الرئيسية بلوق الصفحة 127

تفصيل القول في حديث: ” من صلى لله أربعين يومًا … ” روايةً ودرايةً

تفصيل القول في حديث: ” من صلى لله أربعين يومًا … ” روايةً ودرايةً

السؤال:

السلام عليكم سؤالي: قرأت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي حسنه الألباني: ” من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتبت له براءتان: براءة من النار, وبراءة من النفاق “.

سؤالي: أحيانًا في الجامعة، أو في الشركة، توجد مصليات، ولا يوجد مسجد، وكل من أتى أقام وصلَّى بمن معه، وأحيانًا تتأخر المحاضرة إلى بعد الأذان، فيسبقوننا، ويقيمون الصلاة قبل قدومنا، فهل يصح إذا كنت أريد تطبيق الحديث أن لا أصلي معهم، وأنتظر جماعة أخرى كي أدرك تكبيرة الإحرام، علماً أن الجماعة الأخرى دائمًا تكون موجودة؛ لأن الجامعة تضم عدد ضخماً من الطلاب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث، والكلام عليه:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ “.رواه الترمذي ( 241 ) وقال:

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا، وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلاَّ مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو. انتهى.

وقد ضعَّف الحديث جمع من العلماء المتقدمين، والمتأخرين، وأعلُّوه بالإرسال، والاضطراب، ونذكر منهم: الترمذي، والدارقطني، وابن الجوزي، وابن حجر، وغيرهم كثير. وقد حسَّنه الشيخ الألباني، كما في ” صحيح الترمذي ” و” السلسلة الصحيحة ” (2652 ).

ورأى من صحح وقفَه من أهل العلم أن له حكم الرفع، كون مثله لا يقال بالرأي، فجعلوا في حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لثبوته عن أنس عندهم، ولكونه لا يقال بالرأي.

وفي ” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ):

قال القارئ: ومثل هذا ما يقال من قبَل الرأي، فموقوفة في حكم المرفوع.

انتهى.

 

 

 

ثانيًا:

وأما معناه:

فقد ذهب بعض العلماء إلى أن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام الوارد في الحديث يستمر إلى إدراك الركوع معه، وقال بعضهم بأن إدراكها هو بتكبيره للإحرام قبل شروع الإمام في قراءة الفاتحة، وطائفة ثالثة من العلماء يرون أن إدراك تكبيرة الإحرام يكون بإدراك الإمام قبل شروعه بدعاء الاستفتاح، وهذا أرجح الأقوال.

* قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارئ في ” المرقاة  “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ” إذا كبَّر فكبروا ” فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح: فقد فاتته تكبيرة الإحرام.” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

* وسئل – رحمه الله – أيضًا -:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

ثالثًا:

ومع ضعف الحديث إلا أنه لا يمنع من الالتزام بإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقد كان هذا هو هدي السلف، ولم يكن يقصدون العمل بهذا الحديث، ولذا فقد صحَّ عن كثيرين منهم إدراك السنوات الكثيرة لتكبيرة الإحرام مع الإمام، وليس فقط أربعين يومًا.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

ما فضل متابعة الإمام في تكبيرة الإحرام؟.

فأجاب:

لا أعلم في فضل إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام حديثًا إلا ما أخرجه الترمذي من حديث أنس ابن مالك – رضي الله عنه – مرفوعًا: ” مَن صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق “، لكنَّه لم يصح مرفوعاً، وقد روي موقوفًا على أنس، كما أخرجه ابن أبي شيبة في ” مصنفه “، وجاء أيضًا خبر: ” لكل شيء أنْف، وإن أنْف الصلاة: التكبيرة الأولى ” لكنه ضعيف، وأيضًا: ” لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى ” وهو ضعيف أيضاً، وفيه أحاديث لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، لكن السلف الصالح كانوا شديدي الحرص عليها، ولهم في ذلك أخبار، فهذا قاضي بغداد ” ابن سماعة ” – رحمه الله – يقول الذهبي في ” الميزان ” عندما ترجم له: ” وقال أحمد بن عمران سمعته يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي، فصليتُ خمساً وعشرين صلاة أريد التضعيف “.

وفي مسند ” ابن الجعد ” قال: حدثنا محمود بن غيلان قال: قال وكيع: ” كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفتُ إليه قريبًا من سنتين فما رأيته يقضي ركعة “.

وفي ” حلية الأولياء ” عن الأوزاعي – رحمه الله –  قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحدٍ من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس، وفي ” الحلية ” أيضًا عن سعيد بن المسيب – رحمه الله – قال: ” ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنَة، وما نظرتُ في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة “، والمعنى: أنه يكون في الصف الأول من شدة حرصه على المبادرة إلى الصلاة.

وفي ” الحلية ” عن إبراهيم التيمي – رحمه الله – قال: ” إذا رأيتَ الرجلَ يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه “.

وآثار السلف الدالة على أهمية تكبيرة الإحرام، وفضلها، وحرصهم عليها: كثيرة، وفي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فضائل، منها: تحصيل أجر الجماعة من مبدئها حتى نهايتها، وبالحرص عليها أيضاً يحصل التبكير إلى الصلاة، وهو مندوب، وبالحرص عليها وتعاهدها يكون قلب العبد معلقًا بالمساجد، وهذه صفة أحدِ مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وبالجملة: فالحرص عليها فيه تحصيل لمنافع شرعية، واتباع لسيَر السلف الصالح، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 64 / 85 ، 86 ).

رابعًا:

والمقصود في الحديث لمن أراد العمل به: هو إدراك الجماعة الأولى، مع الإمام الراتب، وليس الجماعة الثانية، أو ما بعدها؛ لأن فضائل الصلاة من حيث التبكير، والصف الأول، والجمع بين الصلاتين لعذر المطر، وغير ذلك: إنما تكون لمن أدرك الجماعة مع الإمام الراتب.

وإذا كان المسجد مسجدَ سوق، أو مجمع تجاري، أو مطار، أو طريق سفر، وليس له إمام راتب: فحيث صلَّى المسلم مع إحدى جماعات ذاك المصلى، وأدرك تكبيرة الإحرام معه: أدرك الفضل الوارد في الحديث إن شاء الله.

ومثله يقال فيمن كان من أهل الأعذار الشرعية، وصلَّى جماعة في بيته مع أهله، أو كانوا مسافرين وصلوا جماعة في طريق السفر.

* قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي – حفظه الله -:

ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حيٍّ: أدرك ذلك في مسجد الحيِّ، وإذا كان مع إمامه الذي صلَّى معه جماعة – كأن يكون في سفر -: فالعبرة بجماعة مَن سافر معهم. ” شرح زاد المستقنع ” ( الدرس رقم: 75 ).

وعليه: فمن صلَّى في بيته جماعة وهو من غير أهل الأعذار، أو أدرك تكبيرة الإحرام مع الجماعة الثانية في مسجد له إمام راتب: لم يحصل الفضل الوارد في الحديث.

وبخصوص حالتك على التحديد: اعلم أن الجماعة الثانية والثالثة والرابعة في المصليات التي ليس لها إمام راتب: أن إدراك إحدى جماعاتها عند دخولك المصلى له حكم الجماعة الأولى في مسجد له إمام راتب، ولا يحل لك تفويت ما تدركه من تلك الجماعة من أجل أنك لم تدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بل يلزمك الدخول مع الجماعة، على الحال التي عليها إمام تلك الجماعة.

وثمة فائدة لم نرَ من نبَّه عليها، وهي: أنه ليس في الحديث – على فرض صحته – أن الأربعين يومًا تكون متتالية! فيُرجى لمن حافظ على هذا العدد ولو غير متتالٍ أن يحصِّل الفضل الوارد فيه.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في أن “إسرائيل” هو “يعقوب” عليه السلام، والرد على المخالف

تفصيل القول في أن “إسرائيل” هو “يعقوب” عليه السلام، والرد على المخالف

السؤال:

قرأت كتاب ” الخبر بالبرهان والدليل على أن النبي يعقوب غير إسرائيل ” للكاتب ” سويد الأحمدي “، وفي هذا الكتاب أدلة قوية جدًّا من القرآن والسنَّة النبوية استخدمها الكاتب, تؤيد نظريته بأنهما مختلفان، وكذلك استخدم أدلة تؤيد نظريته من ” التوارة السامرية “، ومن ” العهد القديم “، و” العهد الجديد “، ومن ” التلمود “، و” إنجيل برنابا “، وغيرها من الأدلة الكثيرة، بعد مجموعة من الأدلة القوية التي ذكرها الكاتب: وقف عند هذه النقطة – وأقتبس كتابته -: ” وهناك نقطة أخرى يجب الوقوف عليها, ألا وهي أن كعب الأحبار – اليهودي الذي أسلم, وهو ذو اطلاع واسع على كتب التوراة وأسفارها – لم يصدق ما يسمعه, وسأل أبا هريرة: هل أنت سمعت هذا من رسول الله؟ وكرر عليه هذا السؤال عدة مرات، فما هو سبب إنكار كعب على أبي هريرة هذا الحديث؟! ولماذا لم يتقبل هذا الحديث؟! ولماذا شك أبو هريرة في الأمر, وظن أنه أمر موجود في التوراة, أو أنه أمر له صلة بالتوراة؟! لذلك رد عليه: أأقرأ التوراة؟! أليس لأن كعب الأحبار يعرف أن بني إسرائيل يحرِّمون لبن الإبل كما حرمه إسرائيل؟! وسبب استنكاره هو أنه يعتقد أن إسرائيل هو يعقوب عليه السلام!!”.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس ثمة خلاف بين المفسرين والعلماء في أن ” إسرائيل ” هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وقد دلَّ على ذلك: الكتاب، والسنَّة، وأقوال الصحابة، وأقوال المفسرين.

أ. الكتاب:

قوله تعالى ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )

[ آل عمران/الآية93 ].

وقد أنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبًا لليهود الذين زعموا أن ما حرَّمه الله تعالى عليهم ببغيهم إنما هو بسبب أنه كان محرَّمًا على أبيهم يعقوب عليه السلام، فأمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يطلب منهم إحضار ذلك من التوراة، وأنَّى لهم ذلك، فالتوراة ليس فيها تحريم تلك الطيبات ابتداء على يعقوب وبنيه، إنما حرَّمها يعقوب عليه السلام من نفسه على نفسه، ولم تكن من شرع الله وتحريمه.

 

 

* قال الطبري – رحمه الله -:

وأما قوله: ( التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، فإن معناه: قل يا محمد  للزاعمين من اليهود أن الله حرم عليهم في التوراة العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها: ائتوا ( بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا )، يقول: قل لهم: جيئوا بالتوراة فاتلوها، حتى يتبين لمن خفي عليه كذبهم وقيلهم الباطلَ على الله من أمرهم: أن ذلك ليس مما أنزلتُه في التوراة.

( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، يقول: إن كنتم محقين في دعواكم أنّ الله أنزل تحريمَ ذلك في التوراة، فأتونا بها، فاتلوا تحريمَ ذلك علينا منها.

” تفسير الطبري ” ( 6 / 15 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وقوله تعالى: ( مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ) أي: كانت حلالًا لهم قبل نزول التوراة، وهم يعلمون ذلك، ثم قال تعالى:( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) هل تجدون فيها أن ” إسرائيل ” حرَّم على نفسه ما حرَّمته التوراة عليكم، أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة؟ وإذا كان إنما حرَّم هذا وحده وكان ما سواه حلالاً له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرًا منه: ظهر كذبكم، وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى في نسخها، فتأمل هذا الموضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين وما وردوه.

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 321 ).

* وقال الشنقيطي – رحمه الله – في بيان جرائم اليهود في إخفاء بعض ما أنزل الله عليهم -:

ومن ذلك: إنكارهم أن الله حرَّم عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم، كما قال تعالى: ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) [ النساء / من الآية 160 ]، وقوله: ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) [ الأنعام / الآية 146 ].

فإنهم أنكروا هذا، وقالوا: لم يحرَّم علينا إلا ما كان محرَّمًا على إسرائيل، فكذَّبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى: ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [ آل عمران / الآية 93 ]. ”  أضواء البيان ” ( 1 / 371 ).

ب. السنَّة:

وقد بيَّنت السنَّة النبوية أن ” إسرائيل ” هو يعقوب عليه السلام، وقد اعترف بذلك اليهود في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث بيان سبب تحريم يعقوب على نفسه ما أحلَّه الله له، وبيان ذلك المحرَّم.

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَخْبِرْنَا عَنْ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: ” مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ, مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ, يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ” فَقَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: “زَجْرُهُ بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ ” قَالُوا: صَدَقْتَ، فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: ” اشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا, فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا؛ فَلِذَلِكَ حَرَّمَهَا ” قَالُوا: صَدَقْتَ. رواه الترمذي ( 3117 ) والنسائي في ” الكبرى ” ( 9072 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  2. وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنْ الْيَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ, فَكَانَ فِيمَا سَأَلُوهُ: أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ؟ قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَام مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ, فَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الْإِبِلِ, وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. رواه أحمد ( 4 / 277 ) وحسَّنه محققو المسند.

وفي الحديثين بيان الشيء الذي حرَّمه يعقوب عليه السلام على نفسه وهما: لحوم الإبل وألبانها، وسبب ذلك أنه نذر لله تعالى أن يحرِّم على نفسه أحب الطعام وأحب الشراب إليه، فكانا لحم ولبن الإبل، وذلك إن شفاه الله من مرض عرق النَّسا، والذي كان يتناولهما أثناء مرضه.

ج. أقوال الصحابة:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

أما قول ابن مسعود: فوصله عبد بن حميد، وابن أبي حاتم بإسنادٍ حسنٍ عنه قال: ” إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل. ” فتح الباري ” ( 6 / 373 ).

وفي قول ابن مسعود – رضي الله عنه – أن ” إلياس ” هو ” إدريس ” وقفة، ليس هذا مجال البحث فيها.

د. أقوال المفسرين:

لا يُعرف بينهم خلاف، ولا داعي لإكثار النقل في ذلك، ونكتفي بنقلين:

  1. * قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

يعني بقوله جل ثناؤه: ( يا بني إسرائيل ) ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، وكان يعقوب يدعى ” إسرائيل “، بمعنى: عبد الله وصفوته من خلقه. و” إيل ” هو الله، و” إسرا ” هو العبد، كما قيل: ” جبريل ” بمعنى عبد الله.

” تفسير الطبري ” ( 1 / 553 ) -.

 

 

  1. * وقال الشوكاني – رحمه الله -:

( يا بني إسرائيل ) اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: ” عبد الله ” لأن ” إسرا ” في لغتهم هو العبد، و ” إيل ” هو الله.  ” فتح القدير ” ( 1 / 116 ).

ثانيًا:

وليس مع من نفى أن ” إسرائيل ” هو يعقوب عليه السلام حجة، وقد رأينا أن بعض ”  القرآنيين ” من أهل الانحراف والضلال هو من يشيع هذا، وهم قوم لا يعبأون بالسنَّة النبوية, ولا يقيمون لها وزنا، فضلاً عن كلام الصحابة رضي الله عنهم في فهم النصوص من القرآن والسنَّة.

ومما استدل به بعض من نفى أن يكون إسرائيل هو يعقوب عليه السلام:

  1. قول تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ) [ مريم / من الآية 58 ].

