الرئيسية بلوق الصفحة 88

هل ثبت النهي عن المبيت منفردا؟ وهل يشمل هذا المعتكف؟

هل ثبت النهي عن المبيت منفردا؟ وهل يشمل هذا المعتكف؟

السؤال:

سؤالي حول العشر الأواخر، إن رسول الله قد نهى أن يبيت الرجل وحيدا، فهل يجوز للرجل أن يعتكف في مسجد وحيدا؟

والسؤال الثاني: وهل يجوز الاعتكاف في مسجد لا تقوم فيه الجمعة ثم هل يجوز الخروج منه لصلاة الجمعة ثم الرجوع إليه؟ وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

مما لا شك فيه أن الوَحدة مذمومة سواء في السفر أو في الحضر؛ لما فيها من مفاسد كثيرة، وقد جاء النص الصريح في بيان خطورة سير الإنسان وحده.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ ). رواه البخاري ( 2836 ).

* قال ابن حجر:

وقوله ( مَا أَعْلَمُ ) أي: الذي أعلمه من الآفات التي تحصل من ذلك …

” فتح الباري ” ( 6 / 138 ).

وأما النهي عن أن يبيت المسلم وحده: فقد ورد في مسند الإمام أحمد، لكن الذي يظهر أن هذه الزيادة في الحديث شاذة غير صحيحة.

فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ ). رواه أحمد ( 5618 ).

* قال الشيخ شعيب الأرناؤط:

صحيح دون النهي عن أن يبيت الرجل وحده، وهي زيادة شاذة تفرد بها أبو عبيدة الحداد.

وقد صحح الشيخ الألباني هذه الزيادة، وذكر لها شاهدا مرفوعا وآخر موقوفا، وبالنظر في أسانيد هذه الشواهد تبيَّن لنا عدم صحتها، وبالتالي عدم صلاحيتها للاحتجاج.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وله شاهد موقوف يرويه عاصم بن سليمان وغيره عن عمر بن الخطاب قال: ” لا يسافرن رجل وحده ولا ينامن في بيت وحده “. ” السلسلة الصحيحة ” ( 60 ).

* وقال – رحمه الله -:

وللحديث شاهد من حديث جابر بزيادة: ولا نام رجل في بيت وحده.

” السلسلة الصحيحة ” ( 61 ).

وأثر عمر رضي الله عنه لا يصح لأنه منقطع، وحديث جابر فيه أبو الزبير وهو مدلس، وفيه محمد بن القاسم الأسدي، وهو متهم بالكذب، قال الإمام أحمد: أحاديثه موضوعة، ليس بشيء، وقال البخاري عن أحمد: رمَيْنا حديثه، وفي موضع آخر: كذَّبه أحمد، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يجوز الاحتجاج به، وقال العقيلي: يعرف وينكر تركه أحمد، وقال: أحاديثه أحاديث سوء.

انظر ” تهذيب التهذيب ” ( 9 / 361 ).

وقد ذكر أهل العلم أن من آفات بيات الإنسان وحده: الطمع فيه من قبَل أهل الشر، واحتمال تمكن الشيطان منه بالفتنة والشهوات المحرمة، وأنه قد يعرض له مرض ولا يجد من ينقذه، وقد يتعرض لموت ولا يُفطن له إلا من رائحته، وهكذا في آفات ومضار كثيرة، وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يبيت وحده؟ قال: أُحب أن يتوقى ذلك.

ونرى أن اعتكاف المسلم وحده في المساجد ليس من هذا الباب؛ لأن المسجد مطروق من الناس في كل أوقاته، والأصل في الاعتكاف أن يكون المسلم وحده لأنه أقرب لتحصيل مقصود الاعتكاف من القرَب إلى الله وزيادة الصلة به، وتحصيل آثار الدعاء والصلاة وقراءة القرآن، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له معتكف خاص به داخل المسجد، وثبت أن ابن عمر كان يبيت في المسجد وهو شاب، وثبت عن امرأة كانت تقم المسجد أنه كان لها حفش – بيت صغير – داخل المسجد، وكل هذا يؤكد أن الاعتكاف في المسجد لا يدخل في النهي عن أن يبيت الإنسان وحده لو كان صحيحا، فكيف والحديث لم يصحَّ أصلا؟.

 

ثانيا:

والأفضل للمعتكِف أن يكون اعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة؛ لئلا يضطر للخروج من مسجده إلى مسجد آخر، وقد ذكرنا في جواب آخر عدم اشتراط إقامة الجمعة في المسجد المُعتَكف فيه، فالصحيح: أن اعتكافه لا ينقطع، وأنه يجب عليه الخروج لأداء صلاة الجمعة.

 

والله أعلم.

كان ملتزما فأصابه الفتور وقسوة القلب بسبب المعاصي

كان ملتزما فأصابه الفتور وقسوة القلب بسبب المعاصي

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

يا شيخ أحبكم في الله، وجزاك الله أحسن الجزاء على ما تقدمه في سبيل الله، يا شيخ أنا صاحب السؤال الأخير في محاضرة ” همسات للشباب ” في مكة والتي نقلت مباشرة عن طريق الإنترنت، والسؤال هو أنني – يا شيخ – التزمت منذ سنوات وسرت في حماس وثبات مع الشباب الملتزمين ثم أنهيت المرحلة الثانوية بنسبة عالية -ولله الحمد- فأصر والداي على ذهابي إلى سوريا لأدرس هناك، ودخلت كلية الهندسة المدنية في حمص وكما تعلمون فهناك الجامعة مختلطة، تأثرت كثيرا في البداية ثم تعودت و( أخذت على الجو ) واستهترت بالنظرة الحرام، وعدت ولله الحمد إلى مكة ولكن لست ” أنا ” الذي خرج منها، الحمد لله مبادئي كما هي ولكنني أحس بقسوة في قلبي وفتور عجيب، فما نصيحتكم لي – فتح الله عليكم -؟ وجزاكم الله خيرا، وجمعني بكم على خير في الدنيا والآخرة.

