الرئيسية بلوق الصفحة 149

هل يبطل صومه بانكشاف عورته ورؤية أحدهم لها؟

هل يبطل صومه بانكشاف عورته ورؤية أحدهم لها؟

السؤال:

إذا رآني أحد أصدقائي عاريًا أو انكشفت عورتي أمامه أثناء الصيام فهل يبطل ذلك صيامي؟

 

الجواب:

الحمد لله

إظهار العورة أمام من لا يحل له النظر إليها حرام، ولا يحل لأحدٍ فعله لا في رمضان ولا في غيره، فيحرم كشفها ويحرم النظر إليها.

عن بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن أَبِيه عَنْ جَدِّه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ، قُلْتُ: وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. رواه الترمذي (2794) وحسَّنه، وابن ماجه ( 1920 ), وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي ”  .

وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ “. رواه مسلم ( 338 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وأما أحكام الباب: ففيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل, والمرأة إلى عورة المرأة, وهذا لا خلاف فيه. ” شرح مسلم ” ( 4 / 30 ).

وأما إن كانت المسألة ظهور العورة عن غير قصد فليس عليك إثم، ويجب على الآخر أن يغض بصره عنها.

وليس الصوم بفاسد على كلا الحالتين – العمد والخطأ -.

 

والله أعلم.

 

لم تتقين من طهارتها من الحيض فصلَّت وصامت

لم تتقين من طهارتها من الحيض فصلَّت وصامت

السؤال:

لقد استحممت في الليل عند السحور لأنني أعلم أن الدورة ستنتهي اليوم، وتسحرت، وصمت وصليت أيضًا، ولم ينزل أي شيء خلال الفترة من الفجر إلى وقت أذان المغرب، وعندما أردت الذهاب إلى الصلاة اكتشفت أن الدورة انتهت عندي، فهل صيامي وصلاتي صحيحان؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز للمرأة الحائض أن تبادر إلى الاغتسال من حيضتها قبل التيقن من انتهائها، وأولى أنه لا يجوز لها الصلاة ولا الصيام.

وليس للمرأة عادة مطردة في كل شهر تبدأ في وقت معين وتنتهي في آخر معلوم، وهذا معلوم لدى النساء.

وتَعرف المرأة انتهاء حيضتها بخروج سائل أبيض معروف لديهن وهو القصَّة البيضاء، وبعض النساء تعرف طهرها من دورتها بجفاف الدم.

والأخت السائلة التزمت وقتا معيَّنا لم تتيقن طهرها فيه فاغتسلت فأخطأت، ثم إنها أخطأت في صلاتها وصيامها قبل التيقن من انتهاء دورتها.

واكتشافها الحقيقي لطهارتها من الحيض جاء متأخرًا، فقد كان بعد غروب الشمس على حسب قولها، وبه يُعلم أنه لم تكن جازمة بطهرها قبل الفجر ولا أثناء النهار.

وبما أن الأصل أنها ليست بطاهرة من محيضها: فإن الواجب عليها أن لا تستعجل في الاغتسال والصلاة والصيام، ونرى أن عليها أن تقضي هذا اليوم؛ لأنها لا تستطيع الجزم أنه قد دخل عليها الفجر وهي طاهرة.

قال البخاري – رحمه الله -:

باب إقبال المحيض وإدباره وكنَّ نساء يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الكُرسف فيه الصفرة فتقول: ” لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء “, تريد بذلك الطهر من الحيضة، وبلغ بنت زيد بن ثابت أن نساءً يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر فقالت: ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن. انتهى.

( الدرجة ): ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا.

( الكرسف ): بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة هو القطن.

( القصة ): بفتح القاف وتشديد المهملة هي النورة, أي حتى تخرج القطنة بيضاء نقية لا يخالطها صفرة.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

اتفق العلماء على أن إقبال المحيض يعرف بالدفعة من الدم في وقت إمكان الحيض, واختلفوا في إدباره فقيل: يعرف بالجفوف, وهو أن يخرج ما يحتشي به جافًا, وقيل: بالقصة البيضاء وإليه ميل المصنف – أي : البخاري – كما سنوضحه ….

وفيه: أن القصة البيضاء علامة لانتهاء الحيض ويتبين بها ابتداء الطهر, واعترض على من ذهب إلى أنه يعرف بالجفوف بأن القطنة قد تخرج جافة في أثناء الأمر فلا يدل ذلك على انقطاع الحيض, بخلاف القصة وهي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر.  ” فتح الباري ” ( 1 / 420 ).

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى :

إذا طهرت الحائض قبل الفجر واغتسلت بعد، فما الحكم؟

فأجاب بقوله:

إن صومها صحيح إذا تيقنت الطهر قبل طلوع الفجر، المهم أن المرأة تتيقن أنها طهرت؛ لأن بعض النساء تظن أنها طهرت وهي لم تطهر، ولهذا كانت النساء يأتين بالقطن لعائشة  – رضي الله عنها – فيرينها إياه علامة على الطهر، فتقول لهن: لا تعجَلنَ حتى ترينَ القصَّة البيضاء.

فالمرأة عليها أن تتأنى حتى تتيقن أنها طهرت، فإذا طهرت فإنها تنوي الصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، ولكن عليها أيضاً أن تراعي الصلاة فتبادر بالاغتسال لتصلي صلاة الفجر في وقتها … .

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 53 ).

 

والخلاصة: أن فعل الأخت السائلة غير صحيح، وأن عليها قضاء ذلك اليوم، ونسأل الله لها التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح.

 

والله أعلم.

 

هل ستزول الحضارة في آخر الزمان وتكون المعارك بالسيوف والرماح؟

هل ستزول الحضارة في آخر الزمان وتكون المعارك بالسيوف والرماح؟

السؤال:

هناك آراء مختلفة للناس حول موضوع التكنولوجيا ومصيرها في آخر الزمن، هل ستكون موجودة أم أنها ستختفي، فهناك أحاديث تشير إلى أن هناك حربا مع الدجال وأنها ستكون بالسيوف وأن عيسى عليه السلام سيقتل الدجال برمح … الخ، فهل هذا يعني أن التكنولوجيا ستختفي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء في مسألة القتال في آخر الزمان هل ستكون الأسلحة المستعملة فيها هي السيوف والرماح على الحقيقة وهل ستكون الآلات المركوبة هي الخيول والإبل على الحقيقة، أو أن هذا من قبيل مخاطبة الصحابة بما يعرفونه في زمانهم مما سيأتي بديله في الزمان المناسب له؟ قولان لأهل العلم، والذي عليه الأكثر من علمائنا المعاصرين أن هذه الحضارة التي نراها الآن وما فيها من آلات وأسلحة أنها ستزول كلها وأن الحروب ستعود على الخيول وأن الأسلحة التي ستستعمل فيها هي الرماح والسيوف، وأن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم هو على ظاهره وحقيقته، وهو قول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، والشيخ عبد المحسن العبَّاد – في شروحهما الصوتية لكتب السنَّة – والشيخ عمر الأشقر حفظه الله، وآخرين غيرهم.

ومن الأدلة التي يدل ظاهرها على هذا القول:

  1. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ – أَوْ بِدَابِقَ – فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لاَ وَاللَّهِ لاَ نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطُنْطِينِيَّةَ فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّهُمْ فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ ). رواه مسلم ( 2897 ).

– الأعماق ودابق: موضعان بالشام.

– وفي الحديث ذكر استعمال السيوف والحراب في القتال وذلك في آخر الزمان.