قالوا: ” فقد ذكر النص ذرية إبراهيم، وقطعاً ” يعقوب ” داخل في الخطاب كونه ابن إسحاق بن إبراهيم فهو من ذريته، وعند ما تم عطف ” إسرائيل ” على النبي إبراهيم: دلَّ ضرورة على أنه ليس من ذريته، وإنما يشترك معه في نسبه إلى آدم المصطفى مثل النبي نوح عليه السلام، فهم أبناء عم مع فارق الزمن بينهم، فإسرائيل رجل صالح ليس نبيًّا “.

وهذا كلام ساقط لا قيمة له، فسياق الآية ليس في ذِكر الصالحين مع الأنبياء، بل هي في الأنبياء فقط، ومن سمَّاهم الله تعالى فهم من خيرتهم، وقد نصَّ على ذِكرهم، ثم أطلق فقال: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا )، وتخصيص ذرية ” إسرائيل ” عليه السلام بالذِّكر إنما هو لعظيم من كان منهم من الأنبياء والمرسلين، كموسى، وعيسى عليهما السلام.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

قال السدِّي وابن جرير – رحمه الله -: فالذي عنى به من ذرية آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى بن مريم. ” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 242 ).

ولو تأمل هذا المتحذلق الذي يزعم أنه ” قرآني “! في الآية لوجدها ترد عليه، فأولها قوله تعالى: ( أُولَئِكَ ) فعلى من يعود هذا الضمير؟ إنه بل شك يعود على من ذُكر من الأنبياء قبل هذه الآية، هم: إسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس، وبعد أن ذكرهم الله تعالى بأسمائهم قال: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَم … ) وهو واضح، ولكن طمس الله على بصيرة أولئك الزنادقة الذين كفروا بالقرآن والسنَّة، وزعموا أنهم على الإسلام.

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

الإشارة في قوله ( أُولَئِكَ ) راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة، وقد بيَّن الله هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم.

وزاد على هذا في سورة ” النساء ” بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في قوله: ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ). ” أضواء البيان ” ( 3 / 442 ).

فانظر الفرق بين السياقين في السورتين, يتبين لك ضلال من جعل ” إسرائيل ” عليه السلام في سورة مريم من الصالحين، وهي في سياق ذِكر الأنبياء.

ومن المحتمل أن يكون المراد بالآية هنا: جنس الأنبياء، وليس فقط من ذُكر في هذه السورة، وهو قول ابن كثير – رحمه الله -، وعلى كلا القولين ليست الآية في ذِكر الصالحين مع الأنبياء، بل إما من ذُكر منهم في السورة، أو جنسهم – عليهم السلام -.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى هؤلاء النبيون – وليس المراد هؤلاء المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء عليهم السلام، استطرد من ذِكر الأشخاص إلى الجنس – (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ) الآية.

ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنسُ الأنبياء: أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ. وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) إلى أن قال: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) [ الأنعام / الآية 83 – 90 ]، وقال تعالى:( مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ )[ غافر / من الآية 78 ].

” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 241 ، 242 ).

  1. ومما استدلوا به: قوله تعالى: ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ) [ آل عمران / من الآية 93 ].

قالوا: ” وهذا صريح في نفي النبوة عن إسرائيل، إذ لو كان نبيًّا, لمَا حرَّم على نفسه شيئاً دون وحي من الله عز وجل، ولو كان نبيًّا وفعل ذلك لنزل الوحي, وصحح ذلك, مثل قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) [ التحريم / من الآية 1 ] “.

 

 

وما قاله هذا القائل فيه تخبط:

أ. فهو يقول: ” لو كان نبيًّا لمَا حرَّم على نفسه شيئاً دون وحي من الله عز وجل “! ثم يتناقض ويثبت أن  نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قد حرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له دون وحي من الله! فسقطت مقدمته.

ب. ثم يقول ” ولو كان نبيًّا وفعل ذلك, لنزل الوحي وصحح ذلك “! وهذا اعتراض على الله تعالى, وإلزام له بأن يفعل ما يشاء هذا الكاتب! فما المانع أن يقر الله تعالى تحريم يعقوب على نفسه ما أحلَّ الله له، ويمنع نفسه منه، ولا يقر نبيه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؟ إن في هذا أبلغ الحكَم، فانظر ماذا نتج من تحريم  يعقوب على نفسه ما حرَّم من كشف زيغ اليهود وإفكهم، وانظر ماذا ترتب على منع النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم ما أحلَّ الله له من تربية نسائه، ووعظهنَّ أبلغ موعظة، فشتان بين منع نبي الله يعقوب ما تحبه نفسه وفاء بنذره لربه تعالى، وبين منع نبينا صلى الله عليه وسلم لما يحبه ابتغاء مرضاة أزواجه، ثم يأتي مثل هؤلاء ليعترض الواحد منهم بجهله وتخبطه على إرادة الله تعالى، وفعله، وتشريعه، وحكمته.

فتبين من ذلك: أن للنبي أن يجتهد في التحريم والتحليل، فإما أن يُقرَّ عليه، أو يُنكر عليه من ربه عز وجل.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

واختُلف هل كان التحريم من ” يعقوب ” باجتهاد منه، أو بإذن من الله تعالى؟ والصحيح: الأول؛ لأن الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى: ( إِلاَّ مَا حَرَّمَ ) وأن النبي إذا أدَّاه اجتهاده إلى شيء: كان دينًا يلزمنا اتباعه؛ لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك، وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه، كذلك يؤذن له ويجتهد، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه، ولولا تقدم الإذن له في تحريم ذلك: ما تسور على التحليل والتحريم.

وقد حرَّم نبيُّنا صلى الله عليه وسلم العسلَ على الرواية الصحيحة – أو خادمه ” مارية ” -: فلم يقرَّ الله تحريمه، ونزل: ( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) [ التحريم / من الآية 1 ]. ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 135 ).

ج. ومما يرد على الشبهة تلك من أصلها أن يقال: إن ” التحريم ” الوارد في الآيتين من النبييْن عليهما السلام هو بالمعنى اللغوي، وهو ” المنع “! وليس بالمعنى الشرعي؛ لأنه لا يُتصوَّر وجود تحريم بالمعنى الشرعي على الشخص بنفسه، وإنما يكون ذلك إذا جعله محرَّمًا على الناس، وينسب ذلك للشرع، وهو ما لم يكن من النبييْن عليهما السلام، ومما يدل على ذلك أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام بعد أن منع نفسه من ” العسل ” وعاتبه ربه عتابًا لطيفًا: ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [ التحريم / الآية 2 ]، وقد أخذ التحريم هنا حكم اليمين، لذا جاءت كفارته كفارة اليمين، وليس هذا كفارة من حرَّم ما أحلَّ الله تحريمًا شرعيًّا.

 

* قال أبو حيَّان الأندلسي – رحمه الله -:

ومعنى ( تُحَرّمُ ): تمنع، وليس التحريم المشروع بوحي من الله، وإنما هو امتناع؛ لتطييب خاطر بعض مَن يحسن معه العشرة.

” تفسير البحر المحيط ” ( 8 / 284 ).

* وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وفعل ( تُحَرِّمُ ) مستعمل في معنى: تجعل ما أحلّ لك حرامًا، أي: تحرّمه على نفسك، كقوله تعالى: ( إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ ) [ آل عمران / من الآية 93 ]، وقرينتهُ: قوله هنا: ( مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ).

وليس معنى التحريم هنا نسبة الفعل إلى كونه حرامًا كما في قوله تعالى: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) [ الأعراف / من الآية 32]، وقوله: ( يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ) [ التوبة / من الآية 37 ].

ولا يخطر ببال أحدٍ أن يتوهم منه أنك غيّرت إباحته حرامًا على الناس، أو عليك. ” التحرير والتنوير ” ( 28 / 346 ، 347 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حرَّم ما أحل الله له؛ طلباً لمرضاة زوجاته؛ وتأليفاً لقلوبهم، ولكنه لم يحرِّمه شرعًا، يعني: لم يحرمه حكماً شرعيًّا، إنما حرَّمه امتناعًا، يعني: حرَّمه على نفسه، كما تقول: ” حرامٌ عليَّ أن ألبس هذا الثوب “، ” حرامٌ عليَّ أن أدخل هذا البيت “، “حرامٌ عليَّ أن أشتري هذه السيارة ” مثلًا.

هذا ليس تحريمًا شرعيًّا، لكنه تحريم امتناع، يعني: أنني ألزم نفسي بأن أمتنع من هذا الشيء. ” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 573 ، 574 ).

  1. ومما استُدل به من نفى أن يكون ” إسرائيل ” هو يعقوب عليه السلام قول بعضهم: ” ولم يذكر الله عز وجل ” إسرائيل ” أبداً بصفة النبوة، بينما يعقوب قد تمَّ ذكره مع الأنبياء “.

وقد سبق بيان خطأ هذا القول، وعدم مطابقته للواقع، وذلك فيما سبق، عند الحديث على آية ” مريم “، وفيها بيان أن ” إسرائيل ” ذُكر مع الأنبياء عليهم السلام.

ومن أكثر ما يتعجب منه المسلم من جرأة هذا الكاتب: ما ختم به مقاله من قوله: ” والخطاب في القرآن ( يا بني إسرائيل ) إنما هو للعرب! وكذلك خطاب التفضيل والإنعام عليهم! “.

ويغني فساد هذا القول عن إفساده، ويغني بطلانه عن إبطاله، فلم تعجب هذا الكاتب النصوص الواردة في أن إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، فراح يزعم أنه من ” الصالحين “، ثم جزم أنه من ” العرب “! فواعجبا من هذه الجرأة.

 

 

ثالثًا:

ونحن لم نطلع على الكتاب المذكور في السؤال، ولا نظنه يخرج في ادعاءاته وزعمه عما ذكرناه عن ذلك الكاتب الضال، وأما بخصوص ما ختم به الأخ سؤاله حول قصة كعب الأحبار مع أبي هريرة – رضي الله عنه -: فلنرَ الحديث في مظانه، ولنقف على كلام أهل العلم فيه:

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلاَ أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأْرَ، أَلاَ تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْبًا فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ ذَلِكَ مِرَاراً، قُلْتُ: أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟. رواه البخاري ( 3129 ) ومسلم ( 2997 ) .

وهذا الحديث الصحيح فيه بيان ظن النبي صلى الله عليه وسلم أن ” الفئران ” هم المسخ الذي حصل في بني إسرائيل المعتدين منهم، وهذا قبل أن يُوحى إليه أنهم مُسخوا قردة وخنازير، وأنهم لم يتناسلوا، وقد استدل النبي صلى الله عليه وسلم بعدم شرب الفأر من لبن الإبل على أنهم هم المسخ، وهو يؤكد ما قلناه من أن ما حرَّمه يعقوب على نفسه إنما تبعه عليه بنوه تقليداً له، حتى نزلت التوراة بتحريم ذلك عليهم جزاء بغيهم، وهم كذبوا في ادعائهم أنها حرمات بسبب يعقوب عليه السلام.

وهذا الذي قاله أبو هريرة – رضي الله عنه – لم يتردد فيه، ولم ينقله عن التوراة، ولا عن الكتب السابقة، وقد سكت كعب الأحبار عن مجادلته عندما أكَّد أبو هريرة – رضي الله عنه – سماع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم.

* قال النووي- رحمه الله -:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” فقدت أمة من بني إسرائيل, لا يدرى ما فعلت, ولا أراها إلا الفأر, ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربها، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته) معنى هذا: أن لحوم الإبل وألبانها حُرِّمت على بني إسرائيل، دون لحوم الغنم وألبانها، فدل بامتناع الفأرة من لبن الإبل دون الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل.

قوله: ” قلت: أأقرأ التوراة؟ ” هو بهمزة الاستفهام، وهو استفهام إنكار، ومعناه: ما أعلم، ولا عندي شيء إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنقل عن التوراة، ولا غيرها من كتب الأوائل شيئاً، بخلاف كعب الأحبار وغيره ممن له علم بعلم أهل الكتاب. ” شرح مسلم ” ( 18 / 124 ).

* وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

والحاصل: أن أبا هريرة قال: ” أنا أقرأ التوراة حتى أنقل منها؟ ولا أقول إلا من السماع عن رسول الله “. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 15 / 194).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله: ” فقلت: أفأقرأ التوراة؟ ” هو استفهام إنكار، وفي رواية مسلم: ” أفأنزلت عليَّ التوراة؟ ” وفيه: أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأن الصحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه: يكون للحديث حكم الرفع، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دلالة على تورعه.

وكأنهما جميعًا لم يبلغهما حديث ابن مسعود قال: ” وذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم القردة والخنازير فقال: ” إِنَّ الله لَمْ يَجْعَل لِلمَسْخِ نَسْلاً, وَلاَ عَقِباً, وَقَدْ كَانَتْ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ ” – رواه مسلم ( 2636 ) – وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: ” لاَ أُراهَا إِلاَّ الفَأْرَ ” وكأنه كان يظن ذلك، ثم أُعلم بأنها ليست هي.

قال ابن قتيبة: إن صح هذا الحديث، وإلا فالقردة، والخنازير هي الممسوخ بأعيانها، توالدت. قلت: الحديث صحيح.” فتح الباري ” ( 6 / 353 ).

فتحريم ألبان الإبل ولحومها على بني إسرائيل موجود في التوراة، وهي من الطيبات التي حرَّمها الله تعالى عليهم جزاء بغيهم وظلمهم، وهم كذبوا في زعمهم أنهما محرمان بتحريم الله على أبيهم يعقوب عليه السلام، وكعب الأحبار وجد التحريم على بني إسرائيل في ” التوراة “، وأبو هريرة نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه استغراب كعب – رحمه الله -، ثم ليس له إلا التسليم للحديث, وأن ما نقله أبو هريرة ليس عن التوراة, إنما عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسكت، وسلَّم، ومع ما ذكرناه سابقاً من تفصيل في المسألة يتبين بلا أدنى شك أن ” إسرائيل ” هو ” يعقوب ” – عليه السلام – ، وقد جرَّ إثبات ذلك إلى فوائد نسأل الله أن تكون نافعة للقراء.

 

والله أعلم.

حكم إطلاق الألقاب، والتنابز بها، وتوجيه حول لقب ” حمار ” لصحابي!

التفصيل في حكم إطلاق الألقاب على الناس، وكلمة حول إطلاق لقب ” حمار ” على صحابي!

السؤال:

سؤالي يتعلق بالألقاب، فإن زملائي في المدرسة يلقبون بعضهم البعض بألقاب مختلفة، ولا ينزعج بعضهم من بعض، فهل هذا جائز؟ وهل صحيح  أن النبي صلى الله عليه وسلم داعب امرأة طاعنة في السن وقال لها: ” لا يدخل الجنة عجوز “؟ وهل صحيح أنه كان هناك رجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يُلقب بـ ( حمار )؟ فكيف نجمع بين هذه الأحاديث وقول الله تعالى في سورة الحجرات: ( ولا تنابزوا بالألقاب )؟.

