الرئيسية بلوق الصفحة 163

حكم صبغ اللحية بلون مشابه للون البشَرة ” تشقير اللحية “!

حكم صبغ اللحية بلون مشابه للون البشَرة ” تشقير اللحية “!

السؤال:

المدرَسة التي أدرِّس فيها لا تسمح بإعفاء اللحية، ولحيتي لم تظهر كثيرًا, وعليه لو صبغتها بلون قريب من لون الجلد لم تظهر معه, فما حكم ذلك؟ وإن كان غير جائز فماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يمكن أن نطلق على هذه المسألة ” تشقير اللحية “! ويكون حكمها حكم ” تشقير الحواجب “، وتشقير الحواجب هو صبغ الحاجبين بلون مشابه للون البشَرة، وقد منع منه طائفة من أهل العلم – ومنهم علماء اللجنة الدائمة – بسبب أن في الفعل تغييرًا لخلق الله، وأن فيه مشابهة للنمص، ومثله ينبغي أن يقال عند هذه الطائفة من أهل العلم فيمن صبغ لحيته بلون مشابه للون بشَرته؛ إذ في فعله تغيير لخلق الله تعالى، وفيه مشابهة لحلق اللحية.

وذهبت طائفة أخرى من أهل العلم – ومنهم الشيخ العثيمين – إلى جواز تشقير الحواجب، ولم يجعلوا الصبغ بلون قابل للزوال تغييراً لخلق الله، وجعلوا ذلك مثل الكحل في العين والحناء للشعر، كما لم يجعلوا لذلك الفعل حكم النمص لأن النمص إزالة شعر وهذا الفعل ليس فيه إزالة، ومثله ينبغي أن يقال عند هذه الطائفة من أهل العلم فيمن صبغ لحيته بلون مشابه للون بشرته؛ لأن تغيير خلق الله يكون فيما يبقى من التلوين كالوشم، أو فيما فيه إزالة لما نهت الشريعة عن إزالته كشعر اللحية، أو فيه اعتراض على حجم العضو الذي خلقه الله تعالى كمن تنفخ شفتها أو تكبِّر صدها وثديها.

والذي يظهر لنا: أن من لم يكن به ضرورة أو حاجة ماسَّة لهذا الفعل: فلا يفعله؛ خروجاً من الخلاف، واحتياطاً لدينه، وأما من احتاج لذلك – كحال الأخ السائل – فلا نرى مانعًا من فعله ذاك إلى أن ييسر الله تعالى له عملًا آخر لا يحتاج معه لذلك الفعل، أو تتغير ظروف عمله فيُبقي لحيته على لونها.

 

والله أعلم.

 

حكم ختمة القرآن في قيام رمضان، وما يحدث في الختمات من مخالفات

حكم ختمة القرآن في قيام رمضان، وما يحدث في الختمات من مخالفات

السؤال:

ما حكم المسابقة على ختم القرآن الكريم في شهر رمضان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

شهر رمضان هو شهر القرآن، بدأ إنزال القرآن فيه، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن – رواه البخاري ( 5 ) ومسلم ( 4268 ) -، وكان السلف الصالح لهم حال خاص مع كتاب الله تعالى يتلونه، ويتدارسونه، ويختمونه في الصلاة وخارجها.

 

ثانيًا:

وليُعلم أنه ليس ثمة سنة صحيحة صريحة في استحباب ختم الأئمة للقرآن في صلاة قيام رمضان، بل الاستحباب أن يكون من المسلم حرص على ختم القرآن خارج الصلاة.

* سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -:

هل من السنة المواظبة على ختم القرآن في التراويح؟.

فأجاب:

المقصود: ختم القرآن في رمضان، لكن ليس المقصود ختمه في الصلاة، ودعاء ختم القرآن مخترع، وتخصيصه بوتر آخر رمضان لم يرد، وتراجع رسالة الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ” ( ص 621 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حرص بعض الأئمة على ختم القرآن في التراويح هل هو بدعة أم سنَّة؟.

فأجاب:

لا أعلمه سنَّة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن أهل العلم يقولون: ينبغي للإمام أن يقرأ جميع القرآن في صلاة التراويح من أجل أن يُسمع المأمومين كل القرآن، ويستحب أن يختم ختمة في كل رمضان.

” جلسات رمضانية “( الدرس رقم 20 ، السؤال 12 ).

وختم القرآن من الإمام في قيام رمضان عمل حسن، فيه إسماع الناس كتاب الله تعالى، لكن لا ينبغي نسبة الفعل لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على أنه واجب أو مستحب.

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولم أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي التي قام فيها بالناس أنه ختم القرآن كله، ولكنَّ كثيرًا من أهل الفقه رحمهم الله قالوا: ينبغي للإمام أن يختم القرآن كله في هذا القيام ليَسمع المصلون جميع القرآن الذي كان ابتداء إنزاله في هذا الشهر المبارك، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله، أما السنَّة: فلا أعلم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكمل بهم القرآن. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 159 ).

وقد كان من جرَّاء هذا الفهم الخطأ الوقوع في مخالفات كثيرة، منها:

  1. الخلل في النية من الإمام والتنافس غير الشريف من الناس في مساجدهم.

وهو مشاهد من خلال التفاخر بإنهاء بعضهم لأكثر من ختمة في شهر رمضان، أو من خلال التفاخر بإنهائها قبل غيره، أو بما يُعرف بـ ” دعاء ختمة فلان ” وما يحصل فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة، والمطلع يعرف أحوال المصلين وما يحصل بينهم من خلاف وتنازع في ختمات مساجدهم وأدعية أئمتهم، مما يسبب عداوة وبغضاء.

  1. الإسراع في القراءة وعدم التدبر والتأني في القراءة.

عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ ). مسند أحمد م/50 مؤسسة الرسالة – (24 / 288) وصححه المحققون.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

فقوله: ( لا تغلو فيه ) أي: لا تُبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة؛ فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا، ولهذا قابله بقول: ( ولا تجفوا عنه ) أي: لا تتركوا تلاوته.

” فضائل القرآن ” ( ص 256 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – تعليقًا على حديث مدارسة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان -:

ويمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة؛ لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن، وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجباً لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة، بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 333 ) و ( 15 / 325 ، 326 ).

  1. قراءة تتمة الختمة في صلوات الفرائض.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

من الشيء الذي ينكر أن بعض الأئمة يقرأ القرآن كلَّه لكن يوزعه! يقرأ به في الفرائض، يعني: يقرأ من قراءته في التراويح في الفرائض، فيكون هنا لا أَسمَعَ الجماعة ولا خَتم بهم القرآن، وهو تصرفٌ ليس عليه دليل، فالأولى: أن يقرأ بما تيسر، وأن لا تحمله قراءته على أن يسرع إسراعاً يجعل القرآن هذّاً فيبقى القرآن ليس له طعم ولا لذة ويكون ليس همُّ الإمام إلا أن ( يُنهي ) ما كان مقررًا قراءته.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 358 ).

