الرئيسية بلوق الصفحة 154

الروائح الكريهة ما أقسامها؟ وهل تتأذى منها الملائكة كلها؟

الروائح الكريهة ما أقسامها؟ وهل تتأذى منها الملائكة كلها؟

السؤال:

هل كل ما يتأذى منه الإنسان من غيره وينفر منه تتأذى منه الملائكة وتنفر منه إذا فعله الإنسان؟ فمثلًا إذا كان الإنسان صائمًا أو غير صائم وكانت راحته كريهة ينفر منها غيره كأن يكون جسده غير نظيف أو رائحة فمه كريهة أو تخرج منه غازات كريهة وغير ذلك: فهل كل هذه الأشياء تؤذي الملائكة؟ وما الذي يجب على الإنسان فعله حيال ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الروائح الكريهة التي تنبعث من المسلم ليست كلها من باب واحد، ويمكن أن نقسمها إلى أقسام:

  1. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب تناول صاحبها لطعام أو شراب محرَّم، كروائح المدخنين وشاربي الخمر.
  2. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب تناول صاحبها لطعام أو شراب حلال لكن في أصل خلقتها رائحة كريهة إن أُكلت من غير طبخ، كروائح آكلي البصل والثوم النيئين.
  3. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب ابتلاء بمرض، كمن يوجد به بَخَر في فمه أو رائحة لأنفه.
  4. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب طبيعة الخِلقة كمن تخرج من فمه رائحة عند قيامه من نومه، ويلحق به من يُخرج ريحًا من دبره.
  5. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب عبادة كرائحة خلوف فم الصائم.
  6. روائح كريهة تنبعث من الإنسان بسبب عمله، كمن يعمل في التمديدات الصحية، أو في نقل القمامة، أو يعمل في الزراعة والأعمال الشاقة فيخرج عرق من بدنه، ومثله من يخرج لجوربيه ورجليه رائحة كريهة.

 

 

 

 

ثانيًا:

وبالتأمل فيما ذكرناه سابقًا يتبين أنه ثمة فروقات بين أقسام الروائح الكريهة السابقة:

  1. فالروائح الكريهة التي تخرج من العصاة كشاربي الخمور والدخان لا يمكن أن يحبها مؤمن ولا تطيب رائحتها لملَك، فهي ريح خبيثة بسبب محرَّم تؤذي عباد الله المؤمنين من البشر والملائكة.
  2. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد نتيجة تناوله طعامًا مباحًا كالبصل والثوم لا يكون مؤذيًا إلا إن ذهب لمسجد أو مصلى عيد أو جنائز بتلك الرائحة، فيكون حينئذٍ مؤذياً للمؤمنين وللملائكة, وأما في غير المساجد : فأمره واسع ولا يكون مؤذيًا لا للعبد ولا للملائكة، ولو كان مثل هذا مؤذياً على الإطلاق لصار البصل والثوم محرَّمين! وليس الأمر كذلك، فعُلم أن الحكم خاص بالمساجد وبالملائكة الكرام الذين يشهدون الجماعة.

* قال سليمان الباجي – رحمه الله -:

وقد نص أصحابنا على المسجد الجامع قال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه وعندي أن مصلَّى العيد والجنائز كذلك…. .

من المواضع ما اتخذ لغير العبادة كالأسواق ونحوها فقد قال مالك رحمه الله ما سمعت بكراهية في دخول الأسواق ممن أكل الثوم والفرق بينهما أن المواضع المتخذة للعبادة لها حرمة يجب أن يتنزه بها عن كريه الروائح  بخلاف المتخذة لغير العبادة فإنه لا حرمة لها فلو منع دخول الأسواق برائحة الثوم لكان ممنوعا من أكله جملة لأن الأسواق بمنزلة سائر المواضع. ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 1 / 32 ، 33 ).

* وقال ابن رجب – رحمه الله -:

وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرمٍ في الجملة، وإنما ينهى من أكله عن دخولِ المسجدِ حتى يذهبَ ريحه، وعلى هذا جمهور العلماءِ.

وذهب إلى تحريمِ أكله طائفةٌ قليلةٌ من أهل الظاهرِ، وروي عن بعض المتقدمين – أيضًا، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ برد هذا الكلامِ. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 288).

* الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أحد المشايخ يقول: عجبتُ من أناسٍ يقولون أذكار الصباح والمساء وهم يأكلون الثوم والبصل.

 

فأجاب:

أين وجه العجب؟.

السائل:

يعني: تذهب عنهم الملائكة وتتأذى منهم.

الشيخ:

هذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الملائكة تتأذى من آكل البصل، أو إنها تفر منه، لكنه نهى من أكل بصلًا أو ثومًا أن يدخل المسجد وقال ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) والمراد: الملائكة الذين في المساجد الذين يعمرونها، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: كل من أكل ثومًا أو بصلًا فرَّت منه الملائكة وتأذت منه: لكان هذا يقتضي أن يكون حرامًا، كما قلنا: إن اقتناء الصور حرام؛ لأن الإنسان إذا اقتنى الصور فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، ولهذا لما فتح الناس خيبر ووقعوا في أكل البصل وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كرهها فقالوا: إنها حرمت! فقال عليه الصلاة والسلام ( إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ) فأباحها لهم.

ولهذا نقول: إن أكل البصل والثوم والكراث وما أشبهها من النوابت التي لها رائحة: ليس حرامًا، لكن من أكلها فلا يقرب المسجد؛ لأن الملائكة تتأذى منه.

نعم، لو فرض أن إنسانا أكلها ليجعلها وسيلة لترك الجماعة الواجبة عليه: صارت حينئذ حراما؛ لأنه تحيل على إسقاط الواجب، وهذا كما قال أهل العلم رحمهم الله: إن الإنسان لو سافر في رمضان من أجل أن يفطر: صار السفر حراما والفطر حرامًا، يلزمه أن يصوم حتى في السفر؛ لأنه سافر تحيلًا على إسقاط الواجب، والتحيل على إسقاط الواجبات: لا يسقطه، كما أن التحيل على تحليل المحرمات: لا يجعلها حلالًا.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 151 / السؤال 19 ).