 

الجواب:       

الحمد لله

أولًا:

الأصل أن يُطلق على الإنسان أحب الأسماء إليه، ولا بأس بمخاطبته بكنيته التي يحبها، وأما اللقب فإن غالب استعماله في الذم، ولذا فيترك، إلا أن يُعرف أن صاحبه لا يكرهه، أو أنه لا يُعرف إلا به، وأما تلقيب الشخص بقلب يكرهه: فلا يحل فعله، وهو من التنابز المنهي عنه في الشرع، والتلقيب بألقاب فاحشة ومنكرة منتشر بين الطلاب بعضهم مع بعض، ويطلقونه على مدرسيهم، كما أنه منتشر بين أهل المهن اليدوية، وأكثر تلك الألقاب منهي عنها، وكثير منها لا يخلو من طعن، وقذف في العرض، واتهام بالسوء والفحش، وتعييب خلقة الله تعالى.

قال الشاعر:

أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبه والسوأة اللقب

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الفرق بين الاسم والكنية واللقب:

هذه الثلاثة وإن اشتركت في تعريف المدعو بها: فإنها تفترق في أمرٍ آخر، وهو: أن الاسم إما أن يُفهم مدحاً، أو ذمًّا، أو لا يفهم واحداً منهما، فإن أفهم ذلك فهو: اللقب، وغالب استعماله في الذم، ولهذا قال الله تعالى: ( ولا تنابزوا بالألقاب ) [ الحجرات / من الآية 11 ]، ولا خلاف في تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواء كان فيه، أو لم يكن، وأما إذا عُرف بذلك واشتهر به، كالأعمش، والأشتر، والأصم، والأعرج: فقد اضطرد استعماله على ألسنة أهل العلم، قديماً، وحديثاً، وسهَّل فيه الإمام أحمد.

قال أبو داود في ” مسائله “: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يكون له اللقب لا يُعرف إلا به، ولا يكرهه، قال: أليس يقال سليمان الأعمش، وحميد الطويل؟ كأنه لا يرى به بأسًا.

قال أبو داود: سألت أحمد عنه مرة أخرى فرخص فيه، قلت: كان أحمد يكره أن يقول: ” الأعمش “، قال الفضيل: يزعمون كان يقول: ” سليمان “.

وإما أن لا يُفهم مدحًا، ولا ذمًّا، فإن صُدِّر بـ ” أب “، و” أم “: فهو الكنية، كأبي فلان، وأم فلان.

وإن لم يُصدر بذلك: فهو الاسم، كزيد، وعمرو، وهذا هو الذي كانت تعرفه العرب، وعليه مدار مخاطباتهم، وأما فلان الدين، وعز الدين، وعز الدولة، وبهاء الدولة: فإنهم لم يكونوا يعرفون ذلك، وإنما أتى هذا من قبَل العجم. ” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 135 ، 136 ).

وعليه: فما يحصل بين الطلاب من إطلاق ألقاب بعضهم على بعض: فإنه يُنظر في أمرين حتى يكون مباحًا:

الأول: خلو اللقب من فحش، وسوء، وقذف، ولو رضي به الملقَّب؛ لأنه قد يكون سفيهًا, ولا يهتم لطعن الناس، وقذفهم، أو قد يكون اللقب فيه طعن في أهله الذين يكرههم، فيمنع من إطلاق اللقب الفاحش لكونه منكراً بذاته، ولو رضي به الملقَّب.

الثاني: رضا الملقَّب بما أطلق عليه من ألقاب، وعدم كراهيته له، فهو صاحب الحق، وله منع الناس من تلقيبه، كما له الحق في الموافقة عليه.

فإذا خلا اللقب من فحش وسوء في ذاته، ورضي به الطالب – وغيره -: فلا مانع من إطلاق ذلك اللقب عليه.

وأحيانا يكون اللقب ملتصقا بالطالب – وغيره – لا ينفك عنه، ولا يُعرف إلا به، فيجوز إطلاقه عليه من باب التعريف، لا من باب المناداة به، وبينهما فرق.

* قال الحافظ العلائي – رحمه الله -:

والحاصل أن الألقاب على ثلاثة أقسام:

قسم منها لا يُشْعِرُ بذمٍّ، ولا نقص، ولا يَكره صاحبُه تسميته به: فلا ريب في جوازه كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” أصَدَقَ ذو اليدين؟ ” فقد تقدم أن هذا الصحابي – رضي الله عنه – كانت يداه طويلتين، وأنه يحتمل أن يكون ذلك كناية عن طولهما بالبذل، والعمل، وأيًّا ما كان: فليس ذلك مما يقتضي ذمًّا، ولا نقصًا.

وثانيهما: يُشعر بتنقص المسمَّى به، وذمِّه، وليس ذلك بوصف خَلْقي: فلا ريب من تحريم ذلك؛ لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضا المسمَّى به بذلك، كما لا يرتفع تحريم القذف، والكذب برضا المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله.

وثالثها: ما يشعر بوصف خَلقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشل، والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلَم له بحيث أنه ينفك عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالبًا: فليس بمحرم، ولعل إجماع أهل الحديث قديماً وحديثاً على استعمال مثل ذلك، ولا يضر كون المقول فيه يكرهه؛ لأن القائل لذلك لم يقصد تنقصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة كما جاز جرح الرواة وذكر مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العلمية، والتعريف له: فلا يسمى لقباً، ولكنه إذا علم رضا المقول فيه بذلك، ولم يقصد تنقصه بهذا الوصف: لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين: كان حرامًا, والله أعلم.

” نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد ” ( ص  420 – 421 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص السؤل عن حديث: ” لا يدخل الجنة عجوز “: فقد رواه الإمام الترمذي في ” الشمائل المحمدية ” ( ص 199 ) عن الحسن البصري قال:

أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال: فولَّت تبكي، فقال: أَخْبِرُوهَا أَنَّها لاَ تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ الله تعالى يَقُول: (  إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً . عُرُباً أَتْرَابًا ) [ الواقعة / الآية 35 – 37 ]. انتهى.

والحديث كما هو ظاهر: مرسل، ولذا ضعفه طائفة من علماء الحديث، وهو حريٌّ بالتضعيف، وفي متنه نكارة، وهو ترويع النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة، وقد نهانا عن الترويع جادين، وهازلين، وليس هذا من خلُقه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الشيخ الألباني – رحمه الله – للحديث شواهد، وحسَّنه بها، فانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2987 ) ، فالله أعلم.

وعلى فرض ثبوت الحديث, فإن ما يجري على سبيل المزاح وإن كان لا يحرم لكنه لا ينبغي لذوي المروءة أن يتنابزوا بالألقاب ولو مزحاً؛ لأن هذا المزح ربما يؤدي إلى مخاصمة ونزاع في المستقبل، وربما يسمعه أحدٌ آخر فيأخذ بهذا اللقب ويُعَيِّرُ به من لُقب به على وجه الجد لا على وجه المزح؛ لهذا نرى أن الأولَى بكل ذي مروءة أن يتجنب التنابز بالألقاب ولو على سبيل المزح.

ثالثًا:

وأما بخصوص الصحابي الذي كان يلقب ” حمارًا “: فقد ثبت هذا في البخاري وغيره.

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ, وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا, وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ, فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا, فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ, مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ “.رواه البخاري ( 6398 ).

 

 

والسؤال هو: كيف أُطلق عليه هذا اللقب، وظاهر الأمر أنه لقب سوء؟

والجواب من وجوه:

  1. أن هذا اللقب كان يُرضى به عند العرب – وبمثله – اسمًا! وليس فقط لقبًا، ومنه اسم الصحابي ” عياض بن حمار “، و” عبد الله بن جحش “، وغيرهما، وإنما كان يُنظر في ذلك لمعانٍ غير التي يتوهمها أهل زماننا.

ومن ذلك ما لقِّب به الخليفة الأموي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فقد لقِّب ” مروان الحمار “! لصبره، وجلَده.

* قال الإمام الذهبي – رحمه الله -:

ويقال: فلان أصبر من حمار في الحروب، ولهذا قيل له: ” مروان الحمار “؛ فإنه كان لا يخف له لبدٌ في محاربة الخارجين عليه. ” تاريخ الإسلام ” ( 8 / 534 ).

* قال الحافظ بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله: ” وكان يلقب حمارًا “: لعله كان لا يكره ذلك اللقب, وكان قد اشتهر به.

” عمدة القاري ” ( 23 / 270 ).

  1. وقد يكون لا يرضى به لقباً له، وعليه: فمن يلقبه به فهو آثم، ومن نقل في الحديث لقبه: فقد أراد التعريف به، وقد سبق بيان الفرق بين التلقيب، والتعريف.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هذا الرجل كان اسمُه: ” عبد الله “، وكان يلقب: ” حمارًا “، يعني تقول: ” يا حمار “!، لكن هل كان يرضى به أو لا يرضى؟ إن كان يرضى به: فلا حرج، وإن كان لا يرضى به: فإنه يحرم، هذا مقتضى الأدلة.

وتعرفون أن كلمة ” حمار ” في ذلك العهد قد يُسمَّى به الرجل، فقد مرَّ عليكم ” عياض بن حمار “. ” شرح صحيح البخاري ” شرح كتاب الفرائض والحدود والديات ( شريط رقم 5، الوجه أ ).

رابعًا:

ووردت آثار في النهي عن السب والشتم والتنابز بالألقاب ومن ذلك ما يأتي:

1- أخرج ابن جرير في تفسيره (29295) عن ابن عباس – رضي الله عنهما – “وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ” [الحجرات:11] قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله.

2- وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه “وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ” قال: أن يقول إذا كان الرجل يهودياً فأسلم يا يهودي يا نصراني يا مجوسي ويقول للرجل المسلم يا فاسق.

3- أخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله تعالى: “وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ” [الحجرات:11] قال: أن يسميه بغير اسم الإسلام، يا خنزير، يا حمار ، يا كلب.

4- وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة “وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ” قال: لا تقل لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق. [ينظر: الدر المنثور ( 7/564)].

إن كان هذا اللقب مما لا يكرهه هذا الشخص فيجوز، وإن كان مما يكرهه فلا يجوز ذكره بما يكره، لقوله صلى الله عليه وسلم: “الغيبة ذكرك أخاك بما يكره” رواه مسلم.

ولقوله سبحانه وتعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب)[الحجرات:11] أي الألقاب المكروهة، وأما الألقاب الحسنة التي يحبها من لقب بها فلا بأس، وقد لقب النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه، كتلقيبه لخالد بن الوليد بسيف الله.

 

والله أعلم.

 

* سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ما حكم التنابز بالألقاب ولو كان ذلك مزاحا؟.

الجواب:

قال الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} [ الحُجرَات / من الآية11 ] ؛ يعني بالألقاب السيئة التي تسوء المرء, وأما ما يجري على سبيل المزاح؛ فإنه وإن كان لا يحرم لكنه لا ينبغي لذوي المروءة أن يتنابزوا بالألقاب ولو مزحا؛ لأن هذا المزح ربما يؤدي إلى مخاصمة ونزاع في المستقبل، وربما يسمعه أحدٌ آخر فيأخذ بهذا اللقب ويُعَيِّرُ به من لُقب به على وجه الجد لا على وجه المزح؛ لهذا نرى أن الأولَى بكل ذي مروءة أن يتجنب التنابز بالألقاب ولو على سبيل المزح. انتهى.

 

والله أعلم.

 

صحة ومعنى حديث: ” نية المؤمن خير من عمله “.

” نية المؤمن خير من عمله ”

السؤال:

أريد أن أعرف صحة حديث ورد بمعنى ” نية المؤمن خير من عمله “؟.

وما هو المعنى إن صح هذا الحديث؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

* هذا الحديث ورد عن جماعة من الصحابة – رضوان الله عليهم-:

الحديث الأول:

عن سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملًا نار في قلبه نور “. رواه الطبراني في “المعجم الكبير” (6/185), ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في “حلية الأولياء” (3/255) وقال: غريب، لم نكتبه إلا من هذا الوجه.

يقول الشيخ الألباني في “السلسلة الضعيفة” (رقم/2216):

” هذا سند ضعيف، يحيى بن قيس الكندي أورده ابن أبي حاتم (4/2/182) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الحافظ في ” التقريب “: ” مستور “. وحاتم بن عباد لم أجد له ترجمة. وأخرجه الخطيب في “التاريخ” ( 9/237 ) من طريق سليمان النخعي عن أبي حازم به دون قوله: ” فإذا عمل”. وسليمان النخعي; هو ابن عمرو، وكان من أكذب الناس كما قال أحمد “. انتهى. وضعفه العراقي في “تخريج الإحياء” (5/91).

الحديث الثاني:

عن النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله “. رواه القضاعي في “مسند الشهاب” (1/119) قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث الأصبهاني، أبنا ذو النون بن محمد الصائغ، ثنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، ثنا محمد بن حمران القشيري، ثنا عثمان بن عمر الضبي، ثنا عثمان بن عبد الله الشامي، ثنا بقية، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن النواس بن سمعان الكلابي به.

* قال الشيخ الألباني في “السلسلة الضعيفة” (رقم/2789):

” هذا موضوع، الشامي هذا كان يضع الحديث, والنصيبي لم أعرفه .ثم رواه القضاعي من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس دون الشطر الثاني منه .

قلت: ويوسف بن عطية متروك ” انتهى .

وضعفه العراقي في “تخريج الإحياء” (5/91).

الحديث الثالث:

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن أبلغ من عمله “.

جاء عن أنس من طريقين اثنين:

الأول: رواه البيهقي في “شعب الإيمان” (14/388) – ويبدو أن في إسناده سقطًا – قال:  أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، عن ثابت، عن أنس به.

قال البيهقي عقبه: هذا إسناد ضعيف.

الثاني: ورواه القضاعي في “مسند الشهاب” والحافظ السلفي في “الطيوريات” (رقم/665) من طريق يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت عن أنس.

ويوسف بن عطية متروك.

الحديث الرابع:

عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله “. رواه ابن عبد البر في “التمهيد” (12/265) قال: حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو طالب العباس بن أحمد بن سعيد بن مقاتل بن صالح مولى عبد الله بن جعفر، قال حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، علي بن حسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب به.

الحديث الخامس:

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله “. رواه الربيع بن حبيب في مسنده (حديث رقم/1) قال: حدثني أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، عن جابر بن زيد الأزدي، عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – به.

* قال الشيخ الألباني- رحمه الله -:

” وهذا إسناد ضعيف بمرة؛ مسلم هذا مجهول كما قال أبو حاتم والذهبي, والربيع بن حبيب – وهو الفراهيدي البصري – إباضي مجهول ليس له ذكر في كتب أئمتنا، ومسنده هذا هو ” صحيح الإباضية “! وهو مليء بالأحاديث الواهية والمنكرة ” انتهى. “السلسلة الضعيفة” (رقم/2789).

الحديث السادس:

عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن خير من عمله، وإن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله، وذلك أن النية لا رياء فيها، والعمل يخالطه الرياء “.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

” موضوع. أخرجه الديلمي في “مسند الفردوس ” (3/103 – الغرائب الملتقطة) من طريق شعيب بن إدريس, عن علي بن أحمد عن أحمد بن عبد الله الهروي, عن أبي هريرة منصور بن يعقوب, عن سعيد, عن قتادة, عن أبي بردة عن أبي موسى … رفعه.

