الرئيسية بلوق الصفحة 87

الجمع بين آية ( والله يعصمك من الناس ) وموته صلى الله عليه وسلم بالسم.

الجمع بين آية ( والله يعصمك من الناس ) وموته صلى الله عليه وسلم بالسم.

السؤال:

كيف نوفق بين الآية: ( والله يعصمك من الناس ) أي: من القتل، وبين الحديث الذي ترويه عائشة في صحيح البخاري ( يا عائشة، ما زال أجد الم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم )؟

وجزاكم الله تعالى خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

* نص الآية:

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) المائدة/ 67.

* نص الحديث:

قالت عَائِشَةُ رضى الله عنها: كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ. رواه البخاري ( 4165 ).

– ” الطعام “: هو الشاة المسمومة.

– ” أوان “: وقت، وحين.

– ” أبهَري “: عرق مرتبط بالقلب، إذا انقطع مات الإنسان.

* وأصل القصة:

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ.

رواه البخاري ( 2474 ) ومسلم ( 2190 ).

يجب أن يَعلم المسلم أنه ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، وما يظنه بعض الناس من وجود تعارض بين نصوص الوحي بعضها مع بعض: فهو تعارض في ظاهر الأمر بالنسبة له، وليس تعارضا في واقع الأمر، ولذا فإن علماء الإسلام الراسخين لا يعجزهم – بفضل الله وتوفيقه – من بيان أوجه التوفيق بين ما ظاهره التعارض بالنسبة لمن يرى ذلك ممن يخفى عليه وجه الجمع بين تلك النصوص.

 

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. ” المسودة ” ( 306 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخا للآخر: فهذا لا يوجد أصلا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق. ” زاد المعاد ” ( 4 / 149 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله – أيضا -:

فصلوات الله وسلامه على مَن يصدّق كلامُه بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض،  فالاختلاف، والإشكال، والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم. ” مفتاح دار السعادة ” ( 3 / 383 ).

وقال الشاطبي – رحمه الله -:

كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل مَن حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ: أمكن التعارض بين الأدلة عندهم.

” الموافقات ” ( 4 / 294 ).

وقد برز طوائف من العلماء يتحدون من يزعم وجود تعارض بين نصوص الوحي؛ ومنهم الإمام ابن خزيمة رحمه الله حيث كان يقول – كما في ” تدريب الراوي ” ( 2 / 176 ) -: ” لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما “.

ثانيا:

وما ذكره الأخ السائل مما ظاهره التعارض بين قوله تعالى: ( والله يعصمك من الناس ) مع قوله صلى الله عليه وسلم: ( وهذا أوان انقطاع أبهري ) وأنه مات بالسم الذي وضعه له اليهود: فليس بينهما تعارض – بتوفيق الله -؛ لأن ” العصمة ” في الآية هي: العصمة من الفتنة، ومن الضلال، ومن القتل قبل تبليغ الرسالة، وكل ذلك قد تحقق له صلى الله عليه وسلم، وقد عصمه ربه تعالى من كل ذلك، ولم يمت صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن أبلغ رسالة ربه تعالى، وقد قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا ) المائدة/ من الآية 3، وقد ذكر بعض العلماء معنى لطيفا ها هنا وهو أن الله تعالى أبى إلا أن يجمع لنبينا صلى الله عليه وسلم بين النبوة والشهادة.

وقد عصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من كفار قريش عندما أرادوا قتله في مكة، وعصمه ربه من القتل في المدينة فيما حضره من غزوات، بل وحتى محاولة اليهود قتله بالسم: فإن الله تعالى قد عصمه منها، فأخبرته الشاة أنها مسمومة، ومات الصحابي الذي كان معه ، وأكل منها – وهو بِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور – ولم يمت صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف هذا وجوده أثر ذلك السم، واعتقاده أنه سيموت بسببه، وما قاله صلى الله عليه وسلم ليس فيه أن السم هو سبب موته، بل فيه أنه يشعر به، وأنه قد يكون هذا هو الموافق لانتهاء أجله، وبكل حال: فإن العصمة في القتل هي فيما كان قبل تبليغ رسالة ربه، ولم يمت صلى الله عليه وسلم إلا وقد أبلغها على أكمل وجه، وسياق الآية يدل على ذلك، حيث أمره ربه تعالى بتبليغ الرسالة، وأخبره أنه يعصمه من الناس.

ومما يدل على ذلك أيضا: قوله صلى الله عليه وسلم لليهودية ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ ) بعد أن أخبرته أنها أرادت قتله، وهو نص إما في عصمته من القتل بالسم حتى فارق الدنيا، أو هو نص في ذلك قبل تبليغ الرسالة.

وخلاصة الكلام:

أنه إما أن يُقال بأن النبي صلى الله عليه سلم عُصم من القتل بالسم – كما سيأتي في كلام ابن كثير والنووي وغيرهما – ، وقد وأوحى الله بوجود السم فيها، وهذا من عصمته له، أو يقال: إن العصمة هي في أثناء التبليغ لرسالة الإسلام، ولا ينافي ذلك وقوع القتل بعد التبليغ لها – كما سيأتي في كلام القرطبي وابن حجر والعثيمين -، وأن الله تعالى جمع بذلك القتل لنبينا صلى الله عليه وسلم بين النبوة والشهادة، وجعل ذلك تذكيرا لنا على الدوام بعداوة اليهود لنا ولديننا.

* وهذه بعض أقوال علماء الأمة فيما ذكرناه، وهو يوضح المقصود إن شاء الله:

  1. قال ابن كثير – رحمه الله -:

ومِن عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبَغْضة، ونصب المحاربة له ليلا، ونهارا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره، وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا، ثم قيض الله عز وجل له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم – وهي المدينة -، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدّا، يطول ذِكْرها. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / ص 154 ).

