الرئيسية بلوق الصفحة 123

التربية الجنسية في الإسلام وفي مدارس الغرب ومناهجه

التربية الجنسية في الإسلام وفي مدارس الغرب ومناهجه

السؤال:

أود أن أستشيركم في أمر هام، وموضوع يشغل بال العديد من الأمهات المقيمات في الدول الغير إسلامية، وذلك حول ماذا يفعلن مع بناتهن وأبناهن الذين تتراوح أعمارهن بين العاشرة والثانية عشر في الأمور الجنسية, التي عرفنها بعد الزواج في الدول الإسلامية؟ ولكن للأسف في الدول الغربية يعطى للأطفال في المدارس مع صور إباحية! اعذروني ربما أطلت عليكم، ولكن المشكلة أن أحدى الأمهات تريد أن تحكي وتشرح لابنتها تفاصيل ما يحدث بين الزوج والزوجة، وذلك في نظرها خير من أن تسمع ابنتها الموضوع من أقرانها في الفصل، وحيث أن المحيط يوثر على الأبناء والبنات، أتمنى الجواب الكافي مع الشرح لهؤلاء الأمهات؟.

وجزاكم الله خيرا على جهودكم.

الجواب:

الحمد لله

أولا: هذا من البلاء الذي أصاب من رضي لنفسه أن يقيم بين أظهر من خالف الفطرة السليمة، وشجَّع على الفاحشة والرذيلة، إن المسلم الذي يقيم بين أظهر أولئك القوم ليدفع ثمنا غاليا جرَّاء ذلك، ويبدو ذلك على دينه ضعفا فيه، وعلى أولاده بُعدا عنه، وها هم الأولاد يشربون ثقافة أولئك القوم شربا، وينغمسون فيها غمسا، ومن نجى منهم من الشارع والجيران: فإنه لم ينج من وسائل الإعلام، ومن نجا منهم من كل ما سبق: جاءته المناهج النظرية والعملية لتقضي على ما تبقى من حياء وعفاف.

ولذا فقد سبق منا التحذير من تلك الإقامات بين أظهر أولئك القوم؛ لما جاء فيها من الوعيد؛ ولما فيها من مفاسد لا تُحصى.

ثانيا: والواجب على الأهل أن يتولوا هم بأنفسهم تدريس أبنائهم ما يتعلق بعلامات البلوغ، والعورات، ومسائل الجنس، ولنا في ذلك نصائح نرجو أن تكون نافعة:

  1. أن يكون ذلك التعليم لتلك المسائل بالتدرج، على حسب سنِّه وفهمه وإدراكه، فيُبدأ مع الصغير في أن العورة لا تظهر لأحد، وأن عليه أن يحافظ عليها، فيسترها ويغطيها، وما يفعله عامة المسلمين من تسمية العورة ” عيبا ” جيد، وفي محله، ويُبنى عليه: عدم التبول وقضاء الحاجة إلا بعيدا عن نظر الناس.
  2. كما أن على الأم أن تراعي مثل هذا الأمر عند غسل عورات أولادها، وتعلمهم من الصغر أن يقوموا هم بأنفسهم.
  3. وعند غسلهم غسلاً كاملاً أن لا تسمح باجتماعهم في الحمام، بل تغسل كل واحدٍ منهم وحده.
  4. وأن تحرص على تغطية عورة أولادها – بنين وبنات – قدر الإمكان، تربية، وتعويدا لهم على الحياء والعفاف.
  5. فإذا كبر الأولاد قليلا يُبدأ معهم بالحديث عن علامات البلوغ، ويكون ذلك بقراءة كتاب فقهٍ ميسَّر، ويتحاشى التفصيل في أول الأمر، حتى يجد الأهل الحاجة لذلك لقرب أولادهم من البلوغ، وتُربط البنت بأمها، والابن بوالده أو أخيه الأكبر للوقوف على تفاصيل ذلك، أو لمراجعتهم حين حصوله، ودخولهم عالم المكلفين.
  6. وعلى الأهل حينئذٍ – أي: بعد بلوغ أولادهم – الإكثار من الحديث عن العفاف، والحياء، والخوف من الله، ووجوب غض البصر عن المحرمات، وإبعادهم عن المهيجات الجنسيَّة، والانتباه لصحبتهم، وقراءاتهم، ومسموعاتهم، ومشاهداتهم، فهذه المرحلة خطرة، وتحتاج لانتباه شديد من الأهل.
  7. ضرورة الانتباه إلى ضرورة التفريق بينهم في المضاجع، كما جاءت بذلك الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة إذا انتهوا من سن العاشرة.
  8. لا بدَّ للأم من التركيز على بناتها بضرورة الحفاظ على عفافهن، وعدم تمكينهن من مصاحبة الشباب، وبعض الساذجات من الأمهات تمكن ابنتها من الاستمتاع المحرَّم، ولا يكون همها إلا غشاء البكارة أن يمزَّق! وهذا غاية في السوء والمنكر من أولئك الساذجات الجاهلات، ومن يستطيع ضبط شهوته وهو في تلك السن إذا وصلت الأمور لمرحلتها الأخيرة؟! بل يشدَّد على عدم المصاحبة، وعدم الملامسة من أجنبي، فضلاً عن خلع الثياب، أو التقبيل، ومن تساهل في هذه المسائل فيوشك لوجهه أن يسودَّ في الدنيا، ويوشك لعرضه أن يُنتهك، ولا ينفع الندم بعدها، فيُجمع لهؤلاء الأهل بين الفضيحة في الدنيا، والوعيد على هذا التقصير في تربية أولادهم في الآخرة، إن لم يتوبوا ويرجعوا لدينهم.
  9. لا ينبغي للأهل – فضلًا عن غيرهم من الأجانب – أن يعلموا أحدا من أولادهم عن كيفية الجماع، إذ لا حاجة لذلك، وفي فعلهم هذا تشجيع لهم على التطبيق العملي، وهو ما تزخر بها مدراس ومعاهد وجامعات أولئك القوم الذين انتكست فطرتهم، وخالفوا أصول التربية، ولا يسمح بهذا التفصيل في التعليم إلا لمن قربت ليلة دخلته، سواء كان ذكراً أم أنثى.
  10. تنبيه الأبناء والبنات لوجود الأمراض المهلكة التي تصيب أصحاب العلاقات المحرمة، والشاذة، وإيقافهم على انتشار ذلك؛ لتخويفهم من أن يصيبهم ذلك إذا سلكوا دربهم، فيجمع الأهل لأولادهم بين تخويفهم من الله تعالى وعقابه، وتخويفهم من مفاسد هذه العلاقات المحرمة على الأبدان.
  11. تحذير الأولاد من ممارسة العادة السرية، وذِكر آثارها على النفس، والبدن.
  12. تربية الأولاد على الاقتداء بالقدوات الحسنة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، من الرجال والنساء، والحط من القدوات السيئة من الممثلين والممثلات، واللاعبين واللاعبات، والمغنين والمغنيات.
  13. ومن أعظم ما ينبغي على الأهل فعله هو: المبادرة إلى تزويج أولادهم بنين وبنات، وعدم تأخير ذلك، ومن العجب اهتمام عموم الأهل بدراسة أبنائهم ودفع تكاليف باهظة من أجلها، ولا يكون من غالبهم أدنى اهتمام بمسألة تزويجهم، وفي الزواج حفظ للفروج، وغض للأبصار.

هذا بعض ما نوصي به الأهل، ولا نرى أن تكون ” التربية الجنسية ” مادة منفصلة تدرَّس في المدارس؛ لما له من أثر سيء في تهييج الشهوة، وما ذكرناه كافٍ، وهي مهمة الأهل ابتداء، ثم أهل العلم في المساجد، والمدرسون في المدارس.

وأما ما يدرَّس في المدارس الغربية في هذا الباب, فهو الشر والقبح والمنكر.

تقول الدكتورة ست البنات خالد – وفقها الله -: تقوم المدارس وبعض الجمعيات في ” أمريكا ” بإعداد برامج لتوعية الأطفال، والمراهقين، بالممارسات الجنسية، وكيفية تجنب الآثار غير المرغوب فيها في حالة الممارسات غير الشرعية، كالحمل! وهي تقوم أساسا على مبدأ حق الطفل في التعرف على جسده، وكيفية إشباع رغباته من جميع النواحي.

