الرئيسية بلوق الصفحة 105

تاب من التدخين، وحلف أن لا يدخن، ولعن نفسه إن فعل ذلك.

السؤال:

هل يجوز لشخص أن يحلف بالله بأن لا يدخن سيجارة أخرى وضمن الحلف لعن نفسه إذا دخن مرة أخرى؟ وإذا كان الجواب لا، فماذا يفعل الشخص الذي فعل هذا عن جهل؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا بدَّ أن يعلم السائل أولًا أن شرب الدخان حرام، ويبدو أن السائل على علم بهذا، فإن كان لا يعلم بذلك، فليعلمه الآن، وهذا ما اتفق عليه العلماء والعقلاء والأطباء.
  2. وأخطأ السائل بلعنه نفسه، وقد جاء الوعيد الشديد في الشرع المطهر لمن خرج منه اللعن، ومنه:

أ . عن أبي سعيد الخدري قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن !! وتكفرن العشير …”.

رواه البخاري ( 298 ) ومسلم ( 80 ).

ب . عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة “. رواه مسلم ( 2598 ).

  1. والسائل إذا عاد إلى شرب الدخان: فإنه يأثم على شربه له، وعليه أيضًا كفارة يمين، وذلك لحنثه في يمينه، وكفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يستطع ذلك: فليصم ثلاثة أيام.

 

 

والله أعلم.

 

هل تجوز المقاطعة والتشويش وقت خطبة الجمعة؟

السؤال:

هل تجوز المقاطعة والتشويش ساعة الجمعة؟ ما هي الأسباب التي تبيح هذا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الكلام يوم الجمعة والخطيب يخطب على المنبر حرام وفاعل ذلك آثم عاصٍ حتى ولو كان كلامه في ذكر الله في تلك الساعة؛ لأن الخطبة أيضًا ذكر لله؛ لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [سورة الجمعة /9 ].

والسعي المأمور به يشمل الخطبة والصلاة فكلاهما ذكر لله، وذكر الله من تسبيح وغيره يكون سنة ووقته موسع أما الخطبة والسماع لها فذكر واجب ووقتها ضيق فالانشغال بها خير من الانشغال بغيرها من الطاعات.

فالجمعة سكون وسكوت يجب أن يخشع المصلي بقلبه وجوارحه لما تشمله من الوعظ والعلم الذي يحتاج إليه عوام الناس خاصة أن الخطيب يكون عالم القوم وفقيههم وما ينبغي للمصلي أن ينشغل بالسجاد الذي يجلس عليه أو النظر إلى زخارف المسجد.

حتى ولو كان انشغاله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من أوسع الواجبات المأمور بها حتى ولو كان بكلمة ( صه ) أو كلمة ( أنصت ) والأدلة على ذلك كمما يلي:

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت “. رواه البخاري ( 892 ) ومسلم ( 851 ).

– فانظر- رحمك الله – حتى قولك للرجل أنصت وهو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر: عدَّه الشارع لغواً يحرم ساعة الجمعة.

بل الأمر أشد من ذلك فاسمع إلى الحديث الذي بعده.

عن أبي الدرداء قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أُبيّ بن كعب فقلت له: يا أُبيّ متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني ثم سألته فأبى أن يكلمني حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أبيٌّ: مالك من جمعتك إلا ما لغوت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته فأخبرته فقال: ” صدق أُبيّ إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ “. رواه ابن ماجه ( 1111 )، وأحمد ( 20780 ).

وصححه البوصيري والشيخ الألباني في ” تمام المنة ” ( ص 338 ).

فالسؤال عن الآية يوم الجمعة تحبط من أجر الجمعة فكيف من يتحدث عن تجارته وزراعته وأمور دنياه أو من يجعل ساعة الجمعة ساعة النوم فلا يطيب له أن ينام إلا في ساعة الجمعة.

بل إن تشميت العاطس أو رد السلام في ساعة الجمعة غير جائز يقول الشيخ الألباني عن هذا: ( إذاً حكمهما – يعني تشميت العاطس ورد السلام – في الأصل واحد إما السنة كما في كلام الشافعي أو الوجوب كما هو الراجح عند كثير من العلماء فينبغي التسوية بينهما في المنع أو الجواز وفي ذلك عند الشافعية ثلاثة وجوه ذكرها النووي في المجموع.

 وقال:

الصحيح المنصوص تحريم تشميت العاطس كرد السلام.

قلت : وهذا هو الأقرب لما ذكرته في ” الضعيفة ” تحت الحديث ( 5665 ).

تمام المنة  ( ص 335 ).

ثانيًا:

المنع من الحديث والذكر يكون حال كون الخطيب يخطب على المنبر، أما وجود الخطيب على المنبر دون أن يخطب فلا حرمة في الكلام وذكر الله لأنه كما جاء في الحديث السابق ( والإمام يخطب….).

فقيدها بحالة كون الإمام يخطب.

وأما حديث: (( إذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام )):

فهو حديث باطل لا أصل له.

* وقال الشيخ الألباني: باطل قد اشتهر بهذا اللفظ على الألسنة وعلق على المنابر ولا أصل له  السلسلة الضعيفة ( 87 ).

ثالثًا:-

– الأسباب التي تبيح الكلام أو الحركة والخطيب يخطب على المنبر:

إذا عرضت للمصلي حاجة لا يستطيع دفعها كالنعاس أو قضاء الحاجة أو وجع يحتاج فيه إلى حركة وعدم سكون والدليل على ذلك حديث: ” إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره “. رواه أبو داود (1119) والترمذي ( 526 )، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ( 468 ).

–  وهناك زيادة عند البيهقي صححها الألباني أيضا وهي ( والإمام يخطب ).

يجوز له أن يصنع ما يباح في الصلاة كإرشاد الأعمى خشية السقوط أو ما لا بد له من ضرورات الحياة التي قد تؤدي إلى الهلاك أو فوات مصلحة عظيمة كطلب المصلين من الإمام أن يستسقي لهم.

*عن أنس بن مالك قال: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، ثم قال :- يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه …  رواه البخاري ( 967 ) ومسلم ( 897 ).

–  تجوز صلاة تحية المسجد بل تجب، وإن كان الخطيب على المنبر يخطب.

