الرئيسية بلوق الصفحة 117

الأخبار المستقبلية في القرآن والسنَّة وتحقق وقوعها من أدلة صدق هذا الدِّين

الأخبار المستقبلية في القرآن والسنَّة وتحقق وقوعها من أدلة صدق هذا الدِّين

السؤال:

لقد جرى حوار بيني وبين مسيحي حول الإسلام والمسيحية، ومما قاله هذا المسيحي أن الإسلام من وحي الشيطان، ودار نقاش بيننا حتى انتهينا إلى أن الشيطان لا يعرف المستقبل، وقلت له: ما رأيك في النبوءات التي جاءت في الإسلام والتي حدثت بعد ذلك موافقة للآية الكريمة، فرد قائلًا إن النبوءات الموجودة في الأحاديث ليس لها اعتبار فقد تكون مجرد تخمينات أو محض صدفة فقط.

وسؤالي هو: ما هي النبوءات التي وردت في القرآن الكريم وتحققت بعد نزول الآية؟ وكيف نثبت صحة النبوءات التي وردت في الأحاديث الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها غير موضوعة ولا مجرد تخمينات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله تعالى للحق منارات متعددة متنوعة وكلها تدل على الحق الذي أرسل الله تعالى به رسله الكرام عليهم السلام، وهذه المنارات تدل على صدق المرسَل وصدق المرسَل به لتقوم به الحجة على المخالف ويطمئن قلب المتبع.

ومما يتعلق بهذا الأمر ما جاء في سؤال الأخ الفاضل وهو المتعلق بمنارات جعلها الله تعالى دالَّة على أن القرآن وحي رب العالَمين وأنه لم يكن لبشر قدرة على أن يقول بمثله، ومن الأدلة التي جعلها الله تعالى علامات على ذلك : ما في القرآن من أخبار عن المستقبل والتي وقعت كما أخبر بها الرب عز وجل، وهي كثيرة نذكر منها:

  1. انتصار الروم على الفرص بعد هزيمتهم من قبَلهم أول الأمر.

قال تعالى ( غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ… ) الروم/ 2 – 4 إلى قوله ( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم/ 6.

– و ” بِضع ” في اللغة: هي ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم على الفرس بعد سبع سنين من نزول الآية.

 

 

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله ( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ) أي: هذا الذي أخبرناك به – يا محمد – مِن أنا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، وخَبَر صدق لا يُخلف، ولا بد من كونه ووقوعه. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 305 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها اللّه قبل وقوعها ووجدت في زمان من أخبرهم اللّه بها من المسلمين والمشركين، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أن ما وعد اللّه به حق فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته.

” تفسير السعدي ” ( ص 636 ).

  1. انتصار المسلمين في معركة ” بدر “:

قال تعالى ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) القمر/ 45.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وهذا مِن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. ” تفسير القرطبي ” ( 17 / 146 ).

* وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو يعلم أن الله منجز وعده، ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غرورًا فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته.

” التحرير والتنوير ” ( 27 / 213 ).

  1. موت أبي لهب على الكفر.

قال تعالى ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) المسد/ 1-3.

وفي هذه الآيات إخبارٌ من الله تعالى أن عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا لهب سيموت على الكفر ولن يدخل في الإسلام، وهو أمر غيبي أوحاه الله لنبيِّه عليه الصلاة والسلام، وكان بإمكان أبي لهب أن يعلن إسلامه ليكذِّب هذا الخبر – ولو في الظاهر – لكنه لم يفعل، وقد أحدثت هذه الآيات وقعًا عظيمًا على بعض الكفار الذين أرادوا البحث في القرآن عن أخطاء ليشككوا المسلمين بكتاب ربِّهم تعالى، فأبهرتهم هذه الآية – من ضمن آيات كثيرة – فما كان من هذا الراغب بالتشكيك بالقرآن إلا أن يُعلن إسلامه ويصير من الدعاة للإسلام، وهو الدكتور ” جاري ميلر “، ومما قاله في صدد هذه الآيات:

“هذا الرجل – أبو لهب – كان يكره الإسلام كرها شديدًا لدرجة أنه كان يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم أينما ذهب ليقلل من قيمة ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم, إذا رأى الرسول يتكلم إلى أناس غرباء فإنه ينتظر حتى ينتهي الرسول من كلامه ليذهب إليهم ثم يسألهم ماذا قال لكم محمد؟ لو قال لكم أبيض فهو أسود! ولو قال لكم ليل فهو نهار! والمقصد أنه يخالف أي شيء يقوله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويشكك الناس فيه.

وقبل ( 10 سنوات ) من وفاة أبي لهب نزلت سورة في القرآن اسمها ” سورة المسد “, هذه السورة تقرر أن أبا لهب سوف يذهب إلى النار, أي بمعنى آخر: أن أبا لهب لن يدخل الإسلام، وخلال عشر سنوات كاملة كل ما كان على أبي لهب أن يفعله هو أن يأتي أمام الناس ويقول ” محمد يقول إني لن أسلم وسوف أدخل النار ولكني أعلن الآن أني أريد أن أدخل في الإسلام وأصبح مسلمًا, الآن ما رأيكم هل محمد صادق فيما يقول أم لا؟ هل الوحي الذي يأتيه وحي إلهي؟ “، لكنَّ أبا لهب لم يفعل ذلك تمامًا رغم أن كل أفعاله كانت هي مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه لم يخالفه في هذا الأمر، يعني القصة كأنها تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي لهب أنت تكرهني وتريد أن تُنهيني؟ حسنًا لديك الفرصة أن تنقض كلامي! لكنه لم يفعل خلال عشر سنوات كاملة! لم يسلم ولم يتظاهر حتى بالإسلام! عشر سنوات كانت لديه الفرصة أن يهدم الاسلام بدقيقة واحدة! ولكن لأن الكلام هذا ليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه وحي ممن يعلم الغيب ويعلم أن أبا لهب لن يسلم.

كيف لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يعلم أن أبا لهب سوف يثبت ما في السورة إن لم يكن هذا وحيٌ من الله؟ كيف يكون واثقا خلال عشر سنوات كاملة أن ما لديه حق لو لم يكن يعلم أنه وحي من الله؟ لكي يضع شخص هذا التحدي الخطير ليس له إلا معنى واحد ” هذا وحي من الله “.

انتهى بتصرف يسير من:

http://www.midad.me/arts/view/15449

 

ثانيًا:

وما قيل في القرآن يقال في السنَّة النبويَّة، فقد جاءت السنَّة بمسائل من الغيب أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من ربِّه تعالى، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ومما ثبت في ذلك:

  1. قوله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله عنها ( وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ) رواه البخاري ( 3426 ) ومسلم ( 2450 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة عليها السلام كانت أول مَن مات مِن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى مِن أزواجه.  ” فتح الباري ” ( 8 / 136 ).

  1. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ ( إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ).

رواه البخاري ( 3430 ).

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله ( فئتين عظيمتين ) ووصفهما بالعظيمتين لأن المسلمين كانوا يومئذ فِرقتين: فِرقة مع الحسن رضي الله تعالى عنه، وفرقة مع معاوية، وهذه معجزة عظيمة من النبي حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر. ” عمدة القاري ” ( 13 / 282 ).

  1. عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ ( يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ ) قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ ( فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ) قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ ( وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى ) قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟ قَالَ (كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ) قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ) قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ ). رواه البخاري (3400 ). وآخر الحديث عند أحمد في ” مسنده ” ( 30 / 197 ): ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا “.

( الحَيْرَة ): بلد معروف قديما مجاور للكوفة.

( الظَّعِينَة ): المرأة في الهودج.

والحديث واضح الدلالة فيما نحن فيه، وقد تحققت النبوءة الثالثة في زمن الخليفةِ الراشدِ عمر بن عبد العزيز، وقد ذكر الإمامُ البخاري هذا الحديثَ تحت باب ” علامات النبوَّة في الإسلام “.

 

 

والله أعلم.

حكم دعاء أن لا يتزوج زوجها عليها وحكم طلب الطلاق منه إذا فعل وأحوال الحنث في اليمين

حكم دعاء أن لا يتزوج زوجها عليها وحكم طلب الطلاق منه إذا فعل وأحوال الحنث في اليمين

السؤال:

تزوجت منذ ثلاث سنوات، ولكن المشاكل بيني وبين زوجي منذ البداية، حتى أنه قد طلقني مرتين، إنه سريع الغضب، ويضربني أحيانًا، ومنذ أسبوعين فقط قال لي إنه يريد الزواج بثانية، إنني لا أستطيع تحمل ذلك، وإن كنت أعلم أنه حق كفله له الشرع ولكنه أمر صعب على نفسي، ومما زاد عدم تقبلي للأمر أني أعرف هذه المرأة التي يريد الزواج بها، إنها إحدى صديقاتي، وقد سألتها عن رأيها في الموضوع بل ونصحتها بأن لا تتزوجه، وقلت لها: سأدعو الله لك بأن يرزقك زوجًا خيرًا منه، وقد علم زوجي بكل هذا فغضب وقال إن هذه معصية كبيرة وما كان ينبغي لي أن أفعل ذلك.

أسئلتي هي:

– هل يجوز أن أدعو الله عليهما فلا يتزوجا؟.

– هل ما فعلته من حديثي معها ومحاولة صرفها جائز؟.

– هل يجوز لي أن أطلب الطلاق إذا تزوجها؟.

– لو حلفتُ على شيء ثم نكثت يميني فهل هذه كبيرة من الكبائر؟ وماذا يجب عليّ حينئذٍ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا مانع من دعاء الزوجة أن لا يتيسر زواج زوجها من صديقتها إذا كان ذلك الزواج يشق عليها تقبله، وما فعلتِه من حديثك مع صديقتك تلك لا يظهر لنا أن فيه مخالفة للشرع، وأنتِ قد أردتِ لها الخير ولم يكن منك دعاء عليها بأن لا تتزوج مطلقًا -وهو الذي فيه إثم- بل إنكِ قد أخبرتِها أنك ستدعين لها بأن يرزقها الله تعالى زوجًا غيره خيرًا منه، وعليه: فقول الزوج إن ما فعلتِه من الحديث معها هو معصية كبيرة ليس صوابا، بل إننا نرى أن دعاءك بعدم زواجه منها أمر مباح لا إثم فيه – وكذا يباح لك الدعاء بأن لا يتزوج عليكِ عمومًا، ولا يباح لك الدعاء عليه بالضرر أو الفقر لئلّا يستطيع الزواج؛ فإن هذا دعاء بإثم، وكذا لا يجوز لك الدعاء عليه أن لا يتزوج إن كان محتاجًا للزواج وهو قادر عليه -، ونرى وجوب نصحها بعدم الزواج منه تحديدًا إن كان – كما تقولين – سريع الغضب وأنه يضربك من غير مسوِّغ شرعي، أو أنه يضربك ضربًا مبرِّحًا.

