صوت متدارِك يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم، ويستثبت، فيتلقفه حينئذٍ ويعيه، ولذلك قال: وهو أشده عليَّ.  ” شرح السنَّة ” ( 13 / 322 ).

 

 

وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

وقوله ( وهو أشده عليَّ ) إنما كان أشد عليه لسماعه صوت الملك الذي هو غير معتاد، وربما كان شاهَدَ الملَك على صورته التي خُلق عليها، كما أخبر بذلك عن نفسه في غير هذا الموضع، وكان يشتد عليه أيضًا؛ لأنه كان يريد أن يحفظه ويفهمه مع كونه صوتا متتابعا مزعجًا، ولذلك كان يتغير لونه، ويتفصد عرقه، ويعتريه مثل حال المحموم، ولولا أن الله تعالى قواه على ذلك، ومكَّنه منه بقدرته: لما استطاع شيئا من ذلك، ولهلك عند مشافهة الملك؛ إذ ليس في قوى البشر المعتادة تحتل ذلك بوجه.

” المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ” ( 6 / 172 ).

وقال المباركفوري – رحمه الله -:

( وهو أشده علي ) أي: هذا القسم من الوحي أشد أقسامه على فهم المقصود؛ لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، وفائدة هذه الشدة: ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات.

” تحفة الأحوذي ” ( 10 / 79 ).

ج. أن يتمثل له رجلًا، قد يُرى من الصحابة، كما في حديث جبريل المشهور، وقد تمثل للنبي صلى الله عليه وسلم بصورة الرجل الغريب، فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان.

وقد لا يُرى منهم، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( … وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ ). رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني من التنزيل عليه بالوحي، ويظهر ذلك بالعرق الذي كان يسيل من جبهته وجبينه في اليوم الشديد البرد، إلا أن بعض صور الوحي كانت عليه يسيرة كتشكل جبريل بصورة رجل، إلا أن أشدَّها عليه صلى الله عليه وسلم كانت مجيئ الوحي على مثل صلصلة الجرس – كما سيأتي -.

وكانت تحصل مع النبي صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه أحوال، يراها ويسمعها ويشعر بها من حوله من أصحابه رضي الله عنهم، وفي بعضها معاناة شديدة، ومن ذلك:

  1. أنهم كانوا يسمعون عند وجهه دويّاً كدويّ النحل.

عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: “كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل “. رواه الترمذي ( 3173 ).

ويمكن أن يكون صوت دوي النحل باعتبار ما يسمعه من حول النبي صلى الله عليه وسلم، وأما هو صلى الله عليه وسلم فيسمعه كصلصلة الجرس.

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدوي بالنسبة إلى الحاضرين – كما في حديث عمر ” يُسمع عنده كدوي النحل ” – والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو صلى الله عليه وسلم بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه. ” فتح الباري ” ( 1 / 19 ).

  1. أن جبينه وجبهته تفيضان بالعَرَق حتى في اليوم الشديد البرد.

قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ” وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا “. رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ) ولفظه: ” ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا “.

– ( يفصم ): ينقطع.

– ( يتفصد ): يسيل.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي قولها في اليوم الشديد البرد دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة العادة وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية. ” فتح الباري ” ( 1 / 21 ).

وعن عائشة – في حديث البراءة من الإفك – قالت:

حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِى الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْهِ. رواه مسلم ( 2770 ).

– ( الجمان ) هو حب من فضة يعمل على شكل اللؤلؤ، وقد يسمى به اللؤلؤ.

  1. أنه يثقل وزنه صلى الله عليه وسلم جدًّا حتى إن البعير الذي يكون عليه يكاد يبرك، وحتى خشي زيد بن ثابت على فخذه أن ترضَّ وقد كانت فخذه رضي الله عنه تحت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: ” إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا “. رواه أحمد ( 41 / 362 ) وصححه المحققون. زاد البيهقي في ” دلائل النبوة ” ( 7 / 53 ) قولها ” مِن ثقل ما يوحي إلى رسول الله “.

الجِران: باطن عنق الناقة.

قال السندي – رحمه الله -:

قوله ( فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا ) – بكسر الجيم -: باطن العنق، والبعير إذا استراح مدَّ عنقه على الأرض. حاشية ” مسند أحمد ” ( 41 / 362 ).

وعن زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قال: ” … فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي “. رواه البخاري ( 2677  ).

  1. وكان تصيبه الشدة.

وعن عائشة – في حديث البراءة من الإفك – قالت : فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَجْلِسَهُ وَلاَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ.

رواه مسلم ( 2770 ) .

قال بدر الدين العيني – رحمه الله – :

( البُرَحاء ) بضم الباء الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة الممدودة ، وهو شدة الكرب ، وشدة الحمَّى أيضا.  ” عمدة القاري ” ( 1 / 43 ).

  1. وكان يتغير وجهه صلى الله عليه وسلم فيتربَّد ثم يحمرُّ.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ” كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ “. رواه مسلم ( 2334 ).

قال النووي – رحمه الله -:

( وتربَّد وجهُه ) أي: علته غبرة، والربد تغير البياض إلى السواد، وإنما حصل له ذلك لعظم موقع الوحي، قال الله تعالى ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلًا ).

” شرح مسلم ” ( 11 / 190 ).

وفي ( 15 / 89 ) قال:

ومعنى تربد أي تغير وصار كلون الرماد.

انتهى.

وقد وصف الصحابي الجليل يعلى بن أمية وجه النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه بقوله ” فَإِذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ ( أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا )، كما رواه رواه البخاري ( 1463 ) ومسلم ( 1180 ).

وقد جمع بينهما النووي رحمه الله فقال:

وجوابه: أنها حمرة كدرة، وهذا معنى ” التربد “، أو: أنه في أوله يتربد ثم يحمر، أو بالعكس. ” شرح مسلم ” ( 15 / 89 ).

  1. وكان صلى الله عليه وسلم ينكس رأسه، ويغطيه بثوب.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ” كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ نَكَسَ رَأْسَهُ وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ فَلَمَّا أُتْلِىَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ ).

رواه مسلم ( 2335 ).

أتلى: ارتفع عنه الوحى

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ” … وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَرَفْنَا ذَلِكَ فِيهِ فَتَنَحَّى مُنْتَبِذًا خَلْفَنَا قَالَ فَجَعَلَ يُغَطِّي رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ وَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى عَرَفْنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَتَانَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ). رواه أحمد ( 7 / 426، 427 ) وحسنه المحققون.

  1. كان صلى الله عليه وسلم يحرِّك لسانه بسرعة وشدة ليحفظ عن جبريل حتى نهاه الله عن ذلك وطمأنه أنه سيجمع القرآن له في صدره.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) قَالَ: جَمْعُهُ لَه فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ. رواه البخاري ( 5 ) ومسلم ( 448 ).

ورواه مسلم ( 447 ) بلفظ: ” يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ “.

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

تفسير هذا أنه كان يحرك شفتيه بما قد سمعه من جبريل قبل إتمام جبريل الوحي مخافة أن يذهب عنه جبريل وما حفظ فقيل له ( لا تحرك به ) أي القرآن ( لسانك لتعجل به ) أي بأخذه ( إن علينا جمعه وقرآنه ) أي علينا جمعه وضمه في صدرك ( فإذا قرأناه ) أي إذا فرغ جبريل من قراءته ( فاتبع قرآنه ) قال ابن عباس فاستمع وأنصت. ” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 528 ).

  1. وكان يُسمع له غطيط كغطيط البَكر، وهو الفتي من الإبل.

عن يعلى بن أمية رضى الله عنه قال: ” وددت أنى قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال، أيسرك أن تنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم ، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط، وأحسبه قال: كغطيط البَكر.

رواه البخاري ( 1789 ) ومسلم ( 1180 ).

 

ثالثًا:

وكل ما أصاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم من كربٍ وشدَّة لا شك أنه بسبب ثقل الوحي الذي أخبره الله تعالى به قبل إنزاله عليه، وقد هيَّأه تعالى لذلك التلقي.