عن جابر بن عبد الله قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين.

رواه البخاري ( 888 ) ومسلم ( 875 ).

 

والله أعلم.

هل من السنة أن يلتفت الإمام للمصلين بعد الصلاة ويقودهم في الدعاء أم هي بدعة؟

السؤال:

أود أن أعلم هل من السنة أن يلتفت الإمام للمصلين بعد الصلاة ويقودهم في الدعاء أم هي بدعة؟

 

الجواب:

الحمد لله

لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يقود الناس بالدعاء، ولم يكونوا يذكرون الله تعالى جماعة لا في عيد ولا في حج ولا بعد الصلوات.

ومما استدل به من أجاز، قول عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ” أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم “. رواه البخاري ( 805 )  ومسلم ( 583 ).

وقوله: ” ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير “.  رواه  البخاري ( 806 ) ومسلم ( 583 ).

 

والصواب:

أن هذا لم يكن إلا لتعليم أصحابه أدعية وأذكار ما بعد الصلاة، ولو كان الذكر سريًّا ما عرف الناس ماذا يقولون، وهكذا فهم الأئمة الأعلام، وعليه فقد أنكروا الفعل الحادث وهو الذكر الجماعي بعد الصلاة، سواء أكان بقيادة الإمام، أو بأصواتهم جميعا، وهذه باقة من أقوالهم:

  1. * قال ابن حجر رحمه الله:

وقال النووي حمل الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتا يسير لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم داوموا على الجهر به والمختار أن الإمام والمأموم  يخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم. أ.هـ

انظر: ” فتح الباري ” ( 2 / 326 ).

  1. * قال ابن القيم رحمه الله:

وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه  صلى الله عليه وسلم أصلًا ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن.

وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ولا أرشد إليه أمته وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما والله أعلم وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه خطبته على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي … ” زاد المعاد ” ( 1 / 257 ، 258 ).

  1. * وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي:

ومن البدع : قراءة القارئ يوم الجمعة عُشرًا من القرآن عند خروج السلطان.

وكذلك الدعاء بعد الصلاة . أ.هـ

” الحوادث والبدع ” ( ص 152 ).

  1. * وقال الإمام الشاطبي رحمه الله:

لم يكن صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعاء والذكر على إثر الصلاة دائمًا ولا يظهرها للناس في غير مواطن التعليم، إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنَّة، ولم يسع العلماء أن يقولوا فيها بغير السنَّة … . أ.هـ

” الاعتصام ” ( 1 / 351 ).

 

والله أعلم.

تعدد الأزواج في الدنيا ومع من ستبقى في الجنّة؟

السؤال:

هل ستكون المرأة مع زوجها في الجنة؟ هل سيكون لهما الخيار بأن يبقيا سويًّا؟

ماذا إذا تزوجت المرأة أكثر من رجل (كانت أرملة ثم تزوجت)؟ أرجو أن تعطينا بعض المعلومات عن هذا الموضوع.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. نعم، تكون المرأة مع زوجها في الجنة، بل ومع ذريتها من البنين والبنات إذا كانوا من أهل الإسلام، ويدل على هذا قول الله تعالى { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } [الطور21]، ومن دعاء الملائكة حملة العرش { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومَن صلح مِن آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} [ غافر 8 ].

* قال ابن كثير رحمه الله:

أي: اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال تبارك وتعالى { والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم  وما ألتناهم من عملهم من شيء }، أي: ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل تفضلًا منا ومنة، وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة . أ.هـ.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 73 ).

  1. ولا نظن بمن كتب الله لهم دخول الجنة ونزع منهم الغل أن يختارا الفراق على اللقاء.
  2. أما إن كانت المرأة قد تزوجت أكثر من رجل، فقد ذكرنا الخلاف في المسألة في جواب مستقل، وذكرنا أن الصواب أنها تكون لآخر أزواجها.
  3. وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله تعالى يزوجها ما تقر به عينها في الجنَّة، فالنعيم ليس مقصورًا على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث، ومن جملة النعيم: الزواج . أ.هـ ” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 2 / 53 ).

 

والله أعلم.

دائم الشك في الصلاة

السؤال:

دائمًا أكون في شك وأنا أصلي، هل قرأت الفاتحة؟ هل ركعت؟ هل سجدت؟

أحاول قدر المستطاع أن أركز ولكنني دائمًا في شك في صلاتي, فأرجو التوجيه؟

 

الجواب:

الحمد لله

الوسوسة في العبادات وخارجها من الشيطان يحاول إفساد هذه العبادات على أصحابها، والواجب على المسلم أن يجاهد شيطانه، ويتخذه له عدوًّا، وأن يحاول أن لا يسهو في صلاته ولا يبعد في فكره عن ربه حيث أنه حين يبدأ الصلاة بقوله : الله أكبر ؛ فإن كل شيء يصغر في نظره وعندما يرفع يديه في تكبيرة الإحرام فكأنما رمى الدنيا وراء ظهره.

* يقول ابن القيم واصفاً حال المسلم الذي يدخل في صلاته: 

وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره سر عظيم يعرفه أهل الحضور المصلون بقلوبهم وأبدانهم فإن العبد إذا وقف بين يدي الله عز وجل وقد علم أن لا شيء أكبر منه وتحقق قلبه ذلك وأشربه سره استحي من الله ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره وما لم يستحضر هذا المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه وقلبه يهيم في أودية الوساوس والخطرات، وبالله المستعان، فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلب هذا لما اشتغل عنه وصرف كلية قلبه إلى غيره كما أن الواقف بين يدي الملك المخلوق لما لم يكن في قلبه أعظم منه لم يشغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه صارف.

” حاشية ابن القيم على تهذيب سنن أبي داود ” ( 1 / 63 – 64 ).

فالوساوس التي تشغلك عن الصلاة هي من كيد إبليس اللعين يريد منك أن تمل الصلاة وتهجرها ليحقق غايته التي يريد أن تكون عند كل مخلوق، ولا يرد كيد الشيطان عنك إلا الذي خلقه ويعلم سره وأمره فاهتف بربك ووكل الأمر إليه فهو يعصمك من شره، فعليك بالدعاء والاستعانة بمن لا تضيع شفاعته.

