الرئيسية بلوق الصفحة 131

هل تشمل ضمة القبر الأنبياء عليهم السلام؟

هل تشمل ضمة القبر الأنبياء عليهم السلام؟

السؤال:

قرأت حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ ) فهل هذه الضمة تشمل كل شخص بما في ذلك الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين؟ وهل هناك سبيل للوقاية منها؟

 

الجواب:

الحمد لله

جاء في أحاديث السنة النبوية ” ضمة القبر “، ولكن هل تشمل الضمة القبر الأنبياء؟ الجواب: ليس ثمة شيء ثابت في ذلك في نصوص الوحي، ولكننا وقفنا على كلام كثير من العلماء يقولون باستثناء الأنبياء من تلك الضمة، ويتعين هذا القول عند من يقول بأن الضمة يكون حالها بحسب حال ذنوب أصحابها؛ فالأنبياء معصومون، ولا ضمة عليهم ولا سؤال لهم في قبورهم.

قال السيوطي – رحمه الله – وقد ذكر حديثًا في ضمة القبر ليحيى عليه السلام -:

هذا الحديث منكر بمرة، وإسناده معضل، والمعروف أن الأنبياء لا يضغطون.

” شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور” ( ص 114).

* وقال المناوي – رحمه الله -:

قد أفاد الخبر أن ضغطة القبر لا ينجو منها أحد، صالح ولا غيره، لكن خُص منه الأنبياء كما ذكره المؤلف – أي: السيوطي – في ” الخصائص “. ” فيض القدير ” ( 5 /424).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لكن استثنى” الحكيم” – وهو الحكيم الترمذي – الأنبياء والأولياء!، فمال إلى أنهم لا يُضمُّون ولا يُسألون.

وأقول: استثناؤه الأنبياء ظاهر، وأما الأولياء: فلا يكاد يصح، ألا ترى إلى جلالة مقام سعد بن معاذ وقد ضُمَّ. ” فيض القدير ” ( 5/ 398 ).

* وقال الشيخ أحمد النفراوي المالكي – رحمه الله -:

وأما الأنبياء فقال بعضهم: ولا يُعلم أن للأنبياء في قبورهم ضمة ولا سؤال؛ لعصمتهم. ” الفواكه الدواني” ( 2/ 688 ).

* وقال سليمان البجيرمي الشافعي – رحمه الله -:

وأما ضمَّة القبر فهي عامة لكل ميت وإن لم يكن مكلفًا، ولم يسلم منها إِلا الأنبياء وفاطمة بنت أسد.” تحفة الحبيب على شرح الخطيب” ( 2/ 586).

قلنا: واستثناء ” فاطمة بنت قيس ” لم يثبت في السنَّة، وإنما كان اعتماد من استثناها على حديث موضوع أو ضعيف جدًّا ذكره ابن شبَّة في كتابه ” تاريخ المدينة ” ( 1 / 124 )، ففي إسناد الحديث مجاهيل، وفيه: ” عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة”، قال عنه ابن حبان رحمه الله -: ” كان كثير الوهم في الأخبار حتى يروى عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات، فإذا سمعها مَن الحديث صناعته شهد أنها مقلوبة، فاستحق الترك “. ” المجروحين” ( 2/ 27 ).

* وقال الشيخ عبدالعزيز الراجحي– حفظه الله -:

وأما الأنبياء فلا نعلم أن لهم في قبورهم ضمة.

” شرح العقيدة الطحاوية” (ص 307 ) – ترقيم الشاملة -.

فالظاهر أن ضمة القبر تشمل الشهداء والصالحين والأولياء، ولا تشمل الأنبياء، وأنه لا علاقة لها بالتكليف، وقد ذكرنا في الجواب المحال عليه أنها تشمل الأطفال، فليس ثمة طرق للوقاية منها؛ لأنها أمر حتم لازم، وليست هي بعذاب، وإنما العذاب ما يحصل بعدها بعد الاختبار للميت.

 

والله أعلم.

هل خلق الله الأشياء وقدَّر فيها خواصها وطبائعها أم أنه تعالى يخلقها عند الحدث؟

هل خلق الله الأشياء وقدَّر فيها خواصها وطبائعها أم أنه تعالى يخلقها عند الحدث؟

السؤال:

أخبرنا أستاذ المعهد الشرعي: أن الله لم يخلق في الأجسام خواصها، فمثلًا: المغناطيس لا يحتوي جاذبية، والنار لا تحتوي صفة الإحراق، لكن الله سبحانه وتعالى عندما يقع الحدث يخلق الصفة إن أراد، فمثلًا عند تقريب مغناطيسيين لمسافة معينة يخلق الله فعل الجذب، وعند اقتراب يدك من النار يخلق الله فعل الإحراق، ودليل ذلك: أن إبراهيم عليه السلام دخل النار ولم يخف لأنه على يقين بأن الله لن يخلق فعل الإحراق، وأيضًا كما حدث مع الصحابة في الحرب مع الفرس عندما اجتازوا النهر ولم يخلق الله فعل الغرق أو حتى فعل البلل بالماء فاجتازوا النهر دون أن يبتل أي شيء منهم، وقال: لذلك على المسلم أن لا يخاف من الأشياء أي مثلًا لا نخاف من الأدوات الحادة؛ لأن الله قادر على أن لا يخلق فعل الذبح.

وأنا غير مقتنع بهذا الكلام، لأنني متذكر أن الله خلق الأجسام وخلق فيها خواصها وجعل للكون سننًا يسير عليها، لكني لم أجد له دليلًا شرعيًّا، ولم أجد كلامًا يرد عليه، فلو توضحون لي الأمر مع الدليل، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما نقلتَه – أخي السائل – عن ذاك الأستاذ هو ما يقول به الأشاعرة موافقة للجبرية! وهذه المسألة يسمونها ” السببية ” وخلاصتها: نفي تأثير الأسباب بمسبَّباتها، ولا ارتباط لسبب بمسبَّب، وإنما العلاقة بينهما علاقة اقتران، فالنار – عندهم – لا تحرق بطبعها ولا هي علة الإحراق وإنما يخلق الله تعالى فيها الإحراق عند التقائها بشيء قابل للاحتراق، فالذي يحرق هو الله، والنار ليس لها أي تأثير، والسكين – عندهم – لا تقطع بطبعها ولا هي علة القطع إنما يخلق الله تعالى فيها القطع عند مرورها على الشيء القابل للقطع، فالذي يقطع هو الله، والسكين ليس لها أي تأثير، وهكذا يقولون إن الإنسان لا يشبع بالأكل بل عند الأكل ! ولا يروى بالشرب بل عند الشرب! وقد جعلوا ذلك من التوحيد، وحكموا على المخالف بالبدعة والضلالة والكفر.

 

 

 

* قال أحمد بن محمد العدوي الأشعري المشهور بـ ” الدردير “:

تَخَالُفٌ للغيْرِ وحدانيةْ *** في الذَّاتِ أو صِفَاتِهِ العليَّةْ

والفِعلِ فالتأثيرُ ليسَ إلا ** للواحِدِ القَهَّار جلَّ وعَلا
ومن يَّقُل بالطَّبعِ أو بالعلَّةْ *** فذاكَ كُفرٌ عند أهلِ المِلَّةْ
ومَن يَقُل بِالقُوَّةِ المُودَعَةِ *** فَذَاكَ بِدْعِيٌّ فلا تَلتَفِتِ

* وقال في شرحه:

يعني أنَّهُ تعَالى مُتَّصفٌ بوحدانيَّةِ الأفعالِ، فليس ثمَّ مَن له فعلٌ من الأفعال سِوَاهُ تعالَى، إذ كُلُّ ما سِوَاهُ عاجزٌ لا تأثيرَ له في شيءٍ من الأشياء.

إلى أن قال:

فلا تأثيرَ للنار في الإحراقِ، ولا للطَّعامِ في الشَّبَعِ ولا للماء في الرّيِّ، ولا في إنباتِ الزَّرعِ، ولا للكواكبِ في إنضَاجِ الفواكِه وغيرِهَا، ولا للأفلاكِ في شيءٍ من الأشياء، ولا للسِّكِّين في القطعِ، ولا لشيءٍ في دفع حَرٍّ أو بردٍ أو جلبِهِمَا وغيرِ ذلك، لا بالطَّبعِ ولا بالعلَّةِ ولا بقُوَّةٍ أودَعَهَا اللهُ فِيها، بل التأثيرُ في ذلك كُلُّهُ لله تعالى وحدَهُ بمحضِ اختيارِهِ عند وُجُودِ هذه الأشيَاءِ.

” الخريدة البهية وشرحها ” ( ص 59 – 63 ) باختصار.

وقد ردَّ أئمة السنَّة على مثل هذا القول المتهافت، وبيَّنوا أن الله تعالى خلق الأشياء وخلق تأثيرها فيها، فليس ثمة خالق مع الله، والتأثيرات ليست مستقلة عن إرادة الله تعالى، وليست فاعلة بذاتها، بل هي فاعلة بأمر الله وقدرته.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما الوقوف مع الأسباب واعتقاد تأثيرها فلا نعلم من أتباع الرسل من قال إنها مستقلة بأنفسها حتى يحتاج إلى نفي هذا المذهب، وإنما قالت طائفة من الناس وهم القدرية: إن أفعال الحيوان خاصة غير مخلوقة لله ولا واقعة بمشيئة، وهؤلاء هم الذين أطبق الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على ذمِّهم وتبديعهم وتضليلهم وبيَّن أئمة السنة أنهم أشباه المجوس وأنهم مخالفون العقول والفطر ونصوص الوحي، فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء ولمنكري الأسباب في القوى والطبائع والحكم، ولُبس على الفريقين الحق بالباطل.

إلى أن قال:

ولا تكن ممن غلظ حجابه وكثف طبعه فيقول: لا نقف معها وقوف من يعتقد أنها مستقلة بالإحداث والتأثير وأنها أرباب من دون الله، فإن وجدتَ أحداً يزعم ذلك ويظن أنها أرباب وآلهة مع الله مستقلة بالإيجاد أو إنها عون لله يحتاج في فعله إليها أو إنها شركاء له : فشأنك به فمزق أديمه، وتقرَّب إلى الله بعداوته ما استطعت، وإلا فما هذا النفي لما أثبته الله والإلغاء لما اعتبره والإهدار لما حققه والحط والوضع لما نصبه والمحو لما كتبه والعزل لما ولاه؟! فإن زعمت أنك تعزلها عن رتبة الإلهية فسبحان الله من ولاها هذه الرتبة حتى تجعل سعيك في عزلها عنها؟!.

