الرئيسية بلوق الصفحة 232

كيفية صيام داود وكيف نوفق بينه وبين النهي عن صيام الجمعة

السؤال:

أريد معرفة كيفية صيام نبينا داود عليه الصلاة والسلام، حيث إن صومه – كما هو معروف – يصوم يومًا ويفطر يوماً كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكن قد نُهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، فكيف نحقق صيام يوم وإفطار يوم؟ وهل كان يوم الجمعة في عهد داود عليه الصلاة والسلام غير منهي عنه بالإفراد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” أن أفضل الصيام صيام داود: كان يصوم يومًا, ويفطر يومًا “.

ولا تتعارض هذه الأفضلية مع النهي عن صيام الجمعة؛ لأن النهي عن صيام الجمعة إنما هو فيمن خصَّها من بين الأيام، والذي يصوم صيام داود عليه السلام قد صام معها أيامًا ولم يتقصد يوم الجمعة بصيام.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه – دليل على أن صوم يوم الجمعة أو السبت إذا صادف يومًا غير مقصود به التخصيص: فلا بأس به، لأنه إذا صام يوماً، وأفطر يومًا: فسوف يصادف الجمعة والسبت، وبذلك يتبين أن صومهما ليس بحرام، وإلا لقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: صم يومًا، وأفطر يومًا، ما لم تصادف الجمعة والسبت. ” الشرح الممتع ” ( 6 /  476 ).

ولا نعلم شيئًا عن الأحكام العملية في شريعة داود عليه السلام من حيث النهي عن صيام الجمعة أو غيره، والمعلوم أن لكل نبي شرعة ومنهاجًا، وهم – عليهم السلام – عقائدهم واحدة وشرائعهم مختلفة.

قال الله تعالى: ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ) [ المائدة / من الآية 48 ].

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” والأنبياء إخوة لعلاَّت، أمهاتهم شتَّى، ودينهم واحد “. رواه البخاري (3259 ) ومسلم ( 2365 ).

ومعنى الحديث: أن اعتقاد الأنبياء واحد وإن تفرقت شرائعهم، كمثل الإخوة الذين لهم أب واحد وأمهات شتى.

 

والله أعلم.

متى تبدأ صلاة التراويح لرمضان في الليلة الأولى أم الثانية؟

السؤال:

متى نبدأ في القيام لصلاة التراويح: ليلة أول يوم من رمضان ( ليلة الرؤية أو الإتمام ) أم بعد صلاة العشاء من أول يوم في رمضان؟

 

الجواب:

الحمد لله

يُشرع للمسلم أداء صلاة التراويح بعد صلاة العشاء من الليلة الأولى لرمضان، وهي الليلة التي يُرى فيها الهلال أو يُكمل المسلمون عدة شعبان ثلاثين يومًا.

وهكذا في نهاية الشهر فإنه لا تصلَّى التراويح في حال أن يثبت انتهاء الشهر برؤية هلال العيد, أو بإتمام عدة رمضان ثلاثين يومًا.

فيتبين أن صلاة التراويح لا تتعلق بصيام نهار رمضان، بل بدخول الشهر من الليل ابتداءً، وبآخر يوم من رمضان انتهاءً.

ولا ينبغي القول إن صلاة الترويح نافلة مطلقة فيجوز أن تؤدى في أي ليلة وجماعة؛ لأن صلاة التروايح مقصودة لشهر رمضان، ومصليها يقصد الأجر المترتب على قيامه، والجماعة فيها ليست كحكم الجماعة في غيرها، فيجوز في رمضان أن يصلى قيامه جماعة في كل ليلة مع الإعلان والتشجيع عليه، بخلاف القيام في غيره فإنه لا يسن إلا ما جاء من غير قصد أو بقصد التشجيع والتعليم، فيسن أحيانًا دون الالتزام بفعله دائمًا.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

التَّراويحَ في غير رمضان بِدْعةٌ، فلو أراد النَّاس أنْ يجتمعوا على قيام الليل في المساجد جماعة في غير رمضان لكان هذا من البِدع.

ولا بأس أن يُصلِّي الإنسانُ جماعة في غير رمضان في بيته أحيانًا؛ لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم: ” فقد صَلَّى مرَّةً بابن عبَّاس، ومرَّةً بابن مسعود ومرَّةً بحذيفة بن اليمان، جماعة في بيته ” , لكن لم يتَّخذْ ذلك سُنَّة راتبةً، ولم يكن أيضًا يفعله في المسجد. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 60 ، 61 ).