ملاحظة يا شيخنا: المحاضرة نقلت صوتا فقط ولم تأت الصورة وقد قطع الاتصال أكثر من مرة وأحسست من الحضور لهوا عن استماع المحاضرة بشكل يستفز الأعصاب من كثرة قطع الاتصال فأرجو يا شيخ أن توكلوا من عنده خبرة في المرة القادمة وأن تكون هناك أحدث التجهيزات لنقل المحاضرة لتتم الفائدة وجزيتم خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أحبك الله الذي أحببتني من أجله، وأسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للهداية، وأن يثبتك على دينه، وأن يرزقك حسن العبادة.

وما تعاني منه من قسوة القلب والفتور إنما هو بسبب المعاصي التي اقترفتَها بالدراسة في أماكن الاختلاط وما صاحب ذلك من نظر وغيره مما يسبب قسوةَ في القلب وإغلاقا لمنافذ الخير والهداية إليه.

والمطلوب منك الآن أن ترجع إلى ما كنتَ عليه بل أحسن، والواجب عليك أن تندم على ما حصل منك من تفريط في حق الله وحق نفسك، وأن تعزم على أن لا تعود إلى تلك المعاصي، ويتحتم عليك الإكثار من الطاعات وتكوين بيئة صالحة تعينك على الخير وتدلك على سبل الهداية.

* ويكمن علاج ما تعانيه من الفتور وقسوة القلب في النقاط التالية:

  1. الحرص على صلاة الجماعة، مع الخشوع والطمأنينة، والتبكير في الذهاب.
  2. الحرص على النوافل من صلاة – وخاصة في آخر الليل -، وصيام – ولو يوما واحدا في الأسبوع – مع الإكثار من زيارة بيت الله الحرام للعمرة.
  3. قراءة كتاب الله وتدبر آياته، والتفكر في أحوال الطائعين والمخالفين، والاتعاظ بأحوال الأمم التي تنكبت الطريق.
  4. الحرص على الأوراد اليومية ومنها: أذكار الصباح والمساء.
  5. قراءة سير أعلام النبلاء، وتراجم الأئمة العلماء، لتقف على نماذج رائعة من حيث العبادة والطاعة.
  6. زيارة القبور، والتفكر في حال الدنيا ومصير أهلها.
  7. البحث عن الرفقة الصالحة والصحبة الطيبة، تطلب معهم العلم، وتدعون معا إلى الله عز وجل، ولزوم البيئة التي تدلك على الخير وتعينك على الطاعة.
  8. قراءة كتب المواعظ والزهد، ففيها ترقيق للقلب، وبيان لحال الدنيا وأنها إلى زوال.
  9. الابتعاد عن النظر المحرَّم، والسماع المحرَّم، وعدم التساهل في ذلك.
  10. أكثر من الدعاء، وألحَّ على الله تعالى أن يرقق قلبك، وأن يهديك لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق.

 

– ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يتجاوز عنك، وأن يهديك لما يحب ويرضى.

 

والله الموفق.

عنده إشكال في موضع آيتين من القرآن في سورة التوبة

جمع القرآن وكتابة أواخر سورة التوبة والرد على الرافضة

السؤال:

في مقالة كتب صاحبها أن الآيتين رقم 128 و129 من سورة التوبة ليستا في المكان الصحيح، فقد قامت لجنة الكُتاب بوضع سورة التوبة في مكانها الصحيح واقترح أحدهم إضافة آيتين في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ووافق الجميع، غضب ” علي ” وقال بأن كلام الله يجب أن لا يبدل أو يغير.

ذكر الكاتب مرجعا لهذا وهو طبعة ” الإتقان في علوم القرآن “، القاهرة، مصر، 1318 هجري، صفحة 59.

وقال الكاتب بأنّنا نقرأ الحديث المشهور في ” البخاري ” و ” الإتقان ” للسيوطي أن كل آية في القرآن حُدد مكانها بشهادة مجموعة عدا الآيتين 128و129 من سورة التوبة فقد وجدا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري، وعندما سأل البعض عن تفسير لهذا الخطأ، جاء أحدهم بحديث أن شهادة خزيمة تعدل شهادة رجلين.

– أرجو أن تشرح الحقيقة وأن تشف صدورنا، بالمناسبة فقد قام الكاتب بإثبات ما يقول بطريقة حسابية أيضا.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر أنّ صاحب المقالة هو من جهلة أهل السنَّة أو أنه من الرافضة – الشيعة – والذي يتهمون الصحابة بأنهم زادوا في القرآن وأنقصوا منه، ويظهر هذا من ذِكره لاعتراض علي رضي الله عنه على الزيادة المزعومة في آخر سورة التوبة.

* وللوقوف على حقيقة ما ذُكر في المقالة فإنّنا نلخص الرد عليها في النقاط التالية:

  1. لمّا حاربَ الصحابة رضي الله عنهم المرتدين من أصحاب مسيلمة الكذَّاب في “اليمامة”: تفطَّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمرٍ مهم وهو كثرة قتل حفظة القرآن، فخطر له أن يقترح على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن، فتردد أبو بكر ثم شرح الله صدره، فأرسل أبو بكر لزيد بن ثابت للقيام بهذه المهمَّة الجليلة.

عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه – وكان ممن يكتب الوحي – قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة – وعنده عمر – فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تَجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت – وعمر عنده جالس لا يتكلم -: فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ فتتبعتُ القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. رواه البخاري ( 4402 ).

وقد حصل مثل هذا مع خزيمة رضي الله عنه في آية من سورة الأحزاب، مع ملاحظة أن بعض العلماء أن الذي وُجدت عنده آخر آيتي التوبة هو أبو خزيمة، وأن خزيمة بن ثابت هو الذي وُجدت عنده آيةً من الأحزاب.

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: نسختُ الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين وهو قوله: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }. رواه البخاري ( 2652 ).

