الرئيسية بلوق الصفحة 337

مناقشة علمية لقاعدة ” الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة “

مناقشة علمية لقاعدة ” الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة ”

السؤال:

أعرف أن من الأمور ما تكون حراماً ثم لظروف معينة تصير حلالاً بدافع الضرورة ، وقد وجدتُ رجلاً واسع العلم يقول لي : إن الحرام ينقلب حلالاً بدافع الحاجة أيضاً ، فهل هذا حقيقي ؟ وإلى أي مدى ؟ وما هي شروط تحقيق ذلك ؟ وأنا أسأل ذلك لما نواجهه في البلدان غير الإسلامية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

من القواعد المقررة في شريعتنا أن ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة ، من الكتاب ، والسنَّة ، ومنها : قوله تعالى : ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 173 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

( فَمَنِ اضْطُرَّ ) أي : ألجئ إلى المحرَّم ، بجوع ، وعدم ، أو إكراه .

( غَيْرَ بَاغٍ ) أي : غير طالب للمحرَّم ، مع قدرته على الحلال ، أو مع عدم جوعه .

( وَلا عَادٍ ) أي : متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطراراً ، فمَن اضطر وهو غير قادر على الحلال ، وأكل بقدر الضرورة : فلا يزيد عليها .

( فَلا إِثْمَ ) أي : جناح عليه ، وإذا ارتفع الجناح – الإثم – : رجع الأمر إلى ما كان عليه ، والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل ، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة ، وأن يقتل نفسه ، فيجب إذًا عليه الأكل ، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات ، فيكون قاتلاً لنفسه , وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده ، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال : ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

ولما كان الحِلُّ مشروطاً بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها : أخبر تعالى أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصاً وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة .

وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، فكل محظور اضطر إليه الإنسان : فقد أباحه له الملك الرحمن ، فله الحمد والشكر ، أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً . ” تفسير السعدي ” ( ص 81 ) .

ومن أدلة السنَّة :

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ قَالَ : ( إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا ) . رواه أحمد ( 36 / 227 ) ، وحسنه المحققون لطرقه وشواهده .

تصطبحوا : الاصطباح : أكل الصبُوح وهو الغداء .

تغتبقوا : تسقوا ، والغبوق : شرب آخر النهار مقابل الصبوح .

تحتفئوا : تحفوا الشَّعر .

وقد مثل العلماء على الضرورات تبيح المحظورات – غير أكل الميتة عند المخمصة – :  إساغة اللقمة بالخمر , والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه , وأخذ مال الممتنع من أداء الدَّين بغير إذنه , ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله . انظر ” الأشباه والنظائر ” ( ص 85 ) لابن نجيم .

ثانياً:

وقد اختلف العلماء في تعريف ” الضرورة ” ، وفي حدِّها ، وضوابطها ، والصحيح في تعريفها أنها ” ما يلحق العبد ضرر بتركه – وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس من الدِّين ، والنفس ، والنسل ، والعقل ، والمال – بحيث لا يقوم غيره مقامه “.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

الضرورة أن نعلم أن الإنسان إذا فعل هذا الشيء زالت ضرورته ، ونعلم كذلك : أنه لا يمكن أن تزول ضرورته إلا بهذا الشيء ، يعني : ليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين :

  1. أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا .
  2. أن نعلم أن ضرورته تزول به .

” لقاء الباب المفتوح ” ( 3 / 19 ) .

وليُعلم أنه ثمة ضوابط يجب مراعاتها حتى يكون ارتكاب الفعل المحرَّم داخلاً في باب ” الضرورات ” ، فإن اختل واحد من تلك الضوابط : كان الفاعل آثماً على ارتكابه المحرَّم .

يقول الدكتور عبد الله التهامي – وفقه الله – في بيان ضابط الضرورة – :

هناك شروط ، وقيود ، لا بد من حصولها في حالةٍ ما ؛ ليسوغ تسميتها ضرورة شرعية ، ولا يمكن أن تكون تلك الحالة ضرورة شرعية مع تخلف شيء من هذه الضوابط ، وإليك بيان هذه الضوابط ، مع الاستدلال لها :

  1. أن يترتب على الامتثال للدليل الراجح المحرّم ضرر متعلق بإحدى الكليات الخمس ، كأن تتعرض نفسه للهلاك إن لم يأكل من الميتة .
  2. أن يكون حصول الضرر أمراً قاطعاً ، أو ظنًّا غالباً ، ولا يلتفت إلى الوهم والظن البعيد ، كأن يكون المضطر في حالة تسمح له بانتظار الطعام الحلال الطيب ، فلا يقدم على تناول الميتة والحالة كذلك حتى يجزم بوقوع الضرر على نفسه ، فيجوز حينها تناول الميتة ، ودليل ذلك : ما علم في الشريعة من أن الأحكام تناط باليقين والظنون الغالبة ، وأنه لا التفات فيها إلى الأوهام ، والظنون المرجوحة البعيدة .
  3. ألاّ يُمكن دفع هذا الضرر إلا بالمخالفة ، وعدم الامتثال للدليل المحرِّم ، فإن أمكن المضطر أن يدفع هذا الضرر بأمرين أحدهما جائز والآخر ممنوع : حرُم عليه ارتكاب المخالفة للدليل المحرم ، ووجب عليه دفع الضرر بالأمر الجائز ، كأن يغص بلقمة وأمامه كأسان من الماء ، والخمر .
  4. ألا يعارِض هذه الضرورة عند ارتكابها ما هو أعظم منها ، أو مثلها ، كأن يأكل المضطر طعام مضطر آخر ، ووجه ذلك : ما ورد من قواعد مثل : ” الضرر لا يزال بمثله ” . انتهى من ” مجلة البيان ” ( عدد 120 ، ص 8 )

ولا بد أن يعلم أن المرجع في معرفة حد الضرورة ؛ وحد قدرها إلى أهل العلم ؛ لأنهم هم أعرف بضوابط الضرورة وحدها وقدرها .

ثالثاً:

وأما قاعدة ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة ” : ففيها كلام طويل من حيث الاحتجاج والعمل بها ، وقد فتح العملُ بها – عند بعضهم – البابَ لتجويز محرمات قطعية ! فصار يحتج بها لشراء مساكن للتملك عن طريق القروض الربوية ! واستدل بها على المساهمات في الشركات المحرمة ! وكل ذلك بداعي وجود ” حاجة ” .

والذي نجزم به : أن تلك القول بالقاعدة على ذلك الفهم لها : خطأ ، ولو أضيف إليها كلمة ” العامة ” بعد ” الحاجة ” ، أو ” العامة والخاصة ” ، ولو أضيف إليها ” قد ” التقليلية ، فيقول بعضهم ” قد تنزل منزلة الضرورة ” ! كما أن بعضهم فرَّق بين البلاد الإسلامية فمنع منها ، والبلاد غير الإسلامية فأجاز العمل بتلك القاعدة ، وكل هذا ترقيع لتلك القاعدة لتمريرها حتى يباح فيها ما هو محرَّم قطعيّاً .

والمتأمل في استعمال من أجاز العمل بتلك القاعدة على إطلاقها : يجد عجباً ، فإنهم يقولون بأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة ، مع كون الضرورة لا تؤدي إلى تشريع المحرَّم ليكون حلالاً دوماً ، بينما رأينا استعمال تلك القاعدة أنه كان في ” التشريع ” ! فخرجوا بها لتحليل محرمات ، ونسبتها للشرع كأحكام دائمة ! وأين هذا من ذاك؟!.

وعلى قولهم فإنه قد صارت الحاجة أقوى من الضرورة ! ؛ لأن الحاجة استدعت حكماً تشريعيّاً مستمراً بإباحة المحرَّم ، والضرورة ينتهي حكم الإباحة معها بانتهاء حاجة المضطر لفعل المحرَّم ، فكيف صار هذا ؟ وأنَّى للحاجة أن تستدعي حكماً مستمراً في ارتكاب المحرَّم ، بينما لم يُجعل هذا في الاضطرار ؟! .

والضرورة قد تتعلق بالشخص نفسه إذا كان مسافراً وانقطع الطريق به – مثلاً – واضطر لأكل الميتة ، أما الحاجة : فلا تتعلق بالشخص نفسه عند أحدٍ من العلماء – فيما نعلم – بل اشترطوا في الحاجة أن تكون عامة للناس جميعاً ، أو خاصة في طائفة معينة من الناس ، كجماعة لهم مهنة معينة .

وثمة فرق عظيم بين الضرورة ، والحاجة ، وهو أن الشرع لم يبح ارتكاب المحرَّم للمضطر إلا بعد وقوع الضرورة ، وأما الحاجة : فالناس هي التي تبحث عنها لتفعلها ، فهل يمكن المقارنة بين الضرورة والحاجة على هذا ، وجعل الحاجة بمنزلتها؟!.

فالحاجة حاجة ، والضرورة ضرورة ، وبينهما فرق عظيم في اللغة ، والاصطلاح ، والأحكام ، ولا يمكن جعل الحاجة بمنزلة الضرورة ، وليس في دين الله تعالى ” الحاجات تبيح المحظورات ” ! بل الضرورات هي التي تبيح المحظورات ، وقد سبق ذِكر ضوابط هذه القاعدة ، فهي ليست على إطلاقها .

قال الإمام الشافعي – رحمه الله – :

وليس يحل بالحاجة محرَّم إلا في الضرورات ، من خوف تلف النفس ، فأما غير ذلك : فلا أعلمه يحل لحاجة ، والحاجة فيه وغير الحاجة : سواء .

