الرئيسية بلوق الصفحة 215

لم يكن يعلم بوجوب غسل الجنابة فهل يعيد الصلوات؟

السؤال:

لم أكن أعلم بوجوب الغسل من الجنابة للصلاة، فهل عليَّ إعادة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على كل مسلم ومسلمة تعلم الأحكام الشرعية وخاصة المتعلقة بما قد كلفه الله به ويستطيع القيام به، فمن ملك المال وجب عليه تعلم أحكام الزكاة، ومن عمل في التجارة وجب عليه تعلم أحكام البيع والشراء، وعلى الجميع تعلم أحكام الطهارة والصلاة، وقد يسَّر الله تعالى طرق طلب العلم، فلم يعد للكثيرين حجة في عدم العلم إلا التقصير.

وبخصوص المسألة عينها: وهو عدم العلم بوجوب الغسل من الجنابة، وأنه قد صلَّى صلوات كثيرة وهو على هذه الحال: فالجواب أنه معذور في تلك الصلوات من حيث أداؤها من غير طهارة، وقد لا يُعذر في تقصيره في معرفة الحكم، وعليه إعادة الصلاة التي يبلغه الحكم وهو في وقتها.

* والدليل على هذا الحكم:

  1. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثًا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا وافعل ذلك في صلاتك كلها. رواه البخاري ( 724 ) ومسلم ( 367 ).
  2. عن عبد الرحمن بن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.

رواه البخاري ( 331 ) ومسلم ( 368 ).

ففي الحديث الأول وهو ما يسمى ” حديث المسيء في صلاته ” لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما فات من الصلوات مع أنه ترك أركانًا فيها، وهي باطلة بنص قوله صلى الله عليه وسلم ” لم تصلِّ “، وكان قد تركها جهلًا بركنيتها، ولم يعذره فيما صلاه أمامه لإمكانية أدائه في الوقت.

وهكذا الحكم نفسه في الحديث الثاني فقد ترك عمر بن الخطاب رضي الله الصلاة لعدم علمه بوجوب التيمم لمن فقد الماء، وخالف عمار بن ياسر رضي الله عنه طريقة التيمم للعذر نفسه، ولم يأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما تركاه من الصلوات.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله -:

… وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص، مثل: أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص: فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد.

ونظيره: أن يمس ذَكَره ويصلى، ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر.

والصحيح في جميع هذه المسائل: عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا }، فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيءٍ معيَّنٍ: لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعمَّارًا لما أجْنبا فلم يصلِّ عمر وصلَّى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أيامًا لا يصلي، وكذلك لم يأمر مَن أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر مَن صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء.

ومن هذا الباب: المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان، أحدهما: لا إعادة عليها – كما نقل عن مالك وغيره –؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ” إني حضت حيضةً شديدةً كبيرةً منكرةً منعتني الصلاة والصيام ” أمرها بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي.

وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي مَن يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: صلِّي، تقول: حتى أكبر وأصير عجوزة! ظانَّة أنه لا يخاطَب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها، وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات سواء قيل: كانوا كفَّارًا أو كانوا معذورين بالجهل …” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 101 ، 102 ).

 

والله أعلم.

على من تكون زكاة الأرض المستأجرة للزراعة؟

السؤال:

رجل يستأجر أرضًا زراعية، هل الزكاة تستحق على المالك أم على المستأجر؟ وإذا كانت على المستأجر فهل الزكاة على المحصول بالكامل أم على المتبقي من المحصول بعد دفع الإيجار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مالك الأرض إن زرعها بنفسه: فزكاة ما يخرج منها عليه، وإن منحها وأعارها لغيره ليزرعها: فزكاة ما يخرج منها على الزارع.

واختلف أهل العلم في الأرض المستأجرة هل تكون الزكاة على المالك أم على المستأجر الذي يزرعها، فذهب الجمهور إلى وجوبها على المزارع، وذهب الحنفية إلى وجوبها على المالك.

* قال ابن حزم:

ولا زكاة في تمر, ولا بر, ولا شعير: حتى يبلغ ما يصيبه المرء الواحد من الصنف الواحد منها خمسة أوسق; والوسق ستون صاعًا; والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم. والمد من رطل ونصف إلى رطل وربع على قدر رزانة المد وخفته, وسواء زرعه في أرض له أو في أرض لغيره بغصب أو بمعاملة جائزة, أو غير جائزة, إذا كان النذر غير مغصوب, سواء أرض خراج كانت أو أرض عشر.

– وهذا قول جمهور الناس, وبه يقول: مالك, والشافعي, وأحمد, وأبو سليمان.

– وقال أبو حنيفة:

يزكى ما قل من ذلك وما كثر, فإن كان في أرض خراج فلا زكاة فيما أصيب فيها , فإن كانت الأرض مستأجرة فالزكاة على رب الأرض لا على الزارع.