  1. والذي كان يبحث عنه زيد رضي الله عنه إنما هو في المكتوب في الألواح والجلود لا فيما يحفظه الحفَّاظ من الصحابة رضي الله عنهم، والذي حصل أنهم كانوا يحفظون آخر آيتي التوبة ولم يجدوها مكتوبةً عند أحد إلا عند خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وهذا الذي قاله العلماء ومنهم السيوطي نفسه.

* قال الزرقاني: وأما قولهم في هذا الاحتجاج ” وقد ضاع بعضها ” فيظهر أنهم استندوا في ذلك إلى ما ورد من أنه فقدت آية من آخر سورة براءة فلم يجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت فظن هؤلاء أن هذا اعتراف منَّا بضياع شيء من مكتوب القرآن، وليس الأمر كما فهموا، بل المعنى: أن الصحابة لم يجدوا تلك الآية مكتوبة إلا عند  خزيمة بخلاف غيرها من الآيات فقد كانت مكتوبة عند عدَّة من الصحابة، ومع ذلك فقد كان الصحابة يقرؤونها ويحفظونها ويعرفونها، بدليل قولهم ” فقدت آية “، وإلا فما أدراهم أنها فقدت من الكتابة لو لم يحفظوها. ” مناهل العرفان ” ( 1 / 245 ، 246 ).

* وقال السيوطي: قال أبو شامة: وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال في آخر سورة التوبة ” لم أجدها مع غيره ” أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 163 ).

  1. وقد فعل أبو بكر رضي الله ما فعل بإجماع الصحابة وإقرارهم، وقد امتدح علي رضي الله عنه فعل أبي بكر وقال إنه أعظم الناس أجرا، وهو الذي قاله العلماء ونقلوه ومنهم السيوطي.

* قال السيوطي: وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قلنا فما ترى قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا نِعم ما رأيت.

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 165 ، 166 ).

* قال السيوطي: وأخرج ابن أبي داود في ” المصاحف ” بسند حسن عن عبد خير قال: سمعتُ عليّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر، هو أول مَن جمع كتاب الله. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 161 ).

  1. ولم يصح اعتراض علي رضي الله عنه على جمع القرآن، ولو صحَّ فليس معناه ما ذهب إليه الروافض، فلا يُعرف لعلي مصحف خاص به، وإنما المراد بجمعه هو حفظه للقرآن وليس جمعه كتابة، وهو الذي قاله العلماء ونقلوه ومنهم السيوطي.

* قال السيوطي: لكن أخرج أيضا – أي: ابن أبي داود – من طريق ابن سيرين قال: قال علي: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليتُ ألا آخذ عليَّ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه.

* قال ابن حجر: هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره، وما تقدم من رواية عبد خير عنه أصح، فهو المعتمد. ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 1 / 161 ).

  1. وأما خزيمة بن ثابت رضي الله عنه فلكون شهادته تعدل شهادتين قصة، وهي ما نذكره في الحديث التالي:

عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه – وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي واستتبعه ليقبض ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي، وطفق الرجال يتعرضون للأعرابي فيسومونه بالفرس وهم لا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم في السوم على ما ابتاعه به منه، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداءه فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال: لا والله ما بعتكه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد ابتعته منك فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأعرابي وهما يتراجعان وطفق الأعرابي يقول هلم شاهدًا يشهد أني قد بعتكه قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته، قال: فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: لم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين.

رواه أبو داود ( 3607 ) والنسائي ( 4647 ).

 

والله أعلم.

معترضة على كون الرجل عنده حور عين يشاركونها في زوجها

معترضة على كون الرجل عنده حور عين يشاركونها في زوجها

السؤال:

ماذا سيحصل للزوجين في الجنة؟ سمعت بأن الزوجة ستكون مع زوجها بالإضافة لسبعين من الحور في خدمته.

– هذا بالنسبة لي ليس عدلا بالنسبة للمرأة إذا شاركوها في زوجها بهذه الطريقة.

 

الجواب:

الحمد لله

* في هذا السؤال خطآن ومغالطة:

أما الخطأ الأول:

فهو قول السائلة بأن الرجل في الجنة سيكون له سبعون من الحور العين، والذي ثبت في السنَّة الصحيحة أنّ للشهيد ثنتين وسبعين من الحور العين، وأن الرجل في الجنة له زوجتان من الحور العين.

عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه “.

رواه الترمذي ( 1663 ) وابن ماجه ( 2799 ).

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة قلوبهم على قلب رجل واحد لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين يُرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم “. رواه البخاري ( 3081 ).

عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ومثل له شجرة ذات ظل… قال: ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، قال: فيقول ما أعطي أحد مثل ما أعطيت. رواه مسلم ( 188 ).

وأما الخطأ الثاني:

فهو قول السائلة إنّ الحور العين تكون للخدمة، وهذا غير صحيح، بل الذي يخدم أهل الجنة إنّما الغلمان المخلَّدون.

قال الله تعالى: { ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون } [ الطور / 24 ]، وقال: {ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } [ الإنسان / 19 ].

 

وأما الحور العين فهنَّ زوجات للرجل في الجنّة عدا عن زوجاته من أهل الدنيا، قال الله تعالى: { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } [ الدخان / 54 ]، وقال تعالى: { مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } [ الطور / 20 ].

وأما المغالطة:

فهي قول السائلة ” هذا بالنسبة لي ليس عدلا بالنسبة للمرأة إذا شاركوها في زوجها بهذه الطريقة، إذ العدل إنّما هو في أحكام الشرع لا فيما يظنه من لم يعرف الشرع وأحكامه فضلا عن حِكَمه.

والأخت السائلة تظن أن ما في قلبها من الغيرة وما يعقب ذلك من الكمد والأسى سيبقى معها في الجنة، وهذا غير صحيح، ومن هنا جاءت المغالطة في سؤالها.

قال الله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الأعراف / 43 ].