ومن المواضيع التي تحتوي عليها هذه البرامج: المعاشرة بين الجنسين، العادة السرية، الإجهاض، كيفية ممارسة الجنس الآمن دون خطر الحمل، أو الأمراض التناسلية بما فيها الإيدز، مساعدة المراهق على تحديد اتجاهه الجنسي – أي تحديد أي الجنسين يفضل أن يعاشر-, العادة السرية كوسيلة للإشباع الجنسي بعد البلوغ، العلاقات الشاذة كبديل مُرضٍ للعلاقات العادية، وهذه المواضيع مدرجة في برامج الثقافة الجنسية المطروحة للتدريس.

أما من سن ( 15 – 18 ) فيضاف لهم المواضيع التالية: من حق النساء أن يقررن إجراء الإجهاض، من حق الناس احترام تعاليم دينهم وتقاليدهم، ولكن هذا لا علاقة له بحقوق المرء الشخصية، عدم وجود دليل على أن الصور الفاضحة تسبب أي إثارة جنسية، خدمة التواصل مع الشريك الجنسي بشأن الاحتياطات اللازمة لكليهما، تعليم المراهقين كيفية الحوار حول هذه العلاقات، والحدود التي يجب التوقف عندها.  انتهى من مقال بعنوان ” موقف الإسلام من التربية الجنسية “.

فهذا ما عندنا، وهذا ما عندهم، وليعلم الأهل أن الله تعالى سائلهم عن أولادهم، فإن فرَّطوا وضيَّعوا: استحقوا الوعيد، وإن أحسنوا التربية: أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة.

وننصح بالاطلاع على كتاب:” يا بني لقد أصبحت رجلا ” للشيخ محمد بن عبد الله الدويش، ففيه بيان طرق المعالجة الشرعية للشهوة عند الأبناء.

 

والله أعلم.

إذا أوتر بواحدة, فأي سورة يقرأ؟.

إذا أوتر بواحدة, فأي سورة يقرأ؟.

السؤال:

أريد معرفة صلاة الوتر ذات الركعة الواحدة, ما الآية التي تقرأ فيها, هل تقرأ سورة سبح اسم ربك الأعلى؟ أم سورة الإخلاص؟ أم سورة الكافرون؟ أم تقرأ الثلاث؟ أرجو الإجابة على إيميلي, مع العلم أني أرسلت لكم ثلاث رسائل في نفس السؤال, ولم تردوا, فأرجو الرد بسرعة, وأرجو إعلامي بالرد وشكرًا.

 

الجواب :

الحمد لله

يجوز الإيتار بركعة واحدة، كما يجوز بثلاث, وخمس, وسبع, وتسع, وإحدى عشرة.

وإذا أوتر الإنسان بواحدة, فله أن يقرأ فيها ما شاء من السور والآيات، كأن يقرأ فيها بالإخلاص، أو بسبح اسم ربك الأعلى، أو يقرأ فيها بسبح والكافرون والإخلاص، أو غير ذلك.

قال ابن حزم في المحلى (2/94): ” ويقرأ في الوتر بما تيسر من القرآن مع أمَ القرآن, وإن قرأ في الثلاث ركعات مع أم القرآن بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد, فحسن, وإن اقتصر على ( أم القرآن ) فحسن, وإن قرأ في ركعة الوتر مع أم القرآن بمائة آية من النساء فحسن, قال تعالى: ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) .

وقال ابن قدامة (1/454): ” ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث, في الأولى بـ ( سبِّح ) , وفي الثانية ( قل يا أيها الكافرون ) , وفي الثالثة ( قل هو الله أحد ) , وبه قال الثوري, وإسحاق, وأصحاب الرأي, وقال الشافعي: يقرأ في الثالثة ( قل هو الله أحد ) , والمعوذتين, وهو قول مالك في الوتر, وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شيء معلوم, وقد روي عن أحمد, أنه سئل, يقرأ بالمعوذتين في الوتر؟ قال: ولم لا يقرأ ” انتهى.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 298 ):

ذهب الحنفية إلى أنه لم يوقَّت في القراءة في الوتر شيء غير الفاتحة، فما قرأ فيه: فهو حسن، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ به في الأولى بسورة ( سبح اسم ربك الأعلى )، وفي الثانية بـ ( الكافرون ), وفي الثالثة بـ ( الإخلاص )، فيقرأ به أحيانا، ويقرأ بغيره أحيانًا للتحرز عن هجران باقي القرآن. انتهى.

– وبهذا تعلم أن الأمر واسع.

 

وللتنبيه: فإن الحنفية لا يرون الوتر بركعة، خلافاً لجمهور الفقهاء، وإنما نقلنا قولهم؛ لأنهم لا يرون ثمة سنَّة مقيدة في الوتر بثلاث، فأولى أن لا يكون في الوتر بواحدة.

وهل ما قاله الأئمة رحمهم الله فيما يُقرأ في ثالثة الوتر ينطبق على الركعة الواحدة لو صلاها وحدها؟.

ابتداء يُقال: إذا كان وقع بين العلماء خلاف في قراءة وتر الثالثة مع وجود أحاديث صحيحة فيها بيان ما يقرؤه المصلي فيها: فأولى أن يقع خلاف بينهم فيما لو كانت صلاته أصلًا ركعة واحدة، وهي لم يرد فيها مثل ما ورد في الثلاث.

– ويمكننا حصر أقوى ما ينبغي أن يقال في قراءة الركعة الواحدة من الوتر في قولين:

  1. الإخلاص، أو الإخلاص والمعوذتان – عند من يصحح حديثهما -.
  2. التخيير، وهذا أكثر ما ورد عن السلف.

* أما القول الأول: فيحتاج إلى تنبيه وتفصيل، فنقول:

إن القراءة في الوتر إذا صُلِّيَ ركعة واحدة فقط: هي نفسها القراءة فيما لو صلَّى المصلي الوتر أكثر من ثلاث ركعات! وبالتفصيل يتضح المقال:

لا يخلو من أراد الصلاة بأكثر من ثلاث ركعات للوتر بأنه يصليها موصولة، أو مفصولة، فقد يصلي خمسا بسلام واحد، وقد يصلي سبعا بسلام واحد، وقد يوتر بإحدى عشر ركعة، يختمها بثلاث مفصولة عن الثماني التي قبلها.

فنقول: إذا صلَّى المسلمُ الوترَ أكثر من ثلاث موصولة: فلا يختم الثلاث بما ورد في السنَّة، بل يقرأ ما يشاء، وإذا ختم وتره بثلاث ركعات – متصلة، أو موصولة -: قرأ الوارد في السنَّة، ومثله يقال في ركعة الوتر الواحدة، فمن صلَّى خمساً أو سبعاً متصلة: فلا يختم الركعة الأخيرة بقراءة الإخلاص – أو مع المعوذتين عند من يصحح حديثهما -، ومن صلَّى الوتر إحدى عشرة ركعة يسلِّم في كل ركعتين ثم يوتر بواحدة: فهذا يقرأ في هذه الركعة ما ورد في السنَّة، ومثله يقال فيمن أوتر بواحدة فقط.

وهذا الذي قلناه – أي: في الوتر بأكثر من ثلاث مفصولة أو موصولة، وقسنا عليه الوتر بواحدة موصولة أو مفصولة -: توقف فيه الهيتمي الشافعي – رحمه الله -، وجعله ” محل نظر “، بينما جزم به ” البلقيني الشافعي – رحمه الله -.

قال الهيتمي – رحمه الله – في ” تحفة المحتاج في شرح المنهاج ” ( 2 / 227 ):

ويسنُّ في الأولى: قراءة ” سبح “، وفي الثانية: ” الكافرون “، وفي الثالثة: ” الإخلاص “، و ” المعوذتين “؛ للاتباع، وقضيته: أن ذلك إنما يسن إن أوتر بثلاث؛ لأنه إنما ورد فيهن.