وعليه:

فمن صلاة التراويح قبل ثبوت دخول رمضان فهو كمن صلى الصلاة في غير وقتها، فلا يكتب له أجرها، هذا إن سلِم من الإثم إن تعمد ذلك.

 

والله أعلم.

نسي السجدة الثانية وخرج من الصلاة فماذا يفعل؟

السؤال:

فاتت عليه السجدة الثانية من الركعة الرابعة لسهوه في الصلاة, فما حكم ذلك؟ وكيف يكون القضاء؟

 

الجواب:

الحمد لله

السجود الأول والثاني من الأركان، وترك الأركان لا يجبره سجود السهو، لذا فالواجب على من ترك ركناً أن يأتي به.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأركان واجبة وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها في أن الأركان لا تسقط بالسَّهْوِ، والواجبات تسقط بالسَّهْوِ، ويجبرها سُجودُ السَّهْوِ، بخلاف الأركان؛ ولهذا من نسيَ رُكنًا لم تصحَّ صلاته إلا به، ومن نسيَ واجبًا أجزأَ عنه سُجودُ السَّهْوِ، فإنْ تَرَكَه جهلًا فلا شيء عليه، فلو قام عن التشهُّدِ الأول لا يدري أنه واجب فصلاتُه صحيحة، وليس عليه سُجود السَّهْوِ؛ وذلك لأنه لم يكن تَرْكه إيَّاه عن نسيان.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 315 ، 316 ) .

وقال:

والدليل على أن الأركان لا تنجبر بسجود السَّهو: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما سَلَّم مِن ركعتين مِن صلاة الظُّهر أو العصر أتمَّها وأتى بما تَرَكَ وسَجَدَ للسَّهو، فدلَّ هذا على أنَّ الأركان لا تسقط بالسَّهو، ولا بُدَّ مِن الإِتيان بها.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 323 ).

وقد اختلف أهل العلم في كيفية الإتيان بالركن، فقال بعضهم: إنه إن انتقل إلى ركن آخر بعده فإن الركعة التي ترك فيه الركن تبطل وتُلغى، وقال بعضهم: إنه إن تذكر الركن وجب عليه أن يرجع إليه حتى لو جاء بعده بعدة أركان ما لم يصل إلى الركن نفسه من الركعة التي تليها، وهذا القول أصح من الأول وأرجح.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها ” بطلت: يعني صارت لغوًا، وليس البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لأنّه لو كان البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة: لوجب أن يخرج من الصَّلاة، ولكن المراد بالبطلان هنا: اللغو، فمعنى ” بطلت ” أي: صارت لغوًا، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى.

مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي فلما سَجَدَ السُّجود الأول في الرَّكعة الأُولى، قام إلى الرَّكعة الثانية، وشرع في قراءة الفاتحة، ثم ذَكَرَ أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة؛ فَتَرَكَ جلوساً وسجدة، أي: ترك رُكنين، فنقول له: يحرم عليك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن مقصود من الرَّكعة التي تليها، فلا يمكن أن تتراجع عنها، لكن تلغي الرَّكعة السَّابقة، وتكون الرَّكعة التي بعدها بدلًا عنها.

مثال آخر: قام إلى الرَّابعة في الظُّهر، ثم ذَكَرَ أنه نسيَ السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة، بعد أن شَرَعَ في القراءة فتُلغَى الثالثة، وتكون الرابعة هي الثالثة، لأنه شَرَعَ في قراءتها. وهذا ما قرَّره المؤلِّف.

والقول الثاني: أنها لا تبطل الركعة التي تركه منها إلا إذا وَصَلَ إلى محلِّه في الرَّكعة الثانية، وبناء على ذلك: يجب عليه الرُّجوعُ ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية.

ففي المثال الذي ذكرنا: لمَّا قام إلى الثانية وشَرَعَ في قراءة الفاتحة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الركعة الأُولى: فنقول له: اُرجعْ واُجلسْ بين السَّجدتين، واُسجدْ، ثم أكمل.

وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن المتروك فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه: فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه, كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه: فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده، فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية: فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائــدة، لأنـــه إذا رَجَـــعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى، ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية.