  1. والروائح الكريهة التي تكون نتيجة مرض وابتلاء لا يتأذى منها مؤمن ولا ملَك؛ لأنها ابتلاء من الله تعالى، ولا إرادة فيها للعبد – كمن به سلس ريح أو لفمه رائحة بَخر – لكن مع هذا لا يحل له الذهاب للمسجد، وهو معذور في عدم ذهابه، وإذا كان مرضه طارئاً وكان من قبلُ يصلي في المسجد جماعة كتب له أجر الجماعة، وإن لم يكن يصلي في المسجد جماعة قبْل مرضه فيُعذر بتركها، ويرتفع عنه الإثم ولا يأخذ أجر الجماعة إلا أن ينوي صادقاً فيؤجر على نيته.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا كان فيه بَخَرٌ، أي: رائحةٌ منتنةٌ في الفَمِ، أو في الأنفِ، أو غيرهما، تؤذي المصلِّين: فإنَّه لا يحضرُ؛ دفعاً لأذيَّتِه، لكن هذا ليس كآكلِ البصلِ؛ لأنَّ آكلَ البصلِ فَعَلَ ما يتأذَّى به النَّاسُ باختيارِه، وهذا ليس باختيارِه، وقد نقول: إنَّ هذا الرَّجُلَ يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ لأنَّه تخلَّفَ بغير اختيارِه فهو معذورٌ، وقد نقول: إنه لا يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ لكنه لا يأثمُ، كما أنَّ الحائضَ تتركُ الصَّلاةَ بأمره اللهِ ومع ذلك لا يُكتب لها أجرُ الصَّلاةِ فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جَعَلَ تَرْكَها للصَّلاةِ نقصاً في دينِها.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 323 ).

  1. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد نتيجة طبيعة الخلقة كريح الفم عند التغير بسبب النوم يمكن إزالتها بالمضمضة أو بالسواك، والريح التي يخرجها العبد من دبره تزول رائحتها في وقت يسير وهي علامة صحة للبدن وحبسها فيه ضرر، ولا يُمنع العبد من تعمد إخراجها، والممنوع منها هو إيذاء الناس برائحتها فمن تعمَّد إخراج الريح في مجتمع من الناس قاصدًا إيذاء الحضور: أثم، ويمكن أن يقال إنه آذى بذلك الملائكة.
  2. والروائح الكريهة التي تخرج من المسلم بسبب طاعة الصيام لا يمكن أن تتأذى منها الملائكة ولا يكاد يسلم منها أحد، وهي أطيب عند إلى الله من رائحة المسك، كما صحَّ بذلك الحديث، فقد روى البخاري ( 1795 ) ومسلم ( 1151 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ). وقد كره بعض العلماء التسوك بعد الزوال إبقاء لهذه الرائحة التي هي أثر عبادة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

ولا أكره في الصوم السواك بالعود الرطب وغيره وأكرهه بالعشي؛ لما أحب من خُلوف فمِ الصائم. ” الأم ” ( 8 / 155 ).

وهم منازَعون في هذا، بل التسوك مشروع في كل النهار ويندب عند كل وضوء وكل صلاة، ومع هذا فالمنازِعون يعترف أكثرهم بأن السواك لا يزيل الرائحة لأن مصدرها المعدة، لكنهم يقولون إن الله تعالى لم يتعبدنا بذات الرائحة، وإنما قيل هذا تشجيعاً للمسلم على الصوم، وبينًا لعظم شأنه عند ربه تعالى مع رائحته تلك، وتحذيرًا لغيره من التنفير منه.

* قال الكاساني – رحمه الله -:

أما الحديث: فالمراد منه تفخيم شأن الصائم والترغيب في الصوم والتنبيه على كونه محبوبًا لله تعالى ومرضيه, ونحن به نقول أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع الصائم لتغير فمه بالصوم فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام.

” بدائع الصنائع ” ( 2 / 106 ).

  1. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد المسلم نتيجة عمل مباح لا يؤاخذ عليه المسلم بل يُمدح لعمله، لكنه يؤمر أن يُنظف نفسه ويطيبها بعد انتهاء عمله، وخاصة عند الصلاة، وبالأخص عند ذهابه للمسجد، فإن ذهب للمسجد بتلك الرائحة آذى المؤمنين والملائكة، وإن كان في عمله فلا يؤذي أحدًا؛ إذ لا يمكن الفصل بين العمل والرائحة، لكن عند انتهاء عمله يمكنه فصل الرائحة عن ثيابه وبدنه بالتنظف والتطهر، وهذا كان سبب تشريع غسل الجمعة على المسلمين.

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رواه البخاري ( 861 ) ومسلم ( 847 ).

– كُفاة: خدم.

– تَفَل: رائحة كريهة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ذكرنا أن هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحةٌ كريهةٌ، كالفجل وغيره، وأن أحمد نص عليه.

وكذلك قال مالكٌ: الكراثُ كالثوم، إذا وجدت ريحهما يؤذي.

وألحق أصحاب مالكٍ به: كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها، كالحرَّاث والحوَّات!.

وفيه نظر؛ فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ، وصاحبه محتاج إليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 290 ).

 

والله أعلم.

هل للجن القدرة على التشكل على صورة إنس؟ وهل يظهر في رمضان؟

هل للجن القدرة على التشكل على صورة إنس؟ وهل يظهر في رمضان؟

السؤال:

زميلي يقول إن زوجته يظهر لها جن أحيانًا على صورة أختها وأحيانًا على طبيعته، وهل الجن يظهر في رمضان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يمكن لأحدٍ من الإنس – واستثني من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه الأنبياء – رؤية الجن على أصل خلقتهم، وهي غير معلومة أصلا، فالجزم بأنها على صورة معينة لا يسلم لقائله، واستدل القائلون بعدم إمكانية رؤيتهم على صورتهم الحقيقية بقوله تعالى ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) الأعراف/ 27.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

من زعم من أهل العدالة أنه يَرى الجن أبطلتُ شهادته؛ لأن الله عز وجل يقول (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) إلا أن يكون نبيًّا.