* قال القرطبي:

وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سوَّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: هذا يطول، أرأيتَ لو مررت بغنمٍ فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي، قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك.

” تفسير القرطبي ” ( 7 / 348 ).

وأنت يا أخي – ولله المثل الأعلى – استغث بالذي خلق الشيطان يكفك الشيطان وكيده ويرده عنك بإذن الله تعالى.

* يقول الإمام ابن كثير في تفسير الاستعاذة: 

قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } [ الأعراف / 199 – 200 ]، وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون } [ المؤمنون / 96 – 97 ]، وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } [ فصلت / 34 – 36]. فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } [ الأعراف / 27 ]، وقال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [ فاطر / 6 ]، وقال: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا } [ الكهف / 50 ]، وقد أقسم للوالد آدم عليه السلام أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال:{ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ ص / 82 -83 ]، وقال تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } [ النحل / 98 – 100 ].  ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 13 – 14 ).

والشيطان الذي يأتي الناس في صلواتهم سمَّاه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفنا به وحذرنا منه واسمه ” خنزب “.

عن عثمان بن أبي العاص : ” أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ” .رواه مسلم ( 3203 ).

والتفل: هو البصاق الخفيف من غير ريق.

فالعلاج الناجع في التخلص من الشيطان كما علمنا الإمام ابن كثير من الآيات السابقة هو الاستعاذة من الشيطان ومن كيده.

* يقول المناوي – ناقلاً أقوال بعض السلف واصفاً حال الذين يوسوسون في الوضوء -: 

قال الغزالي: من وهن علم الرجل ولوعه بالماء الطهور، وقال ابن أدهم: أول ما يبدأ الوسواس من قبل الطهور، وقال أحمد: من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء، وقال المروزي: وضأت أبا عبد الله بن العسكري فسترته من الناس لئلَّا يقولوا لا يحسن الوضوء لقلة صبه الماء: وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى ومن مفاسد وسواس الماء شغل ذمته بالزائد على حاجته فيما لو كان لغيره كموقوف أو نحو حمام فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد حتى يحكم بينه وبين صاحبه رب العباد انتهى.  ” فيض القدير ” ( 2 / 503 ).

* وقال الشيخ صديق خان – في وصف حال الموسوسين في الوضوء – أيضًا -:

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم حدوث الشكوك في الطهارات فيما يأتي من الزمان وأطلعه الله على ما يأتي به المصابون بالوسوسة من التأويلات التي ليس لها في الشريعة أساس: أوضح هذا المعنى إيضاحاً ينهدم عنده كل ما بنوه على قنطرة الشك والخيال فقال: ” إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما”.

فانظر هذه العبارة الهادمة لكل شك، فإنه أولًا بين لهم أنهم إذا وجدوا النجاسة في النعلين وجودًا محققًا فعلوا المسح بالأرض، ثم أمرهم بالصلاة في النعلين ليعلموا بأن هذه هي الطهارة التي تجوز الصلاة بعدها، ثم ترى أحدهم يلعب به الشيطان حتى يصير ما هو فيه نوعاً من الجنون فيغسل يده أو وجهه مرة بعد مرة حتى يبلغ العدد إلى حد يضيق عنه الحصر، مع دلك شديد وكلفة عظيمة واستغراق للفكر وهو يعلم بأن ذلك العضو لم تصبه نجاسة مغلظة ولا مخففة . فلا يزال في تعب ونصب ومزاولة لا يشك من رآه أنه لم يبق عنده من العقل بقية، ثم إذا فرغ من العضو الأول بعد جهد جهيد شرع في العضو الثاني ثم كذلك، وكثير منهم من يدخل محل الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يخرج إلا بعد طلوع الشمس فما بلغ الشيطان هذا المبلغ من أحد من العصاة لأنه عذب نفسه في معصية لا لذة فيها للنفس ولا رفعة للقدر، وصار بمجرد مجاوزة الثلاث الغسلات كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في من تجاوزها : ” فقد أساء وتعدى وظلم ” فجمع له صلى الله عليه و سلم بين هذه الثلاثة الأنواع ثم لم يقنع منه لهذا حتى صيره تاركاً للفريضة التي ليس بين العبد إلا تركها. …فانظر كيف صار هذا الموسوس بنص الرسول صلى الله عليه و سلم مسيئًا متعديًا ظالمًا كافرًا إذا بلغ إلى الحد الذي ذكرناه …” الروضة الندية ” ( 1 / 41 – 43 ).

واعلم – يا أخي – أنا قد سمعنا عمن أخرجته الوساوس من دينه، حتى إنه من كثرة تكراره للوضوء شتم الدين وعزم على ترك الوضوء ثم الصلاة.

فلا تكن مثل هذا الخاسر وادخل في الصلاة بخشوع وطمأنينة واستعذ من الشيطان ثم الله تعالى يعصمك من كيده وضلالاته.

ونسأل الله الهداية لنا ولك.

 

والله أعلم.

هل يصلي على النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا دعا في سجوده؟

السؤال:

أعلم أنه من شروط الدعاء أن نصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن الدعاء لا يستجاب له إذا لم نصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم, فهل هذا حكم عام؟

وماذا إذا أراد الشخص أن يدعو في السجود، هل يجب أن يصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا؟

 

الجواب:

الحمد لله

 

  1. يمكن تقسيم الدعاء في الشرع إلى قسمين، قسم مطلق وقسم مقيد.

أما المطلق: فهو الذي رغَّب الشرع بإنشائه من العبد، كالدعاء في ثلث الليل الآخر، والدعاء بين الأذان والإقامة، والدعاء في عرفة، وما شابه ذلك.

وأما المقيد: فهو الدعاء الذي يقال عند دخول مكان أو خروج منه أو عند حدوث شيء أو ما شابه ذلك، كالدعاء عند دخول الخلاء والخروج منه، والدعاء عند هبوب الريح وغير ذلك.

أما الأول وهو المطلق: فهو الذي يتأكد فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون فيه أيضاً الثناء على الله عز وجل، وفيه حديث، وله مراتب، وحكمة.

أما الحديث:

عن فضالة بن عبيد قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عَجِلَ هذا، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: ” إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء “. رواه الترمذي ( 3477 ) وأبو داود ( 1481 ).