ثانيًا:

وطلب الزوجة الطلاق من غير سبب يبيح لها ذلك من كبائر الذنوب؛ لما روى ثَوْبَانُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّة ) رواه الترمذي ( 1187 ) وصححه وأبو داود ( 2226 ) وابن ماجه ( 2055 ).

ولا يجوز للزوجة طلب الطلاق لمجرد تزوج زوجها عليها؛ لأن عليها أن تتحمل وتصبر، فإذا هي طلبت الطلاق فإنها تدخل في النهي الوارد في الحديث.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله – :

هل يجـوز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا تزوج عليها؛ لعدم وجود الصبر عندها؟.

فأجاب:

لا يجوز لها ذلك، وورد في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم ( ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها، ولتنكح، ولها حظه ) أو كما قال، فعليها أن تتحمل وتصبر، وفي الحديث ( أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ) عليها أن تتحمل، وتصبر، سيِّما إذا كان الزوج عادلا قائما بما يجب عليه.

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=145888

وأما طلبها للفراق إذا حصل الزواج من أخرى وتعذَّر عليها الصبر ولم تستطع تحمُّل ذلك نفسيًّا أو بدنيًّا حتى أدَّاها ذلك إلى أنها لم تستطع أن تعطي زوجها حقَّه: فحينئذٍ تكون معذورة في طلبها للفراق.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإذا تعذَّر الصبر على الزوج وخافت المرأة أن لا تقيم حدودَ الله الواجبةَ عليها لزوجها: فلا بأس أن تطلب الطلاق. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 346 ).

والطلاق هنا ليس المقصود به الطلاق الذي تأخذ معه مهرها، بل المقصود به ” الخلع “، وهو أن تفتدي نفسها منه بما دفع لها من مهر أو أكثر؛ لأنه لا يُجمع لأحد الزوجين بين الكراهية وأخذ المهر، فإذا كرهها الزوج أعطاها مهرها، وإذا كرهته هي فتعطيه مهره الذي بذله لها.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص الحِنث في اليمين – وهو مخالفة المحلوف عليه – فإن حكمه يكون بحسب ما حلفتِ عليه، وبحسب المحلوف عليه يكون الحِنث واجبًا أو محرَّمًا أو مكروهًا أو مستحبًّا أو مباحًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 30 / 310، 311 ):

تعمد الحنث في اليمين تجري عليه الأحكام الخمسة  

فقد يكون الحنث واجبًا، وذلك إذا كان الحلف على ترك واجب عيني أو على فعل محرم، فإذا حلف مثلًا على أن لا يصلي إحدى الصلوات الخمس المفروضة: وجب عليه الحنث .

وقد يكون الحنث مندوبًا، وذلك إذا حلف على ترك مندوب كسنَّة الضحى أو على فعل مكروه كأن يلتفت بوجهه في الصلاة، فيندب الحنث.

وقد يكون الحنث مباحًا، وذلك إذا حلف على ترك مباح أو فعله كدخول دار وأكل طعام معين ولبس ثوب فقال بعض الفقهاء: الأفضل في هذا ترك الحنث؛ لما فيه من تعظيم الله تعالى .

وقد يكون الحنث حرامًا، وذلك إذا حلف على فعل واجب أو ترك حرام، فعليه أن ينفِّذ ما حلف عليه؛ لقوله تعالى ( وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) النحل/ 91.

وقَد يكون تعمد الحنث مكروها، وذلك إذا حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه.

انتهى.

وأما بخصوص ما يترتب على الحنث في اليمين فإنه حيث وُجد الحِنث في اليمين فإن ذمتة الحانث مشغولة بكفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين وجبة طعام – غداء أو عشاء – ولا يجوز إخراج الكفارة نقودًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 40 ):

لا خلاف بين الفقهاء في أن كفارة اليمين لا تجب إلا بالحنث فيه، ولا خلاف بينهم في أن موجِب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين، وذلك بفعل ما حلف على عدم فعله، أو ترك ما حلف على فعله، إذا عُلِم أنه قد تراخى عن فعل ما حلَف على فعله إلى وقت لا يمكنه فيه فعله، ولا خلاف على وجوب الكفارة بالحنث في اليمين المعقودة على أمر في المستقبل نفياً كان أو إثباتًا.

 

والله أعلم.

التعليق على أسلوب بعض الخطباء في إضحاك المصلين في خطبة الجمعة

التعليق على أسلوب بعض الخطباء في إضحاك المصلين في خطبة الجمعة

السؤال:

في بعض الأحيان عندنا هنا في ” الولايات المتحدة ” يوجد بعض الخطباء البارعون لكنهم فكاهيون في نفس الوقت، فتراه يقول بعض الأشياء والتي هي صحيحة في معناها وأصلها ولكن طريقة عرضه لها تجعل المستمعين يضحكون، فما الحكم هنا؟ هل جمعة هؤلاء صحيحة؟ فحسب علمي أن الكلام والأكل والشرب يفسد الجمعة، فما بالك بالضحك؟!.

 

الجواب:

الحمد لله

ينبغي على الداعية وطالب العلم أن يولي خطبة الجمعة اهتمامًا خاصًّا من حيث وقتها وموضوعها وأسلوب عرضها وطريقة أدائها، وليس أمرها بسعة المحاضرات العامة أو الدروس واللقاءات؛ فإنه يمكنه التبسط مع الحضور والتلاميذ فيها ما لا يمكنه في خطب الجمعة؛ لما لخطبة الجمعة من هيبة عظيمة ومنزلة جليلة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وكذلك كانت خطبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 423 ).

ومثل هذه المواضيع لا يصلح معها إلا الجديَّة في الطرح والقوة في الأداء، ولا يصلح معها الهزل وإضحاك الناس، وقد يقتضي موضوع الخطبة من الخطيب احمرار عينه ورفع صوته واشتداد غضبه، كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إذا اقتضى منه الأمر ذلك، فقد روى مسلم ( 867 ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ: احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ ” صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ “.

* قال النووي – رحمه الله -:

يُستدل به على أنه يُستحب للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند انذاره أمرًا عظيمًا وتحديده خطبًا جسيمًا. ” شرح مسلم ” ( 6 / 155، 156 ).

ومن هذه الأمور العظيمة والخطوب الجسيمة: التذكير بالساعة وبالنار، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 28 / 364 ) من قول جابر: ” ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَتَحْمَرُّ وَجْنَتَاهُ وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ “.

وروى الإمام أحمد ( 37 / 353 ) – وحسَّنه المحققون – عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ ( أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ ) حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا، قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.

وفي حال كانت الخطبة بيانًا لأحكام فقهية أو تنبيهًا على سلوك معيَّن فلا يكون ثمة حاجة لرفع صوت ولا احمرار وجه ولا اشتداد غضب، لكن لا ينبغي أن يخرج أسلوب الخطبة عن الجدية، ولكل مقام مقال.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث جابر -:

وإنما كان يفعل هذا لأنه أقوى في التأثير على السامع، فكان صلى الله عليه وسلم يكون على هذه الحال للمصلحة وإلا فإنه من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خُلقًا وألينهم عريكة، لكن لكل مقام مقال، فالخطبة ينبغي أن تحرك القلوب وتؤثر في النفوس وذلك في موضوعها وفي كيفية أدائها. ” شرح رياض الصالحين ” (2/334).

ومع هذا فلا يمنع أن يتبسم الخطيب أحيانًا في حال كان ما جاء به مناسبًا له التبسم، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يخالف ما قلناه من جدية خطبة الجمعة وأهميتها؛ لأن هذا ليس هديًا له صلى الله عليه وسلم في سائر خطبه، ثم إنه لم يُضحك الناس، وقد كان تبسُّمه تعجبًّا، فاختلف الأمر عما نحن في صدد بيان منعه وعدم لائقيته لخطبة الجمعة.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى مِنْ سَحَابٍ، فَاسْتَسْقَى فَنَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِبُ الْمَدِينَةِ، فَمَا زَالَتْ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ مَا تُقْلِعُ، ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: غَرِقْنَا فَادْعُ رَبَّكَ يَحْبِسْهَا عَنَّا، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا، يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا، وَلاَ يُمْطِرُ مِنْهَا شَيءٌ، يُرِيهِمُ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِجَابَةَ دَعْوَتِه. رواه البخاري ( 5742 ).

 

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

” فضحك ” وفي رواية ثابت ” فتبسَّم “.

” عمدة القاري ” ( 7 / 40 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجُّباً من أحوال الناس.

” فتح الباري ” ( 2 / 507 ).

فالخلاصة: نوصي الخطباء بأن يجعلوا لخطبة الجمعة هيبتها اللائقة بها، وأن تبقى في إطار الجدية والاتزان، وللإخوة الدعاة وطلبة العلم من أهل الظرافة سعة في المحاضرات والدروس.

ثانيًا:

وأما بخصوص حكم جمعة من ضحك في الخطبة فلا يبعد القول ببطلان خطبته؛ لأن القهقهة لا تخرج عن كونها كلامًا أو لعبًا وعبثًا، وكلا الأمرين جاء النص على أن من فعله فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له – على الصحيح من معنى ” اللغو ” -، فقد روى مسلم ( 857 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ مسَّ الحصى فَقَدْ لَغَا )، وروى البخاري ( 934 ) ومسلم ( 851 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – أيضًا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمْعَة وَالإِمَامُ يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْتَ ).

ومما يؤكد صحة معنى اللغو في الأحاديث أنه لا أجر له على جمعته: حديثان:

  1. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَتَلَا آيَةً وَإِلَى جَنْبِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أُبَيُّ، مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَ: فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي أُبَيٌّ: مَا لَكَ مِنْ جُمُعَتِكَ إِلَّا مَا لَغَيْتَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَلَوْتَ آيَةً وَإِلَى جَنْبِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَسَأَلْتُهُ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي حَتَّى إِذَا نَزَلْتَ زَعَمَ أُبَيٌّ أَنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ جُمُعَتِي إِلَّا مَا لَغَيْتُ؟ فَقَالَ ( صَدَقَ أُبَيٌّ فَإِذَا سَمِعْتَ إِمَامَكَ يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ ). رواه أحمد ( 36 / 60 ) وصححه المحققون.
  2. عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ – إِنْ كَانَ لَهَا – وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا ). أبو داود ( 347 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان خصائص الجمعة -:

الخاصة التاسعة: الإِنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا، في أصح القولين، فإن تركه: كان لاغيًا، ومن لغا: فلا جمعة له، وفي ” المسند ” مرفوعًا ( والذي يقول لِصاحِبِه أنصِتْ، فَلا جُمُعَةَ لَهُ ). ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 377 ).

