الرئيسية بلوق الصفحة 138

هل هناك فرق بين المصيبة الحاصلة على الإنسان بتفريطه وتهاونه أم الكل سواء؟ وتفصيل مهم بمسألة القدر.

السؤال: 

فضيلة الشيخ/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من المعلوم أن الصبر على أقدار الله عز وجل واحتساب أجرها عند الله من عقيدة المسلم, وكذلك الرضا بالمقدور الذي قدره الله عز وجل منزلة من منازل المؤمنين الذين يتفاوتون فيها, فهل هناك فرق بين المصيبة الحاصلة على الإنسان بتفريطه وتهاونه أم الكل سواء؟ بمعنى آخر: إنسان فاته التعليم والجد والاجتهاد في طلب العلم وهو قادر عليه ثم بعد أن بلغ من العمر ما بلغ أخذ يتحسر بل ويصل به الحزن إلى درجة كبيرة ويقول: كيف فرطت أيام كانت الظروف مواتية ومتاحة لي، بينما يرى بعض الإخوان أن هذا الحزن والتأفف فيه اعتراض على القدر؛ لأنهم يقولون لو أراد الله لك ذلك لكان, أرجو التوضيح أكثر لأني لا أستطيع أن أصوغ السؤال إلا بهذه الطريقة؟, ولعل المقصود قد اتضح لفضيلتكم, أسأل الله تعالى أن يهديكم للحق والصواب وأن يحسن لكم العاقبة في الأمور كلها.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. المؤمن الموحد يعلم أن كل شيء إنما هو بقدَر الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ليس ثمة شيء يمكن أن يحجز قدر الله أن ينفذ في خلقه سبحانه وتعالى، وبذا يطمئن قلب المؤمن الموحِّد، ويعلم أن لا مجال للأسى والحزن أن يكونا في حياته؛ لأن أمر الله سبق، ومشيئته نفذت.

قال الله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ الحديد / الآية 22 – 23 ] .

وقال تعالى : ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [ التوبة / الآية 51 ] .

  1. وإذا كان هذا هو حال المؤمن الموحد لم يكن في حياته ندم على ما فاته، ولن تكون ” لو ” التحسر في قاموسه، وهذا الذي قدَّره الله تعالى على عبده لا يخلو من حالين:

الأول: أن يكون بسبب معصية وقع فيها العبد، فقدَّر الله عليه بسببها مصائب. قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) [ الشورى / من الآية 30 ].

والثاني: أن يكون ذلك ابتلاء من الله لرفع درجته، وتكفير سيئاته.

فماذا يصنع المؤمن الموحِّد بعد أن يعلم هذا ويعتقده اعتقاداً جازماً؟ الواجب عليه إن كانت المصيبة بسبب معصية فعلها، أو آثام ارتكبها أن يبادر إلى التوبة والاستغفار، وأن يرجع إلى ربه ويئوب، ويندم على ما اكتسبه، ويُصلح ما بينه وبين خاله ومولاه، قال تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [ طه / الآية 82 ].

وإن كانت المصيبة مجرد ابتلاء لرفع الدرجات وتكفير السيئات: فليس أمام المؤمن الموحِّد إلا الرضا بقدر الله، واحتساب ما أصابه لربه تعالى، راجيا الأجور، طامعا في تكفير الذنوب.

وفي كلا الحالين لن يكون قلب المؤمن الموحد إلا قويًّا مطمئنًّا، ولن يصيبه الضعف والخور، بل يبادر إلى الطاعة والعمل، وإن كان عاصيا ترك معاصيه وعاد أفضل مما كان، وإن كان طائعاً ازداد في طاعة خالقه ومولاه.

  1. والشيطان يحاول إضعاف قلب المؤمن، وإدخال الحزن والأسى على قلبه، ويبذل جهده لقذف العجز في جوارحه، وكل ذلك بقول ” لو ” على ما مضى مما فعله، أو مما لم يفعله، ومع هذا الشر والفساد كله: فهو يجعله يفتري الكذب ويقول: ” لو كان كذا لكان كذا “! وما يدريه أن الأمر كذلك؟ فانظر – رعاك الله – إلى ما يحدثه الشيطان من التحسر والحزن والكذب على قدر الله تعالى، ومع ذلك كله فهو يضعفه عن العمل، ويُعجزه عن الطاعة، ويظل يندب حظه ويتحسر حتى يفوت عمره! وقد أخبرنا الله تعالى أن هذا من فعل المنافقين، وحذَّرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أن نسلك هذا الطريق.

قال الله تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) [ آل عمران / من الآية 154 ].

وقال تعالى: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) [ آل عمران / من الآية 168 ].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ, فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ “. رواه مسلم ( 2664 ).

وانظر وتأمل هذا الحديث العظيم، وفيه بيان الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وفيه الحث على العمل وعدم العجز، وكل ذلك مناسب تماما للنهي عن التحسر بقول ” لو “.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ “. رواه مسلم (2664).

 

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( كتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة, والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة لاحقة وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، وبما قررناه يزول الإشكال عند بعض الناس في قول الله تبارك وتعالى: ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) , فإن بعض الناس قد يشكل عليه هذه الآية، كيف يقول عز وجل: ( حتى نعلم ) وهو قد علم؟ فيقال: ( حتى نعلم ) يعني العلم الذي يترتب عليه الثواب، وأما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب, والكتابة السابقة معناها أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح :” أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة “, فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، نؤمن بهذا.

قال الله تعالى: ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأَرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ).

وقال عز وجل: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأَرض يرثها عبادي الصالحون ) أما الكتابة اللاحقة فهي أن الله سبحانه وتعالى إذا عمل الإنسان عملاً كتبه.

قال الله تعالى: ( كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ) وهذه الكتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب ( وكل شيء فعلوه في الزبر )، ومعنى الآية: أن كل شيء يفعله الإنسان فإنه مكتوب، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبداً، كما قال عز وجل: ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا ) . سبحان الله، بعد مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضرا، لا يظلم ربك أحدا، ( وكل صغير وكبير مستطر )، كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات، وأوصافها، وأعمالها، ( مستطر )، أي: مسطر في الكتاب العزيز- اللوح المحفوظ – كل صغير وكبير, حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك، أو فعلك، أو تركك، لأن كل شيء مكتوب، قال الله عز وجل: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) , وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب عتيد؛ لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فما تنطق به لا يحصى، فإذا كانت الأقوال تكتب، فالأفعال من باب أولى، فعليك أن تتقي الله عز وجل ولا تخالف الله. إذا سمعت الله يقول خبرا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئا أمرا، فقل: آمنت به سمعاً وطاعة، نهياً آمنت به، وسمعا وطاعة, فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به، ( إن المتقين في جنات ونهر ) هذا مقابل قوله: ( إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ) تفسير القرآن للعثيمين (12 / 29,27).

قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله –:

” قلب الموحد المؤمن، لا يكون محققًا مكملًا للتوحيد حتى يعلم أن كل شيء بقضاء الله جل وعلا وبقدره، وأن ما فعله سبب من الأسباب, والله جل وعلا ماض قدره في خلقه، وأنه مهما فعل فإنه لن يحجز قدر الله جل وعلا، فإذا كان كذلك كان القلب معظمًا لله جل وعلا في تصرفه في ملكوته، وكان القلب لا يخالطه تمني أن يكون شيء فات على غير ما كان، وأنه لو فعل كذا لتغير ذلك السابق، بل الواجب أن يعلم أن قضاء الله نافذ، وأن قدره ماض، وأن ما سبق من الفعل قد قدره الله جل وعلا وقدر نتائجه، فالعبد لا يمكنه أن يرجع إلى الماضي فيغير, وإذا استعمل لفظ ( لو ) أو لفظ ( ليت ) وما أشبهها من الألفاظ التي تدل على الندم، وعلى التحسر على ما فات، فإن ذلك يضعف القلب، ويجعله متعلقًا بالأسباب، منصرفًا عن الإيقان بتصريف الله جل وعلا في ملكوته، وكمال التوحيد إنما يكون بعدم الالتفات إلى الماضي؛ فإن الماضي الذي حصل إما أن يكون مصيبة أصيب بها العبد فلا يجوز له أن يقول: لو فعلت كذا لما حصل كذا، بل الواجب عليه أن يصبر على المصيبة، وأن يرضى بفعل الله جل وعلا, ويستحب له الرضى بالمصيبة.

وإذا كان ما أصابه في الماضي معصية فإن عليه أن يسارع في التوبة والإنابة, وأن لا يقول: لو كان كذا لم يكن كذا, بل يجب عليه أن يسارع في التوبة والإنابة حتى يمحو أثر المعصية, فتبين أن ما مضى من المقدر للعبد معه حالان: إما أن يكون ذلك الذي مضى مصائب، فحالها كما ذكرنا، وإما أن يكون معايب ومعاصي, فالواجب عليه أن ينيب, وأن يستغفر, وأن يقبل على الله جل جلاله, وقد قال سبحانه: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [ طه / الآية 82].

والشيطان يدخل على القلب، فيجعله يسيء الظن بربه جل وعلا وبقضائه وبقدره، وإذا دخلت إساءة الظن بالله ضعف التوحيد ولم يحقق العبد ما يجب عليه من الإيمان بالقدر والإيمان بأفعال الله جل جلاله؛ ولهذا عقد المصنف هذا الباب؛ لأن كثيرين يعترضون على القدر من جهة أفعالهم، ويظنون أنهم لو فعلوا أشياء لتغير الحال والله جل وعلا قد قدر الفعل وقدر نتيجته، فالكل موافق لحكمته سبحانه وتعالى.

وقول الله تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) [ آل عمران / من الآية 154 ] , وقوله: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) [ آل عمران / من الآية 168 ].

تقدم أن قول ( لو ) في الماضي لا يجوز, وأنه محرم, ودليل ذلك واضح من الآيتين, ومناسبة الآيتين للباب ظاهرة: وهو أن التحسر على الماضي بالإتيان بلفظ (لو ) إنما هو من خصال المنافقين, قال جل وعلا عن المنافقين: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) , وقال: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) , وهذا في قصة غزوة أحد كما هو معروف، فهذا من كلام المنافقين، فيكون استعمال ( لو ) من خصال النفاق، وهذا يدل على حرمتها.

في الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن ( لو )، تفتح عمل الشيطان “, ووجه مناسبة هذا الحديث: قوله: ” وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا “, و( لو) هنا كانت على الماضي، وقوله: ” فلا تقل ” نهي، والنهي للتحريم؛ وهذا لأنه سوء ظن؛ ولأنه فتح عمل الشيطان، فالشيطان يأتي المصاب فيغريه بـ ( لو ) حتى إذا استعملها ضعف قلبه وعجز، وظن أنه سيغير من قدر الله شيئًا، وهو لا يستطيع أن يغير من قدر الله شيئًا، بل قدر الله ماض؛ ولهذا أرشده عليه الصلاة والسلام أن يقول: ” قدر الله وما شاء فعل “؛ لأن ذلك راجع إلى قدره وإلى مشيئته، هذا كله من النهي, والتحريم راجع إلى ما كان من استعمال ( لو ) أو ( ليت ) وما شابههما من الألفاظ في التحسر على الماضي، وتمني أن لو فعل كذا حتى لا يحصل له ما سبق، كل ذلك فيما يتصل بالماضي.