  1. قراءة تتمة الختمة في صلاة الوتر.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وإنني أنبِّه على مسألة يفعلها بعض الأئمة، وهي: أن بعض الأئمة يقرأ القرآن في التراويح – سواء كانت ثمان ركعات أو عشر ركعات – ثم يقرأ في الوتر من قراءة التراويح! زعمًا منه أنه يريد المحافظة على أن يختم القرآن بالجماعة، ولكنه فعل شيئاً وترك سنَّة، السنَّة: أن يقرأ الإنسان بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) في الركعة الأولى، وبسورة ( قل يا أيها الكافرون ) في الثانية، وبـ ( قل هو الله أحد ) في الثالثة.

وختمة القرآن إن تمكنتَ منها: فحسَن، وإن لم تتمكن : فليست بواجبة، وليست بسنَّة أيضًا.

السنَّة: أن تقرأ في الوتر بهذه السور الثلاث، ولا تخرِم، يعني: لا تتركها، اللهم إلا أحيانا حتى لا يظن العامَّة أن قراءتها فرض.

” فتاوى الحرم المكي ” ( عام 1412 هـ ، شريط رقم 1 ).

  1. قراءة تتمة الختمة وحده خارج الصلوات.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

بعض الأئمة لم يتيسر لهم ختم القرآن في قيام رمضان فلجأ بعضهم إلى القراءة خارج الصلاة حتى يستطيع أن يختم القرآن ليلة تسع وعشرين، فهل لذلك أصل في الشرع المطهر؟ جزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

لا أعلم لهذا أصلًا، والسنَّة للإمام أن يسمع المأمومين في قيام رمضان القرآن كله إذا تيسر له ذلك من غير مشقة عليهم، فإن لم يتيسر ذلك فلا حرج وإن لم يختمه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أخرجه مسلم في صحيحه. ” فتاوى الشيخ ابن باز”( 30 / 33، 34).

وقد سبق منا التعليق على سنية ختمة الإمام للقرآن بالناس، وأن ذلك لم يثبت في حديث مرفوع، بل قد نفى ذلك الإمام مالك ووافقه ابن العربي – وسبق النقل عن * الشيخين عبد الرزاق عفيفي والعثيمين – رحمهما الله -.

* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

وليس من السنة ختم القرآن في رمضان.

” أحكام القرآن ” ( 8 / 168 ).

وعلَّق عليه القرطبي رحمه الله – بعد أن نقله عنه – فقال:

قلت : هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنَّة.

” تفسير القرطبي ” ( 20 / 248 ).

وكل ما سبق – وقد يوجد غيره – سبَّبه الخطأ في جعل الختمة في الصلاة سنَّة، وفي الاستعجال والمسابقة فيها.

ووصايا العلماء واضحة وبينة في وجوب ترك هذه المسابقة والإسراع في القراءة، وأن على الإمام قراءة ما تيسر من القرآن بتأني وطمأنينة، وإذا وجد عزمًا في نفسه وعدم مشقة على الناس فلا بأس بقراءة القرآن كاملًا من غير اعتقاد أنه سنَّة، ومن غير الوقوع فيما سبق ذِكره من مخالفات شرعية.

 

والله أعلم.

حكم الدعاء والثناء بأبيات شعرية في القنوت مع ذِكر لبعض أخطاء الداعين

حكم الدعاء والثناء بأبيات شعرية في القنوت مع ذِكر لبعض أخطاء الداعين

السؤال:

استمعت لتسجيل لدعاء القنوت لأحد الأئمة، وكان يدعو بعض الأبيات الشعرية أثناء القنوت مثل:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع *** أنت المعد لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها *** يا من إليه المشتكى والمفزع

هل هذا الفعل جائز في الصلاة أم يعد كلاماً خارج الصلاة فيبطلها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك ولا ريب أن المطلع على أحوال أدعية الأئمة في قنوتهم في زماننا هذا يجد خللاً كثيرًا، ومخالفات عظيمة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولو أننا تتبعنا دعاء الأئمة لوجدنا خللا كثيرًا.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 120 / السؤال 16 ).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

وقد سَرَت بعض هذه المحدثات إلى بعض قُفاة الأثر، فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الأئمة في رمضان الجهر الشديد، وخفض الصوت ورفعه في الأداء حسب مواضع الدعاء، والمبالغة في الترنم، والتطريب، والتجويد، والترتيل، حتى لكأنه يقرأ سورة من كتاب الله تعالى، ويستدعي بذلك عواطف المأمومين ليجهشوا بالبكاء.

والتعبد بهذه المحدثات في الإسلام، وهذه البدع الإضافية في الصوت والأداء للذكر والدعاء هي في أصلها من شعائر الجاهلية التي كانوا يظهرونها في المسجد الحرام، كما قال الله تعالى منكرًا عليهم: ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) الأنفال/ 35، المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق بضرب اليد على اليد بحيث يسمع له صوت.

قال الآلوسي رحمه الله تعالى: ” والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية، فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية، يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول قائلهم:

أقال الله صفق لي وغن *** وقل كفرا وسم الكفر ذكرا ” انتهى.

وما يتبعها من الألحان، والتلحين، والترنم، والتطريب، هو مشابهة لما أدخله النصارى من الألحان في الصلوات، ولم يأمرهم بها المسيح، ولا الحواريون، وإنما ابتدعه النصارى كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

ولهذا نرى ونسمع في عصرنا الترنم والتلحين في الدعاء من سيما الرافضة والطرقية، فعلى أهل السنة التنبه للتوقي من مشابهتهم.

” تصحيح الدعاء ” ( 83 ، 84 ).

* وقال – رحمه الله -:

إن التلحين والتطريب والتغني والتقعر والتمطيط في أداء الدعاء: منكر عظيم، ينافي الضراعة والابتهال والعبودية، وداعية للرياء والإعجاب وتكثير جمع المعجبين به.

– وقد أنكر أهل العلم على من يفعل ذلك في القديم والحديث.

فعلى من وفقه الله تعالى وصار إمامًا للناس في الصلوات وقنت في الوتر: أن يجتهد في تصحيح النية، وأن يلقي الدعاء بصوته المعتاد، بضراعة وابتهال، متخلصًا مما ذكر، مجتنبًا هذه التكلفات الصارفة لقلبه عن التعلق بربه

” تصحيح الدعاء ” ( ص 469 ).

 

ثانيًا:

ومن المخالفات مما نراه في أدعية القنوت : السجع المتكلَّف، والعبارات المنمقة المحضَّرة، مع رفع وخفض في الصوت لأجل الإثارة ولفت النظر.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم، … .

ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنَّة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام.

وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، كما تقدم بيانه في ” البقرة “.