وقد أجمع العلماء على بطلان صلاة من قهقه في صلاته واختلفت اتجاهاتهم في تخريج سبب ذلك، فمنهم من قال لأن القهقهة فيه إذا كان صدرت من صاحبها فبان منه حرفان فما فوق فهو كلام، وهذا قول جمهور العلماء، ومن لم يجعل القهقهة مبطلة للصلاة من باب أنها كلام فهي عنده لعب وعبث، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما أن الصلاة تنزه عن الكلام والعبث فكذاك خطبة الجمعة.

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة .

” الأوسط ” ( 3 / 254 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

مذهبنا: أن التبسم لا يضر، وكذا الضحك إن لم يبن منه حرفان، فإن بان: بطلت صلاته، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلانها بالضحك، وهو محمول علي من بان منه حرفان. ” المجموع ” ( 4 / 89 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما القهقهة ونحوها: ففيها جوابان:

أحدهما: أن تدل على معنى بالطبع.

والثاني: أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاما؛ يدل على ذلك: أن القهقهة تُبطل بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وهذه الأنواع – يعني: مثل التأوه والأنين والبكاء – فيها نزاع، بل قد يقال: إن القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه، وأيضًا: فإن فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها فأبطلت لذلك لا لكونه متكلمًا، وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلامًا وليس مجرد الصوت كلامًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 618 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والقول الراجح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك – يعني: بمثل النحنحة والأنين -، ولو بَانَ حرفان؛ لأن ذلك ليس بكلام، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إنما حَرَّم الكلام، اللَّهُمَّ إلا أن يقع ذلك على سبيل اللعب، فإن الصلاة تبطل به؛ لمنافاته الصلاة فيكون كالقهقهة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 368 ).

وعليه: فلا يخرج الضاحك في خطبة الجمعة بالقهقهة من كونه متكلمًا أو عابثًا بفعله ذاك، ولا يبعد بطلان جمعته عليه، وإذا كان الخطيب قد تعمَّد إضحاك المصلين فعليه وزرهم، وإذا لم يكن هو السبب فلا يتحمَّل شيئًا، وفي حال مشاركة الخطيب للمصلين في الضحك فلا نجزم ببطلان جمعته؛ لأن الكلام ومس الحصى إنما يُمنع منه الحاضرون للخطبة لا الخطيب نفسه، لكنه لن يخرج منها سالمًا.

مع التنبيه أننا لم نجد فيما اطلعنا عليه من كتب أهل العلم من نصَّ على حكم ضحك الحاضرين لخطبة الجمعة، ولذلك لم نذكر مرجعًا نحيل عليه، ولذلك – أيضًا – لم نجزم بالحكم وإنما قلنا ” لا يبعد القول ببطلان جمعة من ضحك فيها ” وليس يعني هذا – كما نبهنا عليه سابقًا – بطلان صلاته بل المراد بطلان أجر جمعته.

 

 

والله أعلم.

ما حكم من ولد لأبويْن مسلميْن ثم ارتدَّ قبل بلوغه أو بعده؟

ما حكم من ولد لأبويْن مسلميْن ثم ارتدَّ قبل بلوغه أو بعده؟

السؤال:

أرجو إجابة على سؤالي بالتفصيل والتوضيح؛ لأهميته الخاصة عندي، وهذا السؤال نقلًا عن شخص آخر، وهو يقول:

“أؤمن بالله عز وجل، وأنا مسلم، وأعلم أن الإسلام هو خير الأديان وأفضلها، فليس الإسلام اعتقادا كاعتقاد اليهود الذين يظنون أنهم شعب الله المختار، فإذا كانوا شعب الله المختار فلماذا خلق الله ( 5 مليار ) شخصًا ليسوا يهودًا!.

وعلى كلٍّ فالإسلام هو أفضل الأديان وأحسنها، ولكن بخصوص الإكراه في الدين، ألم يقل الله عزوجل ( لا إكراه في الدين )، ويجوز أن يدخل غير المسلم في الإسلام، إذن فلماذا لا يجوز للمسلم أن يتحول لدين آخر خاصة إذا ولد على دين الإسلام ولم يكن له خيار اختيار دين آخر؟.

ولم أرَ في القرآن ما يدل على حد الردة، ولكن ظهر هذا الحد على أيدي جهلاء المسلمين الذين لا يعرفون دين الإسلام حقيقة، أليس كذلك؟”

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الردة هي الرجوع عن الإسلام بقول أو فعل أو اعتقاد، ومن مات عليها حبط عمله وكان جزاؤه النار خالدًا فيها، قال تعالى ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/ 217.

ويستتاب المرتد، فإن تاب وإلا قُتل كفرًا، وحكم المرتد مجمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه، سوى قول للحنفية في عدم دخول المرأة فيه، وهو قول ضعيف.

ولا يشترط للحد أن يُذكر في القرآن، بل يكفي أن يثبت بنصٍّ من نصوص الوحي، ولا فرق بين نص قرآني ونص حديثي، ونحن نعجب من جرأة الرجل الذي تنقل عنه حيث زعم أن حد الردة ظهر على أيدي جهلاء المسلمين، وبكل حال فالذي يظهر أن قائل تلك العبارات جاهل الشرع فنسأل الله أن يتجاوز عنه.

ثانيًا:

وإذا ثبت أن حكم المرتد القتل كفرًا إذا لم يرجع للإسلام فنبين بعد ذلك أن هذا الحكم لا يتعارض مع النهي عن إكراه الناس على الدخول في الإسلام؛ لأن هذا النهي لا يشمل المرتد عن الإسلام؛ فقد أجمع علماء الإسلام على أن قوله تعالى ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/256 ليس على عمومه، وأنه لا يدخل فيه المرتد، بالإجماع.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وأما قول الله تعالى لا إكراه في الدين فلا حجة لهم فيه, لأنه لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها; لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه. ” المحلى” ( 1/ 188 ).

ثالثًا:

– وأما بخصوص تحول المسلم الذي يولد لأبوين مسلميْن عن دين الإسلام عندما يبلغ: فهي مسألة جليلة دقيقة، وينتظم البحث فيها من خلال النقاط الآتية:

  1. أطفال المسلمين تبع لوالديهم المسلمين، ولذا فمن كان له أبوان مسلمان فله حكم الإسلام، فهو يرث ويورث، وإذا مات غسِّل ودفن وصليَ عليه ودُفن في مقابر المسلمين، وهو في الآخرة من أهل الجنة بإجماع أهل العلم.

* قال النووي الشافعي – رحمه الله -:

فمَن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا: استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا.

” شرح مسلم” ( 16/ 208).

* وقال ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله -:

الولد يتبع أبويه في الدّين، فإن اختلفا: وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية. ” المغني” ( 10/ 91 ).

  1. لا يُشترط لصحة إسلام الصبي البلوغ، بل يصح الإسلام من المميِّز، وهو قول الجمهور، خلافاً للشافعي وزُفَر – من الحنفية -.

*  الكاساني الحنفي – رحمه الله -:

فأما إذا أسلم وهو يعقل الإسلام فلا تعتبر التبعية ويصح إسلامه عندنا.

وعند الشافعي رحمه الله: لا يصح. ” بدائع الصنائع “( 7/ 104 ).

* وقال ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله -:

الصبي يصح إسلامه في الجملة، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق وابن أبي شيبة وأبو أيوب.

وقال الشافعي وزفر: لا يصح إسلامه حتى يبلغ.

” المغني” ( 10/85 ) وفيه رد علمي موفَّق على المخالفين.

والصحيح قول الجمهور:

أ. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يولَدُ عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ).

رواه البخاري ( 1292 ) ومسلم ( 2658 ).

ب. إسلام سيدنا علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة وهم صغار دون البلوغ .

ج.عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ (أَسْلِمْ) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ). رواه البخاري (1290).

  1. ردة الصبي المميز معتبرة عند الجمهور، سواء كان تابعًا لأبويه أو أنه أسلم بنفسه، خلافًا للشافعي وأبي يوسف لأنهما لا يريان انعقاد إسلامه أصلًا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

كلُّ مَن تلفظ بالإسلام أو أخبر عن نفسه به ثم أنكر معرفته بما قال: لم يُقبل إنكاره، وكان مرتدًّا، نص عليه أحمد في مواضع.

إذا ثبت هذا: فإنه- أي: الصبي – إذا ارتد: صحَّت ردته، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو الظاهر من مذهب مالك.

وعند الشافعي: لا يصح إسلامه ولا ردته،وقد روي عن أحمد أنه يصح إسلامه ولا تصح ردته. ” المغني” ( 10/ 88 ).

* وقال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

قوله ( وإذا ارتد صبي عاقل صح ) سواء كان إسلامه بنفسه أو تبعًا لأبويه ثم ارتد قبل البلوغ فتحرم عليه امرأته ولا يبقى وارثًا، ولكن لا يُقتل؛ لأن القتل عقوبة، وهو ليس من أهلها في الدنيا.” حاشية ابن عابدين” ( 4/ 257).

والصحيح – والله أعلم – أن الصبي المميز يصح إسلامه ولا تصح ردته.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والبالغ ضد الصغير، فإنه إذا ارتد وهو صغير: فإن ظاهر كلام المؤلف – أي: الحجاوي – أنه لا يكفر؛ لأنه غير مكلف، وقد رفع عنه القلم، فلو أنه أشرك بأن سجد لصنم، أو ما أشبه ذلك: فإننا لا نكفره، كما أنه لو ترك الصلاة لا يكفر، وعلى هذا: فلا تصح ردة غير البالغ، وهذا ظاهر كلام المؤلف، وهو الصحيح.

ولكن المذهب: أن ردة الصغير المميز معتبرة، ولكنه لا يُدعَى إلى الإسلام إلا بعد بلوغه، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل.

وهناك قول ثالث في مسألة الصغير: أن ردته معتبرة، ويُدْعَى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل.

فالأقوال إذا ثلاثة، ولكن القول الصحيح: أن ردته غير معتبرة؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع الجناح عن الصغير. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع” (14/445،446).

  1. والقائلون بوقوع الردة هذه لا يقولون بقتله وهو صبي إلا في قول شاذ أنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل.

 

 

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

الصبي لا يُقتل، سواء قلنا بصحة ردته أو لم نقل؛ لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة، بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة في سائر الحدود، ولا يقتل قصاصًا.

” المغني “( 10/ 62 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية” ( 22/ 181):

ذهب القائلون بوقوع ردة الصبي إلى أنه لا يُقتل قبل بلوغه. انتهى.

* وأما بخصوص القول الشاذ بقتل الصبي المميز المرتد فقد قال المرداوي الحنبلي رحمه الله:

وقال في” الروضة”: تصح ردة مميز، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وتجري عليه أحكام البُلَّغ، وغير المميز ينتظر بلوغه، فإن بلغ مرتدًا: قُتل بعد الاستتابة.

وقيل: لا يقتل حتى يبلغ مكلفًا. انتهى.

” الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف” ( 10/ 249 ).