” المحلى ” ( 4 / 47 ).

وقد ردَّ الأئمة على قول الحنفية وبيَّنوا أن الزكاة حق الزرع وليس حق الأرض كما يقول الحنفية.

* قال ابن قدامة المقدسي:

ومن استأجر أرضًا فزرعها, فالعشر عليه دون مالك الأرض، وبهذا قال مالك, والثوري, وشريك, وابن المبارك, والشافعي, وابن المنذر.

* وقال أبو حنيفة:

هو على مالك الأرض; لأنه من مؤنتها, فأشبه الخراج.

ولنا: أنه واجب في الزرع, فكان على مالكه, كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة, وكعشر زرعه في ملكه, ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الأرض؛ لأنه لو كان من مؤنتها لوجب فيها وإن لم تزرع, كالخراج, ولوجب على الذمي  كالخراج, ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع, ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة. ” المغني ” ( 2 / 313 ، 314 ).

وهو ما رجحه الشيخ ابن عثيمين في ” الشرح الممتع ” ( 6 / 88 ).

ثانيًا:

وبما أن الزكاة حق الزرع: فعليه أن يخرج زكاة زرعه من كامل المحصول إذا بلغ النصاب، وهو خمسة أوسق، والوسَق: ستون صاعًا، وهو ما يعادل 657 كيلًا.

وليس للمزكي أن يخصم أجرة الأرض ولو كان بعد بيع الزرع – جهلًا أو خطأً أو تأولًا – قبل أداء الزكاة.

والصحيح من أقوال أهل العلم هو عدم خصم أية تكاليف ينفقها المزكي على أرضه.

* قال ابن حزم:

ولا يجوز أن يعد الذي له الزرع أو التمر ما أنفق في حرث أو حصاد, أو جمع, أو درس, أو تزبيل أو جداد أو حفر أو غير ذلك -: فيسقطه من الزكاة وسواء تداين في ذلك أو لم يتداين, أتت النفقة على جميع قيمة الزرع أو الثمر أو لم تأت, وهذا مكان قد اختلف السلف فيه … – وذكر الخلاف ثم قال:- قال أبو محمد:

أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التمر والبر والشعير: الزكاة جملة إذا بلغ الصنف منها خمسة أوسق فصاعدًا; ولم يسقط الزكاة عن ذلك بنفقة الزارع وصاحب النخل; فلا يجوز إسقاط حق أوجبه الله تعالى بغير نص قرآن ولا سنة ثابتة، وهذا قول مالك, والشافعي, وأبي حنيفة, وأصحابنا.

” المحلى ” ( 4 / 66 ).

 

والله أعلم.

كيف يتصرفون في أموال التأمينات بعد وفاة أبيهم؟

السؤال:

بعد وفاة زوجي أصبح يدخل لنا مبلغ من المال من ” الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات “، فاحتكمنا في هذا المال لأهل العلم، فمنهم من قال: هذا المال يوزع توزيعًا شرعيًّا لأنه بمثابة إرث سببه المتوفى، ومنهم من قال يوزع كما تنص عليه اللوائح الخاصة بالتأمينات؛ وذلك لأنه بمثابة اتفاق صار بين المتوفى وتلك الهيئة، فرجعنا بالرد الأخير لعلماء الرأي الأول فقالوا: إن التأمين في الوظائف الحكومية شيء إجباري وليس من حق الموظف إلغاؤه، والآن تقوم المشاجرات بيني وبين أولادي في هذا الأمر، فماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

عقود التأمين والتأمينات قائمة على الغرر والميسر، ولا يجوز للمسلم الاشتراك بها طواعية، فإن أجبر على الاشتراك، واقتطع من راتبه جزء كل شهر لهذا الغرض: فليس له إلا ما اقتطع منه دون ما يزيد عليه.

فإذا انتهى من وظيفته أو خرج منها: أخذ ما اقتطع منه، وتصرف في الباقي في وجوه الخير المختلفة، وهكذا لو مات هذا الموظف، فإنه لا يحل لورثته الاستفادة مما يقبضونه من تلك المؤسسات إلا بقدر ما اقتطع من راتب والدهم.

وما يأخذونه منهم كل شهر فإنه يقسَّم وفق الشرع على حسب حصة كل واحد منهم من الميراث، لا وفق اللوائح الخاصة بتلك الأنظمة، فالشرع حاكم عليهم وليس العكس.

 

والله أعلم.

كيف يتجنب سرعة الغضب؟

السؤال:

أنا إنسان سريع الغضب، لا أملك نفسي عند النقاش مع جميع من أناقشه حتى أبواي. أرشدني إلى الطرق والأساليب التي أتجنب بها سرعة الغضب، جزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله عليكَ بر والديك والإحسان إليهما بالقول والفعل، وحرَّم عليك إيذاءهما بالقول والفعل، حتى لو كان ذلك بأدنى شيء.