والله ما أجهل كثيرًا من أهل الكلام والتصوف حيث لم يكن عندهم تحقيق التوحيد إلا بإلغائها ومحوها وإهدارها بالكلية وأنه لم يجعل الله في المخلوقات قوى ولا طبائع ولا غرائز لها تأثير موجبة ما، ولا في النار حرارة ولا إحراق، ولا في الدواء قوة مذهبة للداء، ولا في الخبز قوة مشبعة، ولا في الماء قوة مروية، ولا في العين قوة باصرة، ولا في الأنف قوة شامَّة، ولا في السم قوة قاتلة، ولا في الحديد قوة قاطعة، وإن الله لم يفعل شيئاً بشيء، ولا فعل شيئًا لأجل شيء  فهذا غاية توحيدهم الذي يحومون حوله ويبالغون في تقريره، فلعمْر الله لقد أضحكوا عليهم العقلاء وأشمتوا بهم الأعداء ونهجوا لأعداء الرسل طريق إساءة الظن بهم وجنوا على الإسلام والقرآن أعظم جناية وقالوا: نحن أنصار الله ورسوله الموكَلون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرسل، ولعمْر الله لقد كسروا الدِّين وسلطوا عليه المبطلين وقد قيل: ” إياك ومصاحبة الجاهل فإنه يريد أن ينفعك فيضرك”.

فقف مع الأسباب حيث أُمرت بالوقوف معها، وفارقها حيث أمرت بمفارقتها كما فارقها الخليل وهو في تلك السفرة من المنجنيق حيث عَرض له جبريل أقوى الأسباب فقال: ” ألك حاجة؟ ” فقال: ” أما إليك فلا ”  ” مدارج السالكين ” ( 3 / 402 – 409 ).

ثانيًا:

والذي دعا الأشاعرة للقول بهذا القول المبتدع والذي يخالف الشرع والفطرة والعقل: أمران، إثبات المعجزات، وإثبات قدرة الله الشاملة.

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله – عند الكلام على اعتقاد أبي حامد الغزالي -:

تأكيده لإنكار السببيَّة، وهي مسألة مشهورة في المذهب الأشعري، وقد قال بها الأشاعرة وأكدوها لأمرين :

الأول : إثبات المعجزات، التي هي في الحقيقة خوارق للعادات المعهودة، فحتى تربط هذه المعجزات بالله وقدرته بحيث يقلب العصا حيّة ويشق القمر وغيرها من الأمور الخارقة لا بدَّ من ربط هذا بإنكار التلازم الذي يدعيه الفلاسفة وغيرهم بين السبب والمسبب.

والثاني: إثبات قدرة الله الشاملة، وإبطال التولد الذي قال به المعتزلة، فالفاعل والخالق لكل شيء هو الله تعالى، وهذا بناء على مذهبهم في القدر الذي يميل إلى الجبر.

” موقف ابن تيمية من الأشاعرة ” ( 2 / 627 ).

ثالثًا:

ونصوص الكتاب والسنَّة والمشاهد بالواقع والحس يجعل ذلك القول باطلًا لا قيمة له، وقد ذكر ابن القيم أنه ثمة أكثر من عشرة آلاف موضع في القرآن والسنَّة فيه إثبات تأثير الأسباب بمسبباتها، وأن ما قاله أولئك المبتدعة قد أضحكوا بسببه عليهم أهل العقول، فأين الخلل في إثبات تأثير الأسباب بمسبباتها إذا قلنا إن خالق ذلك التأثير هو الله تعالى؟! وأين مخالفة ذلك للتوحيد الذي بعث الله تعالى به المرسَلين؟!.

* قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -:

ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنَّة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفِطَر، ولهذا قال مَن قال مِن أهل العلم: تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله وتنزيهه عن كل كمال ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل، ….

ثم مِن أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد: إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتاباً من الكتب أعظم إثباتاً للأسباب من القرآن.

ويا لله العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبَّب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسبَّبات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلَّى بينها وبين اقتضائه لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد؟! وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟! ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يُغرق والخبز لا يُشبع والسيف لا يَقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا: قالت هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير ! ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به كما تراه عِيانًا في كتبهم ينفِّرون به الناس عن الإيمان. ” شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ” ( ص 189 ).

وبما ذكرنا يتبين لك – أخي السائل – تهافت قول ذلك المدرس وفساد تلك العقيدة ومناقضتها للشرع والعقل والفطرة، وما ذكره من إلقاء إبراهيم عليه السلام يرد عليه حيث أن الأصل أن النار فيها الإحراق ولذا أعدَّها قومه له عليه السلام ولم يعدوا له ماء ليحرقوه به! وقد بيَّن الله تعالى أنه عطَّل تلك الصفة في تلك النار فخاطبها بأن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا ليس لكل نار بل لتلك المخاطَبة، ولا يملك أحد أن ينزع تلك الصفة منها إلا الله تعالى، ومثله يقال في صفة الإغراق لماء البحر لمن شاء الله تعالى أن يعطلها في حقه، فهو تعالى مالك الأسباب ومسبباتها، وتلك الحوادث تدل على وجود خاصية الإحراق في النار والإغراق في الماء لكن الله تعالى هو الذي نزعها منهما في تينك الحالتين، وهذا يدل على وجود تلك الصفات في تلك الأشياء، وأهل السنَّة هم أسعد الناس بالأدلة وهم أوفر الناس عقولًا وأقومهم فطرة، لذا لم ينكروا نصوص الشرع ولم يأتوا بما يَضحك منه العقلاء ولم يقولوا بما يخالف الفطرة، بل وقفوا مع الأسباب الموقف الشرعي الموافق لكل ذلك، ولذا فمن أراد أن يزيد في الإحراق أجَّج ناره وزاد من لهيبها، ومن أراد دقة القطع رقَّق حد السكين، ومن أراد قوة القطع صلَّب الحديد في السيف، وكل ذلك أخذاً بما جعله الله تعالى من خاصيات في تلك الأشياء التي خلقها على كيفية معينة، ومن يقول بأن الزجاج الرقيق انكسر مع رمي الحجر العظيم لا بسببه: فقد خالف الشرع وناقض العقل والفطرة.

وإليك ملخصًا نافعًا في موقف الفرق من الأسباب والقوى والطبائع في الأشياء:

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام:

  1. منهم مَن بالغ في نفيها وإنكارها، فأضحك العقلاء على عقله، وزعم أنه بذلك ينصر الشرع فجنى على العقل والشرع وسلط خصمه عليه.
  2. ومنهم مَن ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار ومدبر لها يصرفها كيف أراد فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها ويتصرف فيها كما يشاء ويختار.

وهذان طرفان جائران عن الصواب.

  1. ومنهم مَن أثبتها خلقًا وأمرًا قدرًا وشرعًا، وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به من كونها تحت تدبيره ومشيئته وهي طوع المشيئة والإرادة ومحل جريان حكمه عليها فيقوي سبحانه بعضها ببعض ويبطل إن شاء بعضها ببعض ويسلب بعضها قوته وسببيته ويعريها منها ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ليعلم خلقُه أنه الفعَّال لما يريد وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته وأن التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببًا.

وهذا باب عظيم نافع في التوحيد وإثبات الحُكم يوجب للعبد إذا تبصر فيه الصعود من الأسباب إلى مسبِّبها والتعلق به دونها وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارًّا وضارَّها نافعًا ودواءها داءً وداءها دواء، فالالتفات إليها بالكلية: شرك مناف للتوحيد، وإنكار أن تكون أسبابًا بالكلية: قدح في الشرع والحكمة، والإعراض عنها مع العلم بكونها أسبابًا: نقصان في العقل، وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض وشهود الجمع في تفرقها والقيام بها: هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة، والله أعلم.

” مدارج السالكين ” ( 1 / 243 ، 244 ).

 

والله أعلم.

علامات قبول الحج

 

السؤال:

سؤالي لفضيلتكم – يا شيخ – عن علامات قبول الحج، هل هي فعلًا أن يرجع الرجل زاهداً في الدنيا راغبًا في الآخرة؟ وهل إذا رجع الحجيج واستمر على جل معاصيه التي كان يفعلها قبل الحج من تأخير لبعض الصلوات المفروضة حتى تخرج عن وقتها، والمداومة – تقريبًا – على صلاة الصبح بعد شروق الشمس إلا القليل جدًّا من الأيام، وشرب السجائر، ومشاهدة الأفلام التي – كما تعلم حضرتك – لا تخلو من الإسفاف … الخ.

الشاهد: هل هذا دليل على عدم قبول ما قام به هذا الرجل من ( 4 حجات ) متتالية أم أنه يجوز أنها قُبلت ولكنه لم يحافظ على قلبه فعاد للذنوب والمعاصي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليعلَم ذلك الرجل أنه يرتكب منكرات من الأفعال وكبائر من الذنوب وبعضها يصل إلى الكفر المخرج من الملَّة، فسؤاله عن قبول حجه وهو مداوم على تلك الأفعال والذنوب من تلبيس الشيطان عليه حيث صرف ذهنه إلى مسألة أخرى غير التي هو واقع فيها، لذا فالجواب على سؤالك أخي السائل أن على ذلك الرجل أن يحذر مما يفعله من ذنوب ومعاص حتى لو لم يحج.

  1. فتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها منكر عظيم، وقد وقع خلاف بين العلماء في كفره وخروجه من الملَّة بفعله ذاك حتى لو كان ذلك التأخير لصلاة واحدة، وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يكفر بذلك كفرًا أكبر يخرجه من الملة، وهو الذي يرجحه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
  2. وشرب الدخان محرَّم؛ لما فيه من الخبث والضرر وإضاعة المال.
  3. والأفلام التي تسأل عنها لا يخفى حكمها على أحد؛ لما تحتوي عليه من محرمات قطعية كالتبرج والفجور في الأقوال والأفعال، ويستوي في ذلك الأفلام العاطفية والبوليسية والعلمية والوثائقية، العربية منها والأجنبية.

 

 

 

ثانيًا:

وأما بخصوص فعل تلك المعاصي وغيرها بعد أن يقوم المسلم بحج بيت الله الحرام: فإن ذلك علامة من علامات نقص الحج وعدم تأثيره فيه بما يصلح حاله، ومن أظهر علامات قبول الحج عند أهل العلم أن يرجع الحاج بحال أفضل مما كان عليه.

* قال الإمام النووي – رحمه الله -:

ينبغي أن يكون بعد رجوعه خيرًا مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمرًّا في ازدياد.” الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ” ( ص 180 ).

وإذا أراد المسلم أن يعرف قبول حجه من عدمه وكماله من نقصه: فلينظر في حاله بعد أن يرجع من حجه هل هو أفضل مما كان عليه، ولينظر في أثر حجته على قلبه وجوارحه، ولينظر في طاعته ومعصيته، وليحكم بعد ذلك بنفسه على نفسه، وليبادر إلى ما فيه رضا ربه تعالى قبل أن يفوت عليه الوقت ولا ينفعه الندم.