ولو أوتر بأكثر: فهل يسنُّ ذلك في الثلاثة الأخيرة فَصَلَ، أو وَصَلَ: محل نظر، ثم رأيتُ البلقيني قال: ” إنه متى أوتر بثلاث مفصولة عما قبلها, كثمان, أو ست, أو أربع: قرأ ذلك في الثلاثة الأخيرة، ومن أوتر بأكثر من ثلاث موصولة: لم يقرأ ذلك في الثلاثة، أي: لئلّا يلزم خلو ما قبلها عن سورة، أو تطويلها على ما قبلها، أو القراءة على غير ترتيب المصحف، أو على غير تواليه، وكل ذلك خلاف السنَّة “.

ا هـ.

نعم يمكن أن يقرأ فيما لو أوتر بخمس – مثلا -: ” المطففين ” و ” الانشقاق ” في الأولى، و ” البروج ” و ” الطارق ” في الثانية، وحينئذ لا يلزم شيء من ذلك. انتهى.

والذي نراه أن تعليل البلقيني – رحمه الله – فيه نظر، وقد ردَّ عليه بسهولة الهيتمي – رحمه الله -، وكان اللّائق أن يقول في السبب المانع من القراءة بما ورد في الثلاث إن صلَّى بأكثر منها: بأنه ” إنما ورد فيهن ” وهي عبارة الهيتمي نفسها في أول كلامه.

فالخلاصة إذا:

أن من صلَّى الوتر ركعة واحدة: فمن المحتمل أن يقال إن السنَّة أن تقرأ فيها الإخلاص، أو الإخلاص والمعوذتين، ومحل ذلك فيما لو صلاَّها وحدها غير مسبوقة بشيء، أو كانت مسبوقة بركعتين، أو مسبوقة بعشر ركعات.

وأما القول الثاني المحتمل: فهو أن المصلِّي يقرأ بما يشاء إن صلاها ركعة واحدة، وأنه ليس ثمة سنَّة معينة في قراءة هذه الركعة، وأنه لا قياس على الوتر بثلاث؛ لما سبق بيانه من أنه حتى الثلاث ركعات يختلف حكمها فيما أوتر بخمس أو سبع متصلات، فليست الثلاث ها هنا كالثلاث وحدها، وهكذا يقال في الوتر بركعة واحدة ليس هو الركعة الأخيرة من الثلاث.

وهذا هو الذي عليه الأكثر من أهل العلم:

  1. عن أبي مجلز أن أبا موسى: كان بين مكة والمدينة فصلَّى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها, فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم قدميه، وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي ( 1728 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “، وثمة كلام لبعض أهل العلم في سماع أبي مجلز من أبي موسى، وقد اعتمدنا ها هنا تصحيح الشيخ الألباني.

ورواه أبو داود الطيالسي ( 512 ) بلفظ: ” ثم صلى ركعة قرأ فيها بمائة، من النساء والبقرة “.

ومعنى ” ألَوت “: أي: قصَّرت.

والشاهد منه: صلاته الوتر ركعة واحدة، وقراءته فيها مائة آية من النساء، أو من النساء والبقرة.

  1. عن عبد الرحمن بن عثمان قال: قلت: لأَغلبن على المقام الليلة، فسبقتُ إليه، فبينما أنا قائم أصلى إذا رجل وضع يده على ظهري، قال: فنظرت، فإذا عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وهو يومئذ أمير – فتنحيتُ عنه، فقام، فافتتح القرآن حتى فرغ منه، ثم ركع، وجلس، وتشهد، وسلَّم في ركعة واحدة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين إنما صليتَ ركعةً، قال: هي وتري. رواه ابن أبي شيبة في ” المصنَّف “، والبيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 1 / 404). وصححه ابن كثير في ” فضائل القرآن “( 50 ).

وقد ذكر ذلك عن عثمان – رضي الله عنه الإمام الترمذي -، وضعَّفه عنه الشيخ الألباني:

قال الترمذي:

وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها, وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة. ” سنن الترمذي ” ( 5 / 196).

قال الألباني رحمه الله – معلِّقا -:

أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده بصيغة التضعيف؛ لأن الركعة مهما طالت: لا يمكن أن يُقرأ فيها القرآن الكريم كاملا، فضلا عما في ذلك من مخالفة لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركوع، والسجود، والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك. ” ضعيف سنن الترمذي ” ( 1 / 357 ).

وما ضعفه الشيخ – رحمه الله – معارض بتصحيح غيره كابن كثير – وسبق ، والنووي – وسيأتي -، ولم يبيِّن سبب الضعف، وما ذكره من نكارة المتن, وأنه لا يُقرأ القرآن كاملاً في ركعة: غير صحيح، وليالي الشتاء تطول حتى تسعَ قراءة القرآن كاملًا وزيادة، فما بين العشاء والفجر فيها قد يطول حتى يصل ( 12 ) ساعة، ويستغرق قراءة القرآن كاملًا حوالي ( 8 ) ساعات في المتوسط المعتدل، ثم إن هذا الأمر لم يكن ديدناً لعثمان حتى يعد مخالفة للسنَّة، وقد ثبت عن السلف أنهم ختموا القرآن أكثر من مرة في اليوم الواحد، وهذا لا يعد مخالفاً للسنَّة؛ لأنه لم يكن من منهجهم، ولا من فعلهم الدائم، بل كان ذلك في أوقات فاضلة – كرمضان – تفرغوا فيه للطاعة والعبادة والاعتكاف، ولم يكن ليؤثر على كسبهم، وعلى واجباتهم الدينية والدنيوية.

ويؤيد رواية عثمان في قراءته للقرآن كاملاً في ركعة: ما رواه ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 1 / 403 و 2 / 193 ): عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية, حين دخلوا على عثمان ليقتلوه فقالت: ” إن تقتلوه أو تدعوه: فقد كان يحيي الليل بركعة، يجمع فيها القرآن “. وحسَّنه ابن كثير في ” فضائل القرآن ” ( 50 ).

– وصححه الدكتور عطية الزهراني في تحقيقه لكتاب ” السنَّة ” للخلاَّل ( 2 / 332). إسناده صحيح.

  1. و 4. ومثله ثبت عن تميم الداري – رضي الله عنه-، وعن سعيد بن جبير – رحمه الله-.

فقد روى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 1 / 403 ) عن ابن سيرين: أن تميماً الداري قرأ القرآن كله في ركعة.

وروى في ( 2 / 386 ) عن حماد بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: قرأت القرآن في الكعبة في ركعة.

– وصحح أسانيدها الحافظ ابن كثير في ” فضائل القرآن ” ( 50 ).

وقال النووي – رحمه الله -:

وأما الذين ختموا القرآن في ركعة: فلا يحصون؛ لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان – رضي الله عنه -، وتميم الداري، وسعيد بن جبير. ” الأذكار ” ( ص 102 ).

والخلاصة:

يخيَّر المصلي إذا أوتر بركعة واحدة أن يقرأ فيها بالإخلاص وحدها، أو بالإخلاص والمعوذتين، وهذا له أصل في السنَّة، أو يقرأ ما يشاء، وهذا له أصل في فعل السلف.

 

والله أعلم.

منتسب لجماعة التبليغ ينتقد كلامنا في الموقع على جماعته

منتسب لجماعة التبليغ ينتقد كلامنا في الموقع على جماعته

السؤال:

قرأتُ بعض إجاباتكم في الموقع عن ” جماعة التبليغ “، فتبين لي أن الأجوبة إما منقولة من كتب، أو مسموعة من أناس، وأنا بدوري يا شيخ أقول: ليس من رأى كمن سمع، فلثقتي بالله، ثم بعلمك, أود منك يا شيخ أن تذهب أنت ( بنفسك ) إلى أي من مراكز التبليغ في العالم ( وحبذا الهند أو باكستان ), وتتكلم مع علماء الدعوة والتبليغ هناك, وتسمع منهم بنفسك, فترى الحق بأم عينك، فالدعوة إلى الله على منهاج النبوة, وأحسب التبليغ قد سلكوه, فهو سبب نجاة الأمة وتمكينها، حيث يقومون بعبادة الله، ويقيمون الناس على عبادة الله، وإذا أردت يا شيخ فهناك عندكم أناس فضلاء من أهل ” الشرقية “, مستمرون في الدعوة والتبليغ من سنين، منهم من يُدرس في أحد المعاهد العلمية ( قسم الشريعة )، إذا أردت رقم جواله فهو موجود عندي.