قال الله تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء / 23 ، 24 ].

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب، ومعناه: البعد الأسباب التي تؤدي إليه، والاحتراز مما يترتب عليه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ” لا تغضب “، فردد مرارا، قال: ” لا تغضب “.

رواه البخاري ( 5765 ).

والغضب للنفس ولغير الله من سوء الأخلاق، وهو مذموم، ويترتب عليه ما يندم عليه صاحبه إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما في كليهما.

* قال ابن مفلح الحنبلي:

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما يعرف الحلم ساعة الغضب، وكان يقول: أول الغضب جنون، وآخره ندم، ولا يقوم الغضب بذلِّ الاعتذار، وربما كان العطب في الغضب، وقيل للشعبي: لأي شيء يكون السريع الغضب سريع الفيئة، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة؟ قال: لأن الغضب كالنار فأسرعها وقودًا أسرعها خمودًا. ” الآداب الشرعيَّة ” ( 1 / 183 ).

وإذا تملَّك الإنسانُ الغضبَ فليذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يوجه الحديث له مباشرة، وليتذكر إيجاب الله تعالى عليه الإحسان إلى والديه وتحريم الإيذاء لهما كأنه يسمعه منه مباشرة.

ولتسكين الغضب – إذا وقع – أسباب، يمكن لمن عمل بها أن يعالج نفسه منه ومن آثاره، وقد ذكر الإمام الماوردي جملة طيبة منها.

* قال الماوردي:

واعلم أن لتسكين الغضب إذا هجم أسبابا يستعان بها على الحلم منها:

  1. أن يذكر الله عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه, ويبعثه الخوف منه على الطاعة له, فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه، فعند ذلك يزول الغضب.

قال الله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } قال عكرمة: يعني إذا غضبت، وقال الله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ومعنى قوله { ينزغنك } أي: يغضبنك, { فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } يعني: أنه سميع بجهل من جهل, عليم بما يذهب عنك الغضب.

وقال بعض الحكماء: من ذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله، وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك, وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني، فعفا عنه لما ذكَّره قدرة الله تعالى.

  1. ومنها: أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها, فيزول عنه الغضب بتغير الأحوال والتنقل من حال إلى حال.

وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو شتم، وكانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم.

  1. ومنها: أن يتذكر ما يئول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام.

وكتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: إن كلمة منك تسفك دمًا وأخرى منك تحقن دمًا, وإن نفاذ أمرك مع كلامك, فاحترس, في غضبك, من قولك أن تخطئ, ومن لونك أن يتغير, ومن جسدك أن يخف, فإن الملوك تعاقب قدرة, وتعفو حِلمًا، وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز, وعلى من تملك لؤم، وقال بعض الأدباء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر.

  1. ومنها: أن يذكر ثواب العفو, وجزاء الصفح, فيقهر نفسه على الغضب رغبة في الجزاء والثواب, وحذرًا من استحقاق الذم والعقاب، وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى ابن الأشعث: إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو، وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلامًا فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا انصرف رحمك الله.
  2. ومنها: أن يذكر انعطاف القلوب عليه, وميل النفوس إليه, فلا يرى إضاعة ذلك بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما ازداد أحدٌ بعفوٍ إلا عزًّا “، وقال بعض البلغاء: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام, ولا من شروط الكرم إزالة النعم.

” أدب الدنيا والدين ” ( ص 258 – 260 ) باختصار.

 

والله الموفق.

حكم شراء أسهم شركة الراجحي

السؤال:

بنك الراجحي يمتلك أسهمًا، هل يجوز أن أشتري منه أسهمًا على أن يقوم بتقسيطها علي وأبيع أنا الأسهم على من يشتريها في نفس الحال؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نعم، يجوز لك أن تبيع ما تشتريه من سلع عينية أو أسهم تجارية مباحة، لكن بعد أن تدخل في ملكك، وإذا كان الشراء بالأقساط فإنه يجوز لك أن تبيعها نقدًا بشرط أن لا يكون البيع على البائع الأول نفسه، وهو ما يسمى ” بيع العِينة “.

* وقد جاء في قرار للمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي قولهم:

إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف – أي: على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع – بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة): غير جائزةٍ شرعًا لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلِّمه في الموعد، وهذا منهيٌّ عنه شرعًا لما صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ” لا تبع ما ليس عندك “، وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم “.

” فتوى لمجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ” ( مكة ) القرار الأول، الدورة السابعة.

ومصرف الراجحي قد زكّاه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وجمْع من أهل العلم.

* سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:

يوجد لدي مال في مؤسسة الراجحي للصرافة والتجارة منذ ثلاث سنوات، وأخاف أن هذا المبلغ يتعامل فيه بالربا، رغم أنني لا آخذ فائدة وإذا وضعته في منزلي أخاف عليه من السرقة، أفيدوني ماذا أعمل أفادكم الله وجزاكم الله خيرًا؟.