* قال الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

يحب الإنسان أن يكون حجُّه مقبولًا وأن يكون مبرورًا، فلذلك علامات يعرفها من حقق النظر فيها، فإذا رجع الحاج من حجه وقد قُبل حجه وقد أتمَّه: رأيتَه محافظًا على العبادات، ورأيتَه يسابق إلى المساجد، ورأيته يتقرب إلى الله تعالى بنوافل العبادات، ورأيته يفعل الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويكثر من ذكر الله، يأتي بالأذكار التي بعد الصلوات تسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا، وما إلى ذلك.

وهكذا أيضًا رأيتَه يتقرب إلى الله بالصدقات، ويعمل فضائل الأعمال من الصلوات ونحوها، فيحاول أن يصلي في الليل تهجدًا، ويحاول أن يصلِّي في وسط النهار الضحى صلاة تطوع، ويحاول أيضًا أن يبكِّر إلى الجمعة والجماعات، ويحاول أن يتقرب إلى الله بالأعمال الخيرية التي يتأدب بها المسلم مع إخوانه المسلمين، فتراه مثلًا يحب المسلمين لأجل أنهم مسلمون.

إذا رجع وقد قُبل حجُّه رأيتَه يبدأ إخوانه بالسلام، ورأيته يحرص على زيارات الصالحين، يتودد إليهم ويتقرب بذلك إلى الله تعالى، ويتقرب بمحبتهم، ورأيتَه أيضا يحب مجالس الذِّكر ومجالس العلم: العلم النافع، ويتزود من المعلومات التي تقربه عند الله سبحانه تعالى.

وكذلك أيضا يتقرب إلى الله تعالى بما يتعلق بحقوق إخوته: فيسلم على من لقيه، ويشمِّت من عطس، ويزور المرضى، ويتبع الجنائز، ويصلي على إخوته إذا مات أحد منهم من المسلمين ولم يكن يعلمهم، ويبذل النصيحة للعالم، يبذل النصيحة لإخوانه المسلمين .

وكذلك أيضًا يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويبر أبويه، ويصل ذوي أرحامه، ويحسن إلى جيرانه، وما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة.

هذه من آثار الحج المقبول، ومن العلامات التي تدل على أنه قد أثر فيه هذا العمل الصالح، يقول الله تعالى ( إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ ) فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: فإن بقية الأعمال كذلك، ولكن الصلاة لا تنهى إلا من حققها وكملها وأخلص فيها، وكذلك الحج أيضًا ينهى عن الفحشاء والمنكر، ينهى صاحبه المخلص فيه عن الأعمال السيئة.

إذا رأيتَ من أخلص في حجه بعد رجوعه: رأيتَه يغض بصره عن الحرام : ولا ينظر إلى ما يفتنه من الصور الفاتنة أو النساء المتبرجات، أو من الأفلام الخليعة أو ما أشبه ذلك، يحفظ بصره عما يفسد عليه قلبه؛ وذلك لأن البصر مرآة القلب.

كذلك أيضا يحفظ سمعه: فلا يستمع إلى الكلام السيئ، لا يستمع الأغاني ولا يستمع الملاهي، ولا يستمع الغيبة والنميمة والسباب والهجاء وما أشبه ذلك، يصون سمعه فيبتعد عن هؤلاء ونحوهم الذين يتعاطون مثل هذه الأعمال السيئة.

وكذلك أيضًا إذا رأيتَ الذي قُبل حجُّه رأيتَه أيضًا حافظًا للسانه: يحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور والسباب واللعن والشتم والبهتان والكذب والآثام، والكلام السيئ كله، يحفظه عن أن يتكلم في أحد بسوء أو ببهتان أو ما أشبه ذلك، فإذا لم ينته عن مثل ذلك فإنه يخاف أن حجه غير مبرور، وأنه لم يستفد من حجه إلا التعب، إلا السهر والنصب والخسران المبين، أما إذا رأيتَه وقد حفظ لسانه, وقد انشغل لسانه بما يحبه ربه من الأذكار والعبادات والطاعات: فإنك تستدل بهذا على أنه من المقبولين إن شاء الله.

وهكذا أيضًا يحفظ بقية بدنه: فيحفظ يديه: فلا يبطش بهما إلى ما حرمه الله، لا يمد يده إلا إلى ما فيه مصلحة أو ما أمر به، إلا ما كلف به، وكذلك أيضًا لا يمشي بقدميه أو يركب متوجهًا إلا إلى خير، فالذي مثلا تراه يمشي نحو مجالس اللهو والباطل، أو مجالس المعاصي والمحرمات وما أشبهها تقول: هذا لم يستفد من عمله، هذا ما أفاده حجه، يخاف أنه لم يتأدب بالآداب الشرعية التي رغب الله فيها والتي أحبها.

كذلك أيضًا تراه بعد هذا العمل الصالح: تراه بعده قد حفظ ماله، حرص على ألا يعمل عملًا أو يكتسب كسبًا محرَّمًا، أو كسبًا فيه شبهة: بل تكون أعماله ومكاسبه خاضعة للشرع لا يتعامل بمعاملة محرمة أو مكروهة أو فيها شيء من شبهة الحرام وما أشبهه؛ حتى يكون كسبه حلالًا بعيدًا عن المحرمات.

نقول: إن هذه من آداب الحج، ولا شك أيضًا أنها من آداب المسلم في حياته سواء حج أو لم يحج، سواء أن تيسر له الحج في هذا العام أو قد حج في الأعوام الماضية، أو قد عزم على الحج في السنوات المستقبلة أو ما أشبه ذلك، فمن تأدب بها رجي بذلك قبول أعماله، ومن رفض أن يتأدب بها خشي عليه رد أعماله.

وقد كان السلف – رحمهم الله تعالى – يهتمون بإتقان الأعمال وبإكمالها، ثم بعد ذلك يدخل عليهم الهم، وأحاديث النفس أحدهم: هل قُبلت منَّا أعمالنا أو لم تقبل منَّا؟ هل أعمالنا مما قبلها الله وأثاب أو يثيب عليها أم أنها مردودة؟ حتى كان بعضهم ينادى فيقول: ” ليت شعري مَن المقبول منَّا فنهنيه ومن المردود منا فنعزيه، أيها المقبول: هنيئًا لك، أيها المردود: جبر الله مصيبتك “.

ثم يستدلون على القبول بالأعمال الخيرية التي هي أثر من آثار الأعمال الصالحة، وعلى الرد وعدم القبول بالأعمال السيئة، فيقولون: مَن رجع من الحج وقد قُبل حجُّه: رأيناه تائباً من الذنوب، ورأينا عليه آثار الطاعة؛ وذلك لأنه عاهد الله تعالى عهودًا مؤكدة، من ذلك عهده بالتلبية؛ فإن التلبية هي إجابة الله تعالى.

الحاج والمعتمر إذا قال: ” لبيك “: فإن هذا عهد، عهد بين العبد وبين ربِّه، ” لبيك ” يعني: أنا مقيم على طاعتك، فلا بد أن يكون صادقًا في هذه المعاهدة، فيبقى طوال حياته ملتزمًا بأمر الله تعالى، محافظاً على طاعته؛ حتى يكون من المقبولين، وإنما يتقبل الله من المتقين.  انتهى.

– ولا مزيد على ما قاله الشيخ رحمه الله، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى.

والله أعلم.

ما حكم الصلاة بالثياب المعطرة بعطور كحولية؟

ما حكم الصلاة بالثياب المعطرة بعطور كحولية؟

السؤال:

هل استخدام العطور المحتوية على مواد كحولية يحول دون صحة الصلاة؟.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي نراه أنه لا حرج من استعمال العطور الكحولية على البدن وعلى الملابس، وإنما يُمنع استعمالها على البدن إن ثبت وجود ضرر بذلك الاستعمال.

ولا نرى تأثيرًا لاستعمال العطور الكحولية على الصلاة؛ لأمور:

  1. أن حكم الكحول هو حكم الخمر من حيث النجاسة، والراجح من أقوال العلماء أن نجاسة الخمر معنوية لا حسيَّة، وعليه: فالأصل في الخمر الطهارة، فيكون الكحول طاهرًا ليس نجسًا، وهذا الأمر وحده كافٍ لبيان عدم تنجيس الثياب المعطرة بعطور كحولية.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وسئل عن نجاسة الخمر والكولونيا -:

الأصل في الأشياء الطهارة حتى يوجد دليل بيِّنٌ يدل على النجاسة، وحيث لم يوجد دليل بيِّنٌ يدل على النجاسة: فإن الأصل أنه طاهر، لكنه خبيث من الناحية العملية المعنوية ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسًا، ألا ترى أن السمَّ حرام وليس بنجس، فكل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا.

وبناء على ذلك نقول في الكولونيا وشبهها: إنها ليست بنجسة؛ لأن الخمر ذاته ليس بنجس على هذا القول الذي ذكرناه أدلته، فتكون الكولونيا وشبهها ليست بنجسة أيضاً، وإذا لم تكن نجسة: فإنه لا يجب تطهير الثياب منها.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 252 ).

* وقال – رحمه الله -:

قال الشيخ محمد رشيد رضا في ” فتاواه ” ( ص 1631 ) من مجموعة ” فتاوى المنار “:

” وخلاصة القول: أن الكحول مادة طاهرة مطهرة وركن من أركان الصيدلة والعلاج الطبي  والصناعات الكثيرة، وتدخل فيما لا يحصى من الأدوية، وأن تحريم استعمالها على المسلمين يحول دون إتقانهم لعلوم وفنون وأعمال كثيرة هي من أعظم أسباب تفوق الإفرنج عليهم، كالكيمياء والصيدلة والطب والعلاج والصناعة، وإن تحريم استعمالها في ذلك قد يكون سببًا لموت كثير من المرضى والمجروحين أو لطول مرضهم وزيادة آلامهم ” ا.هـ.

وهذا كلام جيد متين، رحمه الله تعالى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 259 ).

  1. أنه لو فُرضت نجاسة الكحول فإن كميته تكون قليلة تستهلك باستعمالها مع العطور، فلا يظهر له أثر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الله تعالى حرَّم الخبائث التي هي الدم والميتة ولحم الخنزير، ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت: لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير أصلًا، كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع: لم يكن الشارب لها شاربًا للخمر.

” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 501 ، 502 ).

  1. أنه لو فرضت نجاسة الكحول فإن كميته قليلة مستهلكة – كما سبق – وإن استعماله خارجي ليس في الشرب.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( ولو خلطه ) أي: المسكر ( بماء فاستُهلك ) المسكر ( فيه ) أي: الماء ( ثم شربه ) لم يحد؛ لأنه باستهلاكه في الماء لم يسلب اسم الماء عنه ( أو داوى به ) أي: المسكر ( جرحه لم يحد ) لأنه لم يتناوله شرابًا ولا في معناه.