يا شيخ: والذي لا إله غيره, ما قلت هذا الكلام إلا رحمة بنفسي، ثم بالأمة, لأننا ما علمنا أننا مذنبون مجرمون عندما تركنا الدعوة إلى الله, ليس في السعودية فحسب, بل في جميع العالم، وإني على ثقة أنك إذا علمت الحقيقة ستكون من أوائل السائرين في هذا الطريق، والداعين إليه.

– أرجو منك يا شيخ أن تحمل كلامي محمل الجد. وفقك الله يا شيخ.

 

الجواب:

الحمد لله

لنا وقفات معك أخي الفاضل أرجو أن تتأملها جيِّدا:

  1. كل عاقل يقرأ كلامنا عن جماعة التبليغ ويقارنه مع كلامك هذا يجد التعصب منك لجماعتك، والتحزب في عباراتك، بما لا شك فيه، فنحن قد أنصفنا هذه الجماعة، فذكرنا ما لها، وما عليها، وكل حزبي أو متعصب فإنه لا يقبل لأحد الحديث عن أخطاء جماعته وحزبه، ونأسف أن يكون هذا هو حال العاملين للإسلام.
  2. سألنا كبار رجالات التبليغ سؤالا واضحا بيِّنا ” هل أنتم على ثغور الإسلام كلها أم على ثغرة منه؟ ” فكان جواب أولئك الكبار العقلاء: ” نحن على ثغرة منه “، ولو أجاب أحد منهم أو من غيرهم بغير هذا لكان كاذبا، لكن الله تعالى أنطقهم بالحق والصدق، فإذا كان هذا هو الواقع من هذه الجماعة – ونحن نقر لهم به – فلماذا يلومون غيرهم ممن هم على ثغور أخرى من ثغور الإسلام؟ ولماذا يريدون من الناس جميعاً أن يكونوا معهم؟ انظر إلى حالك وكلامك تجد التعصب منه باديا واضحا، فأنت تخاطب مسلما له مواقع في ” الإنترنت “، وله جهود في الدعوة إلى الله، في المساجد، والمدارس، والمعاهد، والجامعات، والسجون، والمذياع، والتلفاز الوطني، والفضائيات العالمية، وموقعنا هذا فيه تسع لغات يصل لأقطار الدنيا: ثم تأتي أنت وتقول بكل تعصب وتحزب:” وإني على ثقة أنك إذا علمت الحقيقة ستكون من أوائل السائرين في هذا الطريق ، والداعين إليه ” !! فهل لا يكون المسلم داعية إلى الله تعالى وإلى الدين إلا بأن يكون من جماعة التبليغ؟! أنصف في الكلام، ولا تشطط في القول والحكم.
  3. وتتمة لما سبق: فإننا نسألك، ونرجو أن تجيب بإنصاف: أين جهودكم في مواقع الإنترنت؟ وأين جهودكم في الفضائيات؟ وأين جهودكم في لجان الزكاة، ورعاية الأيتام والأرامل؟ وأين جهودكم في نصرة المستضعفين في الأرض؟ وأين جهودكم في نصرة المجاهدين لأهل الكفر في البلاد المحتلة؟ وأين جهودكم في التصدي لأهل البدع والضلالات كالرافضة، والقاديانية، والحلولية، وقد ملئوا الدنيا بدعا وضلالات؟!.

أخي الفاضل:

تمهل في الحكم، وتمهل في القول، ليس لكم أية جهود تُذكر في كل ما سبق، فكيف تزعم أنك على الحق المبين، وتريد من كل المسلمين أن يكونوا معكم وإلا فليس هم خدم للدين، ولا دعاة للإسلام؟!.

كن كأولئك الكبار العقلاء من جماعتك، واعترف بالحقيقة، فأنتم لكم جهود مشكورة في الدعوة إلى الله، ونحن نعينكم عليها، ونؤيدكم فيها، ولكن هذا لا يعني تزكية مطلقة، ولا يحل لنا غض النظر عن الملاحظات التي نراها عليكم، والسلبيات التي ننتقدها فيكم.

  1. وقد سألنا بعض رجالات جماعة التبليغ من الكبار العقلاء سؤالا واضحا آخر صريحا: ” هل يحمل أفراد جماعة التبليغ عقيدة أهل السنة والجماع، ينشرونها، ويدافعون عنها، ويردون على من خالفها؟ “، فكان الجواب من أولئك العقلاء:” ليس كذلك، والجماعة أفراد كثيرون ، وليس هذا من منهجنا، ولا نلزم أحدا بعقيدة معينة! “، وهذا هو الواقع، ومن أجاب بغير ذلك: فلن يكون من الصادقين.

فكيف تريد منا الانضمام لجماعة لا تعتقد عقيدة أهل السنَّة والجماعة، ولا تدافع عنها، ولا ترد على مخالفيها؟! والذي نراه فيها – وفي غيرها من الجماعات الحزبية – أنهم يلتزمون بمناهجهم التزاما كاملا، ولا يسمحون لأحدٍ بمخالفته، وإذا قيل لهم التزموا باعتقاد أهل السنة والجماعة، وحاسبوا على مخالفته، كما تفعلون فيما تخطونه بأيديكم من مناهج: أبوا ورفضوا، وهذا كله يؤكد أن العقيدة التي تفرِّق الناس إلى مهتدٍ وضال: ليس لها قيمة عندهم، بل القيمة عندهم لمن كان قديماً في الدعوة، ولأكثرهم التزاما بما كتبوه من قواعد لجماعتهم وحزبهم.

  1. وهل تظن أننا لو زرنا الهند أو باكستان فإن ذلك سيغيِّر من واقع حال هذه الجماعة؟ وهل يكون المسلم ظالماً لغيره إن تكلم في عقائدهم ومناهجهم إلا بأن يزور مركز الجماعة؟ ويمكن للناقد أن ينتقد ” الإخوان المسلمين ” من غير زيارة مصر! ويمكن انتقاد ” حزب التحرير ” من غير زيارة بريطانيا!، ويمكن انتقاد ” القاديانية ” من غير زيارة باكستان! ويمكن انتقاد الرافضة من غير زيارة إيران! وهكذا، والعبرة في النقد أن يكون منصفا، وليس ثمة جماعة إلا ولها منهج مكتوب، أو واقع عملي متفق عليه، ويمكن للناقد أن ينتقد هذين الأمرين، وليس ثمة حاجة لزيارة مركز الجماعة، وإن كان هذا سيؤكد للمنصف كلامه، ولن ينقضه.
  2. ندعوك أخي الفاضل للإنصاف، وترك التعصب والتحزب، ولا تنظر لغيرك من العاملين للإسلام من غير جماعتكم نظرة احتقار وازدراء، وندعوك لأن تلتزم باعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وأن تكون منافحا عن الإسلام المصفَّى، وداعية له، وأن تتعلم العلم الشرعي، ولا يهم بعدها إن كنت تعمل مع جماعة التبليغ أو غيرها، بل قد دعا علماؤنا من عنده علم وبصيرة أن يخرج مع هذه الجماعة ليعلِّمهم ويبين لهم الحق.
  3. وندعوك – أيضا – وندعو كل عاقل أن يتأمل إنصافنا، وإنصاف علمائنا لهذه الجماعة، ومن أمثلة ذلك:
  4. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

” أمَّا ما نسبه المعارضون لهم عني من الرجوع عن رأيي فيهم: فهو كذب عليَّ، بل إني نصحتهم ووبختهم على عملهم. وقلت لهم فيما قلت متمثلا بقول الشاعر:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من    اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

وحرضتهم على كثرة الاجتماع بهم، والخروج معهم، وأوضحت لهم ما فيه من الفوائد، وطلبت منهم أن يتهموا الرأي، وينظروا في العواقب، وبينتُ لهم ما في شقاقهم وخلافهم من الشر العظيم، وسوء العواقب في الدنيا والآخرة، وأن ذلك من الشيطان، أعاذنا الله منه؛ ليصرف الناس عن الدعوة إلى الله، ويشغلهم عنها بفساد ذات البين، وكثرة القيل والقال، هذا ما أدين الله به وأعتقده “. انتهى.