  1. وعن ابن مسعود رضي الله عنه – في حديث عن زمان الدجال – قال: فَجَاءَهُمْ الصَّرِيخُ أنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ) أَوْ ( مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ). رواه مسلم ( 2899 ).
  2. عن النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سَيُوقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَنُشَّابِهِمْ وَأَتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ ) رواه الترمذي ( 2240 ) وابن ماجه ( 4076 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

( قِسي ) جمع قوس، ( نشابهم ) هي السهام، ( أترستهم ) جمع ترس.

* قال الشيخ عمر سليمان الأشقر – حفظه الله – بعد أن ساق طائفة من الأحاديث في المسألة:

” وهذه الأحاديث وأحاديث مشابهة كثيرة تدل على أن هذه الحضارة الهائلة التي اخترعت هذه القوة الهائلة من القنابل والصواريخ ستتلاشى وتزول، وأغلب الظن أنها ستدمر نفسها بنفسها، وأن البشرية ستعود مرة أخرى إلى القتال على الخيول واستعمال الرماح والقسي ونحو ذلك، والله أعلم “. انتهى من ” القيامة الصغرى ” ( ص 275 ).

والذي نراه في المسألة إبقاء الأحاديث السابقة على ظاهرها دون التعرض لها بتأويل، وأن القتال في آخر الزمان في تلك المعارك والحروب ستستعمل فيها الأسلحة ويركب فيها على الخيول، لكن لا نجزم بزوال الحضارة الحالية بالكلية؛ فهو شيء لم يُتعرض له في النصوص، ومما يدل على ذلك أنه لا تزال تستعمل السيوف والخيول والبغال في معارك حالية مع بلوغ الحضارة مبلغًا عظيمًا، ونكون بهذا القول أثبتنا ما صح في الأحاديث ووكلنا علم الغيب فيما خفي لله تعالى، وهذا أحوط لديننا، وليس في المسألة كبير نفع من الناحية العملية فلا نرى الاشتغال بها فضلًا عن الخصومة فيها.

 

والله أعلم.

 

 

هل النبي صلى الله عليه وسلم هو ” المعزِّي ” الذي في إنجيل ” يوحنا “؟

هل النبي صلى الله عليه وسلم هو ” المعزِّي ” الذي في إنجيل ” يوحنا “؟

السؤال:

كنت أتحدث إلى صاحبي المسيحي، فذكرت له أن ” المعزي الآخر ” الذي ورد في ” إنجيل يوحنا ” آية 14:16 هو محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه قال إن ” المعزي ” في هذا الإنجيل مقصود به ” روح القدس ( الحقيقة ) ” والذي لن يظهر، وسيسكن في قلب الحواريين، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم كان ظاهرًا للناس، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعد سنوات عدة فلم يسكن في قلب الحواريين، فهل هذا دليل على أن محمد صلى الله عليه وسلم ليس ” المعزي “؟.

– لاحظ أنه ورد في يوحنا 14:17 كلمة ” يسكن “، فعل مضارع وليست مستقبلًا.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه الجملة الواردة في إنجيل يوحنا هي من بشارات عيسى بن مريم عليه السلام للحواريين ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وأصل الأمر أن عيسى عليه السلام قد بشَّر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم باسمه ” أحمد “، فجاء المترجمون لهذا الاسم العَلَم فحوَّلوه إلى صفة، وأطلقوا عليها اسم ( بيريكليتوس ) “PERIQLYTOS ” أو ” PARACLYTOS ” والتي تعني القائم بالحمد الكثير، فعربوها إلى كلمة ” فارقليط “، ثم ترجموا هذه الكلمة بالعربية إلى ” المعزَّي “، أو ” المحامي “، أو ” الشفيع “.

وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه ” قصص الأنبياء ” (ص397،398) أنه كان في ( سنة 1894 م ) زميل دراسة اللغة العربية المستشرق الإيطالي ” كارلونالينو “، وقد سأله الشيخ النجار في ليلة 27/7/1311هـ ما معنى ” بيريكلتوس “؟ فأجابه قائلًا: إن القسس يقولون: إن هذه الكلمة معناها ” المعزِّي “، فقال النجار: إني أسأل الدكتور ” كارلونالينو ” الحاصل على الدكتوراة في آداب اليهود باللغة اليونانية القديمة ولست أسأل قسِّيسًا، فقال: إن معناها ” الذي له حمد كثير “، فقال النجار: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من ” حمد “؟ فقال الدكتور: نعم، فقال النجار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه ” أحمد “.

وأما بخصوص تلك البشارة من عيسى بأخيه محمد عليهما الصلاة والسلام والتي سألتَ عنها: فإننا لن ننقل لك ما قاله علماء الإسلام في معنى تلك الجمَل، بل سنكتفي بالنقل عن اثنين كانا من النصارى وقد قادهم الإنجيل نفسه إلى الإسلام! والثاني منهما كان ذلك المقطع – وعموم باب البشارة بمحمد عليه الصلاة والسلام – سببًا في إسلامه.

  1. * قال الأخ ” م . ج . لوبلا “- وفقه الله -:

والآن لننتقل إلى النبوءة التي وردت في ” العهد الجديد ” والتي بشَّرت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، جاء في ” سفر يوحنا ” ( 14:16 ): ” وسوف أصلِّي للأب، وسوف يعطيكم مخلِّصًا ( معزّيًّا ) آخر، يعيش معكم إلى الأبد “.

يقول هذا النص بوضوح: أن شخصًا آخر، شخصًا إضافيًّا، ولكن من نفس النوع، ومع ذلك فهو مختلف تمامًا عن الأول، سوف يرسَل استجابة لدعاء عيسى عليه السلام، والسؤال الهام جدًّا هنا هو: من هو المخلص ( المعزِّي ) الأول؟.

سيقول العالِم النصراني بالإجماع: إن هذا المخلص ( أو المساعد، كما يتم إضافته حاليًّا ) هو الروح القدس أو الطيف المقدس – اعتمادًا على أي إنجيل تقرأ – والوحيد الذي يدعم ذلك هو ” سفر يوحنا ” ( 14:26 ) الذي يقول: ” ولكن المخلِّص ( المعزِّي ) هو الطيف المقدس، الذي سيرسله الأب باسمي … “.

ولكن ما جاء في ” سفر يوحنا ” ( 14:26 ) ونفس السفر ( 14:16 ) يناقض أحدها الآخر؛ فالنص ( 14:16 ) يقول: مخلصاً آخر سيرسَل، بينما ينص ( 14:26 ) على أن الآخر الذي سيرسَل هو الروح القدس أو الطيف المقدس، هذا يعني أن ما مجموعه اثنان من الروح القدس أو الطيف المقدس سيتم إرسالهم! إن استخدام كلمة (آخر ) في يوحنا ( 14:16 ) يعني: أن واحدًا كان موجودًا بالفعل.

فيما يتعلق بإرسال طيف مقدس آخر: سيدافع بعض النصارى عن هذه الفكرة بقولهم إن الطيف المقدس لم يكن على الأرض بعدُ، ولكن هناك العديد من الشواهد في الكتاب المقدس حول ذهاب وإياب الطيف المقدس قبل ولادة المسيح ورحيله: ” سفر لوقا ” ( 1:15 )، ” يوحنا المعمدان “، ” سفر لوقا ” ( 1:41 )، ” اليزابيث “، ” سفر لوقا ” ( 1:67 ) ” زكريا “، ” سفر لوقا ” ( 2:26 ) ” سايمون “، ” سفر لوقا ” ( 3:22 ) ” عيسى “.

