الرئيسية بلوق الصفحة 159

هل يجوز للمرأة أن تعمل من بيتها في إذاعة عبر الإنترنت تستضيف الرجال في برامجها؟

هل يجوز للمرأة أن تعمل من بيتها في إذاعة عبر الإنترنت تستضيف الرجال في برامجها؟

السؤال:

طرحت سؤالًا من قبلُ عن ” هل يجوز للمرأة أن تقوم باستضافة برامج عبر راديو الإنترنت عن التاريخ الإسلامي “، لكني نسيت أن أذكر أن هذه البرامج بما أنها ستكون عبر الإنترنت فإنها ستكون في المنزل ولن يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء، لكن يمكن أن يكون هناك ضيف رجل في البرنامج لكنه سيكون موجودًا عبر الإنترنت.

 

الجواب:

الحمد لله

ذكرنا في جواب سابق تحريم عمل المرأة مذيعة في الإذاعة، ومن المخالفات التي تقع المرأة بسبها في عملها هذا اختلاطها بالرجال واحتمال حصول الخلوة المحرمة وترقيق صوتها والخضوع بالقول، فإذا عملت المرأة في إذاعة عبر الإنترنت وهي في بيتها زال المحذور الأول والثاني، وبقي المحذور الثالث، وهو ترقيق صوتها والخضوع بقولها، فإذا لم يكن هذا منها: فنرجو أن لا يكون بأس بعملها ابتداءً.

وواقع العمل في تلك الإذاعة قد يجعل القول بالجواز محل نظر وتأمل، فقد يكون من عمل المرأة أن تتكلم وحدها مع ضيف من الرجال لبرنامجها، وهذا لا شك أن فيه مفسدة ظاهرة، وطريق للفتنة للطرفين، كما أنها قد تناقش ضيفها من الرجال على مسمع من الناس بالأخذ والرد، والمخالفة والموافقة، وكثرة هذا الأمر لا شك يؤثر على حيائها، ويُكسبها صفات الرجال، ومن يعرف حال المذيعات ومقدمات البرامج الحوارية لا يخالف في هذا.

لذا فإننا نحصر الجواز في عمل الأخت المسئول عن عملها إن كانت برامجها تخلو من استضافة الرجال، ولتستضف في برنامجها النساء فقط، ولتدع مهمة استضافة الرجال للرجال أنفسهم.

فإذا التزمت الأخت بعدم ترقيق صوتها وبعدم استضافة الرجال في برامجها: فنفتي لها بالجواز وإلا فلا؛ لما نراه من فتن تعصف بالرجال والنساء، وقد زادت الأمور عن حدِّها، فلن نكون جزء من أسباب ذلك إن شاء الله، والمرأة العاقلة تعلم أن هذا المنع يصب في صالح دينها وعرضها، ويحافظ على استقامتها وحيائها.

ونرجو أن تجتمع مجموعة من الأخوات طالبات العلم لاستثمار هذه الإذاعة في إصلاح بيوت المسلمين، وإصلاح النساء خاصة، ويلتزمن بضوابط الشرع في عملهن، ولعلهنَّ أن يرين من الخير والنفع الشيء الكثير العظيم، وما أحوج كثير من النساء لمخاطبة امرأة طالبة علم لتشكو لها همَّها أو تستشيرها في أمر نفسها، أو تسألها عمَّا يُستحى من سؤال الرجال عنه، فوجود مثل أولئك الأخوات اللاتي يخصصن حديثهم وبرامجهن للنساء فقط أنفع، وأبعد عن المخالفات الشرعية.

 

– ونسأل الله تعالى أن يحفظ أعراضنا، وأن يوفقنا لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

 

يريد عمل موقع يكون دليلا للمواقع الإسلامية الموثوقة

يريد عمل موقع يكون دليلا للمواقع الإسلامية الموثوقة

السؤال:

إن شاء الله أريد عمل موقعًا لدليل المواقع الإسلامية، فأريد شروط قبول المواقع التي أضعها على الموقع؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يكتب لأخينا السائل الأجر الجزيل لما أراده من نشر الخير في الشبكة العنكبوتية، ونبشره بقول عنهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ) رواه مسلم ( 5007 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

فيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله.

” شرح مسلم ” ( 13 / 39 ).

ومفهوم المخالفةِ من الحديث أن ” الدال على الشر كفاعله “، وقد وردَ في معنى هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه ( 6980 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم اليوم، والدعاء إليه، وإلى جميع سبل البر والخير.  ” التمهيد ” ( 24 / 329 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذا دليل على أن المتسبب كالمباشر المتسبب للشيء كالمباشر له، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبَّب فكان له مثل أجر من فعله، والذي دعا إلى السوء أو إلى الوزر تسبب فكان عليه مثل وزر من اتبعه. ” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 361 ).

 

 

 

 

ثانيًا:

ومن علامات المواقع التي ندعوك لجمعها في سياق واحد لتدل عليها:

  1. أن تكون مواقع شخصية لعلماء ثقات من أهل السنة والجماعة، كمواقع: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ الألباني.
  2. المواقع التي يشرف عليها مشايخ ودعاة ثقات من أهل السنَّة، كموقع الإيمان، وموقع الإحسان، وغيرهما.
  3. المواقع التي تحوي أخبار العالَم ويشرف عليها دعاة من أهل السنَّة، كموقع ” المختصر “، و ” مفكرة الإسلام “.
  4. المنتديات التي يشرف عليها طلبة علم من أهل السنَّة، كموقع ” ملتقى أهل الحديث “، و ” الألوكة “.
  5. مواقع الفتاوى الشرعية والتي تفتي الناس وفق الكتاب والسنَّة، كموقع ” اللجنة الدائمة “، و ” الشبكة الإسلامية “.
  6. مواقع الصوتيات والمرئيات والتي يقوم عليها إخوة ودعاة من أهل السنَّة، كموقع ” طريق الإسلام “، و ” أنا السلفي ” .
  7. المواقع التي تجمع المقالات المفيدة، والكتب النافعة، وعلى رأس هذه المواقع موقع ” صيد الفوائد “، و ” الشاملة “.
  8. مواقع الجامعات الإسلامية، كموقع ” جامعة أم القرى “، وموقع ” الجامعة الإسلامية “.
  9. مواقع القنوات الإسلامية، موقع ” قناة المجد “، و ” قناة الرحمة “.
  10. مواقع المجلات الإسلامية، كموقع ” مجلة الأسرة “، و ” مجلة التوحيد “.
  11. المواقع الموثوقة للنساء والتي يقوم عليها أخوات ثقات، كموقع ” لها أون لاين “، و ” ملتقى طالبات العلم “.