  1. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -: ” إن لهم تأثيرا لم يقم به أحد غيرهم، وتأثيرهم واضح، كم من ضال اهتدى على أيديهم، وكم من فاسق أطاع على أيديهم، بل وكم من كافر آمن على أيديهم “.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 15 / السؤال رقم: 16 ).

  1. وقال الشيخ – أيضا -:” لكنني لست أشدد في التحذير منهم، بل ولا أحذر منهم!؛ لأن لهم تأثيرا بالغا في هداية الخلق، فكم من إنسان فاسق صار مستقيما على أيديهم، وكم من إنسان كافر صار مسلماً على أيديهم، وهم في الدعوة إلى الله ألين من غيرهم؛ عندهم لين، وعندهم إيثار، وعندهم خلُق، ولكن عندهم شيء من البدع يمكن أن يُقضى عليها “. ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 60 / السؤال رقم: 10 ).

وقد رأينا محبًّا للجماعة جمع كلاما كثيرًا للشيخين عبد العزيز بن باز والعثيمين – رحمهما الله – في موقع له سماه ” شبكة الدعوة والتبليغ “، وليس ثمة تعارض بين الثناء على ما عندهم من خير، وبين النصح والنقد.

  1. قلنا في جواب سابق:

” جماعة التبليغ من الجماعات العاملة للإسلام، وجهدها في الدعوة إلى الله لا يُنكر “.

  1. وقلنا في جواب آخر:

” جماعة التبليغ إحدى الجماعات الدعوية التي تسعى لنشر الإسلام، والدعوة إليه، ولها دور محمود في دعوة العصاة، والمنحرفين، مع بذل الوقت، والمال، وتحمل مشاق السفر والتجوال، وغير ذلك “.

فهل من يقول مثل الكلام ليس بمنصف؟ وهل النقد هو الذي يُحتاج معه الذهاب إلى الهند وباكستان؟! ومن أين عرف علماؤنا هذا حتى حكموا عليه؟! فهل المدح والثناء مقبول، والنقد يُنتقد ويقال ” ليس من سمع كمن رأى “؟! وهل من يقول مثل الكلام لا تقبلون نقده ولا نصحه لكم بتعلم العلم، والالتزام باعتقاد أهل السنَّة، وترك البدع؟!.

ونحن نشكر لك مراسلتنا، ونصيحتك، ونرجو أن تقرأ ما كتبناه لك بعيدا عن التعصب، والتحزب، سائلين الله تعالى أن يوفقنا جميعا لمرضاته، وأن يستعملنا لخدمة دينه.

 

والله الموفق.

حكم العمل في شركة نقل مستندات وطرود متنوعة

حكم العمل في شركة نقل مستندات وطرود متنوعة

السؤال:

كنت أعمل في بنك ربوي لمدة ( 17 عاما )، وقد وفقني الله تعالى للبعد عن الربا، ولمستُ بنفسي تغييرا مذهلا في حياتي، ولكن العمل الحلال صعب جدًّا في هذه الأيام، ولم أعثر على عمل منذ سنتين ونصف، وأعول أسرة من خمسة أفراد، والآن هل لي أن أتقدم للعمل في إحدى الشركات العالمية لنقل المستندات والطرود في وظيفة ” إدارة مشاكل وشئون العملاء “؟ علمًا أن هذه الشركة تمنع نقل الخمور تماما داخل حدود البلد الذي أعيش فيه، إلا أنه إذا رغب شخص في نقل زجاجة خمر – مثلا – إلى بلد آخر: فإن الشركة تقوم بالنقل له، وأيضا قد تستقبل الشركة طرودا من الخارج قد تحمل هذه المحرمات، وطبعاً سيكون من طبيعة عملي أن أحل المشاكل التي قد تطرأ أثناء عمليات النقل لحين الوصول للعميل.

السؤال:

هل أستمر في تقديم طلب العمل، أم أقوم بسحبه، علماً بأن نشاط الشركة الأساسي – كما ذكرت – هو نقل المستندات والطرود المختلفة من مكان لآخر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

العمل في مؤسسات تنقل المستندات والطرود: مباح في ذاته، فإن تخصصت تلك المؤسسة في نقل المحرمات، كنقل مستندات بنوك ربوية، أو نقل الخمور، أو الأفلام، والأغاني: صار العمل فيها محرَّماً لذاته، وإن اختلط الحلال بالحرام: صار الحكم للغالب، مع وجوب تجنب مباشرة الأعمال المحرَّمة.

وعليه: فحل استمرارك في تقديم طلب العمل في تلك الشركة منوط بالأعمال التي سيكون لك الإشراف عليها، وحل مشكلاتها، فما كان منها حراما لم تقم به، وما كان منها لمستندات وطرود مباحة قمتَ به، فإن كان الأمر سيكون على هذا الشرط، وبذاك القيد: جاز لك التوظف بها، وحلَّ لك ما تكسبه منها، وإلا أثمتَ بقدر ما تباشره من أعمال محرَّمة فيها، كنقل الخمور واستقبالها، ونقل الأفلام والأغاني واستقبالها، ونقل مستندات الربا والتأمين واستقبالها، وهكذا في كل محرَّم يُرسل ويُستقبل في تلك الشركة لك دور في إرساله أو استقباله، وهذا في حال كان الغالب على الشركة إرسال واستقبال المباح من الأشياء، فإن كان الغالب عليها الحرام: لم يجز لك العمل فيها، ولو لم يكن منك مباشرة لتلك الطرود والمستندات المحرَّمة.

ولا شك أن نقل الخمور من المحرَّمات التي تدخل في التعاون على الإثم والعدوان، ويدخل صاحبها في اللعن الثابت في السنَّة الصحيحة، وهذه الحرمة تنسحب على كل ما حرَّمه الله تعالى.

سئل علماء اللجنة الدائمة: رجل لم يتيسر له العمل إلا في مصنع للخمور، أو مستودع لخزنه، أو في دكان أو حانوت لبيعه وتوزيعه، ما مصير المال الذي يكتسبه وينفقه على عياله الوفيري العدد؟ مع العلم أن العمل في المعمل أو في غيره معسور المنال.

فأجابوا:

لا يجوز للمسلم أن يشتغل في مصنع للخمور، أو مستودع لخزنه، أو في أي عمل من الأعمال المتعلقة بالخمور، والكسب الذي يتحصل عليه محرم، وعليه أن يبحث عن عمل يكون كسبه حلالا، وأن يتوب إلى الله سبحانه مما سلف؛ لقوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ المائدة / الآية 2 ]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم:” لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها ) – متفق عليه -.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 14 / 411 ).

– ولا فرق في هذا الحكم بين كون المنقول إليه كافرا أو مسلما.

سئل علماء اللجنة الدائمة: يوجد بعض المدرسين يطلبون من الطلبة بعض المشروبات المحرمة، فهل حملها إلى المدرس وهو كافر حرام أم لا؟

فأجابوا:

لا يجوز للمسلم أن يقدم الخمر لمن يشربها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم  لعن حاملها والمحمولة إليه، ولأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه بقوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) [المائدة / من الآية 2 ].

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 97 ).

وننصحك بالتقديم على عمل آخر مباح، ونرى أنه سيصعب عليك تجنب المحرمات في تلك الشركة، ويرجى أن يُكرمك الله تعالى بعظيم فضله بعمل خير منه، قال تعالى: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ . وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) [ الطلاق / الآية 2 – 3 ]، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال:” مَنْ تَرَكَ شَيْئاً لله عوَّضَه الله خَيْراً مِنْه “, صححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” حجاب المرأة المسلمة ” ( ص 49 ).

 

والله أعلم.

طالبة علم وترغب الدخول في باب دعوة الشباب بالمراسلة دون علم زوجها!

طالبة علم وترغب الدخول في باب دعوة الشباب بالمراسلة دون علم زوجها!

السؤال:

أود أولًا أن أسجل شكري وتقديري لمواقفكم البناءة في نفع الأمة الإسلامية، والاهتمام بشريحة الشباب، وصيانة الأخلاق، عن طريق كل ما تقدمونه من برامج مرئيَّة، وكتابات مقروءة، ومواد مسموعة، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ورزقكم الإخلاص في القول، والعمل، ثم أود ثانيا أن أستشيركم استشارة خاصة؛ لثقتي برأيكم، وتوجيهكم, واعذرني لإطالتي في ذكر التفاصيل حتى أوضح كل الجوانب المتعلقة باستشارتي.