كان الطيف المقدس يساعد عيسى عليه السلام في مهمته ويساعد حوارييه في مهماتهم في التبشير وشفاء الناس … .

ولتأييد مقولة أن كلمة ” مخلِّص ( معزي ) ” لا تشير إلى الطيف المقدس أكثر: هل كنت تعلم أن كلمة ” مخلص ( معزي ) ” [COMFORTER] هي الترجمة الإنجليزية للكلمة اليونانية ” PERICLYTOS “، والتي هي – تقريبًا – الترجمة الحرفية للكلمة الآرامية أو العبرية ” موحمانا ” والتي استخدمها عيسى عليه السلام نفسه، والتي ترتبط باسم ” محمد ” باللغة العربية، على أنه اسم آخر نبي سيأتي قبل قدوم عيسى عليه السلام للمرة الثانية؟ …

والآن لنقرأ ما جاء في ” سفر يوحنا ” ( 16: 12- 14 )  والذي يشكل أكثر الصور تكاملاً عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام: ” لا يزال لديَّ بعض الأشياء لأقولها لكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تتحملوها الآن، وعلى أية حال، عندما يأتي هو، روح الحقيقة ( المخلِّص / المعزي )، هو سيهديكم إلى الحقيقة؛ فهو سوف لن يتكلم بسلطته هو، ولكنه سيقول كل ما يسمع؛ وسوف يخبركم عن أشياء ستحدث، هو سيمجدني لأنه سيأخذ مما هو لي ويعلنه لكم “.

* تنطبق ميزات المخلص ( المعزي ) هذه على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقط، كما تظهر الملاحظات التالية:

  1. يذكر القرآن الكريم اسم عيسى عليه السلام أكثرَ من اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعشرين مرة ….
  2. أوحي القرآن للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الملاك جبريل، وكلما أنهى جبريل قراءة أجزاء من القرآن: كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينقل حرفيًّا لأصحابه ما سمع من الملاك دونما زيادة، أو تغيير أو نسيان ….
  3. كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم النبي الوحيد الذي جاء بعد عيسى عليه السلام، وكان هناك فترة ستة قرون بينهما، كانت مهمة عيسى عليه السلام محددة بـ ” شاة بني إسرائيل الضالة “، ولكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كانت رسالة عالمية لكل الناس ( بما في ذلك حكام الرومان والسامريين )، لقد كانت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي الوحيدة التي أراد لها الله عز وجل أن تكون عالمية وخالدة “. انتهى باختصار شديد من كتابه ” الإنجيل قادني إلى الإسلام ( ص 40 -44 ) – ترقيم الشاملة، وإنما اختصرنا الكلام لأننا سنحيل القارئ الكريم على الكتاب كاملاً ليجد فيه النفع وتتمة الكلام المختصر.

http://adel-ebooks.sheekh-3arb.info/…Aqidah/517.rar

2.*  قال الأستاذ سليمان شاهد مفسر – وفقه الله -:

إن هذا البحث لهو من الاهتمامات التي دفعتني لأن أشهر إسلامي، يعتقد بعض العلماء أن ما قاله عيسي بلغته الآرامية أقرب إلى الكلمة اليونانية ” PERIKLYTOS ” التي تقابلها كلمة ” محمد ” في العربية، وقد ثبت أن ثمة حالات كثيرة مماثلة في العهد الجديد، حلت فيها كلمة محل أخرى، أضف على ذلك أن هناك احتمال آخر وهو أن الكلمة كانت ”  PERIKLTOS”، ثم أغفل الكتبة إحداهما لتشابهها الشديد مع الأخرى وقربها المكاني منها، وإذا صح هذا الغرض فسيكون معني النص اليوناني ” فيعطيكم معزيًّا آخر، محمد ” بدلًا من ” فيعطيكم معزيًّا آخر “، وقد ظهرت مثل تلك الأخطاء في كتابة أناجيل العهد الجديد لعدم وجود مسافات بين الحروف في النص اليوناني، وذلك قد ينتج عنه أن تغفل عين الكاتب كلمة تشبه أخرى أو تقاربها في المكان، أما بالنسبة لكلمة ” روح ” التي وردت في هذا الموضوع أن النبي القادم سيكون من جنس البشر: ففي أناجيل العهد الجديد أطلقت هذه الكلمة أيضًا على من يتلقى الوحي الإلهي، وعلى من يمتلك القدرة على الاتصال الروحي، وبناء على ذلك ” روح الحق ” هو ذلك الشخص الذي لديه قوى اتصال روحية، أي: ذلك الشخص الذي يتلقى الوحي الإلهي، والذي يتميز بأنه مكرس للحق كلية في حياته وسلوكه وشخصيته، وأن عيسي عليه السلام قد ذكر أن ذلك النبي سوف يكشف عن أمور يجهلها عيسي نفسه، ولو كان عيسى قد جاء ” بجميع الحق ” لما كانت هناك حاجة لأن يأتي نبي من بعده يحل للناس ” جميع الحق ” أن ” المُعزى ” سيكون مثل عيسى بشرًا نبيًّا وليس روحًا.

يقدم لنا النص اليوناني الإجابة الواضحة على ذلك السؤال لأنه يستخدم كلمة ” allon “، وهي مفعول به مذكر من كلمة ” allos ” التي معناها ” آخر من نفس النوع”، أما الكلمة التي معناها ” آخر من نفس مغاير ” فهي “hetenos  “، وهي غير مستخدمة في النص اليوناني، وهذا يحسم المسألة، فسيكون ” المُعزي ” إذن ” آخر من نفس النوع “، أي: مثل عيسى وموسى الذي قال ” مثلي ” أي: بشر وليس روحًا، ويمكننا أن نرسم معالم الصورة التي يبرزها لنا العهد الجديد، ونتوصل إلى شكل واضح ومحدد لذلك الرسول الذي أبرز سماته أنه:

  1. يأتي بعد أن تنتهي رسالة عيسى.
  2. رحمة ونصحاً لبني آدم مُعزى ” paraclete “، ولذلـك سيعـرف بأنه ” محمد ” الشخص المُعزى ” periclyte”.
  3. يشتهر بالصدق.
  4. يُبلغ ” جميع الحق “.
  5. يظل لعهده أثر يبقى.
  6. يمجِّد عيسى.

” يوحنا ( 14: 16 ، 13: 16 – 17 ).

انتهى.

http://www.elforkan.com/7ewar/showthread.php?t=1009

 

 

 

وانظر حول المقطع نفسه من الإنجيل، وتحت الرابط نفسه: كلام الشيخ أحمد ديدات، والدكتور عبد الأحد داود – وهو قسِّيس سابق -، والشيخ إبراهيم خليل أحمد -وهو قسِّيس سابق -، والشيخ جعفر السبحاني، والدكتور أحمد حجازي السقا، والأستاذ أحمد عبد الوهاب، والأستاذ محمد عزت الطهطاوي، وقد طبعت المناظرة في كتاب بعنوان ” بشارة أحمد في الإنجيل ” بتحقيق الأستاذ محمد الحسيني الريس، ويمكن تحميل الكتاب من الرابط:

http://www.al-maktabeh.com/ar/open.php?cat=3&book=52

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل الأفضل للمعتمرين من للرجال والنساء صلاة التراويح في مكة والمدينة في الفندق أم في الحرم؟

هل الأفضل للمعتمرين من للرجال والنساء صلاة التراويح في مكة والمدينة في الفندق أم في الحرم؟

السؤال:

أعلم أن صلاة السنَّة ( كالتهجد ) يستحب صلاتها في المنزل، ولكن إذا كنا في زيارة لمكة والمدينة ونقيم في فندق هل يختلف الحكم ( أعني: هل صلاة السنة في غرفة الفندق أفضل أم صلاتها في الحرم )؟.