مثاله: لما قام من السَّجدة الأولى في الرَّكعة الثانية وجَلَسَ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سجدة واحدة، فلا يرجع إلى الرَّكعة الأولى، ولو رَجَعَ فسيرجع إلى المكان نفسه الذي هو فيه، وهذا القول هو القول الرَّاجح: أنه يجب الرُّجوع إلى الرُّكن المتروك ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية، فإنْ وَصَلَ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية صارت الثانية هي الأولى. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 371 – 373 ).

وهذا الذي ذكرناه فيما لو ترك ركنًا وتذكره داخل الصلاة، أما لو ترك ركنًا – كسجدة ثانية مثلًا – ثم سلَّم وتذكر بعدها أنه نسيها: فقد اختلف أهل العلم فيما يجب على المصلي، فقال بعضهم: يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، والقول الثاني: أنه يأتي بما تركه وما بعده؛ لأن ما فعله بعد الركن المنسي وقع في غير محله وهو باطل، وهذا القول أرجح من الأول، وعليه أن يسجد للسهو بعد السلام؛ لأنه زاد في صلاته.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” وإن علم بعد السَّلام: فكترك ركعة كاملة ” أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ: فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا: فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ، إما بعده أو قبله، حسب ما سنذكره، إن شاء الله.

مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولما فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة: فيأتي بركعةٍ كاملةٍ، هذا ما قرّره المؤلِّف.

ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ اُمتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة؛ ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة.

والقول الثاني: أنه لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده؛ لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحاً، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك: فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا نقول لهذا الرَّجُل: ارجعْ واجلسْ بين السجدتين، واسجدْ السَّجدة الثانية، ثم اقرأ التشهُّدَ، ثم سَلِّمْ، ثم اُسجدْ للسَّهو وسلِّمْ، وهذا القول هو الصَّحيح.

ووجه صِحَّته: أن ما قبل المتروك وقع مُجَزّأً في محلِّه فلا وَجْهَ لبطلانه، وأما ما بعد المتروك: فإنما قلنا بوجوب إعادته مِن أجل مراعاة الترتيب.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 374 ، 375 ).

ولخَّص الشيخ – رحمه الله – ما سبق في قوله:

– أما على القول الرَّاجح: فإنه إذا تَرَكَ رُكناً فلا يخلو مِن ثلاث حالات:

الحال الأُولى: إنْ ذَكَرَه قبل أن يصل إلى محلِّه: وجب عليه الرُّجوع.

الحال الثانية: إنْ ذَكَرَه بعد أن وَصَلَ إلى محلِّه: فإنه لا يرجع؛ لأنه لو رَجَعَ لم يستفد شيئاً، وتقوم الثَّانية مقام التي قبلها.

الحال الثالثة: إنْ ذَكَرَه بعد السَّلام: فإن كان من رَكعة قبل الأخيرة: أتى بركعة كاملة، وإنْ كان من الأخيرة: أتى به وبما بعده فقط، ولا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة.

هذه أحوال نقص الأركان. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 375 ).

 

والله أعلم.

حدود الاستمتاع بين الزوجين وحكم رضاع الرجل من زوجته

السؤال:

هل يجوز مص صدر المرأة عند الجماع؟

 

الجواب:

الحمد لله

للزوج أن يستمتع بزوجته بما يشاء، ولم يحرم عليه إلا الإيلاج في الدبر، والجماع في الحيض، وما عداهما فله أن يستمتع بزوجته بالتقبيل والمس للبطن والصدر والأليتين – بل يجوز تقبيل فرج كل من الزوجين للآخر -، وحتى لو رضع من ثديها، فهو داخل في الاستمتاع المباح، ولا يقال بتأثير اللبن عليه؛ لأن اللبن لبنه فهو غير مؤثر في التحريم، هذا فضلًا عن أنه رضاع كبير، والرضاع المؤثر هو ما كان في الحولين.

قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للزوج أن يستمتع من زوجته بجميع جسدها، ما عدا الدبر والجماع في الحيض والنفاس والإحرام للحج والعمرة حتى يتحلل التحلل الكامل. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 19 / 351 ، 352 ).

وقال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للزوج أن يمص ثدي زوجته، ولا يقع تحريم بوصول اللبن إلى المعدة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله الغديان، الشيخ عبد الله بن قعود.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

رضاع الكبير لا يؤثر؛ لأن الرضاع المؤثر ما كان خمس رضعات فأكثر في الحولين قبل الفطام، وأما رضاع الكبير فلا يؤثر، وعلى هذا فلو قدِّر أن أحداً رضع من زوجته أو شرب من لبنها: فإنه لا يكون ابناً لها. ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 338 ).