  1. وقال النووي – في شرحه لحديث الشاة المسمومة -:

فيه بيان عصمته صلى الله عليه و سلم من الناس كلهم، كما قال الله: (  والله يعصمك من الناس ) وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته مِن السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الذراع تخبرني أنها مسمومة ).

” شرح مسلم ” ( 14 / ص 179 ).

  1. وفي شرح قوله تعالى ( فَفَرِيقا كَذَّبْتُم وَفَرِيقا تَقْتُلونَ ) قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – :

بعض العلماء أبدى فيها نكتة: وهي أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم قتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالسم الذي وضعوه له في خيبر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ما زال يتأثر منه حتى إنه صلى الله عليه وسلم في مرض موته قال: ” ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني “، قال الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيدا؛ لأن اليهود تسببوا في قتله؛ وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا من أسرار التعبير بالمضارع في القتل؛ وإن كان قد يَرِدُ عليه أن التكذيب استمر حتى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلماذا لم يقل: ” فريقا تكذبون وفريقا تقتلون “؟! والجواب عن هذا: أن القتل أشد من التكذيب، فعبَّر عنه بالمضارع المستمر إلى آخر الرسل … .

فإن قيل: كيف يصح قول الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيدا لأن اليهود كانوا سببا في قتله، وقد قال الله تعالى: ( والله يعصمك من الناس )؟

فالجواب: المراد بقوله تعالى: ( يعصمك من الناس ): حال التبليغ؛ أي: بلِّغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتد عليه أحد أبدا في حال تبليغه، فقتله.

  1. وقال ابن الجوزي – رحمه الله –:

قوله تعالى: ( والله يعصمك من الناس ) قال ابن قتيبة: أي: يمنعك منهم، وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعص ، أي: لا يمنع من الجوع.

فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه؟: فعنه جوابان:

أحدهما: أنه عصمه من القتل، والأسرِ، وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى: فلا تمنع عصمة الجملة.

والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك؛ لأن ” المائدة ” من أواخر ما نزل. ” زاد المسير “.

  1. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه عليه الصلاة والسلام, بل أصابه شيء من ذلك , فقد جُرح يوم أحد, وكُسرت البيضة على رأسه, ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر, وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك, وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقاً شديدا, فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل, ومما كتبه الله عليه, ورفع الله به درجاته, وأعلى به مقامه, وضاعف به حسناته, ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة, ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة صلى الله عليه وسلم.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 8 / ص 150 ).

  1. وقال القرطبي – رحمه الله -:

ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال، واعداد العدد.

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 6 / 280 ).

  1. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله – بعد أن ساق كلام القرطبي هذا -:

وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال، أو إزهاق الروح، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 6 / 82 ).

ثالثا:

– ومن الشواهد العملية على عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل قبل تبليغ الرسالة:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَجُلا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه البخاري ( 2753 ) ومسلم ( 843 ).

وفي رواية: فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه.

 

 

* قال النووي:

ففيه بيان توكل النبي صلى الله عليه وسلم على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، كما قال الله تعالى: ( والله يعصمك من الناس ).

” شرح مسلم ” ( 15 / 44 ).

 

والله أعلم.

حكم الإنجاب بطريقة ( I V F )

حكم الإنجاب بطريقة ( I V F )

السؤال:

أود فقط معرفة ما إذا كان يجوز طبقا للقرآن والسنَّة العلاج بـ “الآي في إف” ( طريقة في علاج العقم ) لإنجاب الأطفال، حيث تحاول إحدى الأخوات إنجاب أطفال، ولكنها تواجه صعوبة بالغة في ذلك، ولذلك فسأكون ممتنة للغاية إذا تمكنتم أن تردوا عليَّ في أسرع وقت ممكن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا شك أن الأولاد من نعَم هذه الدنيا وزينتها، ومن أعظم مقاصد الزواج: الإنجاب، والولد الصالح ذخر لوالديه في الدنيا والآخرة، وأعماله الصالحة تكون في صحائف والديه وميزانهما، وقد يُتلى الرجل أو المرأة بعدم الإنجاب، أو بتأخيره، فالواجب عليهما الصبر والاحتساب والإكثار من الدعاء عموما، ومن الاستغفار خصوصا، وليعلما أن الله تعالى لا يقضي بشيء إلا لحكمة بالغة، ومن تيسر له طرقا شرعية للإنجاب فلا حرج عليه من سلوك طريقها، وليحذر المسلم من طرق الشعوذة، والسحر، والخرافة، وليحذر من الأطباء الذين عُدموا التقوى، فيكون همهم الحصول على المال من الراغب بالإنجاب، ولذا يلجأ بعضهم إلى تبديل البويضات، أو إلى تبديل ماء الرجل! ومن هنا جاء المنع أو التشديد في الحكم بجواز هذه العمليات للإنجاب، وهذا عدا عن محاذير أخرى، مثل: كشف المرأة عورتها للأطباء الرجال مع وجود طبيبات من النساء.

ثانيا:

ومن الطرق التي يسلكها الأطباء في الإنجاب: ما جاء في السؤال وهي ما يسمى ” آي في أف ” ( I V F ) وتتلخص هذه الطريقة في حث المبيضين على إنتاج عدد من البويضات مقارنة بما يكون من المرأة في وضعها الطبيعي وهو نزول بويضة واحدة، ويتم لذلك إعطاء المرأة إبرة الديكابيتيل Decapeptyl لتهيئة المبيضين للخطوة التي بعدها، وهي الحقن بهرمونات لحث المبيضين على إنتاج عدد من البويضات، وبعد التأكد من نمو البويضات: يتم إعطاء المرأة حقنة HCG لتُكمل بها نضوج البويضات قبل سحبها, وعادة تعطى هذه الحقنة قبل 36 ساعة من عملية سحب البويضات، ويتم بعدها سحب البويضات.