 

 

قال أبو شامة المقدسي – رحمه الله -:

وهذا العرق الذي كان يغشاه صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث، واحمرار الوجه، والغطيط، المذكوران في حديث يعلى بن أمية، وثقله على الراحلة، وعلى فخذ زيد بن ثابت كما ورد في حديثين آخرين: إنما كانت لثقل الوحي عليه كما أخبره سبحانه في ابتداء أمره بقوله ( إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا )، وذلك لضعف القوة البشرية عن تحمل مثل ذلك الوارد العظيم من ذلك الجناب الجليل، وللوجل من توقع تقصير فيما يخاطب به من قول أو فعل.

قال ابن إسحاق: ” وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملهما ولا يستطيع لها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله عز وجل “.

” شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى ” ( ص 73، 74 ).

 

رابعًا:

ولم يثبت فيما وقفنا عليه من أحاديث أنه كان صلى الله عليه وسلم: يحنق عند فمه، ولا أنه يتمدد على الأرض عندما يأتيه الوحي، ولا أنه كان يعض على شفتيه، ولا أنه يغلق عينيه.

ويمكن لمن شاء أن يقول ما يشاء، لكن ليس يستطيع أن يثبت ما يقول إلا القليل، وها نحن أوردنا جميع ما وقفنا عليه من حالٍ للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الوحي عليه، ولم يمنعنا ما فيها من أشياء يمكن لحاقد أن يستدل بها على الطعن في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا التفات إلا لسؤال مستفسر، أو نقد عالم، أو تعقب منصف، وأما الحاقدون والحاسدون والمفترون فلا ننشغل بهم.

وبخصوص قول الصحابي إنه كان يُسمع للنبي صلى الله عليه وسلم غطيط كغطيط البَكر: فلنا معه وقفات:

  1. أن الواصف لهذا الصوت هو محب للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس بمبغض له، ولو كان فيه إساءة له صلى الله عليه وسلم فما يحمله على إخبار الأرض به؟!.
  2. أن التشبيه بالإبل في أصواتها وهيئاتها وبروكها وتحملها وحقدها وغير ذلك: أمرٌ معروف عند العرب قديماً وحديثًا، وليس فيه ما يعيب؛ لأن المقصود ضرب المثل، وتقريب الصورة، وأكثر ما يرونه ويعروفونه هو الإبل، فكان التشبيه بها، ومن ذلك مما ورد في الشرع:

أ. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ). رواه مسلم ( 2128 ).

والبُخت: هي الإبل، فشبَّه رفع النساء لشعورهن بسنام الإبل.

ب. عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ). رواه الترمذي ( 2312 ) وابن ماجه (4190 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

قال المناوي – رحمه الله -:

( أّطَّت السَّمَاءُ ) بفتح الهمزة وشد الطاء: صاحت وأنَّت وصوَّتت من ثقل ما عليها من ازدحام الملائكة وكثرة الساجدين فيها منهم، من الأطيط، وهو صوت الرَّحْل والإبل من حمل أثقالها … .

وهذا على طريق الاستعارة بالكناية، شبَّه السماء بذي صوت من الإبل المقتوبة فأطلق المشبه وهو السماء وأراد المشبه به وهو الإبل، ثم ذكر شيئا من لوازم الإبل والأقتاب وهو الصوت المعبر عنه بقوله ( أَطَّت السماء ).

” فيض القدير ” ( 1 / 685 ).

والأمثلة على ما قلناه كثيرة، ومنه ما في الحديث الذي هو موضع النقد عند أعداء الدين، فالصحابي الجليل شبَّه الغطيط الذي خرج من النبي صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الوحي الثقيل عليه بغطيط الفتي من الإبل، وليس في ذلك أدنى نقصٍ ولإلا لما فعل ذلك، ولاستغله أعداء الدين المتقدمين، لكن لما كان أولئك أهل عربية ويفهمون ما يسمعون لم ينكروا تلك العبارة حتى جاء أعاجم هذا الزمان وأنكروها وما ذاك إلا من فساد طويتهم ومن جهلهم بلغة العرب الرائعة.

 

خامسًا:

وأما اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يصيبه الصرع، وأنه ليس ثمة وحي من الله إنما هي أعراض مرض الصرع: فكلام ساقط، يغني نقله عن نقده، لكن لا مانع أن نبين للناس فساده لأجل أن يعلموا أن أولئك القوم إنما يسوِّقون الأكاذيب لنشر دينهم، وليس عندهم في دينهم ما يدعو الناس للدخول فيه، إنما هي الوثنية، والأكاذيب، واستغلال حاجة الناس وفقرهم، وقد ساءهم أن الدين الإسلامي برغم كل المؤامرات عليه من أهله ومن أعدائه لا يزال هو الدين الأسرع والأكثر انتشاراً في الأرض.

ومما يبين فساد ادعائهم أن النبي صلى الله عليه وسلم مصاب بداء الصرع وأن ما كان يعانيه من الشدة والأحوال التي ذكرناه سابقًا لبيست بسبب الوحي من الله، أمور كثيرة، منها:

  1. أن الصرع كان معروفًا عند العرب، وكانوا يميزون المصروعين من غيرهم، فلو رأوا آثار الصرع عليه صلى الله عليه وسلم لما وفَّروا تلك التهمة.
  2. بل إن الذين كانوا يبتلون بداء الصرع – بل بعموم الأمراض حتى لو كان مرض العمى – كانوا يأتون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدعوَ الله لهم أن يشفيهم من مرضهم ذاك، فكيف لا يدعو لنفسه ويدعو للآخرين وهو يعلم من نفسه منزلته عند ربِّه وأن دعاءه مظنة الاستجابة؟.

ومما يدل على كلا المسألتين السابقتين:

عن عَطَاء بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاس: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ ( إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ ) قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.

رواه البخاري ( 5328 ) ومسلم ( 2576 ).

  1. ومن علامات كذب أولئك القوم من المستشرقين وأتباعهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنهم ربطوا كذبهم عليه بإصابته بمرض الصرع بوقت النبوة! فأين كان هذا المرض قبل ذلك لو كانوا صادقين؟!.
  2. ثم إننا تعمدنا ذِكر أنواع الوحي وطرقه لنبين للناس كذبهم ودجلهم؛ فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني من شدة الوحي في بعض الصور فالأمر ليس كذلك في بعضها الآخر، فماذا هم قائلون عن تلك الصور الأخرى كانفث في الروع والرؤيا ومجيء جبريل بصور رجل من البشر؟!.
  3. وقد تعمدنا ذِكر الأحوال التي يكون عليها النبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الوحي عليه في صوره المشهورة لنبين للناس – أيضًا – نفي تلك التهمة الساذجة الممجوجة عنه، فثمة علامات للمصاب بمرض الصرع وجدنا عكسها في حال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

أ. أنه قد ثبت أن بدنه صلى الله عليه وسلم يثقل حين نزول الوحي، وأن زيد بن ثابت خشي على فخذه أن ترضَّ من ثقل فخذ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، وأن الدابة من الإبل تكاد تبرك من ثقل بدنه صلى الله عليه وسلم، والطب الحديث يبين أن المصاب بالصرع يخف وزنه حين يُصرع!.

ب. أن المريض بالصرع يبرد جسمه أثناء الصرع، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم عكس ذلك فقد كان يصاب بالبَرُحاء، وكان يعرق شديدًا حتى في اليوم الشديد البرد!.

ج. أن المصروع يتخبط ويتمايل ويُلقى على الأرض وينمدد ولا يملك نفسه، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من ذلك، فهو ثابت القلب، قوي البدن، وهو إما يكون قائمًا على منبره، أو جالسًا على دابته، أو بين أصحابه، ويبقى هكذا حين نزول الوحي عليه لا يميل يمينًا ولا شمالًا، ولا يُلقى على الأرض ولا يتمدد، وليس يظهر عليه أي أثر من أولئك المصابين بالصرع، والأدلة السابقة خير شاهد على هذا.

وها هو دليل آخر أخَّرناه لمناسبة وضعه هنا:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ قَالَتْ فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ ( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ ).

رواه البخاري ( 4517 ) ومسلم ( 2170 ).

– ( عَرْق ): هو العظم الذي أخذ عنه أكثر اللحم.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

فدلَّ هذا على أنه لم يكن الوحى يغيِّب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس ولم يسقط العَرْق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائمًا عليه.

” السيرة النبوية ” ( 1 / 423 ).

ولعلَّ هذا الحديث وحده كافٍ لأن يكون سببًا في إصابة أولئك المفترين بالصرع!.