– وأما من جهة حل الاستمتاع في غير ما جاء النهي عنه: فإليك أقوال أهل العلم فيه:

قال الشافعي:

فأما التلذذ بغير إبلاغ الفرج بين الأليتين وجميع الجسد: فلا بأس به إن شاء الله تعالى، وسواء هو من الأمة أو الحرة. ” الأم ” ( 5 / 101 ).

وقال ابن قدامة:

لا بأس بالتلذذ بها بين الأليتين من غير إيلاج; لأن السنة إنما وردت بتحريم الدبر, فهو مخصوص بذلك, ولأنه حرم لأجل الأذى, وذلك مخصوص بالدبر, فاختص التحريم به. ” المغني ” ( 7 / 226 ).

وقال الكاساني:

من أحكام النكاح الصحيح حل النظر والمس من رأسها إلى قدميها حالة الحياة; لأن الوطء فوق النظر والمس, فكان إحلاله إحلالًا للمس والنظر من طريق الأولى. ” بدائع الصنائع ” ( 2 / 231 ).

وقال ابن عابدين:

سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه ليتحرك عليها هل ترى بذلك بأسًا؟. قال: لا, وأرجو أن يعظم الأجر. ” رد المحتار ” ( 6 / 367 ).

وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المباح بمنع الجماع للحائض في الفرج وإباحة ما عداه من جسدها، وهو في غير الحائض أوضح في الإباحة.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” ويستمتعُ منها بما دُونه ” أي: يستمتعُ الرَّجل من الحائض بما دون الفَرْج.

فيجوز أن يستمتعَ بما فوق الإزار وبما دون الإزار، إلا أنَّه ينبغي أن تكون متَّزرة؛ لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كان يأمر عائشة – رضي الله عنها – أن تَتَّزِرَ فيباشرها وهي حائض، وأَمْرُه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لها بأن تتَّزِرَ لئلَّا يَرى منها ما يكره من أثر الدَّم، وإذا شاء أن يستمتع بها بين الفخذين مثلاً: فلا بأس.

فإن قيل: كيف تجيب عن قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لما سُئِلَ ماذا يَحِلُّ للرَّجُل من امرأته وهي حائض قال: ” لك ما فوق الإزار “، وهذا يدلُّ على أن الاستمتاع يكون بما فوق الإزار؟.

فالجواب عن هذا بما يلي:

  1. 1. أنَّه على سبيل التنزُّه، والبعد عن المحذور.
  2. أنه يُحمَلُ على اختلاف الحال، فقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ” اصنـــعوا كــلَّ شيء إلا النـــكاح “: هذا فيمن يملك نفـسه، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ” لك ما فوق الإزار “: هذا فيمن لا يملك نفسه إما لقلِّة دينه أو قوَّة شهوته. ” الشرح الممتع ” ( 1 / 417 ).

 

والله أعلم.

هل في إعطاء أم العريس للعروس ذهبًا تشبه بالنصارى؟ ( الشبكة )

السؤال:

صار عندنا في السنوات الأخيرة شيء يقال له ” الشبكة “, وهي ليست كالشبكة التي عند النصارى؛ بل هي أن تقوم أم العريس بإعطاء العروس بعضا من الذهب من دون أن يقوم الشاب بذلك، فهل هذا من أفعال التشبه بالنصارى؟ وهل هي محرمة؟ وجزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يظهر لنا أي حرج من إعطاء أم العريس زوجة ابنها شيئًا من المال أو الذهب، ولا علاقة لهذا بالتشبه بالنصارى أو غيرهم، ويدخل هذا الإعطاء في باب الهدية، وهو أمر مندوب وخاصة في مثل هذه العلاقات التي يراد منها أن تكو قوية مبنية على المحبة.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تهادوا تحابوا “. رواه البخاري في ” أدب المفرد ” ( 594 )، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في “التلخيص الحبير ” ( 3 / 70 ) والشيخ الألباني في ” الإرواء ” ( 1601 ).

والتشبه المنهي عنه إنما هو فيما يختص بالكفار من عادات، وما ابتدعوه من عقائد وعبادات.

 

والله أعلم.