وفي يوم سحب البويضات يتم أخذ السائل المنوي من الزوج بطريقة الاستمناء! يوضع مع كل بويضة 100000 حيوان منوي في ” أنبوب اختبار ” ليتم التلقيح، وبعد يومين أو ثلاثة أيام تنقسم البويضة الملقحة لتكوِّن ما يسمى بـ ” الجنين “، وتصنف الأجنة حسب جودتها إلى 4 أصناف، ويتم اختيار أفضل الأجنَّة لإرجاعها للرحم، ثم توضع الأجنة في الرحم، ثم يُجرى بعدها بفترة إجراء فحص للتأكد من وجود الحمل من عدمه، ونسبة نجاح هذه العملية عند الأطباء من 30 إلى 40 %.

هذا ملخص ما ذكره الدكتور ” أسامة صالحة “، استشاري أمراض النساء والولادة وأمراض العقم وجراحة المناظير ( بريطانيا )، مدير وحدة أطفال الأنابيب، مستشفى دار الشفاء الجديد.  بواسطة مجلة ” الوطن كلينيك “.

ثالثا:

أما حكمها الشرعي:

1. فهو المنع على الأحوط، وهو قول الشيخ عبد الله الجبرين حفظه الله، ونقله عن علماء اللجنة الدائمة

2. أو الجواز بشروط، ومن هذه الشروط:

1. الحاجة الماسة أو الضرورة للإسراع في الإنجاب، فليس تأخر الإنجاب سنَة أو سنتين بعذرٍ للزوجين بسلوك هذه الطريقة وأخواتها، بل يصبروا فقد يجعل الله الفرج قريبا من غير وقوع في محظورات.

2. عدم كشف المرأة عورتها على رجال مع توفر النساء.

3. عدم جواز الاستمناء للزوج، ويمكنه التمتع بامرأته دون الولوج، وينزل المني به.

4. عدم حفظ بويضات المرأة ومني الزوج في ثلاجة لاستعمال آخر، أو لموعد متأخر، وعدم التأخر في وضعهما في رحم المرأة، بل يُباشَر بذلك دون تأخر؛ خشية الاختلاط مع غيرهما؛ وخشية استعمالهما لأناس آخرين.

5. أن تكون النطفة من الزوج والبويضة من الزوجة، والزراعة في رحم الزوجة، ولا يجوز غير ذلك البتة.

6. الوثوق التام بمن يقوم بالعملية من الأطباء والطبيبات.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن حكم إيداع بويضة المرأة في أنبوبة، ثم تلقيحها بماء الرجل، ثم إعادتها إلى رحِم المرأة لتأخذ مجراها في التكوين.

فأجاب:

أ. إذا لم تكن حاجة لهذا العمل: فإننا لا نرى جوازه؛ لأنه يتقدمه عملية جراحية لإخراج البويضة – كما ذكرتم في السؤال -، وهذه العملية تحتاج إلى كشف العورة بدون حاجة، ثم إلى جراحة، يخشى أن يكون منها نتائج ولو في المستقبل البعيد، من تغيير القناة، أو حدوث التهابات.

ثم إن ترك الأمور على طبيعتها التي خلقها عليها أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين: أكمل، تأدبا مع الله سبحانه، وأولى وأنفع من طرق يستحدثها المخلوق، ربما يبدو له حُسنها في أول وهلة، ثم يتبين فشلها بعد ذلك.

ب. إذا كان لهذا العمل حاجة: فإننا لا نرى به بأسا بشروط ثلاثة:

الأول: أن يتم هذا التلقيح بمني الزوج، أو السيد ( إن قدَّر الله تعالى أن توجد مملوكة على الوجه الشرعي ) ولا يجوز أن يكون هذا التلقيح بمني غير الزوج، أو السيد؛ لقول الله تعالى: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) النحل/72 ، فخص ذلك بالأزواج.

الثاني: أن تتم عملية إخراج المني من الرجل بطريق مباح، بأن يكون ذلك عن طريق استمتاع الزوج أو السيد بزوجته أو مملوكته، فيستمتع بين فخذيها، أو بيدها، حتى يتم خروج المني، ثم تلقح به البويضة.

الثالث: أن توضع البويضة بعد تلقيحها في رحم الزوجة أو المملوكة، فلا يجوز أن توضع في رحم امرأة سواهما بأي حال من الأحوال؛ لأنه يلزم منه إدخال ماء الرجل في رحم امرأة غير حلال له، وقد قال الله تعالى: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) البقرة/223، فخص الحرث بامرأة الرجل، وهذا يقتضي أن تكون المرأة غير الزوجة غير محل لحرثه، وقد دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على أن المملوكة مثل الزوجة في ذلك. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / ص 27 ، 28 ) .

* وقال – رحمه الله – أيضا – :

التلقيح الصناعي: أن يُؤخَذ ماءُ الزوج ويُوضَع في رحم الزوجة عن طريق أنابيب ( إبرة )، وهذه المسألة خطيرة جدّا، ومَن الذي يأمن الطبيب أن يلقي نطفة فلان في رحم زوجة شخص آخر؟! ولهذا نرى سدَّ الباب، ولا نُفتي إلا في قضية معينة بحيث نعرف الرجل، والمرأة، والطبيب، وأما فتح الباب: فيُخشى منه الشرُّ.