وبكل حال فالمواقع الإسلامية النافعة قد كثرت بفضل الله تعالى، وكل ما سبق مما دللناك عليه من مواقع فهي تخلو من الصور والموسيقى والترويج لبدعة، ويقوم على تلك المواقع مشايخ ودعاة وإخوة ثقات، ومثلها كثير مما يشبهها، وما خاب من استشار، فاحرص على المشورة تفلح بإذن الله ولا تقع في الترويج لموقع غير موثوق.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

هل تقرُّ الشريعة ظلمَ الأبوين لأولادهم أم تدفع ذلك؟ وهل يتعارض هذا مع الأمر ببرِّهما؟

هل تقرُّ الشريعة ظلمَ الأبوين لأولادهم أم تدفع ذلك؟ وهل يتعارض هذا مع الأمر ببرِّهما؟

السؤال:

كثيرًا ما يساورني الشك بأن هناك تناقضًا وتعارضًا بين دعوة الإسلام إلى بر الوالدين وبين دعوته إلى نصرة المظلومين وردع الظالمين! فكيف يتم ردع الظالمين في حالة أن يكون الآباء هم من يظلمون أبناءهم ويعاملونهم معاملة العبيد إضافة إلى قسوتهم عليهم الأمر الذي يولِّد في الأبناء الكراهية والبغض لهم ولدينهم الذي لا يجدوا منه إلا دعوة لأن يبروا من يظلمونهم ويعاملونهم بقسوة دون أن يكون هناك رادع فعَّال وقوي؟!.

أعتقد أنها مسألة مهمة تستحق النظر, وأتمنى أن أكون قد سددتُ السؤالَ إلى الشخص المناسب، فالإجابة عليه تحتاج إلى مزيد من الإقناع، مع العلم بأن هذه المسألة تشغلني منذ فترة ليست بالقصيرة ولم أعثر لها على إجابة.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. من الخطأ الاعتقاد بأن ظلم الآباء والأمهات لا تشمله النصوص التي تحرِّم الظلم وتتوعد الظالمين بالعقوبات، بل هم داخلون فيها وتشملهم أحكامها، ولا يجوز لأحدٍ استثناء الوالدين أو غيرهم، وعظم حقِّهم لا يجعلهم غير مشمولين في مثل قوله تعالى (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ) الفرقان/ 19 ، وهم داخلون في عباد الله في حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ) رواه مسلم ( 2577 )، وهم داخلون في الأمر الوارد في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه مسلم ( 2578 ).
  2. وقد نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على تسمية فعل الأب المخالف للشرع بـ ” الجوْر ” أي: الظلم، وأمر بردِّ هذا الظلم ووضع الأمر في نصابه الصحيح.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سألتْ أمي أبي بعضَ الموهبة لي من ماله ثم بدا له فوهبها لي، فقالت لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال: ( أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ) قال: نعم، قال: ( لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرِ ).

وفي رواية ( لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ). رواه البخاري ( 2507 ) ومسلم ( 1623 ).

فأنتَ ترى في هذا الحديث التنصيص على تسمية ظلم الأب لأولاده بما يستحقه، وترى أن الشريعة لم تستثني الوالدين من حكم ووصف وإثم الظلم.

وفي باب الأموال فإنه إن امتنع الأب عن النفقة على أولاده فإن القضاء الشرعي يجبره على تلك النفقة، ويجوز لهم دفع هذا الظلم منه بالأخذ منه دون إذنه.

لذلك فإن كان والدك لا يُنفق على البيت: فإن لها أن تأخذ منه بقدر النفقة فقط.

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: ( خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ). رواه البخاري ( 5364 ) ومسلم ( 1714 ).

  1. ومن الخطأ الاعتقاد بأن للأبوين أن يتصرفا كيف شاءا في أولادهما وكأنهم سلعة، بل إن الشريعة المطهرة لها موقفها من ظلم الأب والأم كموقفها من ظلم غيرهما، وما سبق من موقف الشرع من ظلم الوالد في الأموال جاء مثله فيما هو أعظم منه في باب الولاية والنكاح:

أ. فالأب الظالم الذي يمنع ابنته من الزواج من غير سبب شرعي لا شك في استحقاقه إثم الظالمين ودخوله في الوعيد المترتب على فعلهم، وللشريعة موقفها العملي من هذا الظلم وذلك برفع ولاية ذلك الأب الظالم لابنته عنها وجعلها في غيره من الأولياء، وإن لم يكن لها ولي فتكون ولايتها للحاكم المسلم أو من يقوم مقامه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أرى أن هؤلاء الذين يمنعون بناتهم من النكاح إلا ببني أعمامهن: أرى أنه ظالم، وأنه معتدٍ، وللبنت أن ترفع الأمر إلى المحكمة، ونقول لهذا الرجل: ليس لك ولاية، أهل العلم يقولون: الرجل إذا منع المرأة أن يزوجها كفئًا رضيَتْه: فإن الولاية تنتقل إلى من بعده، وتسقط ولايته، قالوا: وإذا تكرر ذلك منه صار فاسقاً، والفاسق ضد العدل، … وهؤلاء الظلمة الذين يمنعون بناتهم أن يزوجوهن من أكفاء رضيتْه المرأة: هؤلاء سوف يلقون جزاءهم عند الله يوم القيامة. ” اللقاء الشهري ” ( اللقاء رقم 46 ).

ب. والأب الظالم الذي يزوِّج ابنته البالغة إكراهًا: لها أن ترفع أمرها للقضاء الشرعي لينصفها في زواجها فيخيِّرها بين إمضائه أو إبطاله.

روى البخاري ( 4845 ): خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْي ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَرَدَّ نِكَاحَهُ.

وبوَّب عليه البخاري بقوله: ” باب إذا زوَّج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود “.

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه أبو داود ( 2096 ) وابن ماجه (1875 )، وصححه ابن القيم في ” تهذيب السنن ” ( 3/40 ) والألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وهذه غير خنساء، فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر. ” زاد المعاد ” ( 5 / 95 ).

والابن الذي يرغب بالزواج ليس لأبويه أن يجبراه من التزوج بامرأة لا يرغبها، وإذا خالف الابنُ أبويه في هذا لا يكون عاقًّا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله:

ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح مَن لا يريد، وأنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحدٍ أن يُلزمه بأكل ما ينفِر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك وأولى؛ فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعِشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك ولا يمكن فراقه . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 30 ).

