الرئيسية بلوق الصفحة 173

ماذا يصنع من ورث من أبيه مالًا محرَّمًا لعينه؟

السؤال:

اعتاد والدي رحمه الله أن يأخذ الرشوة، وأريد الآن أن أتصدق ببعض المال؛ حتى يكفّر الله عنه خطاياه، وكتسديد للأموال التي أخذها بغير حقها، فهل يجوز أن أوزع مبلغًا من المال على الفقراء؟ لأنني بالطبع لا أعلم من هم الأشخاص الذين أخذ منهم الأموال فأردها إليهم، ولا أعلم كم مقدارها كذلك.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في حقوق العباد أنها مبنية على المشاحة, وإن تاب مَن تعدى على أموال الناس بالباطل: لم تكن توبته مجزئة عن حقوق العباد، بل لا بدَّ من أدائها لأصحابها، أو استحلالهم منها، فإن لم يعلم مكانهم: تصدق بها عنهم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ). رواه البخاري ( 2449 ).

قال النووي – رحمه الله -:

قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام، وأراد التوبة، والبراءة منه: فإن كان له مالك معين: وجب صرفه إليه، أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا: وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته: فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر، والربط، والمساجد، ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به علي فقير، أو فقراء.

” المجموع شرح المهذب ” ( 9 / 351 ).

وفي ” درر الحكام شرح مجلة الأحكام ” ( 4 / 538 ):

إذا توفي المرتشي: فلا يملك وارثه الرِّشوة، ويلزمه إعادتها إلى الراشي، حتى أنه إذا توفي الرجل الذي كسْبه حرام: فيجب على ورثته أن يتحروا أصحاب ذلك المال الحرام، فيردوه إليهم، وإذا لم يجدوهم: أن يتصدقوا بذلك المال. انتهى.

إلا أن يتوب توبة صادقة ولا يجد ما يؤديه لهم: فيقبل الله توبته ويرضيهم ربهم يوم القيامة.

 

 

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

الأصل في حقوق العباد فيما بينهم: أنها مبنية على المشاحة، فلا تسقط بمجرد التوبة منها فقط، وإنما بردها إلى أصحابها، أو استحلالهم منها، وإذا تاب العبد لله سبحانه توبة نصوحًا من حقوق المخلوقين، وعجز عن إيصالها إليهم؛ لفقره، أو جهله بهم: فإن الله سبحانه يتوب عليه، ويرضيهم عنه يوم القيامة بما يشاء سبحانه، ومتى استطاع في الدنيا إيصالها إليهم، أو استحلالهم منها: وجب عليه ذلك، ولا تتم توبته إلا بما ذكر؛ لقول الله عز وجل: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقوله عز وجل: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

فتاوى اللجنة الدائمة ( 24 / 316 ، 317 ).

وينبَّه على أن الرِّشوة إن كانت متاعًا لم يبق عينه: فإنه يقدَّر بقيمته وقت أخذه، ويُرجع هذا المال لأصحابه، أو يُتصدق به عنهم، وكل هذا لا يعني أن ذمة الراشي قد برئت! لأنه لم يُحدث توبة في حياته.

ففي ” درر الحكام شرح مجلة الأحكام ” ( 4 / 538 ):

لا يملك المرتشي الرشوة، ولو قام المرتشي بالأمر الذي ندبه إليه الراشي تمامًا، فلذلك إذا كان مال الرشوة موجودًا: فيرد عينًا، وإذا كان مستهلكًا: فيُرد بدلًا، وإذا كان الراشي توفي: فيرد إلى ورثته بالحكم بالرد، على هذا الوجه؛ لتخليص المرتشي من حكم الضمان الدنيوي، أما الخلاص من الحكم الأخروي – وهو الأهم – واستحقاق النار: فلا يحصل إلا بالتوبة، والاستغفار. انتهى.

ومما لا شك فيه أن إعطاء أصحاب الأموال حقوقهم يهوِّن أمر والدكم في الآخرة؛ وذلك أنه لا يصبح لأولئك الأشخاص حقوق عنده، لكن يبقى فعله فيما بينه وبين ربِّه: لا يرتفع بما تفعلونه بإرجاع الحقوق إلى أهلها، ونسأل الله أن يتجاوز عنه بها، فما تنفعه لا يكفِّر عنه ذنبه، لكنه يستفيد منه.

 

ثانيًا:

وما سبق ذِكره هو في الحي الذي يأخذ ما ليس له بحق من الناس، كالفوائد الربوية، والرشاوى، والسرقات، فإذا مات قبل التوبة، وقبل إرجاع الحقوق لأصحابها فيترتب عليه:

  1. أنه يجب على ورثته إرجاع الحقوق من تركة مورثهم لأصحابها.
  2. أنه إن لم يعلموا أصحاب تلك الحقوق والأموال: أخرجوها من التركة، وتصدقوا بها عنهم، كما في التفصيل السابق ذِكره عن الغزالي رحمه الله.
  3. أنه لا يسلم الميت من الإثم بذلك الإرجاع للمال، ولا التصدق به؛ وإنما هو خطاب للورثة بما يجب عليهم فعله، وأما الميت قبل التوبة وقبل إرجاع الحقوق لأهلها: فلا ينفعه أداء ورثته عنه ذلك بعد وفاته، بل هم من ينتفع بعدم إدخال مال حرام في نصيبهم.

وهذه الأحكام إنما هي في المال المحرَّم لعينه، كالمال المغصوب، والمسروق، وما اكتسب بالرشوة.

وفي ” حاشية ابن عابدين ” ( 2 / 292 ):

وفي ” حاشية الحموي ” عن ” الذخيرة ” سئل الفقيه أبو جعفر – وهو الهندواني – عمن اكتسب ماله من أمراء السلطان، وجمَع المال من أخذ الغرامات المحرَّمات، وغير ذلك هل يحل لمن عرف ذلك أن يأكل من طعامه؟ قال: أحبُّ إليَّ أن لا يأكل منه، ويسعه حكمًا أن يأكله إن كان ذلك الطعام لم يكن في يد المُطعِم غصبًا، أو رشوة ا.هـ.

أي: إن لم يكن عين الغصب، أو الرشوة؛ لأنه لم يملكه، فهو نفس الحرام، فلا يحل له، ولا لغيره. انتهى.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص مقدار ما تستخرجونه من مال والدكم إن جهلتم مقدار ما دخل في ماله من حرام لعينه – كالرشوة -: فيكون بالاجتهاد منكم لمعرفة المقدار، وإذا تردد المبلغ بين رقمين أو أكثر: فيُختار الرقم الأعلى، ويُستخرج من التركة.

قال النووي – رحمه الله -:

من ورث مالًا ولم يعلم من أين كسبه مورثه أمِن حلال، أم حرام، ولم تكن علامة: فهو حلال، بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حرامًا وشكَّ في قدْره: أخرج قدْر الحرام، بالاجتهاد. ” المجموع شرح المهذب ” ( 9 / 351 ).

فإن عجزوا عن الاجتهاد في معرفة المال الحرام الداخل في مال والدهم: قسموا المال نصفين، تخلصوا من نصفه بالصدقات عن أصحابه، وقسموا النصف الآخر بين الورثة، كلٌّ حسب نصيبه في الشرع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن اختلط الحلال بالحرام، وجهل قدْر كلٍّ منهما: جعل ذلك نصفين.

” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 307 ).

– ونسأل الله أن يكتب لك الأجر الموفور على برِّك بأبيك، وحسن قصدك في إنجائه من الإثم والعقاب، ونسأل الله أن يتجاوز عنه فيما فعل.

 

والله أعلم.

أخطاء عقدية في تفسير المودودي المسمى ” تفهيم القرآن “

السؤال:

ما هو رأيكم في كتاب ” تفهيم القرآن ” للمودودي؟ هل تجوز قراءة هذا الكتاب؟ وهل هناك أخطاء جسيمة في الكتاب يجب على المرء أن يكون مدركًا لها؟.

 

الجواب:

أولًا:

تفسير المودودي المسمى ” تفهيم القرآن ” يقع في ستة مجلدات ضخمة، تشمل أكثر 4200 صفحة بالقطع الكبير، وهو تفسير للقرآن كله، قضى المؤلف في تأليفه ثلاثين عامًا وبضعة أشهر، بدأ في عام 1361 هـ، وانتهى منه عام 1392 هـ.

وسمَّاه ” تفهيم القرآن ” لأجل أن يبين للقارئ كيف يفهم القرآن.

والكتاب باللغة الأوردية، وليس مترجمًا بالعربية، ولذلك لم نستطع النظر فيه حتى يتسنى لنا معرفة ما عليه من ملاحظات، ثم وقفنا على رسالة ” ماجستير ” من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بعنوان ” تفسير تفهيم القرآن ومنهج المودودي فيه ” للطالب ” محمد مطيع الإسلام بن علي أحمد “، عام ( 1416 هـ )، وكل ما سننقله في هذا الجواب – من كلام المودودي، والتعليق عليه – فهو منها – باختصار وتهذيب – فقد كفانا المؤنة، جزاه الله خيرًا، ولن ننقل منها إلا ما يتعلق بمجمل الأخطاء في جانب العقيدة، مع التنبيه على أن الرسالة لم تطبع بعدُ.

 

ثانيًا:

الألوهية:

رأي المودودي رحمه الله في كلمة ” إله ” حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص/ 38:

ما أراد فرعون بهذا الكلام أنه خالق السموات والأرض, أو أنه هو المعبود وحده لا معبود سواه … لأن في دينهم كانت تُعبد آلهة كثيرة، وأكبر دليل على ذلك: قوله تعالى: ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ  ) الأعراف/ 127، فلا يمكن يستعمل فرعون كلمة ” إله ” هنا الخالق أو المعبود, بل إنه استعملها بمعنى المطاع، والحاكم، أي: أنه هو مالك مصر، وينفذ فيها حكمه، ولا ينفذ حكم غيره … وبناءً على ذلك قال مخاطبًا قومه: ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ) الزخرف/ 51، وقال لموسى: ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ) يونس/ 78، وقال أيضًا: ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) غافر/ 26.

” تفهيم القرآن ” ( 3 / 636 ، 637 ).

وقال كذلك:

إن الحاكمية مساوية للألوهية, بل إن أصل الألوهية وجوهرها هو: السلطة.

” المصطلحات الأربعة في القرآن ” ( 23 ).

التعليق:

إننا لا نوافق رأي الأستاذ المودودي هذا، فهو رحمه الله تفرد بهذه النظرية، وبهذا المفهوم للألوهية الحاكمية.

ولاشك أن من لا يؤمن بحاكمية الله عز وجل يخرج من حظيرة الإسلام, ولكن الحاكمية هي من خصائص الألوهية، وليست أصلها وجوهرها.

وملخص كلام المودودي: أن كلمة ” إله ” في هذه الآية وردت بمعنى الحاكم، لا بمعنى المعبود!.

إن كلام المؤلف هذا فيه نظر ولا نوافق عليه, فإن فرعون استعبد قومه مستكبرًا، وأنه جحد الخالق مع علمه بوجوده.

قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله –:

يخبر الله تعالى عن كفر فرعون، وطغيانه، وافترائه، في دعواه الإلهية  لنفسه القبيحة – لعنه الله – كما قال تعالى: ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ) الزخرف/ 54، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم، وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ( يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص/ 38، وقال تعالى إخبارًا عنه: ( فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) النازعات/ 23 – 26، يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحًا لهم بذلك فأجابوه سامعين مطيعين … .

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 376 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى … واستخف قومه فأطاعوه, وهو الذي قال لهم – دون الفراعنة المتقدمين – ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص/ 38، ثم قال لهم بعد ذلك: ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) النازعات/ 24، وكان فرعون في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس، وأنكر وجوده، ولهذا قال له موسى: ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ) الإسراء/ 102،  فلما أنكر الصانع: كانت له آلهة يعبدها، بقي على عبادتها، ولم يصفه بالشرك, وإنما وصفه بجحود الصانع، وعبادة آلهة أخرى, والمنكر للصانع منهم مستكبر، كثيرًا ما يعبد آلهة، ولا يعبد الله قط.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 630 ، 631 ).