وليست المسألةُ هيِّنةً؛ لأنه لو حصل فيها غش لزم إدخال نسب في نسب، وصارت الفوضى في الأنساب، وهذا مما يحرمه الشرع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تُوطأ حَامِل حَتَّى تَضَع )، فأنا لا أفتي في ذلك، اللهمَّ إلا أن ترد إليَّ قضية معينة أعرف فيها الزوج، والمرأة، والطبيب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 9 ) .

وهذا هو قرار ” المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ” حيث جاء فيه: ” لا حرج من اللجوء إليها عند الحاجة، مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة ” . ” مجلة المجمع ” ( 3 / 1 / 423 ).

 

ونسأل الله أن يرزق الزوجين الذرية الصالحة، دون الحاجة لمثل هذه الطرق، وأن يصبرهما على ما ابتلاهما به.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

يعمل في بنك ولا يلتزم بسعر صرف العملات المعطى له من الإدارة!

يعمل في بنك ولا يلتزم بسعر صرف العملات المعطى له من الإدارة!

السؤال:

فضيلة الشيخ عندي سؤال عن زكاة المال هو أني أعمل في مصرف وأتاجر بالعملة الأجنبية، ولكن استشكل عليَّ مشكلة وهو أني أقوم ببيع العملة الأجنبية بسعر الصرف السابق ولا أعمل بالسعر الجديد المرسل إليَّ من الإدارة العامة للمصرف, حيث يتم إخطار سعر العملة الجديد عن طريق الهاتف ولا يوجد رسالة رسمية تبين سعر التداول بالعملة.

هو ما حكم عمل هذا – حيث إني أريد إخراج زكاة مالي وأشك في أمر هذه الأموال التي أكسبها -؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد ذكرنا في هذا في الموقع فتاوى متعددة في حكم العمل في البنوك الربوية، وأنه حرام، ولا يجوز العمل بها، فسؤالك عن حكم العمل في البنك أولى من سؤالك عن حكم التصرف في سعر العملات.

ومع كونك آثما في عملك في البنك فإنك آثم من وجه آخر، وهو الغش في العمل، وعدم الأمانة في الوظيفة، والواجب عليك أن تلتزم بما يُعطى لك من سعر صرف العملات، ولا يجوز لك تقديم مصلحتك على مصلحة العمل، ولسنا نقول ذلك إلا لأن إعطاءهم الأوامر لك بصرف العملات على سعر محدد ليس فيه ما يخالف الشريعة.

وعليه: فالواجب عليك ترك العمل في هذه البنوك الربوية، وإنه وإن كان يجوز تبديل العملات فإن البنوك لا تلتزم بالأحكام الشرعية التي تضبط هذا الحل، ومع هذا فإنك آثم من وجه آخر لعدم تقيدك بالسعر التي تفرضه الإدارة وتعلمه أنت، حتى لو لم يأت لك بكتاب رسمي.

 

والله أعلم.

هل يجوز تناول الفيتامينات بعد السحور؟

السؤال:

لقد وَصف لي الطبيب نوعا من الفيتامينات عبارة عن خلاصة الخضار للتقليل من آثار مرض التهاب المفاصل الروماتيزمي حيث أتناول حبة كل يوم، فهل يجوز تناولها بعد السحور في رمضان؟

 

الجواب:

الحمد لله

أباح الله تعالى للمسلمين أن يأكلوا ويشربوا إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر حرم الطعام والشراب، ولا فرق بين كون المُتناول طعاما أو دواء، قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) البقرة/187.

وعن عبد الله بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ) ثُمَّ قَالَ- أي: ابن عمر- وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. رواه البخاري ( 592 ) ومسلم (1092 ) .

وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ ). رواه البخاري (6802) ومسلم ( 1093 ).

وعليه: فيجوز لكم أخذ الدواء بعد السحور إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر، بلا أدنى حرج، وبقاء أثر الطعام والدواء على الجسم في نهار رمضان أحد بركات السحور، ولذا شرع تأخيره حتى يتقوى المسلم على صيام نهار رمضان، ونسأل الله تعالى لكم العافية في الدين والدنيا.

 

والله أعلم.

امرأة سنية تزوجت من شيعي سيء الأخلاق وطلّقها مرارًا ولم تأخذ عقدًا رسميًا بالزواج

السؤال:

أنا بنت مسلمة سنية تزوجت من شاب لبناني شيعي من 7 سنوات و كنت حينها لا أفرق بين سني وشيعي لعدم معرفتي ومن ذلك المنطلق طلبت منه أن نتزوج عند شيخ سني فوافق ومن ثم هو طلب الزواج عند شيعي ولم أحصل على ورقة زواج وعندما اتصلت بعد سنين على الشيخ الشيعي الذي زوجني قال لي أعطيك عقد زواج من تاريخ اليوم وقد اتصلت لأسأله إن كان زواجي متعة أم زواج عادي وقد قال عادي … ليست هذه بالمشكلة الأساسية إنما نبذة فقط لكن المشكلة أني أريد أن أتطلق من هذا الشخص لما أعانيه من سب وشتم وضرب وكلام يسم البدن والمعاملة الدنيئة والسكر في كل الأوقات وكما أنه لا يصلي ولا يصوم ويزني وهكذا…وقد قال لي مرات عديدة إنتي طالق لكنه يقول نحن الشيعة الطلاق يتم فقط عند الشيخ وأردت الخلع لكن الشيعة لا يعترفون به وسألت الكثير فلم أجد جوابا، بالله عليكم أن تساعدوني فلا أعرف ماذا أفعل فأنا يتيمة الأب وأمي لا تستطيع فعل شيء ..فما العمل أريد أن أبدأ حياة جديدة نقية لكني لا أعرف كيف أتخلص من هذا الكابوس فوالله فكرت في الانتحار لكن مخافة الله منعتني ،ساعدوني أنجدوني.