انظر ” أحكام القرآن ” ( 2 / 195 ، 196 ) للقرطبي.

* وقال ابن حزم – رحمه الله -:

وأن الجن حق، وهم خلْق من خلق الله عز وجل، فيهم الكافر والمؤمن، يروننا ولا نراهم. ” المحلى ” ( 1 / 34 ).

ولا ينافي هذا ما ثبت من رؤيتهم على صورة إنسي أو بهيمة، فالقدرة على الرؤية إنما هي منفية عن رؤية صورتهم الحقيقية.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأنه – أي: الشيطان – قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) مخصوص بما إذا كان على صورته التي خُلق عليها. ” فتح الباري ” ( 4 / 489 ).

 

ثانيًا:

وقد جعل الله تعالى لهم القدرة على التشكل على صورة إنس وبهائم، وقد صحت بذلك أدلة، وعُلم ذلك بالواقع المشاهد.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ ). صحيح مسلم ( 2236 ).

والعوامر: الحيات والثعابين التي تكون في البيوت.

– وقد جاء على صورة إنسي لأبي هريرة يدَّعي الفقر والحاجة، وسيأتي الحديث.

وروي أنه قد تشكل على صورة ” سراقة بن مالك “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم، كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر، قال تعالى ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الأنفال/ 48.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 44 ، 45 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرًا، وكذلك بصورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 52 ).

* وقال الدكتور عمر الأشقر – حفظه الله -: 

أحيانًا تأتي الشياطين الإنسان لا بطريق الوسوسة، بل تتراءى له في صورة إنسان، وقد يسمع الصوت ولا يرى الجسم، وقد تتشكل بصور غريبة، وهي أحياناً تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها فتزعم أنها من الملائكة، وأحيانًا تسمِّي نفسها بـ ” رجال الغيب “، أو تدَّعي أنها من عالم الأرواح، وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس وتخبرهم بالكلام المباشر، أو بواسطة شخص منهم يسمَّى ” الوسيط “، تتلبس وتتحدث على لسانه، وقد تكون الإجابة بواسطة الكتابة، وقد تقوم بأكثر من ذلك فتحمل الإنسان وتطير به في الهواء وتنقله من مكان إلى مكان، وقد تأتي بأشياء يطلبها، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين الذين يكفرون بالله رب الأرض والسماوات، أو يفعلون المنكرات والموبقات، وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضل الناس وأفسقهم، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئًا كثيراً لا مجال لتكذيبه والطعن فيه لبلوغه مبلغ التواتر.

” عالم الجن والشياطين ” ( ص 119  ).

 

ثالثًا:

ولا فرق بين شهر رمضان وغيره في رؤية الجن متشكلًا، بل قد ثبت في حديث صحيح أنه جاء متشكلًا على صورة إنسي في شهر رمضان.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ) قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ ) فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ ) فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( مَا هِيَ ) قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ – وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ) قَالَ: لَا، قَالَ ( ذَاكَ شَيْطَانٌ ). رواه البخاري (3101 ) – معلَّقًا بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” (ص 533 ).

– والحديث فيه قدرة الجن على التشكل، وفيه ظهوره في رمضان، والصحيح: أن التصفيد في شهر رمضان يكون لمردة الشياطين، لا لعمومهم.

 

 

فقد تبين مما سبق:

  1. أن الجن لا يظهرون لأحد – سوى الأنبياء – على صورتهم الحقيقية.
  2. أنهم يمكن أن يتشكلوا على صورة إنس وبهائم.
  3. أنه لا يمتنع ظهورهم متشكلين في شهر رمضان.

وحتى يكون الرائي صادقا في ادعائه رؤية الجني متشكلًا على صورة معينة – كأخت أو أخ أو صديق – فينبغي أن تكون الرؤية لبدن حقيقي، فإن لم يكن الأمر كذلك فهي صورة خيال، وهي تهيؤات لا حقيقة لوجودها، فالشيطان الذي تشكل لأبي هريرة جاء ببدنه وتكلم وسمع، وهكذا لما تشكل على صورة حيات كانت ببدنها وحركاتها، ولا نظن ما عند أخت زميلك إلا صور ذهنية وخيالات وأوهام، لا أن الجن تشكل على صورة أختها وجاء يكلمها!.

 

 

والله أعلم.

 

هل يأثم من يعمل في مراقبة الدوام ويُجبره مديره على تزوير حضوره وغيابه؟

هل يأثم من يعمل في مراقبة الدوام ويُجبره مديره على تزوير حضوره وغيابه؟

السؤال:

أنا أعمل مهندس حاسب آلي في شركة لتوريد وتركيب أجهزة البصمة وأنظمة الحضور والانصراف للوزارات والهيئات الحكومية، ويوجد عقد بين شركتي وإحدى الجهات الحكومية فيه بند ينص على أن أتواجد دائمًا في الهيئة كأني موظف بها على أن أتابع عمل وكفاءة النظام باستمرار.

في الوقت نفسه يوجد بند آخر بالعقد ينص على أن يقوم المهندس المقيم – أنا – بكل الأعمال التي يطلبها منه مشرف الدوام

وبناءً عليه: فيوميًّا يطلب مني مشرف الدوام – والذي هو مديري المباشر في الهيئة – بالتعديل على أوقات توقيعه في الحضور والانصراف حتى لا يظهر له أبداً في التقارير تأخيرات أو انصراف مبكر، وأحيانًا لا يأتي الدوام مطلقًا ويطلب مني أن أُدخل له توقيع حضور وانصراف على افتراض أنه داوم ذلك اليوم.