أما المستقبل كأن يقول: لو يحصل لي كذا وكذا في المستقبل، فإنه لا يدخل في النهي؛ لأنها حينئذ تكون للتعليق في المستقبل، وترادف ( إن ).

فاستعمال ( لو ) في المستقبل الأصل فيه الجواز، إلا إن اقترن بذلك اعتقاد أن فعله سيكون حاكمًا على القدر كاعتقاد بعض الجاهليين، أنه إن حصل لي كذا فعلت كذا، تكبرًا وأنفة واستعظامًا لفعلهم وقدرتهم، فإن هذا يكون من المنهي؛ لأن فيه تجبرًا وتعاظمًا، والواجب على العبد أن يكون ذليلًا؛ لأن القضاء والقدر ماض، وقد يحصل له الفعل ولكن ينقلب على عقبيه كحال الذي قال الله جل وعلا فيه: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) [ التوبة / الآية 75 – 77 ].

فإنهم قالوا: لئن كان لنا كذا وكذا لنفعلن كذا وكذا، فلما أعطاهم الله جل وعلا المال بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فهذا فيه نوع تحكم على القدر وتعاظم، فاستعمال ( لو ) في المستقبل إذا كانت في الخير مع رجاء ما عند الله بالإعانة على أسباب الخير فهذا جائز، أما إذا كان على وجه التجبر والاستعظام، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه نوع تحكم على القدر “. كفاية المستزيد بشرح كتاب التوحيد (1 / 449,446).

قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

” عندما يقع الإنسان في مكروه أو تصيبه مصيبة؛ فإنه لا يقول: لو أني فعلت كذا؛ ما حصل علي هذا! أو: لو أني لم أفعل؛ لم يحصل كذا! لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر على ما فات مما لا يمكن استدراكه، ولما يشعر به اللفظ من عدم الإيمان بالقضاء والقدر، ولما في ذلك من إيلام النفس وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم.

والواجب بعد نزول المصائب التسليم للقدر، والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأسباب الجالبة للخير والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم.

وقد ذم الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلت بالمسلمين في وقعة أحد، فقال تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) , هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم أحد لما حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدر، ويعتبون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين خروجهم إلى العدو، فرد الله عليهم بقوله تعالى: ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) ؛ أي: هذا قدر مقدر من الله لا بد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف.

وقول ” لو ” بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر والحزن وإيلام النفس والضعف مع تأثيره على العقيدة من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر .

ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) ، وهذه من مقالات المنافقين يوم أحد أيضًا، ويروى أن عبد الله بن أبي كان يعارض القدر ويقول: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج؛ ما قتلوا مع من قتل, فرد الله عليهم بقوله: ( قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ) ؛ أي: إذا كان القعود وعدم الخروج يسلم به الشخص من القتل أو الموت؛ فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بد أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلم من القتل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مقالة ابن أُبَيّ هذه؛ قال: ” فلما انخزل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان – أو كما قال -؛ انخزل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل؛ فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق؛ لماتوا على الإسلام، وهؤلاء لم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة . . . ” انتهى.

والشاهد منه أن اللهج بكلمة ( لو ) عند حصول المصائب من سمات المنافقين الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر.

فيجب على المؤمن الابتعاد عن التلفظ بهذه الكلمة عندما تصيبه محنة أو مكروه، وأن يعدل إلى الألفاظ الطيبة التي فيها الرضى بما قدر الله والصبر والاحتساب، وهي الألفاظ التي وجه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك, واستعن بالله, ولا تعجزن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا, ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان “؛ فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينًا بالله؛ ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسَبَّب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع؛ فإذا حرص على ما ينفعه، وبذل السبب ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره فلا يقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئًا، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول: ” قدر الله وما شاء فعل “؛ لأن ما قدره الله لا بد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة.

قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: ” والعبد إذا فاته المقدور له حالتان:

حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى ( لو ) ، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم.

والحالة الثانية: النظر إلى المقدور وملاحظته, وأنه لو قدر لم يفته, ولم يغلبه عليه أحد, فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول ( لو ) ، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ ( لو ) ؛ بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان.

فإن قيل: الرسول قد قال هذه الكلمة حينما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ولم يفسخ هو لأنه ساق الهدي؟.

فالجواب عن ذلك: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ” لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي “: خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لأصحابه أنه لو استقبل الإحرام بالحج؛ ما ساق الهدي، ولأحرم بالعمرة، قال ذلك لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؛ حثًّا وتطييبًا لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره؛ فليس هذا من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر “. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد (1 / 124,121).

قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

” لا شك أن إثبات القضاء والقدر ووجوب الإيمان بهما وبما تضمناه من أعظم أركان الإيمان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” الإيمان: أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره “، وقال تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ).

والقدر: مصدر: قدرت الشيء: إذا أحطت بمقداره.

والمراد هنا: تعلق علم الله بالكائنات وإرادته لها أزلًا قبل وجودها؛ فلا يحدث شيء إلا وقد علمه الله وقدره وأراده.

ومذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالقدر خيره وشره.

والإيمان بالقدر يتضمن أربع درجات:

  • الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي بكل شيء قبل وجوده، ومن ذلك علمه بأعمال العباد قبل أن يعملوها.
  • الثانية: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
  • الثالثة: الإيمان بمشيئة الله الشاملة لكل حادث وقدرته التامة عليه.
  • الرابعة: الإيمان بإيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وحده، وما سواه مخلوق.

ومن أدلة المرتبة الأولى والثانية قوله تعالى: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) .

ومن أدلة المرتبة الثالثة قوله تعالى: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) , وقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) .

ومن أدلة المرتبة الرابعة قوله تعالى: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) , وقوله تعالى: ( وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ).

 

والتقدير نوعان:

1- تقدير عام شامل لكل كائن، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ؛ فقد كتب الله فيه مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، كما في الحديث الذي رواه أبو داوود في ” سننه ” عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه -؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أول ما خلق الله القلم، قال: له اكتب! قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة “, وهذا التقدير يعم جميع المخلوقات.

وتقدير مفصل للتقدير العام، وهو أنواع:

  • النوع الأول: التقدير العمري؛ كما في حديث ابن مسعود في شأن ما يكتب على الجنين وهو في بطن أمه من كتابة أجله, ورزقه, وعمله, وشقاوته, أو سعادته.
  • النوع الثاني: التقدير الحولي، وهو ما يقدر في ليلة القدر من وقائع العام؛ كما قال تعالى: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) .
  • النوع الثالث: التقدير اليومي، وهو ما يقدر من حوادث اليوم من حياة وموت وعز وذل .. إلى غير ذلك؛ كما في قوله تعالى: ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ).

ولا بد للمسلم من الإيمان بالقدر العام وتفاصيله؛ فمن جحد شيئًا منهما؛ لم يكن مؤمنًا بالقدر، ومن لم يؤمن بالقدر؛ فقد جحد ركنًا من أركان الإيمان؛ كما عليه الفرقة القدرية الضالة التي تنكر القدر، وهم في هذا الإنكار على قسمين:

  • القسم الأول: القدرية الغلاة الذين ينكرون علم الله بالأشياء قبل كونها، وينكرون كتابته لها في اللوح المحفوظ، ويقولون: إن الله أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه؛ فالأمر أنف ( أي: مستأنف ) ، لم يسبق في علم الله وتقديره, وهذه الفرقة قد انقرضت أو كادت.

– القسم الثاني: تقر بالعلم، ولكنها تنفي دخول أفعال العباد في القدر، وتزعم أنها مخلوقة لهم استقلالًا، لم يخلقها الله ولم يردها، وهذا مذهب المعتزلة.

وقابلتهم طائفة غلت في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إن العبد مجبر على فعله، ولذلك سموا بالجبرية.

وكلا المذهبين باطل لأدلة كثيرة؛ منها:

قوله تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ؛ لأن قوله تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ): يرد على الجبرية؛ لأن الله تعالى أثبت للعباد مشيئة، وهم يقولون: إنهم مجبورون لا مشيئة لهم, وقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ): فيه الرد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله، وهذا قول باطل؛ لأن الله علق مشيئة العبد على مشيئته سبحانه، ربطها بها وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، فلم يُفَرِّطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يُفَرِّطوا إفراط الجبرية الغلاة.

فمذهب سلف الأمة وأئمتها أن جميع أنواع الطاعات والمعاصي والكفر والفساد واقع بقضاء الله وقدره، لا خالق سواه؛ فأفعال العباد كلها مخلوقة لله؛ خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد غير مجبور على أفعاله، بل هو قادر عليها, وقاصد لها, وفاعل لها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: ” الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد، بمعنى أنها قائمة بالعبد وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه، وهي من الله، بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد، وجعلها عملًا له وكسبًا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه؛ كما إذا قلنا: هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله بمعنى أنه خلقه منها، لم يكن بينهما تناقض . . . ” انتهى.

وقال السفاريني: ” والحاصل أن مذهب أهل السلف ومحققي أهل السنة أن الله تعالى خلق قدرة العبد وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله، والله سبحانه جعله فاعلًا له محدثًا له؛ قال تعالى: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) . . . ؛ فأثبت مشيئة العبد، وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئة الله، وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الله . . . ” انتهى.

وأقول: إن مما يؤيد هذا أن الله أعطى الإنسان عقلًا وقدرة واختيارًا، ولا يحتسب فعله له أو عليه؛ إلا إذا توفرت فيه هذه القوى.

فالمجنون والمعتوه أو المكره لا اعتبار لما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، ولا يؤاخذون عليها، مما يدل على أنه ليس بمجبر ولا مستقل بنفسه. والله المستعان.

ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر:

إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر صحة إيمان الشخص بتكامل أركانه؛ لأن الإيمان بذلك من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة.

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر طمأنينة القلب وارتياحه وعدم القلق في هذه الحياة عندما يتعرض الإنسان لمشاق الحياة؛ لأن العبد إذا علم أن ما يصيبه فهو مقدر لا بد منه ولا راد له، واستشعر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك “؛ فإنه عند ذلك تسكن نفسه ويطمئن باله؛ بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه تأخذه الهموم والأحزان، ويزعجه القلق حتى يتبرم بالحياة ويحاول الخلاص منها ولو بالانتحار؛ كما هو مشاهد من كثرة الذين ينتحرون فرارًا من واقعهم وتشاؤمًا من مستقبلهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر، فكان تصرفهم ذلك نتيجة حتمية لسوء اعتقادهم.

وقد قال الله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) , فأخبرنا سبحانه أنه قدر ما يجري من المصائب في الأرض وفي الأنفس؛ فهو مقدر ومكتوب لا بد من وقوعه مهما حاولنا دفعه، ثم بين أن الحكمة من إخباره لنا بذلك لأجل أن نطمئن فلا نجزع, ولا نأسف عند المصائب, ولا نفرح عند حصول النعم فرحًا ينسينا العواقب، بل الواجب علينا الصبر عند المصائب, وعدم اليأس من روح الله، والشكر عند الرخاء, وعدم الأمن من مكر الله، ونكون مرتبطين بالله في الحالتين.