” الأم ” ( 3 / 28 ) .

* ولمعرفة خطأ ما قاله من قال بتلك القاعدة – والذي جعل الحاجة من باب الضرورة – : فإنه يجب علينا أن نفرِّق بين الحاجة والضرورة ، والتفريق بينهما من وجهين :

  1. وجود ما يزيل الضرورة .

وقد سبق بيان أن الضرورة هي ” ما يلحق العبد ضرر بتركه بحيث لا يقوم غيره مقامه ” ، فإن وُجد ما يزيل الضرورة ، ويرفعها ، غير ذلك الفعل المحرَّم : كانت تلك هي ” الحاجة ” ، وهي ما لا يجوز ارتكاب المحرَّم بسبب وجودها .

وفي ” نظم القواعد الفقهية ” ( ص 59 ) :

والمراد بالضرورة : ما يلحق العبد ضرر بتركه ، بحيث لا يقوم غيره مقامه ، هذا المراد بالضرورة على الصحيح .

بعض الفقهاء يقول: ” ما ترتب عليه فوات الحياة ، أو فوات عضو ” ، وهذا لا يصح ، وإنما الصواب أن يقال في تفسير الضرورة : ” ما لحق المكلَّف ضرر بعدم فعله ، ولا يقوم غيره مقامه ” ، بخلاف الحاجة ؛ فإن الحاجة هي : ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه ، لكنه قد يقوم غيره مقامه .

مثال الضرورة : إذا كان الإنسان مضطراً ولم يجد إلا الميتة : فهنا لو ترك الميتة لحقه ضرر ، ولا يقوم غيره مقامه ، ما يجد إلا الميتة فهذا ضرورة .

والضرورة تبيح المحظور مطلقاً ، بينما الحاجة لا تبيح المحظور إلا إذا ورد معها دليل . انتهى .

  1. عدم الهلاك ، أو التلف ، إذا لم يفعل المحرَّم .

فالضرورة تتعلق بالهلاك ، والإتلاف ، والحاجة يترتب على عدم الأخذ بها : عسر ، وصعوبة ، ومشقة .

قال أبو عبد الله الزركشي – رحمه الله – :

فالضرورة : بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل ، واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات ، أو تلف منه عضو ، وهذا يبيح تناول المحرم .

والحاجة : كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك ، غير أنه يكون في جهد ومشقة ، وهذا لا يبيح المحرَّم . ” المنثور في القواعد ” ( 2 / 319 ) .

وبه يُعلم أنه من خلط بين الحاجة – المطلقة – والضرورة ، وجعل لهما حكماً واحداً : أنه لم يُصب .

وهذا نقل علمي يوضح المسألة ، ويلخصها :

قال الدكتور أحمد بن محمد الخليل – حفظه الله – :

جمهور العلماء على خلاف قاعدة ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة ” .

قال في ” شرح الفوائد البهية ” : ” الأكثر أن الحاجة لا تقوم مقام الضرورة ” .

ويقوي ذلك : وجود الاختلاف المعنوي بين حقيقة الضرورة والحاجة ، فكلٌّ منهما له معنى يخصه ، فلا يصلح تعدية حكم أحدهما إلى الآخر ، ويمكن أن يتضح ذلك أكثر من خلال تعريف كلٍ منهما  .

عرف الزركشي الضرورة بقوله : ” هي بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك ، أو قارب ” ، وقيل في تعريفها أيضاً : إنها ” الخوف على نفس من الهلاك ، علماً ، أو ظنّاً ” ، وتعاريف العلماء تدور حول هذا .

أما الحاجة فهي أقل من الضرورة ، ولذلك عرفها الزركشي بالمثال فقال : ” الحاجة : كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل : لم يهلك ، غير أنه يكون في جهد ومشقة ، وهذا لا يبيح المحرم ” .

إذاً يوجد فروق جوهرية بين الحاجة والضرورة ، من أبرزها :

أن الحاجة لا تبيح المحرم ، بخلاف الضرورة ، كما نبّه على ذلك الزركشي ، فيما سبق .

وأيضاً : الضرورة لا بد فيها من خوف التلف ، بينما الحاجة يكتفى فيها بوجود الحرج والمشقة ، وإن لم يوجد خوف الهلاك .

أضف إلى ذلك : أن من شروط وضوابط الضرورة : أن يتعين على المضطر مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية ، بمعنى : ألا يوجد وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا المخالفة الشرعية ، وهذا لا يشترط بالنسبة للحاجة .

– والآن ومع هذه الفروق كيف تنزل الحاجة منزلة الضرورة ؟! .

لذلك ذهب الأكثر من العلماء إلى أن لكلٍ من الحاجة والضرورة أحكاماً تخصها ، ثم قد يكون في تصحيح هذه القاعدة واستعمالها فتحاً لباب التلاعب ، والتهاون بالمحذورات الشرعية ، بحجة أن الضرورة تبيح المحذورات ، والحاجة تنزل منزلة الضرورة ، فينبني على ذلك مفاسد كبيرة ، والله تعالى أعلم .

” الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي ” ( ص 149 – 152 ) باختصار .

تنبيهات وفوائد :

  1. يرى ابن القيم رحمه الله تعالى أن تلك القاعدة لا تنطبق على ما كان محرَّماً تحريم مقاصد – وهو المحرم لذاته – كالخمر ، بل ما كان محرَّماً تحريم وسائل ، وأوضح مثال لهذا : أنه – رحمه الله – يقول بأن ” ربا النسيئة ” محرَّم تحريم مقاصد ، لذا فليس في الشرع ما يبيحه للحاجة ، بخلاف ” ربا الفضل ” فإن تحريمه تحريم وسائل – حتى لا يقع الفاعل في ربا النسيئة – لذا رأينا إباحة ” بيع العرايا ” – وهو بيع الرطب على الشجر بتمرٍ كيلاً – بشروط معينة منها : أن يكون المشتري بحاجة للأكل من الرطب ، وليس للبيع ، ومنها : أن لا تزيد الكمية على خمسة أوسق ، ومنها : أن لايكون معه ما يشتري به الرطب ، ومنها : التقابض ، بتسليم التمر للبائع ، وبتخلي البائع عن النخل ، ومنها : التساوي بين التمر والرطب إذا يبس .

وينظر كلام ابن القيم رحمه الله في كتابه ” إعلام الموقعين ” ( 2/ 137) .

* وقد نظم ذلك القول والمثال : الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في منظومته في أصول الفقه وقواعده ، فقال :

  1. لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ … يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ

انتهى.

والذي يظهر لنا أنه لا يصح القول بهذا ، وأن الإباحة لتلك المحرمات كانت بسبب النص ، ولا يستنبط من ذلك قاعدة للقياس عليها ، ولذا فقد خالف في ذلك بعض الباحثين من تلامذة الشيخ العثيمين الذين شرحوا نظمه ، فلم يروا فرقاً بين تحريم المقاصد ، وتحريم الوسائل ، وأن المحرَّم لا تبيحه إلا الضرورة .

قال الشيخ خالد المشيقح – حفظه الله – وهو من أبرز تلامذة الشيخ العثيمين – : قوله رحمه الله : ” لكن ما حرم للذريعة … يجوز للحاجة كالعرية ”

قلنا : إن المحرم لا يباح إلا عند الضرورة ، ويُستثنى من ذلك ما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل ، وليس من باب تحريم المقاصد فإن الحاجة تبيحه .

ومعنى الحاجة : هي الحالة التي يصل فيها الإنسان حدّاً إذا لم تراعَ لكان في ضيق ، وحرج ، لكن لا تضيع مصالحه الضرورية ، والحاجة تنزل منزلة الضرورة ، عامة كانت أو خاصة .

قولنا : ” عامة ” : هي الحاجة الشاملة لجميع الأمة .

وقولنا : ” خاصة ” : هي الحاجة الشاملة لطائفة معينة من الناس كأهل بلد ، أو حرفة معينة كالتجار ، أو الصنّاع ، أو الزراع ، أما الحاجة الخاصة بفرد ، أو بأفراد محصورين : فغير معتبرة أصلاً ، ولا تلحق بالضرورة ؛ لأن لكل فرد حاجات متجددة ، ومختلفة عن غيره ، ولا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به.

* والفرق بين الضرورة والحاجة من وجهين :

الوجه الأول : أن الضرورة – في الغالب – تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي ، وتكون هذه الإباحة مؤقتة حيث تنتهي بزوال الاضطرار ، وتتقيد بالشخص المضطر .

أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالباً لا تخالف نصّاً صريحاً ، لكن تخالف القواعد العامة في الشرع ، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة .

الوجه الثاني : أن الضرورة تبيح المحظورات ، سواء أكان الاضطرار حاصلاً للفرد ، أم للجماعة ، أما الحاجة : فلا تكون سبباً للتيسير ، إلا إذا كانت حاجة عامة ، أو خاصة بطائفة كثيرة غير محصورة ، فلا تكون سبباً للتيسير في حق فرد ، وأفراد محصورين …. .

ومسألة ” العرايا ” ليس فيها ضرورة ، وإنما حاجة ، فقط لكي يتفكّه ، فليس هناك ضرورة إلى أن يحفظ نفسه ، أو أطرافه ، وإنما يحتاج – فقط – أن يتفكه ، فأبيح له أن يستعمل مسألة العرايا ، فقال العلماء رحمهم الله : ” تحريم ربا النسيئة تحريمه من باب تحريم المقاصد ، وأما ربا الفضل فتحريمه من باب تحريم الوسائل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة رضي الله عنه : ( إِنَّمَا الرِّبا فِي النَّسِيئَة ) – متفق عليه – فقالوا إذا كان كذلك فإن الحاجة تبيحه كمسألة العرايا .