د. المصروع لا يذكر ما حصل معه أثناء صرعه، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من ذلك، فهو يأتي بما يسمعه على أتم وجه، ويسأل عن الذي كان الوحي السبب في نزوله، كما سأل عن صاحب الجبَّة في العمرة، كما في حديث يعلى بن أمية، وغيره من المواضع.

هـ. المصروع يأتي بالهذيان والكلام الذي لا معنى له أثناء صرعه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بالحكَم الجليلة والمواعظ الحسنة والأحكام العظيمة، فأين هذا من ذاك؟!.

و. والمصروع يحتاج بعد نوبة صرعه إلى فترة راحة؛ لشدة ما عاناه من تعب وألم، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من ذلك، فبعد انتهاء مهمة الوحي يسرَّى عنه، ويكون على حاله الذي كان عليه من قبل في قوة بدنه وعظمة فكره.

ز. والمصروع يسقط ما يكون قابضاً عليه في يده، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك، وسيأتي بعد قليل الدليل على ذلك.

ح. والمصروع يحزن على حاله ويتأسف عليها بل وكثيرون انتحروا أو حاولوا الانتحار بسبب إصابتهم بذلك المرض، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من هذا؛ فإنه لما انقطع عنه الوحي لفترة ” حزن حزناً شديدًا ” ! فأين هذا من ذاك؟!.

ك. والمصاب بالصرع يصفر وجهه، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتغير بالحمرة، والمصالب بالصرع يصيح صيحات عالية، وليس هذا واقع النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما يُغمى على المصروع، وليس هذا واقعه صلى الله عليه وسلم، ويؤذي المصروع نفسه بجرحها أو تقريب بدنه من نار، ولم يكن شيء من هذا في واقع النبي صلى الله عليه وسلم، والمصروع يعض لسانه ويمتزج لعابه بالدم، وليس هذا واقع النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يُذكر في آثار الصرع على المصابين به لا تجده عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا شيئًا يسيرًا منه.فتبين بذلك كذبهم وافتراؤهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والويل لهم مما يصفون.

قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

من المزاعم التي يدَّعيها المكذبون بالرسل أن ما كان يصيب الرسول صلى الله عليه وسلم إنّما هو نوع من الصرع، أو اتصال من الشياطين به، وكذبوا في دعواهم، فالأمران مختلفان، فالذي يصيبه الصرع يصفرُّ لونه، ويخفُّ وزنه، ويفقد اتزانه، وكذلك الذي يصيبه الشيطان، وقد يتكلم الشيطان على لسانه، ويخاطب الحاضرين، وعندما يفيق من غيبوبته لا يدري ولا يذكر شيئًا ممّا خاطب به الشيطان الحاضرين على لسانه، أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فإن اتصال الملك به نماء في جسده، وإشراق في وجهه، ثمّ إن الجالسين لا يسمعون كلامًا، إنما يسمعون دويًا كدويّ النحل عند وجهه، ويقوم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقد وعى كلّ ما أخبر به الملك، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه.

” الرسل والرسالات ” ( ص 65 ، 66 ).

  1. كان المشركون في جاهليتهم يأتمنون النبي صلى الله عليه وسلم على أغراضهم، وبقي الأمر على ذلك حتى بعد أن دعاهم إلى الإسلام، وقد أوصى بإرجاعها قبل أن يهاجر إلى المدينة، أفيمكن أن يكون مصابًا بذلك المرض ثم يأتمنه أهله وأقرباؤه وجيرانه؟! إنهم أعلم به من هؤلاء المستشرقين الكذبة، ولو كان ما افتروه عليه صحيحًا لكان للكفار شأن آخر معه فيما يختص بأغراضهم التي ائتمنوه عليها.
  2. وكيف يقود هذا المصاب بالصرع – حاشاه – أمة كاملة، ويقود الجيوش، ويحارب الكفار، ويراسل الملوك، ويصلح بين الناس؟! وفي ظننا أنكم تتمنون الصرع لحكامكم ومفكريكم وقادتكم العسكريين إن كان ذلك الصرع كان معه كل تلك الإنجازات العظيمة والقيادة الفذَّة.
  3. ونختم بذكر شهادات مضادة لأولئك الكذبة من المستشرقين، ليست شهادات من أئمة الإسلام وعلماء، بل هي شهادات لنصارى! وسنذكر واحدة لتاريخي! وأخرى لمستشرق!.

أ. قال ” ول ديورانت “: ولم يكن المحيطون بالنبي في هذه الأوقات يرون جبريل أو يسمعونه، وقد يكون ارتجافه ناشئًا من نوبات صرع فقد كان يصحبه في بعض الأحيان صوت وصفه بأنه يشبه صلصلة الجرس، وتلك حال كثيرًا ما تحدث مع هذه النوبات، ولكننا لا نسمع أنه عض من خلالها لسانه، أو حدث ارتخاء في عضلاته كما يحدث عادة في نوبات الصرع, وليس في تاريخ محمَّد ما يدل على انحطاط قوة العقل التي يؤدي إليها الصرع عادة، بل نراه على العكس يزداد ذهنه صفاء، ويزداد قدرة على التفكير وثقة بالنفس وقوة بالجسم والروح والزعامة كلما تقدمت به السن حتى بلغ الستين من العمر.

وقصارى القول: أنا لا نجد دليلًا قاطعًا على أن ما كان يحدث للنبي كان من قبيل الصرع، ومهما يكن ذلك الدليل: فإنه لا يقنع أي مسلم متمسك بدينه.

” قصة الحضارة ” ( ص 4456 ).

http://www.civilizationstory.com/civilization/

ب. ويقول المستشرق الألماني ” ماكس مايرهوف “:

لقد أراد بعضهم أن يَرى في محمَّد رجلًا مصابًا بمرض عصبي، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره ليس فيه شيء يدل على هذا، كما أن ما جاء به فيما بعدُ من أمور التشريع والإدارة يناقض هذا القول “.

بواسطة ” آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره ” ( 1 / 403 ) للدكتور عمر بن إبراهيم رضوان، وفيه نقض لتلك الشبهة، وثمة خطأ في اسمه عنده فقد جاء عنده ” مايرهسوف “.

هذا ما تيسر ذِكره لنقض تلك المفتريات على نبي الأمَّة صلى الله عليه وسلم، وإننا لنزداد قناعة كل مرة نشهد كذب المفترين عليه أنهم أهل أهواء وضلالة، ونزداد حبًّا وتعظيمًا لذلك النبي الكريم، وكل كذب وافتراء عليه يكشف لنا جوانب خفية عنه تُعلم بالبحث والدراسة، وهذا من العجائب أن تزيدنا تلك الشبهات والافتراءات قناعة بصحة ديننا وعظمة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتزيدنا قناعة بإفلاس أولئك الخصوم، فلا دين عندهم ولادنيا! بل خرافات وضلالات مع جهل وكذب وافتراء.

ونسأل الله تعالى أن يهدي ضالَّ المسلمين، وأن يعلي قدر نبيه في الدارين، وأن يتوفنا على الإيمان.

 

والله أعلم.

 

 

 

يعيشون في بلاد الكفر ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ما حكمهم وكيف نتعامل معهم؟

يعيشون في بلاد الكفر ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ما حكمهم وكيف نتعامل معهم؟

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:

أخي العزيز:

نواجه مشكلة هنا في ” بلغاريا “، إذ أني أسكن مع أناس هم في الأصل أتراك، ويقولون بأننا مسلمون وذلك لأننا ” تُرك “، ولأننا نقوم بالختان، ولأن أسماءنا ” أحمد “، و ” محمد “، وهم في حقيقة الأمر لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه.

والمشكلة هم قد يستمعون إلى المصلين الذين في المنطقة ذلك أنه يوجد في المكان جامع منذ 10 سنوات وهو على منهج السلف – والحمد لله – ويدعو إلى التوحيد وإلى ” لا اله إلا الله “، المهم: هم قد يستمعون – أقول قد – ولكنهم لا يؤمنون لأنهم قد تربوا على الإلحاد؛ بحكم الدولة الشيوعية سابقًا، فضلا عن أنهم يلمزون بالمصلين وبأنهم كانوا كذا وكذا قبل إسلامهم ( وذلك لأنهم في جاهليتهم كانوا يأكلون الخنزير ويشربون الخمر ويزنون بل ويفعلون أكثر الموبقات ) فهم يركزون على ماضيهم ولا ينظرون إلى حاضرهم، وكل هذا من أجل أن لا يصلوا وأن لا يدخلوا في الإيمان ( طبعا هذا كلام عموم إذ بالتأكيد يوجد من لا يقول هذا لا سيما وان عددهم 10000 عشرة آلاف تركيّا ).