” كشاف القناع ” ( 6 / 118 ).

والخلاصة:

الكحول مادة طاهرة، وخلطها بالعطور لا بأس به، واستعمالها بوضعها على الثياب لا يجعلها نجسة، ولا بأس من الصلاة بثياب معطرة بتلك العطور الكحولية.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

العطورات بالنسبة للكحول فإن ثبت ذلك فهل يضعها على ملابسه فيخرج للصلاة؟.

فأجاب:

لتعلم أن الخمر الخالص ليس بنجس، ولا يجب غسل الثياب منه ولا الأبدان، فإذا فهمتَ ذلك علمتَ أن العطورات التي فيها الكحول ولو كانت نسبتها كبيرة ليست بنجسة .” لقاء الباب المفتوح ” ( 176 / السؤال رقم 4 ).

 

والله أعلم.

يهودي يكذِّب القرآن ويزعم أن اليهود لا يقولون بأن عُزَيرًا ابن الله ولا أن يد الله مغلولة

يهودي يكذِّب القرآن ويزعم أن اليهود لا يقولون بأن عُزَيرًا ابن الله ولا أن يد الله مغلولة

السؤال:

يهودي يسألني عن القرآن فيقول: نحن لا نقول بأن شخص ” عزير ” نبي الله ابن الله، ولا يوجد نص بذلك، ولا نقول إن يد الله مغلولة، ولا أننا أبناء الله ولا أحباؤه، ولم يؤمن بالقرآن لهذا السبب. أرجو حل هذا الإشكال لو سمحتم، فهو يريد أدلة، ويقول إنها محض ادعاءات عليهم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لو تفكر ذاك اليهودي في حاله وحال ما استشكله قليلًا لعلم أنه إنما أوتي من اعتداده بنفسه ومن جهله بدينه وتاريخه وجهله بشرع الله تعالى؛ ولو كان ما ذكره الله تعالى عن أجداده اليهود ليس له واقع لسارع أولئك الأجداد إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الطعن في القرآن أنه يقول ما ليس بصحيح من اعتقاد وقول أجداده اليهود، وهذا لم يحصل، فدلَّ ذلك على جهل هذا المعترض وأنه إنما تكلم بما ليس له به علم، ولم يكن أجداده ليضيعوا هذه الفرصة الثمينة لو أن الله تعالى قد ذكر عنهم ما ليس من قولهم واعتقادهم!.

ثانيًا:

ولسنا نشك في صحة ما ذكره الله تعالى عن أولئك اليهود، ومن أصدق من الله حديثًا؟! ومن أصدق من الله قيلًا؟! لكن هذا اليهودي المُستشكِل يجهل أن لغة العرب يجوز فيها نسبة القول للطائفة والجماعة ولا يلزم أن تكون من قولهم جميعًا، بل قد يكون القائل بعضهم ويُنسب القول لجميعهم، ومن الحكمة في ذلك ها هنا: أن سكوت باقي الطائفة عن إنكار القول يعني إقرارهم للقول، فيصح – حينئذٍ – أن يُنسب للطائفة جميعها.

ثالثًا:

والأقوال التي ذكرها الله تعالى في كتابه مما استشكله ذاك اليهودي لم يذكر الله تعالى أنها في كتب اليهود ودينهم، بل هي أقوال قد قيلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من قبَل طائفة من اليهود فأنزل الله تعالى القرآن بذلك وتوعدهم على قولهم الفاحش ذاك، وكون اليهودي هذا لا يقول بتلك الأقوال فلن يغيِّر هذا من الأمر شيئًا، فهي أقوال قد قيلت يقينًا، والتبرؤ منها لا يعني أنها لم تُقل.

 

 

  1. قولهم ” العزير ابن الله “:

وقد نُقل هذا القول عن بعض يهود المدينة، ونقل عن فرقة ” الأصبهانية ” اليهودية.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال ابن العربي في ” شرح الترمذي ” تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله، وهذا لا يمنع كونه كان موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردَّ ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم لا جميعهم، بدليل: أن القائل من النصارى إن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية فسبحان مقلب القلوب.” فتح الباري ” ( 3 / 359 ).

* وقال أبو بكر الجصاص – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) قيل: إنه أراد فرقة من اليهود قالت ذلك، والدليل على ذلك: أن اليهود قد سمعت ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره، وهو كقول القائل ” الخوارج ترى الاستعراض وقتل الأطفال ” والمراد: فرقة منهم لا جميعهم، وكقولك ” جاءني بنو تميم ” والمراد: بعضهم، قال ابن عباس: قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وليس في اليهود من يقول ذلك الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت. ” أحكام القرآن ” ( 4 / 299 ).

* وقال الماوردي – رحمه الله -:

فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟.

قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم .” تفسير الماوردي ” ( 2 / 353 ).

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) كلهم قالوا ذلك أم بعضهم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( يُؤْتَى بِاليَهُودِ يَوْمَ القِيَامَة فَيُقَالُ لَهُم مَا كُنْتُم تَعْبُدونَ؟ فَيَقُولُونَ: العُزَيْر ) الحديث – متفق عليه -، هل الخطاب عام أم لا؟.

 

فأجاب:

الحمد لله، المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ) لم يقل جميع الناس ولا قال: إن جميع الناس قد جمعوا لكم؛ بل المراد به: الجنس، وهذا كما يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل الفلاني يفعلون كذا، وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك: فيشتركون في إثم القول، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 47 ).

وما ذكرناه هنا هو قاعدة الرد على استشكالات ذاك اليهودي، فالأقوال التي ذكرها الله تعالى عن اليهود ثابتة عنهم ولا شك، وهي عن بعضهم لا جميعهم، والنسبة إلى الجنس مع أن القائل طائفة منهم أسلوب عربي معروف، وإنكار القول بتلك الأقوال الآن لا يعني أنها لم تُقل، ولو اكتفينا بهذا لكنَّا قد رددنا الإشكالات من أصلها، لكننا سنزيد في التوكيد، ونذكر باقي الأقوال وقائليها.

  1. قولهم ” يد الله مغلولة “:

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) قال عكرمة: إنما قال هذا ” فنحاص بن عازوراء ” لعنه الله، وأصحابه، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك لهم؛ فقالوا: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء، فالآية خاصة في بعضهم، وقيل: لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا.

” تفسير القرطبي ” ( 6 / 238 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد قال عكرمة: إنها نزلت في ” فنْحاص ” اليهودي عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال ( إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) آل عمران/ 181، فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له ” شاس بن قيس “: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ).

وقد رد الله عز وجل عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ). ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 146 ).

 

 

  1. قولهم ” نحن أبناء الله وأحباؤه “:

وهذه الجملة قد تختلف عن سابقتيها بأنها مما قاله بعض اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما حرَّفوه من كتاب ربهم تعالى.

جاء في ” الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ” ( 2 / 169 ) للدكتور حكمت بن بشير بن ياسين – حفظه الله – ما نصُّه:

أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلمهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ماتخوفنا يا محمد! نحن والله أبناء الله وأحباؤه ! كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) إلى آخر الآية. انتهى.

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

ثم قال تعالى رادًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: ” أنت ابني بكري”، فحملوا هذا على غير تأويله، وحَرّفوه، وقد ردَّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 68، 69).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ومن مقالات اليهود والنصارى أن كلاًّ منهما ادعى دعوى باطلة يزكون بها أنفسهم بأن قال كل منهما ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) ، والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح . ” تفسير السعدي ” ( ص 227 ).

فهذا ما تيسر من رد إشكالات ذاك اليهودي، وبه يتبين أن الرجل ينكر أمرًا معلومًا مشتهرًا في التاريخ مما قاله أجداده القدماء من الباطل، وليعلم أن الأمر كان متاحًا لأن يكذِّب أولئك الأجداد ما ذكره الله تعالى عنهم، فلما لم يفعلوا عُلم أنه نقل صحيح، فعسى الله أن يهدي قلبه للإسلام ويشرح صدره للإيمان.

 

والله أعلم.

هل يجوز تسمية موقع إسلامي ” رياض الصالحين ” أو ” رياض الصالحات “؟

هل يجوز تسمية موقع إسلامي ” رياض الصالحين ” أو ” رياض الصالحات “؟

السؤال:

ما الحكم في تسمية المنتديات أو المواقع باسم ” رياض الصالحين ” أو ” رياض الصالحات “؟ ونريد منكم أن تقترحوا علينا أسماء إسلامية جميلة لتسمية موقع قيد الإنشاء بها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نعلم مانعًا يمنع من تسمية منتديات ومواقع إسلامية باسم ” رياض الصالحين ” و ” رياض الصالحات “، وهذا كتاب الإمام النووي رحمه الله المشتهر في الآفاق والمسمى ” رياض الصالحين ” قد تتابع كثير من العلماء على قراءته وشرحه والوصية بذلك، ولم نقف على كلمة لأحدٍ منهم في انتقاد هذه التسمية، وكما يُرجى أن يكون قراء ذلك الكتاب من الصالحين فإنه يُرجى أن يكون المشاركون في تلك المواقع والمنتديات من الصالحين والصالحات، وعليه: فلا نرى مانعًا من إطلاق تلك التسمية على مواقع ومنتديات إسلامية.

وأما بخصوص اقتراح أسماء إسلامية لموقع قيد الإنشاء فإن كثرة المواقع الإسلامية قد تكون استوعبت ما يخطر بالبال من أسماء، ولعلنا نقترح الآن بعض الأسماء مما نرجو أن لا يكون أحدٌ قد سمَّى موقعه بها، ومما نقترحه: اختيار أحد أسماء محاضرات الشيخ علي القرني مثل ” الرضاب المعسول ” أو ” الزرياب ” ، أو ” الذهب الإبريز ” أو ” نفح الطيب “.

ونقترح لكم: ” الصبيب “، ” البرَّاق “, ” إرواء الصَّوادي – أي: العطشى -، ” اليَراع “.

 

– ونسأل الله لكم التوفيق في مسعاكم.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن تكون المرأة مشرفة على منتديات عامة؟

الحمد لله

نعم، الذي يظهر لنا أنه لا يجوز للمرأة أن تولَّى الإشراف على أعمال يقوم بها رجال، ولا على منتديات فيها مشرفون وكتَّاب من الرجال، وأن ذلك يدخل في التولية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وحذَّر من عاقبتها.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً “.رواه البخاري ( 4163 ).

وقد فهم أبو بكرة – رضي الله عنه – راوي الحديث – العموم مما رواه، في كل قوم، وفي كل امرأة، وفي كل ولاية، فجعل الحديث منطبقاً حتى على عائشة رضي الله عنها في خروجها ” يوم الجمل ” للإصلاح بين المتخاصمين، وليس هذا بولاية عامَّة، وهي مسلمة، مع أن الحديث في ابنة كسرى، وفي الولاية العامة.

فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قَال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى ، قَالَ: ” لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً “.

وما استدل به – رضي الله عنه – هو ظاهر الحديث فإن لفظ ” قوماً ” و ” امرأة ” و ” الولاية ” كلها ألفاظ عامَّة.

* قال الشوكاني:

فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح: واجب. ” نيل الأوطار ” ( 8 / 305 ).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز لجماعة من المسلمات اللائي هنَّ أكثر ثقافة من الرجال أن يصبحن قادة للرجال؟ بالإضافة إلى عدم قيام المرأة بإمامة الناس في الصلاة، ما هي الموانع الأخرى من تولي المرأة للمناصب أو الزعامة، ولماذا؟.

فأجابوا:

دلَّت السنَّة, ومقاصد الشريعة, والإجماع، والواقع: على أن المرأة لا تتولى منصب الإمارة، ولا منصب القضاء؛ لعموم حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ولوا أمرهم امرأة قال: ” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة “، فإن كلًا من كلمة ( قوم )، وكلمة ( امرأة ) نكرة وقعت في سياق النفي فتعم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معروف في الأصول؛ وذلك أن الشأن في النساء نقص عقولهن، وضعف فكرهن، وقوة عاطفتهن، فتطغى على تفكيرهن؛ ولأن الشأن في الإمارة أن يتفقد متوليها أحوال الرعية، ويتولى شؤونها العامة اللازمة لإصلاحها.الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (  17 / 13 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز تولية المرأة على شيءٍ من أمور المسلمين؟.

فأجاب:

لا نرى هذا، نرى أنه لا يجوز، لا سيما إذا قلنا لو أنهم ولَّوْا أمرهم رجلًا لكان أفلح. ” شرح العقيدة السفارينية ” ( شريط رقم: 23، وجه أ ).

ثانيًا:

وقال بعض العلماء: إن المنع إنما هو في ” الولاية العامة “، واستدل على ذلك بخروج عائشة رضي الله عنها، وبتولية عمر – رضي الله عنها – لامرأة تدعى ” الشفاء ” حسبة السوق، يعني: إقامة الشرع في الأسواق: بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

أ. أما الاستدلال بفعل عائشة: فيرد عليه بوجوه، منها:

  1. تخطئة جمع من الصحابة لها بفعلها ذاك، ومنهم راوي الحديث الصحابي الجليل أبو بكرة – رضي الله عنه -.
  2. أنها هي ندمت على خروجها – رضي الله عنها -.

وقد روى ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 15 / 281 ) عنها قولها: ” وددتُ أني كنت غصناً رطباً، ولم أسر مسيري هذا “.

* وقال الذهبي – رحمه الله -:

” ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ “. ” سير أعلام النبلاء ” (2/ 177 ).

* وقال الزيلعي – رحمه الله -:

” وقد أظهرتْ عائشةُ الندمَ – كما أخرجه ابن عبد البر في كتاب ” الاستيعاب ” عن ابن أبي عتيق – وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أنْ تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيتُ رجلاً غلب عليكِ – يعني: ابن الزبير – فقالتْ: ” أما والله لو نَهيتَني ما خرجتُ ” انتهى, وقال الذهبي: إسماعيل بن أبى خالد عن قيس قال: قالت عائشةُ – وكانت تُحدِّث نفسَها أنْ تُدفن في بيتها – فقالتْ: إني أحدثتُ بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حدثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنتْ بالبقيع – رضي الله عنها -.

قلت: تعني بالحدث مسيرها ” يوم الجمل “؛ فإنَّها ندمتْ ندامةً كليَّةً، وتابتْ من ذلك، على أنَّها ما فعلتْ ذلك إلا متأوِّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعةٌ من الكبار – رضي الله عن الجميع -“. انتهى. ” نصب الراية ” ( 4 / 69 ، 70 ).

ب. وأما الاستدلال بتولية عمر للشفاء حسبة السوق: فيرد عليه من وجوه، منها:

  1. أن الأثر ليس له إسناد!.

* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

” وقد روي أن عمر قدَّم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح; فلا تلتفتوا إليه; فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث “. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 145 ).

ونقله عنه: القرطبي في ” تفسيره ” ( 13 / 183 ) وأقرَّه .

  1. أن متنه منكر، ويبعد جدًّا على – عمر رضي الله عنه – أن يفعله، ولعلَّ من رواها أن يكون قد وهم، فقد ذكر ابن عبد البر – رحمه الله – أن من تولى السوق هو: ابنها، سليمان بن أبي حثمة.

 

ثالثًا:

ويجوز للمرأة أن تكون لها ولاية محدود على بنات جنسها، كأن تكون مديرة مدرسة إناث، أو مسئولة عن عاملات، أو مشرفة على منتديات ومواقع نسائية.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” فالأصلُ اُشتراكُ المكلَّفين مِن الرِّجَال والنِّساء في الأحكام؛ إلا ما قام الدَّليلُ عليه، مثل: الولاية العامة، كالإمارة، والقضاء، وما أشبهه، فهي خاصَّة بالرِّجال، لكن قد تتولَّى المرأةُ إمارةً محدودة، كما لو سافرت مع نساء وصارت أميرتهنَّ في السَّفر، وكمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك “. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 218 ).

* وقال – رحمه الله -:

” لا يمكن أبداً أن تتولى ولاية عامة, تشمل الرجال والنساء، صحيح أنها يمكن أن تتولى ولاية عامة بالنسبة لقسم النساء، كمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك، أما إمام: فلا يمكن أن تكون إمامًا، ولا يمكن أن تكون رئيسة، ولا يمكن أن تكون وزيرة في حكم الشرع؛ وذلك لأن المرأة ليست كالرجل، في القوة، والحزم، والفكر “. “فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم: 366 ، وجه ب ).

 

 

 

والخلاصة:

أنه لا يجوز تولية امرأة منتديات ومواقع رجالية، أو مختلطة – رجالًا ونساء ، ويمكن للمرأة أن تتولى مسئولية منتديات نسائية خاصة، وهذا خير لها، وأولى، وأبعد لها عن الفتنة والريبة.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في حديث: ” أعضوه بهن أبيه “, والرد على من قال: إنه من الفحش

تفصيل القول في حديث: ” أعضوه بهن أبيه “, والرد على من قال: إنه من الفحش

السؤال:

سألني ملحد: كيف يتكلم الرسول عليه السلام بالألفاظ البذيئة!! وهو نبي، مثل: ” أعضوه بهن أبيه “، ويقر قول أبي بكر: ” امصص بظر اللات “، مع أنه عليه السلام نهى عن التفحش؟.

فما الجواب المفصل بارك الله فيكم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا ينبغي للمسلم أن يلتفت لطعن الطاعنين بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد زكَّاه ربُّه تعالى في خلُقه فقال: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [ القلم / الآية 4 ]، فإذا كانت هذه تزكية رب السموات والأرض له صلى الله عليه وسلم: فكل طعنٍ فيه لا قيمة له، ولسنا نتبع نبيًّا لا نعرف دينه وخلُقه، بل نحن على علم بأدق تفاصيل حياته، وقد كانت منزلته عالية حتى قبل البعثة، وشهد له الجاهليون بكمال خلقه، ولم يجدوا مجالاً للطعن فيها، والعجب هو عندما يأتي ملحد قد سبَّ رب العالمين أعظم السب فنفى وجوده، يأتي ليطعن في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ويتهمه بالفحش والبذاءة، وهو أستاذ فيهما، واقعه يشهد بذلك، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم يكذِّب دعواه فيه.

 

ثانيًا:

وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، ومع بعثه بأعظم رسالة للعالَمين، وفيها أحكام لأدق تفاصيل الحياة، إلا أنه في الأبواب التي لها تعلق بالعورة لا نراه إلا عفَّ اللسان، يستعمل أرقى عبارة، ويبتعد عن الفحش في الكلام، ويوصل المقصود بما تحتويه لغة العرب الواسعة، وذلك في أبواب متعددة، مثل: قضاء الحاجة، والاغتسال، والنكاح، وغير ذلك، وقد تنوعت عباراته حتى إن الرجل ليستطيع التحدث بها أمام النساء، ولعلَّنا نكتفي بمثال واحدٍ يؤكد ما سبق ذِكره، وإلا فالأمثلة كثيرة جدًّا:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: ” خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا “، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: ” تَطَهَّرِي بِهَا ” قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: ” سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي “، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. رواه البخاري ( 308 ) ومسلم ( 332 ).

– ومعنى ( فِرصة من مِسك ) أي: قطعة صوف أو قطن عليها ذلك الطيب المعروف.

وفي رواية للبخاري ( 309 ):

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: ” خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا ” ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: ” تَوَضَّئِي بِهَا “, فَأَخَذْتُهَا, فَجَذَبْتُهَا, فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

ثالثًا:

وبخصوص الجواب عن الحديث المذكور في السؤال: فإننا ننبِّه على أمرين قبل ذِكر تفصيل الجواب:

الأول: أن هذا اللفظ الوارد في الحديث لم يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو لم يكن لابتداء الكلام به، بل هو عقوبة لقائله، أي: أنه شُرع ردًّا على مرتكبٍ لمحرَّم وهو التعصب الجاهلي.

الثاني: أن ما يوجد في شرع الله تعالى من عقوبات وحدود إنما يراد منها عدم وقوع المعاصي والآثام التي تُفسد على الناس حياتهم، فمن رأى قطع اليد عقوبةً شديدة فليعلم أنه بها يحفظ ماله من أهل السرقة، ومن استبشع الرجم للزاني المحصن فليعلم أنه به يأمن من تعدِّي أهل الفجور على عرضه، وهكذا بقية الحدود والعقوبات، ومثله يقال في الحد من التعصب الجاهلي للقبيلة، والآباء، والأجداد، فجاء تشريع هذه الجملة التي تقال لمن تعزى بعزاء الجاهلية؛ لقطعها من الوجود، ولكف الألسنة عن قولها، وفي كل ذلك ينبغي النظر إلى ما تحققه تلك العقوبات والروادع من طهارة في الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وهذا هو المهم لمن كان عاقلاً، يسعى لخلو المجتمعات من الشر وأهله.

 

رابعًا:

وأما الجواب التفصيلي عن الحديث الوارد في السؤال: فنحن نذكر ألفاظ الحديث، ثم نعقبها بشروح أهل العلم له.

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضَّهُ وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا. رواه أحمد ( 35 / 157 ) وحسَّنه محققو المسند.

عَنْ أُبَيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى، فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ، فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا؟ قَالَ: إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ. رواه أحمد ( 35 / 142 ) وحسَّنه محققو المسند.

*  قال أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله -:

ففي هذا الحديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن سمع يدعو بدعاء الجاهلية ما أمر به فيه، فقال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه: ” الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار “؟.

