الرئيسية بلوق الصفحة 415

صلاة الجمعة في مكان عمل بعيد عن المعمار

صلاة الجمعة في مكان عمل بعيد عن المعمار

السؤال:

ما الحكم الشرعي في إقامة صلاة الجمعة في حقل نفطي بعيد عن المعمار , مع العلم بأن هذا الحقل مجهز بكافة وسائل الراحة من مأكل ومشرب وغير ذلك مع غرفة لكل شخص , كما يوجد مسجد يقوم على خدمته عدد من الموظفين التابعين لأقسام مختلفة في هذا الحقل , ومدة الإقامة في الحقل أسبوعين لكل موظف ثم يأخذ إجازة لمدة أسبوع وهكذا , مع العلم أنه لا يسمح باصطحاب العائلات , كما أنه لا يوجد هناك من يقيم إقامة دائمة ، وعدد الموظفين يزيد على المائتين .

– وفي الختام اعذرونا على الإطالة ، آملين أن نجد عندكم الإجابة الشافية .

– وفقكم الله ، وجعل ذلك في ميزان حسناتكم.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب عليكم أداء صلاة الجمعة في المسجد التابع لمكان عملكم في الحقل ، ولا يشترط لإقامة الجمعة أن تكون في المدن دون غيرها ، بل تقام في القرى وفي غيرها من الأماكن أيضاً ، وقد بوَّب البخاري في صحيحه باباً ترجمه بقوله : باب الجمعة في القرى والمدن .

قال الحافظ ابن حجر :

في هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى ، وهو مروي عن الحنفية ، وأسنده ابن أبي شيبة عن حذيفة وعلى وغيرهما ، وعن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين ” أن جمِّعوا حيثما كنتم ” ، وهذا يشمل المدن والقرى ، أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي رافع عن أبي هريرة عن عمر ، و صححه ابن خزيمة …

وعند عبد الرزاق – بإسناد صحيح – عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم ، فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع .  فتح الباري ” ( 2 / 380 ) .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في تعليقه على ” فتح الباري ” :

وهو فعل الجمعة في القرى كما فعل أهل جواثى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك يدل على مشروعية إقامة الجمعة بالقرى ، والله أعلم .

 

قال الشيخ الألباني :

قال صديق خان : والحاصل أن جميع الأمكنة صالحة لتأدية هذه الفريضة.

”  الموعظة الحسنة بما يخطب في شهور السنة “.

– الأجوبة النافعة ” للألباني ( ص 45).

يقول الشيخ الألباني معلقاً على هذا الكلام : 

قلت : ومن هذه الأمكنة القرى والبوادي والتلاع والمصايف ومواطن النزهة ، وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة ؟ فكتب جمعوا حيث كنتم ، وسنده صحيح .

وعن مالك قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون . ” الأجوبة النافعة ” ( ص 45 ) .

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة – في سؤال مشابه لحال السائل – :

نعمل بمصفاة بترومين بالرياض ، وعملنا ورديات حيث ننقسم إلى أربع مجموعات ، وكل مجموعة توافق صلاة الجمعة في الشهر مرة واحدة داخل المصفاة ، ويوجد عندنا مصلى داخل غرفة التحكم بالأجهزة ، وإذا حان وقت صلاة الجمعة نصليها جمعة .

مع أن عددنا يتراوح بين 13 إلى 15 موظفاً ، فهل تصح صلاة الجمعة منا ؟ حيث أننا لا نستطيع الخروج لظروف العمل مع العلم أننا نسكن في مدينة الرياض ، نرجو إفتاءنا بذلك .

فأجابوا :

إذا كان الأمر كما ذكر : فإنكم تصلون جمعة في محل عملكم ؛ لقوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان . ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 8 / 194 ، 195 ) .

 

والله أعلم.

 

رد الإمام على الداخل يوم الجمعة بصوت منخفض -صلاة الجمعة

حكم الإنصات والكلام يوم الجمعة أثناء الخطبة
ذهبت لصلاة الجمعة , ولكن كلما دخل مصلٍّ للمسجد ألقى السلام فرد عليه المصلون , حتى من كان يقرأ القرآن أيضاً , وعندما بدأت الخطبة دخل بعض المصلين وألقى السلام , فرد عليه الإمام بصوت منخفض ، فهل يجوز ذلك ؟ .