وبالنسبة للنساء اللائي تعتبر صلاة الفرض أفضل لهن في المنزل – حيث سافرت أسرتي معي إلى مكة والمدينة – فهل صلاتهم المفروضة أفضل في المنزل أم في الحرم؟ وهل نعتبر في حالة سفر ( حيث إننا نقيم في فندق )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في الأفضل في صلاة التراويح هل صلاتها في المساجد في جماعة أم صلاتها في البيوت منفردا، والأقوال في ذلك ثلاثة:

القول الأول:

أن صلاتها في المساجد جماعة أفضل، وهو قول متقدمي الحنفية وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابه. وهو الذي رجحناه.

* قال إسحاق المروزي – رحمه الله -:

قلت: الصلاة في الجماعة أحب إليك أم يصلي وحده في قيام شهر رمضان؟ قال: يعجبني أن يصلي في الجماعة يُحيي السنَّة.

قال إسحاق: أجاد، كما قال.

” مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ” ( 2 / 757 – 759 ).

وفي هامش الكتاب:

* قال أبو داود – رحمه الله -:

سمعت أحمد قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال: يصلِّي مع الناس، وسمعته أيضاً يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، وقال: قلت لأحمد: الإمام يصلي التراويح بالناس وناس في المسجد يصلون لأنفسهم؟ فقال: لا يعجبني أن يصلوا، يعجبني أن يصلوا مع الإمام، وقال: كان أحمد يقوم مع الناس حتى يوتر معهم ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. ” المسائل ” ( 62 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

المختار عند أبي عبد الله – أي: أحمد بن حنبل – فعلها في الجماعة، قال في رواية يوسف بن موسى: الجماعة في التراويح أفضل، وإن كان رجل يُقتدى به فصلاها في بيته: خفتُ أن يقتدي به الناس.  ” المغني ” ( 2 / 168 ).

انتهى النقل من الهامش.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأفضل في قيام رمضان أن يكون جماعة في المساجد مع أنه سنَّة وليس بواجب، لكن دلت السنَّة على أن قيام رمضان في المسجد أفضل؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى بأصحابه ثلاث ليال أو ليلتين ثم تخلى وقال إني خشيت أن تفرض عليكم.

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 247 ).

القول الثاني:

أن صلاتها في البيوت منفردًا أفضل، وهو قول مالك والشافعي وجمهور أصحابهما.

واحتج مالك رحمه الله بفعل الكبار من شيوخه والكبار من الصحابة.

واحتج الشافعي رحمه الله بحديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ الله عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ( قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ) رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

قال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا: ينصرفون ولا يقومون مع الناس، قال مالك: وأنا أفعل ذلك وما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في بيته.

واحتج الشافعي بحديث زيد بن ثابت … – وساقه بنصه -، قال الشافعي: ولا سيما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده على ما كان في ذلك كله من الفضل.

” التمهيد ” ( 8 / 116 ).

* وقال ابن عبد البر- أيضًا -:

فإذا كانت النافلة في البيت أفضل منها في مسجد النبي عليه السلام والصلاة فيه بألف صلاة فأي فضل أبين من هذا؟! ولهذا كان مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما يرون الانفراد في البيت أفضل في كل نافلة، فإذا قامت الصلاة في المساجد في رمضان ولو بأقل عدد: فالصلاة حينئذ في البيت أفضل. ” الاستذكار ” ( 2 / 73 ).

وينبغي التنبيه على أن من قال من الأئمة بأن الإنفراد في صلاة التراويح في البيت أفضل من الجماعة في المسجد إنما هو لمن كان يحفظ شيئاً من القرآن – أو القرآن كله – ويقوى على الصلاة في البيت ولا يخاف الكسل فتضيع عليه الصلاة، وأن لا تنقطع الجماعة في المسجد بانقطاعه، وهذه الشروط إن لم تتحقق فلا شك أن صلاة التراويح في المسجد جماعة أفضل عندهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

قال أصحابنا العراقيون والصيدلاني والبغوي وغيرهما من الخراسانيين: الخلاف فيمن يحفظ القرآن ولا يخاف الكسل عنها لو انفرد ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فإن فقد أحدٌ هذه الأمور: فالجماعة أفضل بلا خلاف، وأطلق جماعة في المسألة ثلاثة أوجه ثالثها: هذا الفرق. ” المجموع ” ( 4 / 31 ).

ويمكن إضافة شرط آخر مهم ينطبق على ما سأل عنه الأخ السائل وهو أن يكون المصلي في بيته منفردًا – مفضِّلًا له على الصلاة في الحرمين – من أهل الحرمين؛ فالقادم للحرم المكي – ومثله القادم للمدينة للصلاة في المسجد النبوي – لأداء العمرة لا ينطبق عليه أفضلية صلاة التراويح في بيته.

* قال محمد الدسوقي المالكي – رحمه الله -:

ندْب فعلِها في البيوت مشروط بشروط ثلاثة: أن لا تُعطل المساجد، وأن يَنشط لفعلها في بيته، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف منها شرط: كان فعلُها في المسجد أفضل. ” حاشية الدسوقي ” ( 1 / 315 ).

وبالتأمل في حال الناس الآن – ومنهم كثير من الخاصة من الشباب المستقيم على الطاعة – نجد أن صلاة التراويح جماعة في المسجد هي الأفضل لهم؛ لما في الصلاة فيها من النشاط بسبب كونها في أول الليل، ولحسن صوت الإمام – لمن يتحرى الصوت عندهم – ولكثرة من يصلِّيها من الناس، وأيضًا بسبب كثرة الانشغالات في البيوت مما يؤدِّي إلى التكاسل عن أدائها، لذا فإننا نرى أن دعوة عوام الناس الآن لصلاة التراويح في البيوت هي دعوة لترك هذه الصلاة! فأين الذين يحفظون شيئًا من القرآن من أولئك؟! وماذا سيصنع هؤلاء أثناء صلاة الناس في المساجد أول الليل؟! وأين الدافع الذي سيجعل هؤلاء يقومون آخر الليل للصلاة؟! ولذا فليكن هذا الحكم لخاصة الناس لا لعامتهم، وهذا الذي ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث جمع الناس في المسجد لأداء صلاة التراويح وصلَّى هو وحده في بيته، وقد وافقه بعض الخاصة من الصحابة على ذلك، ومن تأمل أسماء من نقلنا عنهم صلاتهم في بيوتهم علم أن الأمر ليس إطلاقه ليكون حكماً لعامة الناس، وما أجمل ما قاله الإمام مالك – وهو تلخيص لما نريد قوله – حين سأله ابن القاسم عن قيام الرجل في رمضان أمع الناس أحب إليك أم في بيته؟ قال: إن كان يقوى في بيته فهو أحب إليَّ وليس كل الناس يقوى على ذلك.

” المدونة الكبرى ” ( 1 / 287 ).

 

ثانيًا:

وأما بخصوص صلاة التراويح للنساء في بيوتهن: فقد سبق الجواب عنه، وقد قلنا إن الأفضل في حق النساء قيام الليل في بيوتهن لقوله صلى الله عليه وسلم  ( لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ ) رواه أبو داود، ولكنّ هذه الأفضلية لا تمنع من الإذن لهنّ من الذهاب إلى المساجد، لكن بشروط، فانظرها في الجواب المحال عليه، وفيه فتوى منقولة عن الشيخ ابن باز أن التراويح في بيتها أفضل من المسجد.