 

الجواب:

الحمد لله

أعظم الله أجركِ في مصيبتكِ، ونسأل الله تعالى أن يفرج عنك كربك، ولا يزال المسلم الذي يعيش بين الكفار يدفع ضريبة هذه الإقامة، فكثير من المسلمين في بلاد الغرب يلبَّس عليهم دينهم من قبَل الرافضة – الشيعة – والبهائية والقاديانية والصوفية الغلاة فيتوهم المسلم أنه على حق وأنهم أتباع الكتاب والسنة، ويتوهم الكافر أنه إن صار معهم صار مسلما!

كما لا يزال المسلم البعيد عن العلم والتعلم يدفع ضريبة هذا البعد بعدم تفريقه بين التوحيد والشرك والسنة والبدعة والحق والباطل.

فاحرصي – بارك الله فيك – على الخروج من تلك الديار، واحرصي على العلم والتعلم لتكوني على بينة من أمركِ وأحكام دينك.

واعلمي أن عقد زواجكِ مع هذا الشيعي باطل، إما من أصله، أو صار باطلا لو كان انعقاده صحيحا ابتداء، ولا يحل لك البقاء معه، وقد اجتمعت أمور كثيرة تجعل النكاح باطلا ومنها:

 أ. أنه رافضي – شيعي -: والزواج بهؤلاء حرام، وعندهم من الشرك والكفر ما يجعل عقد زواجك به باطلا.

ب. أنه لا يصلي: وتارك الصلاة كافر يبطل عقد زواجه بالمسلمة المصلية.

ج. أنه طلقكِ عدة مرات: والطلاق الذي يملك به الزوج الرجعة مرتان، فإن طلقها الثالثة حرمت المرأة على زوجها إلا أن تنكح زوجا آخر نكاح رغبة فيطلقها أو يموت عنها بعد دخوله بها، قال الله تعالى: ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ … فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة/229،230.

وما يزعمه من أن الطلاق لا يقع إلا بحضرة شيخ من شيوخهم قول من أقوالهم الباطلة الشاذة، والطلاق يقع إذا قصده المتكلم حتى لو كتبه على ورقة أو تكلم به مواجهة لزوجته أو بغيابها، أمام القاضي أو قبله.

وقد أحسنتِ في تركك التفكير في الانتحار؛ لأن قتل النفس من كبائر الذنوب، ولو فعلتِ ذلك لانتهت حياتك المؤقتة لكنك ستقدمين على حياة دائمة، وهناك يكون العقاب، فنرجو أن لا يكون لهذا الأمر مكان في حياتك مستقبلا.

والخلاصة:

أن زواجكِ بهذا الزوج مفسوخ، والعقد باطل، يحرم عليك البقاء عنده، ولا يستحق المخالعة لأنه ليس زواجا شرعيّا من وجوه متعددة سبق ذِكرها، بل أنت لك الحق عنده في مهرك، فابحثي عن مأوىً آمن لك منه، ويمكنك اللجوء إلى مركز إسلامي موثوق به ليخلصك من هذا الأمر، فإذا ضاقت عليك الأسباب فيمكنك أن تشتكي للسلطات عندكم ليخلصوك منه.

واعلمي أنه لا يجوز لك النكاح  إلا بولي وشهود، وإذا لم يكن عندك ولي مسلم من الرجال فإن القاضي الشرعي أو المفتي أو إمام المركز الإسلامي يقوم مقام الولي، لكن لا يحل لك إنشاء العقد دون ولي أو من يقوم مقامه.

 

والله أعلم.

ما هو الأفضل في رمضان الزكاة بالمال أو إطعام الفقراء؟

ما هو الأفضل في رمضان الزكاة بالمال أو إطعام الفقراء؟

السؤال:

ما هو الأفضل في رمضان الزكاة بالمال أو إطعام الفقراء؟

 

الجواب:

الحمد لله

أما الزكاة فهي عبادة لها وقتها المقدَّر، وهو رأس السنة الهجرية بعد بلوغ النصاب، ولا يجوز لمن وجب في ماله الزكاة وحل موعدها أن يتأخر عن أدائها إلا لعذر شرعي، ولا يجوز انتظار شهر رمضان لأدائها فيه ، فمن فعل ذلك فقد أثم على التأخير، ولم يؤجر على أدائها في رمضان، وليس ثمة فضل لمن أخرج زكاته في هذا الشهر العظيم.

* قال ابن قدامة رحمه الله :

وتجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه والتمكن منه إذا لم يخش ضررا، وبهذا قال الشافعي…

ولنا: أن الأمر المطلق يقتضي الفور على ما يُذكر في موضعه، ولذلك يستحق المؤخِّر للامتثال العقاب، ولذلك أخرج الله تعالى إبليس وسخط عليه ووبخه بامتناعه  عن السجود.

ولو أن رجلا أمر عبده أن يسقيه فأخر ذلك: استحق العقوبة، ولأن جواز التأخير ينافي الوجوب لكون الواجب ما يعاقب على تركه، ولو جاز التأخير: لجاز إلى غير غاية، فتنتفي العقوبة بالترك.” المغني ” ( 2 / 289 ).

* وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

هل الزكاة تفضل في رمضان مع أنها ركن من أركان الإسلام؟.

فأجاب:

الزكاة كغيرها من أعمال الخير تكون في الزمن الفاضل أفضل، لكن متى وجبت الزكاة وتمَّ الحوْل وجب على الإنسان أن يُخرجها ولا يؤخرها إلى رمضان، فلو كان حوْل ماله في رجب: فإنه لا يؤخرها إلى رمضان بل يؤديها في رجب، ولو كان يتم حولها في محرَّم ولا يؤخرها إلى رمضان، أما إذا كان حوْل الزكاة يتم في رمضان: فإنه يُخرجها في رمضان. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 2 / 164 ).