لا يمانع من صيامها ويرغب أن تأكل معه فتوهمه أنها مفطرة

السؤال:

أريد أن أصوم يوم الاثنين وزوجي يوافق، ولكن أعرف أنه لا يريد ذلك؛ لأنه يريد أن آكل وأشرب معه, لذلك أنا أصوم ولكن أخفي عليه فأعمل كأني آكل وأشرب معه وأنا صائمة دون أن يعلم, فما حكم هذا العمل؟

 

الجواب:

الحمد لله

تُشكر الأخت الفاضلة على حرصها على عبادة ربها تعالى، وتُشكر على حسن تبعلها ومحاولتها التوفيق بين صيامها وإرضاء زوجها بإظهار أكلها معه، وكم تفتقد بيوت المسلمين هذه الأخلاق العالية، وهذا الحرص على الطاعة، وبخاصة الصيام والذي يترك فيه الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه تعالى.

ومع هذا فإننا نرغب من الأخت الفاضلة أن تستأذن زوجها إذنًا صريحًا في الصيام لتأخذ موافقة صريحة، ولا تعرِّض نفسها للإحراج معه فتوهمه أنها ليست صائمة وأنها تأكل معه وتشرب؛ لأنّ الأمر إن كان على هذه الصورة فلن يضطر هو لإحراجها بالأكل معه، ولن تحرج هي بإيهامه ذلك، وقد يكون من فوائد هذه المصارحة أن يأكل مع أمه أو إخوته أو إخوانه، وقد يلبي دعوة يُدعى إليها، ثم إن الأكمل لكليهما أن يجتمعا على طعام الإفطار سويًّا بدل أن تكون وحدها، ولا تظهر ذلك له، وفي تصرفها هذا ما فيه من النقص عن الأكمل والأفضل.

ولعلَّ في استئذانها الصريح منه ما يشجعه على الصيام، فتكسب أجره وتعينه على طاعة ربه، ويلتقيان على طعام الإفطار، فتحصل الأجر والفرح، وتتخلص من الإحراج.

هذا ما ننصح به، ونسأل الله أن تلقى نصيحتنا هذه أذنًا صاغية، وأن تساهم في إضفاء جو من السعادة الزوجية، والاشتراك في الأجر.

 

والله أعلم.

وقعت في الزنا وترغب بالزواج منه

وقعت في الزنا وترغب بالزواج منه

السؤال:

أنا مطلقة ولدي ولد, وأعمل كطبيبة في بلد عربي، وتعرفت على طبيب كان على وشك الانفصال من زوجته؛ لأنها لا تحب من يعترض على ما تريد عمله، فهي تكرس كل حياتها لعملها فقط وتطيح به وباهتمامات أولادها عرض الحائط، حتى قررت الذهاب للدراسة في بلد أجنبي وتركت أولادها في وقت الامتحانات على أنها سوف تعود بعد ثلاثة أشهر، ولكنها لم تفِ بوعدها وأرادت العمل هناك، وحينها خيَّرها زوجها بين الطلاق وبين الرجوع لتربية الأولاد تربية صحيحة فاختارت الطلاق.

لم يستعجل الإجراءات الرسمية بالرغم من تهديده لها أنها إذا لم ترجع فهي طالق، طلقها رسميًّا بعد عدة أشهر، وبعدها تقدم لخطبتي من أبواي، وكنا نرعى الأولاد سويًّا، وقد أحببتهم واهتممت بهم على قدر استطاعتي، وعلى حسب كلام الناس كنت أشدّ اهتمامًا من أمهم بهم، للأسف – ومما أشعر بالحرج لقولها – إننّا أخطأنا خطأ فاحشًا، ولكننا كنا ننوي الزواج، وعندما علمت زوجته السابقة بأنه سيتزوج كرست كل جهودها هي ووالدتها لإعادته، وبعد موافقة ابنته الكبيرة على زواجنا – وكانت تظهر لي ذلك قولًا وفعلًا – جعلوها تغير رأيها وتهدده أنه لن يراها إذا تزوج، وبعد إلحاح, وبالرغم من عدم موافقة أهله على الرجوع لها إلا أنه عاد بسبب الأولاد، وتراجع في كل كلامه معي بالرغم من أنني وأهلي كنا – ومازلنا – نثق به جدًّا، ومن الغريب أن زوجته لم تتغير بالرغم من الوعود السابقة وعادت للبلد الأجنبي وأنها سوف تعود لأولادها بعد فترة مع بداية الدراسة للثانوية العامة على حد قولها، وفي نفس الوقت فهي تحاول التأثير عليه بالعيش معها هناك؛ لأنها ترى أنه أفضل، وقد أقنعت ابنتها بالرجوع عن الحجاب بعد الالتزام به لمدة أسبوع فقط.