  1. وعند الحنفية: يُنتظر بلوغه ليجبر على الإسلام بالضرب والتهديد.

وعند الحنابلة: ينتظر بلوغه ليستتاب، فإن تاب وإلا قُتل.

* قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

قوله ( ويجبر عليه بالضرب ) أي: والحبس.

قلت: والظاهر: أن هذا بعد بلوغه؛ لما مرَّ أنَّ الصبي ليس من أهل العقوبة، ولما في” كافي الحاكم”: وإن ارتد الغلام المراهق عن الإسلام: لم يُقتل، فإن أدرك كافرًا: حُبس ولم يقتل .” حاشية ابن عابدين” ( 4/ 257).

* وقال أبو عبد الله الزركشي الحنبلي – رحمه الله -:

إذا أقام- أي: الصبي – على رجوعه- أي: عن الإسلام -: فإنه يصير مرتدًا، لكن لا يُقتل حتى يبلغ؛ لأن القتل عقوبة متأكدة فلا تجب على الصبي كالحد، وحذارًا من قتله بأمرٍ محتمل.” شرح الزركشي على مختصر الخِرَقي ” ( 3/ 93 ).

* وقال أبو الحسن المرداوي الحنبلي – رحمه الله -:

قوله ” ولا يُقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه”: وهذا المذهب، وعليه عامة الأصحاب، وقطع به أكثرهم.” الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف” (10/249 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية” ( 13/ 229):

ذهب الحنفية والحنابلة إلى صحة تكفير الصبي المميز إذا صدر منه ما هو مكفِّر. ويُفهم من كلام المالكية تقييده بالصبي المميز المراهق فقط …. مع اتفاقهم على أنه لا يُقتل بل يُجبر على الإسلام بالضرب والتهديد والحبس.

وعند الحنابلة: يُنتظر إلى ما بعد البلوغ والاستتابة، فإن أصر قتل؛ لحديث ( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر ). انتهى.

  1. إذا بلغ الصبي فأقر بالإسلام أو استمر مسلمًا حكمًا ثم ارتد: فهو مرتد بالإجماع.

* قال الكاساني- رحمه الله -:

لو أقر بالإسلام ثم ارتد يقتل لوجود الردة منه بوجود دليلها وهو الإقرار.

” بدائع الصنائع “( 7/ 135 ).

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

وأجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستتيب فلم يتب قتل ولا أحفظ فيه خلافًا.

” الإجماع ” ( ص 121 ).

  1. إذا بلغ الصبي مرتدًا ولم يُسمع منه الإقرار بالإسلام : يكون مرتدًا عند الحنابلة، فيستتاب وإلا قتل.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فإذا بلغ فثبت على ردَّته: ثبت حكم الردة حينئذ، فيستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل، سواء قلنا إنه كان مرتدًا قبل بلوغه أو لم نقل، وسواء كان مسلمًا أصليًّا فارتد أو كان كافرًا فأسلم صبيًّا ثم ارتد.” المغني” ( 10/ 62 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن ما هو الأصل في الإنسان أهو الكفر أو الإسلام؟.

الجواب: إذا كان أبواه مسلميْن أو أحدهما: فهو مسلم، فإن اختار غير الإسلام: فهو مرتد.” الشرح الممتع على زاد المستقنع” ( 14/ 452 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

المذهب-أي -: الحنبلي -: أن ردة الصغير المميز معتبرة، ولكنه لا يُدعَى إلى الإسلام إلا بعد بلوغه، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع” (14/446 ).

ولا يكون مرتدًا عند الحنفية والشافعية، وعليه: فلا يقتل، لكنه يُجبر على الإسلام بالحبس والضرب عند الحنفية، ويُجتهد عليه عند الشافعي.

* قال الشافعي- رحمه الله -:

فمن أقر بالإيمان قبل البلوغ وإن كان عاقلًا ثم ارتد قبل البلوغ أو بعده، ثم لم يتب بعد البلوغ: فلا يقتل؛ لأن إيمانه لم يكن وهو بالغ، ويؤمر بالإيمان، ويجهد عليه بلا قتل إن لم يفعله.” الأم” ( 6 / 649 ).

 

 

 

* وقال الكاساني- رحمه الله -:

صبي أبواه مسلمان حتى حُكم بإسلامه تبعاً لأبويه فبلغ كافرًا ولم يُسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ: لا يقتل؛ لانعدام الردة منه؛ إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق، ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ أصلًا لانعدام دليله، وهو الإقرار ….

فلم يكن الموجود منه حقيقة، فلا يقتل، ولكنه يحبس؛ لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ. ” بدائع الصنائع” ( 7/ 135 ).

* وقال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

وقال أصحاب الرأي: إذا أسلم أبواه أو أحدهما وأدرك فأبى الإسلام: أُجبر عليه ولم يقتل. ” المغني” ( 10/ 91 ).

وينبغي تقييد كلام الحنفية والشافعي بأن الصبي عند بلوغه لم يستمر على الإسلام لا بإقرار ولا بقيام بشعائره؛ لأن مثل هذا لو وقعت منه الردة بعد ذلك كان مرتدًّا، وإنما يريدون بقولهم ذاك أن الصبي عند بلوغه كان على غير الإسلام لا إقرارًا ولا عملًا.

رابعًا:

وبما أن عين المسألة فيها خلاف بين العلماء فإن مرجع المسألة هو القضاء، وبحسب ما يرى القاضي الشرعي فإنه يحكم به على من بلغ مرتدًا، وبكل حال فلا ينبغي أن ننشغل بأمر مختلف فيه – وهو هل كونه يستتاب أم لا – ونغفل عما هو متفق عليه وهو أنه كافر مصيره نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، فمن العجيب ما نراه من المدافعين عن كون مثل هذا الشخص غير مرتد، وأنه لا ينبغي إكراهه على الإسلام، وأنه لا يدخل في جملة المرتدين، وكأن هؤلاء القائلين يريدون رحمته والرأفة به، وما علموا أنهم يضرونه بذلك، وأنَّ من قال بعدم تطبيق حد الردة عليه لم يتركه هملًا بل منهم من قال بوجوب بذل الجهد عليه حتى يُسلم، وآخرون قالوا يحبس ويهدد ويضرب حتى يُسلم، وهؤلاء هم أهل الشفقة والرحمة على الحقيقة، والأكثر رحمة به وشفقة هم من قال بأنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتل ردة؛ لأن هذا الأمر هو الذي ينقذه من الموت على الكفر والذي إن مات عليه استحق الخلود في نار جهنم.

وبه يُعرف أن قول القائل ” إذن فلماذا لا يجوز للمسلم أن يتحول لدين آخر خاصة إذا ولد على دين الإسلام ولم يكن له خيار اختيار دين آخر “: من أعجب العجائب وأغرب الغرائب أن يصدر من مسلم، ومن ذا الذي سيقول لك إنه يجوز لذاك المولود من أبوين مسلميْن أن يتحول لدين آخر؟! وهل ثمة من يجرؤ على هذا فيجوِّز الدخول في الكفر ليخلد صاحبه في النار؟! وهل ترى أدلة في الشرع يمكن أن تُجيز لأحدٍ أن يفتي بجواز الكفر بالله تعالى؟! نعم يمكن أن يقال إنه لا يقتل، أو إنه لا يستتاب، لكن لن تجد من يقول بأنه يجوز له أن يتحول إلى الكفر لأنه لم يختر دينه وهو صغير! ولن أن تجد من يقول له إنك بالخيار لتختار ما تشاء من الأديان غير الإسلام، بل هو على خطر عظيم إن فعل ذلك وتحول عن الإسلام، وسيكون مصيره النار خالدًا فيها.

والعجيب أن الوصول إلى الإسلام يستغرق من أناس جل حياتهم ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس، ومثل هذا الإنسان يُنعم الله تعالى بنعمة جليلة وهي أنه يجعله مولودًا لأبوين مسلميْن ثم هو يكفر بهذه النعمة بل ويكفر بمنعمها! ويختار بشرًا ليعبده، أو حجرًا ليقدسه، أو حيواناً ليعظمه، وما بمثل هذا تقابل أدنى النعم فكيف بأعلاها وأجلِّها؟!.

 

 

والله أعلم.

يريد تفصيل قصة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني قريظة

يريد تفصيل قصة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني قريظة

السؤال:

هل من الممكن أن تحدثونا عن نهاية ” بني قريظة “؟ أحد الأشخاص غير المسلمين قال لي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بإعدام الرجال كلهم – وعددهم بالمئات – واستعباد النساء والأطفال، فهل هذا صحيح؟ وكيف تم الأمر بالتفصيل؟.

بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من الجيد للمسلم عدم الاستماع لما يقوله أعداء الإسلام عن الدين حتى يتبين منه ويتثبت؛ حتى لا يَنسب للإسلام ما ليس منه، وحتى يقف على الأمر على حقيقته إذا كان ثابتًا في الشرع المطهَّر، وإن إرجاعك الأمر إلى أهله مما تستحق عليه الشكر والثناء.

ثانيًا:

عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية كان فيما حولها ثلاثة طوائف من اليهود، وهم: ” بنو قَيْنُقاع” و “بنو النضير” و” بنو قريظة “، وكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء للخزرج، وكانت بنو قريظة حلفاء للأوس.

فلما قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة هادن أولئك اليهود جميعًا ووادعهم، وكل من يعرف التاريخ والحاضر يعلم أن اليهود أهل غدر وخيانة، ولذا فإن جميع تلك الطوائف من اليهود لم يلتزموا بهدنتهم ولم يوفوا بعهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حاربوا المسلمين وتآمروا على قتله وقتل أصحابه، فتعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم كلٌّ بحسب حاله وما يستحقه، فمنَّ على بني قيْنقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة لأنهم كانوا أشدَّ عداوة وأغلظ كفرًا وقد سبُّوه – صلى الله عليه وسلم -، وهم الذين اختاروا أن يَحكم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أوكل سعدَ بن معاذ سيد الأوس ليحكم عليهم، فحكم عليهم – رضي الله عنه – بقتل رجالهم وسبي نسائهم وغلمانهم وتقسيم أموالهم، وهم حربيون، والإمام مخيَّر في الحربي الأسير إما أن يمنَّ عليه بلا مقابل، أو يأخذ منه الفداء، أو يُقتل، ولما كان بنو قريظة قد نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإن حكم نقضهم يسري إلى نسائهم وذرياتهم إذا كان النقض بالحرب.

هذا ملخَّص الأمر في حال طوائف اليهود في المدينة وما آل إليه أمرهم، وهذا حال بني قُريظة، وسنذكر من كلام الإمام ابن القيِّم رحمه الله ما يوضح ذلك ويفصِّله.

 

ثالثًا:

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

  1. ووادع رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وبادر حَبْرُهم وعالمُهم عبدُاللهِ بنُ سلاَم فدخل في الإسلام، وأبى عامَّتُهم إلا الكفرَ.