فأجاب:

لا حرج عليك في وضع مالك في ” مصرف الراجحي ” أو ” السبيعي ” أو أمثالهما ممن لا يعامل بالربا، وعليك إخراج الزكاة عن هذا المال المودع كلما حال عليه الحول إذا كان نصابًا أو أكثر.

أما البنوك الربوية: فلا يجوز إيداع الأموال فيها إلا عند الضرورة؛ لأن وضعه فيها فيه شيء من التعاون معهم على الربا، وإن كنت لا تقصد ذلك، لكن إذا دعت الضرورة إلى ذلك: فلا حرج في وضع المال فيها بدون فائدة لقول الله عز وجل: { وَقَد فصَّل لكُم ما حرَّمَ عليكُم إِلاَّ ما اضطُرِرتُم إليه } [ الأنعام / 119 ].

وعليك إخراج زكاته كلما حال عليه الحول إذا كان نصابًا كما تقدم.

” فتاوى الدعوة ” ( 2 / 194 ).

 

والله أعلم.

زوجها لا يعطيها إلا النفقة ويعيش بعيدًا عنها فهل تطلب الطلاق؟

السؤال:

طلقتُ مرتين، الأولى: بسبب طلبي من زوجي أن يجعل لي ولأبنائي ولو يومًا في الشهر يجلس بيننا بعيدًا عن رغباته ورغبات أهله، والثانية: بسبب حبه لأخرى وإهانته لي أمام أبنائي وتفضيله لها علي وعدم مراعاة شعوري وشعور أبنائي وهو يبثها حبه وغرامه عبر الهاتف على مرأى ومسمع مني دون زواج، والآن سافر وتركني وحدي مع أبنائنا ولا يربطنا به سوى المصروف الذي يرسله عن طريق أهله.

وسؤالي هو: هل لو طلقت سيعوضني الله خيرًا وسيغنيني من فضله وسيعوضني عما رأيته من ظلم مع هذا القاسي أم سيكون عدم رضًا بقضاء الله؟ وهل من حقي أن يكون لي زوج أعيش معه في مودة ورحمة وسكن أم أرضى وأعيش عيشة الذل أنا وأبنائي من أجل المصروف الشهري الذي يرسله كل شهر عن طريق أهله زيادة في إهانتي وذلي؟ وهل أعتبر صابرة أم ضعيفة ومنكسرة لأنني رضيت بهذه الحياة طوال 11 عاما خوفا من كلمة الطلاق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أباح الله التعدد للرجل، ونهاه عن الظلم، فإن رغب الزوج في التعدد فإما أن يمسك الأولى بمعروف أو يسرحها بإحسان، ولا يحل له أن يبقيها في عصمته مع هجره لها، وعدم إعطائها حقوقها، ولا يحل له أن يفرِّط في رعاية وتربية أبنائه، فلم يشرع التعدد لهدم البيوت بل لبنائها وتكثيرها.

وهذا الهجر والتفريط يحرمان عليه في حال أن يقترن بأخرى وفق الشرع، فكيف يكون الحكم لو كان هجره وتفريطه بسببٍ غير شرعي كالعلاقات المحرمة، والسهرات الفاسدة؟.

ثانيًا:

وللزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا لم يمكنها الصبر على سوء خلقه، وليس هذا من عدم الرضا بقدر الله تعالى، بل في بعض الأحيان قد يحرم البقاء مع زوج يرتكب الكبائر ولا يُؤمن جانبه على أولاده، وبما أن الطلاق مشروع، بل قد يجب أن تطلبه أحيانًا، فلا وجه للظن بأن هذا يخالف الإيمان بالقدر؛ لأن الله تعالى يقدر الزواج ويقدر الطلاق.

ومن حق الزوجة أن تعيش مع زوجٍ يعاشرها بالمعروف، وأن تحظى بزوج تسكن إليه ويكون لباسًا لها، ويكون بينها وبينه مودة ورحمة، وهو ما لأجله شُرع الزواج، وإن أي فقدٍ لشيء مما ذكرنا فهو مخالف للحكمة التي من أجلها شرع الزواج.

ومن هنا كان الواجب على الزوج أن يختار صاحبة الدِّين، وعلى الأولياء أن يزوجوا مولياتهم من أهل الدِّين والخلق؛ لأن البيت المسلم إذا قام على شرع الله تعالى فإنه لا يُرى فيه ظلم وتعد، فإن كرهت زوجها لسبب شرعي خالعته، وإن كرهها طلقها وأعطاها حقوقها كاملة، فإما أن يمسك بمعروف أو يسرِّح بإحسان.