* قلت – أي الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وهذا موضوع؛ آفته أحمد بن عبد الله الهروي، فإني أظنه الجويباري الكذاب المشهور؛ فإنه من أهل هراة، ومن هذه الطبقة. قال ابن حبان في “الضعفاء” (1/142): ” دجال من الدجاجلة، كذاب، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا, ولولا أن أحداث أصحاب الرأي بهذه الناحية خفي عليهم شأنه؛ لم أذكره في هذا الكتاب لشهرته عند أصحاب الحديث قاطبة بالوضع “. ومن دونه لم أعرفهما ” انتهى.

“السلسلة الضعيفة” (رقم/6045).

الخلاصة:

أن غالب طرق الحديث شديدة الضعف، وأمثلها حديث سهل بن سعد، وحديث أنس بن مالك برواية البيهقي، وهذان الطريقان ضعفهما يسير؛ لذلك مال بعض أهل العلم إلى تحسين الحديث، منهم الإمام السخاوي فقال: ” روي من طرق فيها مقال، لكن يتأكد بعضها من بعض، ولا يبعد أن يرتقي بالنظر بمجموعها إلى الحسن ” انتهى. “الأجوبة المرضية” (1/345)، وقال الشيخ الزرقاني في “مختصر المقاصد” (1154): حسن لغيره.

ثانيًا:

والذي رأيناه عند عامة أهل العلم قبول معنى الحديث السابق – سواء صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يصح – وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، فقد سئل عن هذا الحديث فقال:

” هذا الكلام قاله غير واحد؛ وبعضهم يذكره مرفوعًا، وبيانه من وجوه:

أحدها: أن النية المجردة من العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن مَن عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص لله لم يقبل منه ذلك، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة “.

الثاني: أنَّ مَن نوى الخير وعمل منه مقدوره وعجز عن إكماله كان له أجر عامل، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر “، وقد صحح الترمذي حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أربعة رجال: ” رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل فيه بطاعة الله, ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا, فقال: لو أن لي مثل ما لفلان, لعملت فيه مثل ما يعمل فلان, قال: فهما في الأجر سواء, ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا فهو يعمل فيه بمعصية الله, ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان, قال: فهما في الوزر سواء ” ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من دعا إلى هدى, كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه, من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة, كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء “، وفي الصحيحين – هكذا عزاه شيخ الإسلام للصحيحين، وهو في البخاري فقط – عنه أنه قال: ” إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ” ، وشواهد هذا كثيرة.

الثالث: أن القلب مَلِكُ البدن، والأعضاء جنوده، فإذا طاب المَلِك طابت جنوده، وإذا خبث المَلِك خبثت جنوده، والنية عمل المَلِك، بخلاف الأعمال الظاهرة ،فإنها عمل الجنود, الرابع: أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة، كتوبة المجبوب عن الزنا، وكتوبة المقطوع اللسان عن القذف وغيره، وأصل التوبة عزم القلب، وهذا حاصل مع العجز.

الخامس: أن النية لا يدخلها فساد، بخلاف الأعمال الظاهرة، فإن النية أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه، وهذا هو بنفسه محبوب لله ورسوله، مرضي لله ورسوله، والأعمال الظاهرة تدخلها آفات كثيرة، وما لم تسلم منها لم تكن مقبولة.

ولهذا كانت أعمال القلب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة، كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه وضعفه في قلبه.  وتفصيل هذا يطول. والله أعلم ” انتهى. “مجموع الفتاوى” (22/243 – 245) وللإمام أبو حامد الغزالي شرح طويل دقيق لهذا الحديث في كتابه “إحياء علوم الدين ” (4/366 – 368) يرجى مراجعته والإفادة منه.

والله أعلم.

* نقول أخرى في شرح الحديث:

– يقول أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

”  بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله ”

اعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى، والعمل ظاهر، ولعمل السر فضل.

وهذا صحيح، ولكن ليس هو المراد؛ لأنه لو نوى أن يذكر الله بقلبه أو يتفكر في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرًا من التفكر.

وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل، والأعمال لا تدوم، وهو ضعيف؛ لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل، بل ليس كذلك، فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة ، والأعمال تدوم، والعموم يقتضى أن تكون نيته خيرا من عمله.

وقد يقال: إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهو كذلك، ولكنه بعيد أن يكون هو المراد، إذ العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير فيه أصلًا، والنية بمجردها خير، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير.

بل المعنى أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل وكانت النية من جملة الخيرات، وكان العمل من جملة الخيرات، ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل، أي لكل واحد منهما أثر في المقصود، وأثر النية أكثر من أثر العمل، فمعناه: نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته.

والغرض أن للعبد اختيارًا في النية وفى العمل، فهما عملان, والنية من الجملة خيرهما, فهذا معناه.

وأما سبب كونها خيرًا، ومترجحة على العمل، فلا يفهمه إلا مَن فهم مقصد الدين وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد، وقاس بعض الآثار بالبعض، حتى يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود.

فمن قال: ” الخبز خير من الفاكهة ” فإنما يعني به أنه خير بالإضافة إلى مقصود القوت والاغتذاء، ولا يفهم ذلك إلا مَن فهم أن للغذاء مقصدًا: وهو الصحة والبقاء، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها، وفهم أثر كل واحد، وقاس بعضها بالبعض.

فالطاعات غذاء للقلوب، والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعمها بلقاء الله تعالى، فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله فقط، ولن يتنعم بلقاء الله إلا مَن مات محبًا لله تعالى، عارفًا بالله، ولن يحبه إلا من عرفه، ولن يأنس بربه إلا من طال ذكره له، فالأنس يحصل بدوام الذكر، والمعرفة تحصل بدوام الفكر، والمحبة تتبع المعرفة بالضرورة، ولن يتفرغ القلب لدوام الذكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا، ولن يتفرغ من شواغلها إلا إذا انقطع عنه شهواتها، حتى يصير مائلًا إلى الخير، مريدًا له، نافرًا عن الشر، مبغضًا له، وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أن سعادته في الآخرة منوطة بها، كما يميل العاقل إلى الفصد والحجامة لعلمه بأن سلامته فيهما.

وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة, فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليه، فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب, وإرادتها بالعمل تجرى مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة حتى تترشح الصفة وتقوى بسببها.

فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفًا، فإن اتبع بمقتضى الميل واشتغل بالعلم وتربية الرياسة والأعمال المطلوبة لذلك تأكد ميله ورسخ، وعسر عليه النزوع، وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر، وربما زال وانمحق، بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلًا فيميل إليه طبعًا لا ضعفًا لو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر والمجالسة والمخالطة والمحاورة, تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره، فلا يقدر على النزوع عنه، ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى ميله, لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ويكون ذلك زبرًا ودفعًا في وجهه حتى يضعف وينكسر بسببه، وينقمع وينمحي.

وهكذا جميع الصفات والخيرات والطاعات كلها هي التي تراد بها الآخرة، والشرور كلها هي التي تراد بها الدنيا لا الآخرة.

وميل النفس إلى الخيرات الأخروية وانصرافها عن الدنيوية هو الذي يفرغها للذكر والفكر، ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة وترك المعاصي بالجوارح؛ لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة، حتى إنه يتأثر كل واحد منهما بالآخر، فترى العضو إذا أصابته جراحة تألم بها القلب، وترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز من أعزته أو بهجوم أمر مخوف تأثرت به الأعضاء, وارتعدت الفرائص وتغير اللون، إلا أن القلب هو الأصل المتبوع، فكأنه الأمير والراعي، والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع.

فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه، فالقلب هو المقصود، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن في الجسد مضغة, إذا صلحت صلح لها سائر الجسد “. متفق عليه من حديث النعمان بن بشير, وقال الله تعالى : ( لن ينال لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى  منكم ) وهي صفة القلب.

فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح، ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل؛ لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له، وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعود القلب إرادة الخير، ويؤكد فيه الميل إليه، ليفرغ من شهوات الدنيا، ويكب على الذكر والفكر، فبالضرورة يكون خيرًا بالإضافة إلى الغرض، لأنه متمكن من نفس المقصود، وهذا كما أن المعدة إذا تألمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر، وتداوى بالشرب والدواء الواصل إلى المعدة، فالشرب خير من طلاء الصدر؛ لأن طلاء الصدر أيضًا إنما أريد به أن يسرى منه الأثر إلى المعدة، فما يلاقي عين المعدة فهو خير وأنفع.

فهكذا ينبغي أن تفهم تأثير الطاعات كلها، إذ المطلوب منها تغيير القلوب وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح، فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضًا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فإن من يجد في نفسه تواضعًا فإذا استكان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد تواضعه، ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه وقبله تأكد الرقة في قلبه، ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدًا أصلًا؛ لأن من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظان أنه يمسح ثوبًا لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة، وكذلك من يسجد غافلًا وهو مشغول الهم بأعراض الدنيا لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتأكد به التواضع، فكان وجود ذلك كعدمه، وما ساوى وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمى باطلًا، فيقال: العبادة بغير نية باطلة. وهذا معناه إذا فعل عن غفلة, فإذا قصد به رياء أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه، بل زاده شرًّا، فإنه لم يؤكد الصفة المطلوبة تأكيدها حتى أكد الصفة المطلوب قمعها، وهي صفة الرياء التي هي من الميل إلى الدنيا.  فهذا وجه كون النية خير من العمل” انتهى.

” إحياء علوم الدين ” (4/366 – 368) .

التمهيد ابن عبد البر م/24 ت مصطفى العلوي ومحمد البكري مؤسسة قرطبة – (ج 12 / ص 265) .

ومعنى هذا الحديث – والله أعلم – أن النية بغير عمل خير من العمل بلا نية؛ وتفسير ذلك أن العمل بلا نية لا يرفع ولا يصعد, فالنية بغير عمل خير من العمل بغير نية؛ لأن النية تنفع بلا عمل والعمل بلا نية لا منفعة فيه, ويحتمل أن يكون المعنى فيه نية المؤمن في الأعمال الصالحة أكثر مما يقوى عليه منه, ونية الفاجر في الأعمال السيئة أكثر مما يعمله منها, ولو أنه يعمل ما نوى في الشر أهلك الحرث والنسل ونحو هذا, والله أعلم.

ويدل هذا الحديث على أن المؤمن قد يقع منه عمل بغير نية, فيكون لغوًا, وهو مع ذلك مؤمن, ويدل أيضًا على أن المؤمن قد ينوي من الأعمال ما لا يعان عليه, وأن الفاجر قد ينوي من الأعمال ما يعصم منه, ولا يصل إليه وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ظاهره هذا الحديث, وليس بمعارض له إذا حمل على ما وصفنا, والله أعلم.

التمهيد ابن عبد البر م/24 ت مصطفى العلوي ومحمد البكري مؤسسة قرطبة – (ج 12 / ص 266).

لقاء الباب المفتوح ابن عثيمين 236 لقاءا – (ج 5 / ص 51) :

– معنى مقولة: ” نية المؤمن خير من عمله “.

السؤال:

فضيلة الشيخ عفا الله عنك، ما معنى قول بعض الناس: نية المؤمن خير من عمله؟.

الجواب:

معناه أن النية قد يدرك بها ما لا يدرك بالعمل، مثل: أن يكون رجلًا عاجزًا عن فعل الطاعة، فيتمنى أن يدرك هذه الطاعة فينويها، فهذه قد تكون خير من العمل، ولهذا جاء في الحديث: ” من لم يغز, ولم يحدث نفسه بالغزو, مات على شعبة من النفاق “، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منزلة الشهداء وإن مات على فراشه “.

السائل:

ماذا يستثنى منه؟ الجواب: يستثنى منه إذا كان الإنسان قادرًا على العمل ولكنه لم يعمل، فلا نقول: هذا الرجل نيته خير من عمله؛ لأنا لو قلنا هذا بقي الإنسان مستطيعاً للطاعة لا يفعل الطاعة ويقول: النية خير من العمل.

قواعد الأحكام في مصالح الأنام العز بن عبد السلام – (ج 1 / ص 344):

وأما قوله عليه السلام: ” نية المؤمن خير من عمله “، ففيه وجهان: أحدهما أن أجر النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن النية. الوجه الثاني: ما روي ” أنه عليه السلام وعد على حفر بئر بأجر فنوى عثمان رضي الله عنه أن يحفرها فسبقه إلى حفرها يهودي فقال صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله “، أي نية عثمان خير من حفر اليهودي البئر، فإن عثمان يؤجر على نية الحفر وإن لم يحفر، ولا أجر لليهودي بحفره لإحباطه بيهوديته.

السنن الصغرى البيهقي – (ج 1 / ص 5( .

قواعد الأحكام في مصالح الأنام العز بن عبد السلام – (ج 1 / ص 345):

كسب العبد إنما يكون بقلبه ولسانه وبنانه، والنية واحدة من ثلاثة أقسام اكتسابه، ثم لقسم النية ترجيح على القسمين الآخرين؛ فإن النية تكون عبادة بانفرادها، والقول العاري عن النية والعمل الخالي عن العقيدة لا يكونان عبادة بأنفسهما، ولذلك قيل: ” نية المؤمن خير من عمله “؛ لأن القول والعمل يدخلهما الفساد والرياء، والنية لا يدخلها, وبالله التوفيق.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

أظهر أنه مسلم وعقد عليها عرفيًّا وأنجبت منه، فما حكم فعلها وحال ابنها؟

أظهر أنه مسلم وعقد عليها عرفيًّا وأنجبت منه، فما حكم فعلها وحال ابنها؟

السؤال:

أنا فتاة مسلمة عمري ( 27 عامًا ), كنت لا أعرف شيئًا عن الالتزام، أو حتى الطريق إليه، المهم أنني أحببت شابًّا نصرانيًّا، وأخبرني بأنه أسلم ليتزوجني، ولكنه لا يستطيع إشهار إسلامه الآن, حتى لا تقتله الكنيسة، وكتبنا ورقة بما يسمى ” بالسفاح العرفي “، أو النكاح – كما يسمونه -, ولم أكن أعرف وقتها معنى ” نكاح “، ودخل بي بدون علم أهلي، وكنت سعيدة جدًّا بإسلامه من أجلي، وحملت منه، وانتظرت أن يعلن الأمر، ولكنه كان خسيسًا، وفاجأني بأنه لم يسلم، ولن يشهر زواجي، وسافر إلى أمريكا، وبعدها أحسست بأن نهايتي قد اقتربت، وأن الله سوف ينتقم مني جراء ما فعلت، ولكن فعلًا ستر الله كان أعظم، حاولت أن أنزل هذا الجنين بكل الطرق، فلم أستطع، وهربت من البيت قبل موعد الولادة، وولدت الجنين، وأخذته، وتركته مع أناس فقراء، وأعطيتهم ما يكفي من المال للإنفاق عليه، ووالله، ثم والله إني تبت إلى الله من كل ذنب، ولبست النقاب، وأصوم، وأصلي كل الأوقات، وتقدم لي بعدها بأربع سنوات شاب ملتزم جدًّا، فصارحته بالحقيقة، وكانت المفاجأة أنه لم يتركني، ووقف بجانبي، وستر عليَّ، وتزوجته، وهو الآن يعاملني معاملة طيبة جدًّا؛ لأنه متدين، وحياتنا الآن مليئة بالإيمان، والتقوى، والدين، والآن لا أعرف ما حكم هذا الطفل، وهل هو ابني فعلاً أم ماذا؟ وكيف ذلك؟ وما هو الحكم الشرعي لحالتي هذه؟ وهل هو أخ لأبنائي من زوجي الحالي؟.