” تفسير القرطبي ” ( 7 / 226 ).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

يُجْتَنَبُ جلب أدعية مخترعة، لا أصل لها، فيها إغراب في صيغتها وسجعها وتكلفها؛ حتى إن الإمام ليتكلف حفظها، ويتصيدها تصيدًا، ولذا يكثر غلطه في إلقائه، ومع ذلك تراه يلتزمها، ويتخذها شعارًا، وكأنما أحيا سنَّة هجرتها الأمَّة

” تصحيح الدعاء ” ( ص 469 ، 470 ).

 

 

* وقال – رحمه الله -:

ويُجْتَنَبُ قصد السجع في الدعاء، والبحث عن غرائب الأدعية المسجوعة على حرف واحد.

وقد ثبت في ” صحيح البخاري ” رحمه الله تعالى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال له: ” فانظر السجع في الدعاء، فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب “.

ومن الأدعية المخترعة المسجوعة: ” اللهم ارحمنا فوق الأرض، وارحمنا تحت الأرض، وارحمنا يوم العرض “.

ولا يرد على ذلك ما جاء في بعض الأدعية النبوية من ألفاظ متوالية، فهي غير مقصودة، ولا متكلفة؛ ولهذا فهي في غاية الانسجام.

” تصحيح الدعاء ” ( ص 472 ).

 

ثالثًا:

والجواب عن الدعاء بـ ” الشِّعر ” هو الجواب عن ” السجع “، وهو على وجهين:

  1. فما كان منه متكلَّفًا مخترعًا لأجل الدعاء: فهو ممنوع.
  2. وما كان منه خارجًا من غير تكلف، أو كان ضمن أبيات من الشعر فيها ذِكر ثناء على الله أو ذِكر أشياء مباحة الذِّكر: فهو جائز.

* قال النووي – رحمه الله -:

قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ): هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل لما قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا: فلا بأس به، بل هو حسن.

” شرح مسلم ” ( 17 / 41 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قال بعض السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع، وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلف: فلا بأس به؛ فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع للقلب. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 489 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال الغزالي: المكروه من السجع هو المتكلف؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة.

” فتح الباري ” ( 11 / 139 ).

وحكم الشعر في الأصل حكم الكلام، قال الشافعي رحمه الله: ” الشِّعر كلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ” كما في كتابه ” الأم ” ( 6 / 224 ).

ومما استُدل به على الوجه الجائز من الدعاء بالشعر:

عن الْبَرَاءِ بنِ عازب قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:

اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا   وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا    وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا

إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا   وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

رواه البخاري ( 3880 ) ومسلم ( 1803 ).

ولم يُقصد – كما هو واضح – أن يُدعى الله بهذا الشعر، بل كان للتخفيف عن النفس، وتشجيعها على العمل، ومن أجل الترويح عنها، وقد اشتمل الشعر على دعاء، فلم يكن هو مقصوداً لذاته ولا كان هذا في الصلاة.

وقد بوَّب البخاري على الحديث بقوله ” باب الرَّجَز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الرجَز بفتح الراء والجيم والزاي: من بحور الشعر على الصحيح، وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم، وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشِعر غيره. ” فتح الباري ” ( 6 / 161 ).

والذي يظهر لنا أنه ثمة فرق بين الشعر ثناءً والشعر دعاءً، وأنه يجوز الثناء الله بكل ما هو جميل وجليل من الألفاظ ولو كانت شعرًا يحمل معانٍ جليلة في حق الله تعالى، وأما الدعاء فليكن من القلب وبغير سجع ولا تكلف، وهذا الذي نقوله روي عن شيخ الإسلام ابن تيمية من فعله، قال تلميذه ابن كثير رحمه الله – في ذِكر روائع من أشعار المتنبي -:

ومنها قوله:

يا من ألوذ به فيما أؤمِّله * ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره * ولا يهيضون عظمًا أنت جابره

وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ، ويقول : إنما يصلح هذا لجناب الله سبحانه وتعالى.

وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم رحمه الله أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلتُ هذين البيتين في السجود أدعو لله بما تضمناه من الذل والخضوع.  ” البداية والنهاية ” ( 11 / 292 ).

فشيخ الإسلام رحمه الله هنا أنشد شعر غيره مما رأى فيه تعظيمًا لربه تعالى، ثم جعل الدعاء منه هو، فنرى تنزيه الصلاة عن الشعر مطلقًا وإن كان لا بدَّ: فليكن مما فيه ثناء على الله دون غيره.

 

والخلاصة:

  1. ينبغي على الأئمة أن يتقوا الله تعالى في أدعية قنوتهم وأن لا يقعوا في مخالفات للشرع.
  2. وعليهم الابتعاد عن السجع المتكلف والتمطيط والتلحين والصراخ.
  3. يجوز استعمال ما فيه ثناء على الله من الشِّعر والرجَز، على أن يُجتنب هذا في الصلاة.
  4. لا يجوز الدعاء بالشِّعر الصرف وحده، وينبغي تنزيه الصلاة عن الشِّعر.
  5. والأهم: أن على الأئمة أن يُخلصوا النية لله تعالى، فالدعاء عبادة، ولا ينبغي أن يكون دعاؤهم في الصلاة جماعة على خلاف ما يدعون ربهم به في خلواتهم وسجودهم؛ فإن الاختلاف في هذا علامة على عدم الإخلاص وعلى أن الحرص على ثناء الناس هو المقصود بذلك اللون من الأدعية.

 

والله أعلم.

 

 

 

حكم الاستعاذة قبل التسمية في الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال

حكم الاستعاذة قبل التسمية في الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال

السؤال:

ما حكم الاستعاذة مع البسملة قبل الأكل والشرب والوضوء وغيرها من الأعمال؟ هل تعتبر من البدع في الدين لمخالفة السنَّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثمة فرق – على الأصح – بين ” البسملة ” و ” التسمية “، والذي أراده الأخ السائل هو الثاني لا الأول؛ لأن البسملة هي نحت لجملة ” بسم الله الرحمن الرحيم “، وأما ” التسمية ” فهي اختصار جملة ” بسم الله “، وبينهما فرق في اللفظ ومحل القول، فالبسملة تقال في أول قراءة القرآن وخاصة عند بداية قراءة السورة من أولها بعد الاستعاذة، والتسمية هي ما يكون في الذبح والصيد والأكل والشرب والوضوء والجماع، وغيرها كثير.

والتقدير في التسمية على الأكل – مثلًا – ” بسم الله آكل “، وهكذا في سائر الأمور.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قول القارئ ” بسم الله ” معناه: بسم الله أقرأ أو أنا قارئ، ولهذا شرعت التسمية في افتتاح الأعمال كلها فيسمَّى الله عند الأكل والشرب ودخول المنزل والخروج منه ودخول المسجد والخروج منه، وغير ذلك من الأفعال، وهي عند الذبح من شعائر التوحيد. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 392 ).

 

ثانيًا:

ومن الواضح أن سؤال الأخ الفاضل ليس عما شرع الجمع بين التسمية والاستعاذة فيه من أمور، كالاستعاذة قبل البسملة في قراءة القرآن، أو التسمية قبل الاستعاذة في دخول الخلاء، وإنما قصد الأخ السائل ما ثبت فيه التسمية من أعمال هل يُشرع أن تسبق باستعاذة؟.