 

 

ثالثًا:

الأسماء والصفات:

  1. قال المودودي – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) الحاقة/ 17 -:

وهذه الآية يشكل علينا تعيين معناها, ولا ندري ما العرش, وكيف يحمله الملائكة يوم القيامة؟ وعلى أية حال لا يصح لنا أن نتصور بأن الله جالس على عرشه ويحمله ملائكة الثمان, ولم يبين لنا القرآن الكريم ذلك، فهو سبحانه وتعالى منزه عن اتصاف الجسم, كما أنه لا يتقيد بالمكان, فلا نقول: إن الملائكة تحمله، ولا يجوز البحث عن الكيف, ومن يتبع ذلك يقع في الضلال … .

” تفهيم القرآن ” ( 6 / 75 ).

التعليق:

كلامه فيه نظر؛ فإن ظاهر القرآن يدل على أن الملائكة يحملون عرش ربنا, فكيف يتأتى لنا إنكار ذلك؟!.

  1. قال – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) الأعراف/ 54 -:

ويشكل علينا أن نفهم بالتفصيل كيفية استوائه تعالى على العرش, أو على سرير سلطنته, ومن الممكن أنه سبحانه وتعالى بعد أن خلق هذا الكون عيَّن في مقام ما مركز سلطنته التي لا تتقيد بالحدود، ثم تجلى فيه … ولعل العرش ذلك المكان الذي يدبر منه سبحانه وتعالى جميع الأمور, ويمكن أن يراد به سلطته, ويراد بالاستواء أنه تعالى بعد أن خلق الكون أخذ بيده زمام السلطة، وهذا يدل على أنه تعالى ليس خالق هذا الكون فحسب, بل هو مدبره … ويحكم فيها ما يشاء.

” تفهيم القرآن ” ( 2 / 36 ).

وفسَّر قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) يونس/ 3، فقال:

وبعد أن خلق الله السموات والأرض لم يكن متوقفًا عن تدبير الأمور فيهما, بل استوى على عرش سلطنته, وأخذ بيده نظام جميع الكائنات … ويَفهم بعض الجهال أنه تعالى بعد أن خلق الكون تفرغ منه ثم للإنسان، يتصرف في أمره كما يشاء. ” تفهيم القرآن ” ( 2 / 262 ).

التعليق:

ويستنبط من كلامه أنه أراد بعرش الرحمن: سلطته سبحانه, وفسَّر الاستواء بأنه تعالى أخذ بيده زمام السلطة، وهذا يدل على أن المؤلف تأثر في هذا الجانب بالمدرسة الكلامية, بل يشبه كلامه في تفسير صفة استواء الرحمن على العرش كلام المعتزلة، ومن نحا نحوهم.

ويحسن بنا أن نذكر هنا بعض كلام السلف في تفسير صفة الاستواء.

قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله –:

فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضوع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح … وهو إمرارها كما جاءت، من غير تكييف، ولا تشبيه. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 220 ).

قال الإمام البغوي – رحمه الله –:

قال الكلبي ومقاتل: استقر …  وأوَّلت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، فأما أهل السنَّة فيقولون: الاستواء على العرش صفةٌ لله تعالى، بلا كيف, يجب على الرجل الإيمان به … . ” تفسير البغوي ” ( 2 / 165 ).

وخلاصة القول: أن السلف أثبتوا لله تعالى صفة الاستواء على العرش، دون تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل, أمَّا المعتزلة ومن نحا نحوهم: فأوَّلوا الاستواء بالاستيلاء, والمؤلف فسَّر العرش بمركز سلطته جلَّ جلاله، وأوَّل الاستواء بأخذ زمام السلطة بيده تعالى, ونحن ندين الله بما قاله السلف.

  1. وفسَّر قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ) يس/ 71، فقال:

واستعمل هنا لفظ ” أيدي ” استعارة, وليس المعنى أن ذاته سبحانه وتعالى مجسَّمة, ويعمل بيده كالإنسان, بل المقصود أن يبيِّن لنا أنه سبحانه وتعالى بنفسه خلق هذه الأشياء, ولم يشاركه أحد في خلقه … .

” تفهيم القرآن ” ( 4 / 270 ، 271 ).

  1. وقال في تفسير قوله تعالى: ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) الفجر/ 22:

ومعنى الآية: إن ربك يأتي, ولكن الظاهر أنه سبحانه وتعالى لا ينتقل من مكان إلى مكان, فبالضرورة نقول: إن هذا بيان تمثيلي، ويقصد بذلك إعطاء تصور شامل عن الله جل جلاله، حيث إنه سبحانه وتعالى يظهر أمام الناس يوم القيامة بحاكميته، وسلطانه، وقوته، وهذا يثير الرعب، كما يثير الرعب في الإنسان إذا حضر الملائكة، أو السلطان بنفسه في المجلس … .

” تفهيم القرآن ” ( 6 / 333 ).

وكلامه هذا ينتقد من ناحيتين:

الأولى: أنه لم يُثبت لله تعالى صفة المجيئ كما وردت في القرآن, بل أولها تأويلًا لا يحتمله اللفظ.

الثانية: أنه شبَّه صفة الخالق بصفة المخلوق، وهذا لا يصح أيضًا؛ لأن الله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ).

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 165 ).

 

رابعًا: النبوات:

  1. قال رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) هود/ 46 -:

لا يصح لأحدٍ بعد لفت النظر إلى هذه الآية أن يظن بأن نوحًا عليه السلام كان فيه نقص من الروح الإيماني, أو كانت في إيمانه  شائبة من الجهالة, والحقيقة أن الأنبياء هم بشر, والإنسان أحيانًا لا يقدر أن يستقيم على مستوى  الكمال العالي السامي, حتى النبي قد يغلب في بعض الحالات النفسية الحرجة بسبب الضعف البشري وهو أشرف الناس وأعلاهم, ولكن لما يحس بذلك أو يذكره ربه بأن قدمه تنزل من المستوى العالي والمعيار المطلوب إلى الأسفل: يتوب إلى الله مباشرةً، ولا يتأخر لحظة عن إصلاح خطئه، وهنا لما رأى نوح عليه السلام ابنه يغرق أمام عينه: شعر في قلبه بكمد, فلما نبهه سبحانه وتعالى على أن ابنك مادام ترك الحق ولجأ إلى الباطل فبمجرد ولادته من صلبك لا يصلح لك أن تظنه من أهلك وأن تحزن عليه بسبب عاطفة جاهلة, وبعد ذلك رجع نوح عليه السلام من أن يحزن على ابنه مباشرةً إلى أن يفكر حسب ما يقتضيه الإسلام, وهذا أكبر دليل على خلقه العظيم … .

” تفهيم القرآن ” ( 2 / 343 ، 344 ).

التعليق:

وهنا لا بدَّ أن نقف على كلام المؤلف هذا وقفة متأنية, فإننا وإن لم نجد في كلامه ما ينافي عصمة نوح عليه السلام إلا أن وصفه عاطفة النبي الجليل بجهالة: نرى فيه شيئًا من التناقص مع كلامه الأول، فليس من المناسب له أن يقول ذلك في شأن النبي, بل يستحسن له أن يقول: بأن نوحًا عليه السلام حملته شفقة، وغلبت عليه رحمة وحنان، وأنه لم يعلم أن ابنه ليس من أهله بسبب كفره.

قال ابن حزم – رحمه الله –:

إن نوحًا عليه السلام تأول وعد الله تعالى أن يخلصه وأهله، فظنَّ أن ابنه من أهله، على ظاهر القرابة، وهذا لو فعله أحد لكان مأجورًا, ولم يسأل نوح عليه السلام تخليص من أيقن أنه ليس من أهله، فتفرغ على ذلك, ونهي عن أن يكون من الجاهلين, فتندم عليه السلام على ذلك، ونزع، وليس هاهنا عمد للمعصية البتة.

” الفصل في الملل والأهواء والنحل ” ( 4 / 13 ).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:

أي: هذا الدعاء الذي دعوت به لنجاة كافر لا يؤمن بالله ولا برسوله، ( فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي: ما لم تعلم عاقبته … ( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) أي: إني أعظك وعظًا, تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين, فحينئذ ندم نوح عليه السلام ندامة شديدة على ما صدر منه … ودلَّ هذا على أن نوحًا عليه السلام لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرم.

” تيسير الكريم الرحمن في تفسير الكريم المنان ” ( 2 / 369 ).

  1. قال المودودي – في تفسير قوله تعالى: ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي ….. فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) الأنعام/76 – 79 -:

وقد اشتهر أن ” نيوتن ” رأى في يوم من الأيام تفاحة تسقط من الشجرة, فورد في ذهنه سؤال، لماذا تنزل الأشياء إلى الأرض؟ ومن ذلك وصل إلى استنباط مسألة القوة الجاذبة, ألم يشاهد ” نيوتن ” قبل هذا سقوط الأشياء إلى الأرض؟ لا شك أنه شاهد ذلك مرارًا وتكرارًا … فالإنسان قد يتأثر بمشاهدة شيء لم يكن متأثرًا من رؤيته قبل … وهكذا كانت قصة إبراهيم عليه السلام.

” تفهيم القرآن ” ( 1 / 557 – 559 ).

وقال أيضًا:

وذكر هنا كيفية تفكر إبراهيم عليه السلام في بداية الأمر، وقد سبب له ذلك الوصول للحقيقة قبل تشرفه بمنصب النبوة, وكيف فاز من كان سليم الفطرة، وفتح عينيه في بيئة وثنية ولم يحصل له تلقي التوحيد من أي جهة، فبدأ يفكر في هذه الكائنات وآثارها، ثم استدل بها استدلالًا صحيحًا حتى وصل إلى الحق, وقد جاء من قبل بيان أحوال قوم إبراهيم، فبالنظر إلى أحوالهم يتضح لنا أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ رشده وجدَ قومه يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فكان من الطبيعي أن يبدأ إبراهيم عليه السلام تحقيقه وبحثه عن الحقيقة بهذا السؤال، هل يمكن أن يكون شيء من الأشياء إلهاً في الواقع؟ ففكر في ذلك، ووصل إلى نتيجة أن الآلهة التي يدَّعي قومي بألوهيتها: ليس فيها شائبة من الربوبية …. وحقيقة الإله هو الواحد الأحد، الذي خلقهم، وأمرهم بطاعته، والخضوع له, وهنا يرد سؤال آخر: أن إبراهيم عليه السلام لمَّا قال ( هَذَا رَبِّي ) بعد رؤية الكوكب أمَا ابتلي عليه السلام بالشرك ولو كان مؤقتًا؟ والجواب: أن العبرة ليست بالمنازل التي ينزلها طالب الحق أثناء سفره لتحقيق الحق, بل العبرة بالجهة التي توجه إليها، وبالمقام الأخير الذي سيقيم فيه بعد الوصول, أما المنازل التي توجد في طريق السفر: فلا بدَّ من المرور بها لكل طالب الحق، والوقوف فيها للتحقق، والطلب، لا للقضاء، والحكم ….

فالطالب إذا قال في منزل من تلك المنازل: إنه كذا فذلك: ليس برأيه الحاسم، بل يريد بذلك استفهامًا مفاده هل ذلك كذا؟ وبعد التحقيق إذا وجد الجواب بالنفي يتقدم، ومن أجل ذلك لا يصح لأحد أن يقول: إنه حيثما سار في الطريق ابتلي بالشرك، والكفر، ولو مؤقتًا, وهذه فكرة خاطئة.

” تفهيم القرآن ” ( 1 / 557 – 559 ).