وما ذكرناه في أمري الولاية والنكاح هو من المسائل العملية التي حفظ فيها الشرع الحق لصاحبه – وهم الأولاد هنا – وأخذ على يد الظالم – وهم الأب هنا -، والأمثلة كثيرة لو رحنا نذكرها لطال بنا المقام، وفي كلها لا يرضى الله تعالى بظلم الوالدين لأولادهم، بل إنه ليمنعهم من ظلمهم، وإن الشرع ليأخذ على أيديهم، فمَن أخذ من أولاده مالًا بغير وجه حق ردَّته إليه الشريعة، ومن أساء في تربية أولاده نُزعت منه الحضانة، وهكذا في مسائل عملية كثيرة، وأنت تحتاج أن تنظر إليها بعين الإنصاف؛ لتعلم بعدها عظمة التشريعات الربانية، وأنه لا أحكم منها ولا أعدل.

  1. ومما ظهر لنا أنك لم تستطع الجمع بين أمر الشريعة المطهرة ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما بالقول والعمل مع كونهما ظالميْن، وظننتَ أن بينهما تضادًّا، والأمر ليس كذلك، ونحن نذكر لك شيئاً لعله غاب عن ذهنك، وهو أن أعظم الظلم هو أن يزعم أحدٌ أن مع الله آلهة أخرى، ويعظُم الظلم حينما يكون ذلك المشرك داعية لشركه، ويعظم أكثر وأكثر حين يكون المدعوون هم أولاد أولئك المشركين! ومع كل هذا الظلم والإيذاء لله تعالى فإن الله تعالى أمر الأولاد بالإحسان إلى الوالديْن الداعييْن إلى الشرك والمجاهديْن في سبيل تحقيق رغبتهما في تبني أولادهم الشرك وعدم تحقيق التوحيد، قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) العنكبوت/ 8، وقال تعالى ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) لقمان/ 15، فها هم الآن الوالدان في غاية الشرك وغاية الظلم ومع ذلك أَمر الله تعالى – الذين آذَوه – بالإحسان إليهم والبرِّ بهم؛ لما لهما من حق على أولادهم، ولما يعلمه الله تعالى من أثر مثل ذلك الإحسان عليهم، فماذا يمكن أن يرى الإنسان من والديه في مقابل ما يراه الله تعالى منهم إن كانوا كفَّارًا مشركين؟! ولهذا لم يكن أحد أصبر على أذى يسمعه من الله جلَّ جلاله.

عن أبي موسى الأشعري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ ). رواه البخاري ( 5748 ) ومسلم ( 2804 ) – واللفظ له -.

فلعلَّ هذا أن يدعوك إلى مزيد تأمل في أن الشرع لا يقرُّ ظلم الأبوين، وأنه عندما يدعو الأولاد إلى الإحسان لهما والبر بهما فليس يعني هذا بحال إقرار ظلمهما، وقد تبين لك بما لا شك فيه ما جاءت به أحكام الشرع في دفع ظلمهما، ومع هذا أُمر الأولاد بالصبر على والديْهم لما للصبر من جزاء عظيم لفاعله، ولما له أثر حسن على المصبور عليهم.

ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفِّقنا في إزاحة الإشكال عنك، وأن نكون أوضحنا أحكام الشرع المطهَّر في تعامل الأولاد مع والديهم الظلمة، وعسى الله تعالى أن يجزي الصابرين على صبرهم، وأن يحقق لهم مقصودهم من هداية والديهم للحق والصواب.

 

والله أعلم.

 

 

متى يحل للموكِّل بالأضحية أن يقص شعره مع وجود فارق في التوقيت بينه وبين بلد الوكيل؟

متى يحل للموكِّل بالأضحية أن يقص شعره مع وجود فارق في التوقيت بينه وبين بلد الوكيل؟

السؤال:

أعيش في ” أمريكا “، وقد طلبت من أحد الإخوة المقيمين في إحدى دول الشرق الأوسط أن يضحي بالنيابة عني، فهل يجب عليه أن ينتظر فلا يذبح الأضحية حتى أنتهي من صلاة العيد هنا في أمريكا؟ وهل يجب عليَّ أن أنتظره إلى أن يذبح الأضحية فلا أحلق رأسي ولا أقص أظافري؟ أم أنه يجوز لي أن أحلق وأقص أظافري حال الانتهاء من صلاة العيد دون الأخذ بالاعتبار ما إذا كان قد ضحّى أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يشك أحد أن السنَّة في الأضحية أن تكون في بلد المضحي؛ إظهارًا للشعيرة العظيمة، وأن من قدر على الذبح بنفسه فهو أفضل ممن وكَّل غيره لذبحها.

وعليه: فالتوكيل في ذبح الأضاحي في غير بلد المضحي خلاف السنَّة في الأصل، إلا أنه قد تعتري المضحي بعض الظروف مما يكون معه توكيل بذبح الأضحية في غير بلده، ومن ذلك: ما يفعله رب الأسرة العامل في غير بلده ولا يستطيع شهود العيد مع أسرته، ومنه: من يكون في بلد تَمنع الذبح الإسلامي وتجرِّم فاعله، ومنه: من يرغب بذبح أكثر من أضحية فيجعل واحدة – أو أكثر – في بلده، وواحدة أخرى – أو أكثر – في بلد فقير، فكل هؤلاء -وغيرهم من مثل حالهم – لا يُمنع من توكيلهم غيرهم ليذبحوا في غير بلدهم الذي يقيمون فيه.

 

ثانيًا:

وفي كثير من الأحيان يكون ثمة فارق في التوقيت بين بلد المضحِّي الموكِّل وبين بلد الوكيل الذي ستُذبح فيه الأضحية، ومن المعلوم أن المضحِّي – لا الوكيل – يُمنع من الأخذ من أظفاره وشعره وجلده شيئاً حتى ينتهي من ذبح أضحيته؛ لحديث أُمّ سَلَمَة قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذِي الْحِجَّةِ فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ ) – رواه مسلم ( 1977 ) -، فكيف يصنع صاحب الأضحية في حال ذبَحَ وكيلُه أضحيته قبل –  أو بعد – وقت عيد الأضحى عنده؟!.

في المسألة أقوال:

  1. أحوطها: أن لا يأخذ صاحب الأضحية من شعره وأظفاره شيئًا إلا بعد انتهاء صلاتي العيد في البلدين، مع قيام موكِّله بذبح أضحيته، وهذا القول اعتبر صاحبه بلد المضحي ومكان الأضحية جميعًا، وبه يقول الحسن بن زياد الحنفي.

* قال الكاساني الحنفي – رحمه الله -:

وقال الحسن بن زياد: انتظرت الصلاتين جميعَا، وإن شكوا في وقت صلاة المصر الآخر انتظرت به الزوال فعنده لا يذبحون عنه حتى يصلوا في المصرين جميعًا, وإن وقع لهم الشك في وقت صلاة المِصر الآخر لم يذبحوا حتى تزول الشمس فإذا زالت ذبحوا عنه.