والسؤال الأول هو: ماذا يكون موقفي الآن, لأني أشعر بضيق شديد يكاد يخنقني؛ لأني أشعر بأني رخيصة بالرغم من أنه شخصية ملتزمة, وما حدث كان خارج الإرادة – أعلم بالطبع أنه فاحشة – ولكنني أشعر أنني ما زلت أرغب في الزواج منه, وأكن له شعورا جميلا, وهو أيضًا يكن لي نفس الشعور, وأشعر من أنه متضايق من زوجته، فماذا أفعل فقد اتفقنا أن لا يتكلم أحدنا مع الآخر وهذا ما حدث بالفعل؟

السؤال الثاني: إذا استمرت زوجته على عدم طاعته, وضاقت به المعيشة معها, فهل يطلقها بالرغم من أنه يرى أن ذلك ليس في مصلحة الأولاد النفسية؟ وبالرغم من أنها لا تهتم بتربيتهم التربية الصحيحة؟.

وأرجو أن يفرج الله كربة كل مؤمن، ولله الحمد فقد بدأت أحفظ القرآن كما كنت. والسلام عليكم ورحمة الله، وجزاكم الله كل خير على ما تقدمونه للمسلمين.

 

الجواب:

الحمد لله

ما وقع منكِ وممن ترغبين بالزواج منه أمرٌ عظيم وفاحشة منكرة، وبما أنكِ وإياه محصَنين فإن عقوبتكما في الشرع: الرجم حتى الموت، ونعجب من وصفكِ له بأنه ” شخصية ملتزمة ” كما ونعجب من إصراركِ على الزواج منه، ولم يظهر في السؤال أنه ندم أو تاب من فعله، وما فعلتماه داخل إرداتكما وليس خارجه كما ذكرتِ، فلم يكرهكما أحد على فعل هذه الفاحشة، وإنما أردتم إشباع رغبتكما بغير ما أحلَّ الله؛ لذا فالواجب عليكما التوبة الصادقة، والندم على فعلكما، والواجب عليكِ الابتعاد عنه، ولا يحل لكما الزواج إلا بعد صدق التوبة.

ولا علاقةَ لكِ بما يحصل بينه وبين زوجته، وإذا أهمه أمره هذا فليسأل هو، والظاهر أن شخصيته ضعيفة ومهزوزة، فبالرغم مما يراه من زوجته وما فعلته معه إلا أنه رجع إليها دون أن تتغير، ولم يستطع الزواج منكِ، وخلعت ابنته حجابها ولم يغيِّر شيئًا، ومع ذلك استطاع الوقوع في فاحشة الزنا! فصعب عليه الحلال، ولم ينفِّذ ما أوجبه الله عليه من تربية ورعاية أبنائه، وفعل ما حرَّمه الله عليه، فكيف تثقين به أنتِ وأهلكِ وتصرون عليه بعد كل هذا؟!.

فنصيحتنا لكِ – وقد ظهر لنا أنكِ تبتِ إلى الله تعالى – أن تدعي التفكير به، وأن تعتبري بما حصلَ معكِ، وأن تعيشي حياة التائبين الفرحين بتوبتهم، وأن تسألي الله تعالى زوجًا صالحًا، يعينكِ على طاعته، ويثبت الله به هدايتك.

وابحثي عن عملٍ في مكانٍ آخر شرعي، تبتعدي عنه به؛ لأنّ القرب منه قد يؤدي بكِ إلى التفكير به ثانية، وقد يسوِّل لكما الشيطان الوقوع في الفاحشة مرة أخرى.

ولا يحل لكِ العمل مع الرجال، ولا الحديث معهم، ولم تتكون العلاقة بينكِ وبينه من فراغ، بل كانت نتيجة الخلطة المحرمة، فإياكِ أن تتكرر منك مثل تلك الفعلة، لكي تكون توبتك صادقة، واحرصي على صحبة نسائية صالحة تدلك على الخير وتهديكِ لأحسن الأقوال والأخلاق والأفعال.

 

والله الموفق.