فليس في الجنة إلا النعيم والسرور، ولا مكان للحقد والغل في قلوب أهل الجنة، والحور العين خلْق من الله تعالى إكرامًا لأهل الجنة زيادة في نعيمهم, ثم إن الرجل يُعطى قوة مئة رجل في الجماع، فليس ثمة ما يؤثر كثرة العدد على المرأة، ولن يكون في قلبها ما يكون في الدنيا تجاه ضرائرها أو تجاه إماء زوجها.

عن زيد بن أرقم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الرجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع “، فقال رجل من اليهود: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر “. رواه أحمد ( 18827 )، وصححه ابن حبان ( 16 / 443)، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 1627 ).

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع, قيل: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: يُعطى قوة مائة “.  رواه الترمذي ( 2536 )، وصححه ابن حبان ( 16 / 413 )، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 8106 ).

 

والله أعلم.

حكم الجهاد في أفغانستان ونبذة عن التصوف

حكم الجهاد في أفغانستان ونبذة عن التصوف

السؤال:

  • عمري 15 سنة وأعيش في سنغافورة وأريد أن أذهب للجهاد في أفغانستان بعد أن أتعلم أحكام الجهاد ولكن والداي يعارضان فماذا أفعل؟
  • قال أستاذي بأن الجهاد فرض عين وأن الجميع يجب أن يذهبوا أو على الأقل بأن يساعدوا قدر المستطاع، فهل هو على حق (بالنسبة لعمري)؟
  • ماذا أقول لوالداي؟
  • قرأت عن الصوفية ومع الأسف فقد نشأت في بيئة صوفية وأشعر بأن عقيدتهم غير صحيحة ودائما أسأل نفسي هل هم على صواب؟ لماذا يوجد لبعضهم قدرة خاصة على علم الغيب أو التحدث مع الجن؟ ويقولون بأنهم يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم على الطريق الصحيح ودائماً يتهمون العلماء ويقولون بأنهم وهابيون، تجادلت مع أحد الصوفية وقلت له بأننا يجب أن نتبع السنَّة فقال بأنه يوجد الكثير من الأحاديث وأن هذه الأحاديث الموجودة في الكتب هي جزء بسيط منها ويوجد بها الكثير من الأحاديث التي اختلقها اليهود.

– أرجو أن تجيب على أسئلتي و جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، وفي مثل هذه الحال يجب استئذان الوالدين قبل القيام به، فإن صار فرض عينٍ: فلا إذن لهما في هذه الحال، وتجد تفصيل هذا في أجوبتنا الأخرى.

والمجاهدون في أفغانستان ليسوا بحاجة إلى رجال، وحاجتهم إلى المال ورعاية أسر الأسرى والمفقودين والشهداء – بإذن الله – أكثر من حاجتهم لمن قد يكون عليهم عبئا في ساحات الجهاد.

ثانيا:

والجهاد لي فرض عين، وقد أحلناك في الفقرة الماضية على أجوبة تجد فيها كلام أهل العلم وبيانهم الحالات التي يكون الجهاد فيها فرض عين.

ولا يُعرف القول بفرضية الجهاد العيني عن أحدٍ من أهل العلم المعروفين، ولو كان كذلك لكان أستاذك آثما لعدم التحاقه بركب الجهاد والمجاهدين.

ويمكن لكل مسلم أن يساعدهم بقدر استطاعته، وأوجه ذلك كثيرة منها: المال، والنفس، والدعاء، والذب عنهم، وغير ذلك من الأوجه المتعددة.

 

 

ثالثًا:

سبق أن الجهاد ليس فرض عين، فإذا أردت الذهاب إلى أرضِ الجهاد فلا بدَّ من معرفة الحاجة لوجودك هناك وهل تستطيع الإعانة أم لا، وقد ذهب آلاف الشباب ولم يستفد منهم أحد، وقد قال أمراء الجهاد إنهم ليسوا بحاجة لمن لا يعرف الأمكنة والطرق، ومع هذا ذهب الكثيرون من غير داعٍ شرعي، فلا نريد لك أن تقع فيما وقع فيه غيرك، فنرى أن تبقى عند أهلك، وأن تطلب العلم، وأن تدعو إلى الله عز وجل، وهذا من الجهاد فلا تفرط فيه وهو بمقدورك أن تفعله، والناس بحاجة إليه.

رابعا:

الصوفية فرق متعددة وكثيرة، وهي تجتمع على البدعة والخرافة، وبعض فرقها خارج عن الإسلام لاعتقدها بأن الله تعالى قد حلَّ في المخلوقات، ولغيرها من الاعتقادات.

لكن القاسم المشترك بينها البدعة واعتقاد الخرافات أنها كرامات، والغيب المطلق لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون } [ النمل / 65 ]، ولا يُظهر الله تعالى الغيبَ إلا على نبي أو رسول، قال تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا } [ الجن / 26 ، 27 ]، فمن ادَّعلى أنه يعلم الغيب فهو كاذب.

ولمعرفة حكم الانتماء لهذه الفرقة، وكلام أهل العلم في ذلك، راجع أجوبتنا الأخرى في الموقع.

خامسا:

وأما نبز الصوفية لعلماء أهل السنة بأنهم ” وهابية ” فإنّما هو لتنفير الناس عنهم، وقد أشاع أهل الضلال والكذب بين الناس أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصحابه أنهم لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم يكفرون عامة المسلمين، وأنهم يستحلون دماء الناس وأموالهم، وغير ذلك، وكل ذلك من الكذب والظلم.

ولمزيد البيان حول هذه الشبهة وهذا الاتهام ولمعرفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما يتعلق به وبدعوته من شبهات: انظر أجوبتنا الأخرى.

سادسا:

وأما قولهم وقول غيرهم من وجود أحاديث مختلقة فصحيح، لكن الله تعالى قد تكفَّل بحفظ الكتاب والسنَّة، وقيَّض رجالا على قدر عظيم من الفهم والحفظ للقيام بهذه المهمة.