التعليق:

ويستنبط من كلامه:

توهم بداية كلامه أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك في مقام النظر والاستدلال حيث إنه قال: ” وذكر هنا كيفية تفكر إبراهيم عليه السلام في بداية الأمر وقد سبب له ذلك الوصول للحقيقة قبل تشرفه بمنصب النبوة “.

وقد اختلفت آراء العلماء في هذه المسألة, هل إبراهيم عليه السلام قال ذلك في مقام النظر أو المناظرة؟

قال العلامة محمد رشيد رضا – رحمه الله –:

قيل: إنه قال ذلك في مقام النظر والاستدلال لنفسه, وقيل: في مقام المناظرة، والحجاج لقومه، واعتمد من قال بالأول على ما روي في التفسير المأثور من عبادته عليه السلام لهذه الكواكب في صغره اتباعًا لقومه حتى أراه الله تعالى بعد كمال التميز حجته على بطلان عبادته والاستدلال بأفولها، وتعددها، وغير ذلك من صفاتها على توحيد خالقها، وأن ذلك كله قبل النبوة ودعوتها … ومنه قصة طويلة فيها أن إبراهيم عليه السلام ولدته أمه في مغارة … ( ثم أورد – رحمه الله – القصة بكاملها وبيَّن بطلانها ) ثم قال: ومن العجب أن ابن جرير الطبري اختار هذا القول مع تقريره القول المقابل له على أحسن وجه، وهو الذي جزم به الجمهور، مِن أنه كان مناظرًا لقومه فقال ما قال تمهيدًا للإنكار عليهم.

” تفسير المنار ” ( 7 / 557 ، 558 ).

  1. وقال المودودي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) يوسف/ 55 -:

ويتضح لنا من الآية، ومن التوضيحات السابقة أن يوسف عليه السلام لم يطلب من الملِك وظيفة … والحقيقة: أن هذا طرق نهائي لفتح باب تلك الثورة التي أعدها نفسه من أجلها بالطاقات الخلقية في السنوات المنصرمة … وكان يعرف كلٌّ مِن العامة والخاصة بأن  يوسف عليه السلام لم يكن له مثيل في عصره في الأمانة، والصداقة، والحلم، وضبط النفس، والظرافة، والفراسة, وكان يعرف بأنه حفيظ عليم، ولم يكن ذلك مجرد دعوة, بل هذه هي الحقيقة … وقد يرد سؤال مفاده ما المنصب الذي طلبه يوسف عليه السلام من الملِك؟ يقول بعض الناس لعدم معرفتهم نظرًا إلى لفظ ( خَزَائِنِ الْأَرْضِ ) وما ورد بعد ذلك من تقسيم الحبوب وكيْلها: لعلَّ يوسف عليه السلام طلب من الملك ولاية خزائن مصر، أو الرئاسة للشؤون المالية، أو الوزارة المالية … ولكن القرآن، والإنجيل، والتلمود، كلٌّ من هذه الكتب يَشهد أن يوسف عليه السلام عُيِّن الحاكم المطلق، الذي يقال في اصطلاح الروم ” الدكتاتور ” لسلطنة مصر. ” تفهيم القرآن ” ( 2 / 411 ).

إن كلام المؤلف هذا فيه نظر من وجوه:

الوجه الأول: قوله ” يدل على أن بعض العلماء لعدم معرفتهم قالوا: إن يوسف عليه السلام طلب من الملك الرئاسة للشؤون المالية … والحقيقة أنه طلب سلطنته المطلقة “.

والصحيح: ما قاله المفسرون أنه طلب من الملك أن يوليه أمر خزائن الأرض, بل أكثر علماء السلف قالوا بذلك.

قال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

وهذا من يوسف عليه السلام مسألة منه للملك أن يوليه أمر طعام بلده, وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به.  ” تفسير الطبري ” ( 13 / 4 ).

قال الإمام البغوي – رحمه الله –:

والخزائن: جمع خزانة, وأراد: خزائن الطعام، والمال … وقال الكلبي: ( حفيظ ) بتقديره في السنين المجدبة، ( عليم ) بوقت الجوع حين يقع, فقال الملك له: ومن أحق به منك؟ فولاه ذلك. ” تفسير البغوي ” ( 2 / 432 ).

وإننا لا ننكر قول المودودي فله احتمال كما حكاه الإمام البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الوجه الثاني: أنه جعل الإنجيل والتلمود كمرجع أساسي لتفسير القرآن, وهذا غير صحيح؛ لأن هذه الكتب ما بقيت على حالها، بل هي أصبحت محرفة مكذوبة.

الوجه الثالث: أنه قال: ” القرآن يدل على ذلك “، ولكن ظاهر القرآن يدل على خلاف ذلك، والأصل في الكلام: الظاهر، فلا وجه لصرفه عنه إلى المجاز من غير ضرورة.

الوجه الرابع: وصفه النبي الجليل بدكتاتور حيث قال: ” كل من هذه الكتب يشهد أن يوسف عليه السلام عُيِّن الحاكم المطلق الذي يقال في اصطلاح الروم ” الدكتاتور ” لسلطنة مصر “. ولا يرضى أحد بهذا الزمان أن يصفه الناس بكلمة الدكتاتور فكيف يمكن أن نصف النبي الجليل بذلك؟!.

نعم إن كلمة دكتاتور ” DICTATOR ” تحتمل معنى الحاكم المطلق، والمؤلف هنا ( إن ) أراد هذا المعنى، فلا غبار عليه, ولكنها تحتمل معنى آخر وهو ” الطاغية “، ومن حيث الشيوع والانتشار هذا المعنى الذي يعرفه الناس, فليس من المناسب أن نفسر القرآن بهذه المصطلحات الحديثة حتى نوقع القارئ في الشك والريبة.

والحقيقة أن هذا كان من زلة قلم المؤلف وهفوته، نسأل الله أن يغفر لنا وله، ثم يتغمده برحمته.

  1. وقال المودودي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ……. وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ . فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ . يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ص/ 24 – 26 -:

أما قوله تعالى: ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) فيفهم من سياق الكلام أن داود عليه السلام صدر منه بعض الزلات … ولكن هذه الزلات لم تكن شديدة … .

وأما قوله: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) فهذا تنبيه من الله عز وجل … والظاهر أن ما صدر من داود عليه السلام كان فيه دخل لاتباع الهوى، وقد يكون ذلك الفعل متعلقًا بحكمه فيما لا يكون مناسبًا له، ولا يحسن ذلك بكل من يحكم بالحق … وبعد تفكر وتدبر يمكننا أن نقول: إن داود عليه السلام لمَّا عرف حسن هذه المرأة وجمالها بأي وسيلة كانت: خطر بباله أن يطلب من زوجها أن ينزل له عنها, وأن يطلقها, وهذا كان مستساغًا عند بني إسرائيل ولم يكن معيبًا, ومن أجل ذلك أنه عليه السلام لم ير فيه غضاضة, بل كان في شريعتهم أنه إذا أحب أحد امرأة غيره: يطلب منه بلا تكلف أن ينزل له عنها, ولكن داود عليه السلام لم يحس بأن صدور هذا التمني من عامة الناس قد يكون خاليًا من عنصر الإكراه … ولما نبهه سبحانه تعالى على ذلك عن طريق قصة الخصمين: رجع عليه السلام عن أمنيته … . ” تفهيم القرآن ” ( 4 / 326 – 329 ).

وقال في موضع آخر:

ويفهم من سياق القصة أن سيدنا داود عليه السلام تمنى من ” أوريا ” – أو مهما يكون اسمه – أن ينزل له عن زوجته …. وبعض أصحاب العقول المريضة والنفوس الخبيثة من عاداتهم أنهم إذا وصل إلى مسامعهم خبر بأن فلانًا صدر منه كذا وكذ، خاصة إذا كان ذا مكانة عالية: فهم يجعلون الحبَّة قبَّة “.

وبعد ذلك ذكر رحمه الله ما قيل في قصة داود عليه السلام غثها وسمينها ثم قال:

إن جميع هذه الاحتمالات لا تقوم عليها الحجة, بل هناك تأويل آخر قاله بعض المفسرين: بأن داود عليه السلام طلب من ” أوريا ” أن ينزل له عن زوجته, وقال عليه السلام ذلك متأثرًا بثقافة بني إسرائيل المروجة، وقد لا يقبل بعض الناس هذا التأويل بناء على أن نسبة هذه الزلة إلى النبي تنافي العصمة, ولكنهم لم يدركوا أمر العصمة، فإنها ليست من لوازم الأنبياء الذاتية, بل إن الله تعالى يعصمهم من الأخطاء والزلات ليؤدوا وظيفة النبوة والرسالة, وأن محافظة الله لو رفعت عنهم ولو لمدة يسيرة: لوقعوا في الخطأ، كما يقع عامة الناس … وهناك نكتة لطيفة أخرى وهي: أن الله تعالى قد يرفع عن الأنبياء محافظته، ويصدر عنهم زلة، أو زلتان كي لا يقع الناس في تأليههم. ” التفهيمات ” ( 2 / 39 – 50 ).

 

التعليق:

ويرد عليه بعدة نقاط:

أولًا: يقول الشيخ القاضي مظهر حسين ناقدًا كلام المودودي: ” يوجد فيه تنقيص لشأن داود عليه السلام، والنبي لا يتأثر بمجتمع، بل يبعث الأنبياء لإصلاح المجتمع، فهم يؤثرون على المجتمع “.

” الأستاذ المودودي وشيء من حياته وأفكاره ” ( 24 ).

ثانيًا: قال المودودي رحمه الله: ” إن داود عليه السلام لما عرف حسن هذه المرأة وجمالها بأي وسيلة كانت خطر بباله أن يطلب من زوجها أن ينزل له عنها, وأن يطلقها … “.

وقوله هذا فيه نظر، ولا بدَّ من التحفظ عليه؛ لأنه لم يُقِم عليه دليلًا صحيحًا، والأولى أن ننزه نبي الله داود عليه السلام عن مثل هذا التأويل؛ لأنه نبي مرسل، وقد عصمه الله من مثل هذا الأمر.

ثالثًا: في نظر المودودي رحمه الله أن داود عليه السلام كان فيه شيء من اتباع الهوى.

حيث قال: ” والظاهر أن ما صدر من داود عليه السلام كان فيه دخل لاتباع الهوى … “.

فلو أراد رحمه الله بذلك طلب داود عليه السلام من ” أوريا ” أن ينزل له عن زوجته: فنقول: إن هذا الكلام بنفسه يعارض المؤلف, فإنه قال قبل ذلك: إن هذا كان مروجًا في شريعتهم, فما دام هذا مروجًا عند بني إسرائيل فلماذا نقول: إنه طلب ذلك اتباعًا لهواه؟!.

ثم إن قوله تعالى: ( وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) لا يدل على أن داود عليه السلام اتبع هواه, بل هذا نصيحة من الله تعالى, لأنه جل جلاله سلم إلى داود عليه السلام مسؤولية الخلافة، فناصحه ألا يتبع هواه في الحكم فيمن يتحاكمون إليه، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:

وهذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه، فيضلوا عن سبيل الله … .

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 32 ).

وسياق الآية بنفسه يدل على عدم صحة كلام المودودي؛ فإنه تعالى لمَّا قال: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) أتبع ذلك قوله: ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص/ 26، فكلامه سبحانه وتعالى يدل على أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله, والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب، وقد عصم الله النبي عن ذلك. انظر تفسير القرآن الكريم المسمى بـ ” السراج المنير ” للخطيب الشربيني ( 3 / 410 ).

إضافة إلى ذلك: أنه ورد في القرآن الكريم مثل هذا الأسلوب في حق نبينا صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) الأحزاب/ 1،  وقوله تعالى: ( لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ) الإسراء/ 22، وقوله تعالى: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) الإسراء/ 36.

فهل تدل هذه الآيات على وقوع المخالفة – والعياذ بالله – من المعصوم عليه السلام؟.