الجواب

الحمد لله

يجب على من حضر الجمعة أن ينصت للإمام ، ولا يجوز له الكلام مع غيره ، حتى لو كان الكلام لإسكاته ، ومن فعل فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له .
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ” .
رواه البخاري ( 892 ) ومسلم ( 851 ) .
ويشمل المنع – كذلك – الإجابة عن سؤال شرعي ، فضلاً عن غيره مما يتعلق بأمور الدنيا .
عن أبي الدرداء قال : جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أُبيّ بن كعب فقلت له : يا أُبيّ متى أنزلت هذه الآية ؟ فأبى أن يكلمني ثم سألته فأبى أن يكلمني حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أبيٌّ : مالك من جمعتك إلا ما لغوت ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته فأخبرته فقال ” صدق أُبيّ إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ ” .
رواه ابن ماجه ( 1111 ) ، وأحمد ( 20780 ) .
وصححه البوصيري والشيخ الألباني في ” تمام المنة ” ( ص 338 ) .
ومن هنا : فإن القول الصحيح هو وجوب الإنصات للخطيب أثناء خطبته .
قال ابن عبد البر :
لا خلاف بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها .
” الاستذكار ” ( 5 / 43 ) .
والخلاف في هذه المسألة موجود لكنه ليس قائماً على شيء معتبر .
قال ابن رشد – في حكم الإنصات في الخطبة – :
وأما من لم يوجبه : فلا أعلم لهم شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمر قد عارضه دليل الخطاب في قوله تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } أي : أن ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات ، وهذا فيه ضعف ، والله أعلم ، والأشبه أن يكون هــذا الحديث لم يصلهم .
” بداية المجتهد ” ( 1 / 389 ) .
ويستثنى من ذلك : الكلام مع الإمام ، وكلام الإمام مع المصلي .
عن أنس بن مالك قال : أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال : يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه … فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي – أو قال غيره – فقال : يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه …
رواه البخاري ( 891 ) ومسلم ( 897 ) .
عن جابر بن عبد الله قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال أصليت يا فلان ؟ قال : لا ، قال : قم فاركع ركعتين .
رواه البخاري ( 888 ) ومسلم ( 875 ) .
ومن استدل بمثل هذه الأحاديث على جواز الكلام مع المصلين ، وعدم وجوب الإنصات : فما أصاب .
قال ابن قدامة :
وما احتجوا به : فيحتمل أنه مختص بمن كلم الإمام , أو كلمه الإمام ; لأنه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته , ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم ” هل صلى ؟ ” فأجابه ، وسأل عمرُ عثمانَ حين دخل وهو يخطب , فأجابه , فتعين حمل أخبارهم على هذا , جمعاً بين الأخبار , وتوفيقا بينها , ولا يصح قياس غيره عليه ; لأن كلام الإمام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره , وإن قدر التعارض فالأخذ بحديثنا أولى ; لأنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصه , وذلك سكوته , والنص أقوى من السكوت .
” المغني ” ( 2 / 85 ) .
واختلف أهل العلم في ” تشميت العاطس ورد السلام ” .
قال الترمذي في ” سننه ” – عقب حديث أبي هريرة ” إذا قلت لصاحبك … ” – :
اختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس ، فرخص بعض أهل العلم في ردّ السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذلك ، وهو قول الشافعي .
انتهى
والأرجح : المنع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع الأمر بالإنصات لمن تكلم والإمام يخطب ، وهو أمر بمعروف واجب ، ونهي عن منكر ، فهذا أولى بالمنع ، والمنع هو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي وإحدى الروايتين عن أحمد .
وجاء في ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 242 ) :
لا يجوز تشميت العاطس ولا رد السلام والإمام يخطب على الصحيح من أقوال العلماء لأن كلاًّ منهما كلام وهو ممنوع والإمام يخطب لعموم الحديث .
وجاء فيها – أيضاً – ( 8 / 243 ) :
لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام من في المسجد ، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب .
وجاء فيها – أيضاً – ( 8 / 244 ) :
لا يجوز الكلام أثناء أداء الخطيب لخطبة الجمعة إلا لمن يكلم الخطيب لأمر عارض” اهـ .
وقال الشيخ ابن عثيمين :
السلام حال خطبة الجمعة حرام فلا يجوز للإنسان إذا دخل والإمام يخطب الجمعة أن يسلم ورده حرام أيضاً .
” فتاوى ابن عثيمين ” ( 16 / 100 ) .
قال الشيخ الألباني :
فإن قول القائل : ” أنصت ” ، لا يعد لغة من اللغو ، لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومع ذلك فقد سماه عليه الصلاة والسلام : لغواً لا يجوز ، وذلك من باب ترجيح الأهم ، وهو الإنصات لموعظة الخطيب ، على المهم ، وهو الأمر بالمعروف في أثناء الخطبة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما كان في مرتبة الأمر بالمعروف ، فحكمة حكم الأمر بالمعروف ، فكيف إذا كان دونه في الرتبة ، فلا شك أنه حينئذ بالمنع أولى وأحرى ، وهي من اللغو شرعاً .
” الأجوبة النافعة ” ( ص 45 ) .
والخلاصة : أن الأظهر في الأدلة هو عدم جواز الكلام مطلقاً أثناء الخطبة ، إلا ما استثناه الدليل من الكلام مع الخطيب ، أو الرد عليه ، أو ما دعت إليه الضرورة كإنقاذ أعمى من السقوط أو ما شابهه ، وأن الأظهر هو عدم جواز إلقاء السلام ولا ردِّه ولا تشميت العاطس ، وأن هذا هو الأليق بخطبة الجمعة ، ولو انشغل الناس بإلقاء السلام ورده أثناء الخطبة لأشغلوا بذلك الخطيب والناس ، فكان الأقرب هو المنع من ذلك كله ، وهو قول الحنفية .

والله أعلم

ما رأيكم بخطبة جمعة تستغرق مع صلاتها عشر دقائق؟!

ما رأيكم بخطبة جمعة تستغرق مع صلاتها عشر دقائق؟!

السؤال:

ما قولكم في إمام تأخذ منه خطبتي الجمعة مع صلاته 10 دقائق معدودة !! نعم 10 دقائق ! أتجزئ هذه الجمعة ؟ . جزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

مما لا شك فيه أن تقصير خطبة الجمعة علامة على فقه الخطيب ، حيث يستطيع جمع المعاني الكثيرة في كلمات يسيرة ، ولا يطيل فينسى الناس بآخر كلامه أوله ، وقد هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه الراتبة ، بل هو أمرُه ، وهو أكمل هدي ، كما كانت مواعظه قليلة ؛ ليُحفظ عنه يا يعظ به الناس ، فخطبة الجمعة قصيرة ، والمواعظ قليلة .

قَالَ أَبُو وَائِلٍ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ – أي : ابن ياسر – فَأَوْجَزَ ، وَأَبْلَغَ ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ – أي : أطلتَ – ، فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْراً ) .

رواه مسلم ( 869 ) .

وقد تتابعت كلمات العلماء على توكيد هذا الأمر ، وتثبيته :

  1. قال ابن عبد البر – رحمه الله – :

وأما قصر الخطبة : فسنَّة مسنونة ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك ، ويفعله ، وفي حديث عمار بن ياسر ” أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصر الخطبة ” ، وكان يخطب بكلمات طيبات ، قليلات ، وقد كره التشدق ، والتفيهق .

وأهل العلم يكرهون من المواعظ ما ينسي بعضه بعضاً لطوله ، ويستحبون من ذلك ما وقف عليه السامع الموعوظ فاعتبره بعد حفظه له ، وذلك لا يكون إلا مع القلة . ” الاستذكار ” ( 2 / 363 ، 364 ) .

  1. وقال ابن حزم – رحمه الله – :

ولا تجوز إطالة الخطبة  .

” المحلى ” ( 5 / 60 ) .