* وفي جواب آخر بيَّنا كيف تُعرف الأحاديث الصحيحة من الموضوعة، وممّا قلنا هناك:

– قال سفيان الثوري: الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض.

– وذكر الحافظ الذهبي أن هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتها، فقال الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفًا حرفًا.

ولتعلم أخي السائل أن الصوفية أنفسهم كان لهم دور كبير في نشر الأحاديث الموضوعة والمكذوبة، وأن علماء أهل السنة هم من تصدى لهم ولغيرهم لبيانها وكشفها.

 

والله أعلم.

هل قام الحجاج بتغيير القرآن؟

السؤال:

أرجو أن تجيب على هذا السؤال فهو مهم بالنسبة لي، فقد كنت أقرأ في صفحة معادية للإسلام على الإنترنت حيث قال أحد النصارى بأن الشيخ السجستاني قال في كتابه ” المصاحف ” بأن الحجاج قد غيَّر في حروف المصحف وغيَّر على الأقل عشر كلمات، يدَّعي بأن السجستاني قد ألَّف كتاب اسمه” ما غيَّره الحجاج في مصحف عثمان ” وقد ادَّعى هذا النصراني بأنَّه جمع الكلمات العشر التي تم تغييرها باللغة العربية.

حاولتُ الحصول على نسخةٍ من هذا الكتاب دون جدوى فأرجو التوضيح، فأنا لا أتخيَّل أنَّ جميع العلماء والحفَّاظ يسمحون لشخصٍ بأن يغيِّر القرآن ولا يقولوا شيئا، حتى ولو أن السجستاني روى هذا.

هذا الأمر لا يُعقل أبداً لأننا لسنا كاليهود والنصارى لا نحفظ كتابنا ونتركه لرجال الدين، فالمسلمون يحفظ كثير منهم القرآن وكلهم يتلوه فلا يعقل أن لا يلاحظ أحد الفروق والاختلافات.

– أرجو أن تستطيع الحصول على هذا الكتاب وتوضح هذا الأمر لي بالتفصيل فأنا مهتمٌّ جدّاً بهذا الأمر. جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يمكن أن يتطرق الشك بالنسبة للمسلم في ثبوت القرآن، فقد تكفَّل الله تعالى بحفظ القرآن فقال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر / 9 ]، وقد كان القرآن محفوظا في صدور الحفاظ الصحابة وعلى جذوع الأشجار واللحائف إلى زمان الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي  حروب الردة قتل كثير من حفاظ الصحابة فخشي أبو بكر- رضي الله عنه -أن يذهب القرآن ويضيع في صدور الصحابة، فاستشار كبار الصحابة لجمع القرآن كاملا في كتابٍ واحدٍ حتى يبقى محفوظاً من الضياع، وأوكل المهمة إلى جبل الحفظ زيد بن ثابت وغيره من كتاب الوحي.

فأخرج البخاري في ” صحيحه ” ( 4986 ) عن  زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: ” أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنه “.

ثانيا:

– وأما الحجاج فلم يباشر بنفسه كتابة المصحف، بل أمره بعض الحاذقين بذلك، وإليك القصة كاملة:

* قال الزرقاني:

والمعروف أنّ المصحف العثماني لم يكن منقوطا… وسواء أكان هذا أم ذاك فإن إعجام – أي: تنقيط – المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد عبد الملك بن مروان، إذ رأى أن رقعة الإسلام قد اتسعت واختلط العرب بالعجم وكادت العجمة تمس سلامة اللغة وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يلح بالناس حتى ليشق على السواد منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة، هنالك رأى بثاقب نظره أن يتقدم للإنقاذ فأمر الحجاج أن يُعنى بهذا الأمر الجلل، وندب ” الحجاج ” طاعة لأمير المؤمنين رجلين يعالجان هذا المشكل هما: نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، وكلاهما كفء قدير على ما ندب له، إذ جمعا بين العلم والعمل والصلاح والورع والخبرة بأصول اللغة ووجوه قراءة القرآن، وقد اشتركا أيضا في التلمذة والأخذ عن أبي الأسود الدؤلي، ويرحم الله هذين الشيخين فقد نجحا في هذه المحاولة وأعجما المصحف الشريف لأول مرة ونقطا جميع حروفه المتشابهة، والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث، وشاع ذلك في الناس بعدُ فكان له أثره العظيم في إزالة الإشكال واللبس عن المصحف الشريف.

وقيل: إنّ أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وإن ابن سيرين كان له مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر، ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف ولكن بصفة فردية، ثم تبعه ابن سيرين، وأن عبد الملك أول من نقط المصحف، ولكن بصفة رسميَّة عامَّة ذاعت وشاعت بين الناس دفعاً للبس، والإشكال عنهم في قراءة القرآن.

” مناهل العرفان ” ( 1 / 280 ، 281 ).

ثالثا:

وأما ما جاء في السؤال نقلا عن كتاب ” المصاحف ” لابن أبي داود: فإليك الرواية فيه والحكم عليها:

عن عبَّاد بن صهيب عن عوف بن أبي جميلة أنّ الحجاج بن يوسف غيّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفا، قال:

* كانت في البقرة: 259 { لم يتسن وانظر } بغير هاء، فغيرها ” لَم يَتَسَنّه “.

* وكانت في المائدة: 48 { شريعة ومنهاجا } ، فغيّرها ” شِرعَةً وَمِنهاجًا “.

* وكانت في يونس: 22 { هو الذي ينشركم }، فغيَّرها ” يُسَيّرُكُم “.

* وكانت في يوسف: 45 { أنا آتيكم بتأويله }، فغيَّرها ” أنا أُنَبِئُكُم بِتَأوِيلِهِ “.

* وكانت في الزخرف: 32 { نحن قسمنا بينهم معايشهم }، فغيّرها ” مَعِيشَتَهُم “.

* وكانت في التكوير: 24 { وما هو على الغيب بظنين }، فغيّرها { بِضَنينٍ }… الخ ..