قال عكرمة – رحمه الله -: ” ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن؛ ولكن جعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا “.

وليس معنى هذا أن العبد لا يتخذ الأسباب الواقية من الشر والجالبة للخير، وإنما يتكل على القضاء والقدر؛ كما يظن بعض الجهال، هذا من أكبر الغلط والجهل؛ فإن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهانا عن التكاسل والإهمال، ولكن إذا اتخذنا السبب وحصل لنا عكس المطلوب؛ فعلينا أن لا نجزع؛ لأن هذا هو القضاء المقدر، ولو قدر غيره؛ لكان، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان “. رواه مسلم .

وعلى العبد مع هذا أن يحاسب نفسه ويصحح أخطاءه؛ فإنه لا يصيبه شيء إلا بسبب ذنوبه؛ قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ).

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت ويقين صادق لا تزلزله الأحداث ولا تهزه الأعاصير؛ لأنه يعلم أن هذه الحياة دار ابتلاء وامتحان وتقلب؛ كما قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) , وقال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ).

كم جرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته من المحن والشدائد، لكنهم واجهوها بالإيمان الصادق والعزم الثابت حتى اجتازوها بنجاح باهر، وما ذاك إلا لإيمانهم بقضاء الله وقدره، واستشعارهم لقوله تعالى: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ).

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر تحويل المحن إلى منح، والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).

قال علقمة: ” هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم “.

ومعنى الآية الكريمة: من أصابته مصيبة، فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدًى في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف الله عليه ما كان أخذ منه, أو خيرًا منه، وهذا في نزول المصائب التي هي من قضاء الله وقدره، لا دخل للعبد في إيجادها إلا من ناحية أنه تسبب في نزولها به، حيث قصر في حق الله عليه بفعل أمره وترك نهيه؛ فعليه أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويصحح خطأه الذي أصيب بسببه وبعض الناس يخطئون خطأ فاحشًا عندما يحتجون بالقضاء والقدر على فعلهم للمعاصي وتركهم للواجبات، ويقولون: هذا مقدر علينا! ولا يتوبون من ذنوبهم؛ كما قال المشركون: ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ) وهذا فهم سيئ للقضاء والقدر؛ لأنه لا يحتج بهما على فعل المعاصي والمصائب، وإنما يحتج بهما على نزول المصائب؛ فالاحتجاج بهما على فعل المعاصي قبيح؛ لأنه ترك للتوبة, وترك للعمل الصالح المأمور بهما، والاحتجاج بهما على المصائب حسن؛ لأنه يحمل على الصبر والاحتساب.

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت؛ لأنه يعلم أنه لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر، لا يمنع منه حصون ولا جنود، ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) , ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) , وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء, وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين.

وكذلك بالإيمان بالقضاء والقدر يتوفر الإنتاج والثراء؛ لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له؛ فإنه لن يتواكل، ولا يهاب المخلوقين، ولا يعتمد عليهم، وإنما يتوكل على الله، ويمضي في طريق الكسب، وإذا أصيب بنكسة، ولم يتوفر له مطلوبه؛ فإن ذلك لا يثنيه عن مواصلة الجهود، ولا يقطع منه باب الأمل، ولا يقول: لو أنني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا! ولكنه يقول: قدر الله وما شاء فعل, ويمضي في طريقه متوكلًا على الله، مع تصحيح خطئه، ومحاسبته لنفسه، وبهذا يقوم كيان المجتمع، وتنتظم مصالحه، وصدق الله حيث يقول: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) . الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ( 1 /278, 285 ).

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” لكن القوة في قوله صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن القوي “، تعني قوة الإيمان؛ لأن كلمة ( القوي ) تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول: الرجل القوي، أي في رجولته، كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفا لا يحمله على فعل الواجبات، وترك المحرمات فيقصر كثيرا.

وقوله: ” خير ” يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” وفي كل خير “, يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير، وإنما قال: ” وفي كل خير ” لئلّا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.

وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلاماً يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله تبارك وتعالى: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) [ الحديد / من الآية 10 ]، لما كان قوله: ( أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: ( وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ).

ومن ذلك قوله تعالى: ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) [ الأنبياء / من الآية 79 ]، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: ( وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْما وَعِلْما ).

ومن ذلك قوله تعالى: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) [ النساء / من الآية 95 ] ، فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” وفي كل خير ” أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، لكن القوي خير وأحب إلى الله.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” احرص على ما ينفعك “, هذه وصية من الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته، وهي وصية جامعة مانعة, ” احرص على ما ينفعك ” يعني اجتهد في تحصيله ومباشرته، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر، وما لا ينفع فيه ولا ضرر، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر .

فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية صلى الله عليه وسلم هو الذي يحرص على ما ينفعه، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم، وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء: إنكم لم تعملوا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم؛ إما جهلاً منكم, وإما تهاوناً، لكن المؤمن العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة، ويحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه.

وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراسا له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” احرص على ما ينفعك “, وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة، ” على ما ينفعك ” أي على كل شيء ينفعك, سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد.

وفي قوله: ” احرص على ما ينفعك ” إشارة إلى أنه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى، فإننا نقدم المنفعة العليا؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، فتدخل في قوله: ” احرص على ما ينفعك “.

فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعاً، فهنا تقدم صلة الأخ؛ لأنها أفضل وأنفع، وكذلك أيضاً لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة, فإننا نقدم الأكثر جماعة؛ لأنه الأفضل، فقوله: ” على ما ينفعك ” يشير إلى أنه إذا اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى.

وبالعكس إذا كان الإنسان لا بد أن يرتكب منهيًّا عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف، فالمناهي يقدم الأخف منها, والأوامر يقدم الأعلى منها.

وقوله عليه الصلاة والسلام: ” واستعن بالله “: ما أروع هذه الكلمة بعد قوله :” احرص على ما ينفعك “؛ لأن الإنسان إذا كان عاقلاً ذكيًّا فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع ويجتهد، ويحرص، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله عز وجل ويستعين به، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصا على النافع وفعلاً له، أعجب بنفسه ونسي الاستعانة بالله، ولهذا قال: ” احرص على ما ينفعك واستعن بالله ” أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير، وفي الحديث: ” ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ” يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الاستعانة بالله عز وجل، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلي أو تذهب يمينا أو شمالا أو تضع شيئا فاستحضر أنك مستعين بالله عز وجل، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء.

ثم قال:” ولا تعجز ” يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر، وتقول: إن المدى طويل والشغل كثير، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز.

وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى، منها مثلاً طالب العلم الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل، وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول عنه: إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز، كيف عجز؟ بكونه لم يستمر، لأن معنى قوله: ” لا تعجز ” أي لا تترك العمل؛ بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه، ولذا تجد هذا الرجل يمضي عليه الوقت ولم يحصل شيئا؛ لأنه أحياناً يقرأ في هذا، وأحياناً في هذا.

حتى في المسألة الجزئية؛ تجد بعض طلبة العلم مثلاً يريد أن يراجع مسألة من المسائل في كتاب، ثم يتصفح الكتاب، يبحث عن هذه المسألة، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها، ثم مسألة ثانية، فيقف عندها، ثم ثالثة، فيقف، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله، فيضيع عليه الوقت، وهذا ما يقع كثيرا في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – تجد الإنسان يطالعها ليأخذ مسألة، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا، وهذا ليس بصحيح؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله.

كذلك أيضا في تراجم الصحابة، في الإصابة مثلا لابن حجر – رحمه الله – حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته، فتعرض له ترجمة صحابي آخر، فيقف عندها ويقرؤها، ثم يفتح الكتاب، يجد صحابيًّا آخر، ثم هكذا يضيع عليه الوقت, ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح الكتاب، وهذا فيه ضياع للوقت.

ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول صلى الله عليه وسلم، قال له: أريد أن تأتي لتصلي في بيتي؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه نفر من أصحابه، فلما وصلوا، إلي بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا، وإذا عتبان قد صنع لهم طعاماً، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بالطعام، بل قال:” أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه؟ ” فأراه إياه، فصلى، ثم جلس للطعام، فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم، وبالذي تحرك من أجله؛ من أجل ألا يضيع عمله سدى.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا تعجز ” أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر, ثم تركت ثم شرعت ثم تركت، ما تم لك عمل.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ” ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد، وتستعين بالله، وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا؛ لأن هذا أمر فوق إرادتك، أنت فعلت الذي تؤمر به، ولكن الله عز وجل غالب على أمره ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [ يوسف / الآية 21 ] .

ونضرب مثالا لذلك: إذا سافر رجل يريد العمرة، ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة، ثم رجع فقال: لو أني أخذت السيارة الأخرى لكان أحسن، ولما حصل علي التعطل، نقول: لا تقل هكذا؛ لأنك أنت بذلت الجهد، ولو كان الله عز وجل أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك الأمر، ولكن الله لم يرد ذلك.

فالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله، وأخلفت الأمور؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله ؛ لأنه فعل ما يقدر عليه، ولهذا قال: ” إن أصابك شيء ” يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله عز وجل ” فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا كَذا “.

وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء؛ فقد بين لنا الحكمة من ذلك، حيث قال:” فإن لو تفتح عمل الشيطان ” أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا, فلا تقل هكذا، والأمر انتهى، ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت؛ ولهذا قال: ” ولكن قل: قدر الله ” أي هذا قدر الله، أي تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله عز وجل فعله ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [ هود / من الآية 107 ] ، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل عز وجل.

ولكن يجب أن نعلم أنه سبحانه وتعالى لا يفعل شيئاً إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) [ الإنسان / الآية 30 ] ، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه، فصار في العاقبة خيراً له ، كما قال تعالى: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) [ البقرة / من الآية 216 ] ، ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار، فغلبته عيناه حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة؛ كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها, فسبحان الله! كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيرا له.

فأنت إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار عز وجل قل: قدر الله وما شاء فعل.

ووالله، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيراً، لكن تجد الإنسان منا؛ أولاً: لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلاً ونهاراً بدون فائدة، تضع عليه سدى. ثانياً: إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه ثم فات الأمر ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله عز وجل.

فإذا قال قائل: كيف أحتج بالقدر؟ كيف أقول: قدر الله وما شاء فعل؟.

والجواب أن نقول: نعم؛ هذا احتجاج بالقدر، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ) [ الأنعام / الآية 106 – 107 ] ، فبين له أن شركهم بمشيئته، والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ) [ الأنعام / من الآية 148 ]، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام فوجدهما نائمين، فقال لهما: ” ما منعكما أن تقوما؟ ” يعني تقوما تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله؛ لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذيه، ويقول: ( وَكَانَ الْإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) [ الكهف / من الآية 54].

هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله؛ لأن النائم ليس عليه حرج، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاثة ” ولا يبعد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يختبر على بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن, فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة؛ وذلك لأنه أمر ليس باختياره؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله؟… لا إذن هو حجة.

فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلاً: يا فلان، صل مع الجماعة، فيقول: والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح, يقال لآخر: أقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله لأقلعت، وأقلع عن الدخان, يقول: لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة.

لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله وندم وقال: إن هذا الشيء مقدر علي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ نقول: هذا صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع ). شرح رياض الصالحين للعثيمين (12 / 32,24) .

 

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

ما حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر مع ذكر الدليل؟.

فأجاب:

” الإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ” الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه “. رواه الإمام مسلم في ” صحيحه ” ( 1/36، 37، 38 ) من حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، وهو جزء من الحديث.

وقال صلى الله عليه وسلم:” احرص على ما ينفعك، ولا تعجزنَّ، فإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان ). رواه الإمام مسلم في ” صحيحه ” ( 4/2052 ) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، وهو جزء من حديث طرفه:” المؤمن القوي خيرٌ……..”.

والله جل وعلا يقول: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) [ القمر / الآية 49 ].

فالإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه يكون قد ترك أحد أركان الإيمان الستة؛ فلا بد من الإيمان بالقضاء والقدر.

وليس معنى هذا أننا نقول: العبد مجبر! ونلغي الأعمال والأسباب كما تقول الجبريَّةُ، لكننا نؤمن بالقدر، ونعمل بالأسباب؛ لأن الله أمرنا باتخاذ الأسباب, وبالعمل وبتجنُّب الأشياء المضرَّة؛ فالذي أخبرنا أن كل شيء بقضائه وقدره؛ أمرنا بالأعمال، وأمرنا بفعل الأسباب، والأعمال والأسباب من قضاء الله وقدره؛ فالقضاء والقدر يعالَجُ بالقضاء والقدر، ولهذا لمَّا سافر عمر بن الخطاب إلى الشام وبلغه وقوع الوباء فيه وعزم على الرجوع قال له بعض أصحابه: أتفرُّ من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! قال: نعم؛ نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله. انظر:  صحيح البخاري ” ( 7/20-21 ) من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنه -“.

والمؤمن لا يزال في قدر الله عز وجل؛ فهل يعمل ويكتسب ويتسبَّب، وكل هذا من قدر الله عز وجل، أمَّا أن نقول: إن العبد مجبَرٌ، وإن كان مقدَّرٌ له شيء سوف يحصل، وإلا لم يحصل له! ونترك الأسباب! هذا هو قول الجبريّة الضَّالّة “. المنتقى من فتاوى الفوزان (6 / 2,1) السؤال رقم: ( 33 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: آنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي, قَالَ: نَعَمْ, فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى “. رواه البخاري (4459) , ومسلم (2652) .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

” فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: لرسوله صلى الله عليه وسلم: ( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين. ولو شاء الله ما أشركوا ) (1) . فأخبر أن شركهم واقع بمشيئة الله تعالى.

قيل له: الجواب عنه: أن الله تعالى: أخبر أن شركهم واقع بمشيئته تسلية لرسوله ( لا دفاعاً عنهم، وإقامة للعذر لهم، بخلاف احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله فإنما قصدوا به دفع اللوم عنهم وإقامة العذر على استمرارهم على الشرك, ولهذا أبطل الله احتجاجهم ولم يبطل أن شركهم واقع بمشيئته.

فإن قال قائل: ما الجواب عما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” احتج آدم وموسى وفي لفظ: تحاج آدم وموسى, فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى, فحج آدم موسى ثلاثاً “. وعند أحمد: ” فحجه آدم “. أي غلبه في الحجة.

قيل له: الجواب من وجهين:

أحدهما: أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يعتب على آدم في معصية تاب منها إلى الله تعالى: فاجتباه ربه وتاب عليه وهدى, فإن هذا بعيد جداً أن يقع من موسى – عليه الصلاة والسلام -, وهو أجل قدراً من أن يلوم أباه ويعتب عليه في هذا، وإنما عنى بذلك المصيبة التي حصلت لآدم وبنيه وهي الإخراج من الجنة الذي قدره الله عليه بسبب المعصية, فاحتج آدم على ذلك بالقدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب, فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: ” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان “. رواه مسلم.

فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.

ونظير هذا أن يسافر شخص فيصاب بحادث في سفره فيقال له: لماذا تسافر؟ فيقول: هذا أمر مقدر والمقدر لا مفر منه، فإنه لا يحتج هنا بالقدر على السفر؛ لأنه يعلم أنه لا مكره له, وأنه لم يسافر ليصيبه الحادث، وإنما يحتج بالقدر على المصيبة التي ارتبطت به وهذا هو الوجه الذي اختاره الشيخ المؤلف في هذه العقيدة.

الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على ترك الواجب، أو فعل المحرم بعد التوبة جائز مقبول؛ لأن الأثر المترتب على ذلك قد زال بالتوبة فانمحى به توجه اللوم على المخالفة، فلم يبق إلا محض القدر الذي احتج به لا ليستمر على ترك الواجب، أو فعل المحظور ولكن تفويضا إلى قدر الله تعالى: الذي لا بد من وقوعه.

وقد أشار إلى هذا ابن القيم في شفاء العليل وقال: إنه لم يدفع بالقدر حقًّا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقًّا ويرتكب باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) .

( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه, وأنهم لم يندموا على فعله, ولم يعزموا على تركه, ولم يقروا بفساده, فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه، وندم، وعزم كل العزم على أن لا يعود, ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل، ثم ذكر حديث علي – رضي الله عنه – حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ليلاً فقال: ” ألا تصليان “. الحديث.

وأجاب عنه بأن احتجاج علي صحيح ( ولذلك لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ) صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح……….

لا بد للإنسان من الإيمان بالقدر؛ لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى: وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في حياته حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له، ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد، أو حصول المكروه لأنه يعلم أن الأمر كله لله فيرضى ويسلم.

وإلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ).

ولا بد للإنسان أيضا من الإيمان بالشرع وهو ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليهما من الجزاء ثوابا أو عقابا, فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء.

وذلك لأن الإنسان مريد فلا بد له من فعل يدرك به ما يريد، ويدفع به ما لا يريد، ولا بد له من ضابط يضبط تصرفه لئلّا يقع فيما يضره، أو يفوته ما ينفعه من حيث لا يشعر، والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، ويصدر الحكم به، ويكون به التمييز بين النافع والضار, والصالح والفاسد؛ لأنه من عند الله العليم، الرحيم، الحكيم “. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (4 / 144,142).

سئل علماء اللجنة الدائمة:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبًا لجبريل عليه الصلاة والسلام، حيث سأله عن الإيمان: ”  الإيمان أن تؤمن بالله . . . وتؤمن بالقدر خيره وشره “. رواه مسلم، وثبت في (الصحيحين) : ” احتج آدم وموسى “, وفي لفظ: ” تحاج آدم وموسى … يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة, فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى ثلاثًا “. وعند أحمد: ” فحجه آدم “.

كيف نوفق بين العبارتين: الأولى وهي: ” وتؤمن بالقدر خيره وشره “، وبين العبارة الثانية وهي: ” أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة “، واحتجاج آدم بالقدر في قوله:” أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ “.

وظاهر الحديث عدم التسليم لقدر الله تعالى من جهة موسى عليه الصلاة والسلام وهذا ممتنع عليه، نريد توضيحًا وبيانًا، بارك الله فيكم.

فأجابوا:

” موسى عليه السلام لام آدم عليه السلام على المصيبة التي حصلت له ولذريته، وهي: إخراجهم من الجنة بسبب الذنب الذي ارتكبه ولم يلمه على الذنب نفسه؛ لأنه قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فاحتج آدم – عليه السلام – بالقدر السابق على حصول هذه المصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصائب مشروع من أجل أن يمنع الجزع والتسخط، قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ، وقال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) . قال علقمة: ” هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم “، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” احرص على ما ينفعك, واستعن بالله, ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان “.  أخرجه مسلم في (صحيحه ) فتاوى اللجنة الدائمة2 (2 / 510,509).

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد العزيز آل الشيخ, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ صالح الفوزان, الشيخ بكر أبو زيد.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل في محاجة آدم وموسى إقرار للاحتجاج بالقدر؟ وذلك أن آدم احتج هو وموسى فقال له موسى: ” أنت أبونا خيبتنا أخرجتنا ونفسك من الجنة “, فقال له آدم: ” أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني؟ ” فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” فحج آدم موسى، فحج آدم موسى “. أي غلبه بالحجة, وآدم احتج بقضاء الله وقدره؟.

فأجاب:

” هذا ليس احتجاجا بالقضاء والقدر على فعل العبد ومعصية العبد، لكنه احتجاج بالقدر على المصيبة الناتجة من فعله، فهو من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، ولهذا قال: ” خيبتنا وأخرجتنا، ونفسك من الجنة “, ولم يقل: عصيت ربك فأخرجت من الجنة, فاحتج آدم بالقدر على الخروج من الجنة الذي يعتبره مصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصايب لا بأس به، أرأيت لو أنك سافرت سفراً وحصل لك حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء, فستجيبه: بأن هذا قضاء الله وقدره، أنا ما خرجت لأجل أن أصاب بالحادث، وإنما خرجت لمصلحة، فأصبت بالحادث، كذلك آدم – عليه الصلاة والسلام -، هل عصى الله لأجل أن يخرجه من الجنة؟ لا, فالمصيبة إذاً التي حصلت له مجرد قضاء وقدر، وحينئذ يكون احتجاجه بالقدر على المصيبة الحاصلة احتجاجاً صحيحا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” حج آدم موسى، حج آدم موسى “. وفي رواية للإمام أحمد: ” فحجه آدم” يعني غلبه في الحجة.

مثال آخر: رجل أصاب ذنبا وندم على هذا الذنب وتاب منه، وجاء رجل من إخوانه يقول له: يا فلان كيف يقع منك هذا الشيء, فقال: هذا قضاء الله وقدره. فهل يصح احتجاجه هذا أو لا؟ نعم يصح؛ لأنه تاب، فهو لم يحتج بالقدر ليمضي في معصيته، لكنه نادم ومتأسف، ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل ليلة على علي بن أبي طالب وفاطمة – رضي الله عنهما -فقال: ” ألا تصليان؟ ” فقال علي- رضي الله عنه -: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، فإن شاء الله أن يبعثنا بعثنا, فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، يضرب على فخذه وهو يقول: ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) فالرسول صلى الله عليه وسلم، لم يقبل حجته، وبين أن هذا من الجدل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الأنفس بيد الله، لكن يريد أن يكون الإنسان حازما فيحرص على أن يقوم ويصلي. على كل حال تبين لنا أن الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرا لموقف الإنسان واستمرارا فيها فغير جائز “. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2 / 83) السؤال رقم: ( 206 ).

ومن فاته التعليم في الصغر: فليكن ندمه على تفريطه دافعا له لاستثمار ما بقي من عمره، لا أنه يضعف ويعجز ويترك التعلم، ومن فاته الحج في شبابه: فليبادر في أول فرصة لكي يحج ولا ينبغي له أن يتوانى ويكسل أكثر وأكثر، وهكذا في طاعة وخير فاته، فإنما عليه أن يؤمن بأنه قدر الله، ولا ينبغي له أن يعجز، وعليه أن يكون قويًّا، ويحرص على ما ينفعه، وإن كان ما فات بسبب معاصيه: فليفعل كل ما سبق ذكره، ويضيف إليه: التوبة الصادقة من الذنوب والآثام، وليسأل ربه تعالى أن يرزقه اعتقادا حسناً، وأن يوفقه لما يحب ويرضى من القول والعمل.