وجْه قول الحسن: أن فيما قلنا اعتبار الحالين حال الذبح وحال المذبوح عنه فكان أولى، ولأبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن القربة في الذبح, والقربات المؤقتة يعتبر وقتها في حق فاعلها لا في حق المفعول عنه. ” بدائع الصنائع ” ( 5 / 74 ).

  1. وقال بعض العلماء: إن العبرة ببلد المضحي لا بمكان الأضحية، فمتى دخل وقت ذبح الأضحية عنده أخذ من شعره وأظفاره ولو لم يذبح وكيله!، وهذا قول بعض الحنفية، ويرجحه الشيخ عبد الله الجبرين رحمه الله، فقد سئل:

متى يبدأ المضحي بالتحلل علمًا أن أضحيته قد تتأخر يوم، أو تتقدم يوم، حسب الدولة المضحَّى فيها؟.

فأجاب:

يُراد بالتحلل: إباحة أخذ الشعر والظفر، فمتى دخل وقت الذبح في البلاد التي فيها المتبرع: جاز له التحلل، يعني: القص من شعره وبشرته، ولو لم يتحقق ذبح أضحيته في ذلك اليوم.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=1917&parent=1268

* وقال – رحمه الله -:

فيجوز له الحلق والتقليم ولو تأخر ذبح أضحيته في البلاد البعيدة لفوارق التوقيت.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=10377&parent=1268

  1. وقال آخرون: إن صاحب الأضحية مرتبط بذبح الأضحية لا بصلاة العيد ولا بوقت ذبح الأضحية، فمتى تمَّ ذبح الأضحية من قِبَل الوكيل أخذ من شعره وأظفاره ولو كان صلَّى العيد قبل ذبحها، بل ولو مرَّ يومان من أيام التشريق، وهذا هو مذهب الحنفية، وبه يقول الشيخ العثيمين رحمه الله، وهو الراجح عندنا؛ لتعليق النبي صلى الله عليه وسلم المنع من الأخذ من الشعر والأظفار حتى يضحي لا بصلاة العيد، ولا بدخول وقت الأضحية، فإذا قام الوكيل بذبح الأضحية عن الموكِّل : جاز لهذا الموكِّل الأخذ من شعره وأظفاره.

* قال الكاساني الحنفي – رحمه الله -:

وإن كان الرجل في مصر وأهله في مصر آخر فكتب إليهم أن يضحوا عنه: روي عن أبي يوسف أنه اعتبر مكان الذبيحة فقال: ينبغي لهم أن لا يضحوا عنه حتى يصلي الإمام الذي فيه أهله, وإن ضحوا عنه قبل أن يصلِّي لم يجزه, وهو قول محمد – عليه الرحمة -. ” بدائع الصنائع ” ( 5 / 74 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 92 ) – نقلًا عن الحنفية -:

وإذا كان من عليه الأضحية مقيماً في المصر ووكَّل من يضحي عنه في غيره أو بالعكس: فالعبرة بمكان الذبح لا بمكان الموكِّل المضحي؛ لأن الذبح هو القربة. انتهى.

* قال الشيخ العثيمين رحمه الله – في بيان مفاسد التوكيل في الأضحية في غير بلد المضحي -:

ومنها: أنها إذا ضحيت في بلاد أخرى فإنه لا يدري متى تضحى، قد تضحى قبل الوقت جهلًا من المضحي، وقد تضحى بعده، ثم هو مرتبط بها؛ لأنه لا يأخذ من شعره ولا من بشَرته – جلده – ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي، ولا يدري متى تذبح هذه الأضحية فيبقى معلقًا كل أيام العيد لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئًا؛ لأنه لا يدري هل ذبحت الأضحية أم لا، ولا سيما إن كانت في بلاد شرقية فإنهم يتأخرون عنها في الغالب يومًا وربما يتأخرون يومين، فيبقى معلقًا من العيد إلى أيام التشريق الثلاثة إلى اليوم الرابع الزائد أو الخامس. ” لقاء الباب المفتوح ” ( مقدمة اللقاء رقم 92 ).

وعليه: فإذا كان ذبح الأضحية قبل صلاة العيد في بلد الموكِّل: جاز له الأخذ من شعره وأظفاره ولو كان قبل صلاته للعيد، وإذا كان الذبح للأضحية يكون بعد صلاة العيد عنده: فينتظر حتى يتم ذبح الأضحية ثم يأخذ من شعره وأظفاره، ولا يفعل ذلك بعد صلاته للعيد قبل ذبح أضحيته؛ لأن العبرة بمكان الأضحية وذبحها، وليست العبرة ببلده وصلاته للعيد.

 

والله أعلم.

هل التفكر الذي يؤدي للإنزال وممارسة العادة السرية يبطلان الصيام؟

هل التفكر الذي يؤدي للإنزال وممارسة العادة السرية يبطلان الصيام؟

السؤال:

في إحدى الدول الأوروبية تعرضت في شهر رمضان لإثارة جنسية قوية عن طريق التفكر مما أدى لخروج المني، واعتقادًا مني أن صيامي قد فسد سوَّلت لي نفسي فقمت بالاستمناء، فهل عليَّ القضاء أم الكفارة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على المسلم أن يحفظ سمعه وبصره وجوارحه من الوقوع فيما حرَّم الله تعالى عليه، والأصل أن الصيام يهذِّب النفوس ويكون وقاية لصاحبه من الوقوع في الشهوات، وإذا كان هذا الصيام في الشهر المبارك شهر رمضان كان ذلك أدعى لأن يزداد الحفظ والتهذيب.

وقد اختلف العلماء في إبطال الصوم بإنزال المني بالتفكر، فأبطله المالكية، ولم يبطله جمهور العلماء، والظاهر أنهم لم يبطلوا به الصيام لأنه لا إرادة للعبد به، فهو شيء يأتي على الخاطر ولا يمكن دفعه، أما مع تعمد التفكر والاسترسال به بقصد الإنزال: فلا فرق – حينئذٍ – بينه وبين تعمد النظر من أجل الإنزال، والجمهور يرون إبطال الصيام بتعمد النظر حتى الإنزال.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 267 ):

ذهب الحنفية والشافعية إلى: أن إنزال المني أو المذي عن نظر وفِكر لا يبطل الصيام، ومقابل الأصح عند الشافعية أنه: إذا اعتاد الإنزال بالنظر، أو كرر النظر فأنزل: يفسد الصيام.

وذهب المالكية والحنابلة إلى: أنَّ إنزال المني بالنظر المستديم يفسد الصوم؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه.

وأما الإنزال عن فكر: فيفسد الصوم عند المالكية، وعند الحنابلة لا يفسده لأنه لا يمكنه التحرز عنه  انتهى.