فقول المودودي لا يخلو عن القدح في شأن النبي عليه السلام, ولا يصح لنا أن نقع في خوض في مثل هذا المقام, بل نفوض الأمر إلى الله تعالى، كما قال الإمام ابن كثير – رحمه الله –:

وقد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذة من الإسرائيليات, ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب إتباعه … فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله تعالى, فإن القرآن حق، وما تضمنه فهو حق أيضًا …. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 32 ).

رابعًا: قول المودودي رحمه الله: ” وهناك نكتة لطيفة أخرى: وهي أن الله تعالى قد يرفع عن الأنبياء محافظته، ويصدر عنه زلة، أو زلتان كي لا يقع الناس في تأليههم “.

قال الأستاذ الشيخ محمد يوسف البنوري – منتقداً قول المودودي -:

” عصمة الأنبياء في أمور النبوة كلمة حق اتفاق بين الأمة, ورفع العصمة عنهم في بعض الأحيان في غاية الخطر … ثم إن ما يقوله – أي: المودودي – لإظهار أنهم بشر وليسوا بآلهة: أليس يكفي أنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق؟ أليس يأتي عليهم الفناء والموت, وأن الله حي لا يموت … وما إلى ذلك من صفات البشرية، أليس يدل على أنهم بشر وليسوا بآلهة؟ “.

” الأستاذ المودودي وشيء من حياته وأفكاره ” ( 26، 27 ).

 

خامسًا:

الصحابة:

  1. وقال المودودي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ …. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 130 – 134 -:

كان السبب الأكبر وراء هزيمة المسلمين في غزوة أحد: غلبة حرص المال عليهم وقت الظفر والفوز, فإنهم قبل إتمام مهمتهم: تركوا المعركة، واتجهوا إلى كسب الغنائم, ومن أجل إصلاح هذه الحالة: رأى الحكيم المطلق أن يسد عوامل الحرص على الدنانير والدراهم، فأمرهم بالرجوع عن أكل الربا … إن كل بيئة وجد فيها الربا: تحدث فيها أدواء خُلقية من الحرص، والطمع، والبخل، وإيثار النفس، والبغض، والحسد، والتنافر، والغضب، فالذين يعطون أموالهم بالربا يحدث فيهم الحرص، والطمع، والبخل، والذين يأخذون الأموال بالربا: يورث فيهم الحسد، والبغضاء، والتشاحن، فهم صنفان, فكان من جملة الأسباب المؤثرة في هزيمة المسلمين وجود هذه الأدواء فيهم.  ” تفهيم القرآن ” ( 1 / 287 ، 288 ).

التعليق:

إن المودودي رحمه الله لم يحسن التعبير في شأن الصحابة رضي الله عنهم الذين ضحوا بأنفسهم لنصرة الحق، وصرفوا أموالهم، وبذلوا جهودهم، وتركوا حطام الدنيا الفانية، راجين الآخرة الباقية, وهم الذين قال الله تعالى فهيم: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ  ) المائدة/ 119.

فلاشك أن مثل هذا الكلام يقلل من شأنهم، ويخل بمنزلتهم، ويخدش مكانتهم.

فلو أنه قال: إن هذه الآية نزلت في أثناء ” غزوة أحد “: فقد يسلم ذلك.

 

سادسًا:

والكتاب – كما رأيت – لم يخل من أخطاء، وخاصة في جانب العقيدة، وهو ليس متوفرًا أصلًا باللغة العربية، فإن ترجم إليها فلا مانع من قراءته لمن علم الأخطاء التي فيه، ونوصي من يترجمه أن يتقي الله تعالى، وأن يضع الملاحظات والتنبيهات في الكتاب نفسه، حتى تبرأ ذمته.

 

والله الموفق.

أخطاء عقدية في كتاب ” في ظلال القرآن ” للأستاذ سيد قطب

السؤال:

ما هو رأيكم في كتاب تفسير القرآن ” في ظلال القرآن ” لسيد قطب؟ هل تجوز قراءة هذا الكتاب؟ وهل هناك أخطاء جسيمة في الكتاب يجب على المرء أن يكون مدركًا لها؟.

 

الجواب:

أولاً:

كتاب ” في ظلال القرآن ” ليس كتاب تفسير للقرآن، ولم يضعه صاحبه ليكون كذلك، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد فيه بيان لمعاني الآيات، بل لا يمكن لأحدٍ أن يتفيأ ظلال الآيات القرآنية وهو لا يدري معناها.

ومؤلفه الأستاذ سيد قطب رحمه الله ليس من العلماء الذين يُرجع إليهم في الفقه، والحديث، والتفسير، والعقيدة، بل هو رجل أديب، له مشاركات في العلم الشرعي، لكنه ليس من المحققين فيه، ولذا وقعت له أخطاء، وزلات نبَّه عليها أهل العلم، وكنَّا قد ذكرنا موقف العلماء من كتبه أخذًا وردًّا في جواب السؤال رقم: (107327 ) ونظن أنفسنا قد أنصفنا الرجل بما يستحقه.

ويهمنا هنا – وهو موضع السؤال – هو الكلام عن كتابه ” في ظلال القرآن “، وهو كتاب من الشهرة بمكان، حيث يستحق الدراسة والنقد.

وبتأملنا لمواضع النقد في الكتاب المذكور: وجدنا أن في بعضها تحاملًا على المؤلف، وفهمًا غريبًا لكلامه، فأعرضنا عنها، ووجدنا في بعضها الآخر ما يكون محتملًا لأن يكون موضع نفد ونقض، وقد أنصف أصحاب هذا الكلام، فذكروا تلك المواضع احتمالًا، فأثبتنا بعضها، كما رأينا نقدًا لعبارات فيه غير لائقة بالكتاب العزيز، فذكرناها، وأخيرًا رأينا مواضع الخطأ فيها بيِّن، والمخالفة فيها واضحة، فلم نأل جهداً في تتبعها، ومحاولة استيعابها ها هنا، وفي كل ما سبق: لم نرض أن ننقل كلام الأستاذ سيد قطب من الناقد، بل نقلناه من كتابه مباشرةً، حتى يكون التوثيق أقوى ما يكون.

 

ثانيًا:

ويهمنا هنا – أيضًا – ذِكر المخالفات المتعلقة بالعقيدة، دون غيرها من أبواب الشرع، كالمسائل الفقهية، والحديثية؛ لأهمية هذا الجانب، وعدم احتمال الخطأ فيه، ولا شك ولا ريب أن الكتاب فيه أخطاء تتعلق بالعقيدة، وذلك في جوانب متعددة من أبوابها وفصولها.

قال الشيخ عبد الله بن محمد الدويش رحمه الله – في مقدمة كتابه ” المورد العذب الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال “:

” فقد كثر السؤال عن كتاب ” ظلال القرآن ” لمؤلفه ” سيد قطب “، ولم أكن قد قرأته، فعزمت على قراءته، فقرأته من أوله إلى آخره، فوجدت أخطاءً في مواضع، خصوصًا ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة، وعلم السلوك، فأحببت التنبيه على ذلك؛ لئلا يغتر به من لا يعرفه “. انتهى.

وهذا الكتاب هو لمؤلف إمام حافظ منصف، وسننقل عنه كثيرًا، ونحيل على الكتاب المذكور، وهذا لا يعني أن صاحبه قد أصاب في كل ما ذكره، ولا يعني – أيضًا – أنه هو لم يقع في أخطاء، لكنه على الأقل لم تكن أخطاؤه في العقيدة، وإنما ذكرنا هذا ليعلم الناس أنه ما منَّا من أحدٍ إلا رادٌّ ومردود عليه، والخطأ من طبيعة البشر، وإنما يتفاوت الناس فيه بحسب فضل الله عليهم، وتوفيقه لهم للحق والصواب.

 

ثالثًا:

  1. أخطاء في ” الإيمان “:

أ. عند تفسير قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) النساء/ 150، قال – رحمه الله -:

إن الإيمان وحدة لا تتجزأ. انتهى.

التعليق:

قال الشيخ عبد الله الدويش في كتابه ” المورد العذب الزلال “:

هذا خلاف قول أهل السنة والجماعة؛ لأن عندهم أن الإيمان ذو شعب – كما في الحديث المتفق عليه ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) – والناس فيه متفاضلون، وأما من يقول إن الإيمان شيء واحد: فهم أهل البدع، كالمرجئة، والخوارج، ونحوهم، فإن المرجئة يقولون هو التصديق، والأعمال ليست من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، والخوارج يقولون: إذا زال بعض الإيمان: زال كله، ويكفِّرون أهل القبلة بالذنوب.  انتهى.

ب. وفي حاشية ” في ظلال القرآن ” ( ص 1475 ) قال:

وهنا تعرض قضية ” الإيمان يزيد وينقص “، وهي قضية من قضايا الفرق، وقضايا علم الكلام، في فترة الترف العقلي، والفراغ من الاهتمامات العلمية الجادة، فلا ندخل الآن نحن فيها. انتهى.

وله كلام يخالف هذا، إذ قال عند قوله تعالى ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) الأنفال/ 2:

والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيمانًا، وما ينتهي به إلى الاطمئنان، إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة، ولا يحول بينه وبينه شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب ويحجب القلب عنه، فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان: وجد القلب حلاوة هذا القرآن، ووجد في إيقاعاته! المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان، وكما أن إيقاعات! القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانًا، فإن القلب المؤمن هو الذي يدرك هذه الإيقاعات التي تزيده إيمانًا، لذلك يتكرر في القرآن تقرير هذه الحقيقة في أمثال قوله تعالى: ( إن في ذلك لآيات للمؤمنين ), ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون )، ومن ذلك قول أحد الصحابة – رضوان الله عليهم -: كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن. انتهى.

ولا يُدرى حقيقة الأمر، هل الأستاذ سيد تناقض، أم تراجع، أم لم يوضح مقصوده في الأمر الأول، أم يريد أن القرآن فقط هو الذي يزيد الإيمان، كل ذلك محتمل، ولا يهمنا حقيقة الأمر، والمهم هو بيان خطأ القول.

ج. وفي مسألة أخرى في الإيمان يقوِّي ما سبق من النقطتين: نجد الأستاذ سيد قطب يجعل المؤمنين درجة واحدة، فإن لم يكونوا كذلك: فهم منافقون أو كافرون، وينفي وجود ناقصي الإيمان في قسم المؤمنين!.

قال عند تفسير قوله تعالى ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقًّا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) الأنفال/ 2 – 4:

إن التعبير القرآني دقيق في بنائه اللفظي ليدل دلالة دقيقة على مدلوله المعنوي، وفي العبارة هنا قصر بلفظ: ( إنما )، وليس هنالك مبرر لتأويله – وفيه هذا الجزم الدقيق – ليقال: إن المقصود هو ” الإيمان الكامل “! فلو شاء الله – سبحانه – أن يقول هذا لقاله، إنما هو تعبير محدد دقيق الدلالة، إن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وأعمالهم ومشاعرهم هم المؤمنون، فغيرهم ممن ليس له هذه الصفات بجملتها: ليسوا بالمؤمنين! والتوكيد في آخر الآيات: ( أولئك هم المؤمنون حقًّا ) يقرر هذه الحقيقة، فغير المؤمنين ( حقًّا ) لا يكونون مؤمنين أصلًا.

والتعبيرات القرآنية يفسِّر بعضها بعضًا، والله يقول: ( فماذا بعد الحق إلا الضلال )، فما لم يكن حقًّا فهو الضلال، وليس المقابل لوصف: ( المؤمنون حقًّا ) هو المؤمنون إيمانًا غير كامل! ولا يجوز أن يصبح التعبير القرآني الدقيق عرضة لمثل هذه التأويلات المميعة لكل تصور، ولكل تعبير!.

لذلك كان السلف يعرفون من هذه الآيات أن من لم يجد في نفسه وعمله هذه الصفات لم يجد الإيمان، ولم يكن مؤمنًا أصلًا.