والجواب عليه: أن هذا مما قال به بعض العلماء، وهو استحسان يخالف النصوص، فلا ينبغي الأخذ ولا العمل به.

فالاستعاذة قبل التسمية في الوضوء قال بها الحنفية والشافعية، والتزم المالكية بما بما ورد ولم يزيدوا عليه شيئًا، ولم يُنقل عن الحنابلة في المسألة شيء، والظاهر التزامهم بالنص من دون زيادة عليه، فقد قال ابن قدامة:

التسمية هي قول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها كالتسمية المشروعة على الذبيحة وعند أكل الطعام وشرب الشراب فيكون بعد النية لتشمل النية جميع واجباتها وقبل أفعال الطهارة ليكون مسميا على جميعها كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها.

” المغني ” ( 1 / 115 ).

وأما الشافعية والحنفية فلم يعدُ ما قالوه من زيادة الاستعاذة قبل التسمية على الوضوء من كونه استحسانًا، واجتهادًا مقابل النص، وقياسًا لا يستقيم.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 10 ، 11 ):

الاستعاذة للتطهر:

عند الحنفية، قال الطحاوي: يأتي بها قبل التسمية، غير أنه لم يوضح حكمها.

وتستحب الاستعاذة للوضوء سرًّا عند الشافعية قبل التسمية، قال الشرواني: وأن يزيد بعدها: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، والإسلام نورًا، ( رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ).

ولم يثبت عند المالكية من الأذكار في الوضوء إلا التشهدان آخره، والتسمية أوله.

ولم نقف للحنابلة على نص صريح فيها. انتهى.

 

ثالثًا:

وقد رأينا من الشافعية من وسَّع القول بالاستعاذة قبل التسمية وجعلها في كل ما ثبت فيه التسمية ! مع أن الظاهر أن المذهب لم يلتزم بها إلا في الوضوء.

* قال شمس الدين الرملي – رحمه الله -:

ويسن التعوذ قبلها – أي: قبل التسمية في قراءة الوضوء -.

وتسنُّ – أي: التسمية – لكل أمر ذي بال، عبادة أو غيرها، كغسل وتيمم وتلاوة – ولو من أثناء سورة – وجماع وذبح وخروج من منزل، لا للصلاة والحج والأذكار، وتكره لمكروه، ويظهر – كما قاله الأذرعي – تحريمها لمحرم.

” نهاية المحتاج ” ( 1 / 184 ).

وفي حاشية ” الشبراملسي ” عليه:

وظاهر اقتصارهم في بيان السنَّة على التسمية: أنه لا يُطلب التعوذ قبلها في المذكورات، وقياس ما مرَّ من طلب التعوذ قبل البسملة في الوضوء: طلبها فيما ذُكر!. انتهى

ونقول: هذا قياس على أصل غير صحيح، فليست الاستعاذة بجائزة في الأصل قبل تسمية الوضوء فضلًا أن يصح القياس عليه الاستعاذة في كل ما شُرع له التسمية.

 

رابعًا:

ومن هنا نقول: إن كل عبادة لم يشرع لها التسمية قبلها: فالتسمية فيها تكون بدعة، وإذا أضيفت الاستعاذة قبل التسمية فيها صارت بدعة مركبة!.

  1. ومن أمثلة ذلك – مثلًا -: الأذان والإقامة.

* سئل علماء اللجنة الدائمة عن:

التعوذ والبسملة قبل الأذان؟.

فأجابوا:

لا نعلم أصلًا يدل على مشروعية التعوذ والبسملة قبل الأذان، لا بالنسبة للمؤذن، ولا من يسمعه، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) وفي رواية ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 98 ، 99 ).

  1. ومن أمثلته: الصلاة.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عندما أبدأ بالصلاة وقبل أن أكبِّر أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثم البسملة، ثم أكبِّر، وأعيد هذه الاستعاذة والبسملة بعد التكبير ودعاء الاستفتاح، فهل يصح منِّي هذا، أم أن هذه الطريقة غير صحيحة؟.

فأجاب:

لسنَّة أن تكتفي بالاستعاذة والتسمية بعد التكبير، بعد الاستفتاح عند بدء القراءة، أما الإتيان بالاستعاذة والتسمية أول الصلاة : فما عليه دليل، لكن إذا كبرتِ وأتيتِ بالاستفتاح ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك )، أو باستفتاح آخر من الاستفتاحات الصحيحة: بعدها تقولين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله ثم تقرئين الفاتحة، هذا مشروع، أما أن تأتي بها قبل التكبير: فما لها أصل. ” نور على الدرب ” ( شريط رقم 148 ).

 

خامسًا:

وإذا كان لا يشرع الزيادة على التسمية بقول ” الرحمن الرحيم ” فمن باب أولى أن لا تزاد الاستعاذة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأما قول النووي في أدب الأكل من ” الأذكار “: ” صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنَّة “: فلم أرَ لما ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا.

” فتح الباري ” ( 9 / 521 ).

* قال الشيخ الألباني – معقبًا على كلام الحافظ، تحت حديث ( 344 ) ( يا غلام إذا أكلت فقل: بسم الله, وكل بيمينك, وكل مما يليك ) -:

وأقول: لا أفضل من سنَّته صلى الله عليه وسلم ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم )، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا ” بسم الله “: فلا يجوز الزيادة عليها فضلًا عن أن تكون الزيادة أفضل منها! لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث: ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ).

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 611 ).

وعليه:

  1. فلعدم ثبوت الاستعاذة قبل التسمية في المواضع التي لم تثبت فيها.
  2. ولعدم صحة زيادتها قبل التسمية في الوضوء.
  3. ولأن القياس في العبادات كما ها هنا يعني التشريع.
  4. ولعدم مشروعية التسمية أصلاً في بعض العبادات.
  5. ولعدم جواز زيادة ” الرحمن الرحيم ” على ذات التسمية:

فإننا نرى عدم جواز زيادة الاستعاذة قبل التسمية فيما ورد من أعمال شُرعت التسمية قبل البداءة بها، والأقرب إلى قواعد الشرع عدُّ ذلك من البدع المذمومة.

 

والله أعلم.

حكم نشر المعلمين والمعلمات أجوبة مضحكة لطلابهم وطالباتهم

حكم نشر المعلمين والمعلمات أجوبة مضحكة لطلابهم وطالباتهم

السؤال:

بعض المعلمين والمعلمات يذكر إجابات طلابه على وجه السخرية وإضحاك جلسائه، ثم بعد ذلك تنشر هذه الإجابات عبر البريد الإلكتروني والمنتديات، والبعض يكون فيها اسم الطالب، فما حكم ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إنَّ واقع وجود أجوبة مضحكة لطلاب وطالبات المدارس لا يُنكر، وهو يدل على الحال التي وصل لها واقع حال التدريس في معظم الدول الإسلامية، ونسأل الله أن يُصلح الحال.