 

 

 

حساب ثلث الليل وسدسه، وقيام داود عليه السلام

#من_أجوبة_الواتس
حساب ثلث الليل وسدسه، وقيام داود عليه السلام
السؤال:
أود معرفة الثلث الأخير لليل يصادف أي ساعة؟ لم أفهم بعد المقصود تحديدا بنصفه، ثلثه، وسدسه، وكيف نجمع بين نوم داود عليه السلام في السدس الأخير وبين وقت التنزل الإلهي في الثلث الأخير؟ هل يفوت وقت التنزل بالنوم؟

الجواب:
الحمد لله
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ” متفق عليه.
ولحساب أجزاء الليل حسابا دقيقا موافقا للقواعد الشرعية؛ يجب أن نعلم أن الليل الشرعي يبدأ من غروب الشمس -أذان المغرب- وينتهي بطلوع الفجر الصادق -أذان الفجر-.
ولفهم طريقة صلاة داود عليه السلام وكيفية إدراك وقت التنزل، نقوم بتقسيم الليل كله إلى ستة أجزاء متساوية، تسمى الأسداس، ويكون الحساب كالآتي:
١. “ينام نصفه”: أي ينام النصف الأول من الليل، وهو يشمل السدس الأول، والثاني، والثالث.
والمقصود: أنه ينام هذا الوقت بعد أداء ما افترض عليه من صلاتي المغرب والعشاء، ويطلق عليه النصف تغليبا.
٢. “ويقوم ثلثه”: وهو يشمل السدس الرابع، والسدس الخامس.
٣. “وينام سدسه”: وهو السدس السادس والأخير من الليل.
كيف نجمع بين هذا وبين وقت التنزل الإلهي؟
الثلث الأخير من الليل رياضيا يشمل السدس الخامس، والسدس السادس.
وبالنظر إلى تقسيم صلاة داود عليه السلام، نجد أنه يقوم في السدس الرابع والخامس.
إذن: القائم بصلاة داود يدرك أول الثلث الأخير، وهو السدس الخامس، فيصلي في وقت التنزل الإلهي، ثم ينام في آخره -السدس السادس والأخير- ليتقوى لصلاة الفجر.
ولو كان نوم السدس الأخير مذموما أو مفوتا للخير لما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الطريقة إنها “أحب الصلاة إلى الله”.
فبهذه الطريقة يدرك المسلم خير الوقتين: وقت القيام في التنزل، ووقت التقوي ونشاط البدن لصلاة الفجر.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٦ شوال ١٤٤٧ هـ، ٢٥/ ٣/ ٢٠٢٦

(عبد الرحمن الباني) – من أصحاب العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني ، بقلم حسام الضميري

(عبد الرحمن الباني) – من أصحاب العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني ، بقلم حسام الضميري

لتحميل المقال انقر على التحميل في الأسفل:

هل يجوز تنظيف القبر وزيارته للنساء ؟

السؤال:

قيل لي أنه لا يجب أن ننظف قبور الناس الذين نحبهم ولا يجب أن نزيل النباتات والحشائش التي تنمو عليها، ومن جهة ثانية قيل لي العكس وسؤالي هو:

1 – إذا لم ننظف وننقي القبر فكيف سنتمكن من زيارة القبر؟

2 –  هل يجوز لنا كنساء مسلمات أن نزور قبور آباءنا وأجدادنا وآباء أزواجنا؟

الجواب:

الحمد لله :

1 – أما تنظيف القبر: فلا مانع منه بل هو من الإيمان، فإزالة الأذى وتنظيف الأماكن العامة من المرغبات في الشرع؛ فكيف إذا تعلق هذا ببقعة محترمة حوت أجساد المسلمين الطاهرة؟ وقد تسبب وجود بعض الأعشاب في المقابر إلى أن أصبحت مرتعاً للبهائم، لذا صار هذا الأمر من الواجبات المحتمة، لأن الشريعة دعت إلى احترام قبور المسلمين وسلامتها من الأذى، فحرمت على المسلم أن يطأها برجله أو يجلس عليها.

*عن جابر قال: نهى رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يُقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه مسلم ( 970 ).

*عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر”. رواه مسلم ( 971 ) .

*عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم:” لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها”. رواه مسلم ( 972 ) .

2 – أما زيارة القبور للنساء فقد اختلف أهل العلم فيها إلى قولين: المنع والإباحة من غير إكثار.

ونرى أن القول الصواب في هذه المسألة هو الثاني، وقد فصَّل الشيخ الألباني رحمه الله في هذه المسألة وأتى بما لا مزيد عليه، ونحن ننقل كلامه ها هنا، والله الموفق.