جاء في تفسير ابن كثير: قال علي بن طلحة عن ابن عباس، في قوله: ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) قال: المنافقون: لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا – أي: عن أعين الناس – ولا يؤدون زكاة أموالهم.

فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين فقال: ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) فأدوا فرائضه، ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا ) يقول: زادتهم تصديقًا، ( وعلى ربهم يتوكلون ) يقول: لا يرجون غيره.

وسنرى مِن طبيعة هذه الصفات أنه لا يمكن أن يقوم بدونها الإيمان أصلًا؛ وأن الأمر فيها ليس أمر كمال الإيمان أو نقصه، إنما هو أمر وجود الإيمان، أو عدمه. انتهى.

التعليق:

إذا كان الإيمان يقابل النفاق، والكفر: فإنه لا يعني أنه يكون جزءً واحدًا، فالمؤمنون فيما بينهم يتفاضلون في إيمانهم، وكلما ازداد المؤمن من الطاعات: ازداد إيمانًا، والظاهر من سياق الآيات بيان صفات المؤمنين بالنسبة للكفار، وبالنسبة للمنافقين، وليس يستفاد منها أن الإيمان جزء واحد لا يزيد ولا ينقص.

قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

عن ابن عباس: ( الذين يقيمون الصلاة )، يقول: الصلوات الخمس. ( ومما رزقناهم ينفقون )، يقول: زكاة أموالهم.

( أولئك هم المؤمنون حقًّا )، يقول: برئوا من الكفر، ثم وصف الله النفاق وأهله فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ – إلى قوله – أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ) النساء/ 150، 151، فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا، وجعل الكافر كافرًا حقًّا، وهو قوله: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) التغابن/ 2. ” تفسير الطبري ” ( 13 / 388 ).

وقول الأستاذ إن كلمة ” حقًّا ” تعني الجزم بكون غيرهم من الكفار: غير سديد، ولو تأمل ما في ” تفسير ابن كثير ” من نقولات: لتبين له خطأ كلامه.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقال عمرو بن مُرَّة في قوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ): إنما أُنزلَ القرآن بلسان العرب، كقولك: فلان سيِّد حقًّا، وفي القوم سادة، وفلان تاجر حقًّا، وفي القوم تجار، وفلان شاعر حقًّا، وفي القوم شعراء.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 13 ).

 

 

رابعًا:

  1. أخطاء توحيد الألوهية:

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله عند تفسير قوله تعالى في سورة القصص: (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ): أي: فلا شريك له في خلق، ولا اختيار. انتهى.

التعليق:

وهذا تفسير قاصر في معنى كلمة التوحيد، فقد اقتصر فيه على بعض معاني الربوبية، ولو كان هذا تفسيرًا لما قبلها من قوله تعالى ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) القصص/ 68: لكان مقبولًا، لكنه لم يفعل ذل، بل جعلها تفسيرًا لكلمة التوحيد، والحق أنها كلمة تشمل: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.

قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

وقوله: ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) يقول تعالى ذِكره: وربك يا محمد، المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا معبود تجوز عبادته غيره.

” تفسير الطبري ” ( 19 / 612 ).

وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 251 ).

 

خامسًا:

  1. أخطاء في ” الأسماء والصفات ” بالجملة:

أ. نفي بالجملة لكثير من الصفات والأفعال لله تعالى!:

قال عند تفسير ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الزمر/ 67:

وكلُّ ما يرد في القرآن، وفي الحديث، من هذه الصور، والمشاهد: إنما هو تقريب للحقائق, التي لا يملك البشر إدراكها بغير أن توضع لهم في تعبير يدركونه، وفي صورة يتصورونها، ومنه هذا التصوير لجانب من حقيقة القدرة المطلقة، التي لا تتقيد بشكل، ولا تتحيز في حيز، ولا تتحدد بحدود. انتهى.

التعليق:

وهذا الخطأ الجسيم يؤدي إلى تعطيل هذه الصفات والأفعال لربنا تعالى، بزعم أنها لتقريب الصورة ليس أكثر! وهذا ليس من اعتقاد السلف، بل هو اعتقاد المعطلة، والذين وقعوا في التشبيه حتى أداهم هذا إلى التعطيل.

 

 

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وما ذكره من كون السموات مطويات بيمينه في هذه الآية: جاء في الصحيح أيضًا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا مرارًا أن الواجب في ذلك إمراره كما جاء، والتصديق به، مع اعتقاد أن صفة الخالق أعظم من أن تماثل صفة المخلوق.

” أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ” ( 4 / 248 ).

وقال الإمام الطبري – رحمه الله – رادًّا على من عطَّل صفات هذه الآية -:

وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: ( وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) يقول: في قدرته! نحو قوله: ( وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: وما كانت لكم عليه قدرة، وليس الملك لليمين دون سائر الجسد، قال: وقوله ( قَبْضَتُهُ ) نحو قولك للرجل: هذا في يدك، وفي قبضتك!.

والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وعن أصحابه، وغيرهم: تشهد على بطول هذا القول. ” تفسير الطبري ” ( 21 / 329 ).

ومن هذه الأخبار المشار إليها في كلام الإمامين الطبري والشنقيطي رحمهما الله:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ – أَوْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ – إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ.

فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ).

رواه البخاري ( 4533 ) ومسلم ( 2786 ).

ب. الاستواء:

قال عند تفسير قوله تعالى ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29:

ويُكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء، يتحدثون عن القبلية والبعدية، ويتحدثون عن الاستواء، والتسوية، وينسون أن ” قبل ” و ” بعد “: اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى، وينسون أن الاستواء والتسوية اصطلاحان لُغويان، يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود! ولا يزيدان، وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية، إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية، والمباحث اللاهوتية، عند اليهود والنصارى، عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية، وللعقلية الإسلامية الناصعة، وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة، فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام!!. انتهى.

– وقال عند تفسير قوله تعالى  ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) الحديد/ 4:

أما الاستواء على العرش: فنملك أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة على هذا الخلق! استنادًا إلى ما نعلمه من القرآن عن يقين من أن الله – سبحانه – لا تتغير عليه الأحوال، فلا يكون في حالة عدم استواء على العرش، ثم تتبعها حالة استواء، والقول بأننا نؤمن بالاستواء ولا ندرك كيفيته لا يفسر قوله تعالى: ( ثم استوى )، والأولى أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة كما ذكرنا، والتأويل هنا لا يخرج على المنهج الذي أشرنا إليه آنفًا؛ لأنه لا ينبع من مقررات وتصورات من عند أنفسنا، إنما يستند إلى مقررات القرآن ذاته، وإلى التصور الذي يوحيه عن ذات الله سبحانه وصفاته. انتهى.

التعليق:

فلم يكتف الأستاذ سيِّد بتعطيل صفة الاستواء حتى جعلها قاعدة عامة في كل صفات الأفعال، وهي ما أطلق عليه بعض فرق الضلال – كالأشاعرة – ” حلول الحوادث بالله تعالى “! ويقصدون بالحوادث: أفعال الله تعالى الاختيارية التي شاءها بعد أن لم تكن، فهو يستبعد أن يكون الله تعالى شاء الاستواء على العرش بعد أن لم يكن كذلك، وهكذا فإنها تكون هذه قاعدة عامة في جميع الصفات الفعلية لله تعالى، ولم يكتف بهذا حتى ردَّ على السلف قولهم واعتقادهم – وهذا يرد على من قال إنه جاهل باعتقاد السلف – فجعل الإيمان بالاستواء دون التعرض للكيفية ليس مفسِّرًا لصفة الاستواء، ولم يكتفِ بهذا – أيضًا – حتى نسب هذا المنهج المنحرف في فهم الصفات للقرآن الكريم!.

والاستواء من صفات الله تعالى التي تمدح الله بها نفسه في كتابه الكريم في أكثر من موضع، وهي ثابتة على الوجه اللائق به سبحانه، لا تشبه صفات المخلوقين.

ونختم بقولنا: إن القاعدة عند أهل السنَّة في باب الصفات: هي الإيمان بكل ما وصف الله تعالى به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تمثيل، ولا تعطيل، ولا تحريف.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ) الآية، هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات، كقوله ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )، ونحو ذلك: أشكلت على كثير من الناس إشكالًا ضلَّ بسببه خلقٌ لا يُحصى كثرة، فصار قوم إلى التعطيل، وقوم إلى التشبيه، سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا، عن ذلك كله، والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس، ولا إشكال، وحاصل تحرير ذلك: أنه جل وعلا بيَّن أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين:

أحدهما: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.

والثاني: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله: ( أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُُ )، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )، فمن نفى عن الله وصفًا أثبته لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، زاعمًا أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا: فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا، سُبْحَانَكَ هَذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.

ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق: فهو مشبِّه، ملحد، ضال، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق: فهو مؤمن، جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال، والتنزيه عن مشابهة الخلق، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا: هي قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )، فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )، وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )، فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال.

والظاهر: أن السرَّ في تعبيره بقوله: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )، دون أن يقول مثلًا: وهو ” العلي العظيم “، أو نحو ذلك من الصفات الجامعة: أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فبيَّن أن الله متصف بهما، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى، وبين صفات خلقه، ولذا جاء بقوله: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )، بعد قوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )، ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات، لا لبس معه، ولا شبهة البتة.

” أضواء البيان ” ( 2 / 18 ، 19 ).

سادسًا:

  1. خلق القرآن:

قال الأستاذ سيد قطب في أول تفسير سورة البقرة:

وهكذا القرآن، حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا، ويجعل منها الله قرآنًا وفرقانًا، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض. انتهى.

 

 

– وقال عند تفسير أول سورة السجدة ( الم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) -:

والفارق بين القرآن وما يصوغه البشر من هذه الحروف من كلام: هو كالفارق بين صنعة الله وصنعة البشر في سائر الأشياء، صنعة الله واضحة مميزة، لا تبلغ إليها صنعة البشر في أصغر الأشياء. انتهى.

– وقال في أول سورة ” ص “:

هذا الحرف، ” صاد ” يقسم به الله سبحانه كما يقسم بالقرآن ذي الذكر، وهذا الحرف من صنعة الله تعالى، فهو موجده، موجده صوتًا في حناجر البشر، وموجده حرفًا من حروف الهجاء التي يتألف من جنسها التعبير القرآني. انتهى.

التعليق:

قال الشيخ عبد الله الدويش – رحمه الله – في كتابه ” المورد الزلال في التنبيه على أخطاء  الظلال ” ردًّا على هذا الكلام

وقوله ” هذا الحرف من صنعة الله ” و ” موجده “: هذا قول الجهمية، والمعتزلة، القائلين أن القرآن مخلوق, وأما أهل السُنَّة فيقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. انتهى.

 

سابعًا:

  1. عبارات موهمة تحمل عقائد مخالفة لاعتقاد أهل السنَّة:

وللأستاذ سيد قطب رحمه الله عبارات تحمل في طياتها معاني فاسدة، ولا نستطيع الجزم بتلك المعاني؛ لأن العبارات في نفسها محتملة، وإنما يهمنا التنبيه على خطئها.

  1. الله في كل مكان بذاته!

قال في تفسير قوله تعالى ( قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ) الشعراء/ 15:  والله معهما، ومع كل إنسان، في كل لحظة، وفي كل مكان. انتهى.

التعليق:

قال الشيخ عبد الله الدويش – رحمه الله -:

أقول: إن أراد بعلمه: فهو حق، وإن أراد بذاته: فهو باطل. انتهى.

  1. الاتحاد والحلول!

قال الأستاذ سيد قطب عند تفسير قوله تعالى ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الحديد/ 3:

( وهو بكل شيء عليم ) علم الحقيقة الكاملة، فحقيقة كل شيء مستمدة من الحقيقة الإلهية وصادرة عنها، فهي مستغرقة إذن بعلم الله اللدني بها، العلم الذي لا يشاركه أحد في نوعه وصفته وطريقته، مهما علم المخلوقون عن ظواهر الأشياء!.