ثانيًا:

وإذا فُرض أنك لم تتعمد قصد التفكر في الشهوة من أجل الإنزال وأن صومك لم يكن باطلًا بسبب ذلك: فإنه لا خلاف بين الأئمة الأربعة في بطلان صيامك بسبب إنزالك بفعل العادة السرية السيئة، مع ترتب الإثم بسبب المعصية ذاتها، فتكون قد جمعت بين معصيتين في فعل واحد: معصية العادة السرية ومعصية تعمد الإفطار وإبطال صوم ذلك اليوم.

والواجب عليك فعله:

  1. التوبة من معصية فعل العادة السرية.
  2. التوبة من إبطال صوم ذلك اليوم.
  3. قضاء ذلك اليوم.

وليس عليك كفارة؛ لأن الكفارة تجب في الجماع فقط.

 

والله أعلم.

ماذا يمكن للولد أن يفعل ليكون والداه أكثر تديُّنًا وأكثر قربًا إلى الله؟

ماذا يمكن للولد أن يفعل ليكون والداه أكثر تديُّنًا وأكثر قربًا إلى الله؟

السؤال:

ما الذي ينبغي عليَّ فعلُه لأجعل والداي أكثر تديُّنًا وأقرب إلى الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى على ما هداكَ به في طلبِ تديُّن والديكَ؛ فإنَّ هذا من البر الذي وصَّى به ربنا في كتابه الكريم, ومن أعظمَ البرِّ أن يكون الولد سبباً في إسلام والديه أو في هدايتهما أو تدينهما، قال تعالى ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) الإسراء/ 23، والإحسانُ إليهما شاملٌ لكلِّ معروفٍ قولي وفعلي.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله-:

أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي؛ لأنهما سبب وجود العبد، ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر.  ” تفسير السعدي ” ( ص 456 ).

 

ثانيًا:

ثمَّ إنَّ الطرق المثلى في تحصيل التزام الوالدين أو في طلب قربهما إلى الله تعالى يكونُ بأمورٍ عديدة, تجعلُ المدعو يسمعُ وينصت ويذعن بإذن الله، ومن هذه الطرق النافعة:

  1. الدعاء لهما بالهدايةِ والصلاحِ, فإنَّ الدعاء مفتاح الفرج, وهو باب لقضاء الحاجات, قال سبحانه وتعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر/ 60، وقال تعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة/ 186.

* قال ابن كثيرٍ – رحمه الله -:

هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه, أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: ” يا مَنْ أحبُّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب “.

” تفسير ابن كثير ” ( 7 /  153 ).

 

  1. أن يقدِّم بين يدي نصحه نوعاً من البر والإحسان؛ فإن هذا أجلب للاستجابة والقبول, وهو أوقعُ في القلب وأقرب, كما قال القائل:

أحسن إلى الناس تستعطف قلوبهم *** فطالما استعطف الإحسان إنسانًا

  1. اللين في النصح وتحمل الأذى في حال حصوله, فعلى الابنِ أن يكثر من النصحِ والإرشاد لهما بالرفقِ واللينِ والحكمة, ومراعاةِ مدى استدراكهما للأمور, فليسَ الأبُ الشاب كالأبِ المسنِّ الكهل ! فللدعوةِ أساليبُ متعددة تقتضيها حال المدعو، ومن أهم تلك الأساليب حسن المدخل في بداية الخطاب – مع اللين في العبارات -، وقد قصَّ الله علينا في سورةِ مريم دعوةَ إبراهيمَ الخليل لأبيهِ, أسلوبَ الحاني الشفيق, فكان يبدأ خطابه مع أبيه بقوله ” يا أبتِ ” وهو أسلوب لطيف رقيق، وكان يرفع من شأنه في خطابه معه لا يحط منه.

* قال الشيخ السعدي – رحمه الله -:

وفي هذا من لطف الخطاب ولينه ما لا يخفى، فإنه لم يقل: ” يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل ” أو ” ليس عندك من العلم شيء ” وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علمًا، وأن الذي وصل إليَّ لم يصل إليك ولم يأتك، فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها.  ” تفسير السعدي ” ( ص 494 ).

ثم تحمَّله إبراهيم عليهِ السلام عندما قسا عليه وقال ( وَاهْجُرنِي مَليَّا ) أي: أبدًا، فكان رد إبراهيم عليه السلام ( سلامٌ عليكَ ) فصبرَ واحتسبْ.

فيبتدئ الولد الداعية في مخاطبة والديه بالثناءِ الجميل عليهما والاعتراف بفضلهما فيقول: يا من عانيتما في تربيتي، يا أحب الناس إلى قلبي، وهكذا من العباراتِ اللطيفةِ الجذابةِ؛ فإن هذا يُعتبر مدخلًا حسنًا وطريقًا سالكًا إلى قلبيهما.

ولمَّا أمر الله نبيه موسى عليه السلام أن يذكِّر فرعون قال سبحانه ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 44؛ فإن القول اللين داع لذلك، وهو أسلوب الداعيةِ الناجح.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

والحاصل من أقوالهم: أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) الآية النحل/ 125.” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 295 ).

والقول الغليظ منفر عن صاحبه, وهو أسلوب الدعوة الفاسد, قال تعالى في حق نبيه محمد عليه الصلاة والسلام ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران/ 159.

وعليهِ: فإنَّ الوالدين إذا غضبًا وشاطًّا بسبب نصحِ ولدهما لهما: فعليهِ أن يلزمَ الصمتَ ولا يرد عليهما بغلظ القول بل يصبر ويحتسب ويعاود النصح المرة بعد المرة.

  1. الاستعانة عليهما بمن يكون نصحه مؤثرًا عليهما, كالاستعانة ببعضِ الشخصيات التي لها ثقل لديهما ممن هم في مثل سنِّهما من هل التدين والحكمة, كأصدقاء لهما، أو إمام المسجد، أو داعية حسن الأسلوب والمنطق, وغيرهم من الأخيارِ.
  2. استغلال المواقف والأحداث في الدعوةِ، كموت قريب، أو حصول حادث لهما أو لأحدهما، ونحو ذلك, فبمثل هذه الحوادث تكون النفوس مهيأة للاستجابة للنصح، وعلى الابن أن يختار الأوقاتَ والأماكنَ المناسبة لنصحهما.
  3. أن يضع كتيبات ومطويات وأشرطة في متناول يدهما, دونَ أن يطلب منهما الاستماع أو القراءة, والحرص على أن تكون الموضوعات متنوعة مع التركيز على الأشرطةِ والمطوياتِ التي ترغب بالطاعةِ والإذعانِ, والتي ترهب من الفسوق والعصيانِ.
  4. السفرُ بهما لأداءِ فريضةِ الحجِّ والعمرةِ, فإنَّ سفر الوالدينِ لأداءِ فريضةِ الله الحجِّ أو العمرة ومشاهدتهما بيت الله “الكعبة المشرفة” ومشاهدتهم الجمع الغفير يذكرون الله ويسبحونه ويهللونه: لمن أكبر المجالب الخيرية, والمنافع الدينية, وهي من أكثر الأمور تأثيرًا في النفس.