كتاب ” المصاحف ” للسجستاني ( ص 49 ).

وهذه الرواية ضعيفة جدّا أو موضوعة؛ إذ فيها ” عبَّاد بن صهيب ” وهو متروك الحديث.

قال علي بن المديني: ذهب حديثه، وقال البخاري والنسائي وغيرهما: متروك، وقال ابن حبان: كان قدريًّا داعيةً، ومع ذلك يروي أشياء إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة شهد لها بالوضع، وقال الذهبي: أحد المتروكين. انظر ” ميزان الاعتدال ” للذهبي ( 4 / 28 ).

ومتن الرواية منكر باطل، إذ لا يعقل أن يغيِّر شيئا من القرآن فيمشي هذا التغيير على نسخ العالم كله، بل إن بعض من يرى أنّ القرآن ناقص غير كامل من غير المسلمين كالرافضة – الشيعة – أنكرها ونقد متنها:

قال الخوئي – وهو من الرافضة -: هذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين وخرافات المجانين والأطفال، فإنّ الحجّاج واحدٌ من ولاة بني أُمية، وهو أقصر باعا وأصغر قدرا من أن ينال القرآن بشيءٍ، بل هو أعجز من أن يغيّر شيئا من الفروع الإسلامية، فكيف يغير ما هو أساس الدين وقوام الشريعة؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله؟ وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته؟ وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج وانتهاء سلطته؟ وهب أنّه تمكّن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذّ عن قدرته نسخةٌ واحدةٌ من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكّن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلاّ الله.

” البيان في تفسير القرآن ” ( ص 219 ).

وما نقله السائل عن الإمام السجستاني من أنه ألَّف كتابا اسمه ” ما غيَّره الحجاج في مصحف عثمان “: غير صحيح بل كذب ظاهر، وكل ما هنالك أن الإمام السجستاني ترجم للرواية سالفة الذكر عن الحجاج بقوله: ( باب ما كتب الحجَّاج بن يوسف في المصحف ).

 

والله أعلم.

سقطت فمات الولد، فهل عليها كفارة؟

السؤال:

أنا متزوج ولله الحمد، ورزقنا الله بمولود، والحمد الله، وبعد 4 سنوات نرزق بأخرى، لكن يموت في الشهر الخامس وهو كامل ومخلق ومات من أثر أن زوجتي سامحها الله كانت تعمل في البيت وتنظف وكان من بين النظافة شفاط المطبخ وصعدت لتنظفه وشاء الله أن تسقط وتنزف المياه التي في المشيمة وهي لا تخبرني بما حدث إلا بعد فوات الوقت وقدَّر الله علينا الخسارة من جهتين والحمد الله { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم }، مات الولد.

والآن هل على زوجتي أي إثم في ذلك؟ وما هي الكفارة إن وجدت؟

– أفيدونا جزاكم الله خيرًا، والله يحفظكم ويرعاكم وينفع بعلمكم الإسلام والمسلمين.

 

الجواب:

الحمد لله

ما حصل لزوجتك لا يترتب عليها بسببه إثم؛ لأن ما حصل ليس بإرادتها إنما بقدَر الله عز وجل، وقد رفع الله تعالى الإثم في حال الخطأ وعدم القصد.

قال الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ الأحزاب / 5 ] .

ولا يترتب على زوجتك دية ولا كفارة، وإنّما تترتب الدية والكفارة في حال وجود التعدي والتفريط، والتعدي: فعل ما لا يسوغ، والتفريط: ترك ما يجب، وهو ما لم يحصل من زوجتك.

*وقد وردت فتاوى عديدة عن علمائنا في مسائل متشابهة، وكان الحكم فيها كما ذكرنا.

– قال الشيخ ابن عثيمين:

يجب التحقق من سبب الحادث، فإن كان بتفريط أو تعدٍّ من السائق: فعليه الضمان والكفارة، وإن لم يكن بتعد ولا تفريط: فليس عليه شيء.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 357 ).

– وقال علماء اللجنة الدائمة:

إذا كان الواقع من حالك وحال البنت ما ذكرت: فليس عليك دية ولا كفارة، ومجرد أنك حفرتَ بئرا لا يعتبر سببا للإثم أو إدانتك بشيء من ذلك.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 358 ).

– وسئل الشيخ ابن باز:

لدي طفلة رضيعة وضعتْها أمها في فراشها وذهبت للأطفال الآخرين وجلست عندهم حتى ناموا، وغلبها النوم هي فنامت معهم، وعند مجيئي واستيقاظها وجدت أن الطفلة قد بكت كثيرا، وظهر أثر البكاء عليها فرقدت في المستشفى عدة أيام وتوفيت بسبب ذلك.

السؤال: هل على الأم كفارة؟ ما هي أثابكم الله؟

فأجاب:

إذا كان الواقع هو ما ذكره السائل: فليس على أم الطفلة شيء لكونها لم تفعل ما يسبب موتها، وبالله التوفيق. ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 362 ).

 

وأخيرا: نقول: لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل، وعظَّم الله أجركم، ونسأل الله أن يعوضكم خيرا منه.

 

والله أعلم.

عنده لبس في مسألة الرّق، والإجابة على بعض الإشكالات.

عنده لبس في مسألة الرّق، والإجابة على بعض الإشكالات.

السؤال:

– هذه هي الحالة، وأريد أن أعرف هل هذا حلال أم حرام؟

قبل عدة سنوات احتجت لبعض الخدم لأجل راحتي ومساعدتي ولكي أتمكن من تحقيق أعمالي، كانت عندي الاستطاعة أن أدفع للخدم ما أرادوه وأن أريحهم حسب شروطهم.

كان بينهم امرأة صغيرة السن وقد وافقت على شروط العقد، هذه الخادمة تكون موجودة فقط حين حاجتي لها وتذهب حين عدم الحاجة لها.