وفي جواب سابق نقلنا عن الشيخ العثيمين رحمه الله قولَه:

السنَّة تدل على أن الأفضل للمرأة تصلِّي في بيتها في أي مكان كانت سواء في مكة أو غيرها. انتهى.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بالنسبة للنساء اللاتي يعتمرن في رمضان هل الأفضل في حقهن الصلاة في بيوتهن أم في المسجد الحرام سواء الفرائض أو التراويح؟.

فأجاب:

السنَّة تدل على أن الأفضل للمرأة تصلِّي في بيتها في أي مكان كانت سواء في مكة أو غيرها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ) يقول ذلك وهو في المدينة مع أن المسجد النبوي الصلاة فيه زيادة فضل، ولأن صلاة المرأة في بيتها أستر لها وأبعد عن الفتنة وكانت صلاتها في بيتها أولى وأحسن.  ” فتاوى ودروس الحرم المكي ” ( 3 / 228 ).

 

والله أعلم.

هل اتهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أبا بكر الصدِّيق بالكذب؟

هل اتهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أبا بكر الصدِّيق بالكذب؟

السؤال:

قرأت بعض المقتطفات من كتاب اسمه ” الإسلام الوهابي ” لمولفة اسمها ” ناتانا دي لونج “، ذكرت فيه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قال إن أبا بكر الصدِّيق كذب كذبة عظيمة، ذكرت ذلك في ( ص 102 )، وقالت: إن الشيخ ابن عبد الوهاب ذكر ذلك في كتابه ” فتاوى ومسائل “، فلم أستطع إيجاد هذا الكتاب للتأكد، فالذي أرجوه منكم أن تبيّنوا لي صحة هذا الكلام، فهل صحيح أن الشيخ ذكر ذلك عن أبي بكر الصدِّيق؟ وفي أي سياق ذكر ذلك؟ كما أتمنى أيضًا أن تخبروني عن بعض الادعاءات والافتراءات الأخرى التي يُتهم بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما الرد عليها لأني أحب هذا الرجل ويهمني أن أكون على معرفة في كيفية دحض الأقاويل التي تطعن فيه، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لم نستطع الوصل إلى كتاب الباحثة ” ناتانا دي لونج ” حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – ودعوته، فلا نستطيع إثبات ما ذكره الأخ السائل عنها، وكتابها هو في الدفاع عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتبرئة منهجه من كل ما يُلصق به من افتراءات أعدائه وخصومه وخاصة الإعلام الغربي – انظر حوار جريدة ” الرياض ” معها في عدد الثلاثاء 1 ربيع الأول 1425هـ ، العدد رقم ( 13087 ) السنة 39 -.

ومما جاء في كتابها:

” إن كل الذين حاولوا تشويه الدعوة الوهابية كانوا يعتمدون في معلوماتهم عن الوهابية على كتب الرحَّالة الغربيين، وهؤلاء الرحالة لم يلتقوا بالشيخ أو بأحد من أتباعه، ولم يقرءوا شيئًا مما كتبه، لذلك ربطوا في كتاباتهم الدعوة الوهابية بحالة العنف التي تمارس اليوم، على رغم أنني وجدت أن فكر الشيخ ضد الإرهاب بكل أشكاله “.

انتهى.

http://www.saaid.net/monawein/m/51.htm

 

 

 

ثانيًا:

وأما بخصوص أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه: فإننا نجزم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يذكره إلا بخير، وأنَّى للشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره أن يثبتَ كذبة على أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه وهو الذي لم يُعرف عنه أنه كذب في حياته، وهو الذي صحَّ عنه أنه قال ” الكذب مجانب للإيمان “؟! هذا بعيد بل مستحيل، والكذب على الصحابة قد اشتهر عن الرافضة، فهم الذين يحكمون على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالردة ! فلا يُستبعد أن يصفوا بعضهم بما ليس فيهم، وأما أهل السنَّة فإنهم يعتقدون أنا أبا بكر رضي الله عنه أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فكيف يمكن لأحدهم أن ينال من الصدِّيق رضي الله عنه وقد عُرفت منزلته وعُرف قدره؟! والشيخ محمد بن عبد الوهاب من رؤوس أهل السنَّة الذين يجلُّون الصدِّيق ويرفعون من شأنه وقدره، ومما قاله في حقه:

  1. ” وأفضل الرسل: نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -، وأفضل البشر بعد الأنبياء صلى الله عليهم وسلم: أبو بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، وعثمان رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه، ورضي الله عنهم أجمعين ” تعليم الصبيان التوحيد ” (ص 15 ).
  2. ” وأومن بأن نبينا محمَّداً صلى الله عليه وسلم: خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمَّته : أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة “.

” موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” الرسائل الشخصية ( 7 /  10 ) -.

وأما ما ذكرناه عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه من قوله ” إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ “: فقد رواه أحمد في ” مسنده ” ( 1 /  198 ) وصححه المحققون.

وعلَّق عليه الإمام الذهبي فقال:

صدَق الصدِّيق؛ فإن الكذب أسُّ النفاق وآية المنافق، والمؤمن يُطبع على المعاصي والذنوب الشهوانية لا على الخيانة والكذب، فما الظن بالكذب على الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه وهو القائل ( إن كذبا عليَّ ليس ككذب على غيري من يكذبْ علي بني له بيت في النار ) …. ” تذكرة الحفاظ ” ( 1 / 10 ).

 

 

 

وأخيرًا: فإننا ننصح بقراءة كتاب ” دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” للشيخ عبدالعزيز بن محمد العبداللطيف وفقه الله، تجده تحت هذا الرابط:

http://saaid.net/book/open.php?cat=7&book=980

 

والله أعلم.

نبذة عن ” أهل الحديث ” في الهند، والتعليق على من ينفِّر منهم

نبذة عن ” أهل الحديث ” في الهند، والتعليق على من ينفِّر منهم

السؤال:

إنني أعيش في الهند، وقد اعتنقت الإسلام في ( عام  2008 م )، لقد كنت رومانيّاً كاثوليكيًّا، وإنني دائم الذهاب للمسجد الآن وهو مسجد لأهل الحديث، الناس في منطقتي يؤكدون على أنهم من أهل الحديث أكثر من كونهم مسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الطائفة التي تدخل الجنة من أمته هي التي تتبع القُرآن والسنَّة.

أرجو أن تخبروني هل يجوز أن ننعت أنفسنا بأهل الحديث أم بالمسلمين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لقد أفرحنا خبر دخولك في الإسلام وإنها نعمة عظيمة يمنُّ الله تعالى بها على من يشاء، والواجب عليك دوام شكر الله تعالى بقلبك ولسانك وجوارحك مقابل هذه النعمة الجليلة.