أنا فتاة في أواخر العشرينات من عمري، متزوجة، حاصلة على درجة الماجستير من جامعة ” أم القرى ” من كلية الدعوة وأصول الدين قسم الكتاب والسنة، تخصص: تفسير القرآن الكريم وعلومه، أعمل محاضرة في إحدى الجامعات بالسعودية، تربيت في أسرة محافظة، فحفظت كتاب الله ولم أتجاوز الخامسة عشرة، أحمل همًّا كبيرا للدعوة إلى الله، وخاصة لدعوة الشباب، لأني أزعم أنني أعرف شيئًا من توجهاتهم، واهتماماتهم، وأساليب الوصول إليهم، والتأثير فيهم، بحكم كوني واحدة منهم، وبحكم عملي بينهم، واطلاعي على كثير من أحوال الطالبات في الكلية، ومن المعلوم أن من أكثر ما يقبل عليه الشباب هذه الأيام هي القنوات الالكترونية: المحادثة، وما يسمى بـ ” الشات “، وغرف الدردشة التي يتبادلون فيها كل شيء, مما يكون غالبًا مضيعة للأوقات, إن لم يكن خادشا للحياء، ومنافياً للمبادئ والقيم الإسلامية، ودائما ما أحدِّث نفسي باستغلال مثل هذه القنوات للوصول إلى الشباب والتأثير فيهم، ودعوتهم إلى الله، وعدم تركهم لأهوائهم، ولمن يريد إفسادهم بكل طريق، فكثير ما يترك المصلحون والصالحون مثل هذه المجالات خوفا على أنفسهم، وعلى مبادئهم، فيخلو الجو للشيطان، وأعوانه، وكثيراً ما يحصر الدعاة والمصلحون وأصحاب المبادئ جهودهم في الدروس، والمحاضرات، والقنوات، والمنتديات الإسلامية، والجمعيات الخيرية، والمساجد، ودور التحفيظ، مما لا يكاد يحضرها إلا الشريحة المحافظة والملتزمة أصلاً من الشباب، فتزيدهم نورا على نور، ويبقى الغافلون بلا ناصح أو مذكِّر، فهل يحق لي شرعا التواصل مع الشباب ( الجنسين ) عن طريق مثل هذه الوسائل الالكترونية ( عن طريق الكتابة فقط )؟ ومحاولة التأثير فيهم، والوصول إلى قلوبهم، ودعوتهم، وخاصة أن مثل هذه الوسيلة تحتاج إلى كثير من الصبر والتبسط في الحديث للوصول إلى المراد؟ وهل يعتبر ذلك من خيانة الزوج الذي قد لا يحتمل محادثتي لأي شاب – ولو كتابة – وفي أي مجال مهما كان , خاصة وأنه لم يتعود مني الكلام إلا مع محارمي, أو مشايخي في الجامعة؟

– أرجوك، أنتظر توجيهك، وإرشادك، فحال شبابنا يؤرقني، وهمُّ الدعوة إلى الله يملأ قلبي، فهل أبدأ؟!.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نشكر للأخت السائلة حرصها على الدعوة إلى الله، ونُكبر فيها حملها لهم الإسلام والمسلمين، ونسأل الله أن يكتب لها أجر ذلك، وأن يجعلها من الداعيات المخلصات.

ثانيا:

واعلمي أيتها الأخت السائلة أن الدعوة إلى الله واجبة على الرجال والنساء، قال تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ آل عمران / الآية 104 ].

ونحن لا نرى لك الدخول في دعوة الرجال – ولو كتابة -؛ للأسباب التالية:

  1. أن الأمر فيه فتنة للطرفين، وإذا سلم أحد الطرفين لقوة إيمانه ودينه, فإنه لا يُضمن سلامة الطرف الآخر من الفتنة، ومن شأن تلك المحادثات أو الكتابات أن تؤدي إلى إذابة الحواجز بين المرأة والرجل، ولا يُدرى ما يكيد به الشيطان لهما إن كانا سليما النية والقصد، كما لا يُدرى ما يكيده الطرف الآخر إن كان شيطانا من الإنس، والواجب على المسلم الحذر من كل ما يؤدي إلى فتنته، أو فتنة غيره به.
  2. والأمة الإسلامية فيها خير كبير وكثير، ويوجد من الدعاة من يغطي جانب دعوة الشباب، وليس الأمر محتاجاً لمن يقوم به من النساء.
  3. أن زوجك لا يرضى بهذا الأمر منك، وإن فعلتِ ذلك دون علمه كان خيانة له ولا شك، وهو أمرٌ لا يقبل مثلُك أن يقع فيه.

ونود أن نقف معك بعد هذا وقفتين:

أ. إننا نرى عالم النساء مليئاً بالمشكلات والمآسي، وهنَّ يحتجن بشدة إلى من يقف معهن من بنات جنسهن لدلالتهن على طريق الاستقامة، فهل انتهيتِ من أولئك النساء حتى فكرتِ بدعوة الشباب؟!.

ب. وهل ترضين أن يقوم زوجك بدعوة النساء للسبب الذي تذكرينه في دعوة الرجال؟! وإننا لنجزم أنك – بحسب خبرتك العلمية والدعوية – ستذكرين من مفاسد دعوة الرجال للنساء بالمحادثة أو المكاتبة الشيء الكثير، كما نجزم أنه قد بلغك حوادث مؤلمة لمشكلات حصلت في بيوت إخوة وأخوات جرَّاء تلك الكتابات أو المحادثات، وهو ما يجعل المرء يجزم بأن الشريعة المطهرة لا تفتح الأبواب الموصدة أمام الفتن والشهوات، بل تبقيها محكمة الإغلاق، ولا عجب بعدها إن علمنا أن الشريعة المطهرة لم تجز للمرأة أن تؤذن، ولا أن تخطب الجمعة والعيد، ولا أن تؤم الرجال، وأنه لو أخطأ الإمام فإنها تصفق ولا تسبح ولا ترد عليه بلسانها، وكل ذلك إغلاق للطريق التي يريد الشيطان أن يسير الناس عليها ليقعوا في نهاية الطريق في هوة سحيقة.

وهاتان فتويان لأهل العلم تجمع ما سبق بيانه:

  1. قال علماء اللجنة الدائمة:

للمرأة مجال للدعوة في بيتها، لأسرتها، من زوج، ومحارم، رجالاً، ونساءً، ولها مجال في الدعوة الإسلامية خارج بيتها للنساء، إذا لم يكن في ذلك سفر بلا زوج ولا محرم، ولم يُخش الفتنة، وكان ذلك بإذن زوجها إن كانت متزوجة، ودعت إلى ذلك الحاجة، ولم ينشأ عن ذلك ضياع ما هو أوجب عليها من حقوق أسرتها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 249 ، 250 ).

  1. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

تقول كيف تدعو المرأة إلى الله إذا كان لديها علم وحماس، وتريد أن تدعو إلى الله، فما هي الطريقة التي تتبعها؟ وما هي المجالات التي تستطيع أن تدعو إلى الله فيها؟.

فأجاب:

الطريقة التي تتبعها هي ما أمر الله به في قوله: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )، وأما المجالات: فهي مجامع النساء، كالمدارس، وغيرها، تحضر إليهن، وتدعوهن إلى الله عز وجل، ولكل مقام مقال، بإمكانها أن تعرف هل المقام يقتضي الترغيب أو الترهيب أو الجمع بينهما بحسب الحال، فمجالات عملها إنما هو مجامع النساء فقط، أما مجامع الرجال: فإنه للرجال.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 128 ، وجه ب ).

 

والله أعلم.

حكم الذهاب إلى ” البحر الميت ” والجلوس على شاطئه والصلاة فيه

حكم الذهاب إلى ” البحر الميت ” والجلوس على شاطئه والصلاة فيه

السؤال:

هل منطقة البحر الميت أو الغور في الأردن هي موقع قوم لوط؟ وهل هناك دليل قطعي على ذلك؟ وهل يجوز أن نذهب ونجلس في مثل هذه المواقع؟ وكذلك هل نستطيع أن نصلي فيها؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد بينا في جواب سابق تفصيل القول في موقع ” البحر الميت ” في الأردن، وهل هو مكان قرى لوط التي خسف الله بها الأرض وأغرقها أم لا، وذكرنا هناك أن الأكثر من أهل التاريخ والتفسير يثبت ذلك، ويؤكده، ونقلنا في ذلك نقولات مختلفة، فلتنظر.