 

وأما الجود والبذل والعطاء بالمال والطعام والكسوة وغيرها: فلا شك أن فعله في شهر رمضان أفضل من فعله في غيره من الشهور.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

رواه البخاري ( 6 ) ومسلم ( 2308 ).

* قال النووي- رحمه الله -:

وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: اِسْتِحْبَاب إِكْثَار الْجُود فِي رَمَضَان.

” شرح مسلم ” ( 15 / 69 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود… ومعنى ” المرسلة ” أي: المطلقة، يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح, وعبَّر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة, وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه.  ” فتح الباري ” ( 1 / 31 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وكان – صلى الله عليه وسلم – أجودَ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان، يُكثر فيه مِن الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف.

” زاد المعاد ” ( 2 / 32 ).

وإطعام الطعام فيه أجر عظيم لفاعله، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن من صفات المؤمنين الذين استحقوا الجنة أنهم يطعمون الطعام، فقال تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا. وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) الإنسان/8-12، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ” مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِه ” رواه الترمذي ( 807 ) وابن ماجه ( 1746 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات.

* وقد قال بعض  السلف:

لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاما يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل.

وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين.

وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك.

* قال أبو السوار العدوي:

كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه.

وعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها: التودد والتحبب إلى المُطعَمين فيكون ذلك سببا في دخول الجنة: ” لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا “، كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.

* والخلاصة:

أدِّ الزكاة في وقتها دون تأخير، وليس ثمة فضل لمن أداها في رمضان، بل هو آثم على تأخيرها، واحرص على البذل والعطاء والجود في رمضان وغيره، وزِد منه في رمضان تكسب أجورا عظيمة .

 

والله أعلم.

هل لدغة النحلة أو العقرب من المفطرات؟

هل لدغة النحلة أو العقرب من المفطرات؟

السؤال:

أود أن أسأل هل لدغة النحلة أو العقرب من المفطرات؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا نعلم أحدا من أهل العلم يقول بأن من لدغ من نحلة أو عقرب أنه يفطر بذلك، والنحلة والعقرب تضعان السم في بدن الملدوغ ، وهو يتحرز من لدغهما، فكيف سيكون مفطراً بعد أن يلدغ بسمهما؟!.

ولا يعرف خلاف بين العلماء المعاصرين أن الحقن الجلدية والعضلية أنها لا تفطر، والأصل: صحة الصوم حتى يقوم دليل على فساده ، وهذه الإبر ليست أكلا، ولا شربا، ولا بمعنى الأكل والشرب، فإذا كانت حقن الدواء لا تفطر فأولى أن لا تفطر حقن الداء – أي: لدغ العقارب والحيات – .

 

والله أعلم.

هل يصلون الجنازة على تارك الصلاة خشية الفتنة من تركها؟

هل يصلون الجنازة على تارك الصلاة خشية الفتنة من تركها؟

السؤال:

قرية معظم سكانها لا يصلون، متمسكون ببعض التقاليد الإسلامية، وقد يكون من بينهم من هو كافر، ونحن جماعة ملتزمة وندعوهم إلى الله، ولنا أمل في هدايتهم، ونحن لا نصلي صلاة الجنازة إلا على المصلين، وهذا يحدث فتنة إن لم نصل على غير المصلين.

هل يجوز الصلاة على الجميع في سبيل الدعوة؟

 

الجواب:

الحمد لله

حكم الصلاة على تارك الصلاة مبني على الخلاف في حكمه هل هو مسلم عاصٍ أم كافر؟ فمن حكم بكفره – وهو الذي تدل عليه ظواهر النصوص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم – : حرَّم الصلاة عليه، ومن رأى أنه مسلم عاصٍ: جوَّز الصلاة عليه، فإن كنتم ترجحون القول الأول: فلا يجوز لكم الصلاة على تاركها؛ لأنه بتركها يكون كافرا ولا تحل صلاة الجنازة على الكفار، وإن كنتم على القول الثاني: فيجوز لكم الصلاة عليه مع أن الأفضل ترك الصلاة عليه؛ تقريعا لغيره من التاركين، وتعظيماً لقدر الصلاة.

والذي نرجحه: هو أن تارك الصلاة كافر كفرا أكبر، وقد بيَّنا هذا في عدد من الأجوبة، وبيَّنا في جواب آخر أن الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته، ولا يقبل منه عمل، لا زكاة، ولا صيام، ولا حج ولا شيء، والذي لا يصلي ويموت وهو تارك للصلاة لا يدفن في مقابر المسلمين.

وفي الوقت نفسه لا نستطيع إنكار وجود قول آخر في المسألة، ولا حرج على من تبناه معتقدا صحته.

والذي نراه لكم إن كنتم ترجحون كفر تارك الصلاة أن لا تصلوا على أحدٍ ممن مات وهو تارك لها، وأن هذا أفضل لكم من حيث دعوتكم لفعل الصلاة وإقامتها، ولتصبروا على ما تلقونه من أذى من السفهاء، ولعلهم أن يتفكروا في فعلكم وتركهم للصلاة وأن يكون هذا من الدوافع القوية لإقامة الصلاة، وإن كنتم لا ترجحون كفر تارك الصلاة: فلا بأس من صلاتكم على من مات وهو تارك للصلاة، مع أن الأفضل هو عدم الصلاة عليه، ومع تنبيهكم بوجوب تكثيف جهودكم من أجل إخراج قومكم من الظلمات إلى النور.