وأما من حيث الحكم الشرعي لنشر تلك الأجوبة المُضحكة بين الناس في مجالسهم وعبر المواقع الإلكترونية وغيرها: ففيه تفصيل:

فإن كان نشر الأساتذة أجوبة طلابهم وطالباتهم المضحكة مع ذِكر أسمائهم وأسمائهن: فلا يجوز؛ لأن هذا من الغيبة ومن السخرية لمعيَّن.

وأما إن كانت الأجوبة تُنشر مع خلوها من أسماء أصحابها: فلا يظهر لنا في ذلك بأس ولا حرج.

 

والله أعلم.

 

توجيهات للمعلمين والمعلمات بخصوص تعليم طلابهم الصغار اللغة والشعر

توجيهات للمعلمين والمعلمات بخصوص تعليم طلابهم الصغار اللغة والشعر

السؤال:

أعمل معلِّمة صفوف أولية في مدرسة أهلية، وتبنت هذه المدرسة نظامًا تعليميًّا وأنشطة خارجية كتعليم الطالبات التذوق الأدبي وتأليف القصص وتكثيف الجانب اللغوي، وعندما تصل الطالبة للصف الثالث يضاف للأنشطة نشاط تأليف الشعر وتتعلم فيه الكتابة ووصف الطبيعة ومواضيع عامة مثل ( فضل الأم، القدس، اليتيم، وهكذا ).

وأنا أخشى أن أكون علَّمتُ الطالبات مبدأ كتابة الشعر ولا أستطيع أن أتنبأ بما ستكتبه طالباتي في المستقبل إذا كبرن، وكما قال تعالى ( والشعراء يتبعهم الغاوون … ) فأشاركهم الذنب.

– أرجوكم دلوني: هل في تعليمهم الشعر وِزر أو ذنب عليَّ؟.

مع ملاحظة أني من أقوم بوضع المنهج، وهو مرن وغير ثابت، وبإمكاني إقناع المدْرسة بالتغيير، ولكنني أرغب في صقل مواهب الطالبات مع تحرجي الشديد من الذنب.

 

الجواب:

الحمد لله

قد كان السابقون من هذه الأمة يرسلون أبناءهم صغارًا إلى البادية لأجل تحصيل فوائد عديدة، منها ما يتعلق بالتعود على الخشونة وتعلم مكارم الأخلاق، ومنها ما يتعلق بتقويم اللسان ليتعود سماع اللغة العربية من منبعها الأصلي، فيتعلم الفصاحة وينطق بالبلاغة.

ولذا فإننا لا نرى مانعًا من استثمار النشاطات المدرسية في تعليم الصغار لغة العرب، كتابة، ونطقاً، ويدخل فيه تعلم النحو والبلاغة والشعر، والمهم في ذلك حسن التوجيه من قبَل المعلِّمين والمعلِّمات، وتعلم اللغة العربية هو طريق معبَّد أكام متعلمها لفهم نصوص القرآن والسنَّة وكلام أهل العلم.

* قال شيخ الإسلام:

الطريق الحسن: اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب عليه.

واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدِّين تأثيرًا قويًّا بيِّنًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدِّين والخُلُق.

وأيضًا: فإن نفس اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 206 ، 207 ).

ولا مانع من استثمار تعلم الشعر في تقويم اللسان، وهو طريق لاكتساب البلاغة والفصاحة، وهما سلاحان مهمان يستعملهما الداعي في دعوته للإسلام.

وعند تعليم الطلاب الشعر فلتكن المادة هي الشعر الإسلامي، وثمة مواد وفيرة في هذا الفن تُكسب المتعلم أخلاقًا وآدابًا، وتعلِّمه الفصاحة والبلاغة، فيجمع المعلم والمعلمة بين الأمرين في سياق واحد، فثمة منظومات في السيرة والتجويد والفقه والحديث والعقيدة وغير ذلك من العلوم والفنون.

وإذا كان ثمة تحذير في هذا الباب فهو التنبه لبث الشعر الماجن لأولئك الطلبة والطالبات، والتنبه لمنع تعلقهم بشعر الغزل، وتنمية مهاراتهم الشعرية في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، وحث الناس على حسن الأخلاق وغير ذلك من المعاني الجليلة التي يمكن استثمار القدرات الشعرية على ذِكرها وبثها.

وبكل حال:

لا شك أن خير ما اشتغل به المعلم والمعلمة مع الطلبة الصغار هو حثهم على حفظ كتاب الله تعالى وعلى حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، واللغة العربية من الدِّين فليأخذ من فنونها وعلومها ما يعين الطلاب والطالبات على فهم دينهم مستقبلًا.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

تاب من سرقة خمر ومن عدم دفع ثمن مكالمات دولية فماذا يترتب عليه؟

تاب من سرقة خمر ومن عدم دفع ثمن مكالمات دولية فماذا يترتب عليه؟

السؤال:

اعتنقت الإسلام ثم انحرفت، وفي فترة انحرافي كنت أسرق بعض المشروبات الكحولية من أحد المتاجر الحكومية، وكنت أجري بعض المكالمات الدولية خلسة دون أن أدفع مقابلاً، ثم بعد ذلك تبت.

أنا أعلم أن التوبة تمحو ما قبلها لكني سمعت أن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بالديون وحقوق الآخرين، فبماذا توجهونني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يمنَّ عليك بالهداية، وأن يثبتك على طاعته، وأن يصلح أقوالك وأعمالك وأخلاقك.

وقد صدقتَ في قولك إن التوبة تُذهب آثار الذنوب، وأن ذلك لا ينطبق على ما كان توبة من حقوقٍ للآخرين ولو كانوا كفاراً، فيجب على التائب من ذلك أن يُرجع الحقوق لأهلها؛ لتتم توبته ويَذهب أثر ذنبه بالكلية، وإرجاع الحقوق إلى أهلها لا يلزم منه أن يكشف نفسه لصاحب الحق، والمهم أن يتم إرجاع الحق لأهله، وليختر من الطرق أيسرها وأبعدها عن الإساءة إليه.

وإذا لم يجد صاحب الحق ولم يجد ورثة له: فليتصدق بها عنه؛ فإن الصدقة تنفع المسلم حيّاً وميتاً، وتنفع الكافر إن كان حيّاً فقط، وإن علِم التائبُ أن ذلك الكافر ميت : فليتخلص من ذلك المال الذي هو حق له في سبل الخير المختلفة.

 

ثانيًا:

والذي ينبغي التنبيه عليه هنا: أن الحقوق التي يجب إرجاعها لأهلها لا تشمل ما هو محرَّم لذاته مما لا نفع فيه مما أهدرت الشريعة قيمته، كالخمور؛ فإنها محرَّمة لذاتها ولا نفع فيها، فقيمتها هدر، فمن سرقها: فلا قطع عليه ولا ضمان.

وعليه: فإننا نفرِّق بين سرقتك لزجاجات الخمر من الحكومة، وبين سرقتك للمكالمات الدولية من غير دفع ثمنها.