المشكلة أين الآن:

  1. تتعلق بما يذبحه هؤلاء، إذ إننا نقول: إننا لا نأكل ممن لا يصلِّي لأنه سيكون غير مسلم ومع هذا هم لا يكترثون لكلامنا ويذبحون ويأكلون، فهل يمكننا أن نعدهم مسلمين – علما أنهم حتى لا إله إلا الله لا يقولونها – وعليه: فهل نأكل ذبائحهم ونعذرهم بجهلهم؟ ( ولكن وسائل رفع الجهل موجودة وهم لا يسعون إليها وأيسرها الجامع، فضلا عن الكتب والمواقع الإسلامية التي باللغة التركية وأخص منها ما تنشره ” مكتبة الغرباء ” لصاحبها فضيلة الشيخ عبد الله الأثري صاحب كتاب ” الوجيز في عقيدة السلف الصالح ” ).
  2. بالنسبة لموتاهم أنعاملهم معاملة المسلمين فنغسلهم ونكفنهم ونصلي عليهم وندفنهم في مقابرنا أم نتجنب ذلك؟ ( علماً أنه كثيرًا ما تحدث مشاكل بسبب هذا الأمر ولكن إمام المسجد والمصلين يواجهون الأمر ولا يعدونهم مسلمين فلا يصلون عليهم، وقد اعتاد التُّرك على هذا الأمر فصاروا هم يتولون الأمر ولكن طبعا بعد مشاكل يسيرة).
  3. هل يجوز الذهاب إلى أماكن عزائهم – علما أن فيها من البدع الكفرية ما الله به عليم – وذلك لنذكرهم بالله ونعلمهم لا إله إلا الله وندعوهم؟ ( يذهب بعض الإخوة لتعليمهم ولكن لا نرى استجابة قط فيصبح الذهاب فقط من باب العرف عندهم ويستغلون هذا الأمر ).

هناك مسائل أخرى أكتفي بهذا القدر منها الآن، وبانتظار جوابكم بالتفصيل والتأصيل لأني سأنقل الفتوى لهم ولا بد أن تكون مؤصلة تأصيلًا علميًّا مُحكَما؛ لأن هناك بعض طلاب العلم المتشددين الذين لا يرون إلا التكفير، فأي جواب غير مؤصل لن يقبل به فأرجو التركيز على هذه النقطة أخي الحبيب وبارك الله فيك.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوانكم من ” بلغاريا “.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لكم ثقتكم بنا، ونشكر لكم غيرتكم، واستقامتكم، والتزامكم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يثبتكم على دينه، وأن يرزقكم العلم النافع والعمل الصالح.

 

ثانيًا:

يجب أن يُعلم أن الإسلام ليس هو ادعاء يدعيه الإنسان، وليس كونه وُلد من أبوين مسلمين يجعله هذا مسلمًا – إن كان بالغًا – بل يجب عليه أن يترجم ذلك إلى واقع عملي، وما يفعله بعض المسلمين وخاصة ممن يعيشون في دول الكفر والإلحاد يجعلنا نؤكد على هذا، فتصبح عندهم بعض شعائر الدين مجرد تقليد وعادة، كالختان، وتسمية الأولاد بأسماء شبه عربية! والاحتفال ببعض المناسبات الدينية أو المنسوبة للدين، بينما تجد واقعه كفرًا وإلحادًا كمن يبني كنيسة للنصارى ويشاركهم في أعيادهم الدينية، أو يشارك البوذيين في معابدهم، وتجدهم لا يصلون، ولا يصومون، عدا عن فعل الموبقات والكبائر الأخرى كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والمهم في هذا أنك تجد منهم نقضًا للإسلام المدعى بألسنتهم من واقعهم العملي أو الاعتقادي – كعدم تكفير اليهود والنصارى والتشكك في قواطع الإسلام الثابتة – ومن تأمل حال كثير من المسلمين بالاسم في بلاد الكفر سيتأكد له صدق قولنا هذا، وأنه موجود لا يُنكره إلا جاهل أو جاهد.

 

 

فمثل هؤلاء الذين يأتون بعقائد أو أعمال تخرجهم من الإسلام لا ينفعهم أن تكون أسماؤهم عربية أو إسلامية، ولا ينفعهم ختانهم، ولا احتفالهم بالعيد، بل ولا ينفعهم نطقهم بالشهادتين؛ لأنها ستكون مجرد كلمة خاوية من معناها فارغة من مضمونها ومتخلفة شروطها، ومن هنا تجد في كلام بعض الفقهاء والعلماء في الحكم على من ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام التنصيص على ” ولو قال لا إله إلا الله ” ومعنى ذلك أنها ليست نافعته قولًا إن جاء بما ينقضها قولًا أو أعتقادًا أو عملًا.

 

ثانيًا:

وليُعلم أن الفقهاء يختلفون في حكم ترك أركان الإسلام – غير الشهادتين – وهي داخلة في مسائل الفقه العملي، لكنهم لا يختلفون في حكم من عاش دهره كله لا يأتي بشيء منها؛ فإنها تصير – والحالة هذه – مسألة اعتقاد، ولا يكون هذا إلا من منافق أو زنديق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومِن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 611 ).

وبما ذكرناه نفهم معنى قول الحسن البصري رحمه الله – وينسبه بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح عنه -: ” ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمنِّي ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال “، فالإسلام ليس كلمة يقولها صاحبها ليكون من المسلمين، وليس هو زينة يتزين بها في مجالس الناس، بل لا بد مع القول من اعتقاد صحيح وعمل بمقتضى الشهادتين، وإلا كان رُدَّ عليه ادعاؤه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – شارحًا كلام الحسن البصري -:

وقوله: ” ليس الإيمان بالتمنِّي ” يعني: الكلام، وقوله: ” بالتحلِّي ” يعني: أن يصير حلية ظاهرة له فيظهره من غير حقيقة من قلبه.

ومعناه: ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدِّق أن في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عمل: كذَّب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.  ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 294 ).

 

 

 

فهذا نذير لكل من يزعم الإسلام بقوله وليس ثمة اعتقاد في قلبه صحيح، وليس له واقع عملي يصدِّق به اعتقاده أن ينقذ نفسه قبل فوات الأوان، وأن يعيد الحساب مع نفسه ليعرف على أي طريق هو سائر وأين سيصل به هذا الطريق، ولعلَّ كل هذا أن يكون من شؤم إقامة هؤلاء بين أظهر الكفار وخاصة الملحدين منهم، ونسأل الله أن يهديهم للإسلام الصحيح، وأن يعجل هجرتهم من تلك الديار.

 

ثالثًا:

وإذا عُلم ما سبق: فإن من تذكرون أحوالهم وتسألون عن أحكامهم على قسمين:

الأول: قوم يصلون ويتركون بعض فرائض الإسلام ويتهاونون فيرتكبون معاصٍ وآثامًا، ولا يأتون بنواقض للإسلام، فهؤلاء مسلمون تؤكل ذبائحهم لإن سمُّوا الله عليها، ويصلَّى عليهم صلاة الجنازة، ويُعزَّى بهم، ويدفنون في مقابر المسلمين.

والثاني: من سبق ذِكر حالهم ممن لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا يصلون، أو يأتون بنواقض للإسلام، فهؤلاء لا يجوز لكم أكل ذبائحهم ولو سمُّوا الله عليها، ولا الصلاة عليهم، ولا دفنهم في مقابر المسلمين.

وقد بينّا في أجوبةٍ متعدّدة أن تارك الصلاة كافر كفرًا أكبر، وأنّه لا تؤكل ذبيحته، وأنّ الواجب أن يُخصص للمسلمين مقابر، ولا يدفن فيها غيرهم.

وأما حضور مجالس عزاء من مات من القسم الثاني:

فنرى أن حكمها يختلف عما سبق من المنع والتحريم إن كان ذهابكم بقصد الدعوة وتذكير المجتمِعين بالله تعالى والإسلام والموت والحساب والجنة والنار، فاجتماع طائفة من أولئك وغيرهم فرصة للدعاة لتبليغ دين الله تعالى لهم، وتذكيرهم باليوم الآخر وما يحصل فيه، وليس قصد الذهاب ذات التعزية وإنما اغتنام الاجتماع لتبليغ رسالة الله تعالى.