  1. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

فالأولى أن يقصر الخطبة ؛ لأن في تقصير الخطبة فائدتين :

  1. ألا يحصل الملل للمستمعين ؛ لأن الخطبة إذا طالت – لا سيما إن كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابراً لا يحرك القلوب ، ولا يبعث الهمم – : فإن الناس يملُّون ، ويتعبون .
  2. 2. أن ذلك أوعى للسامع ، أي : أحفظ للسامع ؛ لأنها إذا طالت : أضاع آخرها أولها ، وإذا قصرت : أمكن وعيها ، وحفظها ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ) ، أي : علامة ، ودليل ، على فقهه ، وأنه يراعي أحوال الناس ، وأحياناً تستدعي الحال التطويل ، فإذا أطال الإنسان أحياناً لاقتضاء الحال ذلك : فإن هذا لا يخرجه عن كونه فقيهاً ؛ وذلك لأن الطول والقصر أمر نسبي ، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخطب أحياناً بسورة ” ق ” ، وسورة ” ق ” مع الترتيل ، والوقوف على كل آية : تستغرق وقتاً طويلاً . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 5 / 65 ) .

ثانياً:

وهذا التقصير للخطبة لا ينبغي أن يكون ماحقاً ، فلا يستفيد الناس من الخطبة شيئاً ، فهم لم يقطعوا المسافات ، ولم يخرجوا من بيوتهم لأجل رؤية الخطيب ، ولا لسماع نبرة صوته ، بل جاءوا لتحصيل الفائدة ، بموعظة ، أو حكم شرعي ، وما يشبه ذلك .

قال النووي – رحمه الله – :

أي : بين الطول الظاهر ، والتخفيف الماحق . ” شرح مسلم ( 6 / 159 ) .

وقال – أيضاً – :

يستحب تقصير الخطبة ؛ للحديث المذكور ، وحتى لا يملوها ، قال أصحابنا : ” ويكون قصرها معتدلاً ، ولا يبالغ بحيث يمحقها . ” المجموع ” ( 4 / 358 ) .

ثالثاً:

إلا أننا لا نستطيع القول بأن الخطبة القصيرة جدّاً غير مجزئة ، وأكثر أهل العلم على أن الخطبة إذا جيء بأركانها أجزأت ، وقد اختلفوا في تحديد تلك الأركان اختلافاً كثيراً ، والصحيح : أنه ليس ثمة ما يسمَّى أركاناً للخطبة ، وأنه كل ما يُطلق عليه خطبة ، ولو بكلمات يسيرات : أنه مجزئ ، تصح الخطبة به .

وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ، والشيخ ابن سعدي ، وقد ذكرنا قوليهما في جواب سابق ، وفي الجواب المحال عليه تقوية الشيخ العثيمين رحمه الله لهذا القول ، لكنه رحمه الله نبَّه على عدم العمل به ، فلينظر كلامه هناك .

رابعاً:

وهذا الخطيب الذي تستغرق منه الخطبة مع الصلاة عشر دقائق : ليس بفقيه ، بل هو جاهل ؛ لأن الفقه هو في تقصير الخطبة ، وإطالة الصلاة ، وليس في محقهما!.

ولنقرأ لخطيب المسجد الحرام الشيخ سعود الشريم في تقدير خطبة الجمعة ، والصلاة ، بالتوقيت الزمني التقريبي .

قال الشيخ سعود الشريم – حفظه الله – :

ولأجل أن نصل إلى تحديد تقريبي من حيث فهم معنى طول الصلاة وقصر الخطبة بالتوقيت العصري : فأقول وبالله التوفيق  :

إنك لو قرأتَ في صلاة الفجر – مثلاً – بـ ” الجمعة ” و ” المنافقين ” قراءة متأنية : لأخذت الصلاة منك ما لا يقل عن عشر دقائق ، إن لم تصل إلى خمس عشرة دقيقة ، وقد جربتُ ذلك فوجدته كذلك ، وهذا كله إذا قرأت حدراً ، مع ركوع الصلاة ، وسجودها ؛ فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ينفذ أمر ربِّه ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) المزمل/ 4 ، وكان يطيل الركوع ، والرفع منه ، والسجود ، والجلوس بين السجدتين ، ويقول راوي الحديث : ” حتى يقول القائل إنه نسي ” ، ففي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه : ” كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وسجوده وما بين السجدتين قريباً من السواء ”  . ” الشامل في فقه الخطيب والخطبة ” ( ص 154 ).

 

والله أعلم.

هل المسافر الذي يصل إلى البلد عليه جمعة – صلاة

هل على المسافر الذي يصل إلى وجهته صلاة جمعة ؟
سمعت فتوى وأريد أن أتأكد منها أن من كان مسافراً ووصل إلى وجهته المقصودة أنه ليس عليه جمعة ، ويجوز أن يجمع الصلوات حتى لو مكث في المدينة التي سافر إليها أكثر من شهر – سنة وأكثر – ما دام في نيته الرجوع إلى مدينته أو بلده طوال تلك الفترة ؟ .

الجواب

الحمد لله

يرى جمهور العلماء أن من شروط الجمعة : الاستيطان ، لذا لم تجب على المسافر ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” ليس على مسافر جمعة ” – وانظر تخريج الحديث وشواهده في ” إرواء الغليل ” ( 3 / 55 – 61 ) – ، وخالف الظاهرية فقالوا بوجوب الجمعة على المسافر ، وقال الزهري والنخعي : إذا سمع النداء لزمته ، وهو القول الثالث في المسألة ، والراجح : عدم الفرق بين المسافر النازل والمسافر السائر لعموم الحديث .
قال ابن قدامة :
وأما المسافر : فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه كذلك ، قاله مالك في أهل المدينة ، والثوري في أهل العراق ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وروي ذلك عن عطاء ، وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي .
وحكي عن الزهري والنخعي : أنها تجب عليه ؛ لأن الجماعة تجب عليه ، فالجمعة أولى .
قال ابن قدامة :
ولنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره ، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم الجمعة ، فصلى الظهر و العصر ، وجمع بينهما ، ولم يصلِّ جمعة ، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كانوا يسافرون للحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره ، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم .
وقد قال إبراهيم : كانوا يقيمون بالريَّ السنَة وأكثر من ذلك ، وبسجستان السنين لا يُجَمِّعون ولا يُشَرَّقون ، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال : أقمت معه سنتين بكابُل ، يقصُر الصلاة ولا يُجَمِّع ، رواها سعيد ، وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يُجَمِّع ، ذكره ابن المنذر ، وهذا إجماع مع السنَّة الثابتة فيه ، فلا يسوغ مخالفته .
” المغني ” ( 2 / 94 ، 95 ) .
وقال علماء اللجنة الدائمة :
الاستيطان شرط في صحة إقامة صلاة الجمعة عند عامة أهل العلم ، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ لا يعول عليه ، فعليكم أن تعيدوها ظهراً ، وأن تبلغوا الجماعة الذين صليتم بهم أن يعيدوها ظهراً مع التوبة والاستغفار من الإقدام على عمل ليس لديكم فيه علم يعتمد عليه .
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .
” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 8 / 222 ، 223 ) .
وقد قال بعض أهل العلم بوجوب حضور الجمعة على المسافر إن وُجد في بلد فيها من تجب عليهم الجمعة ، وكان قد سمع النداء ، وهو القول الثالث ، وهو قول الزهري والنخعي .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
أما المسافر في بلد تقام فيه الجمعة ، كما لو مر إنسان في السفر ببلد ودخل فيه ليقيل ، ويستمر في سيره بعد الظهر : فإنها تلزمه الجمعة لعموم قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } [ الجمعة / 9 ] ، وهذا عام ، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة ، بل إن ظاهر السنَّة أنهم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم .
” الشرح الممتع ” ( 5 / 14 ، 15 ) .
فما سمعتَه صحيح وهو قول جمهور أهل العلم ، وهو الراجح ، من عدم وجوب الجمعة على المسافر ولو طال سفره واستقر ما لم يستوطن .