وإذا حصل الطلاق فقد يقدِّر الله تعالى لها زوجًا صالحًا، كما قال تعالى: { وَإِنْ يَتَفرَّقا يُغْنِ الله كلًّا مِن سَعَتِه }.

ثالثًا:

ومن النساء من تصبر على زوجها لاحتمال أن يصلح الله حاله، أو من أجل أن يبقى على اتصال بأولاده رعاية وتربية وإنفاقًا، فإن طالت المدة ولم يُصلَح حاله، أو أنه أساء كثيرًا لزوجته وأولاده، وعندها ما يكفيها للنفقة على نفسها وأولادها: فلا وجه لبقائها في عصمته، بل تخلصها منه هو الصواب لتعيش حياة أكرم وأفضل، ولتربِّي أبناءها على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وعليكِ أن تحاسبي نفسك، وأن تتوبي إلى الله سبحانه مما قد صدر منكِ من سيئات أو أخطاء في حق الله، أو في حق زوجك، أو في حق غيره، فلعله إن يكون ما حصل معك عقوبة لمعاصٍ اقترفتِها فالله تعالى يقول: { وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبةٍ فَبِمَا كَسَبت أَيْديكُم وَيعْفو عَنْ كَثِيرٍ }.

 

والله أعلم.

حكم تزويج البنت من قبل خالها مع وجود أمّها وعصبتها

السؤال:

تقدمت لفتاة منذ 5 سنوات، وقد ربطني بها رباط من الله، وهي أخت أحد زملائي، فوافقت الفتاة ورفض الأب والأم، وهي فتاة ذات خلق ودين، وأنا – والحمد لله – أتمتع بسمعة طيبة جدًّا – ولا نزكي على الله أحدًا – وحرصًا على حصولي على الزوجة الصالحة والتي اختارها قلبي أيضًا طلبت من كثير من المقربين إلى أسرتها التدخل للإصلاح، ولم يحدث إلى أن توفي والدها وأصبح أمرها في يد أمها، فطلبتها مرة أخرى فرفضت ودون أدنى سبب كما حدث قبل ذلك كثيرًا، وقد حاول إقناعها الكثيرون – جميع إخوة الأم الذكور والإناث وهم 11 شقيقًا، وجميع أعمام وعمات الفتاة وهم 4، وكذلك أزواج الخالات والعمات وكل من يسأل عني والحمد لله يذكر كل خير – ولم تكن لها مبررات حتى ولو غير منطقية أو شرعية فقرر ثاني أكبر أخ للأم ( الخال ) أن يزوجنا لو استمر رفض الأم الغير مسبب، وخاصة أن الفتاة والحمد لله تتمسك بالارتباط بي أكثر، وقد عرض هذه الفكرة على العم فلم يعترض ولكن رفض الدخول في مشاكل مع الأم، وقد زوجني الخال الأسبوع الماضي من هذه الفتاة وكان في حضور الخال والخالات وأزواج الخالات وبعض المقربين، ولكن قد تم كل هذا دون علم الأم على أن يتولى الخال إبلاغها وتحمل تبعات الموقف، وسؤالي: هل العقد صحيح رغم اكتمال جميع شروطه؟ هل وكالة الخال رغم أنه رحم وليس عصبًا تجوز؟ رغم رفض العم خوفًا من المشاكل التي قد تحدث له من أمها وليس رفض الزواج ذاته من الفتاة؟ هل تسببت أنا في أن تكون الفتاة عاقة لأمها؟ وهل هذا عقوق للأم؟ السؤال الآخر ماذا يحل للعاقد من زوجته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولى الناس بتزويج المرأة هم عصبتها، وهم أقارب الرجل من جهة أبيه، ولا يكون أقارب الرجل عصبة له حتى يكونوا من الذكور، ويُدلوا إلى الميت بالذكور، وهم الذين يسمون ” العصبة بالنفس “.

وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا ولاية لغير العصبة  بالنفس، فإن عدموا: انتقلت الولاية إلى السلطان، وخالفهم أبو حنيفة فذهب إلى أن الولاية تنتقل إلى بقية الأقارب حسب قوة قرابتهم، فتنتقل عنده إلى الأم والبنات وبنات الابن والأخوات وسائر الأرحام.

ولا توجد نصوص تدل على الأولى بالولاية، ولذا اختلف الفقهاء في ترتيبهم للأولى والأقرب، فقد يتفقون وقد يختلفون.

ومن اتفاقهم: تقديم الأب على الجد والإخوة والأعمام، ومن اختلافهم: اختلافهم في أيهم المقدَّم الأب أو الابن، والجد أو الإخوة.

والصحيح أنه لا يقدَّم على الأب أحد لا ابن ولا غيره، ويأتي بعده الجد، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو رواية عن الإمام مالك.

وتقديم الابن على الأب قول ضعيف قاله أبو حنيفة وخالفه فيه بعض الكبار من أهل مذهبه كمحمد الشيباني والطحاوي.