جزاكم الله خيرًا، أغيثوني إني في حيرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مثل هذه القصص والحكايات التي تحدث مع المخالفين للشرع تعزز ثقتنا بأحكام الإسلام التي جاءت بما فيه صلاح الإنسان والمجتمع، فالعلاقات المحرَّمة بين الجنسين جرَّت ويلات على المجتمعات، فترك بعضهم دينه بسببها، وآخرون تركوا التزامهم وفقدوا استقامتهم، وإذا كانت هذه السائلة قد احتفظت بابنها عند أسرة: فإن غيرها قد باشر قتل الجنين وهو في بطنها، أو حتى عندما تلده، فإنه يهون عليها حتى تباشر قتله، وقد تكون طرقهم في القتل غاية في الشناعة، كإلقائه في حاوية قمامة يموت من البرد والجوع والاختناق، ثم الكبس والتقطيع بالآلات المخصصة للقمامة! وكل ذلك من شؤم المعصية التي تهاون بها أولئك حتى جرَّت تلك الفظائع والآثام.

ومن أحكام الإسلام الحكيمة جعل موافقة ولي الزوجة شرطًا في صحة عقد الزواج، فالولي أقدر على حسن الاختيار من المرأة التي تغلب عاطفتها – غالبًا – على عقلها وحسن تصرفها، ولا تستطيع تمييز الماكر من الرجال من الصادق، فجُعل الولي شرطًا في عقد النكاح لمصالح جليلة، وها نحن نرى مخالفة الناس لهذه الأحكام، وانظر ماذا يعقب تلك المخالفة من أسى بالغ، وندم قاهر، وحزن عميق.

ثانيًا:

” الزواج العرفي ” له صورتان:

الصورة الأولى: تزوج المرأة في السرّ، ودون موافقة وليها، أو دون شهود ولا إعلان، وإذا كان كذلك: فهو عقد محرّم، وباطل؛ لأن موافقة الولي من شروط صحة عقد النكاح، وكذا الشهود أو الإعلان، وهو ما يسمى ” نكاح السر “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما ” نكاح السر ” الذي يتواصون بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحدًا: فهو باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح، قال الله تعالى:( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ).

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 158 ).

والصورة الثانية:

التزوج بموافقة الولي، مع شاهدين، ولكن دون إشهار أو إعلان، أو توثيق في المحاكم، وهذا وإن كان زواجاً صحيحاً من حيث الشروط والأركان، لكن يترتب عليه مفاسد كثيرة، مَن وقف عليها جزم بالمنع منه، وبخاصة مسألة ” التوثيق “.

والذي ظهر لنا أن عقد السائلة هو النوع الأول، وأنه قد تمَّ زواجها والدخول بها بناء على ما يسمَّى ” العقد العرفي ” بالمعنى الأول، وهو عقد باطل، وما تمَّ بينهما فهو زنا، وسواء كان من يسمى ” الزوج ” مسلمًا أو نصرانيًّا فالحكم سواء، والولد الذي جاء من حملها: يُنسب لها ولا يُنسب لغيرها، إلا أن تكوني أنتِ أو هو تعتقدان أنه نكاح صحيح، فيمكن هنا جعل الوطء وطء شبهة، فينسب الولد حينئذٍ لصاحب النطفة، وأما إن كنتما تعتقدان أنه ليس نكاحاً موافقاً للشرع: فلا يُنسب إلا لكِ.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن رجل تزوج امرأة ( مصافحةً  ) على أقل صداق، خمسة دنانير، كل سنة نصف دينار، وقد دخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إذا رزق بينهما ولد يرث أم لا؟ وهل عليهما الحد أم لا؟.

فأجاب :

الحمد لله

إذا تزوجها بلا ولي، ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة، بل الذي عليه العلماء أنه ( لا نكاح إلا بولي )، ( وأيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل )، وكلا هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غير واحد من السلف: لا نكاح إلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ومالك يوجب إعلان النكاح .

و ” نكاح السرِّ ” هو من جنس نكاح البغايا، وقد قال الله تعالى: ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) [ النساء / من الآية 25 ]، فنكاح السر من جنس ذوات الأخدان، وقال تعالى: ( وأنكحوا الأيامى منكم ) [ النور / من الآية 32 ]، وقال تعالى: ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) [ البقرة / من الآية 221 ]، فخاطب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن المرأة لا تنكح نفسها، وإن البغي هي التي تنكح نفسها، ولكن إن اعتقد هذا نكاحًا جائزًا: كان الوطء فيه وطء شبهة، يلحق الولد فيه، ويرث أباه، وأما العقوبة: فإنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد .” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 102 ، 103 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم ولد الزنا بالاعتراف, هل يرث أم لا؟ بمعنى: إنسان زنى بامرأة، وحملت، واعترف هذا الإنسان بأنه هو فاعل، فهل هذا الولد يرثه أم لا؟.

فأجابوا:

ولد الزنا إذا استلحقه شخص زنا بأمه على أنه ابنه: فإنه لا يلحق به، وإنما ينسب إلى أمه؛ لحديث عائشة في قصة عبد بن زمعة وغيره؛ ولأنه ولد من غير نكاح شرعي، ولا شبهة نكاح، فلم يجز أن يلحق به.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر بن أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 515 ، 516 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضًا -:

ما حال ولد الزنا في الإسلام في عصرنا هذا؟

فأجابوا:

حكمه حكم أمه، فهو تابع لها، على الصحيح من قولي العلماء، فإن كانت مسلمة: فهو مسلم، وإن كانت كافرة: فهو كافر، وينسب إليها، لا إلى الزاني، ولا يضره ما جرى من أمه ومَن زنا بها؛ لقول الله سبحانه: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 20 / 343 ).

فالخلاصة لما سبق:

أ. إن كان العقد العرفي على الصورة الأولى: فهو باطل، والابن يُنسب لأمه، إلا مع وجود اعتقاد عندكما أو عند أحدكما بكونه عقدًا شرعيًّا، فيُنسب الابن حينئذٍ لأبيه.

ب. وإن كان العقد العرفي على الصورة الثانية: فهو صحيح، ويُنسب الابن لأبيه.

 

ثالثًا:

وما فعله الزوج الثاني أمر يُشكر عليه، ويُرجى أن يكون من المستور عليهم في الدنيا والآخر؛ لوعد الله تعالى بذلك لمن ستر على مسلم.

ويجب عليكِ أيتها السائلة أن تسارعي بإحضار ابنك من تلك الأسرة، وأن تثبتي اسمه ونسبه لزوجك الأول إن كان العقد على الصورة الثانية، وتنسبينه لك إن كان على الصورة الأولى، فإن لم يمكنك ذلك: فيُعطى اسماً مركباً عشوائيًّا؛ حتى تسير معاملاته، وتستخرج له أوراق ثبوتية، وهو ابن لكِ، وهو أخ لأولادك من زوجك الثاني، فهو وهم يشتركون في أم واحدة، فهم جميعاً إخوة لأم.

وعلى الزوج الفاضل أن يكمل معروفه بتشجيعك على إحضار ابنك، وعلى رعايته والعناية به، ونسأل الله أن يعظم له الأجر، وأن يزيده من فضله.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في نسب ولد الزنا إن كانت أمه متزوجة أو غير متزوجة

تفصيل القول في نسب ولد الزنا إن كانت أمه متزوجة أو غير متزوجة

السؤال:

هل يجوز إثبات نسب ولد المغتصبة؟ مع بيان ذلك عند الجمهور، ثم بيان حكمه في مذهب الحنفية، طبقًا للراجح من أقوالهم وسنده؛ لكونه المذهب المعمول به في المحاكم المصرية عند خلو النص القانوني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الاغتصاب جريمة منكرة، وفاعله متوعد بأغلظ العقوبات في الدنيا والآخرة، والمرأة المغتصبة لا تسمَّى زانية، ولذا فلا إثم عليها, ولا حدّ.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

في الرجل يستكره المرأة، أو الأمة يصيبها: أن لكل واحدة منهما صداق مثلها، ولا حدَّ على واحدة منهما، ولا عقوبة. ” الأم ” ( 3 / 294 ).

* وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:

ولا نعلم خلافاً بين العلماء أن المستكرهة لا حد عليها، إذا صح استكراهها.

” الاستذكار ” ( 7 / 146 ).

ثانيًا:

والمرأة التي تُنجب ولداً ناتجًا من اغتصاب، أو نتيجة علاقة زنا مع أجنبي برضاها: لا تخلو من حالين: إما أن تكون فراشًا – أي: زوجة -، وإما أن لا يكون لها زوج.

أ. فإن كانت فراشًا، وأنجبت ولدًا من علاقة محرَّمة – أو من اغتصاب -: فإن الولد يلحق بصاحب الفراش – وهو الزوج إن كانت حرَّة، والسيد إن كانت أمَة -، ولا ينتفي الولد في هذه الحال إلا بنفي الزوج له باللعان، وهذا كله في حال أن يُنجب الولد بعد عقد الزوجية، وإمكان الحمل عند الجمهور، أو تحقق الوطء عند ابن تيمية وابن القيم.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ولدٍ يولد على فراشٍ لرجل: لاحقًا به على كل حال، إلى أن ينفيه بلعانٍ على حكم اللعان.

وأجمعت الجماعة من العلماء أن الحرةَ فراشٌ بالعقد عليها، مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل: فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبداً بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه، إلا باللعان.

” التمهيد ” ( 8 / 183 ).

وعمدة المسألة: حديث ” الولد للفراش وللعاهر الحجر “، ونصُّه:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: ” هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ “.

رواه البخاري ( 1948 ), ومسلم ( 1457 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ونقل عن الشافعي أنه قال: لقوله: ” الولد للفراش ” معنيان: أحدهما هو: له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له – كاللعان -: انتفى عنه، والثاني: إذا تنازع رب الفراش، والعاهر: فالولد لرب الفراش.

قلت: والثاني منطبق على خصوص الواقعة، والأول: أعم.

” فتح الباري ” ( 12 / 35 ، 36 ).

ب. وإن لم تكن المرأة فراشاً، وأنجبت ولداً نتيجة علاقة محرَّمة – أو اغتصاب – ولم يستلحقه الزاني – والاستلحاق هو الإقرار بالنسب -: فلا خلاف في أنه لا يلحق به، وأما إذا استلحقه: فهنا ثمة خلاف بين العلماء، فقد ذهب الأئمة الأربعة، والظاهرية، إلى أن الولد لا يُلحق بالزاني، بل يُلحق بأمه، ويُنسب لها، وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

وخالف في ذلك: إسحاق بن راهويه، وقال بأنه يلحق بالزاني إن شاء استلحاقه به، وأيده: شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله -، وهو الذي يفتي به الشيخ العثيمين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فإن قيل: فقد دلَّ الحديثُ على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزاني ولدًا لا فِراش هُناك يُعارضه، هل يلحقُه نسبُه، ويثبتُ له أحكامُ النسب؟.

قيل: هذه مسألة جليلة، اختلف أهلُ العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ مِن الزِّنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدَّعيه صاحبه، وادعاه الزاني: أُلحِقَ به، وأوَّل قول النبي صلى الله عليه وسلم:” الولد للفراش ” على أنه حكم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده، في رجل زنى بامرأة، فولدت ولدًا، فادَّعى ولدَها فقال: يُجلد، ويلزمُه الولد، وهذا مذهبُ عروة بن الزبير، وسليمانَ بن يسار، ذُكر عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يَدَّعِ ذلك الغلامَ أحد: فهو ابنُه. ” زاد المعاد ” ( 5 / 425 ).

* ومن قبلُ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن استلحق ولده من الزنا، ولا فراش: لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 508 ).

وعمدة القائلين بأن الزاني يُلحق به ابن المزني بها إن شاء استلحاقه: حديث جريج، وهو:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ, فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، فَاسْتَنْزَلُوهُ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ, فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي “.

رواه البخاري ( 1148 ), ومسلم ( 2550 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمُّه بالراعي: مَن أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي.

– وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ.

” زاد المعاد ” ( 5 / 426 ).

وردَّ عليه بوجوه، أبرزها وجهان:

* قال النووي – رحمه الله -:

قد يقال: إن الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين:

أحدهما: لعله كان في شرعهم يلحقه، والثاني: المراد مِن ماء مَن أنت؟ وسمَّاه أبًا مجازًا. ” شرح مسلم ” ( 16 / 107 ).

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش والعاهر الحجر ” نصٌّ في أن العاهر ليس له إلا الخيبة، أو الرجم، وأنه لا يُلحق به من تخلق من مائه الفاجر.

 

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -: 

فكانت دعوى ” سعد ” سببُ البيان من الله عز وجل، على لسان رسوله، في أن العاهر لا يُلحق به في الإسلام ولد يدَّعيه من الزنا، وأن الولد للفراش على كل حال. ” الاستذكار ” ( 7 / 163 ، 164 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

حكم ولد الزنا إذا اعترف والده، وليست أمه متزوجة؟.

فأجابوا:

لا يثبت بالزنا نسب الولد للزاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش، وللعاهر الحجر “، ويجوز للزاني أن يتزوج الزانية بعد انقضاء العدة، والتوبة النصوح. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 20 / 387 , 388 ).

وهذه فتوى أخرى في حال وجود ولد نتيجة اغتصاب:

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ثبت اعتداء ( صياح … ) على ( عبده … ) بفعل الفاحشة قهرًا، فحملت منه، وأنجبت طفلًا سمي ( سعد )، وطلب ( صالح ) حضانة الابن المذكور، ووافقت والدته، وحكم قاضي ” ينبع ” بالموافقة على ذلك، ويرى فضيلة قاضي ” ينبع ” أن يكون اسم والد اللقيط ( عبد الله )، ويطلبون إصدار فتوى عامة بهذا الخصوص؛ لتكون قاعدة عامة بالنسبة للحالات المماثلة لهذه.

فأجابوا:

حيث ولد هذا الولد من زنا: فإنه لا يصح إلحاقه بالزاني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش، وللعاهر الحجر “, رواه أصحاب السنن وغيرهم.

ولا يصح أن ينسب إلى من حضنه؛ لئلّا يترتب على ذلك اختلاط هذا المنسوب في أولاد المنسوب إليه، وينسب إلى قبيلة أمه؛ لأنه منسوب إلى أمه، كما في الحديث السابق، وأما التسمية لأبيه بعبد الله: فجائز.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن “, رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.

الشيخ إبراهيم آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 15 , 16 ) .

وهذا هو المفتَى به في ” دار الإفتاء المصرية “!، وقد وجدنا في موقعهم جواباً مطابقاً لما ذكرناه ورجحناه، وهو قولهم:

” من حملت باغتصاب حملًا غير شرعي: فهو ابنها ينسب إليها؛ لأنه تكوَّن من بويضتها، وولدته من بطنها، ولا يجوز نسبته إلى أحد إذا كانت غير متزوجة، وعليها أن ترعاه رعاية كاملة إذا وضعته. انتهى.

وللتنبيه:

فإنه قد نقل ابن قدامة – رحمه الله – عن أبي حنيفة أنه يقول باستلحاق ولد الزنا بالزاني، وقد ذكر بعض المعاصرين هذا قولا لأبي حنيفة؛ اعتمادًا على كلام ابن قدامة، وهذا غير المعروف عنه، وغير المنقول عن كتب الحنفية.