والله أعلم

هل ثبت في السنَّة صلاةٌ في آخر جمعة من رمضان تكفِّر إثم من فاتته صلوات مفروضة؟

 

هل ثبت في السنَّة صلاةٌ في آخر جمعة من رمضان تكفِّر إثم من فاتته صلوات مفروضة؟

السؤال:

أريد من سيادتكم أن توضحوا لي : ما صحة هذا الحديث الذي ورد في فضل الصلاة في آخر جمعة من شهر رمضان ، حيث ورد فيه ( من فاته صلاة في حياته عليه أن يصلى 4 ركعات بتشهد واحد وأن يقرأ فاتحة الكتاب وسور الكوثر والقدر 15 مرة في كل ركعة ) ! على أن تكون نيته كفارة لما فاته من صلوات ، وعن فضله : أنها مكفرة لـ 400 سنة ! وقال الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه : إنها مكفرة لـ 1000 سنة ! . هذا والله تعالى أعلى وأعلم .

من فضلكم أفيدوني وبارك الله فيكم .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

من ترك صلاة مفروضة حتى خرج وقتها فلا يخلو إما أن يكون تركها لعذر كنوم أو نسيان ، أو يكون تركها لغير عذر ، فمن تركها لعذر لم يكن آثماً ويجب عليه أن يصليها متى استيقظ أو تذكَّر ، ومن تركها عامداً فهو آثم إثماً عظيماً وليس له أن يقضي تلك الصلاة، وإنما عليه التوبة والاستغفار والندم والإكثار من العمل الصالح.

ثانياً:

وما يروى في أنه ثمة صلاة يصليها من ترك صلاة متعمِّداً حتى خرج وقتها لتكون كفارة لفعله : فهو كذب على الشرع ، وإليك طائفة من أقوال العلماء في تلك الصلاة :

  1. قال الشوكاني – رحمه الله – :

حديث ( من صلى في آخر جمعة من رمضان الخمس الصلوات المفروضة في اليوم والليلة قضت عنه ما أخل به من صلاة سنَته ) : هذا موضوع لا إشكال فيه، ولم أجده في شيء من الكتب التي جمع مصنفوها فيها الأحاديث الموضوعة ، ولكنه اشتهر عند جماعة من المتفقهة بمدينة ” صنعاء ” في عصرنا هذا ، وصار كثير منهم يفعلون ذلك ! ولا أدري مَن وضعه لهم ، فقبَّح الله الكذابين .

” الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ” ( ص 54 ) .

  1. وقال علماء اللجنة الدائمة :

الصلاة عبادة ، والأصل فيها : التوقيف ، وطلب قضائها وبيانه : تشريع ، وذلك لا يصح أن يرجع فيه إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع المستند إليهما ، أو إلى أحدهما ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم ، ولا عن أئمة الهدى رحمهم الله : أنهم صلوا هذه الصلاة أو أمروا بها وحثوا عليها ، أو رغبوا فيها ، ولو كانت ثابتة لعرفها أصحابه رضي الله عنهم ، ونقلوها إلينا ، وأرشد إليها أئمة الهدى من بعدهم ، لكن لم يثبت ذلك عن أحد منهم قولاً أو فعلاً ؛ فدل ذلك على أن ما ذكر في السؤال من صلاة ” القضاء العمري ” : بدعة في الشرع لم يأذن به الله ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) – متفق عليه – ، وإنما الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضى من الصلوات ما فات الإنسان لنوم أو نسيان حتى خرج وقته ، وبيَّن لنا أن نصليها نفسها إذا استيقظنا أو تذكرناها ، لا في آخر جمعة من رمضان .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان  ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 167 ، 168 ) .

  1. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

هناك جماعة من الناس عندهم عادة في رمضان وهي صلاتهم الفروض الخمسة بعد صلاة آخر جمعة ويقولون : إنهاء قضاء عن أي فرض من هذه الفروض لم يصله الإنسان أو نسيه في رمضان ، فما حكم هذه الصلاة ؟ .

فأجاب :

الحكم في هذه الصلاة : أنها من البدع ، وليس لها أصل في الشريعة الإسلامية ، وهي لا تزيد الإنسان من ربه إلا بُعداً ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( كل بدعة ضلالة  وكل ضلالة في النار ) – رواه مسلم ولفظة ( وكل ضلالة في النار ) رواها النسائي بسند صحيح – فالبدع وإن استحسنها مبتدعوها ورأوها حسنة في نفوسهم : فإنها سيئة عند الله عز وجل ؛ لأن نبيه صلى الله عليه وسلم يقول ( كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) وهذه الصلوات الخمس التي يقضيها الإنسان في آخر جمعة من رمضان : لا أصل لها في الشرع ، ثم إننا نقول : هل لم يخلَّ هذا الإنسان إلا في خمس صلوات فقط ؟! ربما أنه أخل في عدة أيام لا في عدة صلوات .

والمهم : أن الإنسان ما علم أنه مخلٌّ فيه : فعليه قضاؤه متى علم ذلك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) – متفق عليه – وأما أن الإنسان يفعل هذه الصلوات الخمس احتياطاً – كما يزعمون – : فإن هذا منكر ولا يجوز . ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 12 / 227 ، 228 ) .