وأما المراتب:

* فقد قال ابن القيم رحمه الله:

الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند الدعاء، وله ثلاثة مراتب:

إحداها: أن يصلي عليه قبل الدعاء وبعد حمد الله تعالى.

  والمرتبة الثانية: أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره.

والثالثة: أن يصلي عليه في أوله وآخره ويجعل حاجته متوسطة بينهما.

” جلاء الأفهام ” ( ص 375 ).

 

وأما الحكمة:

* فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله:

فإنَّ الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي بها يستجاب الدعاء وقد أمر الله بها، والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {  [الأحزاب / 56 ].” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 347 ).

* وقال ابن القيم:

وهذه المواطن التي تقدمت كلها شرعت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمام الدعاء، فمفتاح الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما أن مفتاح الصلاة الطهور فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

” جلاء الأفهام ” ( ص 377 ).

  1. وأما الثاني: وهو المقيد: فليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا ما جاء في بعضها كدعاء دخول المسجد وبعد الأذان.

وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمَّته أدعية مخصوصة مقيدة في أوقات معلومة أو بعد أفعال مخصوصة ليس فيها الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، ومنها:

  • دعاء الاستخارة.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسمِّيه – خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسمِّيه –  شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني .رواه البخاري ( 1113 ).

  • الدعاء عند دخول الخلاء.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال    ” اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث “. رواه البخاري ( 5963 ) ومسلم ( 375 ).

  • الدعاء عند هبوب الريح.

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: ” اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ” .رواه مسلم ( 899 ).

ويدخل في هذا الحكم الدعاء في السجود وهو الوارد في السؤال، إذ قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أدعية في سجوده ليس في أحدها الصلاة والسلام عليه، ومنها:

  • عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده ” سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي “.

رواه البخاري ( 874 ) ومسلم ( 484 ).

  • وعن عائشة قالت: فقدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: ” اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك “. رواه مسلم ( 486 ).
  1. وأما الأدعية المخصوصة التي فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمنها:
  • الدعاء عند دخول المسجد.

عن أبي حميد وأبي أسيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك “. رواه أبو داود ( 466 ).

والحديث : صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” تمام المنَّة ” ( ص 290 ).

  • الدعاء بعد الأذان.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة “.

رواه مسلم ( 384 ).

 

والله أعلم.

ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب)

السؤال:

ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب) وهل ينافي هذا ما يتعلمه المسلمون اليوم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لفظ الحديث: عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين “. رواه البخاري ( 1814 ) ومسلم ( 1080 ).

وقد ورد في مسألة دخول الشهر الهلالي، وهو يدل على أنه لا ينبغي الالتفات للحساب لدخول الشهر، ولا ينافي هذا ما يتعلمه المسلمون اليوم، فإن دين الإسلام دين العلم، وهو يدعو إليه ويوجبه إن كان في المجال الشرعي، وهو فرض كفاية في باقي العلوم.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية شرح وافٍ لهذا الحديث لم نرَ أحدًا ذكر ما ذكره هذا الإمام، فأحبننا نقل كلامه، وقد استقصى شرحه فأجاد رحمه الله.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

قوله إنا ” أمة أمية لا نكتب ولا نحسب “: هو خبر تضمن نهيًا فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمية لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها محرم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرميْن منهيًّا عنهما، وهذا كقوله ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”  أي: هذه صفة المسلم فمن خرج عنها خرج عن الإسلام، ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ذلك البعض، وكذلك قوله ” المؤمن مَن أمِنه الناس على دمائهم وأموالهم “.

 فإن قيل: فهلا قيل إن لفظه خبر ومعناه الطلب كقوله {والمطلقات يتربصن بأنفسهن } {والوالدات يرضعن } ونحو ذلك فيكون المعنى: أن من كان من هذه الأمة فلا ينبغي له أن يكتب ولا يحسب نهاه عن ذلك لئلا يكون خبرا قد خالف مخبره فان منهم من كتب أو حسب؟.

قيل: هذا معنى صحيح في نفسه، لكن ليس هو ظاهر اللفظ فإن ظاهره خبر، والصرف عن الظاهر إنما يكون لدليل يحوج إلى ذلك ولا حاجة إلى ذلك كما بيناه.

وأيضا: فقوله ” إنا أمة أمية ” ليس هو طلبًا، فإنهم أمِّيُّون قبل الشريعة كما قال الله تعالى { هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم } وقال { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم } فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها، نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها، فإنا سنبيِّن أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقًا.

       فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون هذا إخبارًا محضًا أنهم لا يفعلون ذلك وليس عليهم أن يفعلوه إذ لهم طريق آخر غيره، ولا يكون فيه دليل على أن الكتاب والحساب منهي عنه بل على أنه ليس بواجب، فإن الأموَّة صفة نقص ليست صفة كمال فصاحبها بأن يكون معذورًا أولى من أن يكون ممدوحًا؟.

         قيل: لا يجوز هذا لأن الأمة التي بعثه الله إليها فيهم مَن يقرأ ويكتب كثيرًا كما كان في أصحابه، وفيهم من يحسب، وقد بعث صلى الله عليه وسلم بالفرائض التي فيها مِن الحساب ما فيها وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قدِم عاملُه على الصدقة ابن اللتبيَّة حاسَبه، وكان له كتاب عدة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية يكتبون الوحي ويكتبون العهود ويكتبون كُتُبَه إلى الناس إلى مَن بعثه الله إليه مِن ملوك الأرض ورؤوس الطوائف وإلى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك وقد قال الله تعالى في كتابه { لتعلموا عدد السنين والحساب } في آيتين من كتابه فأخبر أنه فعل ذلك ليعلم الحساب.

وإنما الأمي هو في الأصل منسوب إلى ” الأمة ” التي هي جنس الأميين وهو من لم يتميز عن الجنس بالعلم المختص من قراءة أو كتابة كما يقال ” عامي ” لمن كان من العامة غير متميز عنهم بما يختص به غيرهم مِن علوم، وقد قيل: إنه نسبة إلى ” الأم ” أي: هو الباقي على ما عوَّدته أمُّه من المعرفة والعلم ونحو ذلك.