 

ثالثًا:

وليعلم الولد أن الهدايةَ دائمًا وأبدًا من الله تعالى, ونحن لسنا مطالبين حقيقة بهداية قلوب آبائنا وأمهاتنا، وإنما نحن مطالبون بالدعوة ودلالتهما على طريق الخير، وهادي القلوب هو الله وحده، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على هداية عمِّه أبي طالب، لكنه لم يستجب له ومات على الكفر، فأنزل الله تبارك وتعالى ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) القصص/ 56، والحمد الله تعالى أن والديك مسلميْن أصلًا وإنما تريد لهما زيادة الخير والقرب من الله تعالى أكثر.

 

والله الموفق.

 

 

هل يجوز لوالد الخاطب أن يرى مخطوبة ابنه ويجلس معها؟

هل يجوز لوالد الخاطب أن يرى مخطوبة ابنه ويجلس معها؟

السؤال:

هل يحق لأب أن يجلس مع مخطوبة ابنه قبل أن يعقد عليها ابنه أو يراها حتى بحجة أنه يريد أن يطمئن إذا كانت تناسب ابنه أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

يشيع بين كثير من العامة أمور منكرة في باب ” الخطبة ” حيث يذهب الخاطب لرؤية مخطوبته فتحضر أمها فتحضر مجلس الرؤية فتراه ويراها، كما يحدث أن يشارك والد الخاطب ابنَه في رؤية المخطوبة، فالأم تزعم أنها تريد أن ترى الخاطب لترى أنه يصلح لابنتها أو لا، والأب يزعم أنه يريد أن يرى المخطوبة ليرى تصلح لابنه أو لا، وكلا الأمرين محرم منكر، فأم المخطوبة أجنبية على الخاطب لا يحل لها أن ترى زوج ابنتها ولا هو يراها، ووالد الخاطب أجنبي عن المخطوبة ولا يحل له أن يراها، وإنما أُبيح للخاطب أن يرى مخطوبته وهي أجنبية – من غير خلوة – تحقيقاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن فيه مصالح عظيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا ). رواه مسلم ( 2414 ).

والقبول بالزوجة والرضا بها أمّاً لأولاده إنما هو قرار الرجل لا والده، ويمكنه استشارة والده بمنطقها ومنهجها لكن ليس للأب أن يطالب بالنظر فهو محرَّم عليه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

” هل يجوز مقابلة والدة المخطوبة وهي كاشفة الوجه قبل عقد القران – أي: والدة المخطوبة -؟ هل يجوز لوالدي رؤية المخطوبة كاشفة الوجه قبل عقد القران؟.

فأجابوا:

أولًا: لا يحل لأم المرأة المخطوبة أن تكشف وجهها لخاطب ابنتها؛ لأنها قبل العقد على ابنتها تعتبر أجنبية من الخاطب.

ثانيًا: لا يحل للمرأة المخطوبة أن تكشف وجهها لوالد خاطبها؛ لأنه قبل عقد النكاح ليس من محارم المخطوبة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق، الشيخ عفيفي عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 358 ، 359 ).

وأما الجلوس معها من غير خلوة: فلا بأس به، فإذا حضرت المخطوبة متحجبة متسترة في مجلس فيه والدها وإخوتها وفيه الخاطب ووالده: فلا حرج في ذلك إذا رضي بذلك والدها أو وليُّها.

فإذا تمَّ العقد الشرعي: صارت أم المخطوبة محرَّمة على زوج ابنتها على التأبيد، كما يصير والد الخاطب محرَّماً على زوجة ابنه على التأبيد، والتسمية بعد العقد بالخاطب والمخطوبة هو من اصطلاحات العامة وإلا فإنها تكون زوجة له ويكون هو زوجها.

 

والله أعلم.

 

ما حكم النظر إلى وجوه النساء المتحجبات؟

ما  حكم النظر إلى وجوه النساء المتحجبات؟

السؤال:

أعيش في منطقة فيها الكثير من الفتيات المتحجبات، وقد تدعو الحاجة إلى أن أتحدث مع إحداهن من حين لآخر، فهل يمكنني النظر في وجوههن عند الحديث معهن أم أنَّ غض البصر واجب حتى وإن كنّ متحجبات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أمرَ الله تعالى الرجالَ بغضِّ البصر عن المحرَّمات التي لا يحل لهم النظر إليها، ومن المحرَّمات عليهم: النظر إلى النساء الأجنبيات، كما أمر النساءَ بالأمر نفسِه أن يغضضن أبصارهن عما حرَّم الله تعالى، ومن المحرَّم عليهن: النظر إلى الرجال الأجانب، قال الله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) النور / 30 ، 31.

وقد أبيح النظر إلى المرأة الأجنبية للحاجة، ومنه النظر إليها في البيع والشهادة والتطبب والخِطبة، وأما نظر الشهوة: فهو محرَّم بالاتفاق.

والأخ السائل لم يذكر حاجته في النظر إلى المحجبات في بلدته، فإذا كان يريد ما ذكرناه من حاجات فلا بأس به على أن يكون النظر على قدر الحاجة ولا يتجاوز ذلك؛ لأن الأصل هو غض البصر كما سبق ذِكره في الآيات السابقة.

وإذا كان يريد أن ينظر إليهن لمجرد أنه يتحدث معهن من غير وجود ما ذكرناه من حاجات أو ما يشبهها: فالظاهر أنه لا يحل له ذاك النظر، وليلتزم غض بصره، وحديثه مع امرأة أجنبية عنه إن جاز له للضرورة والحاجة فلا يلزم منه النظر إلى وجوههن.

وليُعلم أنه لا علاقة بين غض البصر والحجاب؛ فإنه إذا كانت المرأة كاشفة لوجهها – سواء عن قناعة بالجواز أو مخالفة للشرع -: فهذا لا يبيح للرجل الأجنبي النظر إليها، كما لا يبيح لها النظر إلى الرجال، وكلاهما مأمور بغض البصر، ولا شك أن النظر إلى المرأة السافرة أكثر إثماً لما فيه من النظر إلى عورات متفق عليها، ولما فيه من عظم الفتنة بها، لكن هذا لا يعني بحال أنها إذا تحجبت فغطت رأسها وأظهرت وجهها أنه يجوز النظر إليه.