وليس لغير العصبة ولاية كالأخ من الأم، والخال، وعم الأم، والجد أبي الأم، وخالف فيه أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه فجعل كل من يرث بفرض أو تعصيب وليًّا، ومحل ذلك عند عدم العصبات لا مع وجود واحد منهم.

وعليه: فيكون تزويج الخال للمرأة مع وجود أحد العصبات غير شرعي، لكن موافقة العم على الزواج – كما جاء في السؤال – تكفي لصحة العقد، ويكون الخال هو الذي باشر العقد، وعليه: فالعقد صحيح.

وكان الأولى إرضاء الأم لحملها على الموافقة على الزواج، ولا ينبغي أن تحرَم من ابنتها والفرح بها، فعليك إعادة المحاولة معها، وتوسيط من يستطيع التأثير عليها.

 

والله أعلم.

حكم إلقاء السلام أثناء خطبة الجمعة، وهل يجوز للإمام ردّ السلام بصوت منخفض؟

السؤال:

ذهبت لصلاة الجمعة, ولكن كلما دخل مصلٍّ للمسجد ألقى السلام فرد عليه المصلون, حتى من كان يقرأ القرآن أيضًا, وعندما بدأت الخطبة دخل بعض المصلين وألقى السلام, فرد عليه الإمام بصوت منخفض، فهل يجوز ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يجب على من حضر الجمعة أن ينصت للإمام، ولا يجوز له الكلام مع غيره، حتى لو كان الكلام لإسكاته، ومن فعل فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له.

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت “.

رواه البخاري ( 892 ) ومسلم ( 851 ).

ويشمل المنع – كذلك – الإجابة عن سؤال شرعي، فضلًا عن غيره مما يتعلق بأمور الدنيا.

عن أبي الدرداء قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أُبيّ بن كعب فقلت له: يا أُبيّ متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني ثم سألته فأبى أن يكلمني حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أبيٌّ: مالك من جمعتك إلا ما لغوت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته فأخبرته فقال ” صدق أُبيّ إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ “. رواه ابن ماجه ( 1111 ) ، وأحمد ( 20780 ). وصححه البوصيري والشيخ الألباني في ” تمام المنة ” ( ص 338 ).

ومن هنا: فإن القول الصحيح هو وجوب الإنصات للخطيب أثناء خطبته.

* قال ابن عبد البر:

لا خلاف بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها.

” الاستذكار ” ( 5 / 43 ).

– والخلاف في هذه المسألة موجود لكنه ليس قائمًا على شيء معتبر.

* قال ابن رشد – في حكم الإنصات في الخطبة -:

وأما من لم يوجبه: فلا أعلم لهم شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمر قد عارضه دليل الخطاب في قوله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } أي: أن ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات، وهذا فيه ضعف، والله أعلم، والأشبه أن يكون هــذا الحديث لم يصلهم. ” بداية المجتهد ” ( 1 / 389 ).

– ويستثنى من ذلك: الكلام مع الإمام، وكلام الإمام مع المصلي.

عن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه … فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي – أو قال غيره – فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه …

رواه البخاري ( 891 ) ومسلم ( 897 ).

عن جابر بن عبد الله قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين.

رواه البخاري ( 888 ) ومسلم ( 875 ).

ومن استدل بمثل هذه الأحاديث على جواز الكلام مع المصلين، وعدم وجوب الإنصات: فما أصاب.

* قال ابن قدامة:

وما احتجوا به: فيحتمل أنه مختص بمن كلم الإمام, أو كلمه الإمام; لأنه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته, ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم ” هل صلى؟ ” فأجابه، وسأل عمرُ عثمانَ حين دخل وهو يخطب, فأجابه, فتعين حمل أخبارهم على هذا, جمعا بين الأخبار, وتوفيقا بينها, ولا يصح قياس غيره عليه; لأن كلام الإمام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره, وإن قدر التعارض فالأخذ بحديثنا أولى; لأنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصه, وذلك سكوته, والنص أقوى من السكوت.

” المغني ” ( 2 / 85 ).

– واختلف أهل العلم في ” تشميت العاطس ورد السلام “.

قال الترمذي في ” سننه ” – عقب حديث أبي هريرة ” إذا قلت لصاحبك … ” -: اختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس، فرخص بعض أهل العلم في رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب، وهو قول أحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذلك، وهو قول الشافعي. انتهى.

والأرجح: المنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع الأمر بالإنصات لمن تكلم والإمام يخطب، وهو أمر بمعروف واجب، ونهي عن منكر، فهذا أولى بالمنع، والمنع هو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي وإحدى الروايتين عن أحمد.