ثم التميز الذي يخرج به عن الأمية العامة إلى الاختصاص تارة يكون فضلًا وكمالاً في نفسه كالتميز عنهم بقراءة القرآن وفهم معانيه وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل والكمال كالمتميز عنهم بقراءة القرآن وفهم معانيه، وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل والكمال كالتميز عنهم بالكتابة وقراءة المكتوب، فيمدح في حق من استعمله في الكمال ويذم في حق من عطَّله، أو استعمله في الشر، ومن استغنى عنه بما هو أنفع له كان أكمل وأفضل، وكان تركه في حقه مع حصول المقصود به أكمل وأفضل.

فإذا تبين أن التميز عن الأميين نوعان؛ فالأمة التي بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم  أولاهم العرب وبواسطتهم حصلت الدعوة لسائر الأمم؛ لأنه إنما بُعث بلسانهم فكانوا أميين عامة ليست فيهم مزية علم ولا كتاب ولا غيره مع كون فِطَرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع، لكن ليس لها من يقوم عليها فلم يكن لهم كتاب يقرؤونه منزَّل من عند الله كما لأهل الكتاب، ولا علوم قياسية مستنبطة كما للصابئة ونحوهم، وكان الخط فيهم قليلًا جدًّا، وكان لهم من العلم ما ينال بالفطرة التي لا يخرج بها الإنسان عن الأموَّة العامة كالعلم بالصانع سبحانه، وتعظيم مكارم الأخلاق، وعلم الأنواء، والأنساب، والشِّعر، فاستحقوا اسم الأمية من كل وجه كما قال فيهم { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم } وقال تعالى { قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ }، فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب، فالكتابي غير الأمي.

فلما بُعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به وقد جعله تفصيلًا لكل شيءٍ وعلَّمهم نبيُّهم كلَّ شيءٍ حتى الخراءة: صاروا أهلَ كتاب وعلم، بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة، وزالت عنهم الأميُّة المذمومة الناقصة وهي عدم العلم والكتاب المنزل إلى أن علِموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب كما قال فيهم{ هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين }فكانوا أميين مِن كل وجهٍ فلما علمهم الكتاب والحكمة: قال فيهم{ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} وقال تعالى{ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أُنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أُنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم }،واستجيب فيهم دعوة الخليل حيث قال{ ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم }وقال { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.

فصارت هذه الأميَّة منها ما هو محرَّم، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو نقص وترك الأفضل، فمن لم يقرأ الفاتحة أو لم يقرأ شيئًا من القرآن تسمِّيه الفقهاء في ” باب الصلاة ” أميًّا ويقابلونه بالقارئ، فيقولون: لا يصح اقتداء القارئ بالأمي، ويجوز أن يأتم الأمي بالأمي ونحو ذلك من المسائل، وغرضهم بالأمِّيِّ هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان يكتب أولا يكتب يحسب أولا يحسب.

  فهذه الأميَّة منها: ما هو تَرك واجبٍ يُعاقب الرجل عليه إذا قدر على التعلم فتركه.

         ومنها: ما هو مذموم، كالذي وصفه الله عز وجل عن أهل الكتاب حيث قال {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون } فهذه صفة من لا يفقه كلام الله ويعمل به وإنما يقتصر على مجرد تلاوته، كما قال الحسن البصري: نَزَل القرآن ليُعمل به فاتَّخذوا تلاوتَه عملًا، فالأمي هنا قد يقرأ حروف القرآن أو غيرها ولا يفقه بل يتكلم في العلم بظاهر من القول ظنًّا فهذا أيضا أميٌّ مذموم كما ذمَّه الله لنقص علمه الواجب سواء كان فرض عين أم كفاية.

         ومنها: ما هو الأفضل الأكمل، كالذي لا يقرأ مِن القرآن إلا بعضه، ولا يفهم منه إلا ما يتعلق به، ولا يفهم من الشريعة إلا مقدار الواجب عليه، فهذا أيضًا يقال له أميٌّ وغيره ممن أوتى القرآن علمًا وعملًا أفضل منه وأكمل.

فهذه الأمور المميزة للشخص عن الأمور التي هي فضائل وكمال فقدها إما فقد واجب عينًا أو واجب على الكفاية أو مستحب، وهذه يوصف الله بها وأنبياؤه مطلقًا فإن الله عليم حكيم جمع العلم والكلام النافع طلبًا وخبرًا وإرادةً وكذلك أنبياؤه ونبينا سيد العلماء والحكماء.

وأما الأمور المميزة التي هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع إمكان الاستغناء عنها بغيرها فهذه مثل الكتاب الذي هو الخط والحساب فهذا إذا فقدها مع أن فضيلته في نفسه لا تتم بدونها وفقدها نقص إذا حصلها واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط فيقرأ به القرآن وكتب العلم النافعة أو يكتب للناس ما ينتفعون به كان هذا فضلًا في حقه وكمالًا وإن استعان به على تحصيل ما يضره أو يضر الناس كالذي يقرأ بها كتب الضلالة ويكتب بها ما يضر الناس كالذي يزوِّر خطوط الأمراء والقضاة والشهود: كان هذا ضررًا في حقه وسيئةً ومنقصةً، ولهذا نهى ” عمر ” أن تعلَّم النساءُ الخطَّ، وان أمكن أن يستغني عنها بالكليَّة بحيث ينال كمال العلوم من غيرها وينال كمال التعليم بدونها كان هذا أفضل له وأكمل وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم  الذي قال الله فيه { الذين يتبعون الرسول النبي الأميَّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل } فان أموَّته لم تكن من جهة فقْدِ العلم والقراءة عن ظهر قلبٍ فإنه إمام الأئمة في هذا، وإنما كان مِن جهة أنه لا يكتب ولا يقرأ مكتوبًا كما قال الله فيه { وما كنت تتلو مِن قبله مِن كتاب ولا تخطه بيمينك }.