 

والخلاصة:

أنه لا يحل للرجل أن ينظر لامرأة أجنبية عنه نظر شهوة، وأنه يجوز له أن ينظر إلى وجهها إذا دعت إلى ذلك حاجة مباحة، على أن يلتزم النظر بقدْر تلك الحاجة ولا يتجاوزها لا زماناً ولا مكاناً، فلا يطيل النظر، ولا ينظر إلى قوامها وجسمها، فإن لم تكن ثمة ضرورة ولا حاجة فليغض بصره عنها؛ فإنه أسلم لقلبه وهو أمر ربِّه من قبل.

 

أما المرأة المحجبة التي كشفت وجهها فقط: فهذه – رغم أنها خالفت الحكم الشرعي الراجح المقتضي لوجوب تغطية وجه المرأة – إلا أن قيام الحاجة إلى تعامل الرجال معها: من بيع، وشراء، ومساعدة، وتعليم، وعلاج، وشهادة، وخطبة، ونحو ذلك، يقتضي جواز النظر بقدر الحاجة إلى وجهها، بشرط ألا تصحبه شهوة، ولا تُخشى منه الفتنة …. انتهى.

 

والله أعلم.

 

 

حكم تعليق لوحات في قبلة المسجد وحكم احتواء بعضها على لفظ ” الله ” وبمحاذاتها “محمد”

حكم تعليق لوحات في قبلة المسجد وحكم احتواء بعضها على لفظ ” الله ” وبمحاذاتها “محمد”

السؤال:

في مسجد الحي عندنا هنا في ” النرويج ” يوجد على الجدار أمام المصلين لوحتان كبيرتان معلقتان، الأولى مكتوب عليها اسم الله تعالى، والثانية مكتوب عليها اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأي الشرع في مثل هذه اللوحات والتي تُعلق أمام المصلين فتشغلهم عن صلاتهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يُكره أن يوضع في قبلة المسجد ما يمكن أن يُلهي المصلين بالنظر إليه في صلاتهم، ويدل على ذلك أحاديث، منها:

  1. عَنْ أَنَسٍ قال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي ). رواه البخاري (367 ).

( قرام ) ستر رقيق من صوف ذو ألوان ونقوش، ( أميطي ) أزيلي ( تعرض ) تلوح.

  1. عن عُثْمَان بن طلحة قال: إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بَعْدَ دُخُوله الكعبة فقَالَ: ( إِنِّي نَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَ الْقَرْنَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي ). رواه أبو داود ( 2030 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

– والقرنان هما قرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل عليه السلام، والتخمير ” التغطية. عون المعبود شرح سنن أبي داود (6 / 9).

* وقد بوَّب الشوكاني رحمه الله على الحديثين بقوله ” باب تنزيه قبلة المسجد عما يلهي المصلي “.

* وقال – رحمه الله -:

والحديث يدل على كراهة تزيين المحاريب وغيرها مما يستقبله المصلي بنقش أو تصوير أو غيرهما مما يلهي وعلى أن تخمير التصاوير مزيل لكراهة الصلاة في المكان الذي هي فيه لارتفاع العلة وهي اشتغال قلب المصلي بالنظر إليها. ” نيل الأوطار ” (2/173 ).

 

ثانيًا:

واعلم أخي السائل أن ما يضعه كثير من الناس من لوحات أو آنية يُكتب على واحد منها لفظ الجلالة ” الله ” وبجانبه آخر يُكتب عليه ” محمد “: أن ذلك غير جائز ولا يحل فعله، ولا تعلق لهذا المنع بزخرفة قبلة المسجد بل هو ممنوع في المساجد وفي البيوت والسيارات وفي غيرها.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

لا تجوز كتابة اسم الجلالة ( الله ) وكتابة ( محمد ) اسم الرسول صلى الله عليه وسلم محاذيًا له في ورقة أو في لوحة أو على جدار؛ لما يتضمنه هذا العمل من الغلو في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ومساواته بالله، وهذا وسيلة من وسائل الشرك، وقد قال عليه الصلاة والسلام ( لا  تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ) – رواه البخاري-، والواجب منع تعليق هذه اللوحات أو الورقات، وطمس الكتابات التي على الجدران التي على هذا الشكل؛ حماية للعقيدة، وعملًا بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 169 ، 170 ).

فتاوى إسلامية (4 / 644، بترقيم الشاملة آليًّا).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما رأيكم في البطاقات واللوحات سواء الورقية أو المصنوعة من الخيوط والتي يكتب عليها لفظ الجلالة مقرونًا باسم النبي عليه الصلاة والسلام ” الله محمد “؟.

فأجاب:

هذه المسألة كثرت في الناس على أوجه متعددة، ووضع لفظ الجلالة وبجانبه اسم الرسول عليه الصلاة والسلام: لا يجوز، وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ” ما شاء الله وشئت ” فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أجعلتني لله نِدّاً بل ما شاء الله وحده ) – رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح -.

وإذا كان الهدف من تعليق لوحه عليها اسم النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل التبرك: فهذا غير جائز أيضًا؛ لأن التبرك إنما يكون بالتزام سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بهديه. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 479 ، 480 ).

 

والله أعلم.

 

ترك الأركان والواجبات والمستحبات في الصلاة وأثر ذلك في الإعادة وفي سجود السهو

ترك الأركان والواجبات والمستحبات في الصلاة وأثر ذلك في الإعادة وفي سجود السهو

السؤال:

إذا كان شخص يخطئ في أذكار هي فروض في الصلاة مثل الذِّكر في الجلوس بين السجدتين والتشهد – النصف الأول منه – فما حكم صلاته إن كان ناسيًا أو إن كان جاهلًا؟ وما حال الصلوات السابقة التي بها هذا الخطأ وحال إعادتها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أ. الذِّكر الذي بين السجدتين ليس واجباً فضلًا أن يكون فرضًا في الصلاة، بل هو مستحب، على الصحيح من أقوال العلماء، وهو مذهب جمهورهم.

وعليه: فمن ترك الذِّكر الذي بين السجدتين عمدًا: فلا تبطل صلاته، وإن تركه جهلًا: فلا شيء عليه، وإن تركه نسيانًا وكان من عادته أنه يفعله: فيسجد سجدتي سهو قبل السلام استحبابًا لا وجوبًا.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الإِنسان إذا تَرَكَ شيئًا من الأقوال أو الأفعال المستحبَّة نسيانًا وكان من عادته أن يفعله: فإنه يُشرع أن يسجد جَبْرًا لهذا النقص الذي هو نَقْصُ كمال لا نقص واجب؛ لعموم قوله في الحديث ( لكلِّ سهو سجدتان ) – رواه أبو داود وهو حديث حسن -، وفي ” صحيح مسلم ” ( إذا نسيَ أحدُكم فَلْيَسْجُدْ سَجدتين ) فإن هذا عام، أما إذا تَرَكَ سُنَّة ليس من عادته أن يفعلها: فهذا لا يُسَنُّ له السُّجود؛ لأنه لم يطرأ على باله أن يفعلها.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 333 ، 334 ).