بما أن تلك الفتاة لا زالت تسكن مع أهلها وليست متزوجة فقد وافقت بأن أكون سيدها وسمحت لي بأن ألمسها وأنظر إليها، أمضينا الكثير من الأوقات سويّا ثم حررتها من العقد المبرم بيننا وتزوجتها.

– يمكن أن نتخذ العبيد وقت الحرب، ولكن متى يكون هذا؟

– كيف نتخذ العبيد وما هي الشروط الشرعية؟

– هل يجوز للسيد والأمة أن تكون بينها علاقة جسدية وإلى أي حد؟

– هل هناك حدود للفارق في العمر بين السيد وأمته؟

– هل يمكن أن يتم هذا بالسر أم يجب إعلانه؟

– ما هو الحد الأدنى للعمر الذي يجب أن يكون عليه السيد والأمة؟

– هل توجد الإماء في وقت الحرب فقط؟ وهل هناك طريقة أخرى لامتلاك أمة؟

– هل صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يملك العديد من العبيد؟

– أرجو أن تجيب في أسرع وقت فقد حاولت البحث في الموقع عن جواب ولا أعرف أحدا أسأله.

 

الجواب:

الحمد لله

* بعض الأسئلة متكررة ومتداخلة ولذا سنجيب عليها – إن شاء الله – جميعها في هذه النقاط :

أولًا:

فعلُك الذي فعلتَ مع الخادمة حرام لا يحل لك، والخادمة ليست أمَة حتى تستحل لمسها ومعاشرتها، فالخادمة حرَّة لا تحل لك إلا بالزواج والذي فعلتَه متأخرًا – للأسف -.

والعقد الذي بينك وبين الخادمة هو عقد إجارة على عمل يديها للخدمة في المنزل، وليس عقدًا تستحل فيه معاشرتها، فقولك: ” ثم حررتها من العقد المبرم بيننا “: ليس له أصل من الصحة الشرعيَّة بالمعنى الذي ذهبتَ إليه.

ثانيًا:

يمكن اتخاذ العبيد من الحروب التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، لا ما يكون بين المسلمين أنفسهم في وقت الفِتَن.

فقد حصر الإسلام مصادر الرق التي كانت قبل الرسالة المحمدية في مصدر واحد وهو: رق الحرب الذي يفرض على الأسرى من الكفار.

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: وسبب الملك بالرق: هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله فتكون كلمة الله هي العليا على الكفار: جعلهم ملْكًا لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من المصلحة للمسلمين. أ.هـ ” أضواء البيان ” ( 3 / 387 ).

ثالثًا:

ويتم توزيع الإماء على المحاربين من قِبَل قائد الحرب، ويجوز لمن تملَّك أمَةً أو عبدًا أن يبيعهما، وفي كلا الحالتين – التملُّك من المعركة أو من البيع – لا يجوز للرجل أن يعاشر الأمَة إلا بعد أن يستبرئها بحيضة، فإن كانت حاملًا: فعليه أن ينتظر حتى تضع حملها، وهذا يعني أنه يمكن أن تكون الأمَة متزوجة.

قال الله تعالى – في سياق تعداد النساء المحرَّمات على الرجل – { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [ النساء / 24 ].

عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين قال: ” لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره – يعني : إتيان الحبالى -، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم “. رواه أبو داود ( 2158 )، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود ” ( 1890 ).

رابعا:

يجوز أن تكون علاقة جسدية بين الرجل وأمَته كما يكون بين الرجل وزوجته من حيث المعاشرة الجسديَّة.

خامسًا:

ولا حدود للفارق في السنِّ بين الرجل وأمَته، إلا أنّه لا يجوز له معاشرتها إلا بعد أن تكون مطيقةً لذلك.

سادسًا:

يجب أن تكون العلاقة بين الرجل وأمَته معلَنة غير سريَّة؛ وذلك لترتب أحكامٍ على هذا الإعلان، ومنها: ما قد يكون بينهما من أولاد، ومنه دفع الريبة عنه وعنها من قِبل الناس ومن يشاهدهما سويًّا.

سابعًا:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك بعض الإماء والعبيد، ومنهم:

* قال ابن القيم:

مواليه صلى الله عليه وسلم فمنهم: زيد بن حارثة بن شراحيل، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعتقه وزوَّجه مولاته أمَّ أيمن، فولدت له أسامة، ومنهم أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كبشة سُلَيم، وشقران – واسمه صالح -، ورباح – نوبي -، ويسار – نوبي أيضًا، وهو قتيل العرنيين -، ومِدْعَم، وكِرْكِرَة – نوبي أيضًا- ، … وكلاهما قُتل بخيبر، ومنهم: أنجَشَة الحادي، وسفينة بن فروخ – واسمه مهران، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة؛ لأنّهم كانوا يحمِّلونه في السفر متاعهم، فقال: أنت سفينة – قال أبو حاتم: أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال غيره: أعتقته أم سلمة، ومنهم أنَسَة، ويكنى أبا مِشرح، وأفلح، وعُبيد، وطهمان – وهو كيسان -، وذكوان، ومهران، ومروان – وقيل: هذا خلاف في اسم طهمان، والله أعلم -، ومنهم حُنين، وسندر، وفضالة – يماني -، ومابور – خصي -، وواقد، وأبو واقد، وقسام، وأبو عسيب، وأبو مُويهبة.

ومن النساء: سلمى – أم رافع -، وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى، ورزينة، وأم ضميرة، وميمونة بنت أبي عسيب، ومارية، وريحانة. ” زاد المعاد ” ( 1 / 114 – 116 ).

 

والله أعلم.

أمور غيبيّة ذكر الله في القرآن وقوعها في المستقبل

أشياء تنبّأ القرآن بوقوعها وحصلت فعلًا

السؤال:

هل هناك أي من الأشياء التي تنبأ القرآن أنها ستقع قد وقعت بالفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

– نعم، هناك بعض الأشياء التي ذكر الله تعالى في القرآن أنها ستقع، وقد وقعت بالفعل، ومنها:

  • هزيمة الفرس على أيدي الروم في بضع سنين:

قال تعالى: { غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ } [ الروم / 2 – 4 ].