 

رابعًا:

وننبه في آخر المطاف:

  1. أنه لا يجوز لآحادكم أن يحكم على المخالف له بالكفر والردَّة، بل اجعلوا ذلك منوطًا بأهل العلم منكم وطلاب العلم الأقوياء، فهم الأقدر على فهم ما نقلناه لكم من أقوال وأحكام، وهم الأعلم فيمن يستحق تنزيل الأحكام عليه من عدمه.
  2. أن بعض أولئك قد يكون له حكم ” أهل الفترة ” فواجب عليهم التفقه والتبصر في الإسلام، وواجب عليكم دعوتهم إلى الإسلام، فقد ينجو أولئك يوم القيامة بالاختبار وتعاقبون أنتم على تقصيركم في دعوتهم.

 

 

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

يوجد كثير من المسلمين خاصة في الدول التي كانت فيها الشيوعية, وهؤلاء كما ذكر عدد ممن زارهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه وقد يصلي بعضهم الظهر خمس ركعات, أو لا يدري أن من بين فرائض الإسلام صوم أو حج, فما حكم هؤلاء, وكيف يحاسبون؟.

فأجاب:

الواجب على أهل العلم والدعاة إلى الله سبحانه أن يعلِّموهم ويرشدوهم; لقول الله عزوجل ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) النحل/ 125، وقوله سبحانه ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا } فصلت/ 33 الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) – رواه مسلم -.

والواجب عليهم أن يتعلموا ويتفقهوا في الدين, وأن يسألوا أهل العلم, كما قال الله سبحانه ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل/ 43، وبذلك تحصل لهم البصيرة والفقه في الإسلام إن شاء الله, نسأل الله أن يفقههم في الدين, وأن ييسر لهم دعاة الهدى، إنه جواد كريم.

أما لو ماتوا على حالهم لم تبلغهم الدعوة: فهم كغيرهم من أهل الفترة أمرهم إلى الله سبحانه, وقد صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن لم تبلغهم الدعوة أنهم يمتحنون يوم القيامة, فمن نجح دخل الجنة ومن لم ينجح دخل النار, نسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.  ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 444 ).

 

والله أعلم.

 

هل ثمة تعارض بين ما ثبت في أن المؤمنين يرون ربَّهم في الجنة وأنهم يرون وجهه؟

هل ثمة تعارض بين ما ثبت في أن المؤمنين يرون ربَّهم في الجنة وأنهم يرون وجهه؟

السؤال:

هل المؤمنين يرَون الله عز وجل في الجنة بكامل صفاته سبحانه أم أنهم يرون وجهه الجليل فقط؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد بينَّا اعتقاد أهل السنَّة في رؤية الله تعالى في الجنَّة بأدلة من القرآن والسنَّة والإجماع.

ثانيًا:

جاءت نصوص الوحي تبيِّن أن الاعتقاد الصحيح في رؤية المؤمنين ربَّهم تعالى، وبعضها في كون الرؤية لله تعالى، وأخرى لرؤية وجهه الكريم.

فمن الأول:

قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة/ 22، 23.

ومن الثاني:

ما جاء من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ). رواه النسائي ( 1305 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

ولا فرق فيما ورد في نصوص الوحي بين ما جاء أن المؤمنين يرون ربهم تعالى وبين ما ورد أنهم يرون وجهه عز وجل؛ لأن:

  1. الوجه من صفات الله الله تعالى، فمن رأى وجهه عز وجل فقد رأى ربَّه تعالى.

* سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

ورد في بعض أحاديث الرؤية أن الرؤية لله سبحانه وفي بعضها أن الرؤية لوجه الله فكيف الجمع بينهم؟.

فأجاب:

رؤية الله ورؤية وجه الله كلها رؤية لله عز وجل، الله عز وجل من صفاته الوجه، فرؤية الله عز وجل رؤية وجه الله. ” شرح سنن ابن ماجه ” ( شريط 23 ).

  1. أن ” الوجه ” يُعبَّر به عن الذات، ولا يقال هو الذات من غير إثبات صفة الوجه، بل يقال قد يُطلق ويراد به الذات مع إثبات الصفة بما يليق بالله عز وجل.

 

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص/ 88؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات: فيُخشى أن تكون حرَّفت، وإن أردت بالوجه نفس الصفة: أيضًا وقعت في محظور – وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره، حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه – فماذا تصنع؟!.

فالجواب:

إن أردت بقولك ” إلا ذاته “، يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله: فهذا صحيح، ويكون هنا عبَّر بالوجه عن الذات لمن له وجه.

وإن أردت بقولك ” الذات “: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه: فهذا تحريف وغير مقبول.

وعليه فنقول: ( إِلاّ وَجْهَهُ )، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء؛ لأن الفرق بين هذا وبين قول أهل التحريف: أن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات لأن له وجهًا، فعبَّر به عن الذات.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 243 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لما نهى سبحانه عن دعاء غيره لأنه هالك فإنه لا يصلح أن يدعى ويعبد: أخبر أنه هو الباقي وحده الذي يستحق أن يُدعى ويُعبد، وعبَّر بالوجه لأنه أشرف الأعضاء، كقوله تعالى: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 26، 27.

ففي الآيتين إثبات الوجه لله عز وجل على ما يليق بجلاله؛ لأن الوجه يعبَّر به عن الذات عند العرب، والقرآن نزل بلغتهم، وفيهما إخبار عن فناء كل ما سواه وبقائه وحده بجميع صفاته، فهو الحي الذي لا يموت والخلق يموتون ثم يبعثون.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 373 ).

ثالثًا:

ويجب أن يَعتقد المسلم أنه لا يمكنه الإحاطة بربه تعالى عند رؤيته عز وجل، فقد نفى الله تعالى إدراك العباد له تعالى، مع إثبات رؤيتهم له، قال تعالى ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) الأنعام/103.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وحينئذ فتكون الآية دالَّة على إثبات الرؤية، وهو أنه يُرى ولا يُدرك ، فيُرى من غير إحاطة ولا حصر، وبهذا يحصل المدح؛ فإنه وصفٌ لعظمته أنه لا تدركه أبصار العباد وإن رأته، وهو يدرك أبصارهم، قال ابن عباس – وعكرمة بحضرته – لمن عارض بهذه الآية: ” ألست ترى السماء؟ “. قال: بلى، قال: ” أفكلها ترى؟ “.

” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 88 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يرون الله كما يشاء سبحانه وتعالى في كيفية رؤيتهم إياه، وكما يشاء الله في زمن رؤيتهم إياه، وفي جميع الأحوال، يعني: على الوجه الذي يشاؤه الله عز وجل في هذه الرؤية

وحينئذ: فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها، بمعنى: أن الإنسان لا يَعلم كيف يَرى ربَّه، ولكن معنى الرؤية معلوم: أنهم يرون الله كما يرون القمر، لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 471 ).

رابعًا:

إذا فهمنا أن رؤية وجه الله تعالى في الجنة هي – أيضًا – رؤية لله تعالى: فلا مانع من أن يُرى غير الوجه من صفاته الذاتية، كاليدين مثلا، ونحو ذلك.

وقد ورد أن المؤمنين في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرون ربهم عز وجل، ويعرفونه بساقه حين يكشف لهم عنها، كما في حديث الشفاعة الطويل:

( فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ السَّاقُ. فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ … ) رواه البخاري (7440) واللفظ له، ومسلم (183).

لكن هل يرى غير ذلك من الصفات؟!.

مثل هذا لا يصح القول فيه إلا بتوقيف من الشرع، وليس في البحث عنه كبير فائدة بعد أن يكون المسلم قد أثبت ما دلت عليه النصوص من رؤية الله جل جلاله، والنظر إلى وجهه الكريم في الجنة.

 

والله أعلم.