 

ثانيًا:

ولا مانع أن تتسمى طائفة من المسلمين بأهل السنَّة أو أهل الحديث أو غيرها من التسميات تمييزاً لها عن غيرها من أهل البدع، واسم ” المسلم ” لا شك أنه اسم جليل وعظيم لكنه لا يدل على تميزك عن غيرك من المنتسبين الكثر للإسلام، ولتتخيل معنا أنه جاءك خاطب لابنتك من المسلمين فإنك لا تزوجه حتى تقف على حقيقة اعتقاده ومنهجه فهل ترضى من ذلك الخاطب أن يقول لك أنا ” مسلم ” وأتشرف بهذا الانتساب ولا تبحث فيما وراء ذلك؟! الجواب: قطعا لا ترضاه أنت ولا نحن حتى نقف على حقيقة اعتقاد ذلك الخاطب فقد يكون ” شيعيّاً ” وقد يكون ” بريلويًّا ” وقد يكون صاحب اعتقد فاسد غيرهما، ولذا كان التميز بالأسماء والألقاب مهمًّا في بداية الأمر ثم ننظر في حقيقة مطابقته في أرض الواقع للمنتسب لذلك الاسم واللقب.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا، فإن كان موافقا له باطنا وظاهرًا: فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقاً له في الظاهر فقط دون الباطن: فهو بمنزلة المنافق، فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 149).

* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

التسمِّي بالسلفية إذا كان حقيقة: فلا بأس به، أما إذا كان دعوى: فلا يجوز له أن يتسمَّى بالسلفية وهو على غير منهج السلف. ” الأجوبة المفيدة على أسئلة المناهج الجديدة ” ( ص 13 ).

 

ثالثًا:

ويبدو لنا أن الله تعالى أنعم عليك بنعمة أخرى جليلة وهو أنك بين ظهراني ” أهل الحديث “، وهو اسم لطائفة المتبعين للقرآن والسنَّة، يلتزمون الدليل الصحيح من السنَّة، ويعملون بمقتضاه، وهم يلتزمون قواعد الاتباع الصحيح للإسلام ويلتزمون الفهم السليم لعقائده ومنهجه وأحكامه.

وقد جاء ذِكر ” أهل الحديث ” في ” الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” –  وقد قام على إخراجها مجموعة كبيرة من العلماء والباحثين –  وقد أثنوا عليهم خيرًا وهم أهل لهذا الثناء، فقالوا:

جماعة ” أهل الحديث ” أقدم الحركات الإسلامية في شبه القارة الهندية، قامت على الدعوة لإتباع الكتاب والسنة وفهمهما على ضوء فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وتقديمهما على كل قول وهدي سواء كان في العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق أو السياسة والاجتماع، على طريقة الفقهاء المحدثين، ومحاربة الشركيات والبدع والخرافات بأنواعها.

” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” ( ص 92 ).

وقالوا – في بيان أفكار وعقائد جماعة ” أهل الحديث ” – :

عقيدة أهل الحديث هي عقيدة السلف الصالح نفسها، المبنيَّة على الكتاب والسنَّة، وتقوم الأصول العلمية والقواعد المنهجية لجماعة أهل الحديث على:

  1. 1. التوحيد: فأهل الحديث إيمانًا منهم بأن التوحيد هو أصل الدين يبدءون عملهم بنشر التوحيد الخالص وغرسه في قلوب الناس، مع تفصيل أنواع التوحيد الثلاثة وخاصة توحيد الألوهية الذي يخطئ فيه كثير من الناس، مع إيمانهم بتوحيد الربوبية وما يقتضيه من الحاكمية لله تعالى، ولا يكتفون بإقرار وتطبيق النظام السياسي الإسلامي فقط وإنما أن يكون الله جل وعلا هو الحاكم للفرد في تصوره وسلوكه وسائر أموره الحياتية بما فيها من تشريع ووضع القوانين.
  2. 2. الإتباع: أهل الحديث يركزون على إتباع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم على ضوء فهم السلف الصالح، ولذلك لا يرون التقليد الجامد الذي يدعو إلى الالتزام بمذهب فقهي معين بدون سؤال عن الدليل، بل ينادون بفتح باب الاجتهاد لكل من تحققت لديه شروطه، وأن العامي مذهبه مذهب مفتيه، ويدعون إلى احترام العلماء المجتهدين والأئمة المتبعين بشكل خاص.
  3. 3. تقديم النقل على العقل: يقدمون الرواية على الرأي، حيث يبدءون بالشرع ثم يخضعون له العقل، لأنهم يرون أن العقل السليم يتفق مع نصوص الشرع الصحيحة ولذلك لا تصح معارضة الشرع بالعقل ولا تقديمه عليه .
  4. 4. التزكية الشرعية: أي تزكية النفس تزكية شرعية، بحيث يتخذ لها الوسائل المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة، وينكرون على إتباع التزكية البدعية سواء كانت صوفية أو غيرها.
  5. 5. التحذير من البدع: لأنهم يرون أن أمر الابتداع في الحقيقة استدراك على الله وتشريع بالرأي والعقل، ومن ثم يدعون إلى الالتزام بالسنة وتجنب أنواع البدع كلها.
  6. التحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة: فإن خطورة هذا النوع من الحديث كبيرة على الأمة، فلابد من التحري في الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يتعلق بالعقائد والأحكام.

” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” ( ص 103 – 105).

ولعله قد تبين الآن بعد ذلك العرض الضافي لاعتقاد ومنهج أهل الحديث أن المتكلم فيهم والطاعن في منهجهم واعتقادهم هو أحد المخالفين للشرع في اعتقاده ومنهجه، ممن تحذِّر منهم الجماعة وتبين ضلالهم وأخطاءهم، ولذا لا تلتفت لما يقال فيهم، واحرص على الاستفادة منهم، واشكر الله تعالى أن نجَّاك من الكفر ثم نجَّاك من أهل البدع والانحراف، فقد أراد الله بك خيرًا أن جعلك من المسلمين وجعل مصدرك في فهم دينه ” أهل الحديث “، فلا ترد لنفسك غير هذا، واستعن بالله تعالى ربِّك على تعلم العلم الشرعي وعلى تزكية نفسك بالطاعات والعبادات، ونسأل الله تعالى أن يرعاك برعايته وأن يحفظك بحفظه.

 

والله أعلم.

ما هي أقسام الحكم التكليفي للصيام؟

ما هي أقسام الحكم التكليفي للصيام؟

السؤال:

ما هي أقسام الحكم التكليفي للصيام؟

 

الجواب:

الحمد لله

الأحكام التكليفية خمسة: الواجب، والمحرم، والمستحب، والمكروه، والمباح، وللصيام نصيب من هذه الأحكام الخمسة على خلاف بين العلماء في بعضها.

  1. الصوم الواجب:

– ينقسم الصوم الواجب إلى قسمين:

منه ما هو متتابع, ومنه ما هو غير متتابع, بل صاحبه بالخيار: إن شاء تابع, وإن شاء فرق.

أولًا: ما يجب فيه التتابع, ويشمل ما يلي:

أ – صوم رمضان, فقد أمر الله تعالى بصوم الشهر بقوله سبحانه: ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) [ البقرة / من الآية 185 ] ، والشهر متتابع, لتتابع أيامه, فيكون صومه متتابعًا ضرورة.

ب – صوم كفارة القتل الخطأ, وصوم كفارة الظهار, وصوم كفارة الجماع في نهار رمضان، وهي شهران متتابعان.

ثانيًا: ما لا يجب فيه التتابع, ويشمل ما يلي:

أ – قضاء رمضان, فمذهب الجمهور عدم اشتراط التتابع فيه؛ لقوله تعالى: ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) [ البقرة / من الآية 185 ]، فإنه ذكر الصوم مطلقًا عن التتابع. ويروى عن جماعة من الصحابة, منهم: علي, وابن عباس, وأبو سعيد, وعائشة, – رضي الله تعالى عنهم – أنهم قالوا: إن شاء تابع, وإن شاء فرق, ولو كان التتابع شرطًا لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصحابة, ولما احتمل مخالفتهم إياه، ومذهب الجمهور هو: ندب التتابع أو استحبابه للمسارعة إلى إسقاط الفرض.