وقد اختلف الناس هل كتب يوم الحديبية بخطه معجزة له أم لم يكتب؟ وكان انتفاء الكتابة عنه مع حصول أكمل مقاصدها بالمنع مِن طريقها: مِن أعظم فضائله وأكبر معجزاته فإن الله علَّمه العلم بلا واسطة كتاب معجزةً له، ولما كان قد دخل في الكتب مِن التحريف والتبديل، وعلَّم هو  صلى الله عليه وسلم أمَّتَه الكتابَ والحكمةَ مِن غير حاجة منه إلى أن يكتب بيده، وأما سائر أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم فالغالب على كبارهم الكتابة لاحتياجهم إليها إذ لم يُؤتَ أحدٌ منهم مِن الوحي ما أوتيه صارت أموَّته المختصة به كمالًا في حقه من جهة الغنى بما هو أفضل منها وأكمل ونقصًا في حق غيره مِن جهة فقْده الفضائل التي لا تتم إلا بالكتابة.

إذا تبين هذا فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب كما قدمناه، فإن مَن كتب مسير الشمس والقمر بحروف ” أبجد ” ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها، ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار، ومتى يتقابلان ليلة الإبدار، ونحو ذلك فليس في هذا الكتاب والحساب من الفائدة إلا ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في تحديد الحوادث والأعمال ونحو ذلك كما فعل ذلك غيرنا من الأمم فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب كما يفعلونه بالجداول أو بحروف ” الجمَّل ” وكما يحسبون مسير الشمس والقمر ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الأوسط حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار وغير ذلك فبيَّن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنا أيتها الأمَّة الأميَّة لا نكتب هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يُستدل به على استسرار الهلال وطلوعه.

وقد قدمنا فيما تقدم أن النفي وإن كان على إطلاقه يكون عامًا فإذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود: علم به المقصود أخاص هو أم عام، فلما قرن ذلك بقوله الشهر ثلاثون والشهر تسعة وعشرون بيَّن أن المراد به: إنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو تارة كذلك، وتارة كذلك، والفارق بينهما هو الرؤية فقط ليس بينهما فرقٌ آخر من كتابٍ ولا حسابٍ كما سنبينه؛ فان أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون أخرى.

  وظهر بذلك أن الأميَّة المذكورة هنا صفة مدح وكمال مِن وجوه:

من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبيَن منه وأظهر وهو الهلال.

ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط.

ومن جهة أن فيهما تعبًا كثيرًا بلا فائدة فإن ذلك شغَل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه وإذا كان نفى الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التي فيه كان الكتاب والحساب في ذلك نقصًا وعيبًا بل سيئةً وذنبًا فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمَّة الأميَّة فيما هو مِن الكمال والفضل السالم عن المفسدة ودخل في أمرٍ ناقصٍ يؤديه إلى الفساد والاضطراب.

  وأيضًا: فإنه جعل هذا وصفاً للأمَّة كما جعلها وسطا في قوله تعالى { جعلناكم أمة وسطًا } فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين.

وأيضًا: فالشيء إذا كان صفة للأمَّة لأنه أصلح من غيره، ولأن غيره فيه مفسدة: كان ذلك مما يجب مراعاته ولا يجوز العدول عنه إلى غيره لوجهين:

  1. لما فيه من المفسدة.
  2. ولأن صفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها.

فإن كان الواحد لا يجب عليه في نفسه تحصيل المستحبات فإن كل ما شرع للأمَّة جميعًا صار من دينها وحفظ مجموع الدين واجب على الأمة فرض عين أو فرض كفاية، ولهذا وجب على مجموع الأمة حفظ جميع الكتاب وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب وإن لم يجب ذلك على آحادها، ولهذا أوجب على الأمَّة مِن تحصيل المستحبات العامة ما لا يجب على الأفراد وتحصيله لنفسه، مثل الذي يؤم الناس في صلاته فإنه ليس له أن يفعل دائمًا ما يجوز للمنفرد فعله بل يجب عليه أن لا يطول الصلاة تطويلا يضر من خلفه ولا ينقصها عن سننها الراتبة مثل قراءة السورتين الأولييْن وإكمال الركوع والسجود ونحو ذلك حتى أن النبي  صلى الله عليه وسلم أمَر الصحابة بعزل إمام كان يصلى لبصاقه في قِبلة المسجد وقال: “يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنَّة سواء ” .. الحديث … ” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 164 – 175 ).

 

 

والله أعلم.

هل سيكون في الجنة ذنوب وفي حال النفي كيف نرد على معصية آدم فيها؟

هل سيكون في الجنة ذنوب وفي حال النفي كيف نرد على معصية آدم فيها؟

السؤال:

لديَّ سؤال وأتمنَّى أن لا يكون مِن سوء الأدب مع الأنبياء, وإن كان كذلك فسؤالي ما هو إلا لأرشد وأتعلم وأتلقى النصح, السؤال يقول: إن شاء الله عندما ندخل الجنة والفردوس الأعلى بإذن الله وبوجود النعيم وعندما نحبر بالجنة ونتمتع بما جازانا الله: هل سوف نذنب؟! آدم عليه السلام أكل مِن الشجرة وخرج من الجنة, فهل ما فعله آدم عليه السلام يعتبر ذنبا؟، أثق أنها حكمة الله بأنه أكل منها وهبط, ولكن سؤالي الذي أريد أن أصل لإجابته دون المساس أو التجرؤ على الأنبياء هل في الجنة سنذنب أم أن ما حدث خاص بسيدنا آدم كما أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع خاص به؟ وأرجع وأقول: أثق – بإذن الله – أنه من حكمة الخالق سبحانه، ولكني أحتاج لمن يعينني على أن أجد هذه الإجابة, والجنة هي الخلود، إذا بها الكماليات، وهي عالم المثُل بما أنها كذلك، هذا إن صح قولي ولم أخطئ بقولي, هل نقول إنه لا ذنب في الجنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا بأس أن يسأل المسلم عما يتعلق بدينه من أحكام وحكَم وتشريعات، والمهم في ذلك أن يبتعد عن التكلف المذموم وأن يجتنب ما لا طائل تحته من المسائل، مع التزام الأدب في العبارة واستعمال جميل الألفاظ في الكلام، ونراك – أخي السائل – من هذا الصنف من الناس ونرجو أن تنعم بزيادة في الأدب وأن تغنم بمزيد من العلم.

ثانيا:

اعلم – أولا – أن العلماء غير مختلفين في كون أبينا آدم عليه السلام قد عصى ربَّه تعالى بأكله من الشجرة التي نهيَ عن الأكل منها، وقد صرَّح الله تعالى بذلك فقال ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) طه/ 121، ثمَّ بيَّن أنه عليه السلام قد تاب وأن الله تعالى قد هداه واجتباه فقال تعالى – بعدها –  ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) طه/ 122.