  1. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

قرأتُ حديثاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه ( من فاتته صلاة في عُمُره ولم يحصها فليقم في آخر جمعة من رمضان وليصل أربع ركعات بتشهد واحد ، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ، وسورة القدر خمس عشرة مرة ، وسورة الكوثر كذلك ، ويقول في النية : نويت أصلي أربع ركعات كفارة لما فاتتني من الصلاة” ) ! فما مدى صحة هذا الحديث ؟ .

فأجاب :

هذا لا أصل له في سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) – متفق عليه – الصلوات التي تركتها فيما سبق : إذا كنت تركتها لأجل نوم – مثلًا – أو إغماء أو لعذر ظننت أنه يجيز لك تأخيرها : فالواجب عليك أن تقضيها ، وأن تصليها مرتبة ، فإذا كنت تركتها متعمِّداً : فالصحيح من قولي العلماء : أنه عليك التوبة إلى الله ؛ لأن من ترك الصلاة متعمداً : فأمره خطير ، حتى ولو لم يجحد وجوبها ، فإن الصحيح أنه يكفر بذلك ، فعليك أن تتوب إلى الله إن كنت تركتها متعمداً ، وأن تحافظ على الصلاة في مستقبلك ، والله يتوب على من تاب .

أما إن كنت تركتها من نوم أو إغماء ، أو غير ذلك مما حال بينك وبين أدائها في وقتها : فإنك تقضيها ولا بدَّ ، أما أن تصلي هذه الصلاة التي ذكرتها في آخر رمضان على هذه الصفة : هذا لا أصل له من دين الإسلام ، ولا يكفر عنك الصلوات التي تركتها . ” مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 1 / 303 ، 304 ) .

 

والله أعلم.

هل وجود بدع في مسجده يمنعه من التبكير في الذهاب لصلاة الجمعة؟

هل وجود بدع في مسجده يمنعه من التبكير في الذهاب لصلاة الجمعة؟

السؤال:

توجد عندنا في المغرب بدعة ” قراءة القرآن جماعة بنغمة واحدة ” في يوم الجمعة ، وذلك بين الأذان الأول والثاني .

سؤالي هو :

إذا بكَّرت إلى الجمعة مع وجود هذه البدعة ، ولا أستطيع إنكارها ، فهل أنا آثم بذلك ؟ أم يجب عليَّ ألا أذهب حتى الأذان الثاني عندما ينتهون من القراءة ؟ .

أفيدوني ، جزاكم الله خيراً عن المسلمين خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

سبق في جواب آخر حكم قراءة القرآن جماعة بصوت واحد ، وبينَّا هناك أنه غير مشروع ، وأن أقل أحواله الكراهة .

ثانياً:

ولا نرى لك – أخانا الفاضل – التخلف عن التبكير للجمعة من أجل ما في المسجد من بدعة ، فلا تفوِّت على نفسك الأجور العظيمة المترتبة على تبكيرك لصلاة الجمعة من أجل فعلهم ، وإنك إذا انشغلت بقراءة القرآن ، والتسبيح والاستغفار ، وتأملت ما أنت فيه من عبادة : كان وجود أولئك القوم كعدمهم ، فلا تفوِّت على نفسك أجر الساعة الأولى إن استطعت .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ) . رواه البخاري ( 841 ) ومسلم ( 850 ) .

وثمة خلاف في تحديد بداية الساعة الأولى ، والأظهر أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس .

ثالثاً:

وإن تيسر لك الذهاب إلى مسجد آخر ليس فيه تلك البدعة : فهو أفضل ، ولا شك ، بل قد يكون واجباً ، وخاصة إن كنتَ عاجزاً عن إنكارها ، وأنت لا تأثم إن كان هذا هو حالك ، ولكن لا تترك المسجد الذي تقام فيه البدعة فتصلي في بيتك ! فهذا ليس من منهج السلف ولا من فعلهم ، وفي كون الإمام نفسه مبتدعاً يقولون ” صلِّ وعليه بدعته ” ، فكيف أن تترك الصلاة في مسجد فيه بدعة ؟! وقد فشت البدع في كثيرٍ من مساجد المسلمين ، وإن أهل البدع ليفرحون لو ترك أهل السنَّة لهم المساجد ليعيثوا فيها فساداً ، وما يفتي به أهل السنَّة من هجران المساجد التي تقام فيها البدعة فإنما يريدون به تركها للصلاة في غيرها من مساجد تخلو من بدع ومخالفات للشرع .

* وهكذا ينبغي فهم الفتاوى والأفعال الصادرة من علماء السلف وأئمتهم ، ومن أمثلة ذلك :

  1. 1. عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَثَوَّبَ رَجُلٌ فِى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ قَالَ اخْرُجْ بِنَا فَإِنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ. رواه أبو داود ( 538 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
  2. سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

مسجد تقام فيه بدعة في كل أسبوع ، هل تجوز الصلاة فيه ؟ وإذا أوقفت هذه البدعة هل تجوز الصلاة فيه ؟ .

فأجاب :

أنت لم تذكر نوع هذه البدعة ، ولكن على أي حال : البدع محرمة ، ولا سيما عملها في المساجد التي هي بيوت الله سبحانه وتعالى ، ومواطن العبادة لا يجوز أن تقام فيها البدع ؛ لأن البدع ضد الشريعة ، وضد العبادة ، وهي من عمل الشياطين ، وأتباع الشياطين ، فلا يجوز أن تُعمل البدعة من المسلمين مطلقًا في أي مكان ، ولا سيما في المساجد .

وهذا المسجد الذي تقام فيه بدع : إذا كان بإمكانك أن تزيلها إذا حضرت ، وأن تمنعها : فإنه يجب عليك ذلك ، أن تذهب إلى هذا المسجد ، وتمنع البدع ، وتصلِّي فيه ، تقيم الصلاة فيه ، وتعمره بطاعة الله سبحانه وتعالى ، وبإحياء السنَّة ، وإماتة البدعة .

أمّا إذا كنت لا تقدر على إزالة هذه البدع والمنكرات من المسجد : فعليك أن تلتمس مسجداً آخر ليس فيه شيء من البدع ، وتصلي فيه .

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( السؤال رقم 158 ) .