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافياً للإجابة على السؤال، ونرجو منك تأمله مرة، ومرَّة، وستجد فيه بغيتك وزيادة.

– ونسأل الله أن يوفقك، ويهديك، ويثبتك على الخير.

 

والله أعلم.

 

زوجته تقوم الليل وتفرط في الفرض! وتغير حالها إلى الأسوأ فكيف يتصرف معها؟

زوجته تقوم الليل وتفرط في الفرض! وتغير حالها إلى الأسوأ فكيف يتصرف معها؟

السؤال:

أنا شاب متزوج من قرابة العامين والنصف، والحمد لله على ذلك، وزوجتي تكون ابنة خالي، في أول أيام زواجنا كان كل شيء على ألف خير، والحمد لله، ولكن دوام الحال من المحال – كما يقال في المثل الشعبي -، فبعد مرور ثلاثة أشهر على زواجنا تغير على هذا حال الزوجة؛ حيث اكتشفت أنها من النساء اللاتي لا يقمن بأداء الصلاة في وقتها، وفي بعض الأحيان تجمع معظم الصلوات مرة واحدة، وأيضا تعشق السهر بشكل كبير، مما يؤدي إلى النوم طوال النهار، بالإضافة إلى أن اهتمامها بزوجها ليس من الأمور المهمة عندها، فعندما أغضب عليها لا يؤثر ذلك فيها، وكأنه شيء عادي عندها، كم هي المرات التي تم هجرها في الفراش لكن لا حياة لمن تنادي، وكم عدد المرات التي تم التدخل من الأطراف الأخرى للإصلاح، ولكن للأسف الأمر كما هو من سيء إلى أسوء، بالإضافة إلى أن العناد صفة دائمة لها، شدة التمسك بما تقتنع به حتى لو كان على خطاء، أسلوب الاعتذار غير موجود عندها.

ما هو الحل – يا فضيلة الشيخ – جزاك الله عنا كل خير؟

وأضيف إليك بعض المعلومات عنها:

  1. العمر ( 28 سنة )، 2. حاملة لشهادة جامعية دارسات إسلامية، 3. كثيرة الصمت، 4. في بعض الأوقات تقوم من الليل للصلاة، وأشهد لها بذلك، ولكنها مضيعة لبعض الواجبات، مثل الحرص على الصلاة في وقتها، والاستجابة لزوجها إذا دعيت إلى الفراش، كثيرة التسويف، كثيرة الرفض للفراش، مع علمها بعقوبة ذلك.

إضافة إليك بعض المعلومات عن المنزل الذي نسكن فيه في أول حياتنا: لا يوجد جهاز التلفزيون، كان اجتماعنا على كتاب الله ورياض الصالحين، صيام الاثنين والخميس.

والآن تم إدخال قناة إلى المنزل من قرابة ست أشهر بطلب منها.

أرجو الحل مع خالص الشكر لك يا الشيخ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نحن في الحقيقة أمام حال غريبة من هذه الأخت، وهي تحمل تناقضات، فلا نستطيع الجمع بين كونها تصلي قيام الليل، وفي الوقت نفسه تترك بعض الصلوات المفروضة، أو تجمعها معا!! فكيف تحرص على نافلة وتضيع فريضة من جنسها؟! وكيف تتقرب إلى الله بعبادة من أعظم العبادات – وهي قيام الله – ثم تعصي ربها في عدم الاستجابة لطلب زوجها لفراشه؟! وأين ما سمعته من آيات وأحاديث وأحكام في دراستها الشرعية؟! إن الحجة مقامة على هذه الأخت أكثر من غيرها، فهي تعرف الخطأ والصواب، وتعرف الطاعة والمعصية، فليس حكمها مثل حكم غيرها من الجاهلات، فلتنتبه لنفسها، ولتحاسب نفسها قبل أن تُحاسب، ولتزن أعمالها قبل أن توزن عليها.

ثانيا:

والواجب عليك أيها الزوج أن تنصحها وتذكرها بالله، وخاصة في مسألة الصلاة، ويجب أن تعرف أن العلماء قد اختلفوا في حكم من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها عامدا، وأن من السلف والخلف من كفَّره، بل قد نقل بعضهم إجماعا للسلف على كفره! فكيف ترضى هي لنفسها أن تكون على حال مختلف فيه بين العلماء، ومثله يقال لك في حال إصرارها على التخلف عن بعض الصلوات والتفريط فيها، فمثلها لا يُحرص على إبقائها في عقد الزوجية، بعد بذل الأسباب في هدايتها.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هناك شخصٌ لا يصلي الفجر، وبقية الفروض يصليها على حسب راحته، هل يعتبر كافرا أم لا؟

فأجاب:

لا يصلي الفجر جماعة، ولا وحده؟

السائل:

نعم .

الشيخ:

هذه مسألة اختلف فيها العلماء – الذي يترك صلاةً واحدة حتى يخرج وقتها بدون عذر-، مِن العلماء من قال: إنه كافر، وإليه ذهب بعض السلف، وبعض الخلف، وهو رأي الشيخ عبد العزيز بن باز في وقتنا الحاضر أنه إذا ترك صلاةً واحدة بلا عذر حتى خرج وقتها : فهو كافر، لكن الذي أرى: أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة نهائيّا، وأن الذي يصلِّي ويترك مع إقراره بوجوبها: لا يكفر، لكن يعد من أفسق عباد الله، مثلا: الذي يصلي ويترك: هذا إذا قلنا لا يكفر: فذنبه أعظم من الزنا، وشرب الخمر، وقتل النفس؛ لأنه أتى أمرا يرى بعض العلماء أنه كافر.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 168 / السؤال رقم 6 ).

ولتعلم هذه الزوجة أن أداء الصلوات في غير وقتها من الكبائر، ولا تقبل هذه الصلوات المؤذّاة في غير أوقاتها، وهي وعدمها سواء، لذا فالواجب عليك أيها الزوج التشديد عليها في هذا الأمر: إما الاستقامة على الصلاة، وإما أن تفارقها.

 

سئل علماء اللجنة الدائمة:

أنا متزوج ابنة خالي، ومعي منها ولد، وهي لا تصلي، ولا تصوم شهر رمضان، وأخاف أن يلحقني بعد ذلك ذنب وإثم، وأنا في الوقت الحاضر محتار من هذا الأمر، أفيدوني جزاكم الله خيرا.

فأجابوا:

أنت آثم في عشرتك إياها المدة الماضية وهي تاركة للصلاة والصيام دون أن تجتهد في نصحها وتحزم أمرك معها، أما اليوم: فإذا كان الأمر لا يزال على ما كان من تركها للصلاة والصيام: فاجتهد في أمرها بالصلاة وبالصيام وغيرهما من فرائض الإسلام، واستعن بالله، ثم بالحي من والديك ووالديها ومحارمها على نصحها، فإن أطاعت وتابت إلى الله وصلَّت: فالحمد لله، وعليك أن تحسن عشرتها، وإن أصرت على ترك الصلاة والصيام فطلِّقها، وما عند الله خير لك، والله المستعان؛ لأن ترك الصلاة كفر، وردة عن الإسلام؛ لحديث: ( بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ) – روه مسلم -؛ وقوله: ( الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ” – رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه -؛ وقال تعالى : ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) [ الممتحنة / 10 ].

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 283 ، 284 ).

ثالثا:

وبعد أن ذكرناها بتقوى الله وطاعته، وخاصة في إقامة الصلاة في وقتها: فإننا نذكِّرها بحقوق الزوج، ووجوب طاعته، وقد قال تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) [ النساء / 34 ]، وأنه لا يحل لها رفض دعوته إذا دعاها للفراش، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة من الامتناع من زوجها إذا دعاها للفراش فقال: ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ) رواه البخاري ( 3065 ) ومسلم ( 1736 )، كما لا يحل لها النشوز والإعراض، وقد أوجب الله تعالى عليها طاعة زوجها بما لا يخالف الشرع، وما تفعله من السهر الطويل في الليل، وتضييع الواجبات في النهار: أمرٌ منكر، ولا يحل لها الاستمرار عليه.

رابعا:

وما ما تفعله أنت تجاهها: فإن عليك أن تتلطف في دعوتها وسلوك السبل الحكيمة في الإنكار عليها دون قسوة ودون غلظة، وقد قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ) رواه مسلم ( 2593 )، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ) رواه مسلم ( 2594 ).

زانه: أي: زيَّنه.

شانه: أي: عَيَّبَه.

– ويمكنك سلوك طرق شتى لإصلاحها وهدايتها، ومن ذلك:

  1. الخطاب المباشر معها برفق ولين ومحبة.
  2. الاستعانة بالحي من أهلها أو أقاربها أو صديقاتها لنصحها وتوجيهها.
  3. الذهاب معها للعمرة، والمحافظة على الصلاة في الحرم.
  4. إسماعها الأشرطة المفيدة، وإعطاؤها الكتب النافعة لتعرف ما عليها من حقوق، ولتذكرها بالآخرة.
  5. التخلص من القنوات الفضائية التي أدخلتها بيتك بالكلية، أو الإبقاء على المفيد النافع منها كقناة ” المجد “، وقناة ” الحكمة “.
  6. البحث عن أسباب أخرى قد تكون غيَّرت من حالها، كصاحبة فاسدة، أو جارة، أو قريبة من شيطانات الإنس، ومنعها من اللقاء بها.
  7. الاستعانة بالدعاء والتضرع لله تعالى لأن يهديها ويصلح حالها.

وإذا لم ينفع ذلك كله: فطلِّقها طلقة واحدة لعلها ترعوي بها، وتراجع نفسها، فإن لم ينفع ذلك: فطلقها البتة، ولعل الله أن يبدلك خيرا منها.

 

والله الموفق.

إذا أعجبت المرأة بخلق ودين رجل, فهل تعرض نفسها عليه ليتزوجها؟

إذا أعجبت المرأة بخلق ودين رجل, فهل تعرض نفسها عليه ليتزوجها؟

السؤال:

فضيلة الشيخ، أنا فتاة ملتزمة، عمري ( 27 عامًا )، وحافظة لكتاب الله، وأعمل معلِّمة لكتاب الله عز وجل، وأطلب العلم الشرعي، وأمتلك من الصفات ما يجعل الشبان يقبلون لخطبتي كثيرا، ولكن كل الذين يتقدمون لخطبتي أرفضهم بسبب ضعف التزامهم الديني، وأعاني من الضغط الأسري بسبب رفضي الدائم، ولأني تركت عملي الحكومي بسبب الاختلاط: زاد الضغط عليَّ، في الفترة الأخيرة يريدون مني أن أقبل بأي شاب، المهم أتزوج، وطبعا الزواج من غير القبيلة ممنوع، أنا لا أريد مالً، ولا رجلا ذا مال، أو منصب، أو شابًّا وسيما، بل أريد شابًّا صالحاً يعينني على طاعة الله، ويعفني، وحتى أنتهي من هذه المشاكل التي لا تنتهي مع أهلي، لذا فكرت أن أخطب لنفسي شابًّا من معارفنا، تربط بيننا وبينهم علاقة مصاهرة، وهو شاب خلوق، صاحب دين، حافظ لكتاب الله، وطالب علم، وذلك بإرسال رسالة جوال – بطريقة لبقة، وبكل أدب -، وهذا الشاب لا علاقة لي به أبدا، ولكن عرفت رقم هاتفه عن طريق الخطأ، ولا أريد أن أجعل وسيطاً ثالثا في الموضوع، ولا أريد إدخال طرف آخر، فيكون الموضوع محرجا للطرفين، وأيضا لا آمن أن يفشى الموضوع، ولا أجد من أثق به تمام الثقة فلا يفشي سرِّي.