ويظهر لي : أن تقسيم المحرَّم إلى تحريم وسائل ، وتحريم مقاصد فيه نظر ، وأن ما ورد الدليل على تحريمه : فإنه لا يباح إلا لضرورة ، إلا لدليل يدل على خلاف ذلك .

” العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين ” ( ص 54 – 58 ) – ترقيم الشاملة – مختصراً .

  1. وننبه إلى أن بعض العلماء يستعمل كلمة ” الحاجة ” بمعنى ” الضرورة ” ، فهو لا يجعل تلك القاعدة في كل حاجة ، بل يريد : الحاجة التي تبلغ مبلغ الضرورة بالنسبة لصاحبها .
  2. وأخيراً : ننبه إلى من أخذ بتلك القاعدة من العلماء الأجلاء لم يجعلها في كل حاجة ، وإنما ذكروا لها شروطاً للعمل بها ، ويجمع تلك الشروط : عدم مخالفة نص محكم في التحريم ، فصار من أخذ بها لا يخرج عن النص الوارد في الإباحة ، أو إلحاق حكم بنظيره مما ورد في الشرع جوازه ، ولم نرَ في استعمالات من قال بتلك القاعدة من أباح المحرَّم القطعي ، كما فعله – للأسف – بعض العلماء المعاصرين .

 

 

قال الدكتور أحمد بن محمد الخليل – حفظه الله – :

هذه القاعدة – على القول بالأخذ بها – لها من الضوابط والشروط ما لا يمكن معها القول بجواز المساهمة في شركات تتعامل بالربا بأخذ الفائدة الربوية،  أو إعطائها .

قال الشيخ أحمد الزرقاء في ” شرح القواعد الفقهية ” :

والظاهر : أن ما يجوز للحاجة : إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوِّزه ، أو تعامل ، أو لم يرد فيه شيء منهما ، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه ، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به ، وجعل ما ورد في نظيره وارداً فيه ” .

وقال :

” وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه : فعدم الجواز فيه واضح ، ولو ظنت فيه مصلحة ؛ لأنها حينئذ وهم ” .

فهذه القاعدة لا يؤخذ بها على إطلاقها ، إنما تقيَّد بهذه التقييدات السابقة ، وأهمها : عدم استعمال القاعدة فيما ورد في تحريمه نص خاص ، وأبرز صور تنزيل الحاجة منزلة الضرورة : ما جاءت السنَّة بجوازه ، ولذلك نجد أن الأمثلة التي ذكر الفقهاء هي مما جاءت به النصوص ، ومن ذلك :

– جواز عقد الإجارة ، وجواز عقد السلَم .

– وجواز تضبيب الإناء ، ولبس الحرير لحاجة دفع القمل ، والحكَّة .

وكل هذه المسائل مما وردت به النصوص .

وقد يذكرون أمثلة من غير المنصوص عليها ، لكنها ترجع إلى أصل شرعي معتبر ، ولا يوجد في منعها نص خاص ، ومن ذلك ما يلي :

تجويز استئجار السمسار على أنه له في كل مائة كذا ، فهذا يرون أن القياس يمنعه ، لكنه جاز لحاجة الناس إليه .

– تجويز ضمان الدَّرَك ، وهو عبارة عن ضمان الثَّمَن للمشتري عند استحقاق المبيع ، فهو عندهم على خلاف القياس ، ولكن جاز بالإجماع .

والخلاصة :

أن هذه القاعدة لا يُعمل بها في المنصوص على تحريمه ، والربا منصوص على تحريمه ، بل هو من كبائر الذنوب – كما هو معلوم – .

” الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي ” ( ص 151 – 152 ) .

رابعاً: ومما لا شك أن العيش في بلاد الكفار ، مدعاة لارتكاب محاذير شرعية كثيرة ؛ ولهذا قد يعلم سبب وحكمة النهي عن السكنى ببلاد الكفار والمشركين ؛ لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة .

 

والله أعلم.

هل يجوز تكوين لجان خاصَّة للفتاوى؟

هل يجوز تكوين لجان خاصَّة للفتاوى؟

السؤال :

هل يجوز تكوين لجنة للفتاوى؟.

– أريد الجواب على ضوء الكتاب والسنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– دل الكتاب ، والسنَّة ، وفعل الأئمة ، على جواز تكوين لجان مختصة للفتوى:

فمِن الكتاب قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ) الشورى/ 159 .

قال القرطبي – رحمه الله – :

قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ ) يدل على جواز الاجتهاد في الأمور ، والأخذ بالظنون ، مع إمكان الوحي ؛ فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك . ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 250 ) .

وقال ابن الجوزي – رحمه الله – :

( وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) معناه : استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم .

واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيَّه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال :

أحدها : ليستن به من بعده ، وهذا قول الحسن ، وسفيان بن عيينة .

والثاني : لتطيب قلوبهم ، وهو قول قتادة ، والربيع .

والثالث : للإعلام ببركة المشاورة ، وهو قول الضحاك .

ومن فوائد المشاورة : أن المشاور إذا لم ينجح أمره : علم أن امتناع النجاح محض قدر ، فلم يلم نفسه .

ومنها : أنه قد يعزم على أمر فيبين له الصواب في قول غيره ، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح ، قال علي رضي الله عنه : الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم ، وقال بعض الحكماء : ما استُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة . ” زاد المسير ” ( 1 / 441 ) مختصراً .

وأما من السنَّة : فقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بما يدل على ما سبق ، وأيده بأدلة ، وحوادث ، فقال :

” باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ، ( وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ ) ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ لِقَوْلِهِ ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) ، … وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ، لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا ، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، … وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” . انتهى مختصراً .

ثانياً:

وأما من فعل أئمة والخلفاء : فمنه : فعل الصدِّيق أبي بكر ، وعمر ، رضي الله عنهما.

عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حُكم : نظر في كتاب الله تعالى ، فإن وجد فيه ما يقضي به : قضى به , وإن لم يجد في كتاب الله : نظر في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن وجد فيها ما يقضي به : قضى به ، فإن أعياه ذلك : سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء ، فربما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا وكذا ، فإن لم يجد سنّة سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم : جمع رؤساء الناس ، فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء : قضى به . ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 62 ) .

وقال أبو حصين الأسدي : إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 185 ) .

فتكوين لجان للفتوى قديم ، ويمكن جعل زمان عمر بن الخطاب هو بداية هذا الأمر ، حيث كان يجمع أهل العلم للتشاور في أحكام نوازل وقعت في زمنه ، أو شيء يخفى استنباط حكمه على العالِم وحده ، وهكذا فعل بعده العلماء ، والخلفاء .

قال الشاطبي – رحمه الله – عن الإمام مالك – :

وإن عمر بن الخطاب ، وعليّاً ، وعامة خيار الصحابة : كانت ترِد عليهم المسائل ، وهم خير القرن الذي بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويسألون ، ثم حينئذ يُفتون فيها .

” الموافقات ” ( 5 / 324 ) .

ومن شاور غيره من أهل العلم في حكم الله تعالى في المسألة : قلَّ أن يبعد عن الصواب ؛ فإن الأمر إذا قلِّب على وجوه متعددة من أهل الاختصاص يبين فيه من الحق ما لا يبين لو كان التقليب من شخص واحد .

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله – :

ثم يذكر المسألة لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ، ويشاورهم في الجواب , ويسأل كلَّ واحدٍ منهم عما عنده ؛ فإن في ذلك بركة , واقتداء بالسلف الصالح , وقد قال الله تبارك وتعالى : ( وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) ، وشاورَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في مواضع ، وأشياء ، وأمر بالمشاورة , وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى ، والأحكام . ” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 71 ) .

 

 

ثالثاً:

ولكن يشترط في أعضاء هذه اللجان : العلم ، والعدالة ، والأمانة , وأن يكون هذا هو الميزان في اختيارهم .

قال الشافعي – فيما رواه عنه الخطيب في كتاب ” الفقيه والمتفقه ” – رحمه الله -:  

لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله ، إلاَّ رجلاً عارفاً بكتاب الله ، بناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وتأويله وتنزيله ، ومكيه ومدنيه ، وما أريد به ، ويكون بعد ذلك ، بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ، ويكون بصيراً باللغة ، بصيراً بالشعر ، وما يحتاج إليه للسنَّة والقرآن ، ويستعمل هذا مع الإنصاف ، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار , وتكون له قريحة بعد هذا ، فإذا كان هكذا : فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام ، وإذا لم يكن هكذا : فليس له أن يفتي .

وقال علي بن شقيق : قيل لابن المبارك : متى يفتي الرجل ؟ قال : إذا كان عالماً بالأثر ، بصيراً بالرأي .

وقيل ليحيى بن أكثم : متى يجب للرجل أن يفتي ؟ فقال : إذا كان بصيراً بالرأي ، بصيراً بالأثر.

” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 34 ، 35 ) وانظر تتمة صفات المفتي في هذا الموضع.

 

والله أعلم.

 

وقفات مع جملتين: ” فقه الواقع ” و ” اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان “

وقفات مع جملتين: ” فقه الواقع ” و ” اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان ”

السؤال:

هل هناك ما يعرف بـ ” فقه الواقع ” ، و ” اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان ” , فهل هناك ما يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية؟.