ثانيا:

ومما يُبنى على ترجيحنا أن تلك البقعة هي مكان العذاب: أنه لا يجوز زيارتها للسياحة، ولا يجوز استعمال المواد التي تخرج منها، ومن مرَّ من تلك البقعة فليسرع، وليبكِ.

وبه يُعلم أنه لا يجوز الصلاة في تلك البقعة؛ لما سبق ذِكره من الأحكام، كما ننبه أنه حتى لو كان المسلم يرى أن ذلك المكان ليس هو محل العذاب: فإن الذهاب والجلوس فيها: ليس جائزا على إطلاقه؛ لما تشتمل عليه تلك الأماكن من فساد السيَّاح، والعري، والاختلاط المحرَّم، فالذاهب إلى تلك البقعة لن يعدم نظرا أو سمعا محرَّما، اللهم إلا أن يكون ثمة بقعة لا يأتيها أحدٌ من أولئك المفسدين، ويأمن فيها المسلم على نفسه، وأسرته.

فالحاصل: أننا لا نرى جواز الذهاب هناك، والجلوس، والصلاة – إلا إن ضاق وقتها وليس ثمة مكان آخر يصلي المسلم فيه -، وهذا حتى على القول بنفي كون تلك البقعة هي مكان العذاب، إلا أن يكون ثمة مكان مخصوص، يباح فيه الجلوس.

 

والله أعلم.

” العارف بالله ” بين أهل السنَّة وأهل البدعة، وحكم دعاء: ” فتح الله عليك فتوح العارفين “

” العارف بالله ” بين أهل السنَّة وأهل البدعة، وحكم دعاء: ” فتح الله عليك فتوح العارفين “

السؤال:

يستخدم كثير من الناس هذه العبارة: ” فتح الله عليك فتوح العارفين “! فهل هذه العبارة صحيحة؟ ومن هو العارف بالله؟ وهل هذه الكلمة صوفية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

مصطلح ” العارف ” أو ” العارف بالله ” يراد به تزكية صاحبه، والشهادة له بالمعرفة، والمنزلة الرفيعة، ويختلف معنى تلك المعرفة بالله بحسب مستعمله، وبحسب من أُطلقت عليه تلك العبارة، مع الاعتراف بأن أكثر من يستعملها هم الصوفية.

وعليه: فهذا اللقب إن أطلقه سنِّي: فالمراد به المعرفة بالله المؤصلة على الكتاب والسنَّة، وظهور أثر تلك المعرفة على صاحبها من العبادة، والخشية، مع العلم بالأحكام الشرعية، وليس الأمر كذلك عندما يُطلَق ذلك اللقب من صوفيٍّ؛ لأن ذلك اللقب لا يُطلق عندهم على عالِم بالأحكام الشرعية، فقد يكون من يُطلق عليه غاية في الجهل، بل والضلال والزندقة، والمهم عندهم أنه محقِّق لعقائد التصوف البالية.

ثانيا:

وتفصيل ذلك يكون بمعرفة حقيقة ” معرفة الله ” عند أهل السنَّة والجماعة، وعند أهل البدعة والضلالة.

  1. ” العارف بالله ” عند أهل السنَّة:

أ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والعبد العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله، بحيث لا يريد إلا ما يريده الله، أمراً به، ورضا، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يلتفت إلى عذل العاذلين، ولوم اللائمين، كما قال سبحانه: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم )، والكلام في مقامات العارفين طويل، وإنما الغرض: أن يتفطن المؤمن للفرق بين هؤلاء الزنادقة الذين ضاهوا النصارى، وسلكوا سبيل أهل ” الحلول والاتحاد “، وكذبوا على الله ورسوله، وكذَّبوا الله ورسوله، وبين العالِمين بالله، والمحبين له، أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء، كما اشتَبه على كثير من الضالين حال مسيلمة الكذاب المتنبئ بمحمد بن عبد الله رسول الله حقًّا، حتى صدَّقوا الكاذب، وكذَّبوا الصادق، والله قد جعل على الحق آيات، وعلامات، وبراهين، ومَن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 77 ).

ب. وقال الشيخ عبد العزيز السلمان – رحمه الله -:

إنَّ الناس في هذا الزمن لم يعرفوا ربَّهم المعرفة التي تليق بجلاله، وعظمته، ولو عرفوه حق المعرفة: لم يكونوا بهذه الحال؛ لأنه مَن كان بالله أعرف: كان منه أخوف.

إن العارف بالله يخشاه، فتعقله هذه الخشية بإذن الله عما لا ينبغي من الأقوال، والأفعال، قال الله تعالى: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء  ) ، العارف بالله لا يجرؤ أن يحرَّك لسانه بكلمة من المنكرات، أفعال، أو أقوال، كالغيبة، والنميمة، والكذب، والقذف، والفسق، والسخرية، والاستهزاء، ونحو ذلك، ولا يستعمل عضوا من أعضائه في عملٍ ليس بحلال، بل يكف بصرَه، وسمعَه، ويدَه، ورِجله عن المحرمات؛ لأنه يؤمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا مهما تخفَّى وتستَّر العبدُ عنه: فإنه يراه .

والعارف بالله لا ينطوي على رذيلة، كالكِبر، والحقد، والحسد، وسوء الظن، وغير ذلك من الرذائل الممقوتات؛ لأنه يصدِّق أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، وأنه يعلم ما تكنُّه الصدور، كما يعلم العلانية، فلا يستريح العارف حتى يكون باطنه كظاهره، مطهَّراً من كل فحشاء، وكذلك لا تسمع من فم العارف عند نزول المصائب والبلايا والشدائد إلا الحَسَن الجميل، فلا يغضب لموت عزيزٍ، أو فقْدِ مالٍ، أو مرضٍ شديدٍ طويلٍ؛ لأنه يعلم أن غضبه، وتسخطه، يفوِّت عليه أجرَه، ولا يرد ما فات كما قيل :

لا تلق وقتك إلا غير مكترث … مادام يصحب فيه روحك البدن

فما يدوم سرور ما سررت به … ولا يرد عليك الفائت الحزن

ولا ييأس العارف من زوال شدة مهما استحكمت، فإن الفرج بيد الله الذي قال – وقوله الحق -: ( فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا  )، ولا ييأس من حصول خيرٍ مهما سما وابتعد؛ لأنه يؤمن أن الأمر بيد مَن إذا أراد شيئا قال له: كُنْ فكان، وإن بدا محالا في نظر الجهلاء، ولا يقنط العارف، ولا يقنِّط مؤمنا من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وإن كانت ذنوبه أمثال الجبال، والرمال، ولا يؤمِّن العارف مستقيماً من العذاب مهما كان العمل من الصالحات؛ لأنه يغفر الذنوب جميعاً، وأنه له الحجة البالغة، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه جل وعلا، فلا تغفل عن ذلك، وإن أهمله الكثير من الناس.

قال أحد العلماء: الغموم ثلاثة: غم الطاعة أن لا تقبل، وغم المعصية أن لا تغفر، وغم المعرفة أن تُسلب .

عليك من الأمور بما يؤدي … إلى سنن السلامة والخلاص

وما ترجو النجاة به وشيكا … وفوزا يوم يؤخذ بالنواصي

فليس تنال عفو الله إلا … بتطهير النفوس من المعاصي

وبر المؤمنين بكل رفق … ونصح للأداني والأقاصي

وإن تشدد يدًا بالخير تفلح … وإن تعدل فما لك من مناص

آخر :

اغتنم في الفراغ فضل ركوع … فعسى أن يكون موتك بغتة

كم صحيح رأيت من غير سقم … ذهبت نفسه العزيزة فلتة

” موارد الظمآن لدروس الزمان ” ( 1 / 452 ، 453 ).

فما أحلى هذه المعرفة، وما أطيبها، وما ألذَّ العيش بها ومعها، ومن دعا لغيره بأن يفتح الله عليه ما فتحه على أولئك العارفين: فقد دعا له بخير عميم، وفضائل كبيرة كثيرة.