وكانوا ثلاثَ قبائل: بنو قَيْنُقَاع، وبنو النَّضير، وبنو قُرَيْظَة، وحاربَه الثلاثة، فمنَّ على بني قَيْنُقَاع، وأجلَى بني النَّضِير، وقتل بني قُريظة وسبى ذُرِّيَّتهم، ونزلت سورة الحشر في بَني النَّضيرِ، وسورة الأحزاب في بني قُريظة.

” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 65).

  1. وكانت غزوة كل طائفة منهم عَقِبَ كُلِّ غزوة من الغزوات الكبار، فغزوة بني قَيْنُقَاع عقب” بدر “، وغزوة بني النَّضير عقب غزوة ” أُحُد “، وغزوة بني قُريظة عقب” الخندق”. ” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 135).
  2. وحكم في اليهود بعدة قضايا، فعاهدَهم أوَّل مقدمه المدينة، ثم حاربه بُنو قَيْنُقَاع فظَفِرَ بهم ومنَّ عليهم، ثم حاربه بنو النضير فظفِرَ بهم وأجلاهم، ثُمَّ حارَبه بنو قُريظة فظفِرَ بهم وقتلهم ثم حاربه أهلُ خيبر فظَفِرَ بهم وأقرَّهم في أرض خيبرَ ما شاء سِوى مَنْ قتل مِنهم.” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 5/ 66 ، 67 ).
  3. وأما قُريظة: فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوا أغلظَهم كُفرًا، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم.

وكان سببُ غزوهم: أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صُلْحٌ: جاء حُيَيُّ بن أخطَب إلى بني قُريظة في ديارهم، فقال: قد جئتُكم بعزِّ الدَّهر، جئتكم بقُريش على سادتها، وغَطَفَان على قادتها، وأنتم أهلُ الشَّوْكَة والسلاح، فهلمَّ حتى نناجِزَ محمَّدًا ونفرُغ منه، فقالَ لهُ رئيسُهم: بل جئتني والله بذُلِّ الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه، فهو يرعُدُ ويبرُق، فلم يزل حُيَي يُخادعه ويَعِده ويُمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حِصنه يُصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبرُ، فأرسلَ يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبَّر وقال: (أبْشِرُوا يا مَعْشرَ المسلمين ).

فلما انصَرَفَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة لم يكن إلا أن وضع سِلاحه، فجاءه جبريلُ فقال: أوضعتَ السِّلاح؟ والله إن الملائكةَ لم تضعْ أسلحَتِها، فانهض بمن معكَ إلى بني قُريظة فإني سائرٌ أمامك أُزلزل بهم حصونَهم وأقذِف في قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ في موكبه من الملائكة ورسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أثره في موكبه مِن المهاجرِين والأنصار، وقال لأصحابه يومئذ ( لا يُصَلَّيَنَّ أَحَدُكُم العَصْرَ إِلا في بني قُرَيْظَةَ )، فبادروا إلى امتثال أمرِه ونهضُوا مِن فورهم، فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصليها إلا في بني قُريظة كما أمرنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا ذلك وإنما أراد سُرعة الخروج، فَصَلَّوْهَا في الطريق، فلم يُعنِّفْ واحدة من الطائفتين.

وأعطى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرايةَ عليَّ بن أبي طالب، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بني قُريظة، وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولمَّا اشتد عليهم الحِصَارُ عرض عليهم رئيسُهم كعبُ بن أسد ثلاثَ خِصال: إما أن يُسْلِمُوا ويدخُلوا مع محمد في دينه، وإما أن يَقتلوا ذراريَهم ويخرجوا إليه بالسيوف مُصلتة يناجِزُونه حتى يظفروا بِه، أو يُقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجمُوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوا أصحابِه ويكبِسُوهم يومَ السبت لأنهم قد أمِنُوا أن يُقاتِلوهم فيه، فأَبَوْا عليه أن يُجِيبُوهُ إلى واحدة منهن،…ثم إنهم نزلُوا على حُكم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقامَت إليه الأوسُ، فقالوا: يا رَسُولَ الله قد فعلتَ في بني قَيْنُقَاع ما قد عَلِمْتوهم حلفاءُ إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسِنْ فيهم، فقال ( ألاَ تَرْضوَنَ أَنْ يَحْكُم فِيِهمْ رَجُلٌ مِنْكُم؟ ) قالوا: بلى، قال ( فَذَاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذ ) قالوا: قد رضينا، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرُج معهم لجُرح كان به، فأُرْكِبَ حمارًا وجاء إلى رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعلُوا يقولون له وهم كَنَفتاهُ: يا سَعْدُ أجمل إلى مواليَك فأحْسِن فيهم فإن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حكَّمك فِيهم لِتُحْسِنَ فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً، فلما أكثرُوا عليه قال: لقد آن لِسعد ألا تأخذه في اللهِ لومةُ لائم، فلما سَمِعُوا ذلِكَ منه رجعَ بعضُهم إلى المدينة فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى سعد إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للصحابة: ( قُومُوا إلَى سَيِّدكُم ) فلما أنزلُوهُ قالوا: يا سعدُ إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حُكمك، قال: وحكمي نافِذٌ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: وعلى مَنها هنا؟ وأعرض بوجهِهِ  وأشار إلى ناحية رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إجلالًا له وتعظيمًا، قال: ( نعم، وعليَّ )، قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرِّجَالُ، وتُسْبىَ الذُّرِّيَّةُ، وتقسمَ الأموالُ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَات ) وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، وهرب عمرو بن سُعْدَى، فانطلق فلمْ يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخُول معهم في نقض العهد، فلما حكم فيهم بذلك أمرَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتل كُلِّ مَن جرت عليه الموسى منهم، ومَن لم يُنْبتْ أُلحِقَ بالذُرِّية، فحفر لهم خنادِقَ في سوق المدينة، وضُرِبَتْ أعناقهم، وكانوا مابين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يُقتل مِن النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طَرحَتْ على رأس سويد بن الصامت رحى فقتلته، وجعل يذهب بهم                   إلى الخنادق أرسالًا أرسالًا، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعبُ؛ ما تراه يصنَعُ بنا؟ فقال: أفي  كل موطن لا تعقِلُونَ؟ أما ترون الدَّاعي لا يَنْزعُ، والذاهِبُ منكم لا يرجعُ، هو واللهِ القتلُ. ” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 129 – 135).

  1. وكان هَدْيُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه إذا صالح قوماً فَنَقَضَ بعضُهم عهده وصُلْحه وأقرَّهم البَاقُونَ ورضُوا به: غزا الجميعَ وجعلهم كُلَّهُم ناقضين، كما فعل بِقُريظة والنَّضير وبني قَيْنُقَاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سُنَّته في أهل العهد، وعلى هذا ينبغي أن يَجرِىَ الحُكْمُ في أهل الذِّمة كما صرَّح به الفقهاءُ من أصحاب أحمد وغيرهم .” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 136).
  2. ولما حكم سعدُ بن معاذ في بني قُريظة بأن تُقتَل مقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم وتُغنم أموالُهم: أخبره رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أن هذا حُكْمُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن فوق سَبْعِ سَمَاوات )، وتضمَّن هذا الحكم: أن ناقضي العهدِ يسر ينقضُهم إلى نسائهم وذُرِّيَّتِهم إذا كان نقضُهم بالحرب، ويعودون أهلَ حرب، وهذا عينُ حكمِ اللهِ عزَّ وجل.” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 5/ 67).

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

أسلمت حديثًا ولا تستطيع إظهار إسلامها فكيف تصلي بين أهلها الهندوس؟

أسلمت حديثًا ولا تستطيع إظهار إسلامها فكيف تصلي بين أهلها الهندوس؟

السؤال:

اعتنقت الإسلام منذ عهد قريب، والحمد لله، وقد نشأت وما زلت أعيش في مجتمع هندوسي، وهذه البيئة تصنع لي الكثير من العقبات في طريق تمسكي بديني الجديد، وسؤالي هنا على وجه التحديد هو بخصوص الصلاة، فوالداي متشددان جدًّا ولا يروق لهما أن يسمعا شيئًا عن المسلمين فضلًا أن يعلما أن ابنتهما قد اعتنقت هذا الدين، لذلك فأنا مُخفية عنهما هذا الأمر، وهنا تكمن المشكلة حيث أني لا أستطيع أن أصلي في البيت، فالبيت صغير جدًّا وما أن يتحرك فيه أحد إلا ويعلم جميع من فيه بتلك الحركة، وقد حدث أن رأتني أمّي ذات مرة أصلي فما برحتْ منذ تلك اللحظة تشدد عليَّ الرقابة وتفرض عليَّ القيود، هذا بالنسبة للبيت أمّا العمل فالوضع فيه أشد إذ لا يمكن الصلاة هناك بحال من الأحوال.

ونظرًا لكل هذه القيود فإني أتوضأ وأجهّز نفسي للصلاة فما أن يحين موعدها أصليها وأنا قاعدة على مكتبي، فأقوم بجميع هيئات الصلاة في قلبي، أمّا في البيت فإني أتحين الوقت المناسب للصلاة بشكل عادي إن سنحت لي الفرصة ماذا وإلا فإني أصلي وأنا مستلقية أو جالسة أو غير ذلك.

إن الوضع صعب للغاية، ففي بعض الأحيان أشرع في الصلاة بشكلها المعتاد فأسمع والدتي تأتي فأضطر لقطعها والانشغال بشيء آخر، فما نصيحتكم؟.

كما أريد أن أعرف حكم ضرورة تغطية الرأس والكفين في الصلاة، هل ذلك واجب؟ وماذا بالنسبة لوضعي أنا شخصيًّا بعد أن شرحت لكم حالتي؟ وهل ستُقبل صلاتي إذا صليتها دون تغطية للرأس والكفين؟.

كما أريد هنا أن أخبركم هذه الحقيقة عن نفسي، فـأنا أمرّ بالكثير من المصاعب والمشاكل لذلك أجد في الصلاة متنفسًا وراحة بالغة، فما أن أصلي وأدعو الله إلا وينشرح صدري ويعود إليَّ الأمل من جديد، ولكني لا أعرف العربية ، فهل أؤجر على قراءتي للقرآن باللغة الإنجليزية؟ كما أن معظم صلاتي أيضاً بالإنجليزية فهل تُقبل؟ إنني ما زلت في طور تعلم العربية وفي القريب العاجل إن شاء ستكون صلاتي كلها بالعربية.