وما ذكرناه لكم من الخلاف في ترك الصلاة لا ينسحب على من اعتقد أو قال أو فعل كفرا يخرجه من الإسلام كسب الله تعالى أو السجود للأصنام والأوثان، فعليكم التفريق بين المسألتين، فمثل هؤلاء لا يجوز لكم الصلاة عليهم لأنهم نقضوا توحيدهم، وخرجوا من الملة بكفرهم هذا.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه رضاه، وأن يهدي ضال المسلمين، وأن يهديهم لأحسن الأخلاق والأقوال والأفعال.

 

والله أعلم.

 

احتبس المني من احتلام وأصابه الضرر فهل يستعمل العادة السرية؟

احتبس المني من احتلام وأصابه الضرر فهل يستعمل العادة السرية؟

السؤال:

الأستاذ الفاضل / السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وسيادتكم بخير أرجو منك أن تستمع إلى شكواي فسوف أقصها لسيادتكم بدون خجل حتى أستطيع أن أعرف هل أنا آثم أم لا, وإذا كنت قد أثمت فأرجو معرفة الكفارة، فأنا شاب مصري أبلغ من العمر 29 سنة، الحمد لله مسلم وعلى قدر لا بأس به من العلم بالدين، وأرجو إفتائي في هذا الأمر لأنه ذو أهمية بالنسبة لي، لقد استيقظت البارحة من نومي وكنت على وشك الاحتلام ولكن لم يتم نزول أي سائل, وعدت إلى نومي, لكن عندما استيقظت ثانية وجدت ألما فظيعا في الخصيتين, فأنا أعلم أن هناك بعضا من السائل محبوس لدي؛ لأن هذا الوضع حدث معي من قبل وكنت أعالجه بأن أجلس في بعض الماء الدافئ فأتخلص من هذا السائل المحبوس، وبالفعل قررت أن أعالجه كما سبق أن ذكرت لكن الماء الدافئ لم يفعل أي شئ وكنت أتألم ألما شديدا، فوسوس لي الشيطان أن أتخلص من هذا السائل عن طريق ممارسة العادة السرية ففعلت، ولكن أقسم لك أنني قد تخلصت من هذه العادة منذ زمن بعيد لكني كنت تحت ضغط الألم الرهيب .

أرجو إعلامي بأسرع وقت ممكن، وفقك الله لخدمة المسلمين وهدايتهم.

 

الجواب:

الحمد لله

* الأصل في العادة السرية أنّها محرَّمة، وقد أوضحنا ذلك في عددٍ من الأجوبة فانظرها.

وقد ذكر أهل العلم أنه يجوز استعمال العادة السرية إذا كان لدفع شهوة عارمة يمكن أن تؤدي بصاحبها لأن يقع في فاحشة الزنا أو اللواط، وكذا يجوز ذلك من أجل الفحص الطبي إن كان عازبا واضطر لمثل هذه الفحوص، وكذا يجوز استعمالها إن خاف على بدنه من ضرر احتباس المني، وهذه الحالة لعلها هي التي جاءت في سؤال الأخ الفاضل، وفي كل الحالات لا يجوز تجاوز حد الضرورة، فلا يجوز تكرارها، ولا التلذذ بفعلها، والضرورة تقدَّر بقدرها.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

ومن استمني بيده خوفا من الزنا، أو خوفا على بدنه: فلا شيء عليه إذا لم يقدر على نكاح، ولو لأمَة، ولا يجد ثمن أمة، وإلا حَرُم، وعزِّر. ” الإقناع ” ( 4 / 268 ).

 

 

* وفي ” شرح منتهى الإرادات ” ( 3 / 364 ):

ومن استمنى من رجل أو امرأة لغير حاجة حرُم فعلُه ذلك، وعزِّر عليه؛ لأنه معصية، وإن فعله خوفا من الزنا أو اللواط: فلا شيء عليه، كما لو فعله خوفا على بدنه، بل أولى. انتهى.

ونحن نشد على يديك إذ تركت هذه العادة السيئة، فاثبت على ذلك، وما فعلته إنما هو بسبب الضرورة، وليس عليك فيه إثم ولا كفارة.

 

والله أعلم.

 

 

 

حكم العمل في البنوك في غير أقسام الربا، وحكم العمل عند من مصدر ماله فيه حرام

حكم العمل في البنوك في غير أقسام الربا،وحكم العمل عند من مصدر ماله فيه حرام

السؤال:

أعمل كموظف استشاري للرهن في بنك ” أتش أس بي سي ” في بريطانيا، ووظيفتي هي أنني أقوم بالتبيين للناس ما هو أفضل نسبة للربا، وما هو أفضل طريقة للرهن، أعرف أن هذا الأمر حرام, لكني سألت إمام المسجد عندنا فقال لي: ” ابق في عملك حتى تجد عملا آخر “، فهل أستطيع أن أعمل في قسم الأمانات حيث أن المعاملات هناك شرعية, أم هذا يعد مساعدة على الإثم والعدوان؛ ذلك لحرمة البنوك ككل؟.

فهل أعمل معلِّما في مدرسة، مع العلم أن المدارس أيضا تستدين المال، وتأخذ القروض؟،  وما حكم من أخذ المال الحرام دون أن يعلم بحرمته؟ يعني: رجل ماله كله بالحرام مثل الخمر، والربا، وغيره, وأراد أن يشتري طعاما من أحد المطاعم, فهل يكون المال الذي دفعه ثمنا للطعام حرام في حق البائع صاحب المطعم؟  وما حكم جمعيات، أو منظمات الزكاة التي تقوم  بطلب الزكاة من أموال الناس, ولا يوجد عندها فكرة عن حل أو حرمة المال الذي يأتيها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

البنوك الربوية مؤسسات فاسدة، ترتكب المحرَّم القطعي في ديننا؛ ولذا: فلا يجوز لأحدٍ من المسلمين إعانتهم بشيء يقويهم على عملهم، ولا يجوز لأحدٍ أن يكون موظفا عندهم، ولو كان في قسم لا يباشر الربا المحرَّم؛ لأن المؤسسة تلك تقوم على جميع موظفيها، وكافة أقسامها.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز للإنسان العمل في بنك يتعامل بالربا، مع أنه لا يقوم في البنك بعمل ربوي، ولكن دخل البنك الكلي ربا؟.