قال: ففي هذا الحديث أن البذاء في النار، ومعنى البذاء في النار هو: أهل البذاء في النار؛ لأن البذاء لا يقوم بنفسه، وإنما المراد بذِكره من هو فيه.

فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه:

أن ” البذاء ” المراد في هذا الحديث خلاف البذاء المراد في الحديث الأول، وهو البذاء على مَن لا يستحق أن يُبذأ عليه، فمن كان منه ذلك البذاء: فهو من أهل الوعيد الذي في الحديث المذكور ذلك البذاء فيه، وأما المذكور في الحديث الأول: فإنما هو عقوبة لمن كانت منه دعوى الجاهلية؛ لأنه يدعو برجل من أهل النار، وهو كما كانوا يقولون: ” يا لبكر، يا لتميم، يا لهمدان “، فمن دعا كذلك من هؤلاء الجاهلية الذين من أهل النار: كان مستحقًّا للعقوبة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم عقوبته أن يقابل بما في الحديث الثاني؛ ليكون ذلك استخفافاً به، وبالذي دعا إليه، ولينتهي الناس عن ذلك في المستأنف، فلا يعودون إليه.

وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ، فعن عتي بن ضمرة قال: شهدتُه يومًا – يعني: أبي بن كعب، وإذا رجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضه بكذا أبيه، ولم يكنه، فكأن القوم استنكروا ذلك منه، فقال: لا تلوموني فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ” من رأيتموه تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه، ولا تكنوا “.

ومعناه: معنى الحديث الذي قبله؛ لأن معنى: ” من تعزى بعزاء الجاهلية “: إنما هو من عزاء نفسه إلى أهل الجاهلية، أي: إضافتها إليهم.

” بيان مشكل الآثار ” ( 8 / 51 – 54 ) باختصار وتهذيب.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولهذا قال من قال من العلماء إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة، والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه، كما في حديث أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أبيه, ولا تكنوا ” رواه  أحمد، فسمع أبي بن كعب رجلاً يقول: يا فلان، فقال: اعضض أير أبيك، فقيل له في ذلك, فقال: بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 408 ، 409 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله – عند التعليق على حديث أبي داود:

أن رجلا عَطَسَ عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ! فَقَالَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” وَعَلَيْكَ السَّلامُ وعَلَى أُمِّكَ ” -:

ونظيرُ ذِكر الأُم هاهنا: ذكرُ ” هَنِ ” الأب لمن تعزَّى بعزاءِ الجاهلية، فيقال له: اعضُضْ هَنَ أَبِيكَ، وكَانَ ذِكرُ ” هَنِ ” الأب هاهنا أحسن تذكيرًا لهذا المتكبِّرِ بدعوى الجاهلية بالعُضو الذي خَرَجَ منه، وهو ” هَنُ ” أبيه، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أن يتعدَّى طَوْرَهُ، كما أن ذِكرَ الأُم هاهنا أحسنُ تذكيراً له، بأنه باقٍ على أُمِّيته، والله أعلم بمراد رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 2 / 438 ).

 

خامسًا:

وقد عمل كبار الصحابة بهذه الوصية، ولم يروا ذلك مستقبحًا، وكيف يكون ذلك كذلك وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وقد أوقعوها على مستحقها؟! وقد سبق ذِكر قول أبي بن كعب راوي الحديث لها، وقد قالها – أيضًا – أبو بكر الصدِّيق – رضي الله عنه -، فقد قال عروة بن مسعود لما جاء مفاوضًا عن المشركين في ” الحديبية ” للنبي صلى الله عليه وسلم: ” فَإِنِّي وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ “، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: ” امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ “، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ . رواه البخاري ( 2581 ).

* قال ابن حجر- رحمه الله -:

و” البَظْر “: بفتح الموحدة، وسكون المعجمة: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة.

– و” اللات “: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمَله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار.

وفيه: جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنيِّر: في قول أبي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبهم، وتعريض بالزامهم من قولهم ” إن اللات بنت الله!” تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، بأنها لو كانت بنتًا: لكان لها ما يكون للإناث. ” فتح الباري ” ( 5 / 340 ).

 

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وفي قول الصِّدِّيق لعروة: ” امصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ “: دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: ” اعضُضْ أيْرَ أبيك “، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 305 ).

 

والله أعلم.

الفرق بين ” البُهرة ” و” الرافضة ” وهل يكفر أتباع الطائفتين؟. الإجابة الثانية.

الفرق بين ” البُهرة ” و” الرافضة ”  وهل يكفر أتباع الطائفتين؟.

السؤال:

أرجو إخباري عن ماهية الاختلاف بين الشيعة البهرة والشيعة الرافضة في الدين؟ وهل هم أسوأ من الشيعة الاثنا عشرية؟ و بما أنهم يقولون:” يا علي مدد “؛ و”يا حسين”, و بعض البهرة يسجدون لأمامهم، فهل هم يرتكبون الشرك الأكبر؟ إذًا ما حكم تكفيرهم؟ وهل نقول أنهم كلهم كافرون؟ أم نقول أنهم عمومًا ليسوا كافرين, وإنما ضالون, واعتقادهم يحوي كفرًا, وأن تكفير البهري المعين يحتاج إلى دليل إقامة الحجة عليهم، و هذا لا يمكن إلا العلماء الكبار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الإسماعيلية: فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها: التشيع لآل البيت، وحقيقتها: هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقُها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر.

فرقها:

الإسماعيلية القرامطة:

من شخصياتهم: عبد الله بن ميمون القداح، الفرج بن عثمان القاشاني، حمدان قرمط بن الأشعث.

الإسماعيلية الفاطمية:

وهي الحركة الإسماعيلية الأصلية وقد مرت بعدة أدوار:

دور الستر: من موت إسماعيل سنة ( 143 ه ) إلى ظهور عبيد الله المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السِّرِّيَّة.

بداية الظهور: يبدأ الظهور بالحسن بن حوشب الذي أسس دولة الإسماعيلية في اليمن سنة ( 266ه ), وامتد نشاطه إلى شمال أفريقيا, واكتسب شيوخ كتامة, يلي ذلك ظهور رفيقه على بن فضل الذي ادعى النبوة, أعفى أنصار من الصوم والصلاة.

دور الظهور: يبدأ بظهور عبيد الله المهدي الذي كان مقيمًا في ” سلمية ” بسوريا، ثم هرب إلى شمال أفريقيا, واعتمد على أنصاره هناك من الكتامين.

أسس عبيد الله أول دولة إسماعيلية فاطمية في المهدية بأفريقيا ( تونس )، واستولى على ” رقادة ” سنة ( 297 هـ ), وتتابع بعده الفاطميون.

وسنة ( 487هـ ), بعد وفاة المستنصر بالله ( أبو تميم ) انقسمت الإسماعيلية الفاطمية إلى نزارية شرقيَّة ومستعلية غربية، والسبب في هذا الانقسام أن الإمام المستنصر بالله قد نصَّ على أن يليه ابنه نزار؛ لأنه الابن الأكبر, ولكن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي نحَّى نزارًا وأعلن إمامة المستعلي وهو الابن الأصغر كما أنه في نفس الوقت ابن أخت الوزير، ووضع نزار في السجن حتى مات. واستمرت الإسماعيلية المستعلية تحكم مصر والحجاز واليمن بمساعدة الصليحيين حتى زوال دولتهم على يد صلاح الدين الأيوبي.

الإسماعيلية الحشاشون:

وهم إسماعيلية نزارية بالشام وفارس وبلاد الشرق.

وكان في مصر وقت حرمان نزار شخص فارسي هو الحسن بن الصباح الذي كان حاجًا إلى الأمام المستنصر, ولما شاهد ما حدث من الانقسام عاد إلى بلاد فارس داعيًا إلى الإمام المستور, واستولى على قلعة ” آلموت ” سنة ( 483هـ ) أسس الدولة الإسماعيلية النزارية الشرقية وهم الذين عرفوا بالحشاشين ( لأنهم كانوا يكثرون من تدخين الحشيش).

إسماعيلية الشام:

وهم إسماعيلية نزارية، ولا يزال تواجدهم إلى الآن في ” سلمية “؛ و” القدموس “؛  و” مصياف “؛  و” بانياس “؛ و” الخوابي “؛  و” الكهف “.

إسماعيلية البهرة:

وهم إسماعيلية مستعلية, ويسمون بالطيبية وهم إسماعيلية الهند واليمن ( والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر ).

وانقسم البهرة إلى قسمين:

البهرة الداوودية وهم في الهند وباكستان.

– البهرة السليمانية: ومركزهم في اليمن حتى اليوم.

الإسماعيلية الآغاخانية:

ظهرت هذه الفرقة في إيران في الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي.

الإسماعيلية الواقفة:

وهي فرقة إسماعيلية, وقفت عند الأمام محمد بن إسماعيل, وهو أول الأئمة المستورين, وقالت برجعته بعد غيبته.

 

 

الأفكار والمعتقدات:

  1. ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل على أن يكون الابن الأكبر، وقد حدث خروج على هذه القاعدة عدة مرات.
  2. العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء؛ بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم.
  3. من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة الجاهلية.
  4. يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خمس ما يكسبون.
  5. يؤمنون بالتقية, والسرية, ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث.
  6. الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية, ومحور العقيدة يدور حول شخصيته
  7. الأرض لا تخلو من إمام ( ظاهر ) مكشوف, أو ( باطن ) مستور، فان كان الأمام ظاهرًا جاز أن يكون حجته مستورًا، وإن كان الإمام مستورًا فلا بد أن يكون حجته ودعاتهم ظاهرين.
  8. يقولون بالتناسخ والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعًا ووارث كل من سبقه من الأئمة.
  9. ينكرون صفات الله, أو يكادون؛ لأن الله في نظرهم فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، لا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا النفي المطلق, فهو إله المتقابلين, وخالق المتخاصمين, والحاكم بين المتضادين، وليس بالقديم, وليس بالمحدث, فالقديم: أمره وكلمته, والحديث: خلقه وفطرته.

ومن معتقدات البهرة:

  1. لا يقيمون الصلاة في مساجد عامة المسلمين.
  2. ظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة، ولكن باطنهم شيء آخر:

( فهم يصلون, ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر, ويذهبون إلى مكة للحج لكنهم يقولون إن الكعبة هي رمز على الإمام ).

  1. كان شعار الحشاشين ( لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح ) ووسيلتهم الاغتيال المنظم, والامتناع بسلسلة من القلاع الحصينة.

يقول الإمام الغزالي عنهم: ( المنقول عنهم الإباحية المطلقة, ورفع الحجاب, واستباحة المحظورات واستحلالها, وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم.