فالأولى: لا قطع فيها ولا ضمان، وإنما الإثم على شرب المسكر.

والثانية: تَضمن فيها قيمة المكالمات وترجعها لأصحابها.

والقول – في سرقة الخمر – بعدم القطع هو قول الجماهير والخلاف فيه ضعيف، والقول بعدم الضمان هو قول الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، وهو الراجح.

 

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

لا يقطع في سرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو ذمي، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلماً لأنه مال لهم أشبه ما لو سرق دراهمهم.

ولنا: أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير، ولأن ما لا يُقطع بسرقته من مال مسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم، وما ذكروه ينتقض بالخنزير ولا اعتبار به، فإن الاعتبار بحكم الإسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم. “المغني” ( 10 / 278 ).

* وقال أبو محمد لن حزم – رحمه الله -:

وقالت طائفة: لا قطع عليه في ذلك, ولكن يغرم لها مثلها، وهذا قول شريح, وسفيان الثوري, ومالك, وأبي حنيفة, وأصحابهم.

وقالت طائفة: لا قطع عليه ذلك, ولا ضمان، وهو قول الشافعي, وأحمد, وأصحابهما، وبه يقول أصحابنا . ” المحلى بالآثار ” ( 11 / 334 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لا يُقطع بسرقة محرم كالخمر؛ وذلك لأنه غير مال أصلًا، فليس فيه ماليَّة إطلاقًا، بخلاف آلة اللهو ففيها مالية؛ لأنها لو غيرت عن آلة اللهو لأمكن أن ينتفع بها، لكن الخمر لا يمكن أن ينتفع به أبدًا؛ لأنه حتى لو خلِّل فلا يجوز، إلا إذا تخلل بنفسه، وعليه: فلو سرق خمرًا: فلا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 333 ).

وأما ثمن المكالمات الدولية: فإنه مما يجب عليك إرجاعه لأصحاب الحق فيه، حكومة كانوا أو أفرادًا، ولتختر الطريقة المناسبة لذلك كأن تضع مالاً في حساب الدولة، أو تشتري في مصلحة عامة ما يجب على الدولة شراؤه.

والخلاصة:

  1. باب التوبة مفتوح لكل المذنبين، والسعيد من أدرك نفسه قبل فوات الأوان.
  2. التوبة من الذنوب التي ليس فيها حقوق للآخرين تحتاج لاستغفار وندم وعزم على عدم العود لها والإكثار من الأعمال الصالحة.
  3. الذنوب التي فيها حقوق للآخرين لا بدَّ من إرجاعها لأهلها، فإن لم يوجدوا: فلأحد ورثتهم، فإن لم يوجدوا: تُصدق بها عن المسلم – حيًّا أو ميتًا- وعن الكافر- فقط حيًّا-.
  4. وإذا كان الحق لكافر ميت: فيتخلص التائب من حقه بوضعه في وجوه الخير المختلفة.
  5. إذا كان الحق لكافر أو مسلم مما أهدرت الشريعة قيمته ولا نفع فيها – كثمن الخمر-: فإنه لا يبذل التائب ثمنه لهما؛ لأن ماليتها مهدرة، وأما المحرَّم الذي يوجد فيه نفع كخشب آلة العود أو ذهب الصليب: فإنه يُضمن نفعه. والله أعلم.

أين يقع قبر آدم عليه السلام؟

أين يقع قبر آدم عليه السلام؟

السؤال:

أين يقع قبر آدم عليه السلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يُعرف على وجه القطع واليقين بقعة في الأرض فيها جسد نبي إلا البقعة التي في ” المدينة النبوية ” والتي دُفن فيها محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء: إن قبر الخليل إبراهيم عليه السلام في ” الخليل ” في فلسطين، ومنهم من يقول: إن الموجود هناك الآن هو عين قبره، وقال آخرون: ثبت مكان موته ولكن لا تُعرف عين البقعة التي دفن فيها.

وكل ما عدا ذلك: فهو من المفتريات، ولا يثبت منه شيء.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما قبور الأنبياء: فالذي اتفق عليه العلماء هو ” قبر النبي صلى الله عليه وسلم ” فإن قبره منقول بالتواتر وكذلك في صاحبيه، وأما ” قبر الخليل “: فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره، وأنكر ذلك طائفة، وحكي الإنكار عن مالك وأنه قال: ليس في الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، لكن جمهور الناس على أن هذا قبره، ودلائل ذلك كثيرة، وكذلك هو عند أهل الكتاب، ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدِّين، ولو كان من الدِّين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين، وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ذلك من البدع المنهي عنها.

” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 444 ).

* وقال – رحمه الله -:

قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح شيء منها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت غيره أيضًا قبر الخليل عليه السلام. ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 446 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

لا يُعرف قبر نبيٍّ من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام، أما من ادعى أن هناك قبورًا في ” عُمَان ” أو في غير عمان معروفة للأنبياء: فهو كاذب، وليس بصحيح، إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام في ” المدينة “، وهكذا قبر الخليل في ” الخليل ” في فلسطين، معروف هناك محل القبر، وأما بقية الأنبياء: فلا تُعرف قبورهم، لا نوح ولا هود ولا صالح ولا إبراهيم ولا غيرهم، ما عدا إبراهيم في ” الخليل “.

المقصود: أن جميع الأنبياء مع عدا النبييْن الكريميْن عليهما الصلاة والسلام محمد وإبراهيم لا تعرف قبورهم، محمد في ” المدينة ” وهذا بإجماع المسلمين معروف موجود، وهكذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام معروف أيضاً في المغارة في ” الخليل “، أما من سواهما من الأنبياء: فقد نص أهل العلم على أنه لا تُعرف قبورهم. ” نور على الدرب ” ( شريط 642 ).

* وسئل – رحمه الله -:

هل صحيح أن آدم عليه السلام نزل في ” سيريلانكا ” وخاصة في منطقة ” سندين “؟ هل هذا صحيح أم لا؟.

فأجاب:

لا أصل لهذا، ولا أساس لهذا، لا تعرف صحته، ولا أصل له، ولا يُعرف قبره، ولا أين نزل في أي بقعة، أين دفن في أي بقعة، آدم عليه الصلاة والسلام .

المقصود: أن آدم لا يُعرف في أي بقعة من الأرض، لا في كذا ولا في كذا.

” نور على الدرب ” ( شريط 642 ).

 

ثانيًا:

وقد وردت آثار في تعيين قبر آدم عليه السلام، ولا يصح منها شيء.

* قال أبو نصر محمد بن عبد الله الإمام – وفقه الله -:

– وقد جاءت آثار فيها بيان مكان قبره – أي: آدم عليه السلام -:

  1. أخرج الدارقطني في ” سننه ” عن ابن عباس وفيه ( صلى جبريل بالملائكة على آدم ودفن في مسجد الخيف … ).

وهذا الأثر فيه عبدالرحمن بن مالك بن مغول، وهو متروك، كذا قال الدارقطني.