* قال الشوكاني:

قال أهل التفسير: غَلبت فارسُ الرومَ، ففرح بذلك كفارُ مكة وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، وقالوا: نحن أيضا نغلبكم كما غَلبت فارسُ الرومَ، وكان المسلمون يحبُّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب … { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } أي: والروم من بعد غَلب فارس إياهم سيغلبون أهلَ فارس …

قال الزجاج: وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله؛ لأنه إنباء بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه. ” فتح القدير ” ( 4 / 214 ).

  • العداوة بين فِرق النصارى إلى يوم القيامة:

قال تعالى: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [ المائدة / 14 ].

* قال ابن كثير:

{ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، ولذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقةٍ تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر باليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 34 ).

ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان:

قال الله تعالى: { هوَ الذي أرْسَل رَسُولَه بِالهُدَى ودِينِ الحقِّ } الآية [ التوبة / 33 ، الفتح / 28 ، الصف / 9 ].

 

 

 

* قال القرطبي:

ففعل ذلك، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا برّا وبحرا. ” تفسير القرطبي ” ( 1 / 75 ).

  • فتح مكة:

قال الله تعالى: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحا قَرِيبا } [ الفتح / 27 ].

* قال الطبري:

يقول تعالى ذكره: لقد صدق الله رسولَه محمَّدا رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيتَ الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك مقصِّرا بعضهم رأسَه ومحلِّقا بعضهم، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ” تفسير الطبري ” ( 26 / 107 ).

قال الله تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } [ الأنفال / 7 ].

* قال ابن الجوزي:

والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين، والطائفتان: أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من قريش، فلما سبق أبو سفيان بما معه كتب إلى قريش إن كنتم خرجتم لتحرزوا ركائبكم فقد أحرزتها لكم، فقال أبو جهل: والله لا نرجع، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد القوم فكره أصحابه ذلك، وودوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال، فذلك قوله: { وتودون أن غير ذات الشوكة } أي: ذات السلاح. ” زاد المسير ” ( 3 / 324 ).

 

والله أعلم.

ما حكم الصلاة في السيارة؟

السؤال:

أشكركم على فتح المجال لي لأطرح سؤالي المحير من فترة وأسأل الله تعالى أن يدل حيرة كل مسلم.

أنا امرأة ساكنة الجبيل الصناعية وإذا ذهبت مع زوجي إلى الدمام أو الخبر لعمل ما أو بغرض أن نتمشى أو نتسوق يدركنا صلاة المغرب أو العشاء فنذهب للبحث عن مسجد فيه مصلى نساء أحيانا لا نجد فيصلي زوجي في المسجد وأنا لا أجد مكان أصلي فيه والله يعلم أننا نبحث وبشكل جدي ولكن للأسف كما قلت أحيانا لا نوفق فأضطر أن أصلي في السيارة وأنا جالسة.

* السؤال: هل تصح صلاتي بهذه الطريقة علما أنني فعلت هكذا أكثر من مرة؟

– أفيدوني وفقنا الله إلى ما يحب ويرضى وجزاكم الله كل خير وسدد خطاكم.

 

الجواب:

الحمد لله

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة عن ذلك فأجابوا:

إذا كان راكب السيارة أو القطار أو الطائرة أو ذوات الأربع يخشى على نفسه لو نزل لأداء الفرض ويعلم أنّه لو أخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يصلي فيه فات وقتها: فإنَّه يصلِّي على قدر استطاعته؛ لعموم قوله تعالى: { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } [ البقرة / 286 ]، وقوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن / 16 ]، وقوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج / 78 ].

وأما كونه يصلي أين توجهت المذكورات أم لا بد من التوجه إلى القبلة دوما واستمرارا أو ابتداء فقط: فهذا يرجع إلى تمكنه، فإذا كان يمكنه استقبال القبلة في جميع الصلاة: وجب فعل ذلك؛ لأنّه شرط في صحة صلاة الفريضة في السفر والحضر، وإذا كان لا يمكنه في جميعها، فليتق الله ما استطاع، لما سبق من الأدلة، هذا كله في الفرض.

أما صلاة النافلة فأمرها أوسع، فيجوز للمسلم أن يصلِّي على هذه المذكورات حيثما توجهت به، ولو استطاع النزول في بعض الأوقات؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفل على راحلته حيث كان وجهه، لكن الأفضل أن يستقبل القبلة عند الإحرام حيث أمكنه في صلاة النافلة حين سيره في السفر.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن منيع ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 123 ، 124 ).

 

وقالوا – أيضا -:

يصح الفرض على الراحلة واقفة أو سائرة؛ خشية التأذي بوحل أو مطر ونحوه؛ لقول يعلى بن مرة رضي الله عنه: ” انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النَّبي صلَّى الله عليه وسلم فصلَّى بهم – يعني إيماء – يجعل السجود أخفض من الركوع “، رواه أحمد، والترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم. انتهى.

وكذا يصح الفرض على الراحلة إذا خاف انقطاعاً عن رفقته بنزوله، أو على نفسه من عدو، أو عجز عن ركوب إن نزل، وعليه الاستقبال إن قدر عليه، وعليه أن يركع ويسجد، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ للحديث المذكور، ولعموم قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن / 16 ].

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 125 ، 126 ).

 

        مع التنبيه: أنّ حديث يعلى بن مرة ضعّفه الغساني في ” تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني ” وضعّفه الألباني في ” ضعيف الترمذي ” ( 65 ). هذا وننبه أختنا السائلة أنه يمكنها أن تصلي بجانب السيارة وهي قائمة بعد انتهاء زوجها من صلاته، فتجمع بين أداء الصلاة على أكمل وجهها، وبين الأمان، وما يعتقده بعض الناس من بطلان صلاة المرأة في الطريق إذا رآها الأجنبي: لا أصل له في الشرع.

 

والله أعلم.