– أفيدونا، أفادكم الله, وجزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– كلمة ” فقه الواقع ” تُطلق ويراد به أمران اثنان :

الأول : معرفة واقع المستفتي ، وحاله ، وواقع بلده ، فلا يُفتى في مسائل الجهاد لبلد حتى يكون عند المفتي تصور للحال في تلك البلاد ، كما لا يفتي في مسائل تتعلق بالكمبيوتر ، والإنترنت ، حتى يكون على علم بواقع تلك الأشياء ، وما يحدث فيها .

الثاني : معرفة ما يجري في العالَم من أحداث ، وقراء التحليلات السياسية لها ، والاطلاع على مذكرات الأعداء ، وقراءة كتبهم ، وصحفهم ، وتتبع خططهم في غزو البلاد ، أو نشر الفساد .

أما الكلمة بالمعنى الأول فنقول :

لا شك أن الفتوى تحتاج من المفتي إلى : فقه بالكتاب والسنَّة والإجماع ، وإلى فقه بواقع الناس ، والحال ، والزمان ، والمكان , والمسألة التي سيتكلم عنها ويفتي فيها ، وإلا كانت فتواه لا تفي بالحاجة ، أو لا يمكن تطبيقها ؛ لبعدها عن الواقع الذي يجهله ذلك المفتي .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

– ولا يتمكن المفتي، ولا الحاكم، من الفتوى، والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما : فهْم الواقع والفقه فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع ، بالقرائن ، والأمارات ، والعلامات ، حتى يحيط به علماً .

والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع , وهو فهم حكم الله الذي حكم به ، في كتابه ، أو على لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر .

” إعلام الموقعين ” ( 1 / 87 ) .

وقد طبَّق العلماء الأجلاء ذلك في فتاوى كثيرة متعددة ، ومن ذلك ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن قتال التتار مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ، فقال:

نعم ، يجب قتال هؤلاء ، بكتاب الله ، وسنَّة رسوله ، واتفاق أئمة المسلمين ، وهذا مبني على أصلين : أحدهما : المعرفة بحالهم ، والثاني : معرفة حكم الله في مثلهم .

فأما الأول : فكل مَن باشر القوم : يعلم حالهم ، ومَن لم يباشرهم : يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة ، وأخبار الصادقين ، ونحن نذكر جلَّ أمورهم بعد أن نبيِّن الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول :

كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة : فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين … . ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 510 ) .

ثانياً:

– وأما ” فقه الواقع ” على المعنى الثاني: فثمة إفراط فيه، وتفريط، وعليه فنقول:

إنه قد غلا بعض المشتغلين بهذا الفقه حتى طغى على جانب الفقه الشرعي لديهم ، بل وغلا بعضهم حتى أوجب هذا الفقه على علماء الشريعة والفقه ، ورمى بعضُهم كثيراً من المشايخ والعلماء بعدم فهم الواقع ، وبقلة فقه الواقع لديهم , وقابلهم طائفة أخرى في مقابلهم منعت من الاشتغال بما يدور بالعالم من أحداث وواقع , وخير الأمور أوسطها .

 قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

ولقد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ ما اصْطَلحَ ( البَعضُ ) على تَسميِتِه بـ ” فقه الواقع ” ، وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ ، ألا وهو ” فقه الواقع ” ؛ لأنَّ كثيراً مِن العُلَماءِ قـَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم : أن يَكونوا عالِمينَ ، وعارفينَ ، بِواقِعِهِم ؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم : ” الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ ” ، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ ( الواقِع ) المُحيطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها ، وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ ، فَفِقهُ الواقع – إذاً – هو الوقوفُ على ما يَهُمُّ المُسلمين مِمَّا يَتَعلَّقُ بشؤوِنهِم ، أو كيدِ أعدائِهم ؛ لتحذيرِهم ، والنُّهوض ِ بهم ، واقعيَّاً ، لا كلاماً نَظَريَّاً ، أو انشغالاً بأخبارِ الكُفَّارِ وأنبائهم ، أو إغراقاً بِتحليلاِتهِم وأفكارِهم ، فمَعرفةُ الواقع ِ للوُصول به إلى حُكم ِ الشرع ِ: واجبٌ مهم مِن الواجباتِ التي يَجبُ أن يَقومَ بها طائفة مُختصَّة مِن طلاَّب ِ العلمِ المُسلمينَ النُّبَهاءِ ، كأيِّ علم مِن العلوم الشرعيَّةِ ، أو الاجتماعيَّةِ ، أو الاقتصاديَّةِ ، أو العَسكريَّةِ ، أو أيِّ علم ٍ يَنفعُ الأمَّة الإسلاميَّة َ ويُدنيها مِن مَدارج العَودَةِ إلى عِزِّها ، ومَجدِها ، وَسُؤْدُدِها ، وَبـِخاصَّةٍ إذا ما تـَطَوَّرَت هذه العلومُ بتـَطوُّرِ الأزِمنَةِ ، والأمكنَةِ … .

ولكَّننا سمِعنا ، ولاحَظنا : أنَّهُ قـَد وَقـَعَ كثيرٌ مِن الشبابِ المُسلِم في ” حَيْصَ بيْصَ ” نَحو هذا النَّوع من العلم الذي سَبَقت الإشارَةُ إلى تـَسمِيَتهم له بـِ ” فقه الواقع ” ، فانقـَسموا قسمين ، وصاروا – للأسَفِ – فَريقيَن ، حيثُ إنَّه قـَد غـَلا البَعضُ بهذا الأمر ، وَقـَصَّرَ البَعضُ الآخَرُ فيهِ ، إذ إنكَ تـَرى وتـَسمَعُ – مِمَّن يُفَخِّمونَ شأنَ ” فقه الواقع ” ، وَيَضعونَهُ في مرتبةٍ عَليَّةٍ فوقَ مَرتبتهِ العلميَّةِ الصَّحيحةِ – أنهم يُريدونَ مِن كُلِّ عالم ٍ بالشرع ِأن يَكونَ عالماً بما سَمَّوهُ ” فقه الواقع ” ، كما أَنَّ العَكسَ – أيضاً – حاصلٌ فيهم ، فـَقـَد أوْهموا السَّامعينَ لهم ، والمُلتفّينَ حَولـَهُم أنَّ كلَّ مَن كان عارفاً بواقع العالم الإسلاميِّ هو فقيهٌ في الكتابِ ، والسُّنَّةِ ، وعلى منهج السَّلف الصَّالح ! وهذا ليسَ بلازِم ٍ ، كما هو ظاهرٌ ، وَنَحنُ لا نَتـَصوَّرُ وجودَ إنسانٍ كاملٍ بكُلِّ مَعنى هذه الكلمةِ ، أي : أن يَكونَ عالماً بكُلِّ هذه العلوم التي أشرتُ إليها ، وَسَبَقَ الكلامُ عليها .

فالواجبُ إذاً : تعاوُنُ هؤلاء الذين تـَفَرَّغوا لِمَعرفةِ واقع الأُمةِ الإسلامَّيةِ ، وما يُحاكُ ضِدَّها ، مَعَ عُلماء الكتابِ والسُّنَّةِ وعلى نَهج ِ سَلفِ الأُمَّةِ ، فأولئكَ يُقدَّمونَ تـَصوُّراتِهم وأفكارَهم ، وهؤلاء يُبيِّنونَ فيها حُكمَ اللهِ سبحانَهُ ، القائمَ على الدِّليل الصَّحيح ، والحُجَّةِ النيِّرَةِ ، أمَّا أن يُصبحَ المُتـَكلِّمُ في ” فقه الواقع ” في أذهان ِ سامعيهِ واحداً من العُلماء والمُفتينَ ، لا لِشيءٍ إلا لأنَّه تكلَّمَ بهذا ” الفقهِ ” المشار إليه : فهذا ما لا يُحكَمُ له بوجهٍ من الصَّواب ؛  إذ يُتَّخَذُ كلامُهُ تُكَأة تُرَدُّ بها فتاوى العُلماء ، وتُنْقَضُ فيه اجتهاداتهُم ، وأحكامُهُم .

” سؤال وجواب حول فقه الواقع ” ( ص 14 – 16 ) باختصار يسير .

وقال – رحمه الله – :

فالأمرُ إذاً كما قال الله تعالى : ( وَكَذلكَ جَعَلناكُم أمَّة وَسَطاً ) ، ففقهُ الواقع بمَعناهُ الشرعيِّ الصَّحيح هو واجبٌ بلا شكّ ، ولكنْ وجوباً كِفائيّاً ، إذا قامَ به بَعضُ العُلماء سَقطَ عَن سائرِ العُلماء ، فضلاً عن طلاّبِ العلم ، فضلاً عَن عامَّةِ المُسلمين .

فلذلك يَجبُ الاعتدالُ بدعوة المُسلمين إلى مَعرفِة ” فقه الواقع ” ، وَعَدمُ إغراقهم بأخبارِ السِّياسة ، وَتـَحليلاتِ مُفكِّري الغـَرب ، وإنَّما الواجبُ – دائماً وأبَداً – الدَّندَنَة حولَ تـَصفية الإسلام مِمَّا عَلَقَ به مِن شوائبَ ، ثم تربَية المُسلمين – جماعاتٍ وأفراداً – على هذا الإسلام المُصَفَّى ، وَرَبطُهُم بـِمَنهَجِ الدَّعوةِ الأصيل  :الكتاب ، والسُّنَّة ، بفهم سَلَف الأمَّة  .” سؤال وجواب حول فقه الواقع ” ( ص 25 ) .

وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

وأما الاشتغال بواقع العصر – كما يقولون – ، أو ” فقه الواقع ” : فهذا إنما يكون بعد الفقه الشرعيِّ ؛ إذ الإنسان بالفقه الشرعيِّ ينظر إلى واقع الناس ، وما يدور في العالم ، وما يأتي من أفكار ، ومن آراء ، ويعرضها على العلم الشرعيِّ الصَّحيح ؛ ليميّز خيرها من شرِّها ، وبدون العلم الشرعيِّ : فإنه لا يُميِّزُ بين الحقِّ والباطل ، والهُدى والضَّلال ، فالذي يشتغل بادئ ذي بدء بالأمور الثقافية ، والأمور الصَّحافيّة ، والأمور السياسيّة ، وليس عنده بصيرة من دينه : فإنّه يَضِلُّ بهذه الأمور ؛ لأنَّ أكثر ما يدور فيها ضلالة ، ودعية للباطل ، وزُخرُفٌ من القول وغرور ، نسأل الله العافية والسَّلامة . ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 297 ) .

ثالثاً:

– وأما مسألة ” اختلاف – أو تغيُّر – الفتوى باختلاف الزمان والمكان ” : فلنا معها وقفات :

  1. يجب أن يُعلم أن الأحكام الشرعية المبنية على الكتاب والسنَّة : غير قابلة للتغيير ، مهما اختلف الزمان ، والمكان ، فتحريم الخمر ، والزنا ، والربا ، وعقوق الوالدين ، وما يشبه ذلك من الأحكام : لن يكون حلالاً في زمان ، أو في مكان ؛ لثبوت تلك الأحكام الشرعية بنصوص الوحي ، ولاكتمال التشريع بها .
  2. اتخذ بعض أهل الأهواء من تلك الجملة مطية لهم للعبث بالأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الوحي المطهَّر ، ولتمييع الدين من خلال تطبيقها على أحكام قد أجمع أهل العلم على حكمها منذ الصدر الأول ، ولا يسلم لهم الاستدلال بها ، فهي لا تخدم أغراضهم ، وإنما نص الجملة في ” الفتوى ” ، لا في ” الأحكام الشرعية ” ، وبينهما فرق كبير ، فالأول في مسائل الاجتهاد ، وما كان بحسب الواقع ، فاختلاف الواقع ، والزمان له تأثير في الفتوى باحتمال تغيرها .

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – :

وحكمُ اللهِ ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى ، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، نصّاً ، أو ظاهراً ، أو استنباطاً ، أو غير ذلك ، علِم ذلك مَن علمهُ ، وجهله من جهله ، وليس معنى ما ذكره العلماء من ” تغير الفتوى بتغير الأحوال ” : ما ظنه من قَلَّ نصيبهم – أو عُدم – من معرفة مدارك الأحكام ، وعللها ، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية ، وأغراضهم الدنيوية ، وتصوراتهم الخاطئة الوبية ، ولهذا تجدهم يحامون عليها ، ويجعلون النصوص تابعة لها ، منقادة إليها ، مهما أمكنهم ، فيحرفون لذلك الكلِم عن مواضعه ، وحينئذ معنى ” تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان ” : مراد العلماء منه : ما كان مستصْحَبة فيه الأصول الشرعية ، والعلل المرعية ، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم .

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 11 / 288 ، 289 ) .

  1. القول بتغير الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي يعني تجويز تحريف الدِّين ، وتبديل أحكامه ، والقول بذلك يعني تجويز النسخ بعد كمال التشريع ، ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وليُعلم أن الإجماع نفسه لا يمكن أن ينسخ حكماً ثابتاً في الشرع إلا أن يكون مستنده النص ، فإن لم يكن كذلك – وهو غير واقع في حقيقة الأمر – : كان القول به تجويزا لتبديل الشريعة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن ” الإجماع ” يدل على نص ناسخ ، فوجدنا من ذُكر عنهم : أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً ! فإن كانوا أرادوا ذلك : فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينَهم بعد نبيِّهم ، كما تقول النصارى مِن : أن المسيح سوَّغ لعلمائهم أن يحرِّموا ما رأوا تحريمه مصلحة ، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة ، وليس هذا دين المسلمين ، ولا كان الصحابة يسوِّغون ذلك لأنفسهم ، ومَن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك : فإنه يستتاب ، كما يستتاب أمثاله ، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم ، والمفتي ، فيصيب ، فيكون له أجران ، ويخطئ ، فيكون له أجر واحد . ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 94 ) .

– وهذا من أعظم خصائص الشريعة وأحكامها القطعية .

قال الإمام الشاطبي – رحمه الله – في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية – :

الثبوت من غير زوال ، فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً ، ولا تخصيصاً لعمومها ، ولا تقييداً لإطلاقها ، ولا رفعاً لحكم من أحكامها ، لا بحسب عموم المكلفين ، ولا بحسب خصوص بعضهم ، ولا بحسب زمان دون زمان ، ولا حال دون حال ، بل ما أثبت سبباً : فهو سبب أبداً لا يرتفع ، وما كان شرطاً : فهو أبداً شرط ، وما كان واجباً : فهو واجب أبداً ، أو مندوباً : فمندوب ، وهكذا جميع الأحكام ، فلا زوال لها ، ولا تبدل ، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية : لكانت أحكامها كذلك . ” الموافقات ” ( 1 / 109 ، 110 ) .

  1. ضابط فهم هذه العبارة في أمرين :

أ. التغير في الفتوى ، لا في الحكم الشرعي الثابت بدليله .

ب. التغير سببه اختلاف الزمان ، والمكان ، والعادات ، من بلد لآخر .

وقد جمعهما الإمام ابن القيم رحمه الله في قوله :

” فصل ، في تغير الفتوى ، واختلافها ، بحسب تغير الأزمنة ، والأمكنة ، والأحوال ، والنيات ، والعوائد ” ، والعوائد : جمع عادة ، وهو فصل نفيس ، ذكر فيه – رحمه الله – أمثلة كثيرة ، فلتنظر في ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 3 فما بعدها ).

ونضرب على ذلك أمثلة ، منها :

  1. اللُّقَطة ، فإنها تختلف من بلد لآخر ، ومن زمان لآخر ، في تحديد قيمة ما يجوز التقاطه ، وتملكه من غير تعريف ، فيختلف الأمر في البلد نفسه ، فالمدينة غير القرية ، ويختلف باختلاف البلدان ، والأزمنة .
  2. زكاة الفطر ، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها طعاماً ، بمقدار صاع ، وقد نص الحديث على ” الشعير ” ، و ” التمر ” ، و ” الإقط ” ، وهي الآن ليست أطعمة في كثير من البلدان ، فالشعير صار طعاماً للبهائم ، والتمر صار من الكماليات ، والإقط لا يكاد يأكله كثيرون ، وعليه : فيفتي العلماء في كل بلد بحسب طعامهم الدارج عندهم ، فبعضهم يفتي بإخراج الأرز ، وآخر يفتي بإخراجها ذرة ، وهكذا .

فالحكم الشرعي ثابت ، ولا شك ، وهو وجوب زكاة الفطر ، وثابت من حيث المقدار ، ويبقى الاختلاف والتغير في نوع الطعام المُخرَج .

والأمثلة كثيرة جدّاً ، في الطلاق، والنكاح، والأيمان، وغيرها من أبواب الشرع.

قال القرافي – رحمه الله – :

فمهما تجدد في العُرف : اعتبره ، ومهما سقط : أسقطه ، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك ، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك : لا تجره على عرف بلدك ، واسأله عن عرف بلده ، وأجره عليه ، وأفته به دون عرف بلدك ، ودون المقرر في كتبك ، فهذا هو الحق الواضح .

والجمود على المنقولات أبداً : ضلال في الدِّين ، وجهل بمقاصد علماء المسلمين ، والسلف الماضين ، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق ، والعتاق ، وجميع الصرائح والكنايات ، فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية ، وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن النية . ” الفروق ” ( 1 / 321 ) .

– وقد أثنى ابن القيم رحمه الله على هذا الفقه الدقيق فقال – بعد أن نقل ما سبق -:

وهذا محض الفقه ، ومَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم ، وعوائدهم ، وأزمنتهم ، وأحوالهم ، وقرائن أحوالهم : فقد ضلَّ ، وأضل ، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلّهم على اختلاف بلادهم ، وعوائدهم ، وأزمنتهم ، وطبائعهم ، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم ، بل هذا الطبيب الجاهل ، وهذا المفتي الجاهل : أضر ما يكونان على أديان الناس ، وأبدانهم ، والله المستعان . ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 78 ) .

 

والله أعلم.

الإجابة على أسئلة متفرقة:

الإجابة على أسئلة متفرقة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
الأخ الفاضل

– أشكر لك حسن ظنك ، وأسأل الله لي ولك العلم النافع والعمل الصالح.

– أما الجواب على أسئلتك ، فأقول:


أ. “إذا رأيتم العلماء بأبواب السلاطين ، فاتهموهم” ليس بحديث!!

وهو قول روي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، ولفظه “الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم”. وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في “فضيلة العادلين” (ص185) ، و”حلية الأولياء” (3/194) .

قلت : وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الحاكم في بعض تصانيفه ومن طريقه الديلمي – كما قال أبو نعيم – ، لكنه مليء بالعلل ، وأظن أن بعض تصانيف الحاكم هي تاريخ نبسا بور وهو مع مسند الفردوس للديلمي من مظنة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
– وانظر العلل هذه في “فضيلة العادلين” (ص186 (.