فهل يا شيخ أنا مشترك معه في الإثم أم هو يتحمل الإثم وحده؟ مع العلم أن شركتي التي أرسلتني إلى هناك أيضا تعلم بما يحدث وترغمني على الاستمرار في ذلك أو ينهون خدماتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك ولا ريب أن ما يفعله ذلك المشرف من التخلف عن دوامه أو التأخر عنه والكذب بخصوص ذلك: كله من المحرمات الواضحات، فهو كذب، وتزوير، وأكل مال جهة الدوام بالباطل، ولا شك أنك – أخي السائل – شريك في هذه المحرمات حيث تغطِّي تخلفه عن الدوام وتأخره عنه بتزوير الحقيقة، وقد بينَّا هذه المسألة بوضوح.

 

ثانيًا:

واعلم أن علم شركتك بما تفعله من تزوير الحقيقة مع ذاك المشرف لا يجعل فعلك جائزًا, بل هم شركاء – بعلمهم ورضاهم – بالإثم، وأصحاب العمل – وهم الجهة الحكومية – لا يرضون بهذا الفعل، ولذا لجأ هذا المشرف إلى التزوير، بل إن تلك الجهات تمنع هذا التزوير وتلاحق فاعله فتعاقبه؛ لأن أخذ من راتبه ما ليس له به حق.

والواجب عليك: الكف فورًا عن فعلك هذا، وإذا كنتَ لا تستطيع مواجهة مشرفك وشركته بإجرائك هذا: فالواجب عليك إيصال خبر هذا المشرف لرؤسائه أو للجهات المسئولة، فتحمي نفسك بهذا الإجراء، وتطيب مطعمك وراتبك، وتوقف ذاك المشرف عند حدِّه، ويكفيك إيصال الخبر إلى الجهات المسئولة لتبرأ ذمتك، وتطلب منهم حمايتك من سطوة ذلك المشرف وأنه يجبرك على هذا الفعل، وليكن منهم حكمة في التصرف فلا بدَّ أن يخرجوك من الصورة، وليبدُ الأمر كأنه أمر مراقبة للتأكد من سير العمل وفق القانون، ولا يسعك غير هذا التبليغ عن حال ذاك المشرف وفعله المحرَّم، وأما السكوت عنه بداعي الوظيفة فلا يجوز لك، وإنما تكسب بسكوتك إثمًا وتأكل بقدْره من راتبك سحتًا، ولو فُرض في أسوأ الحالات أن تُطرد من وظيفتك فاعلم أن أرض الله واسعة، وأن رزق الله تعالى عظيم، ولعلَّ الله تعالى أن يرزقك – لأمانتك – خيرًا من عملك هذا لدينك ودنياك.

 

والله أعلم.

ولدت ابنا له أربع أصابع فقط فكيف تتصرف مع هذا الابتلاء؟

ولدت ابنا له أربع أصابع فقط فكيف تتصرف مع هذا الابتلاء؟

السؤال:

وُلد لي ولد بأربع أصابع فقط في يده اليمنى، وما انزعجت لذلك، غير أني ليلة أمس كنت أرى صورة ليدٍ يمنى وكيف أن الله أبدع صنع الأصابع والكف وغير ذلك فانفجرت بالبكاء، صحيح أنه لا حيلة لي في ذلك، ولا أدري لماذا أصبح ابني هكذا، مع أنه لا يوجد أحد في العائلة بهذه الحالة، حتى أخوه الأكبر فهو كامل الخلقة.

على ما أظن أن هذا شعور طبيعي تشعر به أي أمّ في مثل حالتي، إنني أتألم من ذلك ولكني لا أبدي ألمي هذا ولكنني أفكر أحياناً كيف سأواجهه بالإجابة عن سؤاله إذا سخر منه الأولاد في المدرسة حين يكبر فيأتي ويسألني عن ذلك، فماذا أقول له حينها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إننا نقدِّر – أيتها الأم – مشاعرك تجاه طفلك، ونعيش معك شعورك عندما ترين ابنك قد ابتلاه الله تعالى بما ذكرتِ، وإننا سنقف معك وقفات نرجو أن يكون لها أثر طيب عليكِ لمواجهة هذا الابتلاء وحسن التصرف تجاهه.

  1. يجب عليكِ التأمل في عظيم حكمة الله فيما يقدِّره تعالى من الأشياء، وليس خلْقُ ابنك بأربع أصابع خارجًا عما يجب تأمله، فالله تعالى لا يخلق شيئًا عبثًا إنما يخلقه لحكمة بالغة، ومنه ما يقدِّره تعالى من إصابة بعض خلقه بإعاقات بدنية تتفاوت فيما بينهما، ومن أعظم الحكَم في ذلك أن يكون هذا من باب الابتلاء لوالديه، ثم للابن نفسه إن صار من البالغين المكلَّفين.
  2. نرجو منكِ عدم الالتفات للوراء وعدم الانشغال بالذكريات المؤلمة؛ فالانشغال بمشاعر الحزن والألم والإكثار منها فيه تعطيل للقيام بالواجبات والعمل لمصلحة الطفل، وقد يؤدي بكِ – لا قدَّر الله – إلى التسخّط والاعتراض على فعل الله تعالى.
  3. إننا لا نرى أنَّ خلْق الله تعالى أربع أصابع لابنك فيه عظيم ابتلاء، فقد أكمل الله له عقله وجعله قادرًا على الحركة وهو يأكل وينام ويرى ويسمع في نِعَم عظيمة جليلة تحتاج منكِ لشكرٍ عليها.
  4. نوصيك بالاهتمام بطفلك ليكتسب مهارات يتفوق بها على أقرانه ليعوِّض عليه النقص في خِلقته، فتميزه – مثلًا – بحفظ القرآن وطلب العلم يجعلان منه طفلًا مميزًا يُثنى عليه ولا يشعر معه بالنقص عن أقرانه.
  5. تجنبي التعامل معه بعاطفة مجردة، فلا تظهري أمامه الحزن والأسى حتى لا يشعر بالنقص عن أشقائه وأقرانه.
  6. نبِّهي أشقاءه وشقيقاته إلى ضرورة الانتباه في كلامهم معه وعدم السخرية به، مع التشديد في عقوبة المخالف لهذا.
  7. تعاوني مع إدارة المدرسة والأخصائي الاجتماعي في ضرورة حسن رعايته ومعاقبة من يسخر منه وتجنبيه آثار ذلك إن وقع.
  8. احرصي أن يكون ابنك مِن أهل المساجد لتكون صحبته طيبةً نقية من طلبة العلم وحفاظ القرآن، وهم مَن لا يمكن أن يصدر منهم – إن شاء الله – سخرية به.