حكم العمل بعد انتهاء ساعات الدوام لحسابه الشخصي في مجال عمله نفسه

حكم العمل بعد انتهاء ساعات الدوام لحسابه الشخصي في مجال عمله نفسه

السؤال:

أعمل مبرمجًا في شركة كمبيوتر لإنتاج البرامج التعليمية، وبعد ساعات العمل أفكر في إنتاج برامج تعليمية أخرى قد تكون مشابهة ولكن باختلاف الطريقة التي أقوم بها في جهة العمل الأولى، وذلك لحسابي الشخصي مع مجموعة من زملائي، فهل يجوز لي ذلك أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نرجو أن لا تكون البرامج التعليمية التي تود إنتاجها تحتوي على مخالفات شرعية، كموسيقى، وصور نساء، وتدريب على حساب زيادات ربوية، وما يشبه هذا مما لا يحل أن يكون في واقع الناس، ونرجو أن تكون تلك البرامج التعليمية ملتزمة بالضوابط الشرعية التي تجعل من إنتاجها رافدًا للعملية التربوية السليمة من المخالفات الشرعية.

ثانيا:

ولا مانع من أن تقوم على إنتاج برامج مطابقة أو مشابهة لتلك التي تقوم على إنتاجها وقت عملك في شركة الكمبيوتر، لكنَّ ذلك مشترط بشروط:

  1. أن لا تكون تستعمل مواد وبرامج وأجهزة من عملك لإنتاج برامجك الخاصة.
  2. أن يكون عملك في ذلك الإنتاج الخاص بك خارج وقت الدوام، لا فيه، ولا في جزء منه؛ لأنك مكلَّف في وقت دوامك أن تعطي شركته حقَّها من العمل خلال وقت الدوام، ولا يحل لك الانشغال بأعمال خارج نطاق العمل، وخاصة أن تكون أعمالا خاصة بك شخصيًّا.
  3. أن لا تستولي على زبائن شركتك لتسوق برامجك لهم؛ فأنت عرفت الزبائن عن طريق شركتك، وبيعك البرامج المنتجة من قبَلك لهم: يعدُّ خيانة للأمانة.

هذا الذي ظهر لنا ذِكره من شروط حتى يكون إنتاجك الخاص للبرامج التعليمية مباحًا لك في الإنتاج والبيع.

 

والله أعلم.

هل يجوز استعمال قواعد من اختراعنا لضبط حفظ القرآن؟

هل يجوز استعمال قواعد من اختراعنا لضبط حفظ القرآن؟

السؤال:

معلمة القرآن تقرأ لنا الآيات، ثم تفسر لنا الآيات تفسيرًا صحيحًا، ثم في حالة وجود صعوبة عندنا في استرسال الآيات تقول لنا المعلمة ” علامة ذهنية ” تيسر لنا الاسترسال في الآيات، مثال ذلك في سورة الإسراء ( وكان الإنسان عجولًا ) بعدها (وجعلنا الليل والنهار ) فتقول: إن الجيم في ( عجولًا ) يمكن أن تذكرنا بالجيم في (وجعلنا )، ومثال: تقول في سورة القصص ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) بعدها (إن قارون ) فتقول كلمة يفترون يمكن أن تذكرنا بقارون، ونحن على علم أن هذا ليس له علاقة بالتفسير وإنما هو علامة للاسترسال فقط، فهل هذا بدعة أو لا يجوز؟.

أرجو الرد للأهمية.

 

الجواب:

الحمد لله

نرى أن هذا الأمر وما يشبهه لا يدخل في البدعة، بل هي قواعد يُبدِع فيها العلماء والحفَّاظ للوصول بالطلاب إلى الحفظ المتقن بأيسر طريق وأسهل سبيل.

ومن هذا الباب جاءت الوصية من الحفَّاظ المتقنين – من خلال التجربة- لطلابهم الالتزام برسم مصحف واحد لا يتغير؛ حتى تنطبع الآيات في ذهن الحافظ، فهذه علامة ذهنية لكنها كتابية لا سمعية.

* قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق – حفظه الله -:

القاعدة الخامسة: حافظ على رسم واحد لمصحف حفظك.

مما يعين تمامًا على الحفظ: أن يجعل الحافظُ لنفسه مصحفًا خاصًّا لا يغيِّره مطلقًا، وذلك أن الإنسان يحفظ بالنظر كما يحفظ بالسمع، وذلك أن صور الآيات ومواضعها في المصحف تنطبع في الذهن مع كثرة القراءة والنظر في المصحف، فإذا غيَّر الحافظُ مصحفَه الذي يحفظ فيه أو حفظ من مصاحف شتى متغيرة مواضع الآيات: فإن حفظه يتشتت، ويصعب عليه الحفظ جدًّا، ولذلك: فالواجب أن يحافظ حافظ القرآن على رسم واحد للآيات لا يغيِّره.

” القواعد الذهبية في حفظ القرآن “.

وعدا عن رسم الصحف في ذهن الحافظ فإن المصحف الواحد قد يكون سبيلًا له لضبط الآيات المتشابهات.

مثال:

تكرر في كتاب الله تعالى في عدة آيات كلمتي ” النفع ” و ” الضر “، فما السبيل لضبط تلك الآيات من خلال اعتماد مصحف واحد؟.

قال بعض الحفَّاظ: في طبعة ” مجمع الملك فهد ” تتقدم دائماً كلمة ( نَفْعًا ) على ( ضرًّا ) في الوجه الأيمن، و ( ضرًّا ) على ( نَفْعًا ) في الوجه الأيسر.

و ” الوجه الأيمن ” فيه حرف ” النون ” وهو كذلك في كلمة ( نـفعًا )، والوجه الأيسر فيه حرف ” الراء “، وهو كذلك في كلمة ( ضرًّا ).

والأجود مما ذكرته لكنَّ مدرستكنَّ: ما استطاع الحافظ ربط الآية بالتي قبلها وبعدها من خلال معاني الآيات، وقد ألِّفت في ذلك مؤلفات مستقلة، وأشهرها: كتاب ” نظم الدرر في تناسب الآيات والسور “، لمؤلفه: برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي.

مثال:

قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) النحل/ 90، فهي على علاقة بالتي قبلها وهي قوله تعالى ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) النحل/ 89، فإنها تفصيل لما أُجمل في الآية التي جاءت قبلها.

وهذا فرع من علم يطلق عليه ” علم المناسبات “.

* قال السيوطي – رحمه الله – :

وقال ابن العربي في ” سراج المريدين “: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه ” سورة البقرة “، ثم فتح الله لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 3 / 369 ).

كما اعتنى العلماء والحفَّاظ بالآيات المتشابهات وذكروا قواعد لضبطها وحفظها، ومن أعظم تلك القواعد ما يتعلق بمعاني الآيات.

مثال:

التفريق بين قوله تعالى ( قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) آل عمران/ 40، وقوله ( قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) آل عمران/ 47، فإذا عرف الحافظ أن الآية الأولى في سياق قصة زكريا وله زوجة فرَّق بينها وبين الآية الثانية وهي في مريم وليس لها زوج، فكانت الآية الأولى فيها ( يفعل ) والثانية ( يخلق ).

كما أوصى بعض العلماء والحفَّاظ بطريقة النحت لمعرفة خواتيم آيات متشابهة.

مثال:

جاء في سورة آل عمران قوله تعالى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) آل عمران/ 176، ثم بعدها قوله تعالى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) آل عمران/ 177، ثم بعدها قوله تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) آل عمران/ 178، وكلها آيات متتالية ، فكيف ضبط بعضهم قاعدة لحفظ تلك الخواتيم؟ لقد استعمل طريقة ” النحت ” فأخذ الحرف الأول من (عذاب ) والأول من ( أليم ) والأول من ( مهين ) فصار معه كلمة ” عام “، فإذا جاءت التسميع للآيات علم أن الآية الأولى تختم بكلمة ( عظيم ) والثانية بكلمة ( أليم) والثالثة  بكلمة ( مهين ).

ومنهم من ربط بين الآية واسم السورة لضبط المتشابهات.

مثال:

قال تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) الإسراء/ 89، وقال تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) الكهف/ 54، فكيف يمكن للحافظ أن يميِّز بين الآيتين ؟ يمكن ذلك من خلال قاعدة الربط بين الآية واسم سورتها، فالأولى في ” الإسراء ” وفيها حرف السين فيقدم كلمة ” الناس”، والثانية في ” الكهف ” وفيها حرف الفاء فيقدم ( في هذا ).

 

* والخلاصة:

لا نرى حرجًا من استعمال قواعد لضبط الحفظ، والمهم في ذلك عدم تعريض معنى الآيات للتحريف، وعدم التكلف إذا استعملت طريقة ربط الآيات بعضها ببعض من خلال معانيها، وما ذكرته لكنَّ المدرِّسة لا يصلح إلا في بداية الآيات التي لا يستطيع الحافظ ربطها بما قبلها ولا تصلح أن تكون مع كل آية وإلا حصلت مشقة بالغة.