وقد نسب القول هذا لجعفر المذكور آنفا : المزي في “تهذيب الكمال” (5/88) ، والذهبي في “سير أعلام النبلاء” (6/262). والله أعلم
بأما قصة يزيد مع المصحف فلم أجدها في مظانها ، فلعلها كذبة من كذبات الرافضة!! أو لعل المراد ما نسب إليه من الشعر التشفي من أهل البيت وأنه كان يظهر إسلاما ويبطن كفراً!! فإن كان هذا هو المراد فهو كذب أيضاً ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
افترق الناس فى يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ثلاث فرق :
– طرفان ووسط:

فأحد الطرفين قالوا إنه كان كافراً منافقاً وأنه سعى فى قتل سبط رسول الله تشفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقاماً منه وأخذاً بثأر جده عتبة وأخي جده شيبة وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبى طالب وغيره يوم بدر وغيرها وقالوا تلك أحقاد بدرية وآثار جاهلية وأنشدوا عنه:

لما بدت تلك الخمول وأشرفت * تلك الرؤوس على ربى جيرون
نعق الغراب فقلت نح أولا تنح * فلقد قضيت من النبي ديونى
وقالوا أنه تمثل بشعر ابن الزبعرى الذي أنشده يوم أحد
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكثير من أشياخهم * وعدلناه ببدر فاعتدل

وأشياء من هذا النمط، وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان فتكفير يزيد أسهل بكثير!!! “مجموع الفتاوى” (4/481-482 (.

تأما أن عليا رضي الله عنه كان يسب على منابر الأمويين :
 – فإن كان من أهل العلم الفضل فكذب أصلع ، فهو صحابي جليل ومبشر بالجنة وخليفة راشد للمسلمين .
– وأما إن كان الساب جاهل ضال فلا يبعد ذلك ، والله عز وجل ما سلم من السب !! فلأن يسب إمام من جاهل فأمر لا يستغرب .

ث وأما “تفاءلوا بالخير تجدوه” فلا أظنكم تجدونه في كتاب مسند لا صحيح ولا ضعيف !!.

 

والله أعلم.

أسلمت حديثًا وبدأت تشك بالقرآن، ما هي النصيحة لتقوية الإيمان؟

السؤال:

أسلمت منذ عدة سنوات ومتزوج ولدي أطفال ولكن فجأة بدأت أشك في الإسلام خاصة الأمور الخاصة بالقرآن أتمنى أن يغفر الله لي. وأفكر دائماً في أن الحقائق المذهلة مثل وصف تطور الجنين ودوران الكواكب … الخ كلها ترجمت إلى الواقع لذا فيبدو أن القرآن معجزة.

فهل تلك الشكوك من الشيطان؟ ولقد حدث لي هذا الشر من قبل وشعرت بالخوف. إنني أؤمن بالله لأن العلامات مثل التكامل في جسم الإنسان وكمال الكون كلها تعرض وجود الخالق.

ماذا يجب أن أفعل إني لا أزال أصلي بانتظام وأدعو الله ؟

أريد أن أتعلم اللغة العربية حتى أصبح أكثر قوة في الإسلام.

إنني لا أدري أهذا هو ضغط ناتج عن مشاكل الأشرة التي أجدها؟ إنني حقاً أرتجف خوفاً من أن أترك الإسلام وأدرك الحقيقة بعد أن أموت. أريد أن أدخل الجنة. أعتقد أنني مكتئب بسبب مشاكلي ولا أشعر بالسعادة حتى بعدما أصبحت مسلماً.

– من فضلك اهتم بسؤالي وجزاك الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

نحمد الله سبحانه وتعالى أن كتب لك الهداية والدخول في الإسلام فإن هذه النعمة لا توازيها نعمة على وجه الأرض .

قال الله وتعالى :{ أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً  يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } [ الأنعام / 122] .

ثانياً:

لابد أن يعلم المسلم الذي لا يحسن أن يتكلم باللغة العربية أن هناك أموراً كثيرة لن يستطيع أن يفهمها أو يدرك مقدار عظمتها وإعجازها إلا بتعلم اللغة العربية ، ومن هنا أوجب بعض العلماء وجوب تعلم اللغة العربية ، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله : فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويتلوا به كتاب الله وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك . ” الرسالة ”  ( ص 48 ) .

ثالثاً :

قد يفاجأ المسلم الذي دخل الإسلام حديثاً ببعض الشبهات ؛ فمثلا قد ينظر إلى أغلب المسلمين فيجدهم بعيدين عن الالتزام أو قد يعرض له الشيطان ببعض الوساوس والشبهات الذي قد يعرضها في خاطره ، ولا شك أن على المسلم أن يستعين بالله في دفع هذه الشبه والخواطر بصرفها عن باله والابتهال إلى الله أن يصرفها ويسأله سبحانه أن يثبته على الحق وعليه أن لا  يغتر بقلة الملتزمين أو المتمسكين به فكل إنسان مسؤول عن نفسه والعاقل اللبيب الذي يسبق غيره في نيل الدرجات العلى كما قال الله تبارك وتعالى :{ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله }، [ الحديد / 21 ] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء ” . رواه مسلم ( 145 ) .

فدل الحديث على أن الإسلام بدأ غريباً بقلة السالكين والمتمسكين به ، وسيكون الأمر كذلك في آخر الزمان ، و ” طوبى ” – وهي الجنة أو شجرة فيها – للمتمسكين به .

رابعاً:

إن الشيطان يجتهد في إغواء من دخل في دين الإسلام أشد الغواية بعرض الشبهات والشهوات، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذه الحالة :

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ”  يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا  ؟ من خلق كذا  ؟ حتى يقول من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله وليَنْتَه ” . رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ) .

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال : أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله نجد في أنفسنا الشيء نعظم أن نتكلم به أو الكلام به ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به ، قال: أو قد وجدتموه ؟ عن أبي هريرة قال : جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. رواه مسلم ( 132 ).

وعن ابن عباس رضي الله عنه  قال : جاء رجل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به ؟ فقال : ” الله أكبر الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة “. رواه أبو داود ( 5112 ) .

والحديث : حسَّنه الشيخ الألباني في تحقيق ” كتاب السنَّة ” ( ص 296 ) .

فالشاهد من هذه الأحاديث أن المسلم يعرض له الشيطان كثيراً من الشبهات والشهوات ويزداد هذا العرض إذا كان المسلم دخل حديثاً في الإسلام وخصوصا أنه تعود على نمط من الحياة يوجب دخوله الإسلام أن يغيره فيأتيه من هذا الباب وغيره، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن كلما زاد إيمانه زاد الشيطان في محاولة زعزعة إيمانه ، ويصرف المسلم هذه العوارض بالاستعاذة والاستغفار وترك التفكير في هذه الشبهات والشهوات .

خامساً :

لابد أن يعلم المسلم أن الله ما أوجده في هذه الدنيا إلا للإختبار والإمتحان كما قال الله تبارك وتعالى :{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } [ البقرة / 214 ] .

وقال تبارك  تعالى :{ أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } [ العنكبوت / 3 ] .

ولا شك أن طريق الجنة ليس بالسهل ،  فعن  أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : ” حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره ” . رواه البخاري ( 6122 ) .

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ”  من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن  سلعة الله  الجنة “. رواه الترمذي ( 2456 ) ، وحسَّنه .

فدلت هذه الأحاديث أنه لابد لبلوغ الجنة من جهد وتعب ، ولا بد من مجاهدة النفس والشيطان والشهوات ، فقد يلاقي المسلم الأذى وخصوصا أنه خالف مجتمعه وأسرته وأسلم حتى من أقرب الناس إليه من زوجته وأولاده وهذا لاشك فيه ولكن العاقبة للمتقين ، وهذه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قد عارضه قومه وحاربوه وصبر واستعان بالله فكانت العاقبة للمتقين .

سادساً :

حتى يحافظ المسلم على الصلاة عليه أن يضع الموت نصب عينيه وأن يفكر في هذه الدنيا الزائلة ؛ وأنها لا تستحق العناء والتعب لأجلها ولا بد من يوم ينزل فيه الإنسان  إلى قبره ؛ فإما روضة من رياض الجنة ؛ وإما حفرة من حفر النيران ، وعليك يا أخي أن تنظر رفقة صالحة تعينك على الخير والصلاح وتشد عزمك على الإسلام ؛ ويا حبذا لو تذهب زيارة إلى بيت الله الحرام فتؤدي مناسك الحجة والعمرة وتغير شيئا من المحيط الذي تعيش فيه وتتعرف على الإسلام أكثر فأكثر حتى تكون داعية وتنقذ من استطعت إنقاذه من أهلك وأقاربك وأصدقائك من النار.

سابعاً :

– وأما قولك ( أنك لم تشعر بالسعادة حتى بعد دخولك الإسلام ) :

فنقول :

مما لاشك فيه أن الإنسان بعد دخوله الإسلام يشعر بطمأنينة وحلاوة الإسلام والإيمان وخصوصا إذا اقتنع بالإسلام من قلبه وعلم مقدار هذه النعمة ؛ ولكن عليه ألا يتكل على إسلامه لحل مشاكله الخاصة ، فكثير من المسلمين هم مسلمون ولكنهم غير سعداء لماذا ؟  لأن لهم مشاكل خاصة مثل الديون أو لأنه لا يجد عملا أو عنده مشاكل مع زوجته أو أسرته أو غير ذلك فهذه المشاكل قد تسبب للمسلم حزنا واكتآبا وتجعله غير سعيد ، فهذه يجب على المسلم أن يحلها وأن يشخّص المرض والمشكلة وينظر في أسبابه  وبمقتضى العقل والحكمة يحل المشكلة على شرط أن لا يخرج على حدود الإسلام .