فإذا استقرت هذه الحقيقة الكبرى في قلب: فما احتفاله بشيء في هذا الكون غير الله سبحانه؟ وكل شيء لا حقيقة له ولا وجود – حتى ذلك القلب ذاته – إلا ما يستمده من تلك الحقيقة الكبرى، وكل شيء وهَم ذاهب، حيث لا يكون ولا يبقى إلا الله، المتفرد بكل مقومات الكينونة والبقاء.

وإن استقرار هذه الحقيقة في قلب ليحيله قطعة من هذه الحقيقة.

فأما قبل أن يصل إلى هذا الاستقرار: فإن هذه الآية القرآنية حسبه ليعيش في تدبرها وتصور مدلولها، ومحاولة الوصول إلى هذا المدلول الواحد وكفى!

ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى، وهاموا بها وفيها، وسلكوا إليها مسالك شتى، بعضهم قال إنه يرى الله في كل شيء في الوجود! وبعضهم قال: إنه رأى الله من وراء كل شيء في الوجود! وبعضهم قال: إنه رأى الله فلم ير شيئًا غيره في الوجود! وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة!! إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال، إلا أن ما يؤخذ عليها – على وجه الإجمال – هو أنهم أهملوا الحياة بهذا التصور. انتهى.

قال الشيخ عبد الله الدويش – بعد إيراده لكلام الأستاذ  سيد هذا:

ولعله لم يقصد ما يفهمه كلامه من قول أهل الاتحادية، ونحن إنما قصدنا التنبه على كلامه لئلا يغتر به  من لا يفهمه، وأما هو: فله كلام صريح في الرد على الاتحادية، كما في كتاب ” خصائص  التصور الإسلام ومقوماته ” ( ص 155 ، ص 156 ) … – وساقه – . انتهى.

 

ثامنًا:

  1. ألفاظ لا تليق بالقرآن ولا بالقيامة:

وهي ألفاظ تتنوع بين النغم، والموسيقى، وإسدال الستار، وغيرها من ألفظ المغنين، والمطربين، والمسرحيين، والذي لا يليق به استعمالها في سور مكية تخلع القلوب عند قراءتها.

أ. عند تفسيره لسورة ” النجم ” قال:

هذه السورة في عمومها كأنها منظومة موسيقية علوية، منغمة، يسري التنغيم في بنائها اللفظي كما يسري في إيقاع فواصلها الموزونة المقفاة، ويلحظ هذا التنغيم في السورة بصفة عامة، ويبدو القصد فيه واضحًا في بعض المواضع، وقد زيدت لفظة أو اختيرت قافية، لتضمن سلامة التنغيم ودقة إيقاعه. انتهى.

ب. وقال في تفسيره لسورة ” النازعات “:

وفي الطريق إلى إشعار القلب البشري حقيقة الآخرة الهائلة الضخمة العظيمة الكبيرة يوقع السياق إيقاعات منوعة على أوتار القلب، ويلمسه لمسات شتى حول تلك الحقيقة الكبرى، وهي إيقاعات، ولمسات تمت إليها بصلة، فتلك الحقيقة تمهد لها في الحس وتهيئه لاستقبالها في يقظة وفي حساسية.

يمهد لها بمطلع غامض الكنه، يثير بغموضه شيئًا من الحدس والرهبة والتوجس، يسوقه في إيقاع موسيقي راجف لاهث، … .

ومن هنالك، من هذا الجو الراجف الواجف المبهور المذعور: يأخذ في عرض مصرع من مصارع المكذبين العتاة في حلقة من قصة موسى مع فرعون، فيهدأ الإيقاع الموسيقي ويسترخي شيئًا ما. انتهى.

ج. وقال عن سورة ” العاديات “:

والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة، والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة، كما تناسب جو الجحود والكنود، والأثرة والشح الشديد. انتهى.

د. قال عند تفسير قوله تعالى ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) الأعراف/ من الآية 137:

وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار.

هـ. وفي سياق عرض قصة موسى وفرعون والسحرة في سورة ” الشعراء ” قال:

وهذه الحلقة مقسمة إلى مشاهد استعراضية، بينها فجوات، بمقدار ما يسدل الستار على المشهد، ثم يرفع عن المشهد الذي يليه، وهي ظاهرة فنية ملحوظة في طريقة العرض القرآنية للقصة. انتهى.

 

تاسعًا:

  1. سيد قطب وآحاديث الآحاد في العقيدة:

والأستاذ سيد قطب يرفض أن يعتقد بما تحويه الأحاديث الصحيحة إلا أن تكون متواترة! وهذا اعتقاد أهل البدع والضلال، وهو يقول بأن مرجع الاعتقاد هو القرآن، وليته التزم هذا، فالقرآن إذا جاءت آياته بعقائد تتعلق بأسماء الله وصفاته رأينا سيف التعطيل والتحريف يأتي عليها فلا يُبقي لها معنى صحيح تحويه، فلا هم بالذين اعتقدوا بما في الأحاديث الصحيحة، ولا هم اعتقدوا بما في القرآن من آيات في الأسماء والصفات.

وفي تفسير سورة ” الفلق ” قال:

وقد وردت روايات بعضها صحيح ولكنه غير متواتر: أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحَر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، قيل أيامًا، وقيل أشهرًا، حتى كان يخيَّل إليه أنه يأتي النساء وهو لا يأتيهن في رواية، وحتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله في رواية، وأن السورتين نزلتا رقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استحضر السحر المقصود كما أخبر في رؤياه وقرأ السورتين انحلت العقد، وذهب عنه السوء.

ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ! ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله صلى الله عليه وسلم وكل قول من أقواله سنَّة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدعونه من هذا الإفك، ومن ثم تستبَعد هذه الروايات! وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة! والمرجع هو القرآن! والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد! وهذه الروايات ليست من المتواتر، فضلًا على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح، مما يوهن أساس الروايات الأخرى. انتهى.

وهذا عين كلام أهل البدع في التأصيل، وعين كلام الملاحدة في التمثيل! نسأل الله العافية.

قال ابن بطَّال – رحمه الله -:

وقد اعترض بعض الملحدين بحديث عائشة، وقالوا: وكيف يجوز السحر على النبي صلى الله عليه وسلم، والسحر كفر، وعمل من أعمال الشياطين، فكيف يصل ضره إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع حياطة الله له وتسديده إياه بملائكته، وصون الوحي من الشياطين؟.

وهذا اعتراض يدل على جهل، وغباوة من قائله، وعناد للقرآن؛ لأن الله قال لرسوله: ( قل أعوذ برب الفلق ) إلى قوله: ( ومن شر النفاثات في العقد )، والنفاثات: السواحر ينفثن في العقد كما ينفث الراقي في الرقية، فإن كانوا أنكروا ذلك لأن الله لا يجعل للشياطين سبيلًا على النبي صلى الله عليه وسلم: فقد قال تعالى: ( وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) يريد: إذا تلا: ألقى الشيطان، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عفريتًا تغلَّب عليه ليلة ليقطع عليه الصلاة حتى همَّ أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد، فذكر قول سليمان: (رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدى ) فرده خاسئًا.

وليس في جواز ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل أن ذلك يلزمه أبدًا، أو يدخل معه عليه داخلة في شيء من حاله، أو شريعته، وإنما ناله من ضر السحر ما ينال المريض من ضر الحمَّى، والبرسام، من غير سحر، من الضعف عن الكلام، وسوء التخيل، ثم زال ذلك عنه، وأفاق منه، وأبطل الله كيد السحرة، وقد أجمع المسلمون أنه معصوم في الرسالة ، فسقط اعتراض الملحدة.

” شرح صحيح البخاري ” ( 5 / 359 ، 360 ).

 

هذا ما تيسر ذِكره جوابًا على سؤال الأخ السائل، وأنت ترى أن الكتاب لم يخلُ من أخطاء في الاعتقاد، وبه يُعلم أنه لا يجوز أن يقرأ هذا الكتاب عامة الناس؛ خشية عليهم مما فيه من مخالفات في الاعتقاد، وغيرها، وأما الخاصة: فلهم قراءته، وهم على علم بما فيه من مخالفة لاعتقاد ومنهج أهل السنَّة والجماعة.

والواجب على من نشر الكتاب أن يتقي الله في القرَّاء، وأن ينبه على ما فيه من أخطاء، وإلا كان شريكًا لمؤلفه في نشرها.

 

والله الموفق.

أخفى إسلامه ودُفن في مقابر الكفار فهل يكون كافرًا؟

السؤال:

لنفرض أن هناك نصرانيّاً قد أسلم ولم يخبر أهله، فبعد فترة توفي، ولكن أهله لا يعرفون أنه قد أسلم فسيصلون عليه في الكنيسة ويدفنونه على الطريقة النصرانية، أريد أن أعرف ما حكم هذا؟ هل يموت على الإسلام أم على الكفر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يوجد كثيرون من المستضعفين من لا يستطيع إظهار إسلامه بين أهله؛ خشية على نفسه من بطشهم، ويكون قد أعلن إسلامه وأعلم بعض إخوانه بهذا، فجهل أهله بإسلامه وصلاتهم عليه في الكنيسة ودفنهم له في مقابرهم لا يغيِّر من حقيقة كونه مسلمًا، ولا يجعله على ملتهم ودينهم، وهذا أمرٌ متفق عليه، ولا يشك به أحد من أهل الإسلام، فيُبعث كل عبدٍ على ما مات عليه لا على حسب دفنه ومقبرته.

عَنْ جَابِر بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ). رواه مسلم ( 2878 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقد يكون بعض من مات وظاهره الكفر قد آمن بالله قبل أن يغرغر، ولم يكن عنده مؤمن، وكتم عن أهله ذلك؛ إما لأجل ميراث أو لغير ذلك: فيكون مع المؤمنين، وإن كان مقبورًا مع الكفار . ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 305 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ.

رواه أبو داود ( 3201 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

( اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ) الحياة ذكر معها الإسلام، وهو الاستسلام الظاهر، ومع الموت ذكر الإيمان؛ لأن الإيمان أفضل، ومحله القلب، والمدار على ما في القلب عند الموت وفي يوم القيامة.

” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 1200 ).

 

 

 

ثانيًا:

يجب على من علم بدفن أحدٍ من المسلمين في مقابر الكفار أن يعجِّل في إخراجهم ليدفنهم في مقابر المسلمين؛ لأن مقابر المسلمين مظنة الدعاء والرحمة، ومقابر الكفار مظنة العذاب والسخط.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحيا، بلبس الغيار ونحوه؛ فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب . ” الاختيارات ” ( ص 94 ).

وقد زعم بعض الناس أن لله ملائكة تنقل أجساد من ختم له في الظاهر بكونه مسلمًا وهو كافر في الباطن إلى مقابر الكفار، وتنقل أجساد الكفار في الظاهر، والمسلمين في الباطن إلى مقابر المسلمين، وقد سئل عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فأجاب بما نقلناه عنه في ” أولًا ” وقال في آخر جوابه:

وأما الأثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك أثرًا. انتهى.

 

والله أعلم.

هل سوء أخلاق أخيها يمنع من التزوج بها؟

السؤال:

أنا شابة مسلمة، ومن أسرة مسلمة والحمد لله، ولكن لي أخ منحرف للأسف، ترك دراسته واتبع رفاق سوء، حتى صلاته تركها، وبسبب أعماله حتى الخطَّاب أصبحوا يفرُّون عند السماع به، فماذا يكون موقفنا من هذا الأخ – علما بأننا ننصحه دائما ولكن لا يأتينا منه إلا المشاكل -؟ .