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – :

المعصية خلاف الطاعة، فقوله ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) أي: لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه مِن قُربان تلك الشجرة.

وقوله ( فَغَوَى ) الغي: الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب، فمعنى الآية: لم يُطِع آدمُ ربَّه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة.

” أضواء البيان ” ( 4 / 116 ).

وقال – رحمه الله -:

ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء: فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلى مِن درجة مَن لم يقع منه ذلك، كما قال هنا ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ثم أتبع ذلك بقوله ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ). ” أضواء البيان ” ( 4 / 105 ، 106 ).

لكنَّ العلماءَ مختلفون في كون ذلك كان في جنة الخلد التي أعدَّها الله تعالى للمتقين أو أن تلك جنة من جنان الدنيا، والصحيح المختار: أن آدم عليه السلام كان في جنة الخلد نفسها، وأنه قد أهبط منها بعد أن عصى ربَّه تعالى، وهو قول جمهور سلف الأمة، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك، ولكنَّ الإجماع لا يثبت.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

و” الجنَّة ” التي أُسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنَّة والجماعة : هي جنة الخلد.” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 347 ).

والأدلة في المسألة يطول ذِكرها وشرحها، ويمكن النظر فيها في أول كتاب ” مفتاح دار السعادة ” لابن القيم رحمه الله تعالى، ولولا أن المسألة تتعلق بفهم آيات وأحاديث من الوحي لقلنا هي مسألة لا طائل من البحث فيها وأنها من ترف العلم، هذا مع أن طائفة مِن العلماء يراها كذلك أصلا.

ثالثا:

إنَّ جنَّة الخلد التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين ليس فيها ما في الدنيا من آفات ومنغصات فضلا أن يكون فيها شيء من المعاصي والذنوب، وإن الله تعالى يطهِّر قلوب عباده قبل دخولها فيها ليجعلهم متوافقين مع جنته دار السلام.

قال تعالى ( لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ) الطور/ 23.

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

واللغو: سِقْط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل.

والتأثيم: ما يؤثَّم به فاعله شَرعا أو عادة من فعل أو قول، مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالباً، فأهل الجنة مُنزَّهون عن ذلك كله؛ لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء. ” التحرير والتنوير ” ( 27 / 54 ).

وقال تعالى: ( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا . جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ) النبأ/ 35 ، 36.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: ليس فيها كلام لاغٍ عَارٍ عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 308 ).

ولا يرِد على هذا ما حصل في الجنة التي كان فيها آدم من معصية أكله من الشجرة أو من كذب إبليس على آدم حين أقسم له أن الشجرة الممنوعة عليه هي شجرة الخلد؛ لأن الجنة التي ليس فيها شيء من هذا إنما هي جنة الخلد بعد البعث ودخول المستحقين لها، لا ما كانت قبل ذلك.

قال ابن حزم – رحمه الله – رادّا على القاضي منذر بن سعيد في كون جنة آدم ليست هي جنة الخلد نفسها -:

واحتج أيضا بأن جنة الخلد لا كذب فيها وقد كذب فيها إبليس، وقال: مَن دخل الجنة لم يخرج منها وآدم وامرأته عليهما السلام قد خرجا منها.

قال أبو محمد – أي: ابن حزم -: كلُّ هذا لا دليل له فيه … وأما قوله ” إن الجنة لا كذب فيها وأن مَن دخلها لم يخرج منها وآدم وامرأته قد خرجا منها: فهذا لا حجة له فيه، وإنما تكون كذلك إذا كانت جزاءً لأهلها كما أخبر عز وجل عنها حيث يقول ( لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً ) فإنما هذا على المستأنف لا على ما سلف، ولا نص معه على ما ادَّعى ولا إجماع. ” الفصل في الملل والأهواء والنحل ” ( 4 / 69 ).

 

والخلاصة: أنه وقع ذنب من أبينا آدم عليه السلام، وأن معصيته تلك كانت في الجنة التي في السماء، وأنه لن يكون في جنة الخلد بعد البعث معصية ولا لغو ولا إثم، بل هي دار السلام، ونسأل الله أن يدخلنا جميعاً إيّاها بفضله وكرمه.

 

والله أعلم.

 

هل خلق الله الإنسان من طين أم خلقه من شيء آخر لم يتم وصفه في القرآن؟

السؤال:

هل خلق الله الإنسان من طين أم خلقه من شيء آخر لم يتم وصفه في القرآن؟

 

الجواب:

الحمد لله

خلق الله تعالى آدم عليه السلام من الأرض أي مما تحويه وذلك قوله:{ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ( طه / 55 )، فخلقه من ترابها وهذا قوله تعالى:{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب } ( آل عمران/59 ).

 وفي ذلك آيات في القرآن كثيرة.

ثم جبلت تربتها بالماء فكانت طينًا وفي ذلك يقول رب العالمين: {  هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلًا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون } ( الأنعام / 2 ).

وفي ذلك أيضًا آيات كثيرة أيضًا.

وكان الطين لازبًا – أي: لاصقًا، وقيل: لزجًا- وفي هذا يقول تعالى: { إنا خلقناهم من طين لازب } ( الصافات / 11 ).

*  قال ابن منظور:

ولَزِبَ الطينُ يَلْزُبُ لُزُوبًا، ولزُبَ: لَصِقَ وصَلُبَ، وفـي حديث علـيّ علـيه السلام: دخَـل بالبَلَّةِ حتـى لَزَبَتْ أَي لَصقتْ ولزمتْ. وطينٌ  لازبٌ أَي لازقٌ. قال الله تعالـى: من طِينٍ لازبٍ. ” لسان العرب ” ( 1 / 738 ).

ثم صار هذا الطين اللازب منتناً فقال تعالى في ذلك:{ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون } ( الحجر/ 26 ).

* قال الرازي:

الحَمَأُ: بفتحتين والحَمَأةُ بسكون الميم الطين الأسود.

” مختار الصحاح ” ( ص / 64 ).