فما حكم الشرع أولا؟ ثم ما رأيكم في الفتاة التي تقبل على هذا العمل؟ وكيف تكون نظرة الرجل في المرأة التي تخطبه لنفسها؟ وماذا تنصحني؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يتم عليك نعمته، وأن يزيدك علماً وأدباً وحياءً، ونسأله تعالى أن ييسر لك زوجاً صالحاً، تقيمين معه أسرة صالحة.

وقد أحسنتِ حيث خرجت من وظيفتك التي فيها اختلاط محرَّم، وأحسنتِ حيث كنت ترفضين الخطَّاب الذين ليسو على خلق ودين، وأحسنتِ حيث قمتِ بالسؤال قبل القيام بمراسلة ذلك الشاب.

ثانيا:

ليس من الحرام، ولا من العيب – عند من يعقل – أن تعرض المرأة نفسها على صاحب الخلق والدِّين ليتزوجها، وإن أنكر ذلك أحدٌ فإنما ينكره لا بميزان الشرع، بل بميزان العادات والتقاليد والأعراف، وأحيانا تنكره النساء حسدا من عند أنفسهنَّ.

عن ثَابِت الْبُنَانِيِّ قَالَ: ” كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ، وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَكَ بِي حَاجَةٌ؟.

فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، وَا سَوْأَتَاهْ! وَا سَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا “.

رواه البخاري ( 4828 ).

وقد بوَّب عليه الإمام البخاري بقوله: باب ” عرْض المرأة نفسَها على الرجل الصالح “.

ومعنى ” واسوأتاه “: الواو: للندب، والسوءة: الفعلة القبيحة والفاضحة.

وقد ألمحت المرأة الصالحة لرغبتها بالتزوج من موسى عليه السلام بقولها – كما قاله الله تعالى عنها -: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) [ القصص / الآية 26 ]، وهي التي عرضها أبوها على موسى عليه السلام، كما قال تعالى: ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) [ القصص / من الآية 27 ].

وهذه رسالة لأوليائك بأن يتقوا الله تعالى، ويتركوا العصبية القبلية، ويبحثوا هم عن رجل صالح يزوجوه لكِ، وعلى الأقل أن لا يرفضوا أحداً من أهل الخلُق والدين، وها هو الرجل الصالح يعرض ابنته على موسى عليه السلام، بعد أن تعرِّض هي بذلك، وها هي المرأة الصالحة تعرض نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم صراحة دون تعريض، وكل هذا لا ينافي الحياء، بل إنه ليدل على دين متين، ورجاحة عقل عند المرأة، وعند وليها.

 وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 30 / 50 ):

يجوز عرض المرأة نفسها على الرّجل، وتعريفه رغبتها فيه، لصلاحه وفضله، أو لعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدِّين، ولا غضاضة عليها في ذلك، بل ذلك يدلّ على فضلها، فقد أخرج البخاريّ من حديث ثابت البنانيّ قال: كنت عند أنس … – وذكروا الحديث السابق -. انتهى.

ثالثا:

وبعد ذِكر ما تقدَّم: فإننا ننصحك بما ينفعك – إن شاء الله – في مسألتك هذه، فنقول لكِ:

  1. تجنبي المراسلة المباشرة معه، ويمكنك توصيل الخبر له عن طريق رقم آخر غير معروف لديه، ولا يخص أحداً بعينه، وهذا الأمر يسهل عليك الحصول عليه، فتبعثين رسالة له منه، فيها دلالته عليكِ إن كان يرغب بالزواج، وتكون هذه الرسالة كأنها من شخصٍ يعرف الطرفين، وينصحه بعدم التفريط بها، وهذا أفضل من المواجهة المباشرة – في ظننا – لأن الأمور قد لا تسير وفق مرادكِ، فتسبب إحراجا لكِ وله، كما أن الإنسان لا يضمن بأن يبقى التدين والاستقامة على حالها الآن، ويُخشى من أن يعيِّرك بهذا فيما بعد، ولذلك اشترط العلماء ” الرجل الصالح ” وليس الصلاح هو العلم وحده، ولا حفظ القرآن وحده، بل الصلاح هو القيام بالعلم والقرآن، والتخلق بأخلاقهما.
  2. لا ينبغي لك – في حال قيامك بالمراسلة – أن تطلقي العنان للكلمات والمراسلات، وإنما أجيز لك مراسلته لأمرٍ معيَّن، وقد تؤدي هذه المراسلات إلى فتنته أو فتنتك، أو فتنتكما.
  3. تجنبي إخبار أحد، وتوسيطه بينكما، وقد رأيناكِ تنبهتِ لهذا الأمر.
  4. قد لا يكون ظرف الرجل مناسباً للزواج، أو قد يكون خاطباً ولا يريد التعدد، فإذا علمتِ ذلك منه: فلا تكرري عليه، وليس ثمة داعٍ لاستمرار المراسلة، ومقصود المراسلة قد حصل بعرض التزوج منك عليه.
  5. إذا لم يقدِّر الله تعالى لك الزواج منه: فلا ينبغي لك التعلق به، ولا يخفى عليكِ – إن شاء الله – مدى خطورة التعلق، وكيف أنه يُشغل عن طاعة الله، ويشغل عن حفظ القرآن ومراجعته، ويشغل عن طلب العلم، مع ما يسببه من أمراضٍ للقلب، وميل للمعاصي.
  6. ننصحك بالاستخارة قبل الإقدام على المراسلة، وننصحك بها بعد مراسلته وإخباره، والمسلم لا يدري أين الخير له في الدنيا والآخرة، فهو جاهل عاجز، ويطلب من ربه العالم القادر أن يختار له، وأن ييسر له الأمر حيث كان خيرا، وأن يصرفه عنه حيث كان شرًّا.
  7. واعلمي أن غيره قد يكون خيرا منه، وما دمتِ سلكت طريقا شرعيًّا في إخباره، وعرض نفسك عليه، وما دمتِ استخرت الله تعالى ولم يقدَّر بينكما زواج: فلا تيأسي من رحمة الله، ولا تقنطي من دعائه تعالى، ولا تتنازلي عن الخلق والدين في المتقدِّم للزواج منكِ، واصبري على ضغظ أهلك ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [ الشرح / الآية 5 – 6 ].

 

والله أعلم.

صحة دعاء الخمس للدنيا والخمس للآخرة المنتشر في المنتديات

دعاء الخمس للدنيا والخمس للآخرة المنتشر في المنتديات

السؤال:

أود أن أتبين درجة هذا الحديث؛ لأنها تصلني على البريد الإلكتروني ولا أعلم صحته؟.

خمسا لدنياك وخمسا للآخرة من دعا الله عز وجل بهن وجد الله تعالى عندهن:

” حسبي الله لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي الله الكريم لما أهمني، حسبي الله الحليم القوي لمن بغى عليّ، حسبي الله الشديد لمن كادني بسوء، حسبي الله الرحيم عند الموت، حسبي الله الرءوف عند المسألة في القبر، حسبي الله الكريم عند الحساب، حسبي الله اللطيف عند الميزان، حسبي الله القدير عند الصراط، حسبي الله لا إله هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم “.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الدعاء والذكر لم يروه أحد من أهل العلم، وليس في كتب الصحاح ولا المسانيد ولا المعاجم، يتناقله كثير من المواقع والمنتديات على أنه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس ثمة دليل على ذلك.

اللهم إلا أن الحديث مذكور في كتاب الحكيم الترمذي المسمى ” نوادر الأصول ” (2/274) عن بريدة، وطبعة هذا الكتاب محذوفة الأسانيد، فلم يتسن الوقوف على سنده عنده، والمعروف أن هذا الكتاب لا ينفرد بحديث صحيح أبدًا، وكل حديث انفرد به فهو في الغالب ضعيف، حتى إن السيوطي في ” الجامع الصغير ” نص على أن عزوه الحديث لهذا الكتاب علامة على تضعيفه له.

ولذلك ذكره العجلوني في ” كشف الخفاء ” ( 1/356 ) وإن لم ينص على ضعفه.

هذا في شأن رفع الحديث ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

أما من حيث صحة معانيه وما يحمله من عبارات، فظاهر أنها عبارات شرعية صحيحة، ليس في شيء منها نكارة، بل يشهد لها كثير من النصوص في الكتاب والسنة، ولذلك كانت هذه الكلمات أيضًا من دعاء بعض التابعين، فقد ذكره أبو حامد الغزالي في ” إحياء علوم الدين ” ( 1/316 ) فقال:

” قال محمد بن حسان: قال لي معروف الكرخي – رحمه الله -: ألا أعلمك عشر كلمات! خمس للدنيا وخمس للآخرة، من دعا الله عز وجل بهن وجد الله تعالى عندهن؟ قلت: اكتبها لي. قال: لا، ولكن أرددها عليك كما رددها علي بكر بن خنيس – رحمه الله -.. فذكرها ” انتهى.

 

والله أعلم.

أود أن أتبين درجة هذا الحديث: ” اللهم إني أسألك إيمانًا دائمًا، وأسألك قلبًا خاشعًا، وأسألك علمًا نافعًا… “

دعاء أبي ذر- رضي الله عنه – المشتهر في الإنترنت

السؤال:

أود أن أتبين درجة هذا الحديث؛ لأنها تصلني على البريد الإلكتروني ولا أعلم صحته؟.

” اللهم إني أسألك إيمانًا دائمًا، وأسألك قلبًا خاشعًا، وأسألك علمًا نافعًا، وأسألك يقينًا صادقًا، وأسألك دينًا قيمًا، وأسألك العافية في كل بلية، وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية، وأسألك الشكر على العافية، وأسألك الغنى عن الناس “.

قال جبريل عليه السلام: يا محمد! والذي بعثك بالحق لا يدعو أحد من أمتك بهذا الدعاء إلا غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر أو عدد تراب الأرض، ولا يلقى الله أحد من أمتك وفى قلبه هذا الدعاء إلا اشتاقت إليه الجنان، واستغفر له المكان، وفتحت له أبواب الجنة, فنادته الملائكة: يا ولي الله ادخل من أي باب شئت.

من يقرأ هذا الدعاء يوصله لغيره، والدال على الخير كفاعله.

 

الجواب:

الحمد لله

لم أقف على هذا الحديث – الذي فيه ترتيب الثواب العظيم على الدعاء الذي فيه – في شيء من كتب السنة المسندة المعتمدة، ولم يروه أحد من أهل العلم على مدى القرون السابقة، فيبدو أنه من كذب بعض الكذابين الوضاعين الذين أفسدوا بجهلهم وأهوائهم عقول الناس وعلومهم.

وغاية ما في هذا الدعاء أن كلماته وجمله شرعية صحيحة جامعة لخير الدنيا والآخرة.