رابعاً:

ولا تنس واجب النصح عليك تجاههم ، فهم أحوج ما يكونوا إليه ، فتحرَّ العاقل منهم ، وتلطف معه في الإنكار والتبيين ، والإنكار للبدع والمنكرات ليس هو تغييرها ، ولا يقتضي الإنكار التغيير ، فإن قدرت على الإنكار بقولك فلا تقصِّر في ذلك ، ولست مكلَّفاً باستجابتهم ، وقد زالت بدع كثيرة من مساجد المسلمين بفضل الله تعالى ، من خلال ما يسره الله لهم من دعاة عقلاء حكماء ، وكلما زاد العلم : قلَّت البدع ، حتى تندحر ، وتندثر ، ولا تظهر البدع إلا في قوم زهدوا في العلم ، ورضوا بالجهل سبيلا لهم وطريقاً .

– وقد بينا في أجوبة أخرى الطريقة المثلى لدعوة تارك الصلاة والتعامل مع المبتدع .

 

والله أعلم.

هل يرفع المصلِّي يديه في كل خفض ورفع في الصلاة؟

هل يرفع المصلِّي يديه في كل خفض ورفع في الصلاة؟

سؤال عن الإمام الألباني رحمه الله:

لدي كتاب ” مختصر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ، قرأت أشياء غريبة كرفع اليدين مع التكبير عند السجود ، رأيت بعض الأدلة التي ذكرها وقال لي بعض الناس : إن بعض العلماء اتصلوا به وقالوا له بأنه أخطأ وأن هناك تفسيراً خاطئاً للحديث ، هل هذا صحيح ؟ وإذا كان صحيحاً فلماذا لم يصحح العلماء الذين كانوا في حلقته الكتاب في طبعة جديدة ؟ . جزاكم الله خيراً والسلام عليكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

لا نعلم عن تخطئة العلماء للشيخ الألباني شيئاً ، وما ذكره الشيخ في كتابه ” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ليس شيئاً تفرد به ، بل جاء بما يسنده من أحاديث ، وقد نقل أسماء مَن قال به مِن أهل العلم .

والشيخ الألباني –  رحمه الله  – يثبت أن السنَّة الغالبة هي عدم الرفع إلا في مواضع أربعة : تكبيرة الإحرام ، وعند الركوع ، وبعد الرفع منه ، وعند القيام للثالثة ، وقد ثبتت عنده أحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم رفع في غيرها إما عامة  – في كل خفض ورفع – ، وإما خاصة –  عند السجود أو عند الجلوس منه  – فقال بمقتضى هذه الأحاديث وجعل ذلك ” أحياناً ” من فعله صلى الله عليه وسلم لا من هديه المستمر ، وقد ذكر من قال بهذا من أهل العلم المتقدمين ، ولا حرج عليه في ذلك .

وأما من خالفه من أهل العلم فلهم أيضاً وجه ، وذلك بتقديمهم الروايات الصحيحة الثابتة على غيرها مما خالفها إما لضعف إسنادها وإما لشذوذ متنها وإما لوهم –  ظنوه –  في راوي الحديث ، ولا حرج عليهم في ذلك ، وكلهم تكلم بعلم ، وكلهم يبحث عن الصواب من هديه صلى الله عليه وسلم ، فمن أصاب فله أجران ، ومن أخطأ فله أجر واحد .

وكما هو ملاحظ فإن الاختلاف هو في شيء يسير وهو هل يشرع رفع اليدين أحياناً في كل خفض ورفع ، فالشيخ الألباني يقول : نعم يُشرع ، وغيره يقول : لا يشرع إلا في المواطن الأربعة .

 

 

ثانياً :

– المواطن الأربعة التي ترفع فيها اليدين في الصلاة :

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً ، وقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، وكان لا يفعل ذلك في السجود .

رواه البخاري ( 702 ) ومسلم ( 390 ) .

ولفظ مسلم : ” ولا يرفعهما بين السجدتين ” ولفظ آخر : ” ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود ” .

قال الحافظ ابن حجر :

قوله : ” ولا يفعل ذلك في السجود ” أي : لا في الهوى إليه ، ولا في الرفع منه ، كما في رواية شعيب في الباب الذي بعده حيث قال ” حين يسجد ولا حين يرفع رأسه ” ، وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية والرابعة والتشهدين , ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضا لكن بدون تشهد لكونه غير واجب وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة , لكن قد روى يحيى القطان عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا هذا الحديث وفيه ” ولا يرفع بعد ذلك ” أخرجه الدارقطني في ” الغرائب ” بإسناد حسن ، وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة , وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع بعد بباب .” فتح الباري ” ( 2 / 221 ) .

– والموضع الرابع هو القيام من التشهد الأول إلى الثالثة –  وسيأتي دليله – .

ثالثاً :

قول الشيخ الألباني وأدلته :

– رفع اليدين قبل الهوي إلى السجود.

قال الشيخ الألباني :

وكان –  أي النبي صلى الله عليه وسلم  – أحياناً –  يرفع يديه إذا سجد ” .

رواه النسائي الدارقطني والمخلص في ” الفوائد ” ( 1 / 2 / 2 ) بسندين صحيحين .

وقد روي هذا الرفع عن عشرة من الصحابة ، وذهب إلى مشروعيته جماعة من السلف منهم : ابن عمر وابن عباس والحسن البصري وطاووس وابنه عبد الله ونافع مولى ابن عمر وسالم ابنه والقاسم بن محمد وعبد الله بن دينار وعطاء ، وقال عبد الرحمن بن مهدي ” هذا من السنَّة ” ، وعمل به إمام السنَّة أحمد بن حنبل ، وهو قولٌ عن مالك والشافعي .” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ( ص 140 ) .

– رفع اليدين من القيام من السجود .

قال الشيخ الألباني :

وكان –  أي: النبي صلى الله عليه وسلم –  يرفع يديه مع هذا التكبير –  أحياناً -.

– رواه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح ، وبالرفع ههنا وعند كل تكبيرة قال أحمد ، ففي ” البدائع ” لابن القيم ( 4 / 89 ) :

ونقل عنه الأثرم ( الأصل : ابن الأثرم ) وقد سئل عن رفع اليدين ، فقال : في كل خفض ورفع ، قال الأثرم : ورأيتُ أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع ” .

وبه قال ابن المنذر وأبو علي من الشافعية ، وهو قولٌ عن مالك والشافعي كما في ” طرح التثريب ” ، وصحَّ الرفع هنا عن أنس وابن عمر ونافع وطاووس والحسن البصري وابن سيرين وأيوب السختياني كما في ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 1 / 106 ) بأسانيد صحيحة عنهم .” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ( ص 151 ) .