أرجو منكم النصح والتوجيه فليس لدي أصدقاء مسلمون إلا واحدًا أو اثنين وهما أنفسهما ليسا على قدر من التدين، وليس بالقرب من المكان الذي أعيش فيه مكاناً أتجه إليه لأتعلم ديني، فالإنترنت هو الوسيلة الوحيدة بالنسبة لي، ولا أنسى هنا أن أشكركم جزيل الشكر على هذه الخدمة التي تقدموها فقد أفدت منها الكثير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

في البداية يسرنا أن نهنئك على ما حباك الله تعالى به من نعمة جليلة، وهي نعمة الإسلام، ولعلكِ قد شعرتِ بعظيم هذه النعمة بما رأيتِه من تغيُّر حالك وشعورك بالراحة والسعادة والطمأنينة وانشراح الصدر، وكل ذلك مما جعله الله تعالى للناطقين للشهادتين، وتزداد تلك النعم بالعمل بأحكام الإسلام، فنسأل الله تعالى أن يثبتك على دينه وأن يتم عليك نعمَه ظاهرة وباطنة.

 

ثانيًا:

واعلمي – أختنا السائلة – أمرين مهمين فيما يتعلق بالصلاة:

الأول: أنه لا عذر للمسلم في تركها مهما كانت ظروفه، وفي حال المرأة فإنها تترك الصلاة وقت الحيض والنفاس، وأما غير ذلك من الأحوال فلا عذر لأحدٍ في تركها، فالمقاتل يصلي، والمسجون يصلي، والمريض يصلي؛ وما ذاك إلا لعظم هذه الفريضة وأهميتها في شرع الله تعالى.

الثاني: أن ” المشقة تجلب التيسير “، وبما أن الشرع المطهَّر قد أمر المسلم بالصلاة على أي حال صعبة كان فإنه قد خُفف عليه في الأحكام، فيأتي ما يستطيعه ويسقط عنه ما يعجز عنه أو يشق عليه مشقة بالغة.

وفي حالك المؤسف الذي ذكرتِه لنا نقول لك:

تعلمين أن الأصل في الصلاة أنها تكون بطهارة وستر للبدن واتجاه للقبلة وقيام بالأركان والواجبات والتزام بالأوقات المقدرة لها شرعًا، ومن يسر هذه الشريعة المباركة أنها راعت أحوال الناس المصلين وظروفهم فلم تأمر المسلم بما يعجز عنه أو يشق عليه مشقة بالغة، فثمة المريض في سريره، وثمة المقاتل في المعركة، وثمة المسجون المقيَّد، وثمة الخائف من إظهار إسلامه وصلاته – كحالتك -، وكل أولئك وأمثالهم لا يطالبون إلا ما في استطاعتهم، ويسقط عنهم ما لا يستطيعون، مع بيان أن صلاتهم صحيحة ولا يلزمهم إعادتها البتة.

وقد ذكرنا في أجوبة كثيرة ما يتناسب مع حالك من أحكام تتعلق بصلاتك، ومن ذلك:

  1. أنه يجوز لك الإتيان بأركان وواجبات الصلاة وأنت جالسة أو مستلقية، مع الإيماء في الركوع والسجود.
  2. وأنه يجوز لك الجمع بين الصلاتين في حال لم تستطيعي أداء كل صلاة في وقتها، أو في حال تيسر لك وقت كافٍ لأداء صلاتين مجموعتين وأنت على أحسن حال من حيث الطهارة واللباس والقيام بالأركان والواجبات، فجمعك بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما من الرخص الشرعية لمن كان مثل حالك.
  3. إذا لم تستطيعي الوضوء أو الاغتسال فإن التيمم يكون مجزئًا في حقك بدلًا منهما.
  4. ويجوز لكِ قطع الصلاة إذا خفتِ من أن يراكِ أحد من أهلك تصلين.

وانظري جواب السؤال رقم ( 65682 ).

  1. ويجوز لك الصلاة في الحمام النظيف إذا لم تجدي مكانا تصلين فيه غيره.
  2. وحتى تتعلمين اللغة العربية وتحفظين سورة الفاتحة فإنه يسعك أن تقولي بدلًا من الفاتحة ” سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر “، ويستمر أخذك بالرخصة هذه حتى يتيسر لك حفظ هذه السورة، ولعلك علمتِ أن قراءتها في الصلاة ركن من أركانها.
  3. والدعاء في الركوع والسجود لا يشترط أن يكون باللغة العربية، بخلاف أذكار الصلاة، فلك الدعاء بلغتك في أمور الدنيا والآخرة.
  4. ومثل ذلك يقال في لباسك وحجاب الصلاة، فحيث استطعتِ الصلاة باللباس الكامل – ما عدا الوجه والكفين – فافعلي ذلك وإن ضاق عليك وقت الصلاة ولم تستطيعي لبس الحجاب فصلِّ باللباس الذي عليكِ.

وخلاصة الأمر قد سبق بيانها أنك تفعلين ما تستطيعينه من أحكام الصلاة، ويسقط عنك ما تعجزين عنه، ولا تشغلي نفسك ببطلان صلاتك وإعادتها؛ لأن الصلاة صحيحة ولا يجوز إعادتها، وهذا من يسر الشريعة وسماحتها، ويستمر الأخذ بالرخص الشرعية حتى ييسر الله أمرك وتتمكنين من القيام بأحكام الصلاة كاملة، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.

ثالثًا:

– ومع ذِكرنا لك من الأحكام ما تخفين به إسلامك وصلاتك إلا أننا في الوقت نفسه ننبهك إلى أمور مهمَّة:

الأول: عدم الاستعجال بإظهار إسلامك وصلاتك إذا كنتِ تخشين على نفسك من فتنة أهلك لك، وعدم صبرك على أذاهم وضررهم، ومن المحتمل أن يسعى أهلك لتزويجك برجل من الهندوس فإذا حصل هذا فادفعيه بما تستطيعين، فإن ضاق عليك الأمر فلا يسعك إلا إظهار دينك لهم لتمنعيهم من تزويجك، وإذا تيسر لك ملجأ آمن تلجئين إليه تأمنين فيه على نفسك وعلى دينك وأصرَّ أهلك على دينهم وعلى فتنتك: ففارقيهم إلى ذاك الملجأ الآمن، وعسى الله أن يجعل فيه خيرا لك.

الثاني: التفكير بوالديْك لإنقاذهما من نار الآخرة، والذي نرجوه منكِ أن تولي هذا الأمر اهتمامًا بالغًا، وأن تتفكري بطرق مناسبة لعرض الإسلام على أهلك للدخول فيه، وحينها ستكون سعادتك غامرة، فاجعلي لهذا الأمر نصيباً من وقتك للتفكر فيه.

الثالث: يمكن استثمار العمل للخروج من جميع الإشكالات، فتبحثين عن عمل شرعي مع مسلمين، تستطيعين فيه أن تلبسي لباسًا شرعيًّا، وتستطيعين فيه الصلاة بكامل أحكامها، وقد ييسر الله لك فيه ملجأ آمنًا تقيمين فيه في حال ضاق عليك أمر الإقامة عند أهلك، ومن واجب المسلمين حولك أن يسعوا إلى ذلك ولا يحل لهم التقصير فيه.

ونسأل الله تعالى أن يمنَّ على أهلك بالهداية، وأن ييسر أمرك، وأن يكتب لك أجر مجاهدتك وصبرك كاملًا موفورًا، ونرجو منك عدم التردد في مراسلتنا، وسنولي أسئلتك أهمية خاصة؛ مراعاة لظرفك، والله يوفقك ويرعاك.

 

 

والله أعلم.

حكم أخذ معونة من منظمات تعين الطلاب في دراستهم

حكم أخذ معونة من منظمات تعين الطلاب في دراستهم

السؤال:

إذا كان قانون البلاد يجيز لك أن تفعل أشياء هي في حقيقتها عبارة عن غش وخداع، فهل المال الحاصل من وراء هذه الأشياء حلال؟ فعلى سبيل المثال: القانون البريطاني يسمح لطلاب الجامعات بأن يأخذوا معونات من منظمات وجهات مختلفة من أجل أن يستعينوا بتلك الأموال على أداء بعض الواجبات والمهام الدراسية المناطة بهم، فهل يجوز للمسلم في هذه الحالة أن يحصل على مثل هذه المعونة، أي: هل يحل له أن يأخذ هذا المال؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان قانون تلك البلاد يجيز شيئًا من الأفعال فلا يعد فعله غشًّا ولا خداعًا، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان مخالفاً لقانون تلك البلاد ويتم الاحتيال عليه بطرق ماكرة.

فطالما أن القانون البريطاني يسمح للطلاب الدارسين الحصول على معونات من منظمات طلابية أو تربوية أو اجتماعية فأي حرج يحصل لمن احتاج تلك المعونة وطلبها منهم؟! لا يظهر لنا أي مانع في ذلك من هذه الناحية.

وأما الناحية التي لا نحبِّذ للمسلم القيام بها فهي أن يقوم بطلب معونة من إحدى تلك المنظمات وهو غير محتاج على الحقيقة؛ لأن يده ستكون والحالة هذه يد سفلى، وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ( يَا حَكِيم إنَّ هذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَه بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِك لَهُ فِيه، وَمَن أَخَذَه بِإشرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَك لهُ فِيه، كالذي يَأْكُل وَلاَ يَشْبَع، اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِن اليَدِ السُّفْلى ). رواه البخاري (1403 ) ومسلم ( 1035 ).

ويتعيَّن منع طلب المعونة من تلك المنظمات في حال ترتب على ذلك الوقوع في محرَّم كالكذب والغش في ذِكر البيانات الخاصة بالطالب، أو كان أخذ تلك المعونة يؤدي بالطالب الآخذ لفتنة في دينه أو نفسه.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -: ولا حرج عليهم في قبول المعاونة والمساعدة من الدولة الكافرة إذا لم يترتب على ذلك ترك واجب، أو فعل محظور، وليس لهم أخذ المساعدة إلا على الطريقة الرسمية التي قررتها الدولة، وليس لهم أن يكذبوا للحصول عليها. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (28/ 239).

 

والله أعلم.

نصرانية تسأل النصح حول علاقتها بمسلم يحادثها ويخرج معها

نصرانية تسأل النصح حول علاقتها بمسلم يحادثها ويخرج معها

السؤال:

إنني أبلغ من العمر ( 23 عامًا )، ولي طفلان، والرجل الذي أتحدث إليه يبلغ ثلاثين عامًا، وقد سعدت كثيرًا أن وجدت هذا الموقع، وآمل أن أجد ضالتي عندكم، وإليكم قصتي:

لقد قابلتُ رجلًا منذ شهرين على الإنترنت ” فيس بوك ” وقد تحدثنا عبر الهاتف وقد كانت الأمور بيننا جيدة لفترة طويلة، وقد قابلته في النهاية وجهاً لوجه السبت الماضي، وتحدثنا مدة ( 5 دقائق ) وبعدها غادر، ثم تقابلنا يوم الأحد وذهبنا لمشاهدة فيلم، وقبَّلني في شفتي، إنني غير متأكدة مما إذا كان ملتزمًا بدينه أم لا ولكنني أعرف أنه لا يشرب الخمر أو يدخن، وهو ينصحني بالابتعاد عن هاتين العادتين أيضًا، سؤالي هو: هل يمكن لمسلم أن يتعامل مع امرأة مثلي لها طفلان بمحض الجد ؟ هناك أخت مسلمة تقول لي ” لا ” لأنني لست بكراً وليس صحيحًا مواعدة شاب مسلم، إنني أشعر بشعور سيء حيال ذلك الأمر لأنني أحبه كثيرًا وأحترم دينه، وأريد أن أعرف إذا كانت بيننا علاقة فكيف لعائلته أن تراني؟ هل يظنون بي ظن السوء لأنني لدي طفلان؟ أعرف أنه على المسلم ألا يواعد ولكنني لا أدري كيف فعلت ذلك؟ إنني أشعر بالحب تجاهه حتى أننا عندما نتقابل فإننا نتحدث في كثير من الأمور ويقول لي إنني كل شيء بالنسبة له وأنه ملكي أنا وأنه لن يستغلني يومًا، وقد أخبرته منذ أول يوم تحدثت إليه عبر ” الفيس بوك ” أنه إن كان يبحث عن الجنس فليبحث عنه في مكان آخر، وقد كنت أقبِّله ولكن ليس بيننا زنى لأنني أحبه كثيرًا.