 وقال في ” لسان العرب ” ( 1 / 61 ):

حمأ : الـحَمْأَةُ، والـحَمَأُ: الطين الأَسود الـمُنتن؛ وفـي التنزيل: { من حَمَإٍ مسنون }.

 وقال في ” لسان العرب ” ( 13 / 227 ):

الـمَسْنون: الـمُنْتِن، وقوله تعالـى { مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ }: قال أَبو عمرو: أَي متغير منتن؛ وقال أَبو الهيثم: سُنَّ الـماءُ فهو مَسْنُون أَي: تغيَّر.

وحيث أن هذا الطين كان مخلوطاً بالرمل: فهذا هو الصلصال.

 

 

* قال الرازي:

الصَّلْصالُ: الطين الحر خُلط بالرمل فصار يَتَصَلْصَلُ إذا جف، فإذا طُبخ بالنار فهو الفخار. ” مختار الصحاح ” ( 1 / 154 ).

وقال في ” لسان العرب ” ( 11 / 382 ):

والصَّلْصالُ مِن الطِّين: ما لـم يُجْعَل خَزَفًا، سُمِّي به لَتَصَلْصُله؛ وكلُّ ما جَفَّ من طين أَو فَخَّار فقد صَلَّ صَلِـيلًا، وطِينٌ صِلاَّل ومِصْلالٌ أَي يُصَوِّت كما يصوِّت الـخَزَفُ الـجديد.

ثم شبه الصلصال بالفخار وذلك قوله تعالى: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } ( الرحمن / 14 ).

وهذا كله يصدقه أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب “. رواه الترمذي ( 2955 ) وأبو داود ( 4693 ).

والحديث: قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان ( 14 / 29 ) والحاكم ( 2 / 288 ).

هذا خلق آدم عليه السلام: من الأرض – من ترابها -، ثم جُبل بالماء فكان طينًا ثم صار طينًا أسود منتنًا وكون ترابه من الأرض التي بعضها رمل لما جبل كان صلصالًا كالفخار.

ولذلك لما وصف الله خلق آدم في القرآن في كل مرة وصفه بأحد أطواره التي مرَّت بها طريقة خلقه وتكوينة طينته فلا تعارض في آيات القرآن.

ثم أصبح أبناء آدم بعد ذلك يتكاثرون وصار خلقهم من الماء وهو المني الذي يخرج من الرجال والنساء وهو معروف.

وهذا يبينه القرآن في قوله تعالى: { و هو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا } ( النور / 54 )، وقوله تعالى: { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } ( السجدة / 8 ).

* قال ابن القيم رحمه الله:

لما اقتضى كمال الرب تعالى جل جلاله وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة وأنشأهم من الصور المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات والأشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن أخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت صلصالًا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الأشكال وفصلها أحسن تفصيل مع اتصال أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ الوجوه ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها …

– ثم ذكر تناسل الخلق بالجماع وإنزال المني -.

” التبيان في أقسام القرآن ” ( ص 204 ).

 

والله أعلم.

هل الجماع يعدل أجر 70 من صلاة النافلة؟

السؤال:

حسب صحيح مسلم فإن الرجل وزوجته يثابا على الجماع، فهل صحيح أن الثواب يعادل أجر ( 70 صلاة من النافلة )؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا جامع الرجل زوجته فهو مأجور لأنه اتَّبع الحلال وترك الحرام، وهذا يؤكده حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم:

عن أبي ذر: ” أن ناسا من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  قالوا للنبي  صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليله صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر “.

رواه مسلم ( 1674 ).

أهل الدثور: أهل الأموال.

 *  يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى:

قوله صلى الله عليه وسلم  ” وفي بُضع أحدكم  صدقة ” : هو بضم الباء، ويطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسه.

وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة قوله قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر. ” شرح مسلم ” (  7 / 92 ).

   ثانيًا:

 أما قولك ” أن الثواب يعادل أجر سبعين صلاة من النافلة “:

فلعل السؤال عن ثواب المجامع لزوجته، وقولك هذا لعله جاء من قراءتك في ” شرح النووي على صحيح مسلم “، وهو الكلام الذي أوردناه آنفاً حيث أن الشيخ رحمه الله تعالى تحدث في شأن الأمر بالمعروف وأنه واجب ثم تحدث في شأن التسبيح والذكر وأنه سنَّة، ثم بين أن الفريضة تعدل النافلة بسبعين درجة، ثم قال: واستأنسوا فيه بحديث.. ثم قال بعد نهاية هذا الكلام : ” قوله صلى الله عليه وسلم وفي بُضع أحدكم “: فلعلك ظننتَ أن الحديث الذي استأنسوا به هو حديث ” وفي بُضع أحدكم “.

فإذا كان كذلك: فاعلم أن الكلام الأول منفصل عن الذي بعده  فقوله: ” بحديث ” يعني حديثاً ما، ولم يذكره الإمام النووي، ثم لما فرغ من حديثه عن الفرض والنافلة ودرجة كل منهما شرع في بيان قوله ” وفي بضع أحدكم “؛ فوقع الوهم بهذا.

هذا ما نظنه، وأما إن أردت أن ثواب الفريضة يعدل سبعين من النافلة: فقد جاء قول النووي وذكر أن في ذلك حديثًا ولم يذكره.

وقد علمنا ما أراده النووي مما أشار إليه، وهو ما يأتي في الفائدة التي وجدناها للحافظ ابن حجر رحمه الله:

* قال الحافظ:

فائدة:

نقل النووي في ” زيادات الروضة ” عن إمام الحرمين عن بعض العلماء أن ثواب الفريضة يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة، قال النووي: واستأنسوا فيه بحديث. انتهى.

والحديث المذكور ذكره الإمام في ” نهايته ” وهو حديث سلمان مرفوعًا في شهر رمضان ” مَن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة  فيما سواه، ومَن أدَّى فريضة  فيه كان كمن أدى سبعين فريضة  في غيره ” انتهى.

وهو حديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة، وعلق القول بصحته.

” التلخيص الحبير ” ( 3 / 118 ).

والحديث: رواه ابن خزيمة في ” صحيحه ” ( 3 / 191 )، وبوَّب عليه: باب فضائل شهر رمضان إن صح الخبر . أ. هـ.

والحديث: فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.

 

 

والله أعلم.