  1. يعتقدون بأن الله لم يخلق العالم خلقًا مباشرًا؛ بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي، وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه؛ فمحمد هو الناطق؛ وعلي هو الأساس الذي يفسر.

مراجع للتوسع:

– تاريخ المذاهب الإسلامية ( الجزء الأول), محمد أبو زهرة.

– إسلام بلا مذاهب, د. مصطفى الشكعة.

– طائفة الإسماعيلية، تاريخها، نظمها، عقائدها د. محمد كامل حسين.

– دائرة المعارف الإسلامية, مادة الإسماعيلية

– الملل والنحل, محمد بن عبد الكريم الشرستاني.

– المؤامرة على الإسلام أنور الجندي.

– تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة محمد عبد الله عنان.

– أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية لبرنارد لويس.

– كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطية محمد بن مالك اليماني الحمادي.

– فضائح الباطنية لأبى حامد الغزالي.

” بإختصار من الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” (1/386 – 392 ).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

كبير علماء بوهرة يصر على أنه يجب على أتباعه أن يقدموا له سجدة كلما يزورونه، فهل وجد هذا العمل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الراشدين، وحديثًا نشرت صورة لرجل بوهري يسجد لكبير علماء بوهرة في جريدة – من – الباكستانية المعروفة الصادرة في 6 \ 10 \ 1977 م, ولاطلاعكم عليها نرفق لكم تلك الصورة؟.

فأجابوا: ” السجود نوع من أنواع العبادة التي أمر الله بها لنفسه خاصة، وقربة من القرب التي يجب أن يتوجه العبد بها إلى الله وحده؛ لعموم قوله تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [ النحل / من الآية 36 ].

وقوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ )[ الأنبياء / الآية 25 ], ولقوله تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) [ فصلت / الآية 37 ].

فنهى سبحانه عباده عن السجود للشمس والقمر؛ لكونهما آيتين مخلوقتين لله؛ فلا يستحقان السجود ولا غيره من أنواع العبادات، وأمر تعالى بإفراده بالسجود؛ لكونه خالقًا لهما ولغيرهما من سائر الموجودات؛ فلا يصح أن يسجد لغيره تعالى من المخلوقات عامة؛ ولقوله تعالى: ( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ) [ النجم / الآية 59 – 62 ].

فأمر بالسجود له تعالى وحده، ثم عم فأمر عباده أن يتوجهوا إليه وحده بسائر أنواع العبادة دون سواه من المخلوقات، فإذا كان حال البوهرة، كما ذكر في السؤال فسجودهم لكبيرهم عبادة وتأليه له، واتخاذ له شريكًا مع الله أو إلهًا من دون الله، وأمره إياهم بذلك, أو رضاه به, يجعله طاغوتًا يدعو إلى عبادة نفسه، فكلا الفريقين التابع والمتبوع كافر بالله, خارج بذلك عن ملة الإسلام والعياذ بالله ) فتاوى اللجنة الدائمة1(2 / 383,382).

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ عبد الله بن قعود.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم جماعات الشيعة الموجودة الآن، هل نحكم بكفرهم، مع أن البعض منهم يعتقد بأن جبريل عليه السلام أخطأ في الرسالة، ونزل على محمد – صلى الله عليه وسلم – بدلًا من سيدنا علي كرم الله وجهه؟.

فأجابوا: ” من كان من الشيعة يعتقد ما ذكر فهو كافر؛ لطعنه في ربه, وفي جبريل, ومحمد عليهما الصلاة والسلام “. فتاوى اللجنة الدائمة2(2 / 151,150).

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الطريقة الشيعة الإمامية من الإسلام؟ ومن الذي اخترعها؟ لأنهم أي الشيعة ينسبون مذهبهم لسيدنا علي كرم الله وجهه، وأيضًا إذا لم يكن مذهب الشيعة من الإسلام, فما الخلاف بينه وبين الإسلام؟ وأرجو من فضيلتكم وإحسانكم بيانًا واضحًا شافيًا بالأدلة الصحيحة خصوصًا مذهب الشيعة وعقائدهم وبيان بعض الطرق المخترعة في الإسلام؟.

فأجابوا: ” مذهب الشيعة الإمامية مذهب مبتدع في الإسلام أصوله وفروعه، ونوصيك بمراجعة كتاب [ الخطوط العريضة ], و[ مختصر التحفة الإثني عشرية ], و[ منهاج السنة ] لشيخ الإسلام، وفيها بيان الكثير من بدعهم “. فتاوى اللجنة الدائمة 1 (2 /377 ,378).

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

تعلمون أن في المنطقة الشرقية يوجد كثير من الشيعة، فكيف يكون التعامل معهم، هل نبدأهم بالسلام؟.

فأجاب🙁 عامل الشيعة بما يعاملونك به، أما في العبادات فإن الشيعة ينقسمون إلى أكثر من واحد وعشرين قسماً، فمن كانت منهم بدعته مكفرة؛ فإنه لا يجوز السلام عليه، ومن كانت بدعته دون ذلك فينظر في المصلحة ). لقاءات الباب المفتوح (5 / السؤال رقم: 56).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

هل عموم الشيعة الموجودين في هذا الزمان انقرضوا إلا طائفة الرافضة؟ وإذا لم يبق إلا هؤلاء الرافضة كيف يعاملهم من لا يعلم منهجهم، وهل يعاملهم كالمنافقين، أم ماذا؟.

فأجاب: ” الشيعة: هم كل من يزعم أنه يتشيع لآل البيت، أي: لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم طوائف وفرق كثيرة، وقد ذكر المتكلمون على فرق هذه الأمة أنهم يزيدون على عشرين فرقة، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نحكم على جميعهم بحكم واحد، بل لا بد أن ننظر ماذا يفعلون، وماذا يعتقدون في النبي صلى الله عليه وسلم، وماذا يعتقدون في الصحابة؟ فمثلًا: إذا قالوا: نحن نعتقد أن علي بن أبي طالب إله وربٌّ، كما يُذكر عن عبد الله بن سبأ الذي قابل عليًّا رضي الله عنه بالمواجهة الصريحة فقال: أنت الله، فأمر علي رضي الله عنه بالأخاديد فخدت, ثم أحرقهم بالنار لشناعة قولهم والعياذ بالله, كذلك أيضًا من قال: إن الصحابة ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلًا من آل البيت فهم كفار أيضًا؛ لأن هذا يؤدي إلى القدح في الشريعة الإسلامية، وألا نثق بما نقل إلينا منها، لا القرآن ولا ما ينسب للرسول صلى الله عليه وسلم منها، وإذا كان هذا يتضمن القدح في الشريعة ونسفها فهو كفر بالله تعالى وكفر بشريعته أيضاً, ومن قال: إن عليًا ولي وأنه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأن المسلمين أجمعوا على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل البشر, والمهم أن ننظر إلى عقيدة هذا الرافضي أو الشيعي، فإذا كانت تقتضي الكفر حكمنا بكفره، وإذا كانت لا تصل إلى الكفر بل هي بدعة تجعله فاسقًا لا كافرًا حكمنا بما تقتضيه بدعته. أما معاملتهم فإننا نعاملهم بما تقتضيه المصلحة.. فكل ما تقتضيه المصلحة فإننا نعاملهم به، فلو كان من المصلحة أن نهاديه لندعوه إلى الحق ونبين له أنه هو الواجب، وأنه لا يجوز العدول عنه فلا حرج من أن نهاديه، ومن اقتضت حاله سوى ذلك؛ فلنعامله بما تقتضيه حاله، وأما بالنسبة للتقية لا شك أنها من مذهبهم – أعني الرافضة – فهم يعتقدونها دينًا، ولكن قد لا يكون عند بعضهم تقية؛ لكنه رجل عامي مخدوع بكبرائهم وزعمائهم فلكل مقام مقال، والإنسان العاقل يستطيع أن يعامل الناس بتوفيق الله حسب ما تقتضيه حالهم “. لقاءات الباب المفتوح (36 / السؤال رقم:1 ).

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –: *

من هم الشيعة وهل هم الرافضة؟ وكيف نفرق بينهم؟.

فأجاب: ” الرافضة هم الشيعة، بل الشيعة أعم من الرافضة؛ لأن الشيعة تطلق على كل من عظَّم آل البيت تعظيمًا أكثر مما يجب لهم، وأما الرافضة فهم الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه حين جاءوا إليه وسألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيرًا، وقال: هما وزيرا جدي، فرفضوه؛ لأن الرافضة من جهلهم يظنون أن من أثنى على أبي بكر وعمر فقد قدح في علي، ومن أحب أبا بكر وعمر فقد أبغض عليًّا، وهذا من جهلهم، وهذا علي بن أبي طالب نفسه رضي الله عنه عرف الحق لأهله، فكان يقول علنًا: [ خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر] يقوله علناً، لكن بعض الرافضة يقولون: شر هذه الأمة أبو بكر وعمر نسأل الله العافية، وهم يدعون أنهم أولياء لعلي بن أبي طالب وآل البيت، وعلي بن أبي طالب وآل البيت بريء من طريقتهم، لا سيما وأن بعض هؤلاء الرافضة يدعي أن من أئمتهم الذين يقولون: هم أئمتنا من هو في مرتبة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، أي: أن أئمتهم أفضل من الأنبياء وأفضل من الملائكة، بل منهم من يقول: إن الأئمة هم الذين يدبرون الكون، ويخرجون الله عز وجل من تدبير الكون نسأل الله العافية، وهذا شرك أكبر مخرج عن الملة، من ادعى أن للكون مدبرًا سوى خالقه عز وجل فهو كافر مرتد عن الإسلام، حتى وإن صلى وصام ودعا وحج واعتمر فذلك لا ينفعه، قال الله تعالى: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) [ الفرقان / الآية 23 ]. والرافضة فرق متعددة، لكن من كانت طريقته ما وصفت لكم، أي: أنه يعتقد أن هناك مدبراً للكون من الأئمة سوى رب الكون فهو كافر ولا شك في كفره.

السائل: بالنسبة للسلام عليهم؟.

الشيخ: هذه مسألة تتعلق متى ما حكمنا بكفر الواحد منهم فإنه لا يجوز السلام عليه.

السائل: أو ترد عليه السلام؟ الشيخ: ترد عليه السلام بـ ( عليكم )، هذا إذا حكمنا بكفره، لكن من الرافضة من ليس بكافر، كأن يكون جاهلاً عاميًّا ولا يدري، فهذا لا نستطيع أن نحكم بكفره إلا إذا بلغه الحق وأصر على بدعته المكفرة فإنه يكون كافرًا “. لقاءات الباب المفتوح (77 / السؤال رقم: 9).

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:

ما حكم دفع زكاة أموال أهل السنة لفقراء الرافضة ( الشيعة ) وهل تبرأ ذمة المسلم الموكل بتفريق الزكاة إذا دفعها للرافضي الفقير أم لا؟.