وبعض المعاصرين يقيِّد هذا النسب للزاني بأن يتزوج من المزني بها، وهو محتمل الفهم من كلام أبي حنيفة المنقول عنه – إن ثبت – وإن كان مرجوحا من حيث الفقه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال: لا أرى بأسًا إذا زنا الرجل بالمرأة فحملت منه: أن يتزوجها مع حملها، ويستر عليها، والولد ولد له.

” المغني ” ( 7 / 130 ).

والذين كتبوا في هذه المسألة من المعاصرين – بل وحتى من المتقدمين غير ابن قدامة – لم ينقلوا عن أبي حنيفة – رحمه الله – أنه يخالف الجمهور في هذه المسألة، بل هو موافق لهم، ولو صحَّ هذا عنه, لكان أولى بالذكر من إسحاق بن راهويه، والحسن البصري، وسليمان بن يسار، رحمهم الله جميعًا.

ثالثًا:

ولسنا بحاجة إلى بيان حكم ” إثبات نسب المغتصبة ” بالطرق الحديثة؛ لأنه على قول الجمهور – وهو الراجح – لا يثبت نسب ولد الزنا للزاني ولو اعترف الزاني، وهو أقوى في الدلالة من الطرق الحديثة، وعلى القول الآخر يكفي أن يستلحقه الزاني ليلحق به، ولو يذكر أنه زنا بأمه، وأما جعل الطرق الحديثة في الإثبات تُلزم الزاني بأن يلحقه ولد المزني بها: فلا؛ لثبوت الإجماع على عدم استلحاق ولد الزنا بالزاني إذا لم يستلحقه.

 

– ونسأل الله تعالى أن يطهر أعراض المسلمين من كل دنس وقذر.

 

والله أعلم.

نصائح وتوجيهات للمسلمين في ” فنلندا ” الإجابة الثانية.

نصائح وتوجيهات للمسلمين في ” فنلندا ”

السؤال:

نحن أفراد الجالية الإسلامية البالغ عددها حوالي ( 35 ألفًا – 40 ألفًا )، والمكونة من فِرق متعددة، المكلفون بعمل الإحصاءات هنا لا يفرِّقون بين شيعي، وبهائي، وحبشي، وسنِّي! واندمج هؤلاء المسلمون مع مواطني الدولة المسيحية البالغ عدد سكانها حوالي ( 5 مليون نسمة )، حتى علم الدولة محتوي على رمز المسيحية، ألا وهو الصليب.

خلال الأشهر الماضية قام جماعة من المنتمين حديثًا للإسلام ( سنَّة ) بتشكيل حزب سياسي، وجعلوا من بين أهدافهم: محاولة منع بيع الخمور في المحلات، بل ذهبوا لأبعد من ذلك بإعلانهم عن رغبتهم في إقامة الشريعة في هذه الدولة المسيحية! لا بدَّ أن تأخذوا في الاعتبار أن المسلمين هنا لا يتمتعون بالحقوق العادية، كالحق في أن يكون لديهم مقابر خاصة، أو الحق في إظهار شعائر معينة، كذبح الأضاحي، وما إلى ذلك.

كان لدينا مقابر خاصة، ولكنها امتلأت، وبسبب حدوث بعض الأخطاء في تنظيمها، والخلاف بين الفرق المختلفة على مسك زمام المسئولية، استفادت السلطات هنا من الخلاف، وجعلوا الأمر صعبًا جدًّا على المسلمين، ولم يمكنوهم من امتلاك مقابر خاصة بهم، ولذلك إذا مات أحد المسلمين هنا: يُدفن بجوار المسيحي، والملحد!.

تلك الجماعة من المنتمين حديثاً للإسلام يحاولون أن يتوحدوا، ويبتعدوا عن حزبية وقبلية الصوماليين، وعن محادثات العرب، الآن تركز وسائل الإعلام هنا على الإسلام والمسلمين بصورة سلبية، وذلك عن طريق مناقشة موضوعات مثل:

– الطلاق في الإسلام بيد الرجل، ولا تستطيع المرأة أن تحصل على حقوقها كاملة، وعلى حريتها إذا ما أرادت أن تنهي زواجها.

– العقاب البدني للأطفال في البيوت، فضرب الأبناء في هذه الدولة يعدُّ جريمة يعاقب عليها القانون.

– تقوم العائلات المسلمة بعزل أبنائهم عن المجتمع، وحرمانهم من الاشتراك في ممارسة السباحة ( بنات، وأولاد معًا ) ، ويقومون أيضًا بحرمانهم من حضور دروس الموسيقى.

وأيضًا يناقشون ( ماذا يريد المسلمون هنا، أن يتبعوا شريعتهم أم نظام الدولة؟! ).وهدف الإعلام من ذلك هو تشويه صورة الإسلام، وزرع الكراهية في قلوب عامة الناس تجاه الإسلام والمسلمين، الناس هنا عمومًا يشتكون أن المسلمين يتمتعون بأموالهم، والخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، والآن يضاف إلى قائمة الشكاوى أن المسلمين يريدون أن يقيموا الشريعة على أرض الدولة، بينما بلدانهم الأصلية لا تطبق الشريعة، علماً بأن من يقومون بأداء الواجبات الدينية هنا من المسلمين: أقلية، بينما الأغلبية اندمجت تمامًا في المجتمع.

وتبني وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث نتائجها على رأي كل وأي شخص يمكنه الإجابة، والذي قد يكون جاهلًا، خصوصًا أن معظم الناس حاليًّا يجرون وراء الشهرة، والمكاسب الدنيوية، وقد فاض بهم الكيل من بلدانهم الأصلية التي لا يحصلون فيها على حقوق، ولا تقدرهم كمواطنين، ومن أجل الحصول على تقدير غير المسلمين لهم يفعلون أي شيء! فقد سمعنا حتى عن أفراد ارتدوا عن الإسلام، وأصبحوا مسيحيين!.

عندما نصح البعض رئيسَ ذلك الحزب الإسلامي بشأن الخطوات التي ينبغي عليه أن يتخذها قال: إنه فقط يسعى لعمل دعاية إيجابية للإسلام – هذا الشخص كان ناشطاً سياسيًّا في شبابه -.

الآن نطلب منكم نصيحة عامة للمسلمين في هذا البلد، وخصوصًا لأولئك مكوني الحزب السياسي من المنتمين للإسلام حديثًا، وأن تذكروننا بواجبنا تجاه البلد، وتجاه مواطني البلد الأصليين ومسئوليه، وأن تبينوا لنا الحدود التي لا ينبغي علينا تخطيها، حتى لا ندمر بيوتنا بأيدينا، أو على الأقل حتى لا نُحرم من الحقوق القليلة التي نتمتع بها في هذه الدولة، فليس كل مسلم هنا قادر على الهجرة إلى بلد إسلامي.

إذا أردتم المزيد من المعلومات حول الموضوع: فأرجوكم أن تراسلونا، وسنكون سعداء جدًّا بإرسال مزيد من التفاصيل إليكم، أرجوكم أن تردوا علينا بسرعة، حيث ما زال هناك المزيد من الوقت لغلق أبواب الفتنة، وقبل فوات الأوان.

وجزاكم الله خيرًا، قد يكون هناك بعض التعبيرات الخاطئة، نسمح لكم بحذف ما لا تجدونه ملائمًا للدعوة، ولكم الحرية في صياغة السؤال بالشكل اللائق، ما يهم هو أن تنصحونا.

 

الجواب:

الحمد لله

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ” رواه مسلم (49).

* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟

فأجاب:( هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضررًا في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها ) شرح العقيدة الطحاوية(1/471).

* قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى -:

قوله  ( باليد ): واليد في وقتنا هذا لا تكون إلا من ذي سلطان وإنما كان الأمر كذلك لئلا يصبح الناس فوضى.

على كل حال نحن نقول: إن التغيير شيء لا يكون إلا من ذي سلطان وهو حق ، لأنه لو جُعل التغيير باليد لكل إنسان لأصبح من رأى ما يظنه منكرًا منكرًا عنده ثم أتلف أموال الناس من أجل أنها منكر يرى بعض الناس أن الراديو منكر فمر برجلٍ قد فتح الراديو على أخبار مكة وهو يرى أنه منكر وقلنا غيِّر باليد ماذا يصنع بالراديو يكسِّره هل له حق أن يكسره؟

ليس له حق في وقتنا الحاضر أما في الوقت الذي مضى ما نعلم عنه ، لكن لو نهيناهم وصاروا صاحين لذهبوا يفجرون بنساء المسلمين ويأخذون أموالهم أيهم أعظم؟ الثاني أعظم دعهم يشربون الخمر ولا يعتدون على المسلمين، لكن في وقتنا الحاضر لو جُعل التغيير باليد لغير ذي سلطان لأصبح الناس فوضى وتقاتل الناس فيما بينهم ولقد رأيتُ رجلًا منذ سنوات دخل المسجد إنسانٌ ومعه راديو فقام الرجل الحبيب الطيب الناهي عن المنكر أمام المصلين وقال والعياذ بالله يأتي أحدكم بالراديو مزمار الشيطان ويجعله معه في المسجد والذي جاء به حاج من الحجاج نحن كنا نشتغل في مطار جدة, من الحجاج أتى بهذا الراديو وهو فيه تسجيل لعله يسمع أخبارًا يسجلها تنفعه حاج يحب أخبار الحجاز وقام يتكلم كلامًا عظيمًا الحجاج انبهروا هذا حرام هذا حرام فجاءوا يسألون يقولون: هل هذا حرام؟ نحن ما أتينا للحج لنبحث عن الحرام فقلنا لهم: حلال اطمئنوا إن شاء الله ما فيه إلا العافية لكن إياكم أن تفتحوه على الأغاني والموسيقى هذا حرام أما الأخبار والقرآن والحديث فهذا ليس فيه شيء طيب القرآن والحديث طيب والأخبار من الأمور المباحة.

فأقول: بعض الناس يظن ما ليس منكرًا منكرًا فلو قلنا غيِّر باليد كسَّر هذا الراديو أو المسجل الذي يرى أنه منكر؛ ولهذا نقول: الإزالة باليد أو التغيير باليد في الوقت الحاضر لا يكون إلا من ذي سلطان والسلطان من أعطاه ولي الأمر صلاحيةً في ذلك، وعلى هذا رجال الحسبة الموجودون عندنا يكون لهم السلطة أليس كذلك؟ وبعض المواضع بالنسبة للمكان في بعض الأحيان بالنسبة للزمان.

 

 

 

قوله: ( فاصبر ): أمر بالصبر لأن المقام يحتاج إلى الصبر، ولهذا قال الله تعالى:{ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك}

[ لقمان / الآية 17 ].

فاصبر وزل باليد واللسان   لمنكرٍ واحذر من النقصان

هذه مراتب التغيير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ذكرنا قبل أن هناك ثلاث مراتب:

  1. الدعوة.
  2. والأمر.
  3. والتغيير.

فلا تلتبس عليكم أو فلا يلتبس عليكم بعضها مع بعض.

1 – الدعوة.

2 – والثاني: الأمر والنهي

3 – والثالث: التغيير

الدعوة: أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل ترغيبًا وترهيبًا دون أن يوجه أمرًا معينًا لشخصٍ معين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شيءٌ موجه لشخص معين أو طائفة معينة أو ما أشبه ذلك لكن فيه أمر افعلوا اتركوا وأظنكم تعرفون الفرق، لو قام رجلٌ بعد صلاة الجمعة بعد صلاة الظهر أحسن لأن الخطبة بعد صلاة الجمعة فيها ما فيها لو قام رجل بعد صلاة الظهر يدعو الناس يرشدهم إلى الله يبين الحق يبين الباطل يحذر من هذا وهذا هل يقال هذا آمرٌ بمعروف ناهٍ عن منكر؟.

يقال: هذا داعٍ إلى الله

ولو رأينا رجلًا يقول: يا فلان افعل كذا اتق الله ، يا فلان اترك كذا اتق الله, هذا آمر وناهي.

التغيير أن يغير الإنسان المنكر بنفسه بأن يكون دعا صاحب المنكر إلى تركه ولكن أبى أو أمر تارك المعروف أن يفعله ولكن أبى هذا يغير يضرب ويحبس ويكسر آلة اللهو وما أشبه ذلك، هذا التغيير قيده الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،قال:” والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولَتَأْطُرُنَّهُ على الحق أَطْراً “.

لم يقل: إن استطعتم لكن قال:” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه “.

إذن فالتغيير غير فنقول: التغيير فيه سلطة وقدرة ، الأب في بيته داعٍ آمر مغير لأن له سلطة، رجل الحسبة في المجتمع داعٍ وآمر ومغير لكن ليس التغيير لكل أحد ليس كل أحد يستطيع قد يغير ويلحقه من الضرر ما لا يعلمه إلا الله وقد يلحق غيره أيضًا ممن لم يشاركه في التغيير كما هو الواقع، ولهذا نقول: غيِّر باليد فإن لم تستطع، قال: ( واللسان ): والمؤلف رحمه الله رتبها ترتيبًا محليًّا لا لفظيًّا يعني ما أتى بـ ( ثم ) الدالة على الترتيب أو بالفاء أو ما أشبه ذلك، لكن تقديم بعضها على بعض يدل على الترتيب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:” إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به “, مع أن الله قال:{ إن الصفا والمروة } [ البقرة  / الآية 158 ]، ولم يقل: ( إن الصفا ثم المروة ).

إذن الأول اليد الثاني اللسان، اللسان ليس أن تقول يا فلان اتق الله أن تنتهره وأن تريه سلطة وقدرة واستعلاءً، استعلاءً بالحق.

قوله: ( النقصان ): النقصان ما هو؟ أن تغير بالقلب لأنه أضعف الإيمان أن تغير بالقلب كيف التغيير بالقلب؟ هل الإنسان يمكن أن يغير بالقلب؟

يمكن بالكراهة وعدم المخالطة هذا التغيير بالقلب، الكراهة للمنكر وعدم مخالطة فاعليه، لقول الله تبارك وتعالى: { وقد نزل عليكم الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذن مثلهم }[ النساء / الآية 140 ].

فلو فرضنا مثلًا: أن قومًا يلعبون الشطرنج ومعهم رجلٌ صالح قال: يا قوم اتقوا الله هذا حرام لا يجوز، قالوا: لن ندع هذا فهل يجوز أن يجلس معهم؟ لا، لكنهم قالوا له : إن خرجت فنفعل بك كذا وكذا فجلس.

هل يأثم؟.

لا، لماذا؟ لأنه مكره على الجلوس، فإن قال: أنا لم أُكْرَه على الجلوس لكن أخشى إن ذهبتُ أن يقع بيني وبينهم عداوة ماذا نقول؟ نقول: وليكن إذا عاديتهم لله لا يضرك فإن قال: أخشى أن يقع بيني وبينهم قطيعة رحم، نقول: لا يقع بينك وبينهم قطيعة رحم صِلْهُم أنت، لأن صلة الرحم من قبلك ممكنة أو متعذرة؟ ممكنة وأنت إذا وصلتهم وهم يقطعونك فكأنما تُسِفُّهُمْ الملّ كما جاء في الحديث، فالحاصل الآن أن التغيير له ثلاث مراتب ) شرح العقيدة السفارينية (2 / 84-81).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

في حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” من رأى منكم منكرًا … الخ “, هل الحديث على سبيل التخيير أم على سبيل الترتيب؟ وإذا كان على سبيل الترتيب، ما هو الضابط إلى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة من الإنكار؟

الشيخ: اقرأ الحديث من أجل تعرف.