* قال الشيخ الألباني:

فإن قول القائل: ” أنصت “، لا يعد لغة من اللغو، لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع ذلك فقد سماه عليه الصلاة والسلام: لغوًا لا يجوز، وذلك من باب ترجيح الأهم، وهو الإنصات لموعظة الخطيب، على المهم، وهو الأمر بالمعروف في أثناء الخطبة، وإذا كان الأمر كذلك، فكل ما كان في مرتبة الأمر بالمعروف، فحكمة حكم الأمر بالمعروف، فكيف إذا كان دونه في الرتبة، فلا شك أنه حينئذ بالمنع أولى وأحرى، وهي من اللغو شرعًا.

” الأجوبة النافعة ” ( ص 45 ).

والخلاصة: أن الأظهر في الأدلة هو عدم جواز الكلام مطلقًا أثناء الخطبة، إلا ما استثناه الدليل من الكلام مع الخطيب، أو الرد عليه، أو ما دعت إليه الضرورة كإنقاذ أعمى من السقوط أو ما شابهه، وأن الأظهر هو عدم جواز إلقاء السلام ولا رده ولا تشميت العاطس، وأن هذا هو الأليق بخطبة الجمعة، ولو انشغل الناس بإلقاء السلام ورده أثناء الخطبة لأشغلوا بذلك الخطيب والناس، فكان الأقرب هو المنع من ذلك كله، وهو قول الحنفية.

 

والله أعلم.

حكم قول الإمام ” صلوا صلاة مودع “و ” وجهوا قلوبكم إلى الله “، وحكم الأذان عن طريق التسجيل

س1 /

ما حكم قول الإمام قبل تكبيرة الإحرام ” وجهوا قلوبكم إلى الله “، وأيضًا ” صلوا صلاة مودَع “؟.

س 2 /

ما حكم الأذان بالراديو، يعني: إذا أتى وقت الأذان فتح الراديو فيؤذن بدلًا عن المؤذن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من السنَّة أن يسوِّي الإمام الصفوف بنفسه، وأن يأمر المأمومين بتسوية الصفوف، وقد تنوعت العبارات الواردة في السنَّة، وكلها تأمر المأمومين بتسوية الصفوف، وتحذرهم من مخالفة ذلك، ومما ورد: ” أقيموا صفوفكم وتراصوا “، ” سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة “، ” سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة “، ” أقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة “، ” استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم “، ” أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخَلل “، وغير ذلك من الألفاظ.

ولا حاجة لشيء من هذه الألفاظ وغيرها إذا كان الإمام قد رأى الصفَّ مستويًا.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

لكن لو التفت – يعني الإمام – ووجد الصف مستقيمًا متراصًا، والناس متساوون في أماكنهم، فالظاهر أنه لا يقول لهم استووا، لأنه أمر قد حصل إلا أن يريد اثبتوا على ذلك؛ لأن هذه الكلمات لها معناها، ليست كلمات تقال هكذا بلا فائدة … ” أسئلة الباب المفتوح ” ( رقم 62 ).

ولا نعلم في السنة الصحيحة شيئًا يأمر الإمام به المصلين فيما يتعلق بصلاتهم من حيث الخشوع وتوجيه القلوب إلى الله والصلاة كأنها صلاة مودِّع وما أشبه هذا، فمداومة الإمام على ذلك يُخشى أن يدخل في باب البدعة، ولا بأس أن يقول مثل هذا التذكير لكن أحيانًا دون الاستمرار عليه والالتزام به في كل صلاة.

ولفظة ” وجهوا قلوبكم إلى الله ” لم نجد لها أصلًا، وأما لفظة ” صلِّ صلاة مودِّع ” فقد صحَّت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنها وصية عامة، ولا تعلق لها بما يقوله الإمام قبل تكبيرة الإحرام.

عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه واجمع الإياس مما في أيدي الناس “. رواه ابن ماجه ( 4171 ). وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 401 ).

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صل صلاة مودع كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك وايأس مما في أيدي الناس تعش غنيًّا وإياك وما يعتذر منه “. رواه البيهقي في ” الزهد الكبير ” ( 2 / 210 ). وهو صحيح بشواهده كما قاله الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1914 ).

ثانيًا:

أما الأذان من آلة التسجيل، أو من المذياع، أو من مكان واحد وإرساله عن طريق الأجهزة إلى باقي المساجد: فبدعة محدثة.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

الأذان سنة للصلوات المفروضة، وما حكمه بآلة التسجيل إن كان المؤذنون لا يتقنونه؟.

فأجابوا:

الأذان فرض كفاية بالإضافة إلى كونه إعلامًا بدخول وقت الصلاة ودعوة إليها، فلا يكفي عن إنشائه عند دخول وقت الصلاة إعلانه مما سجل به من قبل، وعلى المسلمين في كل جهة تقام فيها الصلاة أن يعيِّنوا من بينهم من يحسن أداءه عند دخول وقت الصلاة. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

* وسئلوا:

قد سمعت من بعض الناس في الدول الإسلامية أنهم يسجلون بالشريط المذياع أذان الحرمين الشريفين ويضعون المذياع أمام المكبر ويؤذن بدل المؤذن، فهل تجوز الصلاة؟ مع ورود الدليل من الكتاب والسنة، ومع تعليق بسيط؟.