وأما حين يكبر: فأفهميه أن الله تعالى قد ابتلى غيره بأشد من ابتلائه هذا، فمنهم الذي لا يستطيع التحرك، ومنهم المجنون، والأعمى، والأصم، والمصاب بسرطان الدم، ومن يغسل كُليته كل يومين مرة، وهكذا في ابتلاءات كثيرة وشديدة قد عافاه الله منها، وليعلم أن ما ابتلاه الله به ليس شيئا بالنسبة لغيرها من الابتلاءات الشديدة، وأعظم من هذا أن يعلم أنه يتقلب في أعظم نعمة وهي الإسلام، وأنه الله تعالى قد جعله من الموحِّدين، وهي نعمة جليلة تحتاج منه لشكر عظيم بقلبه ولسانه وجوارحه، وليعلم أن هذه الدنيا ليست إلا دار اختبار وابتلاء وأحزان وآلام ونقص، وأن السعادة والفرح والكمال إنما هو في جنَّة الخلد فعليه أن يسعى لأن يكون من أهلها.

– ونسأل الله تعالى أن يعينك وييسر أمرك، ونسأله تعالى أن يهديه لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

هل زوج أم زوجها ممن يجوز لها أن تكشف عن وجهها أمامهم؟

هل زوج أم زوجها ممن يجوز لها أن تكشف عن وجهها أمامهم؟

السؤال:

تزوجتْ حماتي مؤخرًا – ما شاء الله – وهذا الشخص الذي تزوجته ليس والد زوجي، لكنه زوج أمِّه، فهل يجوز لي أن أخلع نقابي أمامه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

بينّا فيما سبق مَن هم المحارم مِن الرّجال وليس من أولئك زوج أم زوجك؛ فإنه أجنبي عنك، ليس له حكم والد زوجك، ولا حكم محارمك.

وعليه: فلا يجوز لك إظهار شيء من بدنكِ أمامه؛ لذا فالواجب عليك الاحتجاب أمامه، وليس ثمة خلاف بين العلماء في كونه أجنبيًّا عنك.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هربت مع ابن عمها من بيت أهلها فاغتصبها وحملت سفاحًا فكيف تصنع؟

هربت مع ابن عمها من بيت أهلها فاغتصبها وحملت سفاحًا فكيف تصنع؟

السؤال:

أود أن أسأل سيادتكم عن قضية متشعبة قليلًا، بخصوص بنت سافرت مع ولد عمها لبلاد بعيدة عنهم، ولأن الخلوة محرمة بهذه البلاد اقترح عليها ابن عمها أن تتزوجه على الورق فقط، وهو ما تم، حيث أنها تزوجته كتابيًّا من غير شهود ولا ولي ولا مهر، وهي قاصر لم تبلغ ( 16 سنة ) بعدُ، بعد كم يوم من إقامتهم بهذه البلاد قام ولد عمها بوضع منوم في المشروب وقام باغتصابها وقد أنجر عن ذلك الفعل حمل من ولد عمها، وهي الآن في حيرة من أمرها فهي لا تريد الزواج من ابن عمها لأنها تعتبره أخاً، وتسأل عن ما يتعلق بهذا الزواج وكل ما انجر عنه، هي لا تريد الزواج من ولد عمها ولا تستطيع إسقاط الجنين، هو للآن في مرحلة التكون يعني حدث كل هذا منذ حوالي شهر، لا تستطيع إسقاطه لأن فيه خطرًا على حياتها لأن عندها سيولة بالدم والإسقاط خطر على حياتها.

أفيدونا أفادكم الله بكل ما يتعلق بالموضوع، وما هو الذي ينبغي أن تفعله هي وهو حسب شرع الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الزواج الذي تمَّ بين تلك الفتاة وابن عمِّها باطل لا اعتبار له؛ لعدم تحقق شروط الزواج الشرعي، بل هو عبث بأحكام الشرع واستهزاء بأحكامه، فليس ثمة رضا ولا قبول على وجههما الشرعي الحنيفي، وليس ثمة ولي ولا شهود، بل هو حبر على ورق لا قيمة له.

 

ثانيًا:

وقد ارتكبت تلك الفتاة آثاماً عظيمة بهروبها من بيت أهلها، وبسفرها مع أجنبي عنها، وبالخلوة المحرمة معه، وهو ما أدَّى إلى اغتصابها والحمل سفاحًا.

فالواجب عليها: الندم على ما حصل منها من معاصٍ وآثام، والتوبة الصادقة من كل ذلك، وعليها إخبار أهلها بما حصل معها حتى لا يزداد أمرها سوءً، فقد يطمع بها ذلك القريب الخبيث أكثر وأكثر، وقد تصير عرضة للدخول في عالم الإجرام والسوء والفحش، وأهلها هم أولى الناس بها وبالستر عليها، فلتطلعهم على ما جرى لها وأنها قد غرِّر بها واغتصبت بالإكراه، ولترجع إليهم برفقة أحد منهم، ولا ينبغي لهم التشهير بها، وليبقوا الأمر في نطاق ضيق؛ حتى لا يتسببوا في القضاء على مستقبلها، والإسلام قد رغَّب بالستر على الغريب فالقريب أولى.

وعلى الأهل مراعاة صغر سنِّ ابنتهم، وأنه قد غُرِّر بها من قبل ابن عمها، كما أن عليهم أن يعاتبوا أنفسهم على تقصيرهم في تربيتها وتوجيهها – إن وجد منهم ذلك -، فكثير من الأسر يكونون هم السبب فيما يجري مع بناتهم من وقوعٍ في المنكرات والفواحش بما يتساهلون به في تربيتهن وبما يوجد منهم من تمكينهن من رؤية المسلسلات الفاسدة وسماع الأغنيات الماجنة، مما يترتب عليه ما نراه ونسمعه من وقوع في الحب والغرام مع الرجال الأجانب، ومن الهروب من بيوت أهاليهن، ومن الوقوع في الزنا والحمل السفاح.