وجاء عند ابن عساكر وابن سعد كما في ” الدر المنثور” ( 3 / 334 )، إلا أن السند فيه الكلبي، وهو كذاب، وأبو صالح ضعيف.

وجاء عند أبي الشيخ عن مجاهد أيضًا، إلا أنه لم يصح إلى مجاهد؛ لأنه مسلسل بالكذابين.

  1. وأخرج أبو الشيخ في ” العظمة ” عن خالد بن معدان ( أن آدم لما توفي حمله مائة وخمسون رجلا من الهند إلى بيت المقدس ودفنوه بها وجعلوا رأسه عند الصخرة … ).

وفيه مجاهيل, وأعظم من هذا أنه من الإسرائيليات.

فخلاصة الكلام: أنه لا يُعلم مكان قبر آدم، وهذا نقطع به، ويعتبر أن ادِّعاء قبره في مكان كذا تقوُّل بدون علم.

تنبيه:

ذكر صاحب كتاب ” المنار ” ( 3 / 220 ) أنه رأى في ” الهند ” ضرائح تُعبد من دون الله، ومنها: ضريح آدم وزوجه وأمِّه ! مع العلم أنه ليس لآدم عليه السلام أم، ولكن هكذا الجهل يعمل بأصحابه.

انتهى من كتابه ” تحذير المسلمين من الغلو في قبور الصالحين ” ( 78 ).

* وقال الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

لم يثبت في حديث مرفوع أن ” إسماعيل ” عليه السلام أو غيره من الأنبياء الكرام دفنوا في المسجد الحرام، ولم يرد شيء من ذلك في كتاب من كتب السنة المعتمدة كالكتب الستة ومسند أحمد ومعاجم الطبراني الثلاثة وغيرها من الدواوين المعروفة، وذلك من أعظم علامات كون الحديث ضعيفاً بل موضوعًا عند بعض المحققين، وغاية ما روي في ذلك آثار معضلات بأسانيد واهيات موقوفات أخرجها الأزرقي في ” أخبار مكة ” ( ص 39 و 219 و 220 ) فلا يلتفت إليها وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلَّمات.

” تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ” ( ص 69 ).

 

والله أعلم.

 

النصح والتوجيه لمن تشك بزوجة أبيها أنها سحرتها وهي لا ترغب بزيارة والدها

النصح والتوجيه لمن تشك بزوجة أبيها أنها سحرتها وهي لا ترغب بزيارة والدها

السؤال:

أبي متزوج من امرأة من دولة المغرب، وهي دائماً تتفاخر عندنا أنها تعمل السحر، وأن هذا الشيء عادي عندهم، المشكلة: أنه في الفترة الأخيرة صارت مشادة ومشاكل بيني وبينها، ومن بعدها وأنا من مرض إلى آخر ( الحمد الله على كل شيء)، وشككت أنها عملت لي شيئاً من السحر، وأكثر من شيخ يقول لي: أنت مسحورة، وقررت عدم الذهاب إليها ولا الكلام معها؛ صرت أخاف على زوجي وبناتي منها.

الآن أبي غضبان مني لأنني ما أزورهم في بيتهم، ويقول لي: ” أنت عاقة “، أنا خائفة أني أخسر أبي وأنه يغضب عليَّ، وأنا أريد رضا الوالدين والجنة، وأيضا أخاف على بيتي وأولادي، هل يجوز أن أقاطع أبي ولا أزوره في بيته؟ مع العلم أني أتصل عليه كل يوم، لكن هو يريدني أزوره.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحكم على شخص بعينه أنه قام بالسحر لا يجوز إلا بدليل بيِّن، كالإقرار، أو الشهادة عليه من ثقة بأنه فعل ذلك، ولا يحل إلقاء التهم جزافًا على الآخرين استدلالًا ببغض منه أو منافسة، بل لا بدَّ من بيِّنة شرعيَّة.

* قال الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

المبتلى بالسحر، أو بما يظن أن سحر، لا طريق إلى اكتشاف الساحر الذي سحره أو دبره له السحر إلا بإقراره، أو ببينة تشهد بأن فلانا عملا سحراً لفلان، أو سعى إلى من يسحره، وأما مجرد الظنون، والقرائن الضعيفة : فلا يجوز أن يعوّل عليها، فلا يجوز أن يعتمد على هذه الظنون والأوهام بلا برهان تؤدي إلى ظلم المتهم، كما لا يجوز الاعتماد في هذا على أخبار الجن الذين في بعض المصروعين، كما لو قال بعضهم إنه مربوط بسحر من فلان أو فلان؛ فإن الجن الذي في الملموس فاسق أو كافر، فلا يجوز تصديقه إذا قال: إن فلانًا عمل سحرًا لفلان، فإن قوله ليس بحجة، فالواجب الحذر من الانسياق مع الظنون وأقوال فسقة الجن، أو السحرة، فإن من السحرة من يخبر بمحل السحر وبمن قال به وهو يعتمد في ذلك على أخبار الشياطين، أو يكون كذاباً يقول ذلك من عند نفسه، وعلى كل حال فالجزم بتعيين الساحر بأنه هو الذي قام وعمل السحر لذلك المبتلى من أصعب الأشياء ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

http://208.43.7.207/index2.php?option=com_ftawa2&task=view&id=2132&pop=1&page=

وعليه: فاتهامك زوجة والدك بأنها سحرتك أو أعانت على سحرك: مما لا يجوز لك ادعاؤه إلا أن تقرَّ بأنها هي من فعلت ذلك، أو يشهد عليها الشهود الثقات أنها سحرتك، وقد يكون قولها بأنها تعمل السحر من باب حماية نفسها كونها غريبة في بلد غريب، وأما انتشار السحر في المغرب فلا يُنكر، لكن هذا لا يعني أن كل واحد منهم ساحر!.

 

ثانيًا:

وقد يكون ما تعانين منه ليس هو من آثار السحر، فقد لا تكونين مسحورة أصلاً، وإنما هي أعراض أمراض بدنية أو نفسية، فعليك – قبل كل شيء – فحص نفسك عند طبيبة موثوقة لتقفي على حقيقة الحال من حيث الأمراض العضوية، ثم إن لم تكوني مريضة ببدنك فليس لك الجزم أنك مسحورة، بل قد تكون هذه آثار عين حاسدة.

 

ثالثًا:

وإذا كنتِ فعلًا مسحورة – ويتبين هذا بقراءة أخت موثوقة الرقية الشرعية – فإنه لا ينفعك هجران والدك وعدم زيارته؛ لأن الأمر وقع وانتهى – ولا نظنه كذلك .

وإن كنتِ غير مسحورة – وهذا ما نظنه – فبإمكانك زيارة والدك من غير خوف ولا وجل من زوجته؛ لأنه بإمكانك اتخاذ سبُل الوقاية من السحر بأمرين: أحدهما حسي والآخر معنوي، أما الحسِّي: فهو التصبح بسبع تمرات تأكلينها على الريق يوم زيارتك والدك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفعالية هذا الأمر للوقاية من السحر.