ج – صوم المتعة في الحج, وصوم كفارة الحلق, وصوم جزاء الصيد, وصوم النذر المطلق, وصوم اليمين المطلقة، قال الله – عز وجل – في صوم المتعة: ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) [ البقرة / من الآية 196 ] ، وقال في كفارة الحلق قال سبحانه: (  وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) [ البقرة / من الآية 196 ]، وقال في جزاء الصيد: ( أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ) [ المائدة / من الآية 95 ]، فذكر الصوم في هذه الآيات مطلقًا عن شرط التتابع، وكذا: الناذر, والحالف في النذر المطلق, واليمين المطلقة, ذكر الصوم فيها مطلقًا عن شرط التتابع.

  1. الصوم المستحب: وهو:

1 – صوم يوم عاشوراء. 2 – صوم يوم عرفة. 3 – صوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع. 4 – صيام ثلاثة أيام من كل شهر. 5 – صيام ستة أيام من شوال. 6 – صوم أكثر شهر شعبان.   7 – صوم شهر المحرم.  8 – صيام يوم وإفطار يوم، وهو أفضل الصيام.

وكل ذلك ثابت في أحاديث حسنة وصحيحة وهي موجودة في الموقع.

  1. الصوم المكروه, ويشمل ما يلي:

أ – إفراد يوم الجمعة بالصوم.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وأما الجمعة فلا يسن صوم يومها، ويكره أن يفرد صومه، والدليل على ذلك:

1 – قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ” لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده ” – متفق عليه -.

2 – قوله صلّى الله عليه وسلّم لإحدى أمهات المؤمنين وكانت صامت يوم جمعة: ” أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالت: لا، قال: أَتَصُومِينَ غَداً؟ قالت: لا، قال: فَأَفْطِرِي”- رواه البخاري -.

– فدل ذلك على أن يوم الجمعة لا يفرد بصوم، بل قد ورد النهي عن ذلك.

3 – قوله صلّى الله عليه وسلّم: ” لاَ تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمعَة بِصِيَامٍ، وَلاَ لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ ” – رواه مسلم -. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 462 ، 463 ) .

ب – صوم يوم السبت وحده خصوصًا:

وهو متفق على كراهته, وقد ورد فيه حديث عبد الله بن بسر عن أخته واسمها الصماء – رضي الله تعالى عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ, فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ “. رواه الترمذي ( 744 ) وحسَّنه وأبو داود ( 2421 ) وابن ماجه ( 1726). قال الترمذي: وَمَعْنَى كَرَاهَتِهِ فِي هَذَا أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ السَّبْتِ.  انتهى.

 

 

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وسبق بيان القول الصحيح أن المكروه إفراده، لكن إن أفرده لسبب: فلا كراهة، مثل أن يصادف يوم عرفة أو يوم عاشوراء – إذا لم نقل بكراهة إفراد يوم عاشوراء -.

” الشرح الممتع ” ( 6 / 463 ).

ج – صوم الوصال:

ذهب جمهور الفقهاء – الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في قول – إلى كراهة صوم الوصال, وهو: أن لا يفطر بعد الغروب أصلًا, حتى يتصل صوم الغد بالأمس, فلا يفطر بين يومين, وإنما كره لما روى ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما -: ” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ, قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى “. رواه البخاري ( 1822 ) ومسلم ( 1102 )، والنهي وقع رفقًا ورحمة؛ ولهذا واصل النبي صلى الله عليه وسلم، وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها, وكذا بمجرد الشرب لانتفاء الوصال.

ولا يكره الوصال إلى السحر عند الحنابلة, لحديث أبي سعيد – رضي الله عنه -: ” أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا, فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ “. رواه البخاري ( 1862 )، ولكنه ترك سنة, وهي: تعجيل الفطر, فترك ذلك أولى محافظة على السنة، وعند الشافعية قولان: الأول وهو الصحيح: بأن الوصال مكروه كراهة تحريم, وهو ظاهر نص الشافعي – رحمه الله -, والثاني: يكره كراهة تنزيه.

د – صوم الدهر ( صوم العمر ):

ذهب جمهور الفقهاء – الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية – على وجه العموم إلى كراهة صوم الدهر, وعللت الكراهة بأنه يضعف الصائم عن الفرائص والواجبات والكسب الذي لا بد منه, أو بأنه يصير الصوم طبعًا له, ومبنى العبادة على مخالفة العادة.

واستدل للكراهة, بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأبَد “. رواه البخاري (1876 ) ومسلم ( 1159 ).

والمراد بصوم الدهر عند الشافعية: سرد الصوم في جميع الأيام إلا الأيام التي لا يصح صومها وهي: العيدان وأيام التشريق.

 

 

  1. الصوم المحرم:

– ذهب الجمهور إلى تحريم صوم الأيام الآتية:

أ – صوم يوم عيد الفطر, ويوم عيد الأضحى, وأيام التشريق, وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ وذلك لأن هذه الأيام منع صومها لحديث أبي سعيد – رضي الله عنه – ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْم الفِطْر, وَيَوْم النَّحْر “. رواه مسلم ( 1138 ) ، وحديث نبيشة الهذلي – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ “. رواه مسلم ( 1141 ).

ب – ويحرم صيام الحائض والنفساء, وصيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه.

ج – صوم يوم الشك.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

فالأرجح أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، وأما إذا كانت السماء صحوا: فلا شكَّ.

وهل صومه مكروه كما قال المؤلف أو محرم؟.

الجواب: في هذا خلاف بين العلماء:

– القول الأول: أنه محرم.

– القول الثاني: أنه مكروه.

– والصحيح: أن صومه محرم إذا قصد به الاحتياط لرمضان، ودليل ذلك:

1 – قول عمار بن ياسر – رضي الله عنهما -: ” من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلّى الله عليه وسلّم ” – رواه البخاري معلقاً ووصله أصحاب السنن بإسناد صحيح -.

2 – قوله صلّى الله عليه وسلّم: ” لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه “. – متفق عليه -. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 479 ).

  1. الصوم المباح:

هو ما عدا الأيام التي ذكرناها في الفرض والمندوب وليست حراما ولا مكروها الصوم فيها.

ملخص من: ” الموسوعة الفقهية ” ( 28 / 10 – 19 ) ، و ” الشرح الممتع ” ( 6 / 457 – 483 ) .

 

والله أعلم.

معنى ” لزم ” في حديث ( من لزم الاستغفار ) وأيهما أفضل الاستغفار أو الصلاة على النبي؟

معنى ” لزم ” في حديث ( من لزم الاستغفار ) وأيهما أفضل الاستغفار أو الصلاة على النبي؟

السؤال:

كثيرا ما سمعت مِن العلماء مَن يقول: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا ومن كل همٍّ فرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب )، وتأكدت من صحة الحديث من موقع ” الدرر السَّنيَّة “:

الراوي : عبد الله بن عباس، المحدث: عبد الحق الإشبيلي، المصدر: ” الأحكام الصغرى ” الصفحة أو الرقم: 892 ، خلاصة حكم المحدث: [ أشار في المقدمة أنه صحيح الإسناد ].

فأريد أعرف كيف ألزم الاستغفار؟ هل المقصد طول اليوم، أم مثله مثل أذكار الصباح والمساء؟ وأيهما أفضل الاستغفار أم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث المذكور في السؤال ضعيف الإسناد.