 

ثالثًا:

وعلى ابن عمها الندم والتوبة والاستغفار على ما حصل منه من آثام عظيمة، وأعظمها ما فعله من الزنا بابنة عمه، قال الله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) الإسراء/32، وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحة.

وليعلم هو وابنة عمه أن الله تعالى واسع المغفرة، وأنه يقبل التوبة من عباده، فليسارعا إلى الرجوع إلى الله، وليصدقا في توبتها، وعسى الله أن ييسر لهما ذلك ويقبله منهما، قال الله تعالى ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53.

 

رابعًا:

ويجوز للحامل من الزنا أن تجهض حملها قبل نفخ الروح فيه، لكنَّ ذلك مشروط بعدم تأثير الإجهاض على حياتها، وبما أنه قد جاء في السؤال بيان حال الفتاة وأنه ثمة خطر على حياتها إذا هي أجهضت: فيكون الإجهاض في حقِّها حراماً، وإذا كانت الروح قد نفخت في الجنين فيكون هذا سبباً آخر لحرمة الإجهاض.

 

خامسًا:

وليُعلم أنه لا يجوز تزوج ذاك الرجل الزاني من ابنة عمه إلا بعد تحقق أمرين:

الأول: توبته من الزنا.

الثاني: بعد وضع حملها.

وليُعلم – أيضًا -: أن ولد الزنا لا يُنسب إلى الزاني، بل يُنسب إلى أمِّه، ونسبته إليها نسبة شرعية تثبت بها الحرمة والمحرمية، ويرثها وترثه، وله أحكام البنوة كاملة؛ لأنه ابنها حقيقة.

* قال علماء اللجنة الدائمة :

إذا تزوج رجلٌ امرأةً حاملًا من الزنا: فنكاحه باطل، فيحرم عليه وطؤها؛ لعموم قوله تعالى (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) البقرة/ 235، وقوله تعالى ( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ 4؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا توطأ حامل حتى تضع ) رواه أبو داود وصححه الحاكم، وبذلك قال مالك وأحمد رضي الله عنهما .

ولا يلحق الولد بالزاني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( وللعاهر الحجر ) – متفق عليه -، كما أنه لا يلحق بمن تزوجها؛ لأنها صارت فراشًا له بعد الحمل.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع.” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 153 ) – باختصار -، وانظر” مجلة البحوث الإسلامية” ( 9 / 54 ).

ولتعتبر الأسر المفرطة في تربية أولادها بمثل هذه القصص والأحداث؛ فإن السعيد من وُعظ بغيره، وهذه الفتن تعصف في الأسر من جميع الجهات، فليحذر كل رب أسرة من شياطين الإنس والجن، ولينصح لرعيته بما يُبرئ ذمته يوم القيامة قبل أن يأتي يوم يحاسبه فيه ربُّه تعالى على ما فرَّط فيه.

 

والله أعلم.

 

ما تعبير رؤيا من يَطلب من الأموات أن يُسقى ماء من الأحياء؟

ما تعبير رؤيا من يَطلب من الأموات أن يُسقى ماء من الأحياء؟

السؤال:

والدتي يأتي في أحلامها دائمًا بعضٌ من أهلها المتوفين وأحيانًا يطلبون منها ماء، هل عليها أن تتصدق عنهم إذا جاءوها في الأحلام أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

سألنا بعض المتخصصين بالتعبير من أهل السنَّة فاتفقوا على أن تعبير رؤيا من يرى في منامه من يطلب منه الماء: أنه بحاجة لما ينتفع به من الأحياء، كالدعاء له، أو قضاء ديْنه.

فالمرجو أن يكون في تلك الرؤى عبرة للأحياء بأن يسارعوا إلى قضاء ما عليهم من ديون مالية، والتحلل من أصحاب الحقوق المعنوية، وأن يحرص المسلم على تثقيل ميزانه بالأعمال الصالحة، وفي هذه الرؤى تذكير للأحياء بعدم الغفلة عن حاجة أهليهم الأموات للدعاء بالرحمة والاستغفار لهم.

 

– ونسأل الله تعالى أن يرحم موتانا وموتاكم وأن يغفر لهم ويعلي منازلهم.

 

والله أعلم.

 

 

سؤال عن اسم ” فيّ ” – بتشديد الفاء والياء – وهل يجوز تسمية الأولاد به؟

سؤال عن اسم ” فيّ ” – بتشديد الفاء والياء – وهل يجوز تسمية الأولاد به؟

السؤال:

ما معنى اسم ” فيّ ” بشد الفاء والياء؟ وهل هو اسم جائز حسن حلال حيث أني قد علمت أن له دلالة عند أهل الكتاب؟ فهل يجوز التسمية به؟

 

الجواب:

الحمد لله

لم نقف على اسم ” في ” فيما بين أيدينا من مصادر، وعليه: فلم نعرف معناه، فلا نستطيع الحكم عليه، ولم نتصور كيف يكون الحرف الأول مشدَّدًا! ومثل هذه الأسماء التي لا تُعرف في عالَم الأسماء ولا يُعرف لها استعمال بين المسلمين: فنرى تجنب تسمية الأولاد به ابتداء.

 

والله أعلم.

 

 

بنى على الأقل في صلاته ولكنه اكتفى بسجدتي سهو دون الإتيان بركعات!

بنى على الأقل في صلاته ولكنه اكتفى بسجدتي سهو دون الإتيان بركعات!