صحيح أن كثيراً من المسلمين قد يقولون لك قبل إسلامك إذا أسلمت ستكون سعيداً وستشعر بالطمأنينة ، ولاشك أن هذا الكلام حق ولكن يقصدون من ناحية الإيمان وطمأنينة القلب بالنسبة للإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار وغير ذلك ، وأما المشاكل الخاصة فهذه يجب على المسلم أن يبحث عن أسبابها ويعالجها كما ذكرنا.

ثامناً :

أنصحك أن تقرأ وتتعلم عن الإسلام أكثر وأكثر فهذا يعين على الثبات إن شاء الله ولا بد أن تتعلم اللغة العربية التي تعينك على هذا ونسأل الله أن يثبتك على الإسلام.

 

والله أعلم.

من هم المترفون؟ ولم كان المترفون في القرآن أهل ضلال؟ وهل يدخل فيهم أغنياء المسلمين؟

من هم المترفون؟ ولم كان المترفون في القرآن أهل ضلال؟ وهل يدخل فيهم أغنياء المسلمين؟

السؤال:

لاحظت أن كلمة ” الترف ” – المقصود بها: شدة التنعم – أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاصي الكبرى ، كالإشراك بالله ، وتكذيب الرسل … !! كما قال الله تعالى : (وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) المؤمنون/ 34 ، ( وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) هود/ 116 ، ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) سبأ/ 34 ، ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) الإسراء/ 16 ، ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ) المؤمنون/ 64 .

وبالرغم من أن رغد العيش ، والتنعم بالدنيا ، أمور مقدّرة من رب العباد ، وهي مباحة إذا أُخذت من حلها ، وهذه هي طبيعة الحياة التي خلقها الله : إذن كيف نوفق بين الآيات الواردة أعلاه وبين قوله تعالى ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) الأنعام/ 165 ، أي : بالمال ، والجاه ، وغير ذلك من أمور الدنيا المعيشية ، وكذلك قوله تعالى : ( كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) الإسراء/ 20 .

أفتونا مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

رغد العيش ، وسعة الرزق ، والجاه ، والملك ، والسلطان ، والرفعة في الدنيا : هي من القضاء الكوني الذي قدَّره الله وقضاه ؛ وهذا القضاء الكوني لا يتعلق بمحبة الله ورضاه سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه لحكَم أرادها : يُفقر ، ويُغني ، ويُعطي ، ويَمنع ، ويُعز ، ويُذل ، ويَرفع ، ويُخفض ؛ وهذا النوع من القضاء يجري على كل الخلق ، مسلمهم ، وكافرهم .

فلا تدل سعة الرزق ، ورغد العيش ، والرفعة في الدنيا ، على محبةٍ من الله ، ورضا على العبد , ولا على عدم محبة ، وعدم رضا ، بل هي من القضاء الكوني – كما قدمنا – ، وهي  في الحقيقة للابتلاء ، والاختبار ، والامتحان ، كما قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) الكهف/ 7 ، وقال تعالى : ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) طه/ 131 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير الآية – :

أي : لا تمد عينيك معجباً ، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال الدنيا ، والممتِّعين بها ، من المآكل ، والمشارب اللذيذة ، والملابس الفاخرة ، والبيوت المزخرفة ، والنساء المجملة ، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا ، تبتهج بها نفوس المغترين ، وتأخذ إعجاباً بأبصار المعرضين ، ويتمتع بها – بقطع النظر عن الآخرة – القوم الظالمون ، ثم تذهب سريعاً ، وتمضي جميعاً ، وتقتل محبيها وعشاقها ، فيندمون حيث لا تنفع الندامة ، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة ، وإنما جعلها الله فتنةً ، واختباراً ؛ ليعلم من يقف عندها ويغتر بها ، ومن هو أحسن عملاً ، كما قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزاً ) .

– ( وَرِزْقُ رَبِّكَ ) العاجل ، من العلم ، والإيمان ، وحقائق الأعمال الصالحة ، والآجل من النعيم المقيم ، والعيش السليم في جوار الرب الرحيم .

– (  خَيْرٌ ) مما متَّعْنا به أزواجاً في ذاته وصفاته .

– ( وَأَبْقَى ) لكونه لا ينقطع ، أُكُلُها دائم ، وظلُّها ، كما قال تعالى ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) .

” تفسير السعدي ”  ( ص 516 ، 517 ) .

 

ثانياً:  

الغالب على أهل الترف ، والنعيم الدنيوي : الغفلة ، والانغماس في الشهوات ، والملذات , والكِبْر , والإعراض عن أوامر الله تعالى ، كما قال تعالى : ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) الشورى/ 27 .

قال ابن كثير – رحمه الله – :

أي : لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق : لحملَهم ذلك على البغي ، والطغيان ، مِن بعضهم على بعض ، أشراً ، وبطراً . ” تفسير ابن كثير ” ( 7 / 206 ) .

وقد علَم النبي صلى الله عليه وسلم خطرَ فتنة النعيم ، ورغد العيش ، وخشي على أمَّته منها ، كما جاء في  الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إِنِّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِى مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ) – رواه البخاري ( 1396 ) ومسلم ( 1052 ) – ، وربما يكون هذا النعيم – في الحقيقة – استدراج من الله للعبد ، إذا لم يستخدمه في طاعة الله ، كما جاء في الحديث عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِى الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ) ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) – رواه أحمد في ” مسنده ” ( 28 / 457 ) ، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 413 ) .

 

ثالثاً:

يُفهم من معنى ” الترف ” في لغة العرب : زيادة الانغماس في ملذات الدنيا ، وشهواتها ، مع طغيان ، وليس مجرد التنعم بملذات الدنيا .

قال ابن منظور – رحمه الله – :

” الترَفُ ” : التَّنَعُّمُ ، والتُّرْفةُ : النَّعْمةُ ، والتَّتْريفُ : حُسْنُ الغِذاء ، وصبيٌّ مُتْرَفٌ : إذا كان مُنَعَّمَ البدنِ ، مُدَلَّلاً ، والمُتْرَفُ : الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ ، وأَتْرَفَتْه النَّعْمةُ : أَي : أَطْغَتْه … .

وقوله تعالى : ( إلا قال مُتْرَفُوها ) أَي : أُولو الترفةِ ، وأَراد : رؤساءَها ، وقادةَ الشرّ . ” لسان العرب ” ( 9 / 17 ) .

وهذه الصفة لا شك ولا ريب : أنها صفة الكفار من أهل الدنيا – ومن شابههم من المسلمين من أهل الدنيا – الذين هذا هو مبلغ شهواتهم ، ونعيمهم ، وملذاتهم , كما جاء في الحديث : ( أَوَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) – رواه البخاري ( 2336 ) ومسلم ( 1479 ) – .

وأما المُسْلِم:
فيعلم أنَّ رغَد العيش وسَعَة الرزق، والشهَوات والملذَّات، إنما هي: سبيل لتحقيق العُبُودية لله تعالى في الأرض، فلا يَبْطُر ولا يتكبَّر، ولا ينغمس في هذه الشهوات بلا ضابط أو تحديد، فهو ينطلق في ذلك وَفْق مرضاتِ الله تعالى وَلِتحقيق الغاية العُظْمى التي خُلِق لها، وهي: عبادة الله تعالى وحده، وذلك ليتحقق له الفوز بالجنة وتحصيل رضوانه تعالى, وهو يعلم أنَّ هذه الدنيا في حقيقتها سجنٌ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
(الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)
رواه مسلم (2956) .

قال النووي -رحمه الله- :
معناه: أنَّ كل مؤمنٍ مسجونٌ، ممنوع في الدنيا مِن الشهوات المُحرَّمة والمكروهة، مكلَّف بفِعْل الطَّاعات الشاقَّة، فإذا مات؛ استراح مِن هذا, وانقلبَ إلى ما أعدَّ الله تعالى له مِن النَّعيم الدائم والرَّاحة الخالِصة مِن النُّقْصان.
وأما الكافر: فإنَّما له مِن ذلك ما حصل في الدنيا مع قِلَّته وتكديره بالمُنغِّصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد.
”شرح مسلم” (18 / 93) .

فَبِناء على ما تقدَّم:
لا مُنافاة بين أنَّ الغالب على المُتْرَفين الغفلة والإعراض عن أوامر الله تعالى، وتكذيب الرسل، وغير ذلك, وبَيْن أنَّ رغَد العَيْش والتنعُّم بالدنيا أمور مقدَّرة مِن ربِّ العِباد، وهي مُباحَة لهم؛ لأنَّ الله أباحها لهم لتحقيق العبودية له، والاستعانة بها على طاعته, وليس لعصيانه ومُخالَفة أمره.

فمَن أحسن مثلًا: استعمال المال، وجعله في طاعة ربِّه، وكذا المباح له مِن الأشياء؛ فلن يكون المال وسيلة لطغيانه ولا لتَكبُّره، ولا يكون بذلك من المُترفين.
ومن أساء استعماله، وجعله في معصية ربِّه، وتحقيق شهواته وملذاته؛ أطغاه وأفسده وكان بذلك مِن المُترَفين.

* قال الدكتور عبد الكريم الخطيب – وفقه الله – في تفسير قوله تعالى ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) – :

المُترف: هو من أبطرته النعمة حتى خرجت به عن حد الاعتدال ، وأفسدته ، وقتلت فيه معاني الإنسانية ، والمترفون : هم آفة المجتمع في كل أمة ، وفي كل جيل ، إذ فيهم ينشأ الفسق ، والمجون ، وكل ما مِن شأنه أن يغذِّي العواطف الخسيسة ، و ( يقوِّي ) الغرائز البهيمية ، على حساب المطالب الروحية ، والعقلية .