حالي صعب يا شيخ، بالله عليك ادع لأخينا هذا بالهداية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فيما يتعلق بأخيك فإنه يجب عليه أن يتقي الله تعالى، وأن يرجع إلى دينه، ويجب أن يعلم أنه بتركه للصلاة قد خرج من الإسلام، وأنه لو مات لا يُغسَّل ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وأنه لا يرث أحدًا من المسلمين، وأنه لا يحل تزويجه بمسلمة، وأنه لو ذبح فلا تؤكل ذبيحته، هذه بعض أحكام أخيك التي ترتبت عليه بعد تركه للصلاة، وينبغي له أن يخاف على نفسه من أن يموت على هذه الحال، فلعله إن علَم حكمه في الدنيا والآخرة أن يتوب ويرجع إلى دينه.

 

ثانيًا:

وفيما يتعلق بأهلك فإنه يجب عليهم مداومة النصح لأخيك، وحثه على الخير، وقد يكون ما حدث له نتيجة تقصير منهم، فعليهم أن يتداركوا هذا التقصير بمداومة أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

 

ثالثًا:

وفيما يتعلق بكِ فإنه يجب عليك ما يجب على أهلك من نصح أخيك وتحذيره من عاقبة مخالفته للشرع، ولا بأس أن تذكري له أن من شؤم معاصيه تعطيل زواجك، فلعل ذلك أن يكون له من الروادع عن أفعاله.

 

رابعًا:

وفيما يتعلق بالخطَّاب فإننا لا نرى لتركهم خطبتكِ وجهًا، وذلك من جوانب متعددة:

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تزوجوا من نساء مؤمنات صالحات، وقد كان كثير من أهاليهن لا على المعاصي فحسب بل كانوا على الشرك ومحاربة المسلمين، ولم يكن ذلك مانعاً لهم من التزوج بهن.
  2. أنه ينبغي للخطَّاب من أهل الخير والصلاح أن يقدموا على خطبة الأخوات الصالحات اللاتي يعشن في ظروف أسرية صعبة من انحراف الأب أو الأم أو الإخوة والأخوات؛ لِما فيه من إنقاذ هذه الأخت الصالحة من تلك البيئة؛ ولما قد يؤدي ترك خطبتهن من احتمال تأثرهن ببيئتهن، وأنتِ ليس عندك في البيت أحدٌ على المعصية إلا أخ واحد، وهذا ليس بعذرٍ لأحدٍ أن يترك خطبتك لهذا السبب.
  3. أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بنكاح ذات الدين، ولم يأتِ في الشرع التحذير من التزوج من المرأة الصالحة في البيئة الفاسدة إلا في أحاديث ضعيفة جدًّا كمثل الحديث المشهور ” إياكم وخضراءُ الدِّمن فقيل: ما خضراء الدِّمن؟ قال: المرأةُ الحسناء في المنبت السوء “.

قال الحافظ العراقي في ” تخريج إحياء علوم الدَّين ” ( 2 / 42 ): ضعيف، وقال الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 14 ): ضعيف جدًّا.

  1. ونحن نسأل هؤلاء الممتنعين: ماذا لو كان حالكم أنتم مثل حال هذه الأخت؟ فقد يكون لكم إخوة أو أخوات ليسوا على خلق حسن، فلماذا تتقدمون لخطبة أخوات صالحات؟ وهل يجوز للمخطوبات عدم الموافقة عليكم بسبب حال بعض أهلكم؟!.
  2. ونقول لهؤلاء الإخوة: إنه قد يكون زواجكم بهذه الأخت سببًا لهداية أخيها، وقد يكون هذا الخاطب هو مفتاح هدايته.

ونسأل الله تعالى أن يهدي أخاك، وأن يصلح حاله ، وأن ييسر لك زوجًا صالحًا، وأن يرزقك ذرية طيبة.

والله أعلم.

 

إذا صلَّت أمام الرجال فهل تصلي جالسة؟ وهل تجمع؟

السؤال:

إذا كنت خارج المنزل وجاء وقت صلاة ولم أجد مكانًا مناسبًا للصلاة هل أصلي واقفة أمام الرجال أم وأنا جالسة؟ وهل يجوز جمع الصلوات في هذه الحالة جمع تقديم؟.

الجواب:

الحمد لله

لأصل في المرأة أن تحافظ على عدم خروجها من البيت إلا لضرورة أو حاجة ملِّحة، ولتعلم أن صلاتها في مخدعها خير لها من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد الحرام، لذا فإنه إن اضطرت للخروج من المنزل ولم يضق عليها وقت الصلاة فعليها أن تحرص على الصلاة في بيتها عندما ترجع له، وإن ضاق عليها الوقت فلتصل في مكانٍ طاهر، ولتحرص أن يكون بمأمنٍ عن نظر الرجال الأجانب.

ويجب على المرأة أن تستر جميع بدنها إن كانت خارج الصلاة، وإن صلَّت وكانت في مأمنٍ عن نظر الرجال لها فلتستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، فإن كانت في غير مأمن فلتستر جميع بدنها.

ولا يجوز لكِ أن تجمعي بين الصلاتين بعذر رؤية الرجال لكِ وأنتِ تصلين، كما لا يجوز لكِ الصلاة وأنتِ جالسة؛ لأن القيام ركن من أركان الصلاة لا يجوز التهاون به وتركه بعذر رؤية الرجال لكِ في الصلاة، فإن صلت المرأة جالسة لهذا العذر فصلاتها باطلة.

وما يعتقده بعض الناس من بطلان صلاة المرأة في الطريق إذا رآها الأجنبي: لا أصل له في الشرع.

والله أعلم.

كتاب ( بيان خطأ التأريخ الميلادي )

0

كتاب بيان خطأ التأريخ الميلادي، تأليف: عادل بن عبدالعزيز الجليفي 

حكم تهنئة النصارى بالكريسماس.

0

حكم تهنئة النصارى بالكريسماس.

كلام الشيخ عبدالعزيز الطريفي -حفظه الله- حول التهنئة والاحتفال بالكريسماس:

1- لا يجوز تهنئة النصراني بفرية ميلاد ابن الله، وإن هنأك بعيد اﻹسلام؛ ﻷن أحكام الله ليست مبادلة، فليس لك أن تعظم الصنم ﻷن الوثني دخل معك المسجد!
2- يوم ميلاد المسيح لا يثبت تحديده، والخلاف قائم لدى اﻷرثوذكس والكاثوليك إلى اليوم، فهم لم يحفظوا كتابهم، فكيف بحفظ ميلاد صاحب الكتاب !

3- يكاد يتفق آباء الكنيسة ومؤرخوها أن ميلاد المسيح حدد رسميا متأخرا بعد القرن الثالث للميلاد، وأن تحديده كان رمزيا لا توثيقا ليوم ثابت بيقين .

4- في ميلاد المسيح يتذاكر النصارى بنوّته لله:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا، لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}.
5- يُنزه النصارى رهبانهم عن الزوجة واﻷولاد، ويجعلون ذلك لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

6- الزواج من الكتابية لا يلزم منه التهنئة بعيدها، فيجوز الزواج من ابنة قاتل أبيك، ولا تقبل فرحها بمناسبة القتل، وكذلك فرحها بولادة ابن لله تعالى !

7- تهنئة النصارى (بالكريسماس) لا تجوز باتفاق المذاهب اﻷربعة، ولا أعلم قولا مخالفا في هذه المسألة إلا في الزمن المتأخر، وهي أقوال لا يُعتد بها.

8- تحريم تهنئة النصارى بعيدهم كعيد الميلاد لا يعني مقابلتهم بالتعنيف، بل يُتألف قلب العامي بدعوة لينة للتأمل بحقيقة هذا الرب المولود! تعالى الله .

9- لا يجوز للمسلم حضور أعياد المشركين الدينية بالاتفاق،
{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، الزور هنا عيدهم، قاله من السلف أبو العالية وطاووس وابن سيرين .

10- تحريم حضور أعياد المشركين الدينية أجمع عليه العلماء كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، نص على اﻹجماع ابن القيم وغيره في كتابه أحكام أهل الذمة .

11- لا يُجيز الصحابة حضور عيد المشركين وتهنئتهم بأعيادهم الدينية، قال عمر بن الخطاب:
(اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)، رواه البيهقي بسند صحيح .

💎 دُرَر الطَّريفِي 💎

 

مقاطع متنوعة

IMG_0846

 

IMG_0847

 

IMG_0848

تعليق الشيخ إحسان العتيبي حول التهنئة.

 

 

هل التزام صدقة في يوم معين وبقدر معين بدعة؟.

السؤال:

هل التصدق بقدر معين – قد يكون ثابتا – في يوم معين من كل أسبوع، ولكن بدون اعتقاد سنيتها، أو على سبيل الإلزام، ولكن فقط لإتاحة الظروف لمثل هذا – يعتبر بدعة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

تخصيص عبادة بزمان أو مكان معين، لِظَرفٍ يعرض للمتعبد، يحتاج معه إلى هذا التخصيص، ليس من البدعة في شيء، ولا بأس به، فالإحداث في الدين هو الذي قصد فيه المتعبد الإحداث والاختراع بإضافة ذلك إلى الشريعة والدين، أو هو الذي يكون ذريعة مفضية إفضاء غالبًا إلى ذلك، فحينئذ يقع العامل في البدعة.

يقول الدكتور محمد حسين الجيزاني – حفظه الله -:

” للبدعة الشرعية قيودًا ثلاثة تختص بها، والشيء لا يكون بدعة في الشرع إلا بتوفرها فيه، وهي: 1- الإحداث. 2- أن يضاف هذا الإحداث إلى الدين. 3- ألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي؛ بطريق خاص أو عام …. وهذا المعنى يحصل بواحد من أصول ثلاثة: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. والثاني: الخروج على نظام الدين. ويلحق بهما أصل ثالث: وهو الذرائع المفضية إلى البدعة ” انتهى باختصار. ” قواعد معرفة البدع ” (ص/18 – 23).

أما اعتياد عبادة معينة في زمان أو مكان معينين لتيسر ظروف العبادة فيهما، من غير اعتقاد إلزام ولا مزيد فضل، فلا حرج فيه، كمن يعتاد صيام يوم الثلاثاء مثلًا لأنه يوم إجازة عن العمل، وكذلك من يعتاد قيام ليلة السبت لأنه متفرغ من عمله نهار السبت، ومثله من يعتاد قراءة القرآن بين المغرب والعشاء لتفرغه ذلك الوقت، وهكذا أمثلة كثيرة كلها جائزة، لأن شبهة الحدث في الدين منتفية، وكذلك ليس فيها ذريعة قريبة للإحداث والابتداع.

سئل الشيخ ابن باز – رحمه الله – السؤال الآتي:

” ما رأيكم حفظكم الله ونفع بعلومكم فيما يفعله بعض الأئمة من تخصيص قدر معين من القرآن لكل ركعة ولكل ليلة؟.

فأجاب:

لا أعلم في هذا شيئًا؛ لأن الأمر يرجع إلى اجتهاد الإمام، فإذا رأى أنَّ مِن المصلحة أن يزيد في بعض الليالي أو بعض الركعات لأنه أنشط، ورأى من نفسه قوة في ذلك، ورأى من نقسه تلذذا بالقراءة فزاد بعض الآيات لينتفع وينتفع من خلفه، فإنه إذا حسن صوته وطابت نفسه بالقراءة وخشع فيها ينتفع هو ومَن وراءه، فإذا زاد بعض الآيات في بعض الركعات.

أو في بعض الليالي فلا نعلم فيه بأسًا، والأمر واسع بحمد الله تعالى ” انتهى.

” مجموع الفتاوى ” (11/335).

وعليه فلا نرى عليك حرجًا في اعتياد الصدقة في يوم معين لتيسر الظروف فيه دون باقي الأيام.

والله أعلم.

 

فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى/26 م مع الحواشي – (ج 4 / ص 32)

السؤال السابع من الفتوى رقم: ( 5519 ):

س7: عندما يعتاد المسلم قراءة القرآن في أوقات معينة مثل بعد صلاة الفجر يوميًّا أو في يوم الجمعة فهل يجب عليه قراءة حزب أو ربع حزب أو عدد آيات محددة مثل ( 30 آية ) ، ( 50 آية ) ، أو أن ذلك يعود إلى ما تيسر من آيات الذكر الحكيم؟.