السائل: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )

فأجاب: ( هل هذا ترتيب أو تخيير؟

السائل: ترتيب.

الشيخ: إذاً هو على الترتيب.

السائل: لأن البعض يظن أن الإحراج الذي قد يتسبب له من إنكار المنكر كأن ينكر على فتاة …….

الشيخ: لا، انظر بارك الله فيك إنكار المنكر غير تغييره ، التغيير لا يكون إلا لسلطة، مثلًا أنا أقول للشخص: هذا غلط ، حرام ، منكر، لكن لا أقدر أن أغيره ، معه مثلًا ربابة فأنا أنكر عليه، ولهذا لم يأت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقيدًا بالاستطاعة لكن لا أستطيع أن أغيره، هل أقدر أن أكسرها؟ لا أقدر، فيجب ألا تختلط علينا الأمور، إنكار المنكر غير تغيير المنكر، ولذلك نقول في وقتنا الحاضر: لما كثرت الأهواء وكثر الجهل لا تغيير للمنكر باليد إلا من ذي سلطان.

هذا الضابط ، أنت ليس لك حق أن تغير المنكر باليد ، وذلك لأننا في الوقت الحاضر لما غلب الهوى والجهل؛ قد يظن الظان أن هذا منكر وليس بمنكر، هناك أناس متشددون الآن، كل شيء عندهم منكر، كل شيء عندهم بدعة، لو أطلقنا العنان لهؤلاء ماذا يحصل من الفساد؟ يحصل من الفساد ما لا يعلم به إلا رب العباد ) لقاءات الباب المفتوح (213 / السؤال رقم 20)

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف، فما العمل معه؟

فأجاب: ( هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف .. ولكن العنف الذي لا يخدم المصلحة ، ولا يحصل به إلا ما هو أشر لا يجوز استعماله ، لأن الواجب اتباع الحكمة .. والعنف الذي منه الضرب والتأديب والحبس، إنما يكون لولاة الأمور، وأما عامة الناس فعليهم بيان الحق وإنكار المنكر، وأما تغيير المنكر ولا سيما باليد فإن هذا موكول إلى ولاة الأمور .. وهم الذين يجب عليهم أن يُغيروا المنكر بقدر ما يستطيعون لأنهم هم المسؤولون عن هذا الأمر .

ولو أراد الإنسان أن يغير المنكر بيده كلما رأى منكرًا لنتجت عن هذا مفسدة قد تكون أشد من المنكر الذي أراد أن يغيره بيده، فلهذا يجب إتباع الحكمة في هذا الأمر، إنك تستطيع أن تغير المنكر في البيت الذي ترعاه بيدك، لكن تغيير المنكر بيدك في السوق قد تكون نتيجته أسوأ من بقاء هذا المنكر، ولكن يجب عليك أن تبلغ من يملك تغيير هذا المنكر في السوق ) فتاوى إسلامية (4 / 361).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يغير المنكر باليد، ولمن يكون التغيير باليد، مع ذكر الأدلة حفظكم الله؟

فأجاب: ( الله جل جلاله وصف المؤمنين بإنكار المنكر والأمر بالمعروف

قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }[ التوبة / الآية 71 ].

وقال تعالى ]: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }[ آل عمران / الآية 104].

قال تعالى:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [ آل عمران / الآية 110 ].

والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، وما ذاك إلا لأهميته وشدة الحاجة إليه وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ” صحيح مسلم الإيمان (49) فالإنكار يكون باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور، والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها ، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع أما من لا يستطيع ذلك أو إذا غيره بيده, يترتب عليه الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه، ويكفيه ذلك لئلَّا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره ، كما نص على ذلك أهل العلم,  أما هو فحسبه أن ينكر بلسانه, فيقول يا أخي: اتق الله هذا لا يجوز، هذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة والأسلوب الحسن. ثم بعد اللسان القلب يعني يكره بقلبه المنكر، ويظهر كراهته، ولا يجلس مع أهله، فهذا من إنكاره بالقلب )  مجموع فتاوى ابن باز (6 / 51 – 50).

* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

( قال:” فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ “, والتغيير هنا أوجب التغيير باليد، وهذا مقيد بما إذا كان التغيير باليد مقدورًا عليه، وأما إذا كان غير مقدور عليه، فإنه لا يجب، ومن أمثلة كونه مقدورًا عليه: أنْ يكون في بيتك الذي لك الولاية عليه؛ يعني في زوجك وأبنائك وأشباه ذلك، أو في أيتام لك الولاية عليهم، أو في مكان أنت مسئول عنه، وأنت الولي عليه، فهذا نوع من أنواع الاقتدار، فيجب عليك هنا أن تزيله وأن تغيره، وإذا لم تغيره بيدك فتأثم، أما إذا كان في ولاية غيرك، فإنه لا تدخل القدرة هنا، أو لا توجد القدرة عليه؛ لأنّ المُقْتَدِر هو من له الولاية فيكون هنا باب النصيحة لمن هذا تحت ولايته، ليغيره من هو تحت ولايته والتغيير في الشرع ليس بمعنى الإزالة، التغيير اسم يشمل الإزالة، ويشمل الإنكار باللسان بلا إزالة، يعني أن يقال: هذا حرام، وهذا لا يجوز. ويشمل أيضًا الاعتقاد أن هذا منكر و محرم؛ ولهذا جاء في هذا الحديث بيان هذه المعاني الثلاث، فقال عليه الصلاة والسلام:” فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ – التغيير بيده –  فَبِلِسَانِهِ ” يعني فليغيره بلسانه، ومن المعلوم أن اللسان لا يُزيل المنكر دائما، بل قد يزول معه بحسب اختيار الفاعل للمنكر، وقد لا يزول معه المنكر، تقول مثلًا لفلان: هذا حرام، وهذا منكر لا يجوز لك, قد ينتهي وقد لا ينتهي، فإذا أخبرت الخلق، أو المكلَّف الواقع في هذا المنكر، إذا أخبرته بأنه منكر وحرام فقد غيَّرْتَ، وإذا سكت، فإنك لم تغير، وإن كنت لا تستطيع باللسان، فتغيره بالقلب تغييرًا لازمًا لك لا ينفك عنك، ولا تُعذر بالتخلف عنه، وهو اعتقاد أنه منكر ومحرم، والبراءة من الفعل؛ يعني بعدم الرضا به، لهذا جاء في سنن أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال:” إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ كَانَ مَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَمَنْ عملها، وكَانَ ممن شَهِدَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْهَا كَمَنْ فَعَلَها “, وهذا يعني أن الراضي بالشيء كفاعله ) شرح متن الأربعين النووية قسم الحديث (35 / 3).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

حديث (تغيير المنكر) هل المقصود: لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر، أم نظل ونكرهه وننكره بقلوبنا؟

فأجابوا: ( المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده كولي الأمر ومن ينوب عنه ممن أعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده والسيد مع عبده والزوج مع زوجته؛ إن لم يكف مرتكب المنكر إلا بذلك. ومنهم من يجب عليه إنكاره بالنصح والإرشاد والنهي والزجر والدعوة بالتي هي أحسن دون اليد والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن وانتشار الفوضى, ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذًا ولسانًا، وهذا أضعف الإيمان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” (1) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه ) فتاوى اللجنة الدائمة (12/ 334- 335).

الشيخ عبد العزيز بن باز.الشيخ عبد الرزاق عفيفي.الشيخ عبد الله بن غديان.الشيخ عبد الله بن قعود

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما هو حكم الإسلام فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله، والأحاديث والأثر المذكور، ومنهج السلف الصالح المتعلق بها، وموقف الراعي والرعية منها؟

فأجابوا:

( يجب على المسلمين أن يكون منهم جماعة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران / الآية 104 ].

وفي تحقيق ذلك صلاح الناس واستقامة أحوالهم، وتكون هذه الأمة كما أثنى الله عليها بقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [ آل عمران / الآية 110 ].

وعلى القائم بذلك أن يعظ قساة القلوب بما تلين به أفئدتهم، وتطمئن به أنفسهم، وتقبل على طاعة الله وعبادته، وأن يجادلوا من لديه شبهة بالتي هي أحسن؛ حتى يتبصر ويتبين له الحق، فيهتدي إلى الصراط المستقيم، قال الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل / الآية 125 ].

والمسلمون في ذلك درجات: منهم من يدعو إلى المعروف ويتعاهد التنفيذ بيده، كولاة الأمور، العام منهم كالحاكم ونائبه، والخاص كالأب ومن يقوم مقامه، ومنهم من يدعو إلى الخير وينهى عن المنكر بلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، ومنهم من لا نفوذ له ولا سلطان ولا قوة بيان، فعليه أن ينكر المنكر بقلبه، وقد ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان ”  فمن فرط فيما وجب عليه من ذلك أثم وكان فيه شبه بمن قال الله فيهم:

{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } [ المائدة / 78-80 ] , فتاوى اللجنة الدائمة (12 / 337- 338) الشيخ عبد العزيز بن باز.الشيخ عبد الرزاق عفيفي.الشيخ عبد الله بن غديان.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

يريد السفر إلى السعودية لدراسة الشريعة وأهله الصوفيون يرفضون ذلك فماذا يصنع؟

يريد السفر إلى السعودية لدراسة الشريعة وأهله الصوفيون يرفضون ذلك فماذا يصنع؟

السؤال:

اسمي ” محمد هيسيام ” وأنا طالب في الدراسات العليا بجامعة ماليزيا الإسلامية الدولية، في الواقع إنني أسأل بعض الأسئلة بالنيابة عن أحد أصدقائي الطيبين ويُدعى ” أصلان ” ويبلغ من العمر ( 20 عامًا )، وهو طالب في جامعة ماليزيا الإسلامية الدولية، لكنه ملتحق بدورات تمهيدية في اللغة الإنجليزية وهو روسي وبالتحديد من ” أنجوشيا “، وهو ولله الحمد مسلم سنِّي.

وبداية فبناءً على كلامه: فإن غالبية المسلمين في ” أنجوشيا ” صوفيون يقومون باتباع البدع والخرافات وأعمال الشرك التي أصبحت من عاداتهم، كما أن والداه وإخوانه وحتى أصدقاؤه صوفيون، وهو يشعر بالحزن لذلك؛ حيث أنه الوحيد في عائلته الذي يتبع تعاليم السنَّة ومعتقداتها ومٍن ثَمَّ فهو يؤمن أنه حان الوقت لعمل شيء ما لتدارك الموقف، لذا فبعد إنهائه دراسة الإنجليزية في جامعة ماليزيا الإسلامية الدولية: فإنه يرغب في الحصول على درجة البكالوريوس في الدعوة من المملكة السعودية، حيث يؤمِن أنها أفضل مكان لتحقيق هدفه، إنه يتطلع لدراسة أفضل أساليب الدعوة وطرقها ومن ثَم يرجع إلى ” أنجوشيا ” ويمارس الدعوة هناك على الأقل فيما يتعلق بوالديه وإخوانه وأصدقائه قبل أن يعمل في مجال الدعوة على نطاق واسع ولكن المشكلة تكمن في اعتراض والده على ذهابه للمملكة العربية السعودية بحجة أن السعوديين كلهم وهابيون، وهم لا يحبونهم، ويبدو أن والداه يتحكمان في حياته، لذا فهو في حيرة شديدة بين تحقيق حلمه في دراسة الدعوة لتحقيق ما فيه الخير لنفسه وللناس حوله وبين طاعة والديه.

والسؤال الأول هو: ما الذي ينبغي عليه فعله في هذا الوضع؟.

السؤال الثاني: هل المملكة السعودية هي الخيار الأفضل لتحقيق هدفه؟.

السؤال الثالث: هل عصيانه لوالديه لكي يدرس الدعوة لتحقيق ما فيه الخير لوالديه والآخرين حرام في الإسلام؟.

السؤال الرابع: ما الخيارات الأخرى التي يمكنه المضي فيها لتحقيق حلمه دون مخالفته لأمر والديه؟.

إنني أرجو أن تأخذوا وقتكم للرد على أسئلتي، وأنا وصديقي ” أصلان ” نتطلع لمعرفة هذا الرد، وجزاكم الله خيرًا كثيرًا.

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نقدِّر لصديقك حبَّه للخير وتحريه في تعلم العلم النافع من مصدر موثوق، ونسأل الله تعالى أن يُحقق له مراده إن كان له فيه خير؛ فالمسلم يسعى نحو الأفضل في نظره ولكنه – بلا شك – لا يعلم العواقب، ولذا شرعت الاستخارة حتى يكل المسلم أمر الشيء الذي يريد فعله لربِّه تعالى ليختار له الأفضل في دينه ودنياه وأخراه، فنوصيه بصلاة الاستخارة، وأن لا يحزن إذا فاته مرغوبه فقد يكون بقاؤه في ماليزيا يطلب العلم خير له.

 

ثانيًا:

وسفر الطالب ليطلب العلم وهو يعيش عند والديه: لا يجوز إلا بإذنهما، إلا أن يكون هذا العلم مما يجب عليه تعلُّمه ولا يوجد إلا في تلك البلاد التي سيسافر إليها.

وبما أن والدي صديقك قد أذنا له بالدراسة في ” ماليزيا ” فلا يتعين عليه الذهاب إلى ” السعودية ” وخاصة أن ما يرغب بدراسته هناك هو ” أساليب الدعوة ” وهي مادة دراسية يستطيع تحصيلها قراءة وسماعاً لها وهو في بلده، أو وهو في ماليزيا، ولا يحتاج الأمر منه أن يدرس أربع سنوات في تخصص الدعوة ليعرف كيفية دعوة أهله وأهل بلده وهو يستطيع معرفة ذلك بسهولة ويسر دون الحاجة للسفر، ولو أن أهله يرضون له ذلك السفر ولا يمنعونه منه لشجعناه عليه ليحصِّل علومًا إسلامية مع ما يرغب بمعرفته من فنون الدعوة وأساليبها، أما وقد منعه أهله فلا نرى له السفر من غير إذنهم، وليسع لإقناعهم بما يتيسر له من وسائل ترفع عنهم الجهل بما يسمَّى ” الوهابية ” وإن كان هذا الأمر متعسِّرًا فليقنعهم بالسفر إلى هناك دون الحاجة لتغيير مفاهيم حول السلفية اعتقادًا ومنهجًا وهو ما يحاربه أهل التصوف والضلال وينبزون أتباعه بـ ” الوهابية “، فإن أبوا ذلك فليبحث عن مكان آخر يقوم فيه تعليم للكتاب والسنَّة دون اختلاط بين الطلاب والطالبات، وهو متوفر في بعض الجامعات وهي قليلة – للأسف – ولذا فإننا نرى أن أفضل خيار له هو الدراسة في المملكة العربية السعودية، كما يمكنه الدراسة في بعضها عن بُعد، أو يدرس عن بُعد – أيضًا – في ” الجامعة الأمريكية المفتوحة ” وهي جامعة موثوقة في منهجها، ولها فرع في ” القاهرة “.