فأجاب: ” لقد ذكر العلماء في مؤلفاتهم في باب أهل الزكاة أنها لا تدفع لكافر، ولا لمبتدع، فالرافضة بلا شك كفار لأربعة أدلة:

الأول: طعنهم في القرآن، وادعاؤهم أنه قد حذف منه أكثر من ثلثيه، كما في كتابهم الذي ألفه النوري وسماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وكما في كتاب الكافي، وغيره من كتبهم، ومن طعن في القرآن فهو، كافر مكذب لقوله تعالى ( وإنا له لحافظون ) [ الحجر / من الآية 9 ].

الثاني: طعنهم في السنة وأحاديث الصحيحين، فلا يعملون بها، لأنها من رواية الصحابة الذين هم كفار في اعتقادهم، حيث يعتقدون أن الصحابة كفروا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا علي وذريته، وسلمان وعمار، ونفر قليل، أما الخلفاء الثلاثة، وجماهير الصحابة الذين بايعوهم فقد ارتدوا، فهم كفار، فلا يقبلون أحاديثهم، كما في كتاب الكافي وغيره من كتبهم.

والثالث: تكفيرهم لأهل السنة، فهم لا يصلون معكم، ومن صلى خلف السني أعاد صلاته، بل يعتقدون نجاسة الواحد منا، فمتى صافحناهم غسلوا أيديهم بعدنا، ومن كفّر المسلمين فهو أولى بالكفر، فنحن نكفرهم كما كفرونا وأولى “. فتاوى الشيخ ابن جبرين (18 / 44).

 

 

والله أعلم.

 

كلمات في أسباب المصائب والصبر عليها

كلمات في أسباب المصائب والصبر عليها

السؤال:

من المعلوم أن الصبر على أقدار الله عز وجل واحتساب أجرها عند الله من عقيدة المسلم، وكذلك الرضا بالمقدور الذي قدَّره الله عز وجل منزلة من منازل المؤمنين الذين يتفاوتون فيها، فهل هناك فرق بين المصيبة الحاصلة على الإنسان بتفريطه وتهاونه، أم الكل سواء؟، بمعنى آخر: إنسان فاته التعليم، والجد، والاجتهاد في طلب العلم، وهو قادر عليه, ثم بعد أن بلغ من العمر ما بلغ أخذ يتحسر، بل ويصل به الحزن إلى درجة كبيرة، ويقول: كيف فرطت أيام كانت الظروف مواتية ومتاحة لي؟! ويرى بعض الإخوان أن هذا الحزن والتأفف فيه اعتراض على القدر؛ لأنهم يقولون: لو أراد الله لك ذلك لكان. أرجو التوضيح أكثر؛ لأني لا أستطيع أن أصوغ السؤال إلا بهذه الطريقة، ولعل المقصود قد اتضح لفضيلتكم. أسأل الله تعالى أن يهديكم للحق والصواب، وأن يحسن لكم العاقبة في الأمور كلها.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. المؤمن الموحد يعلم أن كل شيء إنما هو بقدَر الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ليس ثمة شيء يمكن أن يحجز قدر الله أن ينفذ في خلقه سبحانه وتعالى، وبذا يطمئن قلب المؤمن الموحِّد، ويعلم أن لا مجال للأسى والحزن أن يكونا في حياته؛ لأن أمر الله سبق، ومشيئته نفذت.

قال الله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ الحديد / الآية 22 – 23 ].

وقال تعالى: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [ التوبة / الآية 51 ].

  1. وإذا كان هذا هو حال المؤمن الموحد لم يكن في حياته ندم على ما فاته، ولن تكون ” لو ” التحسر في قاموسه، وهذا الذي قدَّره الله تعالى على عبده لا يخلو من حالين:

الأول: أن يكون بسبب معصية وقع فيها العبد، فقدَّر الله عليه بسببها مصائب.

قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) [ الشورى / من الآية 30].

والثاني: أن يكون ذلك ابتلاء من الله لرفع درجته، وتكفير سيئاته.

فماذا يصنع المؤمن الموحِّد بعد أن يعلم هذا ويعتقده اعتقادا جازما؟ الواجب عليه إن كانت المصيبة بسبب معصية فعلها، أو آثام ارتكبها أن يبادر إلى التوبة والاستغفار، وأن يرجع إلى ربه ويئوب، ويندم على ما اكتسبه، ويُصلح ما بينه وبين خاله ومولاه، قال تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [ طه / الآية 82 ].

وإن كانت المصيبة مجرد ابتلاء لرفع الدرجات وتكفير السيئات: فليس أمام المؤمن الموحِّد إلا الرضا بقدر الله، واحتساب ما أصابه لربه تعالى، راجياً الأجور، طامعاً في تكفير الذنوب.

وفي كلا الحالين لن يكون قلب المؤمن الموحد إلا قويًّا مطمئنًّا، ولن يصيبه الضعف والخور، بل يبادر إلى الطاعة والعمل، وإن كان عاصياً ترك معاصيه وعاد أفضل مما كان، وإن كان طائعاً ازداد في طاعة خالقه ومولاه.

  1. والشيطان يحاول إضعاف قلب المؤمن، وإدخال الحزن والأسى على قلبه، ويبذل جهده لقذف العجز في جوارحه، وكل ذلك بقول ” لو ” على ما مضى مما فعله، أو مما لم يفعله، ومع هذا الشر والفساد كله: فهو يجعله يفتري الكذب ويقول: ” لو كان كذا لكان كذا “! وما يدريه أن الأمر كذلك؟ فانظر – رعاك الله – إلى ما يحدثه الشيطان من التحسر والحزن والكذب على قدر الله تعالى، ومع ذلك كله فهو يضعفه عن العمل، ويُعجزه عن الطاعة، ويظل يندب حظه ويتحسر حتى يفوت عمره! وقد أخبرنا الله تعالى أن هذا من فعل المنافقين، وحذَّرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أن نسلك هذا الطريق.

قال الله تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) [ آل عمران / من الآية 154 ].

وقال تعالى: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) [ آل عمران / من الآية 168 ].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ, فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ “. رواه مسلم ( 2664 ).

وانظر وتأمل هذا الحديث العظيم، وفيه بيان الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وفيه الحث على العمل وعدم العجز، وكل ذلك مناسب تماماً للنهي عن التحسر بقول ” لو “.

* قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

عندما يقع الإنسان في مكروه أو تصيبه مصيبة فإنه لا يقول: ” لو أني فعلت كذا ما حصل عليَّ هذا!، أو: لو أني لم أفعل لم يحصل كذا! “؛ لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر على ما فات مما لا يمكن استدراكه؛ ولما يشعر به اللفظ من عدم الإيمان بالقضاء والقدر؛ ولما في ذلك من إيلام النفس، وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم.

والواجب بعد نزول المصائب: التسليم للقدر، والصبر على ما أصاب الإنسان  مع عمل الأسباب الجالبة للخير، والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم.

وقد ذمَّ الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلَّت بالمسلمين في وقعة أحد، فقال تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا )، هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم ” أُحد ” لمَّا حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدَر، ويعتبون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين خروجهم إلى العدو، فردَّ الله عليهم بقوله تعالى: ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ )، أي: هذا قدَر مقدَّر من الله لا بد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف.

وقول: ” لو ” بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر، والحزن، وإيلام النفس، والضعف، مع تأثيره على العقيدة، من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر.

ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا )، وهذه من مقالات المنافقين يوم ” أحُد ” أيضًا، ويروى أن عبد الله بن أبي كان يعارض القدر ويقول: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج: ما قُتلوا مع من قتل، فردَّ الله عليهم بقوله: ( قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ )؛ أي: إذا كان القعود وعدم الخروج يسلَم به الشخص من القتل أو الموت: فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بدَّ أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلِم من القتل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – لما ذكر مقالة ابن أبي هذه – قال:

” فلما انخزل يوم ” أُحُد “، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان – أو كما قال -: انخزل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق: لماتوا على الإسلام، وهؤلاء لم يكونوا من المؤمنين حقًّا الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة … ” انتهى.

والشاهد منه أن اللهَج بكلمة ” لو ” عند حصول المصائب: من سمات المنافقين، الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر.

فيجب على المؤمن الابتعاد عن التلفظ بهذه الكلمة عندما تصيبه محنة أو مكروه، وأن يعدل إلى الألفاظ الطيبة التي فيها الرضى بما قدَّر الله، والصبر، والاحتساب، وهي الألفاظ التي وجه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن ” لو ” تفتح عمل الشيطان “؛ فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة، والمستحبة، والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعيناً بالله، ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسبب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع، فإذا حرص على ما ينفعه، وبذل السبب، ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره: فلا يقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئًا، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول: ” قدر الله وما شاء فعل “؛ لأن ما قدره الله لا بدَّ أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة.

* قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -:

” والعبد إذا فاته المقدور له حالتان: حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى ” لو “، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم.

والحالة الثانية: النظر إلى المقدور وملاحظته، وأنه لو قدر لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول: ” لو “، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن، ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ ” لو “؛ بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان.

فإن قيل: الرسول قد قال هذه الكلمة حينما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ هو لأنه ساق الهدي.

فالجواب عن ذلك: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ” لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي “: خبر عن مستقبل، لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لأصحابه أنه لو استقبل الإحرام بالحج: ما ساق الهدي، ولأحرم بالعمرة، قال ذلك لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؛ حثًّا وتطييبًا لقلوبهم لمَّا رآهم توقفوا في أمره، فليس هذا من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر، والله أعلم.

فهذا الحديث الذي رواه أبو هريرة لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية.

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث:

” لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور “.

” الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ” ( ص 130 -133) .

  1. ومن فاته التعليم في الصغر: فليكن ندمه على تفريطه دافعًا له لاستثمار ما بقي من عمره، لا أنه يضعف ويعجز ويترك التعلم، ومن فاته الحج في شبابه: فليبادر في أول فرصة لكي يحج ولا ينبغي له أن يتوانى ويكس أكثر وأكثر، وهكذا في طاعة وخير فاته، فإنما عليه أن يؤمن بأنه قدر الله، ولا ينبغي له أن يعجز، وعليه أن يكون قويًّا، ويحرص على ما ينفعه، وإن كان ما فات بسبب معاصيه: فليفعل كل ما سبق ذكره، ويضيف إليه: التوبة الصادقة من الذنوب والآثام، وليسأل ربه تعالى أن يرزقه اعتقادا حسنًا، وأن يوفقه لما يحب ويرضى من القول والعمل.

 

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيا للإجابة على السؤال، ونرجو منك تأمله مرة، ومرَّة، وستجد فيه بغيتك وزيادة. ونسأل الله أن يوفقك، ويهديك، ويثبتك على الخير.

 

والله الموفق.