فأجابوا:

لا يجوز لمسلم أن يعمل في بنك تعاملُه بالربا، ولو كان العمل الذي يتولاه ذلك المسلم في البنك غير ربوي؛ لتوفيره لموظفيه الذين يعملون في الربويات ما يحتاجونه، ويستعينون به على أعمالهم الربوية، وقد قال تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 41 ).

وقد بينّا في أجوبةٍ أخرى تحريم جميع أنواع الأعمال في البنوك، ولو كان الموظف سائقًا، أو حارسا، كما فيه بيان أن لا فرق بين دولة مسلمة وكافرة في هذا الأمر.

وما قاله لك ذلك الإمام من قوله: ” ابق في عملك حتى تجد عملا آخر “: لا نرى أنه أصاب فيه، وكان الأجدر أن يقول: ” اتق الله تعالى وابتعد عن الحرام حتى ييسر الله لك عملا حلال الكسب “.

واعلم أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فلا تطلب رزقك بما حرَّم الله عليك، والمباح الحلال من الأعمال أكثر من المحرَّم، فاحرص على اللقمة الطيبة الحلال، والكسب المبارك المشروع، ولو تأخر إيجادك للعمل المباح، وهذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، فاحرص على النجاح فيها؛ لتكسب أعلى وأرفع الدرجات في الآخرة.

وقد رددنا على مقولة من يدعو للاستمرار بالعمل في البنك الربوي حتى يجد بديلا مباحا في جواب آخر فانظره.

ثانيا:

يجوز لك العمل في مدرسة – موظفًا، أو مدرِّسا- ولا حرج، إن كانت المدرسة غير مختلطة الذكور مع الإناث.

وما تفعله الإدارة من وضع مالها في البنوك الربوية، أو من استدانتها بالربا: لا يؤثر على حلِّ عملك البتة، وأنت إنما تكسب مالك من عملك المباح عندهم، ولو كنتَ شريكا لهم، أو مساهما فيها: لكانت مشاركتك ومساهمتك محرَّمتين؛ لأن كسبك سيكون مختلطا بالحرام، ولا نعلم أحداً من أهل العلم حرَّم الوظائف في الحكومات، أو الشركات الخاصة – إن كان العمل بطبيعته حلالا – من أجل كسب الحكومة، أو الشركة، وهذا لو قاله أحد لصار غايةً في المشقة والحرج، وهذا ما لم تأت به الشريعة المطهرة.

وقد عُرف اليهود بالربا، والرشوة، وأكل السحت، ولم يمنع هذا عليّ بن أبي طالب من العمل عندهم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -: ولو أجَّر مسلمٌ نفسَه لذميٍّ لعملٍ: صحَّ؛ لأن عليّا رضي الله عنه أجَّر نفسَه مِن يهوديٍّ يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره. ” المغني ” ( 4 / 333 ).

وقد بينَّا في جواب آخر جواز العمل في شركة ذات أعمال مباحة يشارك البنك في رأس مالها.

 

 

 

ثالثا:

والمال الحرام قسمان:

حرام لذاته: كالمال المغصوب، والفوائد الربوية.

وحرام لكسبه: وهو ما يكسبه من يعمل في مكان محرَّم، أو يتاجر فيما لا يحل له.

والمال المحرَّم لذاته لا يحل لمن تحصل عليه، ولا لمن انتقل إليه، ولو كان الانتقال بطريق مباح، كالشراء، والميراث، وإن كانت الحرمة في المال لكسبه: حرُم على مكتسبه الانتفاع به، دون من انتقل إليه بطريق مباح، كالهدية، والشراء، والميراث.

وعليه: ففي حال كان المال حراما لذاته: لا يجوز لصاحب المطعم أن يبيع شيئا لمن معه ذلك المال، وإذا لم يعرف حال المال مع المشتري: فليس عليه شيء لو باعه، وليس من شرع الله تعالى سؤال المشترين من أين لك هذا المال، وكيف اكتسبته! وليس البائع بأولى بهذا السؤال من المشتري! فإذا كان من حق البائع أن يسأل المشتري من أين لك هذا المال: فمن حق المشتري أن يسأل البائع كذلك من أين لك ثمن هذه البضاعة، ثم لن يقف الأمر عند هذا، بل سيذهب كل واحد منهما ليسأل الذي قبل المجيب السؤال نفسه! وهذا مضاد للشرع، والعقل، ولم تأت به شريعة.

وإذا علم صاحب المطعم أن المال الذي مع صاحبه كان كسبه له محرَّما: جاز له بيع الطعام له من غير حرج.

ومثله يقال في الجمعيات التي تأخذ الزكاة من الناس، فما علمت أنه محرم لذاته لم تأخذه ابتداء، أو تأخذه وترده لأصحابه إن كانوا معلومين، أو تأخذه وتنفقه في وجوه الخير المتنوعة، لا في مصارف الزكاة فحسب، بل أوسع منها، وما لم تعلم عن حاله: فالأصل براءة ذمة الناس، وخاصة من جاء ليبذل زكاته، ولا يشترط على تلك الجمعيات التحري والتدقيق عن مصدر الأموال التي تأتي مع أصحابها.

 

والله أعلم.