 

* قال السيوطي – رحمه الله -:

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: المناسبة علم حسَنٌ، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام: أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة: لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك: فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسَن الحديث فضلًا عن أحسنه؛ فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنَة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 3 / 370 ).

 

والله أعلم.

 

 

من هم أصحاب الأعراف؟ وما مصيرهم في آخر الأمر؟

من هم أصحاب الأعراف؟ وما مصيرهم في آخر الأمر؟

السؤال:

سمعت أن هناك مكانًا يقع ما بين الجنة والنار، أصحيح ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نعم، هناك مكان بين الجنة والنار يسمَّى ” الأعراف “، وهو سور عالٍ يطلِّع منه أصحابه على أهل الجنة وعلى أهل النَّار ، ثم يُدخلهم ربهم عز وجل في آخر المطاف جنَّته ولا يدخلون النار، وأرجح  الأقوال فيهم أنهم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم.

قال تعالى: ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) الأعراف/ 46 – 49.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فقوله تعالى ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) أي: بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يُضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب، باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلي الكفار من جهتهم العذاب.

والأعراف: جمع عَرف، وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف.

قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته.

عن ابن مسعود قال: … ” ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرَفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا ( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار ( قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فأما أصحاب الحسنات فإنهم يُعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعطى كل عبد يومئذ نورًا فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ( قَالُوا رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ).

وأما أصحاب الأعراف: فإن النور لم ينزع من أيديهم فيقول الله ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) فكان الطمع للنور الذي في أيديهم، ثم أدخلوا الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا “.

يريد: آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار.

وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم، وهذا من جنس القول الأول.

وقيل: هم قوم رضي عنهم أحدُ الأبوين دون الآخر يحبسون على الأعراف حتى يقضي الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما.

وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين.

وقيل: هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا.

وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم.

والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها، وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة.

وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع أو الموقوف على قولين، الأول: اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني: هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ما لم نعلم أنه قاله. ثم يقال لأهل الأعراف ( ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ). ” طريق الهجرتين ” ( ص 564 – 567 ) باختصار.

والقول بأنهم ملائكة هو قول أبي مِجلَز لاحق بن حُمَيد، وهو بعيد عن الصواب.

* قال السيوطي -رحمه الله – وقد نقل القول عنه رحمه الله -:

قال الحليمي في ” المنهاج ” ثم القونوي في ” مختصره “: وقد قيل: ” إن أصحاب الأعراف ملائكة يحبون أهل الجنة ويبكّتون أهل النار “، وهو بعيد لوجهين:

أحدهما: قوله تعالى ( وَعَلى الأَعرافِ رِجالٌ ) والرجال: الذكور العقلاء، والملائكة لا ينقسمون إلى ذكور وإناث.

والثاني: إخباره تعالى عنهم وأنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، والملائكة غير محجوبين عنها، كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له ولا عذاب يومئذ على ملك.  انتهى. نقله السيوطي في ” الحبائك في أخبار الملائك ” ( ص 88 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

هل يجوز التلفظ بكلمة الكفر حفاظًا على النفس؟ وأيهما أولى الصبر أم التلفظ بها؟

السؤال:

قال لي أحد الأصدقاء إن الكذب من أجل حفظ النفس فرض، وأن ذلك ذُكر في القرآن، ولعله استدل بقصة عمّار بن ياسر وقوله تعالى ( إلا من اُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) بينما الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان.

السؤال هو: لو أن شخصًا وقع في ظرف يجبره على أن يقول إنه غير مسلم وإلا مات، فما العمل؟ هل يقول إنه غير مسلم وينجو من الموت أم العكس؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قاله لك صديقك من جواز التلفظ بالكفر حماية لنفس المتكلم بها من الضرر أو الأذى الذي لا يُحتمل: صحيح، وقد ثبت ذلك في القرآن، وروي في السنَّة ما يؤيده، ولم يختلف العلماء فيه.

أما القرآن:

فقد قال تعالى ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

قال الطبري – رحمه الله -:

عن ابن عباس قال: فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه: فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه: فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 305 ).

وأما السنَّة:

فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يُعَذِّبُوهُ فَقَارَبُوهُ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا بِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ ) قَالَ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( فَإِنْ عَادُوا فَعُد ).

البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 8 / 208 ) والحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 389).

وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، يدل على أن للقصة أصلًا.

 

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض.

” فتح الباري ” ( 12 / 312 ).

وأما الإجماع:

أ. فقد قال ابن كثير – رحمه الله -:

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر إبقاءً لمهجته.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

ب. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

واتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر: لم يصر كافرًا.

انتهى.

 

ثانيًا:

والمكرَه على قول الكفر يجب أن يكون إكراهه ملجئًا له لقول كلمة الكفر، والعذر إنما هو للمكرَه إكراهاً تامًّا ملجئًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 182 ):

والإكراه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعًا، كالإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو، قلَّ الضرب أو كثر.

وهذا النوع يسمَّى ” إكراهًا تامًّا “.

ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يخاف منه التلف، وهذا النوع من الإكراه يسمَّى ” إكراها ناقصًا “. انتهى.

وقد ذكر العلماء شروطًا للإكراه التام الملجئ لقول كلمة الكفر، وهي:

أ. أن يكون التهديد بما يسبب إتلافًا كالقتل والقطع، أو أذى لا يُحتمله المسلم كالحبس ، والضرب.

ب. أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما هدَّد به.

ج. أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، ولو بالهرب أو بالاستغاثة بغيره .

د. أن يغلب على ظن المكرَه وقوع ما هدَّد به المكرِه.

 

ثالثًا:

وهل يجوز للمكرَه أن يصبر ويحتمل الضرر والأذى ولو قُتل في سبيل ذلك؟ نعم يجوز له ذلك، وقد فعله بلال بن رباح رضي الله عنه وغيره.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: ” أحَد، أحَد “، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلته، رضي الله عنه وأرضاه.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

 

رابعًا:

وأيهما أفضل: الصبر والتحمل ولو أدى إلى الموت، أم الترخص برخصة الشرع وإظهار الكفر باللسان؟.

الأقرب أن يُقال: الأفضل هو الصبر والتحمل، وخاصة لمن كان من أهل العلم أو الفضل أو القدوة للناس، وهو قول الجمهور.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والأفضل والأولى: أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 606 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 18 ):

ويتفق الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأصح عند الشافعية: على أن الصبر والثبات على الإيمان مع الإكراه ولو كان بالقتل: أفضل من الإقدام على الكفر، حتى لو قتل كان مأجورًا؛ لما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ من دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) – رواه البخاري -.

ومقابل الأصح عند الشافعية أوجه:

أحدها: الأفضل الإتيان بكلمة الكفر صيانة لنفسه.

والثاني: إن كان من العلماء المقتدى بهم: فالأفضل الثبوت.

والثالث: إن كان يتوقع منه الإنكاء – أي: في العدو – والقيام بأحكام الشرع: فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه، وإلا فالأفضل الثبوت. انتهى.

 

خامسًا:

قال الأخ السائل ” الذي أعرفه أنا أنه لا يجوز للشخص أن يقول إنه غير مسلم مهما كان الأمر، بل يجب أن يعتز بإسلامه تحت أي ظرف كان “.

فهل ثبت في السنَّة ما يخالف ما سبق من الرخصة في قول كلمة الكفر للمكرَه مما يوافق كلام الأخ السائل؟.

نعم، ثبت شيء من هذا لكن العبرة بفهمه على قواعد أهل العلم في الجمع بين النصوص.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ ). رواه ابن ماجه ( 4034 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

فهذا الحديث ليس فيه المنع من الأخذ بالرخصة، بل فيه بيان الأفضل عند الإكراه، وقد سبق أن قول الجمهور أن الأفضل: الصبر والتحمل، وأما الرخصة فثابتة في كتاب الله تعالى.

 

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وهذا يدل على أنه ينبغي اختبار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة، فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه ؛ لقوله تعالى: ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) النحل/ 106.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 2 / 283 ).

 

والله أعلم.