– أرجو نصيحة تهديني للطريق الصحيح، شكرًا لكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

خلق الله تعالى الرجل والأنثى وجعل ميل كل واحد منهما للآخر في أصل خلقته، ولا يمكن لأحد أن يُنكر هذا، وقد راعت الشريعة الإسلامية ونظَّمت التقاء كل واحد منهما بالآخر، وجعلت ذلك محصورًا بالزواج، وحرَّمت ما عداه مما تأباه الفطَر السوية والعقول الراجحة، فليست المرأة سلعة رخيصة حتى تكون لمن يريد قضاء حاجته منها، بل لأنها مكرَّمة جُعلت لرجل واحد يرعاها وينفق عليها ويعطيها حقوقها، وجعلت الحصول عليها زوجة عن طريق الرؤية أولًا، ثم طلبها من وليٍّ لها، ثم بذل مال يكون مهرًا لها، وكل ذلك ليجعل الشرع من المرأة كيانًا محترمًا ليس من السهل الحصول عليها حتى لا يسهل التفريط بها، والمشاهد الآن في عالَم الانحلال أن الرجل يسعى للحصول على امرأة تعجبه ليقضي وطره منها ثم يلقيها ليبحث عن غيرها أجمل منها، وهكذا تنتقل هي من فريسة لأخرى، وينتقل هو من عشيقة لأخرى، فلا يُبنى بيتٌ، ولا يكون أولادٌ، ولن يكون – بالنتيجة – أسرة آمنة مطمئنة، وكل ذلك مرفوض في الإسلام وجاء تحريمه والمنع منه بما لا يدع مجالاً للتوقف أو الاختلاف، ومن يخالف ذلك من المسلمين فهو متبع لهواه مقلد لأهل الانحلال والفجور، والشرع الإسلامي بريء من تصرفه وفعله.

وعليه: فالعلاقات التي تكون بين الرجل والأنثى خارج نطاق الزواج الشرعي الموثق هي علاقات محرَّمة لا يحل لمسلم أن يقيمها لا مع مسلمة ولا مع غير مسلمة، وقد أعجبنا قولك لذلك المسلم المخالف لدينه أنه إذا أراد أن يبحث عن الجنس فليبحث عنه عند غيرك، وهذا يؤكد ما قلناه أن المرأة ليست سلعة رخيصة، ولكن لم يعجبنا خروجك معه وما حصل بينكما من خلوة وتقبيل، وإذا كنتِ ترين ذلك طبيعيًّا عندك فإنه ليس كذلك عندنا، فما فعله هو أمور محرَّمة في الإسلام لا ينبغي لمسلم أن يفعلها، وإذا كان حصل بينكما إعجاب فالطريق الوحيد ليكون اللقاء بينكما حلالًا هو الزواج لا غير، وكل لقاء وتماس مع امرأة أجنبية عنها فهو محرَّم ويستحق عليه العقوبة الأخروية.

ولا نظنك إلا توافقيننا على أن منع هذا الأمر هو الصواب الذي فيه صلاح الفرد والمجتمعات، ولو كنتِ ترين عكس ذلك فإننا نحاجك ببناتك ! فهل ترضين أن تكون ابنتك سلعة رخيصة كلما رآه معجب اتخذها خليلة له لفترة ثم يلقيها لغيره؟! لا نظنك توافقين على هذا، وإن نظرة منصفة لما يحدث من مآسي في ” المدارس الثانوية ” في بلادكم لتؤكد هذا الذي قلناه، وكم من أم تعيش معاناة لا قبَل لها بها جرَّاء ما يحدث لابنتها من تحرش واغتصاب وضرب من عشيق، وغير ذلك من المآسي والمشكلات التي إن وقعت فمن الصعب أو المستحيل العيش معها بهناء وسعادة.

وعليه: فليُعلم أن ما فعله ذاك الرجل من محادثات ومكالمات وخروج وتقبيل: كل ذلك محرَّم عليه في الإسلام ويجب عليه الكف عنه فورًا والتوبة منه.

ثانيًا:

واعلمي أن الإسلام قد أباح التزوج من امرأة نصرانية بشرط أن تكون مؤمنة بدينها ولا تكون ملحدة أو بلا دين، وبشرط أن تكون عفيفة في شرفها ليست زانية وليس لها عشَّاق، ويشترط لصحة العقد وجود ولي لك يزوجك، ووجود شاهدين مسلميْن يشهدان على العقد ويقوم الإعلان عن الزواج مقام الشهود، ووجود أولاد لها من زواج سابق لا يؤثر في تزوجها من مسلم، ومن قال إن المرأة النصرانية أو اليهودية لا تحل للمسلم إلا أن تكون بِكراً فقوله ليس صوابًا، وإنما الشرط في حلِّها هو أن تكون عفيفة عن الزنى وهذا الشرط تشترك فيه مع المرأة المسلمة، فلا يجوز لمسلم عفيف التزوج من زانية إلا أن تتوب توبة صادقة، وكذلك لا يجوز لامرأة عفيفة أن تتزوج من رجل زانٍ إلا أن يتوب توبة صادقة.

وبما أن العلاقة بينكما لم تصل للزنا – كما ذكرتِ – فإنه ليس شيء يمنع من الزواج بك من هذه الحيثية.

وننبهك إلى أمر وهو أن ذاك الرجل إن كان لا يصلي فلا يعد من المسلمين وعليه فنكاحه عليك باطل.

ثالثًا:

واعلمي أن المسلم الصادق في التزامه لا يقبل لابنته أن يكون لها عشيق يخرج معها ويخلو بها ويقبِّلها فضلاً أن ينام معها زانيًا بها، وهذا الذي لا يقبله المسلم الصادق لابنته لا ينبغي له أن يقبَله لغيرها ولو كانت غير مسلمة.

وأما أهل الرجل المسلم فقد يقبلون لابنهم التزوج بكتابية لها أولاد، وإذا رفضوا ذلك فليس لأنه أمرٌ محرَّم شرعاً بل قد يكون لظروف تتعلق ببيئتهم أو لعلمهم بعدم قدرة ابنهم على القيام بحقوق تلك الزوجة ورعاية أولادها، ولكنهم لا يقبلون أن يكون لابنهم عشيقة يخلو بها، ويسافر معها، وإن قبلوا بذلك فإنما هم مخالفون للشرع المطهَّر ولا شك.

رابعًا:

ومع كون ذلك الرجل مسلمًا – حسب كلامك – فإن ذلك لم يمنعنا من قول الحق في حكم ما فعله معك وحكم علاقته بك، ونضيف نصحًا لك: أن لا تلتفتي إلى معسول الكلام من أحدٍ يرتبط بعلاقة معك خارج نطاق الزواج، ومنه قول ذلك الرجل ” إنه مِلكك ” و ” إنه لن يستغلك ” وغير ذلك من العبارات المنمقة والجمل السحرية، فكل ذلك غالبه إنما هو للوصول لمقصوده وهو قضاء الوطر منك، ثم ينتهي الأمر عند ذلك ليبحث عن أخرى! وما قلناه إنما هو باستقراء واقع العلاقات غير الشرعية، وخاصة تلك التي تنشأ من محادثات ” التشات ” و تعارفات ” الفيس بوك “، فنرجو منك أن لا تغتري بمعسول الكلام ذاك، وإذا كان ذلك الرجل صادقًا في إعجابه بك فليثبت ذلك بالزواج منك، وأما إثبات ذلك بالخروج معاً لمشاهدة ” فيلم ” أو الذهاب لطعم لتناول وجبة: فكل ذلك لا يثبت صدقاً في المشاعر فلا تبني عليه أحلامًا وآمالًا، وإذا كان غير المسلمين يفعلون ذلك وترضى المرأة به فإن الإسلام يحرِّمه ويمنعه ولا يرضى به ويحذِّر المرأة من الاغترار به.

خامسًا:

والفرصة الآن مواتية لنا لنعرض عليك ما هو خير لك في دنياك وآخرتك، وهو الدخول في الإسلام لتكوني مسلمة موحِّدة لله تعالى خالق الكون ورازق الخلق، وهذا الدِّين الذي ندعوك إليه هو دين عيسى عليه السلام ودين إبراهيم وإخوانهما الأنبياء والمرسلين، فكل أولئك عبدوا ربًّا واحدا وهو الله جل جلاله، وأفردوا له العبادة وحده لا شريك له، ودعوا الناس لذلك، والإسلام هو الذي جاء بالأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، ففيه صلاح الأفراد والمجتمعات، وستشعرين بسعادة غامرة كما شعرها بها من سبقك لهذا الطريق، وعندها قد ييسر الله تعالى لك زوجاً يليق بك يرعاك ويحفظ حقوقك ويحتسب رعاية أولادك، وعسى أن تكسبي وإياه أجر إسلامهم، فيكون لكم اجتماع في الدنيا والآخرة، وأما مع عدم إسلامك فلا بد أن تعلمي أنكِ إذا اجتمعتِ مع مسلم بصفته زوجاً لك في الدنيا: فإن الآخرة ستفرِّق بينكما ولا بدَّ، وهذا يؤكد ما قلناه لك أن إسلامك يعني الفوز بالدنيا والآخرة، واجتماعك بزوجك وأولادك في جنة الخلد هو فوز عظيم يسعى إليه العقلاء ويفوت على الأشقياء.

 

– ونسأل الله أن يهديك لما فيه خير دنياك وأخراك، وأن ييسر الله لك زوجًا صالحًا.

 

 

والله أعلم.