 

 

 

فالخلاصة: لا نرى لصديقك جواز السفر إلى ” السعودية ” من غير إذن أهله، وليسعَ في إقناعهم بالموافقة على ذلك السفر، وإذا أصرُّوا على المنع فليقرأ ما يتيسر له من كتب مؤلفة في الدعوة وليستمع إلى الأشرطة المتعلقة بهذا الفن، أو ليلتحق بالدراسة عن بُعد، وليعجل بالرجوع إلى أهله فهو أحوج ما يكونون إليه؛ لهدايتهم، ونصحهم، وتعليمهم. ونسأل الله أن يهديَ أهله للسنَّة والعمل بها، ونسأله تعالى أن يوفقه لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

 

هل عليها دية بسبب الإجهاض الطبيعي؟

هل عليها دية بسبب الإجهاض الطبيعي؟

السؤال:

نرجو من سماحتكم إجابتي في أقرب فرصة، حيث إني قرأت أنه إذا أسقطت المرأة حملها عليها دية، ولكنني لم أسقطه بنفسي، الجنين نزل بنفسه، وحسب مراجعاتي للمشفى قيل لي: إن تكوَّن الجنين فيه خطب ما؛ لأنه لا يكبر حجمه مقارنة بعمر الحمل، وحين نزل كان عمر الحمل لديَّ ( 11 أسبوعًا ) أي: ثلاث أشهر، ولكن كان الجنين في طور الـ ( 6 أسابيع ) أي: أقل عن الشهرين ولا نبض فيه منذ أن تخلق، وقد قرر الأطباء إنزاله بأدوية لكني رفضت وقلت: سنصبر لعل الله يغير من حاله، فقالت لي الدكتورة: لأنك حملتِ من قبل حملًا سليمًا فإن الرحم الآن لن يتقبل هذا الحمل لأنه غير سليم وسيلفظه بنفسه، وبالفعل نزل الجنين بنفسه، ولكن قبل المدة التي حددت لي لإنزال الحمل أُصبتُ بالحمَّى ونُومت على إثرها في المشفى، وحين خرجت أعطيتُ موعدًا لإبرة تثبيت الحمل لكني لم أذهب للموعد، ولم آكل من حبوب التثبيت لأن إحساسي أخبرني بأن الحمل فاسد وسينزل بنفسه، فهل أُعتبر أني أنزلته بتعمد لأني لم آكل تلك الحبوب ليقيني إنها ستسبب لي الضرر لأن الحمل منذ البداية لم يكن سليمًا.

أرجو إيضاح ذلك لأني في حيرة من أمري؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر لنا أنه لا شيء عليك من إثم أو كفارة أو دية لسببين:

  1. أن إنزال الجنين كان بقرار الأطباء، وهذا أحد الأسباب التي تجوِّز الإجهاض قبل مرور أربعة أشهر على الحمل.
  2. أنك لم تتعمدي إسقاط جنينك، بل سقط بنفسه، وقد كنتِ خائفة عليه من تناول الحبوب، مع أنه يظهر لنا أنه كان حملًا فاسدًا، ويدل على ذلك كلام الأطباء من عدم وجود نبض فيه، ولذا قالوا لكِ إنه سيلفظه الرحم، وهو ما حصل فعلًا.

 

فالذي نراه أنه لا داعي للقلق من جهة الإثم، فضلًا عن الدية أو الكفارة، ونوصيك بالصبر والاحتساب، والدعاء بأن يخلف الله عليك خيرًا، ونسأل الله تعالى لك التوفيق وأن يرزقك الذرية الصالحة.

 

والله أعلم.

هل المنتحر يخلَّد في جهنم إلى الأبد؟ وكيف نوجِّه النصوص الواردة أنه كذلك؟

هل المنتحر يخلَّد في جهنم إلى الأبد؟ وكيف نوجِّه النصوص الواردة أنه كذلك؟

السؤال:

قرأنا في فتوى على موقعكم بعنوان ” شرح معنى مائلات مميلات ” للشيخ ابن باز – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – أن قاتل نفسه لا يكون خلوده في النار مثل خلود الكفار بل هو خلود له نهاية عند أهل السنة والجماعة.

سؤالنا أكرمكم الله هو: على ماذا استند علماء أهل السنة رحمهم الله في هذا القول؟ ونحن عندنا حديثه صلى الله عليه وسلم ( مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) – متفق عليه من حديث أبي هريرة -، وكذلك حديث (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) – متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله -، أفيدونا يرحمكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

منهج أهل السنَّة والجماعة في فهم النصوص الشرعية أنهم يجمعونها في سياق واحد، فما كان منها مطلَقا له ما يقيِّده أخذوا بالمقيِّد، وما كان فيها من عموم له ما يخصصه قدَّموا التخصيص على العموم، وكذا يقدون الناسخ على المنسوخ، ويأخذون بالصحيح من الأحاديث دون الضعيف، والأهم في هذا الباب: أنهم يردون المتشابه من النصوص إلى المحكم منها، ولم تقع الفرق الضالة – في مجملها – بما وقعت فيه من مخالفة للحق والصواب في الاعتقاد إلا لأنها نظرت إلى الأدلة بعين واحدة فأخذت ببعض النصوص وأعمت بصرها عن الأخرى، فنتج لنا الخوارج وقابلهم المرجئة، ونتج القدرية وقابلهم الجبرية، وهكذا.

ثانيًا:

والمسألة التي ذكرتها – أخي الفاضل – هي من المسائل الجليلة وهي واضحة المعالم في منهج أهل السنَّة والجماعة في فهم نصوص الوحي، وعماد ذلك: أنه لا يكفر عند أهل السنَّة كفرًا مخرجًا من الإسلام ويستحق الخلود في جهنَّم إلا من جاء بما ينقض إسلامه باعتقاد أو قول أو فعل، وليس من ذلك فعله لمعاصٍ وذنوب يأثم بفعلها، أو يترتب عليه بفعلها حد أو كفارة، ولا ينقض بفعلها إسلامه وتوحيده، إلا أن يستحلَّ فعلها فيكفر بذلك حتى لو يفعلها.

وبالتأمل في النصوص المحكمة تجد أن قتل المسلم لنفسه لا يُخرجه عن كونه آثماً بفعله، ويستحق الوعيد بالنار، وفعله هذا ليس من نواقض الإسلام عند أحدٍ من علماء الإسلام من أهل السنَّة ولذا فلن يخلد في النار لمجرد فعله هذا كخلود فرعون وأبي لهب، ومما يدل على ذلك أمور، منها:

  1. النصوص المحكمة في أن المسلم إذا لقي الله تعالى بكل ذنب خلا الشرك الأكبر فإن ذنوبه قابلة للعفو عنها ومحو أثر بفضل الله تعالى ورحمته، مهما بلغت هذه الذنوب كثرة وعظمة، وقد نصَّ الله تعالى على ذلك بقوله ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) النساء/ 48، ولا شك أن قتل الإنسان لنفسه داخل فيما يمكن أن يغفره الله تعالى، وليس هو من الشرك عند أحدٍ من أئمة الإسلام.

* قال الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة: ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله. ” التفسير ” ( 5 / 126 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 291 ، 292 ):

لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة؛ لأن الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام، وصاحب الكبيرة – غير الشرك – لا يخرج عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وقد صحت الروايات أن العصاة من أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون. انتهى.

  1. الواقع العملي لقاتل نفسه في الشرع المطهَّر: أنه يغسَّل ويصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، ويورَّث، ولو كان بفعله ذاك كافرًا فإنه لا تجري عليه أحكام الإسلام السابقة .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 292 ):

صرح الفقهاء في أكثر من موضع بأن المنتحر لا يخرج عن الإسلام، ولهذا قالوا بغسله والصلاة عليه كما سيأتي، والكافر لا يصلى عليه إجماعاً، ذكر في ” الفتاوى الخانية “: المسلم إذا قتل نفسه في قول أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلَّى عليه.

وهذا صريح في أن قاتل نفسه لا يخرج عن الإسلام، كما وصفه الزيلعي وابن عابدين بأنه فاسق كسائر فساق المسلمين، كذلك نصوص الشافعية تدل على عدم كفر المنتحر. انتهى.

ولا يرِد على هذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه؛ لأن هذا الترك ليس لأنه كافر خارج من ملة الإسلام بل هو لبيان تغليظ فعله، وليعتبر الأحياء بهذا، ومثله ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة – في أول الأمر – على المدين للأسباب نفسها، ولذا فإنه يشرع لخاصة الناس ترك الصلاة على قاتل نفسه -المنتحر – كما تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ترك الصلاة عليه بالكلية، بل يُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة.

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ الله عنْه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رواه مسلم ( 978 ) ،  وراه الترمذي ( 1068 )، وقال – بعده-:

واختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: يصلَّى على كل مَن صلَّى إلى القبلة وعلى قاتل النفس وهو قول الثوري وإسحق، وقال أحمد: لا يصلِّي الإمام على قاتل النفس ويصلِّي عليه غير الإمام .انتهى.

* قال أبو حفص بن شاهين – رحمه الله -:

وهذه الأحاديث التي ذُكر فيها امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على هؤلاء ليس أنه لا تجوز الصلاة عليهم، وإنما هو تغليظ من النبي صلى الله عليه وسلم ليُري الأحياء عِظَم الجنايات، والدليل على ما قلناه: قول النبي صلى الله عليه وسلم (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم ) فلو لم يجز الصلاة عليه لما أمرهم بالصلاة عليه، ….

وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإمامُ على قاتل نفسه ولا على غالٍّ، ويصلِّي الناس عليه، وكذا قال مالك بن أنس: المقتول في القوَد يصلِّي عليه أهله غير أن الإمام لا يصلِّي علي .” ناسخ الحديث ومنسوخه ” ( ص 315 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

المَشاقص: سهام عِراض واحدها مِشقَص بكسر الميم وفتح القاف.

وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلِّى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله وصلَّت عليه الصحابة. ” شرح مسلم ” ( 7 / 47 ).

العزيز والأوزاعي – فإن الأمر عندهم ليس لكونه كافرًا بل الأمر كما نقله النووي عنهم أنه ” لعصيانه “، ولا نعلم أحدًا من أهل السنَّة يقول بأنه المنتحر قد خرج بفعله من ملَّة الإسلام.

ثالثًا:

وإذا تبيَّن لك صحة وقوة ما سبق في منهج أهل السنَّة والجماعة واعتقادهم هان عليك الأمر بعده، وسهل عليك الخروج من الإشكالات التي أوردتها، فالمحكم من النصوص والقطعي من الأحكام: أن المنتحر ليس يخرج من الإسلام بمجرد فعله، وعليه: فإن الخلود الذي ورد في حديث أبي هريرة ليس هو الخلود الذي للمشركين والمنافقين والكفار، وإن تحريم الجنة الذي ورد في حديث جندب ليس هو تحريمها على أبي لهب وأبي جهل، وإن لكل واحدة من اللفظين من التأويل ما يناسب مقام سياقها وفيمن وردت فيه، وهذا هو منهج أهل السنَّة المحكم في فهم النصوص، كما سبق في أول الجواب، وبيان ذلك:

  1. أن يقال إن ” الخلود ” خلودان: خلود مؤبَّد توعَّد الله تعالى به أهل الكفر والشرك والنفاق، وخلود مؤمَّد توعَّد الله تعالى به أهل الكبائر من المسلمين.

* قال الشيخ عبد العزيز الراجحي – حفظه الله -:

معنى ” الخلود ” عند أهل السنة والجماعة في قوله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) المكث الطويل، فالخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤمَّد له أمد ونهاية، وهذا خلود عصاة الموحدين، وقد يطول مكث بعض العصاة لشدة وعظم جريمته كالقاتل وغيره، قد يطول، لكنه له نهاية ما دام على التوحيد والإيمان: فلا يخلد في النار. ” أجوبة مفيدة عن أسئلة عديدة ” ( ص 18 ) – ترقيم الشاملة -.

  1. وأما قوله صلى الله عليه وسلم عن ربِّه تعالى في حق قاتل نفسه ( حَرَّمْتُ عليه الجَنَّة ) فهو من الباب نفسه، فالتحريم تحريمان: تحريم مؤبَّد وهو تحريم الجنة على الكفار والمشركين والمنفقين فلا يدخلونها البتة، وتحريم مؤمَّد وهو تحريمها على العصاة من المؤمنين مع أول الداخلين، فهو تحريم لفترة من الوقت ثم يدخلونها وتكون مستقرًّا لهم، وقيل: إن المحرَّم هو جنَّة أرفع وأعلى من التي دخلها، وقيل إن التحريم هو تحريم مؤبَّد لكنه ليس لمجرد قتله نفسه بل لاستحلاله لذلك الفعل، وقيل إن هذا هو حكم المنتحر ما لم يتحقق عنده مانع من الخلود الأبدي ولا شك أن التوحيد هو يمنع من ذلك الخلود، وكل هذه التأويلات عند أهل السنَّة لا يهم ما يرجحه الباحث منها؛ لأن المهم هو أن مجرد المعصية بقتله نفسه لا تخرجه من ملة الإسلام وات توجب له الخلود الأبدي في النار كخلود الكفار والمنافقين والمشركين.

وهذا الوعيد لأولئك المسلمين المنتحرين لا شك أنه مما يمكن تخلف إيقاعه بفضل من الله تعالى ورحمة؛ وقد سبق في أول الكلام أن الذنوب كلها مما كان دون الشرك قابل لأن يغفره الله لعبده المذنب ويتجاوز عنه.

وكل ما قلناه في معنى الحديث ليتوافق مع المحكم من النصوص قاله أهل السنَّة خلافًا للخوارج الذين يرون أن قاتل نفسه مختوم له بكبيرة تخلِّده في النار.

* قال ابن خزيمة – رحمه الله -:

كلُّ وعيد في الكتاب والسنَّة لأهل التوحيد: فإنما هو على شريطة، أي: إلا أن يشاء الله أن يغفر ويصفح ويتكرم ويتفضل فلا يعذب على ارتكاب تلك الخطيئة؛ إذ الله عز وجل قد خبر في محكم كتابه أنه قد يشاء أن يغفر ما دون الشرك من الذنوب في قوله ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ).” كتاب التوحيد “(2/869).

* وقال ابن حبَّان – رحمه الله -:

هذه الأخبار كلها معناها: لا يدخل الجنَّة، يريد: جنَّة دون جنَّة، القصد منه: الجنة التي هي أعلى وأرفع، يريد: مَن فعل هذه الخصال أو ارتكب شيئًا منها: حرَّم الله عليه الجنَّة أو لا يدخل الجنة التي هي أرفع، التي يدخلها مَن لم يرتكب تلك الخصال؛ لأن الدرجات في الجنان ينالها المرء بالطاعات وحطّه عنها يكون بالمعاصي التي ارتكبها.” صحيح ابن حبان ” ( 11 / 240 ).

* وقال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

قوله ( حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةً ) فيتعلق به مَن يرى بوعيد الأبد، وهو مؤول عند غيرهم على تحريم الجنة بحالة مخصوصة، كالتخصيص بزمن، كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فِعل ذلك مستحلاًّ فيكفر به ويكون مخلدًا بكفره لا بقتله نفسه.” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 437 ).

 

والله أعلم.