– رفع اليدين قبل السجدة الثانية .

قال الشيخ الألباني :

وكان –  أي: النبي صلى الله عليه وسلم –  يرفع يديه مع هذا التكبير – أحياناً -.

رواه أبو عوانة وأبو داود بسندين صحيحين ، وقد قال بهذا الرفع أحمد ، ومالك والشافعي في رواية عنهما .” صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ” ( ص 154 ) .

رابعاً :

وللمخالفين رأيهم كذلك :

1- قال ابن حبان :

هذا خبر إسناده مقلوب ، متنه منكر ، ما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في كل خفض ورفع قط ، وأخبار الزهري عن سالم عن أبيه تصرح بضدِّه أنه لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين .” المجروحين ” ( 1 / 304 ) .

2-  قال ابن القيم : ثم  كان –  أي : النبي صلى الله عليه وسلم –  يكبِّر ويخرُّ ساجداً ، ولا يرفع يديه ، وقد روي عنه أنه كان ، يرفعهما أيضاً ، وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم – رحمه الله – وهو وهم ، فلا يصح ذلك عنه البتة ، والذي غرَّه أن الراوي غلط من قوله ” كان يكبِّر في كلِّ خفضٍ ورفع ” إلى قوله ” كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع ” ، وهو ثقة ، ولم يفطن لسبب غلط الراوي ، ووهمه  فصححه . زاد المعاد ” ( 1 / 222 ، 223 ) .

3-  قال الشيخ ابن عثيمين :

رفع اليدين عند السجود ليس بسنَّة ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما  – وهو من أشدِّ الناس حرصاً على السنة ، وأضبط الناس لها  – أنه ذكر ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا كبَّر للإحرام ، وإذا كبَّر للركوع ، وإذا رفع من الركوع ، وكان لا يفعل ذلك في السجود ، ولا إذا قام من السجود ” ، والرجل قد ضبط وفصَّل وبيَّن … .” الشرح الممتع ” ( 3 / 149 ، 150 ) .

وأخيراً :

الأقوال التي ذكرها الشيخ الألباني اعتمد فيها على أحاديث صحيحة ، وقد ذكر تحت كل رفع من قال به من أهل العلم ، ولا يعدو ما أنكره المخالفون من أهل العلم أن يكون تضعيفاً لحديث أو توهيماً لراوي دون التعرض لمجمل الأحاديث الأخرى .

 

والله أعلم.

 

حُكم الصلاة في القطار والطائرة.

الصلاة في القطار والطائرة

هذا السؤال يتعلق بالصلاة في القطار :

سمعت هنا ( في ألمانيا ) من إحدى الأخوات بأنه إذا خرجت من البيت – على وضوء طبعاً – في القطار للتسوق أو النزهة وجاء وقت إحدى الصلوات فعلينا أن نصليها في القطار مع العلم بأن القطار غير طاهر لأنهم يشربون كل أنواع الخمور والمسكرات وأحياناً تسكب على أرضية القطار ، ناهيك عن وجود الكلاب – أكرمنا الله وإياكم – ، وأيضاً القطار غير متجه إلى القبلة دائماً ، أما في حالة السفر من مدينة إلى أخرى أحياناً نخرج من البيت قبل الفجر فهل يجوز أن نصلى الفجر أو غيره من الصلوات المفروضة في القطار بنفس المواصفات السابقة الذكر أم لا نرجو الإفادة ؟ آسفة على الإطالة عليكم ولكن الموضوع مهم جدّاً فأرجو الإفادة أفادكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمسافر صلاة النفل على الراحلة حيثما توجهت به ، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ” رواه البخاري ( 1051 ) ومسلم ( 700 ) .

والتطوع الجائز على الراحلة يشمل النوافل المطلقة والسنن الرواتب والوتر .

والأصل أن صلاة الفريضة على الراحلة لا تجوز إلا لعذر , فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة ” رواه البخاري ( 391 ) .

قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر.

ويجوز أداء صلاة الفريضة للراكب في القطار أو الطائرة أو السفينة أو غيرها من المركوبات إذا أمكن المصلي أن يأتي بجميع أركان الصلاة وشروطها ، فإن لم يتمكن من الإتيان بشروطها وأركانها : فإنه لا يصلي حتى ينزل إلا إذا خشي خروج الوقت ، فإنه يصلي حسب حاله ، إلا إذا كانت الصلاة تجمع إلى ما بعدها فإنه يؤخر الصلاة إلى وقت الأخرى ، ولا يُعذر بأداء الظهر – مثلاً – في القطار مع عدم القيام بشروطها وأركانها مع إمكانية أدائها مع العصر وهو نازل .

سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

ما حكم من أدركته صلاة الفريضة وهو في الطائرة ؟ .

فأجاب :

إن كانت الطائرة تهبط في المطار قبل خروج الوقت : فإنه يؤخرها ويصليها إذا نزل ولو في آخر وقتها ، وإذا كانت لا تهبط إلا بعد خروج الوقت : فإن كانت الصلاة تجمع مع ما بعدها : فإنه يؤخرها ويجمعها مع ما بعدها إذا نزل ، وإن كانت لا تجمع مع ما بعدها كصلاة الفجر : فإنه يصليها في الطائرة بحسب حاله .

” مجلة الدعوة ” ( العدد / 1659 ) .

ويجب على مصلي المكتوبة راكباً لعذر أن يأتي بما يقدر عليه من الشروط والأركان والواجبات ، وما لا يقدر عليه فلا يكلف به ، ومن ذلك استقبال القبلة والقيام فإنهما لا يسقطان إلا عند العجز وعدم القدرة ؛ لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة / 286 ]؛ ولقوله سبحانه: { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن / 16] .

ومن جازت له الصلاة على الراحلة – ومنه القطار والطائرة – فإنه يومئ في صلاته بالركوع والسجود , ويجعل سجوده أخفض من ركوعه , قال جابر : ” بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق , والسجود أخفض من الركوع ” رواه الترمذي ( 351 ) وأبو داود ( 1227 ) ، وروى البخاري ( 955 ) : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ” .