ج7: يقرأ ما تيسر له، بدون التزام لعدد معين من السور أو الآيات، ويحاول المحافظة على القراءة يوميًّا إذا تيسر له ذلك؛ لما في ذلك من الخير العظيم والأجر الكبير، وليحرص على التدبر.

فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى/26 م مع الحواشي – (ج 4 / ص 33)

والتعقل لما يقرأ، حتى يستفيد من كلام ربه سبحانه.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس

عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز

 

 

والله أعلم.

يجادل في حرمة الغناء، ويزعم أن الأغاني ليس لها أضرار!.

السؤال:

لي أخ في الإسلام متبع لما قاله البعض من جواز الموسيقى، وعندما طرحت عليه الدليل من القرآن والسنَّة قال: ” فأما الآية فهي لم تأتِ بتحريم الموسيقى حرفيًّا بل هو تفسير المفسرين، وأما الحديث: فلا أدري عن صحته، وسأبحث في ذلك “، وقد أتى لي بشبهة غريبة قال فيها: ” ما أعرفه أن الإسلام دين العقل، والمنطق، وهو لم يحرم شيئًا إلا وله أضرار على الشخص، فما ضرر الموسيقى؟ ولماذا تريد مني تجميد دماغي، والتسليم بالنصوص؟ “, علمًا أنني قدمت له محاضرة ” فتنة تقديم العقل على النقل ” – لفضيلتكم -، ولم ينتفع بها حتى بعد سماعها كاملة، فما الرد على مثل أخي هذا بارك الله فيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يحل للمسلم الذي رضي بالله ربًّا، بالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، أن يمتنع من الاستجابة للحكم الشرعي الذي فيه الأمر بفعل طاعة، أو فيه النهي عن فعل معصية، كما ليس له أن يختار يفعل أو لا يفعل، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) [ الأحزاب / الآية 36 ] ، وقال عز وجل: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ النساء / الآية 65 ].

وما يريده بعض من يزعم الإسلام من أن يقتنع عقله بحكمة الأمر حتى يفعل، أو حكمة النهي حتى يكف: إنما هو دليل على نقص الإيمان أحياناً، أو زواله بالكلية في أحيان كثيرة، وليس للذي رضي بالإسلام ديناً إلا الاستجابة لما يريده منه ربه تعالى، ولا ينبغي له أن يشك في أن لأوامر الله تعالى ونواهيه حكماً جليلة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، لكن الاستجابة لها ليست منوطة بمعرفته لها، بل بمعرفة الحكم الشرعي ذاته.

وتحريم المعازف ليس فيه خلاف بين أئمة الإسلام، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على التحريم، وما يُنقل فيه من خلاف فهو من الخلاف الشاذ، الذي لا يلتفت له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مذهب الأئمة الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام …، ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 576 ، 577 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا ينبغي لمن شمَّ رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك – أي: الغناء، والمعازف – فأقل ما يقال: إنَّها شعار الفساق، وشاربي الخمور.

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 228 ).

وقال الألباني – رحمه الله -:

ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها.

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 145 ).

فليس للمسلم بعد أن يعلم هذا الحكم الشرعي إلا أن يقول: ” سمعنا وأطعنا “، وليس له أن يجادل بالباطل، ولا يتردد في الاستجابة حتى يعرض الأمر على عقله القاصر، فيرى إن كان يقبله أم لا.

ثانيا:

ونعجب من ذاك المجادل الذي يزعم أنه ليس في الموسيقى – المعازف – ضرر، وهو يرى أثر تلك الأغاني – التي لا تخلو من معازف – على المسلمين، والمسلمات، وما هذا الفساد الذي انتشر بين عامة المستمعين لتلك المحرمات إلا من تأثير تلك الأغاني، ومعازفها، فالأغاني تحوي كلمات الحب، والعشق، والغرام، والمعازف تهيِّج القلب، وتثيره، للوصول به إلى مراد أولئك الفسقة الفجرة، وأي ضرر أعظم مما نراه على أولئك المستمعين لتلك المحرمات، من فحش ألفاظ، وسوء فعال، وتشبه بالكفار والفساق في اللباس والهيئات والحركات، وغير ذلك مما لا يخفى على عاقل.

ومع ذلك: فإننا ذاكرون ما قاله أئمة العلم والهدى في أضرار المعازف، ومن ذلك:

  1. أنه ينبت النفاق في القلب.

وقد صحَّ هذا عن ابن مسعود – رضي الله عنه -، وغيره، وهذا أعظم ضرر يصيب من تعدَّى على شرع الله تعالى، وقد بيَّن الإمام ابن القيم – رحمه الله – وجه كونه الغناء منبتاً للنفاق في القلب، في كلام طويل نفيس.

قال – رحمه الله -:

فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟.

قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب، وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها، وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها، أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء، وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض، فاشتد البلاء، وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور، والطرقات، والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطبب الناس.

فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء، فمن خواصه:

أنه يلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن، وتدبره، والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً؛ لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء: يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعًا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان؛ فإنه صنو الخمر، ورضيعه، ونائبه، وحليفه، وخدينه، وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ، وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى، والشهوة، والسخافة، والرقاعة، والرعونة، والحماقة، فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن: فإذا استمع الغناء، ومال إليه: نقص عقله، وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانُه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب! لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام، والكذب، والزهزهة، والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الدعباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين, ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول:

أتذكر ليلة وقد اجتمعنا … على طيب السماع إلى الصباح

ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النفوس بغير راح

فلم تر فيهم إلا نشاوى … سروراً والسرور هناك صاحي

إذا نادى أخو اللذات فيه … أجاب اللهو: حي على السماح

ولم نملك سوى المهجات شيئاً … أرقناها لألحاظ الملاح

وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، وأكثر ما يورث: عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية، وإن لم يكن هذا نفاقاً: فما للنفاق حقيقة.

وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان – كما سيأتي – فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا.

وأيضا: فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين: إما أن يتهتك فيكون فاجراً، أو يُظهر النسك فيكون منافقاً؛ فإنه يظهر الرغبة في الله، والدار الآخرة، وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء، ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه: قفر، وهذا محض النفاق.

وأيضا: فإن الإيمان قول وعمل: قول بالحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينبت على الذِّكر، وتلاوة القرآن، والنفاق: قول الباطل، وعمل البغي، وهذا ينبت على الغناء.

وأيضا: فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقلَّ أن تجد مفتوناً بالغناء إلا وهذا وصفه.

وأيضا: فإن النفاق مؤسَّس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر؛ فإنه يحسِّن القبيح، ويزينه، ويأمر به، ويقبح الحسَن، ويزهد فيه، وذلك عين النفاق.

وأيضا: فإن النفاق غش، ومكر، وخداع، والغناء مؤسس على ذلك.

وأيضا: فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه، والمغنِّي يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات، قال الضحاك: “ الغناء مَفْسدة للقلب، مسخطة للرب “.

وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدِّب ولده: ليكُن أول ما يعتقدون من أدبك: بغض الملاهي، التي بِدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن؛ فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها: ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء.

فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق.

وبالجملة: فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل الذكر والقرآن: تبين له حذق الصحابة، ومعرفتهم بأدواء القلوب، وأدويتها، وبالله التوفيق.

” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ” ( 1 / 248 – 251 ).

  1. الغناء بريد الزنى، أو رقية الزنى، أو داعية الزنى.

وهذا – أيضا – من أعظم أضرار الأغاني، والمعازف، وهو قول لبعض السلف، وقد بيَّن ابن القيم – رحمه الله – أيضا – وجه كون الغناء بريدا للزنا، فقال:

وأما تسميته رقية الزنى: فهو اسم موافق لمسمَّاه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس في رقى الزنى أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض، قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: ” الغناء رقية الزنى “.

وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه يُنقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السُّكر، فإن كنتم لا بد فاعلين: فجنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنى.

قال محمد بن الفضل الأزدي: نزل ” الحطيئة ” برجل من العرب، ومعه ابنته ” مليكة “، فلما جنَّه الليل: سمع غناءً، فقال لصاحب المنزل: ” كفَّ هذا عنِّي “، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: ” إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعني: ابنته، فإن كففته: وإلا خرجت عنك “.

ثم ذكر عن خالد بن عبدالرحمن قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل فأرسل إليهم بكرة فجيء بهم فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة وإن التيس لينب فتستحرم له العنز وأن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة ثم قال: اخصوهم فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة ولا تحل فخل سبيلهم قال: فخلى سبيلهم.

وقال ” الحطيئة ” لقومٍ نزل عندهم: ” جنبوني ندي مجلسكم، ولا تسمعوني أغاني شبيبتكم؛ فإن الغناء رقية الزنى “.

فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذي هابت العرب هجاءه: خاف عاقبة الغناء، وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟!.

ولا ريب أن كل غيور يجنِّب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريَب، ومن طرَق أهلَه إلى سماع رقية الزنى: فهم أعلم بالإثم الذي يستحقه.

ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل: اجتهد أن يُسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان؛ وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدًّا، فإذا كان الصوت بالغناء: صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة حاديه: يا أنجشة! رويدك، رفقًا بالقوارير، يعني: النساء.

فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية: الدف، والشبابة، والرقص بالتخنث والتكسر: فلو حبلت المرأة من غناء: لحبلت من هذا الغناء!.

فلعمر الله كم مِن حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حرٍّ أصبح به عبداً للصبيان، أو الصبايا، وكم من غيور تبدَّل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بدًّا من قبول تلك الهدايا، وكم جَرَع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة.

فسل ذا خبرة ينبيك عنه … لتعلم كم خبايا في الزوايا

وحاذر إن شغفت به سهاما … مريشة بأهداب المنايا

إذا ما خالطت قلبا كئيبًا … تمزق بين أطباق الرزايا

ويصبح بعد أن قد كان حرًّا … عفيف الفرج: عبدًا للصبايا

ويعطي من به يغني غناء … وذلك منه من شر العطايا

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 245 – 247 ) باختصار وتصرف يسير.

وفي ظننا أن العاقل يكفيه ما ذكرنا من مفسدتين مجملتين، وفي أثناء تفصيلهما: جاء ذِكر مفاسد، وأضرار كثيرة لذلك الغناء، وآلات اللهو، هذا عدا ما يذكره بعض الأطباء في هذا الزمان من أثر الموسيقى السيء على الأعصاب، وضغط الدم.

وما ذكرناه من أضرار ليس نسجاً من الخيال، بل هو كلام أئمة هدى، والغناء الذي تكلموا عن آثاره ليس هو – قطعًا – يشبه ما في زماننا! فإن ما في زماننا قد اشتكى منه أهل الفسق والفجور! من المغنين، والملحنين، حيث قاموا بمحاربة ” أغنيات الفيديو كليب ” وهي الأغاني الرائجة في هذا الزمان، وهي التي تحتوي على الصوت، والصورة المتحركة، وفيها من الفحش، والدعارة، والقذارة، والعري، ونزع الحياء: ما جعل بعض أهل الغناء يطالب بمنع عرضها على شاشات التلفاز لما تسببه من تهييج الشهوات، ونشر الفساد في البيوتات، بين الشباب والشابات! فإذا ضجَّ من أغاني هذا الزمان تلك العصابة من الفساق: فكيف يكون حال وحكم هذه الأغاني الحديثة؟!.

لذا نحن نجزم أنه لا يجادل في ضرر الأغاني إلا مبطل، أحمق، فالأمر أوضح من الشمس في رائعة النهار، من حيث حكمها، وآثارها السيئة، وأضرارها العظيمة.

 

والله أعلم.