وقد ذكرنا فيما سبق أنه وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن معناه صحيح، وقد جاء ما يشهد له، وهو في فضائل الأعمال التي لها أصل في الشريعة.

ثانيًا:

ومعنى ( لزم ) أي: أكثر، وقد جاء ذلك موضحا في رواية أحمد في ” مسنده ” (4 / 104 ) بلفظ ( مَنْ أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ )، ولفظ الحديث في ” مستدرك الحاكم ” (4/291 ) ( مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارِ ).

وقد بعض الشراح إنه بمعنى ” داوم “، كما قاله السيوطي في ” حاشية سنن ابن ماجه ” ( حديث 3819 )، وقد جمع بينهما الشيخ العثيمين بقوله: ” ( ومن لزم الاستغفار ) يعني: داوم عليه وأكثر منه “. انتهى من ” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 715 ).

ثالثًا:

وأما قولك ” وأيهما أفضل الاستغفار أم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟”: فالذي ينبغي للمسلم أن يجمع بينهما؛ إذ ليسا هما من باب واحد مشترك حتى يكون ثمة مفاضلة، وفي كلٍّ خيرٌ لقائله، ونرى أنه إذا كان ثمة ذنب وقع فيه المسلم: فالاستغفار بعده أولى من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى – في وصف المحسنين – ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/135.

وأما إذا لم يكن ثمة ذنبٌ وكان لا بدَّ من تفضيل أحدهما على الآخر فنقول: إنه وإن ثبتت أحاديث كثيرة ترغِّب بالاستغفار، وأخرى ترغِّب بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نرجِّح الاستغفار على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لسببين:

السبب الأول: أن أحاديث فضائل الاستغفار أكثر، على أننا ننبه إلى أنه ينبغي أن يتحقق في الاستغفار أمران:

الأول: أن يصاحبه توبة وندم لا أن يكون مجرد لفظ يقال باللسان.

الثاني: أن تستعمل الصيغ الشرعية الثابتة بالكتاب والسنَّة؛ لأن تلك الصيغ ترتب عليها تلك الفضائل المشار إليها، وفيها من توحيد الله تعالى والاعتراف بالتقصير ما يجعلها تحوي ما هو أكثر من مجرد طلب المغفرة، كمثل حديث ” سيد الاستغفار ” وغيره مما أحلنا على الاطلاع عليه قريبًا.

السبب الثاني: أن الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم هو الاستغفار، وقد ثبت أنه كان يستغفر ربَّه في اليوم الواحد بل وفي المجلس الواحد مائة مرة.

ويرى بعض أهل العلم أن ” الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم ” أجمع معنى وأكثر فضلاً من ذِكر الاستغفار؛ إذ من فضائلها مغفرة الذنوب وكفاية همِّ الدنيا والآخرة، وفيها الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم.

عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ ( مَا شِئْتَ ) قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ ( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ ( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ ( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ ( إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ ). رواه الترمذي ( 2457 ) وحسَّنه، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وهذا الحديث لو كان صحيحًا ثابتًا لا مطعن فيه لكان مرجِّحاً للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الاستغفار.

 

 

والخلاصة في هذه المسألة:

  1. يقدَّم الاستغفار بعد الذنب على الصلاة على النبي صلى الله عليه.
  2. إذا كان لا بدَّ لنا من ترجيح فإننا نرجح الاستغفار لسببين ذكرناهما سابقًا، والسبب الأول له شروطه.
  3. مَن يرى صحة حديث أبي بن كعب فتقديمه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الاستغفار له وجه قوي.
  4. لكلا الذِّكرين فضائل متنوعة وكثيرة، فليحرص المسلم على الجمع بينهما، وهذا الراجح عندنا؛ جمعًا بين كل النصوص، وتحصيلاً لكل الفضائل.

 

والله أعلم.

هل فعل الكبائر يمنع قبول الطاعات؟

هل فعل الكبائر يمنع قبول الطاعات؟

السؤال:

أنا مسلمة عمري ( 23 سنة ) ، ولكن تملَّكني الشيطان فترة، وارتكبت الكبائر، ولكني الآن نادمة، ولجأت إلى الله، وتبت إليه، ولكن سمعت أنه لا ينفع لي صوم ولا صلاة لأني فعلت أكبر الكبائر، فهل هذا صحيح؟ وهل فعلًا أن الله لن يقبل توبتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نحمد الله تعالى أن وفقكِ للتوبة، ونسأله عز وجل أن يثبتكِ على دينه، وأن يحسن عاقبتكِ، واعلمي أنك في نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر الله تعالى، فكم من عاصٍ مات ولم يتب، وكم من ضال هلك قبل أن يرجع إلى ربه، ولا شك أن توفيق الله لك للتوبة أمر عظيم في حياتك فينبغي أن يكون هذا الوقت وقت انطلاق في الطاعة وبذل لمزيد من الجهد في العبادة.

واعلمي أن ما سمعتيه من عدم قبول التوبة والصلاة والصيام لمن عمل الكبائر قول منكر، وهو قول على الله بغير علم، فقد استقر عند أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يقبل من عبده في الدنيا التوبة من جميع الذنوب مهما عظمت، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يحول بين العبد وبين التوبة مهما بلغت ذنوبه كثرة وعظمة، وأما الآخرة فإن الله تعالى لا يغفر الشرك لصاحبه، وما عداه من الذنوب قد يغفره الله له، وهذا لمن لقيه بها من غير توبة أو إقامة حدٍّ، وما قلناه لكِ هو ما جاء في القرآن والسنة وأجمع عليه أهل السنة من غير خلاف بينهم.

قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ الزمر / الآية 53 ] .

وقال عز وجل – في بيان مغفرته لأعظم الذنوب -: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ] .

وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله تعالى للذنوب جميعا – ولو كانت شركا – بل إن فيها بيانا لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب, بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) ، وهذه الآية عامَّة مطلقة؛ لأنَّها للتائبين!، وأما قوله: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فإنها مقيَّدة خاصَّة؛ لأنَّها في حق غير التائبين! لا يغفر لهم الشرك، وما دون الشرك معلَّق بمشيئة الله تعالى.  مجموع الفتاوى ( 2 / 358 ).

وقال – رحمه الله – أيضا –:

وقد قال تعالى في كتابه: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فجعل ما دون ذلك الشرك معلَّقا بمشيئته، ولا يجوز أن يُحمل هذا على التائب؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره! كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا ) فهنا عمَّم وأطلق؛ لأن المراد به التائب! وهناك خصَّ وعلَّق.

( 7 / 484 ، 485 ).

وقال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) [ النساء / الآية 48 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما .

وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب: غفر له، كقوله: ( إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحا ) الآية، فإن الاستثناء راجع لقوله: ( والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ) وما عطف عليه؛ لأن معنى الكل جمع في قوله: ( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ) الآية، وقوله: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف ) … ” أضواء البيان ” ( 1 / 290 ، 291 ).

 

فاحرصي على العبادة والطاعة، واندمي على ما فات من تفريط ومعاصي، واعلمي أن الله تعالى غني عن عباده ومع ذلك يفرح لتوبتهم، فهو الذي وفقهم وهداهم، وهو غني عنهم، ومع ذلك يفرح بتوبتهم ويقبلها منهم، بل ويبدل سيئاتهم حسنات.

 

– ونسأل الله تعالى أن يعينكِ على ذِكره وشكره وحسن عبادته.

 

والله أعلم.