قال علماء اللجنة الدائمة :

إذا كان راكب السيارة أو القطار أو الطائرة أو ذوات الأربع يخشى على نفسه لو نزل لأداء الفرض ، ويعلم أنه لو أخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يصلي فيه فات وقتها : فإنه يصلي على قدر استطاعته ؛ لعموم قوله تعالى‏ : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها }‏ ‏‏[‏ سورة البقرة / الآية 286‏ ] ‏، وقوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } ‏[‏ سورة التغابن / الآية 16‏ ] ‏، وقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ‏[ ‏سورة الحج / الآية 78 ‏] ‏‏.‏

وأما كونه يصلي أين توجهت المذكورات أم لا بدَّ من التوجه إلى القبلة دوماً واستمراراً أو ابتداءً فقط : فهذا يرجع إلى تمكنه ، فإذا كان يمكنه استقبال القبلة في جميع الصلاة وجب فعل ذلك ؛ لأنه شرط في صحة صلاة الفريضة في السفر والحضر ، وإذا كان لا يمكنه في جميعها : فليتق الله ما استطاع ، لما سبق من الأدلة ، هذا كله في الفرض‏ .‏

أما صلاة النافلة فأمرها أوسع ، فيجوز للمسلم أن يصلي على هذه المذكورات حيثما توجهت به ، ولو استطاع النزول في بعض الأوقات ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفل على راحلته حيث كان وجهه ، لكن الأفضل أن يستقبل القبلة عند الإحرام حيث أمكنه في صلاة النافلة حين سيره في السفر ‏.

‏الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 8 / 123 ، 124 ) .

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز –  رحمه الله – :

الواجب على المسلم في الطائرة إذا حضرت الصلاة أن يصليها حسب الطاقة : فإن استطاع أن يصليها قائماً ويركع ويسجد فعل ذلك ، وإن لم يستطع صلَّى جالساً وأومأ بالركوع والسجود ، فإن وجد مكاناً في الطائرة يستطيع فيه القيام والسجود في الأرض بدلا من الإيماء وجب عليه ذلك لقول الله سبحانه : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن / 16 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنهما – وكان مريضاً – : ” صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ”  رواه البخاري في الصحيح ، ورواه النسائي بإسناد صحيح وزاد : ” فإن لم تستطع فمستلقياً ” .

والأفضل له أن يصلي في أول الوقت ، فإن أخرها إلى آخر الوقت ليصليها في الأرض فلا بأس ، لعموم الأدلة .

وحكم السيارة والقطار والسفينة حكم الطائرة ، والله ولي التوفيق .

” مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 100 ) .

ثانياً : والواجب على المصلي أن يحتاط في مكان صلاته ، ويجب عليه أن يصلي في مكانٍ نظيف طاهر ، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن نجاسة الخمر حسيَّة ، وعليه : فيجب تطهير المكان إذا اتخذ للصلاة من الخمر ، ومن يرى عدم نجاسة الخمر فإنه لا يرى نجاسة المكان ولا يعني هذا أنه لا ينظف إن تيسر له ذلك ، وفي الحالين لا يجوز أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها بسبب عدم طهارة المكان ، فهو معذور بصلاته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

قال تعالى : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [ البقرة / من الآية125 ] .

وفي الصحيحين : عندما بال الأعرابيُّ في المسجد : أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بذَنُوبٍ من ماء فأُهـريق عليه .

والله أعلم.

حكم جلسة الاستراحة بعد السجدة الثانية

حكم جلسة الاستراحة بعد السجدة الثانية

السؤال:

ما حكم جلسة ” الاستراحة ” بعد السجدة الثانية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

جلسة الاستراحة سنة من سنن الصلاة، وتكون بعد السجدة الثانية من وتر الصلاة – أي : الركعة الأولى والثالثة -.

ونضيف هنا فائدتين:

أ. قال النووي :

واعلم أنه ينبغي لكل أحد أن يواظب على هذه الجلسة لصحة الأحاديث  فيها وعدم المعارض الصحيح لها , ولا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها , فقد قال الله تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } , وقال تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه } قال أصحابنا : وسواء قام من الجلسة أو من السجدة يسن أن يقوم معتمدا بيديه على الأرض , وكذا إذا قام من التشهد الأول يعتمد بيديه على الأرض , سواء في هذا القوي والضعيف , والرجل والمرأة , ونص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب لحديث مالك بن الحويرث , وليس له معارض صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم . ” المجموع ” ( 3 / 420 ، 421 ) .

ب. قال الحافظ ابن حجر :

تنبيه : أنكر الطحاوي أن تكون جلسة الاستراحة في حديث أبي حميد , وهي كما تراها فيه , وأنكر النووي : أن تكون في حديث المسيء صلاته , وهي في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته عند البخاري في كتاب الاستئذان .

” التلخيص الحبير ” ( 1 / 466 ، 467 ) .

قلت :

– حديث الاستئذان هو في البخاري ( 5897 ) .

– وحديث أبي حميد رواه الترمذي ( 304 ) وأبو داود ( 730 ) وابن ماجه ( 1061 ) ، وأصله في البخاري ( 794 ) .

– وصحَّحه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 249 ) .

 

والله أعلم.

مصاب بالقولون ولا يستطيع التخلص من الأخبثين قبل الصلاة

مصاب بالقولون ولا يستطيع التخلص من الأخبثين قبل الصلاة

السؤال:

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

المصاب بالقولون حتى ولو دافع الأخبثين ثم تخلص منهما فإنه سوف يعاوده ويعتبر هو قبل أن يصلي مدافعاً للأخبثين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما ذكرناه سابقا عن أهل العلم إنما هو لغير المصاب بمرض يبقى معه مدافعاً للأخبثين أو أحدهما ، بل كان للمصلي الذي يستطيع التخلص من الأخبثين أو من أحدهما بقضاء حاجته قبل الصلاة .

أما من كان مصاباً بمرض لا يستطيع معه أن يدخل في الصلاة إلا وهو يدافعه الأخبثان : فهذا له شأن آخر ، وهو قوله سبحانه وتعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ” وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ”  – رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 ) -، ومن القاعدة المعروفة ” لا تكليف مع عجز “.

 

وعليه : فإذا كان يمكنك الدخول في الصلاة من غير مدافعة الأخبثين فافعل –  وذلك كمثل قضاء حاجتك قبل الصلاة مباشرة –  وإلا فلا شيء عليك ، على أن لا تنشغل بهما أثناء الصلاة بل حافظ على حضور قلبك والتفكر فيما تسمع وتقرأ وتفعل ؛ لأن العلة في المنع هو عدم تشويش القلب في الصلاة وعدم الانشغال .

– ونسأل الله لك الشفاء .

 

والله أعلم.