والداه يشربان الخمر ويحرجانه أمام أصدقائه فكيف يتصرف معهما؟

والداه يشربان الخمر ويحرجانه أمام أصدقائه فكيف يتصرف معهما؟

السؤال:

يشرب والدي الخمر ولا يريد أن يقلع عنه، وقد جعل أمي مثله في هذه العادة، والمشكلة هي أنه عندما يشرب فإنه يقول ألفاظًا غير محترمة وبشعة، وقد كسرت أمي ذراعها ذات مرة بسبب شرب الخمر ولكنها لم تتعلم من الدرس، المشكلة الكبرى هي أنه بتناولهما الكحول فإن ذلك يؤثر عليَّ وأنا أتعرض لحالة من الاكتئاب ولا أدري كيف أتعامل معهما، أحاول التعامل معهما باحترام ولكن أجد ذلك صعبًا في ظل سلوكهما، كما أنهما يحرجانني أمام أصدقائي بسبب شربهما للخمر، ويراهما أصدقائي، أرجو أن تنصحونني ماذا أفعل؟ إنني حقًّا مريض وأشعر بالتعب بسبب كل ذلك، وأحيانًا أشعر بالرغبة في قتل نفسي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأن النعيم والسعادة التي لا منغص عليهما إنما هو في جنة الخلد، وإذا كنتَ قد ابتليت بوالدين يشربان الخمر فثمة من ابتلي بأعظم من ذلك وهو كون والديه من الكفار المشركين بل ومن الدعاة المجاهدين لذلك، ومع ذلك فقد أمره الله تعالى ولدهما المسلم بالصبر والحلم عليهما، والإحسان والبر لهما، قال تعالى ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/ 15، وقال تعالى ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) العنكبوت/ 8، فهذه وصايا الله تعالى لمن كان والداه على حال أشد مما هو عليه حال والديك، وهذه وصايا الله تعالى لأولاد أولئك، فعسى أن يخفف عنك هذا شيئًا من الاكتئاب بل نرجو أن يزول منك بالكلية.

 

ثانيًا:

وأما تفكيرك بالانتحار فهو وسوسة خبيثة من الشيطان وهل تعلم أن الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب كما هو حكم الخمر؟! بل إن شارب الخمر يمكنه أن يرجع إلى ربِّه فيتوب ويعقل ويترك شرب الخمر وأنَّى للمنتحر أن يكون كذلك وقد مات؟! فاحرص أخي الفاضل على إبعاد هذه الوساوس من ذهنك، وأقبل على ربِّك تعالى واسأله الإعانة والتوفيق واسأله الهداية لوالديك فهذا هو المأمول من مثلك.

 

ثالثًا:

ومن أعظم ما تلجأ إليه لكف والديك عن الاستمرار في شرب الخمر هو الله تعالى، فالجأ إليه في السَّحَر وتذلل بين يديه واسأله الهداية لوالديك فهو أول ما ينبغي عليك فعله تجاه معصيتهما.

ثم ابحث عن رجل عاقل في أسرتكم أو ممن له تأثير على والدك، فكلِّمه، واشرح له ظرف والدك، وليكن له مساهمة في توجيهه ونصحه، ولا تيأس من فشل واحد في مهمته، بل ابحث عن غيره، فلعلك أن توفَّق لرجل يكون له تأثير على والدك ليكف عن شرب الخمر، ويتوب من فعله، وإن صلح حاله صلح حال والدتك.

ثم نوصيك بأمك خيرًا، فاستثمر عاطفتها تجاهك، وعظها في وقت تكون فيه رائقة واعية، ابكِ بين يديها وقبِّل يديها وقدميها لكي تترك شرب المسكر وأن تعود لرشدها وتتوب لربِّها تعالى، وإن نجاحك في هداية والدتك سيخفف عليك من آلامك، وتقطع به نصف الطريق.

وفي هذه الأثناء لا داعي لأن يزورك أحد من أصدقائك حتى لا يسبِّب لك ذلك إحراج، وأنت الآن في فترة علاج لهما فلا تدع مجالاً لزيارة أحد أصدقائك أن تفسد عليك علاجك.

وأخيرًا: إن نجحت مساعيك في هداية والديك لترك شرب الخمر ورأيت أن أمرهما يزداد سوءً وأنك لا تستطيع الصبر على تحمل ذلك: فانج بنفسك، واهجرهما، وأنت في الواحد والعشرين من عمرك فتستطيع تدبر نفسك، وعسى ذلك أن يكون من العلاج الناجع ليتركا شرب الخمر، ولا ترجع إليهما إلا أن يُصلحا من حالهما، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.

 

– ونسأل الله تعالى أن يسددك ويوفقك، وأن يهدي والديك لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

حكموا على إمامهم الذي توسل بحق النبي أنه مشرك! وتركوا الصلاة وراءه وأحدثوا لغطا

حكموا على إمامهم الذي توسل بحق النبي أنه مشرك! وتركوا الصلاة وراءه وأحدثوا لغطا

السؤال:

في إحدى ليالي العشر تقدم بنا لصلاة الوتر أحد نواب إمام المسجد، وهو رجل عامي، غير متمكن في العلم الشرعي، لكن فيه خير، نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا، فعندما كان يقنت سأل الله عز وجل بحق محمد، فحصل لغط في تلك الليلة من قبَل بعض الشباب، وصنفوا الرجل بأنه مشرك! ولا يجوز لرواد المسجد أن يصلوا خلفه إذا تقدم بهم هذا الإمام، وبناءً على هذه الفتوى فقد طبقت على أرض الواقع في الليلة التالية لليلة تلك المشكلة، حيث انتظر بعض الشباب – وهم قلة قليلة مقارنة برواد المسجد – دخول ذلكم الإمام لصلاة الوتر إلى مؤخرة المسجد للقيام بجماعة أخرى تؤدى فيها صلاة الوتر، وبعد صلاتهم هذه حصل في المسجد خلاف وانقسام، فهل هذا الفعل صحيح؟ وهل يصنف الإمام بأنه مشرك بسبب الدعاء بلفظة ” بحق محمد “؟ وإذا أخطأ إمام بمثل هذا الأمر, هل يشرع للناس أن ينشقوا عنه ويُحدثوا جماعة أخرى تصلي بنفس وقت صلاة الإمام؟ وما هي نصيحتكم لمن شملهم السؤال – الإمام، والمنشقون، وبقية المأمومين -؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما فعله من تذكر أنهم حكموا على الإمام أنه مشرك لأنه سأل الله تعالى بحق محمد صلى الله عليه وسلم: فعل منكر، وليس يعني هذا أن الإمام أصاب في قوله، بل هو مخطئ، وواقع في بدعة، لكن ما فعله أولئك منكر أيضًا، وهم لم يصفوا فعله بأنه شرك، بل تعدى ذلك إلى الحكم عليه بأنه مشرك، ورتبوا على ذلك عدم الصلاة خلفه، والواجب عليهم التمهل في إطلاق الأحكام، والرجوع لأهل العلم، وعدم الجرأة في تكفير الناس.

والتوسل المشروع أنواع، والسؤال بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحقه، جاه الصالحين وحقهم: ليس شركًا، وأعلى ما يقال فيه أنه وسيلة إلى الشرك، لا أنه شرك بذاته.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أما إذا توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أسألك بجاه محمد، أو بحق محمد: فهذا بدعة، عند جمهور أهل العلم، نقص في الإيمان، ولا يكون مشركًا، ولا يكون كافرًا، بل هو مسلم، ولكن يكون هذا نقصًا في الإيمان، وضعفاً بالإيمان، مثل بقية المعاصي التي لا تخرج عن الدين; لأن الدعاء، ووسائل الدعاء: توقيفية، ولم يرد في الشرع ما يدل على التوسل بجاه محمد صلى الله عليه وسلم، بل هذا مما أحدثه الناس، فالتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاه الأنبياء، أو بحق النبي، أو بحق الأنبياء، أو بجاه فلان، أو بجاه علي، أو بجاه أهل البيت: كل هذا من البدع, والواجب ترك ذلك، لكن ليس بشرك، وإنما هو من وسائل الشرك، فلا يكون صاحبه مشركاً، ولكن أتى بدعة تنقص الإيمان، وتضعف الإيمان، عند جمهور أهل العلم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 7 / 129 ، 130 ).

* وقال – رحمه الله -:

فلا يقول الإنسان: اللهم اغفر لي بحق فلان، أو بحق محمد، أو بحق الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بجاه الأنبياء، أو بحرمة الأنبياء، أو ببركة الأنبياء، أو ببركة الصالحين، أو ببركة علي، أو ببركة الصديق، أو ببركة عمر، أو بحق الصحابة، أو حق فلان، كل هذا لا يجوز، هذا خلاف المشروع، وبدعة، وهو ليس بشرك، لكنه بدعة، لم يرد في الأسئلة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم.

وإنما يتوسل بما شرعه الله من أسماء الله، وصفاته، ومن توحيده، والإخلاص له، ومن الأعمال الصالحات، هذه هي الوسائل … .” فتاوى نور على الدرب ” ( 1 / 356 ).

وبه يتبين أن ما قام به أولئك الذين حكموا على الإمام بأنه مشرك: أنهم وقعوا في الخطأ، من جهة الشرع، ومن جهة الإمام، فالواجب عليهم التوبة من فعلهم، والندم على حكمهم، وعدم العود لمثل هذا الفعل، مع طلب السماح من الإمام.

ثانيًا:

والصلاة خلف أهل البدع – وإمامكم إن استمر على توسله فيكون منهم -: جائزة، إن كانت بدعتهم غير مكفِّرة، ومع جواز الصلاة خلف الإمام  المبتدع فإنه يجوز ترك الصلاة وراءه للصلاة في مسجد آخر تبكيتاً له إن كان سيرعوي، ويترك بدعته، ولا يجوز ترك الصلاة وراءه وعمل صلاة في وقت الجماعة الأولى، ولا ترك الصلاة وراءه والصلاة في البيت، بل شرط ترك الصلاة وراءه: نفع ذلك الهجر له، وإقامة الصلاة في مسجد سنِّي.

ثالثًا:

والنصيحة للإمام أن يتقي الله تعالى ربَّه في اعتقاده، وعبادته، وأن يدع ما عليه أهل البدع، وأن يلتزم طريق أهل السنَّة والجماعة.

والنصيحة لأولئك المنشقين: أن يتوبوا من جرأتهم على الفتوى، وعلى الحكم على الإمام بأنه مشرك، وأن يعتذروا منه، وأن يرجعوا لمسجدهم ليقيموا الصلاة خلف إمامهم، ولا يحل لهم الصلاة معه في الوقت نفسه في جماعة أخرى، وليتحلوا بالأخلاق الفاضلة، وليتدرجوا في دعوة الناس إلى الحق، فإن الحق ثقيل، وغريب في كثير من ديار المسلمين.

والنصيحة لباقي المصلين: أن يعدوا ما فعله أولئك الشباب منسوبًا لأهل السنَّة، وها قد نقلنا عن إمام من أئمة السنَّة المعاصرين خلاف قولهم، وحكمهم، وأحلنا على غيره كذلك.

ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًّا، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه.

 

والله أعلم.