فقد جاء عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقول بعد صلاة الفجر: ” اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا, وعلمًا نافعًا, وعملًا متقبلًا “.

رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” (2/234) وابن ماجه في “السنن” (66) .

وقال الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” (10/146): ” ورجاله ثقات ” انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر في ” الفتوحات الربانية ” (3/70):  حسن لشاهده. انتهى.

وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

كما جاء عن بعض الصحابة والتابعين أنه دعا بها وبنحوها.

فقد أخرج ابن أبي شيبة في ” المصنف ” (6/164) بسند صحيح عن عن معاوية بن قرة قال: كان أبو الدرداء يقول: ” اللهم إني أسألك إيمانًا دائمًا، وعلمًا نافعًا، وهديًا قيمًا “. صححه الألباني في تحقيق ” الإيمان ” لابن أبي شيبة (106).

 

والله أعلم.

متى يباح استعمال مواد التجميل؟ وحكم ” الكولاجين ” تحديدا

متى يباح استعمال مواد التجميل؟ وحكم ” الكولاجين ” تحديدا

السؤال:

هناك مادة تباع في الصيدليات على شكل قطرات تسمَّى ” الكولاجين “، وهي مادة تعمل على تصفية البشرة، وتغذيتها، وتستخدم كدهان للوجه, ومع الاستخدام المستمر تؤدي إلى تنفيخ الوجه, ما رأيكم في استخدامه؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

استعمال النساء أدوات التجميل جائز من حيث الأصل، إلا أنه ينبغي عند القول بالجواز مراعاة عدة أمور، منها:

  1. أن يكون تجملها هذا لغير الأجانب من الرجال، وأولى من تتجمل لأجله هو زوجها، فإذا استعملت أدوات التجميل من أجل أن يراها زوجها على أحسن حال، أو من أجل النساء، أو محارمها: جاز لها ذلك، وإلا لم يجُز؛ لأن الأصل أنها تستر بدنها جميعه عن الرجال الأجانب، فكيف يباح لها زيادة على ذلك أن تتجمل لهم؟!.
  2. أن تكون الأدوات المستعملة في التجمل مباحة، كالحناء، والكحل، والمواد الغذائية، ولا يجوز لها استعمال شحوم الميتة، أو المواد النجسة؛ لنهي الشرع عن قربان النجاسات والمحرمات.
  3. أن تكون الأدوات المستعملة في التجمل غير ضارَّة لبدنها، فلا يجوز لها استعمال المواد الكيميائية الضارة ، سواء كان ذلك الضرر حالاً، أو مستقبلاً؛ لنهي الشرع عن الضرر بالنفس، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ” لاَ ضَرَر، وَلاَ ضِرَار “.
  4. أن تكون مواد التجميل مؤقتة الأثر على البدن، فلا يحل لها استعمال تلك الأدوات في تغيير خلق الله، كما تفعله بعض النساء من نفخ الشفتين، وتقشير والوجه، ومن الوشم الدائم، وتغيير لون الجلد تغييراً دائماً.

وقد بيَّنا في جواب سابق حرمة تقشير الوجه، وأنه من تغيير خلق الله.

وبيَّنا في جواب آخر حكم عمليات التجميل، وذكرنا أن منها ما هو ضروري فهو جائز، ومنها ما هو تحسيني وهو محرم؛ لأنه يدخل في تغيير خلق الله، وذكرنا من أمثلته عمليات ” شد الوجه “.

فإذا تحققت الشروط والضوابط السابقة: كان حكم استعمال ” الكولاجين ” الجواز.

 

والله أعلم.

يسافر للسياحة ويمتنع عن أخذ زوجته معه وعلَّق طلاقها على سفرها! أحكام ونصائح

يسافر للسياحة ويمتنع عن أخذ زوجته معه وعلَّق طلاقها على سفرها! أحكام ونصائح

السؤال:

زوجي طلق عليَّ بالثلاث: إن سافرتِ خارج البلاد فأنتِ طالق، ونيته الطلاق، وهو يسافر سنويًّا للسياحة مع الأصدقاء، ويقول: إن الفساد كثير هناك، وإني رجل غيور، أما هو فهو رجل، وليس هناك مانع من سفره، مع أنه لا يذهب إلا إلى أماكن الطبيعة، ويمنعنا أنا وأولاده من النزهة، حتى في بعض الأحيان هنا في السعودية، ويقول: لا أذهب بكم إلى مواقع الاختلاط، وتعبت من المناقشة معه، ويقول: كل سنة أذهب للسياحة، ولمدة شهر، فهل يجوز أن يحرِّم عليَّ ما أحله الله لي من السياحة بالحلال، فهو يذهب متى ما أراد، مع أنه محافظ على الصلاة، وليس في بيتنا ” دش “، ولا يسمع الأغاني، وهل له أن يتركنا عند أهلي بدون رضاي؟ ماذا أفعل معه؟ ادع لي أن يكشف الله عني وعنه الغفلة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:
قد بينا في جواب سابق أن الذهاب إلى دول الكفر، ودول الفسق والفجور، بقصد السياحة، والنزهة المجردة: أنه محرَّم، فلينظرا.

ولا فرق في هذا الحكم بين الرجال والنساء، وذهاب زوجك وحده دونك: لا يعني أنه ينجيك من الفتن، بل إن ذهاب الرجل وحده من غير زوجته يعرضه هو للفتنة، فإن الزوجة تطفئ نار شهوته إن تأججت بما يراه من تبرج وعري في تلك البلاد، فما يعتقده زوجك – وغيره – أن عدم اصطحاب الزوجة إلى تلك البلاد أفضل: غير صحيح.

وبكل حال: فإن الحكم عام، يشمل الرجال، والنساء، فلا يجوز لزوجك الذهاب لمثل تلك البلاد، ولا يجوز لك طلب ذلك منه لنفسك، ولا لأولادك؛ لما في ذلك من الحرمة، والتعرض للفتن، ورؤية المنكرات.

والذي نوصي به الزوج إن كان يريد الجمع بين السياحة وإرضاء رغبتك بالذهاب معه: أن يختار السياحة الداخلية في بلادكم السعودية، حيث يتوفر الأماكن الملائمة للأسر الملتزمة، والتي لا يوجد فيها من المنكرات ما يوجد في البلاد الأخرى، ولا يحتاج الزوج معه للإضرار بزوجته، أو تعريضها لأن يراها الأجانب، إذا كان السفر خارج المملكة.

 

 

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

كما أنصح أولياء أمور الطلبة خاصة بالمحافظة على أبنائهم، وعدم الاستجابة لطلبهم السفر إلى الخارج؛ لما في ذلك من الأضرار، والمفاسد، على دينهم، وأخلاقهم، وبلادهم – كما أسلفنا -, وفي بلادنا – بحمد الله – من التعليم لسائر أنواع العلوم ما يغني عن ذلك, وإن إرشادهم إلى أماكن النزهة، والاصطياف، في بلادنا – وهي كثيرة بحمد الله – والاستغناء بها عن غيرها: مما يتحقق بذلك المطلوب، وتحصل السلامة لشبابنا من الأخطار، والمتاعب، والعواقب الوخيمة، والصعوبات التي يتعرضون لها في البلاد الأجنبية. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 194 ).

وثمة أمر آخر: وهو أن يكون قضاء تلك الإجازة للتنقل برًّا بين المحافظات، والمناطق، لزيارة الأرحام، والأقارب، فتجمعون بين المتعة، وصلة الأرحام، وزيارة الأصدقاء.

وكنَّا سنوصيكم بما هو خير من ذلك كله، وهو الذهاب للعمرة، مع الزوجة، والأولاد، ولكننا قرأنا في تعريفكم أنكم من ” مكة المكرمة ” فأغنانا ذلك عن الوصية بهذا، فلعلها تكون وصية لغيركم، ممن يرغب بسياحة مباحة، يكسب فيها الأجور، ويبتعد عن سخط ربه.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

السفر إلى البلاد الإسلامية مثل ” تركيا ” هل يجوز السفر إليها؟.

الشيخ: لماذا، هل هناك حاجة؟.

الشيخ: لا، بدون حاجة، للنزهة.

الشيخ: والله، لا أرى هذا.

أولا: أن النفقات ستكون باهظة.

ثانيا: أن تلك المجتمعات – فيما يُسمع عنها – ليس بينها وبين المجتمعات الكافرة فرق، إلا بأنه يؤذن في المنائر، ويصلي من يصلي، ويترك الصلاة من لا يريد الصلاة.

ثم المظهر العام بالنسبة للنساء وتبرجهن: لا فرق بينه وبين الدول الكافرة، هكذا نسمع، وإذا كان كذلك: فثق أن أهلك الذين يذهبون إلى هناك سوف يتأثرون من هذا، والصغير تنطبع في ذاكرته الصورة فلا ينساها، وإذا كان لابد من النزهة: فعليك ببيت الله، الكعبة، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحصل على خير، وعلى أجر، ولا تتكلف لا مالاً، ولا تعباً بدنيًّا، ولا غير ذلك.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 170 / السؤال رقم 18 ).

ولا تنسي أن زوجك قد علَّق طلاقك على سفرك خارج البلاد، فلعلَّ هذا أن ينفع في عدم الإلحاح عليه بالسفر، والاكتفاء بالسياحة الداخلية؛ خشية وقوع الطلاق، وهي مفسدة تضاف لقائمة المفاسد السابقة في السفر خارج البلاد.

ثانيا:

وبخصوص تعليق طلاقكِ على سفركِ: فإن الطلاق يقع إن سافرتِ خارج البلاد كما ذكر لك زوجكِ، ولا خلاف بين العلماء في هذه المسألة؛ لأن زوجك نوى الطلاق كما تذكرين.

– وطلاق الثلاث يقع طلقة واحدة.

– وليس بمقدوره التراجع عن هذا الطلاق المعلَّق إذا غيَّر رأيه، وأذن لك بالسفر.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز العمل في الفروع التابعة لـ ” الصليب الأحمر “؟.

هل يجوز العمل في الفروع التابعة لـ ” الصليب الأحمر “؟.

السؤال:

أقوم ببعض الأعمال الخيرية مع ” الصليب الأحمر الأمريكي “, الذي لا يتبع لأي جهة حكومية، بل هو حيادي، إنما يقوم بإغاثة المتضررين بالكوارث، والحروب، وغيرها، فسألتُ بعضَ الناس عن هذا الأمر فقالوا: بأن ذلك يمكن أن يكون غير جائز في الإسلام، فهل هذا جائز؟ إذا كان غير جائز: الرجاء ذِكْر الأدلة من القرآن والسنَّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

منظمات الصليب الأحمر في العالَم تتبع ” اللجنة الدولية للصليب الأحمر “، وهي منظمة دولية، أنشئت عام ( 1863 م )، ومقرها في ” سويسرا “، ولهذه اللجنة وفروعها أعمال متعددة تشمل:

  1. حماية المدنيين من الأعمال الحربية والعدائية في أماكن الحروب والفتن.
  2. زيارة أسرى الحرب والمحتجزين لأسباب أمنية، والحيلولة دون تعذيبهم، أو الإساءة إليهم من قبل سلطات السجن.
  3. نقل الرسائل بين أفراد الأسر التي فرقتها الحروب أو السجون.
  4. البحث عن المفقودين نتيجة الصراعات في العالَم.
  5. تقديم الرعاية الصحية، والغذاء، والماء، في أماكن الصراع، أو تسهيل تقديم ذلك.