عَن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ).

رواه البخاري ( 5130 ) ومسلم ( 2047 ).

وأما الأمر المعنوي: فهو قراءة الأذكار الشرعية والتي يحفظ الله تعالى بها عباده الذاكرين بها.

 

وما قلناه لكِ يدخل معك فيه وزوجك وأولادك، فيتصبح من أراد الذهاب معك لوالدك بسبع تمرات على الريق، ويقرءون الأذكار الشرعية، ثم تستعينون بالله ربكم في دفع أذى أهل الشر والسوء.

كما أنه بإمكانك زيارة والدك في وقت لا تكون فيه زوجته موجودة عنده، ويمكن التنسيق مع والدك بهذا الشأن، فتجمعين بذلك بين زيارته وبين البُعد عن المشكلات مع زوجته ومنها.

وبكل حال: نرى أن تحرصي على زيارة والدك إن أذن لك زوجك، وتتخذين سبل الوقاية من شر زوجته وكيدها، ولا تقطعي الصلة مع والدك ولتظلي مواصلة لبره والإحسان إليه بالقول والعمل.

ولا يجوز لوالدك إجبارك على برِّ زوجته والإحسان إليها؛ فهي ليست من أرحامك ولا من أقربائك.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكِ لما فيه رضاه، وأن يشفيك شفاء لا يغادر سقمًا، وأن يهدي زوجة والدك لطاعة ربها والعمل لمرضاته.

 

والله أعلم.

 

الاستهزاء متى يكون كفرًا مخرجًا من الملَّة؟ ومتى يكون كبيرة؟

الاستهزاء متى يكون كفرًا مخرجًا من الملَّة؟ ومتى يكون كبيرة؟

السؤال:

إذا قال قائل لشخص ” اقرأ على هذا الجهاز يعمل ” أو ” لأنك قرأت عليه ما عمل ” بقصد الضحك من هذا الكلام, هل يدخل هذا بالاستهزاء في الآيات؟ أم هو استهزاء بالشخص؟ وما الضابط في الاستهزاء حفظكم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الاستهزاء – ويطلق عليه ” الاستخاف ” و ” السخرية ” – منه ما هو كفر أكبر يُخرج من الملة، ومنه ما هو كبيرة من كبائر الذنوب، ومنه ما هو محتمل للحُكمين.

  1. فأما كان منه استهزاء بالله تعالى أو بالقرآن أو بالرسول صلى الله عليه وسلم: فهو كفر مخرج من الملة، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) التوبة/ 65،66.

* وقد أجمع على ذلك أهل العلم بلا خلاف يُعرف بينهم.

  1. وأما ما كان منه استهزاء بذات الأشخاص وأفعالهم الدنيوية المجردة: فهو فسق، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وفيه يقول تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنّ ) الحجرات/11 .
  2. وأما المحتمل لكونه كفرًا مخرجًا من الملة ولكونه كبيرة من كبائر الذنوب: فهو الاستهزاء بالمسلم بتدينه وهيئته الموافقة للسنَّة، فإن كان الاستهزاء لذات الشرع الملتزم به ذلك المسلم: فقد رجع الاستهزاء لله تعالى المشرع وللرسول صلى الله عليه وسلم المبلِّغ، فيكون كفرًا مخرجًا من الملة، وإن كان الاستهزاء يرجع لذات المسلم لأنه – مثلًا – ليس أهلًا لأن يُظهر أنه متدين، أو لأنه يبالغ أو يتشدد في تطبيق السنَّة بما لم تدل عليه النصوص: فيكون الاستهزاء هنا كبيرة؛ لأنه لا يرجع على إحدى الأمور الثلاثة التي يكفر المستهزئ بها، وإنما هو عائد إلى ذات الشخص نفسه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل من يستهزئ بالدين بأن يسخر من اللحية أو من تقصير الثياب هل يعد ذلك من الكفر؟.

فأجاب:

هذا يختلف إذا كان قصده الاستهزاء بالدِّين: فهي ردة، كما قال تعالى ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ).

أما إذا كان يستهزئ من الشخص نفسه بأسباب أخرى من جهة اللحية أو من جهة تقصير الثياب، ويعني بذلك أنه متزمت، وأن يستهزئ بأمور أخرى يشدد في هذا أو يتساهل في أمور أخرى يعلم أنه جاء بها الدين، فليس قصده الاستهزاء بالدين، بل يقصد استهزاءه بالشخص بتقصيره لثوبه أو لأسباب أخرى.

أما إذا كان قصده الاستهزاء بالدين والتنقص للدين: فيكون ردة، نسأل الله العافية .

* وسئل – بعدها -:

إن كان يقول: أنا أقول ذلك للناس من باب الضحك والمزاح؟.

فأجاب:

هذا لا يجوز، وهذا منكر وصاحبه على خطر، وإن كان قصده الاستهزاء بالدين: يكون كفرًا. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 365 ، 366 ).

وعليه:

فإذا كان استهزاء المتكلم بما جاء في السؤال بذات الرقية: فهو كفر مخرج عن الملة؛ لأن الاستهزاء عاد إلى الله تعالى المتكلم بالقرآن وإلى القرآن نفسه، والاستهزاء بأحدهما كفر مخرج عن الملة، فكيف بهما مجتَمعين؟! وأما إن كان الاستهزاء بالشخص نفسه وأنه ليس أهلاً للرقية، أو أنه يدعي أنه يعالج بالقرآن وحقيقته ليست كذلك: فيرجع الاستهزاء هنا بالشخص نفسه، ولا يكون كفرًا بل كبيرة من كبائر الذنوب.

ونحذر المسلمين جميعًا من الوقوع في هذا الذنب العظيم، وما أكثر ما يقع من الناس استهزاء بالشرع أو حملته، وهو ما يؤدي بهم إلى الوقوع في الكفر أو القرب من الوقوع، وليُعلم أن إضحاك الناس وعدم قصد الانتقاص من الشرع ليس بعذرٍ في عدم التكفير؛ لأن الاستهزاء كفر أكبر مخرج من الملة بذاته من غير نظر إلى قصد الشخص، وهذا في حال كون الاستهزاء بالله أو رسوله أو القرآن؛ فالاستهزاء منافٍ للإيمان بكل حال سواء كان بالقلب أو باللسان.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الاستهزاء بالقلب والانتقاص ينافي الإيمان الذي في القلب منافاة الضد ضده، والاستهزاء باللسان ينافي الإيمان الظاهر باللسان كذلك.

” الصارم المسلول ” ( ص 375 ).

وليُعلم أن الجالس مع ذلك المستهزئ إن لم يُنكر عليه فعله، بل شارك بالسكوت أو الضحك: فإنه شريك له في الجرم والحكم، وفي ذلك يقول تعالى ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) النِّسَاء/ 140.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم الجلوس معهم في المكان الذي يُكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها، وأقررتموهم على ذلك: فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 435 ).

 

والله أعلم.