ب. والتشهد الأول واجب من واجبات الصلاة وليس من فروضها.

وهذا الواجب من تركه عمدًا: بطلت صلاته، وعليه إعادتها حتى لو خرج وقتها لأنها باقية في ذمته، ومن تركه نسيانًا حتى تلبس بركنٍ بعده: فلا يؤمر به، ويسجد للسهو قبل السلام، ومن ترك الواجب جهلًا بحكمه: فلا شيء عليه؛ لأن الجاهل معذور في ترك الواجبات والمستحبات من حيث الإثم ومن حيث الحكم، فليس عليه إعادة للصلاة.

 

 

 

ثانيًا:

والدليل على سقوطِ الواجبِ بالنسيان وعدم بطلان الصلاة به وجبرانه بسجود السهو قبل السلام: ما رواه البخاري ( 795 ) ومسلم ( 570 ) عن عَبْدَ اللهِ بْنَ بُحَيْنَةَ رضيَ الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

النوع الثاني: ترك واجبٍ غير ركن عمداً كالتكبير – غير تكبيرة الإحرام – وتسبيح الركوع والسجود: بطلت صلاته إن قلنا بوجوبه، وإن تركه سهوًا: سجد للسهو قبل السلام؛ لما روى عبد الله بن مالك ابن بحينة ( فذكر الحديث ) فثبت هذا بالخبر، وقسنا عليه سائر الواجبات. ” الكافي ” ( 1 / 273 ).

 

وبما ذكرناه يتبين الفرق بين الواجبات والأركان، فالأركان لا تسقط بالنسيان ولا تُجبر بسجود السهو، بل لا بدَّ من الإتيان بها، والجهل بها لا يُعذر صاحبه بتركها، فإن كان علم الحكم في الوقت: فيُلزم بإعادة الصلاة دون إعادة ما مضى من الصلوات، كما جاء في حديث ” المسيء في صلاته ” حيث أمره صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة التي رآه ترك ركن الطمأنينة فيها ولم يأمره بإعادة ما سبق من الصلوات مما فات وقتها، وأما الواجبات: فتشترك مع الأركان في بطلان الصلاة بتركها عمدًا، وتختلف عنها في أنها تُجبر بسجود السهو لمن تركها نسياناً، والجهل بحكمها أنها واجبة عذرٌ لمن تركها عمداً فتكون صلاته صحيحة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأركان واجبة وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها في أن الأركان لا تسقط بالسَّهْوِ، والواجبات تسقط بالسَّهْوِ، ويجبرها سُجودُ السَّهْوِ بخلاف الأركان؛ ولهذا من نسيَ رُكنًا: لم تصحَّ صلاته إلا به، ومن نسيَ واجبًا: أجزأَ عنه سُجودُ السَّهْوِ، فإنْ تَرَكَه جهلًا: فلا شيء عليه، فلو قام عن التشهُّدِ الأول لا يدري أنه واجب فصلاتُه صحيحة، وليس عليه سُجود السَّهْوِ؛ وذلك لأنه لم يكن تَرْكه إيَّاه عن نسيان.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 315 ، 316 ).

 

 

 

ثالثًا:

لا يخلو مَن ترك واجبًا مِن واجبات الصلاة ناسيًا من أربع حالات:

الحالةُ الأولى: أن يتذكر الواجب المنسي قبل أن يفارق مكان الواجب فإنه يجب عليه أن يأتي به ولا سهو عليه.

الحالة الثانية: أن يتذكر الواجب المنسي بعد مفارقة محله وقبل أن يصل إلى الركن الذي يليه فإنه يرجع ويأتي به ثم يكمل صلاته ولا سهو عليه.

الحالة الثالثة: أن يتذكر الواجب المنسي بعد وصوله إلى الركن الذي يليه فإنه لا يرجع إليه بل يكمل صلاته ويسجد سجود السهو قبل السلام.

الحالة الربعة: أن يتذكر يتذكر الواجب المنسي بعد وصوله إلى الركن وبعد شروعه في الذِّكر الذي فيه، وحكمه كالذي قبله.

ومما يٌستدل به في أكثر تلك المسائل ما رواه الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِي قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ فَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلاَ يَجْلِسْ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ ) رواه داود ( 1036 ) وصحَّحه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإن ذكر التشهد قبل انتصابه قائمًا: رجع فأتى به، وإن ذكر بعد شروعه في القراءة: لم يرجع لذلك لأنه تلبس بركن مقصود فلم يرجع إلى واجب، وإن ذكره بعد قيامه وقبل شروعه في القراءة : لم يرجع أيضا لذلك؛ لما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا قام أحدكم في الركعتين … ) ( وذكر الحديث ).

” الكافي ” ( 1 / 273 ).

وهذا الحكم عام في كل واجبات الصلاة، وليس خاصًّا بالتشهد.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فكلُّ مَنْ تَرَكَ واجباً حتى فارق محلَّه إلى الرُّكن الذي يليه: فإنه لا يرجع، ولكن عليه السُّجود لهذا النقص، ويكون السُّجود قبل السَّلام.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 378 ).

والخلاصة:

  1. مَن ترك مستحبًّا مِن مستحبات الصلاة ناسيًا له: فيستحب له سجود السهو قبل السلام.
  2. مَن ترك مستحبًّا مِن مستحبات الصلاة جاهلًا بحكمه: فليس عليه إثم ولا يلزمه حكم لا إعادة ولا سجود سهو، ويجب على كل مسلم أن يتعلم أحكام الصلاة، فإن قصَّر في الطلب: يأثم.
  3. مَن ترك واجبًا مِن واجبات الصلاة ناسيًا له: فإن تلبس بركن بعده فلا يرجع لذلك الواجب، ويجب عليه سجدتي سهو قبل السلام، فإن تذكر بعد الصلاة فلا يعيدها وليسجد للسهو.
  4. من ترك واجبًا من واجبات الصلاة جاهلًا بحكمه: فليس عليه إثم إلا أن يقصِّر في طلب العلم والتعلم، وليس عليه إعادة للصلاة، وليس عليه سجود سهو.
  5. من ترك ركنًا من أركان الصلاة ناسيًا له: فصلاته باطلة ويجب عليه إعادتها، وكذا يعيد ما سبق من الصلوات حتى لو خرج وقتها لأن ذمته مشغولة بها.
  6. من ترك ركنًا من أركان الصلاة جاهلًا بحكمه: فصلاته باطلة ويجب عليه إعادتها إن كان لا يزال في الوقت، ولا يعيد ما سبق من الصلوات مما خرج وقتها.

 

والله أعلم.