السؤال:

كان لديَّ فهم خاطئ لسجود السهو, فكنت أبني على الأقل في عدد الركعات ولكني لا أزيد ركعة فقط أسجد سجود السهو؟ وتكررت معي كثيرًا ولا أذكر العدد، فهل عليَّ شيء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد يترك المسلم الصلاة بالكلية لجهله بوجوب أدائها عليه، كما قد يكون الترك لبعض أجزائها أو شروطها أو أركانها جهلًا منه بلزوم ذلك ووجوب تحقيقه، فهل يُطالب المسلم بأداء ما فاته من الصلاة أو بعضها الذي تركه جهلًا بحكمه؟

الجواب: لا يُطالب فيما مضى، ويطالب بالصلاة التي لم يخرج وقتها، وما فات فيستغفر ربَّه على تقصيره في طلب العلم ومعرفة أحكامه في شرع الله تعالى.

وأما أدلة عدم المطالبة بسبب جهل المسلم بالأحكام الشرعية مما ترتب عليه عدم الصلاة بالكلية لأوقات معينة أو ترتب عليه بطلان صلاته لتخلف ركن من أركانها:

  1. حديث عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر رضي الله عنهما – في الصحيحين – حيث أجنبا في سفر فتمرغ عمار بالتراب قياساً على الغسل! وترك عمر بن الخطاب الصلاة ظنّاً منه أن التيمم لا يجزئ في حالته وأن الواجب عليه الغسل، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما فعلهما، وعلَّمهما التيمم، ولم يأمر بإعادة ما تُرك من الصلاة لفوات وقته.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجْنبا، فلم يصل عمر حتى أدرك الماء، وظن عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء فتمرغ كما تمرغ الدابة، ولم يأمر واحدا منهم بالقضاء. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 24 ).

  1. حديث الصحابي المخطئ في صلاته حيث كان يصلِّي عمره كله الصلاة من غير طمأنينة، ولم يكن يعلم ركنية الطمأنينة فكانت صلاته باطلة، ولمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أمره بإعادة ما صلاَّه أمامه فقط دون ما سبق من صلوات الأيام قبله.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولم يأمره – صلى الله عليه وسلم – بإعادة ما صلَّى قبل ذلك، مع قوله ( ما أحسن غير هذا ) وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن وقتها باق، فهو مخاطب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة، ووقت الصلاة باق، ومعلوم أنه لو بلغ صبي أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون ” والوقت باق: لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء، وإذا كان بعد خروج الوقت: فلا إثم عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة في أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب عليه قبل ذلك؛ فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة تلك الوقت، دون ما قبلها. ” مجموع الفتاوى ” (22 / 44 ).

وبه يتبين:

أنه من جهل حكماً شرعيّاً ترتب عليه ترك الصلاة أو ترك بعضها أو بطلانها: لم يؤمر بإعادة الصلوات السابقة، بل لا يؤمر إلا بأداء الصلاة التي في الوقت، والله تعالى يعفو عن ما فات، فيستغفر ويتوب من تقصيره في طلب العلم.

وهكذا يقال لك أخي السائل: فإنه لا يكفي سجود السهو في حال شك المسلم في صلاته وبنائه على الأقل، بل لا بدَّ من الإتيان بما بعد هذا الأقل من ركعات وإلا فما فائدة هذا البناء على الأقل؟! والله يعفو عنّا وعنك، ويغفر لنا ولك، ويعلّمنا وإياك العلم النافع ويرزقنا العمل الصالح.

 

 

والله أعلم.

 

أشكل عليه فهم حديث القبضة وحديث وضع الرب تعالى قدمه في النار

أشكل عليه فهم حديث القبضة وحديث وضع الرب تعالى قدمه في النار

السؤال:

هناك أحاديث تذكر أن الله سبحانه وتعالى يضع يده في النار ليقبض قبضة من العصاة ليخرجهم إلى الجنة، وحديث آخر يذكر أن الله سبحانه يضع قدمه في النار – حديث ( هل من مزيد ) -.

فالسؤال:

أريد أن أفك هذا اللبس عندي، كيف تحوي النار قدم الله أو يد الله سبحانه وهو لا يحيط به زمان ولا مكان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نذكر نصوص الأحاديث التي أشار إليها الأخ السائل:

  1. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ …) البخاري ( 7001 ) مسلم ( 183 ).
  2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( تَحَاجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ).

البخاري ( 4569 ) مسلم ( 2846 ).

وفي رواية لهما: ( فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ قَطٍ ).

 

ثانيًا:

وليس ثمة خلاف عند أهل السنَّة والجماعة في إثبات اليد والقدم والرِّجل لله سبحانه وتعالى، فهو تعالى من أخبر بذلك عن نفسه، ويثبت أهل السنَّة والجماعة لربهم تعالى ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع إثباتهم لربهم تعالى تلك الصفات فإنهم ينزهون ربهم عز وجل عن مماثلة المخلوقين لقوله سبحانه وتعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الشورى/ 11، فليست يده كأيدي مخلوقاته ولا قدَمه كقدم مخلوقاته، وإذا كانت مخلوقاته نفسها تختلف في هذه الأشياء فيما بينها فأولى أن تختلف فيما بينها وبين ربها وخالقها سبحانه وتعالى.

ثم إن القول ببعض الصفات كالقول ببعضها الآخر، وكل مسلم يعلم عظيم صفة سمع الله تعالى وعظيم صفة بصر الله تعالى وعظيم صفة عِلم الله تعالى، وأنه لو قيل لعامي مسلم اذكر ما تعرفه عن عظمة هذه الصفات في حق رب العالمين لجاء بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة ولما خرج عن الشرع، ولو قيل له إن بعض مخلوقات الله تسمع وتبصر وتعلم فكيف تثبت لربك هذه الصفات لاعترض على القائل أشد الاعتراض ولأخبر بعظيم الفرق بين صفات الله تعالى وصفات خلقه، وما يقوله في هذه الصفات – ومثيلاتها – لا فرق – في الواقع – بينه وبين صفة اليد والقدم والاستواء والغضب وغيرها فكلها تليق بجلال ربنا تبارك وتعالى، ولا يماثل شيء منها صفات مخلوقاته عز وجلَّ.

وهذه طائفة من كلام بعض أئمة أهل السنَّة في إثبات تلك الصفات لرب العالمين والرد على ما عطَّلها:

  1. * قال الإمام الترمذي – بعد أن روى حديث – أبي هريرة -:

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذِكر القدَم، وما أشبه هذه الأشياء.

والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم: أنهم روَوا هذه الأشياء ثم قالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمِن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمَن بها ولا تفسَّر ولا تُتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه . ” سنن الترمذي ” ( 4 / 691 ).

  1. * وقال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله -:

باب ذِكر إثبات الرِّجل لله عز وجل وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا عز وجل التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. ” كتاب التوحيد ” ( 2 / 202 ) وساق بعده حديث أبي هريرة السابق.

3.*  قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقد غَلِطَ في هذا الحديث المعطلةُ الذين أوَّلوا قوله ( قدَمه ) بنوع من الخَلق، كما قالوا: الذين تقدَّم في علمِه أنهم أهل النار، حتى قالوا في قوله ( رِجلَه ): كما يقال: رِجْل من جَرادٍ!.

وغَلَطُهم من وجوهٍ:

فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( حتى يضع )، ولم يقل: حتى يُلقي، كما قال في قوله: ( لا يَزَال يُلقَى فيها ).

الثاني: أن قوله ( قدَمه ) لا يُفْهَم منه هذا، لا حقيقةً ولا مجازًا، كما تَدُلُّ عليه الإضافة.

الثالث: أن أولئك المؤخَّرين إن كانوا من أصاغر المعذَّبين: فلا وجهَ لانزوائِها واكتفائها بهم فإنّ ذلك إنما يكون بأمرٍ عظيمٍ، وإن كانوا من أكابر المجرمين: فهم في الدرك الأسفلِ، وفي أوّلِ المعذَّبين لا في أواخرِهم.

الرابع: أن قوله ( فينزوي بعضُها إلى بعض ) دليلٌ على أنها تَنضمُّ على من فيها، فتضيقُ بهم من غيرِ أن يُلقَى فيها شيء.

الخامس: أن قوله ( لا يزال يُلقَى فيها وتقول هل من مزيد حتى يَضَعَ فيها قدمَه ) جَعَلَ الوضعَ الغايةَ التي إليها ينتهي الإلقاءُ، ويكون عندها الانزواءُ، فيقتضي ذلك أن تكون الغايةُ أعظمَ مما قبلَها.

وليس في قول المعطِّلةِ معنًى للفظ ( قدمه ) إلا وقد اشترك فيه الأول والآخر، والأوّل أحقُّ به من الآخر. ” مختصر الفتاوى المصرية ” ( 2 / 110 ) و ” جامع المسائل ” ( 3 / 239 ، 240 ).

 

ثالثًا:

وقد استشكل بعضهم على أهل السنَّة كيف أن الله تعالى يضع قدمه في جهنم – ومثله في حديث القبضة – ولا ينبغي أن يرد مثل هذا عندما يتعلق الأمر بذات الله تعالى وصفاته؛ فإن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته، ولو أن أولئك قد تخلصوا من داء التشبيه والتمثيل لما وقع لهم مثل تلك الإشكالات، ولو أنهم حققوا قوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) لما جاءوا بمثل هذا، فالذي يُثبت لربه تعالى استواءً على عرشه ورحمةً وغضباً ووجهاً وقدرة وسمعًا وبصرًا وعلوًّا ونزولًا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، ويجعل كل ذلك لائقاً بعظيم ذاته وجلال قدره تعالى لا ترد عليه مثل الإشكالات، وفي مسائل كثيرة يكون المثَل في خلْقه تعالى مما يُرد به عليهم، فنقول هنا: ها هم الملائكة خزنة جهنم يُدخلون الكفار فيها، ويحرسونها، ويكونون فيها وقريبين منها ولا يتأثرون بنار جهنَّم فالاعتقاد بذلك في حق الله تعالى أولى، ولولا أن أولئك شبهوا الله تعالى بخلقه وشبهوا قدَمه وقبضته تعالى بقدَم وقبضة خلْقه لما وقعوا في ذلك التعطيل ثم التحريف.

* قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي – رحمه الله -:

إنما أراد الله بقوله ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) هود/ 119، الذين حقَّ عليهم العذاب، ولها خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد غير معذبين بها، وفيها كلاب وحيات وعقارب، وقال (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا )  المدثر/ 30 ، 31 ، فلا يدفع هذه الآيات قوله ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )، كما لا يدفع هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم ( يضَعُ الجبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ )، فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يَدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخَّرها؟!.

” نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المرِّيسي ” ( 1 / 404 ).

فأهل السنَّة يؤمنون بما يسمعون من نصوص الوحي فيما بصفات ربهم تعالى، ويثبتونها على الوجه اللائق به عز وجل، ولا يعطلون تلك الصفات، ولا يحرفونها، ولا يكيفونها، ولا يمثِّلون الله بخلقه، ولا يسعهم غير قول ” سَمِعْنَا وَاعتقَدْنا ” ويعلمون أن ربهم تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ).

وروى الدارقطني عن العباس بن محمد الدُّوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلاَّم وذَكر الباب الذي يروى في الرؤية والكرسي وموضع القدمين وضحك ربنا من قنوط عباده وقُرب غِيَرِه وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمَه فيها فتقول : قط قط، وأشباه هذه الأحاديث: فقال: هذه الأحاديث صِحاح، حملَها أصحابُ الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمَه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يُفَسَّر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسِّره. ” الصفات ” للدارقطني ( ص 68 ، 69 ).

ومعنى ( قُرب غِيَره ): قُرب تغيّر الحال من الجدب إلى الخصب.

وما ذكرناه سابقًا هو التأصيل الصحيح في صفة القدم لله تعالى وصفة ” الوضع ” وهو منطبق على صفات الله تعالى وأفعاله كلها، ومنه ما جاء في السؤال من إخراج الله لطائفة من أهل النار لا يستحقون الخلود فيها بقبضته سبحانه وتعالى، فنثبت ذلك على اللائق بجلاله تعالى، ولا نخوض بالكيفية؛ لأن طريقها موصد.

 

والله أعلم.