  1. ” العارف بالله ” عنه أهل البدعة:

ونعني بهم غالبا: المتصوفة، حيث كثر استعمال ذلك المصطلح عندهم، وأطلقوه على كثيرٍ من الزنادقة، والملحدين، وجعلوا اللقب علامة على تحقيق ذلك، ومن نظر في ” طبقات الشعراني ” يتبين له صدق القول.

أ. قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولهذا قال شيخ الملحدين ” ابن سينا ” في ” إشارته “: العارف لا يُنكر منكرا؛ لاستبصاره بسرِّ الله تعالى في القدَر!!.

وهذا كلام منسلخٍ من الملل، ومتابعة الرسل، وأعرَف خلق الله به: رسلُه، وأنبياؤُه، وهم أعظم الناس إنكاراً للمنكر، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر.

فالعارف: أعظم النَّاس إنكارا للمنكر؛ لبصيرته بالأمر، والقدر؛ فإن الأَمْر يوجب عليه الإنكار، والقدَر يعينه عليه، وينفذه له، فيقوم في مقام ( إياك نعبد وإياك نستعين )، وفي مقام ( فاعبده وتوكل عليه ) فنعبده بأمْره وقدَره، ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره، فهذا حقيقة المعرفة، وصاحب هذا المقام هو: العارف بالله، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم. ” شفاء العليل ” ( ص 14 ، 15 ).

ب. وقال الشيخ عبد الرؤوف القاسم – رحمه الله -:

كلنا نسمع بـ ” العارف بالله ” فلان، ونقرأ في الكتب عن ” العارف بالله ” علان، كما نرى مكتوباً على أبواب بيوت الأوثان المنتشرة في بلاد المسلمين طولاً وعرضاً: هذا مقام العارف بالله … .

وليس لهذه العبارة – ” العارف بالله ” – مدلول واضح في أذهان كثيرين! وإنما تبعث في النفوس صورا شاحبة لنوع ما من التزكية على الله، تزكية عريضة، وغامضة مبهمة، هذا هو الشعور الذي تبعثه هذه العبارة في الأكثرية من الناس، الذين يعطونها تفاسير انطباعية غير موضوعية، تتناسب مع هوى المفسِّر، ونفسيته، ومستواه العلمي.

فما هو معنى هذا المصطلح؟ وماذا يريدون به، وله، وفيه، ومنه، وعليه، وإليه، وعنه؟.

الجواب بكل بساطة: العارف بالله هو من عرف أن الله هو الكون! وأن كل ما نرى ونسمع ونحس، بما في ذلك أنا وأنت وهو وهي وهم وهن ونحن وأنتم وأنتن – ونسيت أن أذكر ” أنتما ” – وبما في ذلك الحيوانات، والحشرات، والنباتات، والجمادات، والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب … كل هؤلاء هم أجزاء من الله! مع العلم أن بعض القوم لا يجيزون أن يقال: ” أجزاء من الله “؛ لأن الله كلٌّ لا يتجزأ، إنه وحدة غير قابلة للتعدد، ولا للتجزؤ، ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ المؤمنون / من الآية 91 ]، فالعارف وبكل بساطة: هو من توصل إلى معرفة وحدة الوجود، بالذوق، والمشاهدة.

قال الجنيد: المعرفة: وجود جهلك عند قيام علمه، قيل له: زدنا، قال: هو العارف، وهو المعروف .

وسئل الجنيد أيضا عن العارف، فقال: لون الماء لون الإناء.

وسئل ذو النون عن نهاية العارف فقال: إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون.

ويقول ابن عربي – الشيخ الأكبر -:

… فإن العارف: مَنْ يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء … .

ويقول عبد الكريم القشيري:

… وعند هؤلاء القوم: المعرفة: صفة مَن عرَف الحق سبحانه، بأسمائه، وصفاته … ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة، وآفاته، ثم طال بالباب وقوفه، ودام بالقلب اعتكافه، فحظي من الله تعالى بجميل إقباله، وانقطع عن هواجس نفسه، ولم يُصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره، فإذا صار من الخلق أجنبيًّا، ومن آفات نفسه بريًّا، وصار محدَثا من قبل الحق سبحانه، بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره، يسمى عند ذلك: ” عارفا “!، وتسمَّى حالته: ” معرفة “.

ويورد القشيري أيضا في الرسالة:

قال ذو النون المصري: معاشرة العارف كمعاشرة الله تعالى! يحتملك، ويحلم عنك؛ تخلقًّا بأخلاق الله عز وجل … .

ومما يورده:

…قال الحسين بن منصور – أي: الحلاج -: إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة: أوحى الله تعالى إليه بخواطره، وحرسَ سرَّه أن يسنح فيه غير خاطر الحق.

ولو أراد باحث أن يجمع أقوالهم في العارف ومعنى المعرفة لاحتاج إلى مئات الصفحات. وفي القدر الذي مر كفاية لسد الطرق أمام مراوغاتهم، التي تخلو من الحياء، والمنطق، والعقل السليم، بل وتخلو من الخوف من الله!.

النتيجة:

من كل ما تقدم، ومما يمكن أن يملأ مئات الصفحات مما لم يتقدم، يظهر بوضوح تام أن معنى المعرفة عند القوم: هو معرفة وحدة الوجود، وأن العارف عندهم: هو الذي يعرف أن الكون هو الله ذوقاً واستشعاراً، أي يذوق الألوهية ويستشعرها ويحس بها ويتحقق بها.

” الكشف عن حقيقة الصوفية ” ( 295 – 305 ) باختصار.

فشتان شتان بين الوصفين، ولذا لم يُعرف إطلاق هذا اللقب على أئمة الهدى من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة، ومن بعدهم، ولم نعرفه يُطلق إلا على البدعة والضلالة، إلا نادرا، ممن أطلقه ولا يعرف معناه.

وأما على الحقيقة: فأولى الناس بهذا الوصف هم أئمة الهدى من أهل السنَّة والجماعة، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -.

* وفي تحقيق كتاب ” حجاب المرأة ” لابن تيمية ( ص 12 ) قال الشيخ الألباني – رحمه الله -: تلك هي بعض المسائل التي جاءت في طي هذه الرسالة القيمة، وفيها مسائل وفوائد أخرى ستمر بالقارئ إن شاء الله تعالى، وبمجموعها كانت الرسالة فريدة في بابها، لا مثيل لها بين أترابها، فإن غالبها ما تفردت به عن مثيلاتها ككتاب ” الحجاب ” للعلامة المودودي وكتابي ” حجاب المرأة المسلمة ” وغيرهما، فليعض عليها بالنواجذ، وليحمد الله تعالى أن جعله من قراء كتب ابن تيمية، المستفيدين منها؛ فإنه هو ” العارف بالله ” حقًّا، ومن نحا نحوه. انتهى.

وقال – أيضا – مثنياً على شيخ الإسلام ابن تيمية -:

هذا الرجل آية من آيات الله، في أنه جمع العِلم من الكتاب، والسنَّة، وآثار السلف، مع عقلٍ نيِّر.

وقال:

هو الذي يستحق ما يستعمله الصوفيون، ويطلقونه على غير من يستحق استعمالهم، فيقولون: ” العارف بالله ” فلان، ” العارف بالله ” حقًّا هو مثل ابن تيمية، وأمثاله. انتهى.

ولشهرة هذا اللقب عند أهل البدعة، ولوجود تعريف خاص بمعرفة الله عندهم: فإننا نرى هجر هذا اللقب، وعدم الدعاء بأن يفتح الله على أحدٍ فتوح العارفين، إلا إن كان الداعي يعرف ما يقول، ويقصد به المعاني الجليلة، ويقصد بالعارفين أئمة الهدى.

 

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية العارف بالله حقًّا، ولا أدري هل نثني عليه خيرا حينما نصفه بما يصف غيرنا بعض كبارهم، حينما نصف ابن تيمية بأنه العارف بالله حقًّا، ما ندري أنذمه أم نثني عليه! لكن إنما الأعمال بالنيات؛ لأنه حقيقة هو عارف بكتاب الله، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ” دروس صوتية ” ( 1 / 8 ) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.