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور لوجوه:

الأول: عموم قوله صلى الله عليه و سلم: “فزوروا القبور” – رواه مسلم ( 1623 ) – فيدخل فيه النساء، و بيانه أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر فلا شك لأن النهي كان شاملاً للرجال و النساء معاً، فلما قال:” كنت نهيتكم عن زيارة القبور” كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة؛ لأنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث و هو قوله:” فزوروها” إنما أراد به الجنسين أيضاً.

 

الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور:” فإنها ترق القلب و تدمع العين و تذكر الآخرة” – رواه الحاكم ( 1 / 376 ) – وهو حسن -.

 

الثالث: أن النبي صلى الله عليه و سلم: قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

1 – عن عبد الله بن أبي مليكة:” أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها” و في رواية عنها:” أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رخص في زيارة القبور”. – أخرجه الحاكم ( 1 / 376 ) والبيهقي ( 4 / 78 ) – وهو صحيح -.

2 – عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما:…أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم في زيارة القبور في البقيع. قالت:” قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟” قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين و رحم الله المستقدمين منا و المستأخرين و إنا إن شاء الله بكم للاحقون”.  أخرجه مسلم (3/14) و السياق له.

والحديث استدل به الحافظ في التلخيص (5/248) على جواز الزيارة للنساء، و هو ظاهر الدلالة عليه و هو يؤيد أن الرخصة شملتهن مع الرجال؛ لأن القصة إنما كانت في المدينة لما هو معلوم أنه صلى الله عليه و سلم بنا بعائشة في المدينة، و النهي إنما كان في أول الأمر في مكة و نحن نجزم بهذا و إن كنا لا نعرف تاريخا يؤيد ذلك، لأن الاستنتاج الصحيح يشهد له، و ذلك من قوله صلى الله عليه و سلم:” كنت نهيتكم”…

 

الرابع: إقرار النبي صلى الله عليه و سلم المرأة التي رآها عند القبر في حديث أنس رضي الله عنه:” مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بامرأة عند قبر و هي تبكي، فقال لها:” اتق الله و اصبري” – رواه البخاري ( 1174 ) ومسلم ( 1535 ) – .

و موضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه و سلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر و تقريره حجة.

و قال العيني في العمدة (3/76):”و فيه جواز زيارة القبور مطلقا سواء كان الزائر رجلا أو امرأة و سواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك”.

و ذكر نحوه الحافظ أيضاً في آخر كلامه على الحديث، فقال عقب قوله:” لعدم الاستفصال في ذلك”.

قال النووي:” و بالجواز قطع الجمهور و قال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر و هو غلط انتهى”.

و ما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث و لكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي و هذا هو الظاهر.

… ثم قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور و التردد عليها؛ لأن ذلك قد يُفضي بهن إلى مخالفة الشريعة من مثل الصياح و التبرج و اتخاذ القبور مجالس للنزهة و تضييع الوقت في الكلام الفارغ كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإسلامية، و هذا هو المراد إن شاء الله بالحديث المشهور:” لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم و في لفظ: لعن الله زوّارات القبور” – رواه ابن ماجه ( 1563 ) وأحمد ( 15102 )، و قد روي عن جماعة من الصحابة: أبو هريرة و حسان بن ثابت و عبد الله بن عباس.

….ثم قال الشيخ: وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي: ” اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج، والتبرج، وما ينشأ مِن الصياح ونحو ذلك.

وقد يقال: إذا أُمِن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأنّ تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء”.

قال الشوكاني في ” نيل الأوطار ” ( 4 / 95 ):” وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر”. ” أحكام الجنائز ” ( ص 227 –  237 ) – باختصار – .

 

* وأما من منع من الزيارة فله بعض الأدلة، ولكن لا تسلم له، ومنها:

عن ابن عباس قال:” لعن رسول الله صلى اللهم عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج”. رواه الترمذي ( 294 ) والنسائي ( 2016 ) وأبو داود ( 2817 ) وفيه : أبو صالح باذام وهو ضعيف.

عن عبد الله بن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر، بحبشي قال فحمل إلى مكة فدفن فيها، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا، فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة، معا ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدتك ما زرتك. رواه الترمذي ( 975 ) . وضعفه الشيخ الألباني بـ” ابن جريج ” وهو مدلس وقد عنعنه، وفيه مخالفة لرواية الثقة عن ابن أبي مليكة أنها ذهبت تزور أخاها مستدلة بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم.

والله أعلم.