فأجابوا:

إنه لا يكفي في الأذان المشروع للصلوات المفروضة أن يؤذن من الشريط المسجل عليه الأذان، بل الواجب أن يؤذن المؤذن للصلاة بنفسه؛ لما ثبت من أمره عليه الصلاة والسلام بالأذان، والأصل في الأمر الوجوب.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 66 ، 67 ).

* وقد قرر ” مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإسلامي “، الدورة التاسعة – في مكة المكرمة – من يوم السبت لعام 1406هـ ما يلي:

إن الاكتفاء بإذاعة الأذان  في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل، ونحوها: لا يجزئ، ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان المشروع، وأنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقتٍ من أوقات الصلوات، في كلّ مسجدٍ، على ما توارثه المسلمون من عهد نبيّنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن.

 

والله أعلم.

أهل زوجها يغتابونها وإذا كانت عندهم احتفوا بها

السؤال:

أهل زوجي منافقين جدًّا، يحسِّنون الكلام أمامي ثم يغتابونني إذا كنت غائبة، استمعت لهم مرة من الغرفة الثانية وهم يتحدثون عني، هل هناك سورة أقرؤها أو دعاء أقوله إذا سمعتهم يتحدثون عني لأنني كلما نظرت إليهم وجدت القبح في وجوههم، أرجو أن تخبرني بدعاء أقوله لأحمي نفسي من فعل خطأ ما.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الغيبة حرام باتفاق الفقهاء، وذهب بعض المفسرين والفقهاء إلى أنها من الكبائر.

* قال القرطبي:

لا خلاف أن الغيبة من الكبائر, وأن من اغتاب أحدًا عليه أن يتوب إلى الله عز وجل. ” تفسير القرطبي ” ( 16 / 337 ).

واستدلوا بقوله تعالى: { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات / 12 ]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق ” رواه أبو داود ( 4876 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2833 )، وبما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: ذكرك أخاك بما يكره, قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ” رواه مسلم ( 2589 ).

وعلى الأخت السائلة أن تبحث عن الأسباب التي تدعو أهل زوجها للكلام عليها في غيبتها، فقد يكون صدر منها ما يجعلهم يتكلمون عليها، ويكون هذا فرصة لها لتتخلص منها.

أما إن كان سبب غيبتهم لكِ اللهو واللعب والحسد ومجرد احتقار الآخرين من غير سبب فهذا يوجب عليك مصارحتهم ونصحهم، وإيقافهم على قبح فعلهم وعظم معصيتهم، وإعلامهم بتعرضهم لسخط الله سبحانه وتعالى؛ وأن يعلموا أن الغيبة محبطة لحسناتهم يوم القيامة, فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلًا عما استباحه من عرضه, فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه, وهو مع ذلك متعرض  لمقت الله عز وجل, ومشبه عنده بآكل الميتة.

وعليهم – أيضًا – أن يتدبروا في أنفسهم, فإن وجدوا فيها عيبًا اشتغلوا بإصلاحها, وإن كانت الغيبة في عيب أمرٍ خلْقي فالذم له ذم للخالق, فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها, قال رجل لحكيم: يا قبيح الوجه, قال: ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه.

– وإذا لم يجدوا عيبًا في أنفسه فليشكروا الله تعالى.

وأما بالنسبة لكِ فإننا نوصيكِ بنصيحتهم، وكذلك بإبرائهم فقد ذكر النووي في ” الأذكار ” أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئ المغتاب منها, ولا يجب عليه ذلك, لأنه تبرع وإسقاط حق, فكان إلى خيرته، ولكن يستحب له استحبابًا مؤكدًا ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية, ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله سبحانه وتعالى, وقال: إن الصواب هو الحث على الإبراء من الغيبة.

ثانيًا:

ولا نعلم دعاء خاصًّا نوصيك بقوله لدفع غيبة الناس لكِ، لكن يوجد في السنَّة ما هو أعم من هذا.

* قال النووي:

إذا خاف ناسًا أو غيرهم: فالسنَّة أن يقول ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قومًا قال: ” اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ” رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، ويسن أيضًا أن يدعو بدعاء الكرب, وهو ما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: ” لا إله إلا الله – العظيم الحليم, لا إله إلا الله – رب العرش العظيم, لا إله إلا الله – رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ” رواه البخاري ومسلم، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كربه أمر قال: ” يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ” رواه الترمذي والحاكم وقال: إسناده صحيح. ” المجموع ” ( 4 / 278 ).

 

والله أعلم.