 

حكم تواقيع كتَّاب المنتديات التي يكون فيها آيات قرآنية

حكم تواقيع كتَّاب المنتديات التي يكون فيها آيات قرآنية

السؤال:

ما حكم التواقيع التي تحمل تصاميم لصور مصاحف أو مساجد وفيها آيات قرآنية سواء كانت فلاشية أم ثابتة؟.

أنا ( … ) هوايتي التصميم، وفي الرابط نماذج للتواقيع التي أصممها، فهل هي جائزة أم غير جائزة؟. أرجو الاطلاع والرد عليَّ بوضوح.

وفقكم الله.

http://www.ansarsunna.com/vb/showthread.php?t=5319

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فإن مما يحزن القلب ما نراه من توقيعات كثير من كتَّاب الإنترنت من الذكور والإناث، من وضع صور فاسقين وفاسقات، وكافرين وكافرات، وفي أوضاع مخلة بالحياء كصورة رجل يعانق فتاة ليقبلها، ومن حيث التبرج والسفور في صور النساء، ولم يكتف بعضهم بتلك الصور المحرَّمة حتى أضاف إليها أغاني هابطة مع معازف محرمة تُسمع عند وضع ” الفأرة ” – الماوس – على الصورة نفسها، وهذا كله لا شك في حرمته، وفاعل ذلك هو من المعينين على نشر الإثم والفحش، فلعلَّ مسلمًا عاقلًا يصل إليه هذا الحكم الشرعي فيكفَّ عن فعله، ولعلَّ صاحب موقع عاقل يمنع هذا الإسفاف أن يحصل في موقعه، وبمنعه هذا يرفع عن كاهله الآثام كلها التي يرتكبها كتَّاب منتداه.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الكتَّاب أصحاب الاستقامة والالتزام بشرع الله فإننا نشكرهم على وضع التواقيع الشرعية المؤثرة، والتي تحمل معاني عظيمة، كفائدة علمية، أو كلمة لأحد السلف فيها معنى جليل، أو شعر فيه حكمة، وقد خلت تواقيع أولئك المستقيمين الملتزمين – ذكورًا وإناثًا – من الصور المحرَّمة، والأغاني والمعازف ، فكانوا أنموذجًا صالحًا لغيرهم.

 

ثالثًا:

ومن أراد من الإخوة المستقيمين أن يضع في توقيعه صورة لمسجد، أو ما ليس فيه روح كالأشجار والبحار وغيرهما: فلا يُمنع من ذلك، ولو صاحب تلك الصورة نشيدة أو قصيدة ملتزمة بالضوابط الشرعية تُسمع عند وضع ” الفأرة ” -الماوس – على الصورة.

وأما وضع آيات قرآنية في التوقيع: فله حالان:

الأولى: أن تُوضع بقصد الزينة.

وهذا ممنوع، ولا يجوز فعله، ” وفي هذا انحراف بالقرآن عما أنزل من أجله من الهداية والموعظة الحسنة والتعهد بتلاوته ونحو ذلك، والقرآن لم ينزل لتزيين الحيطان وإنما نزل هدى للناس وبيانًا.

الثانية: أن توضع بقصد التذكير بمعانيها، وخاصة إذا صاحبها سماع لها إذا وضعت الفأرة عليها – كما رأيناه في الرابط من صاحبة السؤال -.

فهذا اختلف في جوازه، الراجح عندنا أنه جائز، بل نحن نشجع عليه، ففيه إسماع لآيات القرآن فيتعلم نطقها، وفيه تذكير بمعانيها فلعلَّها تصادف عاملًا بها طائعًا لها، والله تعالى أمر بالتذكير بالقرآن فقال: ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) ق/ 45.

* قال الطبري-  رحمه الله -:

يقول تعالى ذِكره: فذكِّر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلتُه إليك من يخاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخالف أمري. ” تفسير الطبري ” ( 22 / 385 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وأما تعليق الآيات والأحاديث في المكاتب والمدارس: فلا بأس به للتذكير والفائدة. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 513 ، 514 ).

* وقال – رحمه الله -:

تعليق الآيات والسور على الجدران في المكتب أو المجلس للتذكير والعظة: لا بأس بذلك على الصحيح، ولقد كره بعض علماء العصر وغيرهم تعليقها، ولكن لا حرج فيه إذا كان ذلك للتذكير والعظة، وكان المكان محترما كالمجلس والمكتب ونحو ذلك، أو يعلِّق حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، كل ذلك فيه مواعظ وذكرى. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 695)

 

– ويفضَّل في مثل هذه الحال أن تتغير الآية كل فترة زمنية؛ ليتنوع التذكير بآيات القرآن.

 

والله أعلم.

ما حكم الممرضة التي تعين الأطباء على الإجهاض المحرَّم؟

ما حكم الممرضة التي تعين الأطباء على الإجهاض المحرَّم؟

السؤال:

امرأة تشتغل في مستشفى، تعقّم آلات الجراحة، وتعدّها، وتمدّها للجرّاحين أثناء العمليّات الجراحيّة، ولكن من ضمن هذه العمليّات هناك عمليّات إجهاض – والعياذ بالله -، فهي تسأل: هل تعتبر آثمة ولها دور في هذه الجريمة بإعانتها للجرّاحين في إعداد وإمداد الآلات المخصّصة لهذا الفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان أولئك الأطباء الجرَّاحون لا يتقون الله في عملياتهم فلن يقتصر أمرهم على إجهاض الأجنة الحية؛ فثمة عمليات أخرى محرَّمة يمكنهم القيام بها، كعمليات التجميل التي فيها تغيير لخلق الله، وعمليات الولادة القيصرية لمن لا تستدعي حالتها تلك العملية، ومثل قطع النسل بإغلاق الأنابيب، وعمليات نقل الأعضاء المشتراة أو المسروقة، وغير ذلك، وكل تلك العمليات – وغيرها مما هو مثلها – لا يجوز إعانتهم عليها، لا بتعقيم أدوات الجراحة ومناولتهم إياها، ولا بتجفيف عرقهم، ولا بتقطيب مرضاهم وضحاياهم!.

 

وإجهاض الأجنة بعد نفخ الروح فيها محرَّم في شرعنا أشد التحريم، وممنوع في أكثر الديانات والقوانين، وهو بالإضافة لكونه محرَّما لما فيه من قتل لنفسٍ محرَّمة فإنه قد يتسبب بتعطيل بعض أجهزة الأم، ومنها الرحم، مما قد يسبب قطع الإنجاب، كما أن في الإجهاض تشجيعا على الفاحشة ونشرا للزنا، ولذا فإن الإجهاض المباح قانونا لا يوجد إلا في الدول التي تسعى جاهدة في نشر الفحشاء والمنكر في شعبها، وأصحاب تلك القوانين ومعهم الأطباء الذين يباشرون لهم نصيب قول الله تعالى: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة/ 32، وفي قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور/ 19.

وإذا كانت الأم موافقة على الإجهاض فهي شريكة مع الطبيب في قتل تلك النفس، والراجح: أن الدية – وهي خمسٌ من الإبل – والكفارة – وهي صيام شهرين متتابعين – على المباشر وهو الطبيب، لا على الآمر – وهي الأم – مثلا -.

وأما من أعان الطبيب على الإجهاض من الممرضات: فهي داخلة في التعاون على الإثم والعدوان، وهو محرَّم، والإثم والعدوان واضحان جليَّان في هذه العملية المحرَّمة، وقد قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/ 2 .

وعليه: فلا يجوز لتلك الممرضة إعانة طبيب على عملٍ محرَّم مما ذكرنا أمثلته فيما سبق، فإن فعلت فهي آثمة.

 

مع التنبيه على أن الممرضات – غالبا – لا يخلو عملهن من أمور أخرى مخالفة للشرع، كالخلوة بطبيب أو ممرض أو مريض، وكالاختلاط مع الرجال، والسهر في المناوبات، وعلاج الرجال والنظر إلى عوراتهم من غير ضرورة، وكم حصل من جرَّاء بعض ذلك من مفاسد لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، لذا فالنصيحة للأخوات المستقيمات على طاعة الله أن يبحثن عن بيئة شرعية في عملهن، كالعمل مع طبيبة في عيادة خاصة بالنساء، أو في مستشفى في قسم خاص بالنساء، مع تجنب ما سبق ذِكره من مخالفات للشرع.

 

والله أعلم.