والشارة المميزة للجنة هي: صليب أحمر، على خلفية بيضاء، وشعارها هو: ” الرحمة في قلب المعارك “، كما أنها تبنت أيضاً شعار ” الإنسانية طريق السلام “.

ثانيا:

وبالنظر في أصل إنشائها، وقائمة خدماتها: لا يتبين لنا أنها منظمة تنصيرية، تُعنى بنشر دين النصرانية، ولا يعني هذا عدم استغلالها من الجمعيات، والمنظمات التنصيرية لهذه الغاية.

ثالثا:

وأما بخصوص العمل مع تلك اللجنة الدولية، أو أحد فروعها في العالَم: فإنه جائز في الأصل، لكن لذلك الجواز مشروط بشرطين:

  1. عدم لبس ملابسهم التي تحتوي على شعار الصليب، ويمكن للمسلم أن يعتذر عن هذا اللباس، كما يمكنه وضع شعار ” الهلال الأحمر ” وهو وإن كان ليس شعارا إسلاميًّا، لكنه – بلا شك – أهون من الصليب.

 

سئل علماء اللجنة الدائمة:

اختلفنا في المسلم الذي يلبس الصليب – شعار النصارى -، فبعضنا حكم بكفره بدون مناقشة، والبعض الآخر قال: لا نحكم بكفره حتى نناقشه، ونبين له تحريم ذلك، وأنه شعار النصارى، فإن أصر على حمله: حكمنا بكفره.

فأجابوا:

التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب، فإذا بُيِّن له حكم لبس الصليب، وأنه شعار النصارى، ودليل على أن لابسه راضٍ بانتسابه إليهم، والرضا بما هم عليه، وأصر على ذلك: حُكم بكفره؛ لقوله عز وجل: ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ المائدة / الآية 51 ] ، والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر.

وفيه أيضا: إظهار لموافقة النصارى على ما زعموه من قتل عيسى عليه الصلاة والسلام، والله سبحانه قد نفى ذلك، وأبطله في كتابه الكريم، حيث قال عز وجل: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) [ النساء / الآية 157 ].

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 119 ).

ولبس الملابس التي عليها شعار ” الهلال الأحمر ” ليس متعذرا, خاصة إذا علمنا أن ” اللجنة الدولية للصليب الأحمر ” هي إحدى مكونات ” الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر “، وإن لم يتيسر له لبس هذا الشعار: فليلبس ملابس تخلو من أي شعار، وليحذر من لبس شعار الصليب؛ لما في ذلك من خطر على دينه.

 

  1. ترك العمل في حال تبين للعامل المسلم معهم أن لهم أهدافاً أخرى مع المساعدة الإنسانية، كتنصير المسلمين، أو صدهم عن دينهم، إلا أن يكون بقاؤه معهم عاملاً خيراً للإسلام والمسلمين، كأن يعمل على تثبيت المسلمين على دينهم، وتعليمهم أحكام الشرع المطهَّر.

 

والله أعلم.

مفاسد وحكم العادة القبيحة في رؤية أهل الزوج دم البكارة على خرقة ليلة الدخلة!.

مفاسد وحكم العادة القبيحة في رؤية أهل الزوج دم البكارة على خرقة ليلة الدخلة!.

السؤال:

هل يجوز لأهل الزوج رؤية دم غشاء البكارة؟ أريد دليلا؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

هذه عادة قبيحة، وفعل شنيع، لا يجوز للزوج موافقة أهله عليه، فلا يرضى به قولا، ولا يرضى به فعلا، لمجموعة أسباب، منها:

  1. أن هذا من أسرار الزوجية التي أؤتمن على الحفاظ عليها، وما يجري بين الزوجين في العلاقة الخاصة لا يحل لهما نشره بين الناس، ولا إطلاع أحد على آثاره.
  2. ومتى كان خروج الدم أصلا العلامة الفاصلة، والحجة البينة على أن المرأة بكر، ومتى كان تمزيق غشاء البكارة ليلة الدخلة علامة فاصلة بين الشريفة وضدها؟ والمعروف عن الغشاء أنه قد يزول بوثبة، أو حيضة شديدة.

فالنساء تختلف بعضها عن بعض في أنواع الأغشية، ونزول الدم عند الجماع، فلا ينبغي موافقة الأهل على طلبهم.

  1. ثم لو فرض أن الزوج لم يجد زوجته بكرا: فإنه مأمور بالستر عليها، لا فضحها في الناس، وما يطلبه أهله إنما هو مما يساعد على الفضح المحرَّم، لا على الستر الواجب.
  2. ومن مفاسد هذه العادة القبيحة: إدخال القلق والتوتر على كلا الزوجين؛ ليستعجل الزوج بفض غشاء البكارة، وقد لا تكون الزوجة مهيأة في الليلة الأولى، وقد يسبب لها نزيفا حادًّا، وبغضاً للعلاقة الزوجية.
  3. ثم إن في هذه العادة القبيحة اتهاماً للمرأة بفعل الفاحشة، والأصل في المسلم السلامة.

قال الشيخ علي محفوظ – رحمه الله -:

ومن الخطأ البيِّن الطواف حول القرية بقميص العروس، ملوثا بدم البكارة، بل دم الجناية، على هذا العضو الرقيق، من ذلك الوحش الذي لا يراقب الله تعالى في هذه المسكينة، في أحرج الأوقات، ولهم في طوافهم بالقميص وحين فض البكارة كلام تخجل منه الإنسانية، وقد ماتت هذه البدعة السيئة لدى الأغنياء، والأوساط الراقية، ولكنها باقية، مقدسة، في الفقراء، والطبقات المنحطة، وهي من بقايا الجاهلية. ” الإبداع في مضار الابتداع ” ( ص 265 ) ط دار الاعتصام.

 

ثانيا:

وإذا لم يجد الزوج بدًّا إلا أن يستجيب لأهله، ولم يجد مجالا لمخالفتهم: فيمكنه وضع أي دم على الخرقة؛ ليوهمهم أنها دماء زوجته! وهذا لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة – كاتهامها المرأة بالزنا، وإجباره على تطليقها – وليتمهل بعدها في دخوله عليها، حتى يتجنب ما ذكرناه من مفاسد بسبب تلك العادة القبيحة.

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

في بعض البلدان يحبون أن يروا دم البكارة في الثوب، فيعلنونها في النهار، وإذا وَجد رجل امرأته ليس فيها البكارة، وأراد أن يسترها: كلفوه بتركها، وطلَّقها، هل لهم أن يردوا عليه ماله؟.

فأجاب:

هذا إذا كان ضروريًّا: يمكن أن يفعل هذا بشيءٍ آخر، يمكن أن يجعل دما من غير البكارة، إذا كان ضروريًّا أنه لا بد من إظهار شيء عندهم، في عاداتهم، وإذا لم يفعل قد يرمونها بالزنا، في إمكانه أن يضع شيئا من دمٍ آخر، ويجعله على الثوب من باب الستر على الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة “. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 20 / 288 ).

 

والله أعلم.

ما فضل آل البيت؟ وهل يشفعون في الناس يوم القيامة؟.

ما فضل آل البيت؟ وهل يشفعون في الناس يوم القيامة؟.

السؤال:

ما فضل آل البيت على غيرهم من الناس؟ وهل يشفعون في الناس يوم القيامة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم: أزواجه، وذريته، وبنو هاشم، وبنو عبد المطلب، ومواليهم.

ثانيا:

وقد جعل الله تعالى لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فضائل متعددة، واتفق أهل السنَّة والجماعة على وجوب محبتهم، ورعاية حقهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك ” آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًّا في الخُمس، والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: ” قولوا: اللهم صل على محمد, وعلى آل محمد, كما صليت على آل إبراهيم, إنك حميد مجيد, وبارك على محمد, وعلى آل محمد, كما باركت على آل إبراهيم, إنك حميد مجيد  “.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 407 ).

وقال – أيضا -:

وكذلك ” أهل بيت رسول الله ” تجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 491 ).

 

ثالثا:

ومن فضائل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم:

  1. قال تعالى: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) [ الأحزاب / الآية 32 – 33 ].

وليس هذا الفضل خاصًّا بنسائه – رضي الله عنهن -، بل قد دخل فيه غيرهنَّ بالسنَّة الصحيحة:

عن عائشةَ – رضي الله عنها – قالت: خرج النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل مِن شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثمَّ جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ). رواه مسلم ( 2424 ).

  1. وقال تعالى: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) [ الأحزاب / من الآية 6 ].
  2. وعن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ “. رواه مسلم ( 2276 ).
  3. وعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى ” خُمًّا ” بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ” فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: ” وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي “. رواه مسلم ( 2408 ).

وقد رعى هذه الوصية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم: أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -:

روى البخاري ( 3508 ) ومسلم ( 1759 ) أنَّ أبا بكر – رضي الله عنه – قال لعليٍّ – رضي الله عنه -: ” والذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ من قرابَتِي “.

وروى البخاريُّ في صحيحه أيضا ( 3509 ) عن أبي بكر – رضي الله عنه – أيضاً قوله: ” ارقُبُوا محمَّداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله ارقبوا محمَّدًا في أهل بيته, يخاطب بذلك الناس, ويوصيهم به, والمراقبة للشيء المحافظة عليه, يقول: احفظوه فيهم؛ فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم.

” فتح الباري ” ( 7 / 79 ).

وأما تقدير عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم: فقد بانت في أمور، ومنها تقديمهم في العطاء على نفسه، وعلى الناس غيرهم.

 

 

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأيضا فإنَّ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لمَّا وضع ديوان العطاء: كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بني أمية، وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 159 ، 160 ).

رابعا:

وليس ثمة شفاعة خاصة بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي عامة لكل من – رضي الله تعالى شفاعته من الصالحين، والشهداء، والعلماء، سواء كانوا من آل البيت، أم من غيرهم من عموم الناس.

وفي جواب سابق قلنا:

والشفاعة لأرباب الذنوب والمعاصي ليست خاصة بالنبي، بل يشاركه فيها: الأنبياء، والشهداء، والعلماء، والصلحاء، والملائكة، وقد يشفع للمرء عمله الصالح، لكن للنبي صلى الله عليه وسلم من أمر الشفاعة النصيب الأوفر. انتهى.

وبه يُعلم الرد على أهل الغلو من الرافضة الذين زعموا شفاعة خاصة بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بل ثبت في كتبهم أن آل البيت هم الذين يُدخلون الناس الجنَّة، والنَّار! في قائمة طويلة من أصناف الغلو فيهم، والذي مصدره جهلهم بدين الله تعالى، والبُعد عن نصوص الوحي من الكتاب والسنَّة.

وننصح بالنظر في رسالة بعنوان: ” فضلُ أهل البيت وعلوُّ مكانتِهم عند أهل السُّنَّة والجماعة ” من تأليف الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر، – وقد استفدنا منها هنا – ففيها مباحث ضافية في الموضوع، وهي على صغر حجمها نافعة جدًّا، وانظرها هنا:

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=1&book=1135

 

والله أعلم.