فليس الغنى في ذاته – كما يبدو – هو الذي يفسد الأخلاق ، وإنما شأنه في هذا شأن الفقر ، قد يفسد وقد يصلح ، إنه خير وشر ، وداء ودواء .

فمَن أحسن سياسة المال ، وعرف قدره ، والمكان الذي يوضع فيه : صلح به أمره ، واستقام به شأنه ، ومن اتخذ من المال وسيلة يصطاد بها ما توسوس به نفسه ، وما يدعوه إليه هواه : فسد كيانه ، وتهدم بنيانه ، وتحول إلى كومة متضخمة من الشحم واللحم ، تهب منها كل ريح خبيثة ، تفسد المجتمع وتزعجه ، وحين تنجم دعوة من دعوات الخير : يكون المترفون هم أول من يَلْقَوْنها بالنكير ، ويرجمونها بكل ما يقدرون عليه ، وما جاء رسول من رسل اللّه يدعو قومه إلى الهدى حتى يتصدى له المترفون من قومه ، يعلنون الحرب عليه ، ويجمعون الجموع للوقوف معهم في وجهه ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) . ” التفسير القرآني للقرآن ” ( 11 / 828 ، 829 ) .

وفي جوابين سابقين بيَّنا أن للمسلم: أن يتمتع بالطعام ، والشراب ، واللبس الغالي الثمن ، وسكنى البيت الواسع ، ووضع الطيب غالي الثمن ، وأنها كلها من الطيبات التي أباحها الله لعباده ، ومن الزينة المباحة ، والمسلم لا يُعاقب عليها إذا اكتسب ثمنها من حلال ، ولم يقصد المفاخرة ، والمباهاة ، ولم تشغله عن طاعة ربِّه تعالى ، وهكذا يفهم المسلم الفرق بين تنعم المسلم بالطيبات من الرزق ، وبين الكافر ، والعاصي ، واللذين كان تنعمهما بملذات الدنيا ، وانغماسهما بشهواتها سبباً لطغيانهم ، وضلالهم .

 

وننصح من أراد الفائدة أن ينظر في الجوابين ؛ ففيهما قواعد علمية ، ونقولات نفيسة عن أهل العلم .

 

 

والله أعلم.

هل ما جاء في قصص القرآن على لسان أحد المذكورين فيها هو باللفظ أو بالمعنى؟

هل ما جاء في قصص القرآن على لسان أحد المذكورين فيها هو باللفظ أو بالمعنى؟

السؤال:

هل ما جاء في قصص القرآن على لسان أحد المذكورين فيها هو باللفظ أو بالمعنى؟

 

الجواب:

الحمد لله

ما يحكيه الله تعالى على لسان أحد المذكورين من الأمم السابقة إنما هو بمعناه لا بلفظه، وذلك لأسباب كثيرة، منها :

أ . أن لغات الأمم السابقة لم يكن أكثرها عربية ، والقرآن تكلم الله تعالى به بالعربية وهكذا أُنزل ، ومن المستحيل أن يكون نقل الكلام – لمن لا يتكلم بالعربية – باللفظ العربي .

ب . تعدد الألفاظ في القصة الواحدة ، فمرة – مثلاً – يقول : { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } [ الأعراف / 111 ] ، ومرة أخرى – في القصة نفسها – يقول : { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } ( الشعراء / 36 ).

ت . لو كان ما ذكره الله تعالى هو لفظهم لما كان الإعجاز في كلام الله بل في لفظهم ، ويتجلى الإعجاز في مثل ما ذكره الله تعالى باللفظ المعجز من كلامه هو سبحانه ، مع ملاحظة أن القرآن هو كلام الله ، ولو كان المنقول هو كلامهم لفظاً وعنى لما صحَّ أن يقال إنه ” كلام الله ” !.

قالت اللجنة الدائمة :

الكلام يطلق على اللفظ والمعنى ، ويطلق على كل واحد منهما وحده بقرينة ، وناقله عمن تكلم به من غير تحريف لمعناه ولا تغيير لحروفه ونظمه مخبر مبلغ فقط، والكلام إنما هو لمن بدأه ، أما إن غيَّر حروفه ونظمه مع المحافظة على معناه : فينسب إليه اللفظ حروفه ومعناه ، وينسب من جهة معناه إلى من تكلم به ابتداءً ، ومن ذلك ما أخبر الله به عن الأمم الماضية ، كقوله تعالى : { وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ } [ غافر / 27 ] ، وقوله : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } [ غافر / 36 ] ، فهاتان تسميان قرآناً ، وتنسبان إلى الله كلاماً له باعتبار حروفهما ونظمهما ؛ لأنهما من الله لا من كلام موسى وفرعون ؛ لأن النظم والحروف ليس منهما ، وتنسبان إلى موسى وفرعون باعتبار المعنى ، فإنه كان واقعاً منهما ، وهذا وذاك قد علمهما الله في الأزل وأمر بكتابتهما في اللوح المحفوظ ، ثم وقع القول من موسى وفرعون بلغتهما طبق ما كان في اللوح المحفوظ ، ثم تكلم الله بذلك بحروف أخرى ونظم آخر في زمن نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – فنسب إلى كلٍّ منهما باعتبار .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن قعود ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 6 ، 7 ).

 

والله أعلم.

حكم طباعة التفاسير ومعاني الكلمات ووضع الرموز والعلامات في هامش المصحف

حكم طباعة التفاسير ومعاني الكلمات ووضع الرموز والعلامات في هامش المصحف

السؤال:

ما حكم الكتابة – التعليق – على هوامش صفحات المصحف، إذا كانت الكتابة عبارة عن:

  1. تفسير للآيات .
  2. تأملات – تدبر – .
  3. المتشابه من الكلمات ، والآيات .
  4. تحديد الكلمات ، باستخدام قلم التوضيح ” الفسفوري “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء في حكم كتابة شيء غير آيات القرآن في المصحف ، سواء مع الآيات ، تفسيراً لها ، أو على هامش المصحف ، كذكر أسباب النزول ، بل وصل المنع عند المتقدمين إلى المنع من وضع علامات تقسيم القرآن إلى أجزاء ، وأحزاب ، بل ووصل أمر المنع إلى المنع من التنقيط ، وكتابة علامات تشكيل الحروف ، كالضمة ، والفتحة .

وكل ذلك يدل على عظيم اهتمام السلف الصالح ، والأئمة العلماء ، بكتاب الله تعالى ، والمنع من اختلاط شيء بغيره ، وإبقاء شأن حروفه كما كتبها الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم .

لكن لا يُنكر أنه وُجدت مصالح عظيمة في أكثر ما منعه أولئك الأجلاء ، فما رأوا فيه مصلحة عظيمة أجازوه – كالتنقيط والتشكيل – ، وما رأوا فيه ضرراً أبقوا المنع فيه – ككتابة التفسير مع الآيات – ، وهذا فقه جليل ، يدل على أن تعظيم القرآن غير مرتبط بعواطف مجردة عن النظر البعيد إلى المصلحة ، وكل ذلك يؤدي إلى الحفاظ على كتاب الله من أن يتطرق إليه التحريف والخطأ في النطق .

وفي ” حاشية ابن عابدين ” ( 6 / 386 ) :

ما روي عن ابن مسعود ” جرِّدوا القرآن ” : كان في زمنهم ، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان ، والمكان ، كما بسطه الزيلعي ، وغيره . انتهى.

 

 

 

ويمكننا ضبط مسألة الكتابة في المصحف بتقسيمين مجملين:

الأول: أن تكون الكتابة لرموز، وعلامات.

وهذا الأمر لا ينبغي التشدد في منعه ، بل ينظر فيه إلى المصالح المتحققة منه ، فإن وجدت : أُقرت ، وإلا منعت ، ولا يُشك في وجود مصالح كثيرة من وجود علامات تقسيم القرآن لأجزاء وأحزاب ؛ تسهيلاً لحفظه ، ومراجعته ، وكذا من وجود مصالح من وضع رمز يدل على أن هذه الآية فيها سجود تلاوة .

وإنما كان الأصل هو التساهل بالنقط ، والعلامات : لأنه ليس لها صورة الحروف ، التي توهم ما ليس قرآناُ أنه قرآن .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفاً ، ولم ينقطوها ؛ فإنهم كانوا عرباً لا يلحنون ، ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة لمَّا نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ، ويشكلونها ، وذلك جائز عند أكثر العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وكرهه بعضهم ، والصحيح : أنه لا يكره ؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ، ولا نزاع بين العلماء أن حكم الشكل ، والنقط حكم الحروف المكتوبة ؛ فإن النقط تميِّز بين الحروف ، والشكل يبين الإعراب؛ لأنه كلام من تمام الكلام . ” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 576 ).

وقال السيوطي – رحمه الله – :

وأما النقط فيجوز ؛ لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآناً ، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء ، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها .

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 455 ).

ويدخل في هذه العلامات والرموز الجائزة : تنقيط كلمات القرآن ، ووضع علامات التشكيل ، وهذه إن لم تكن له مصلحة عظمى : فهي ضرورة توجبها الحاجة الماسة ، وهي داخلة في حفظ القرآن الذي تكفل الله تعالى بحفظه ، ويسَّر أسباب ذلك ، وهذا من الأسباب .

قال السيوطي – رحمه الله – :

قال النووي : نقط المصحف ، وشكلُه : مستحب ؛ لأنه صيانة له من اللحن ، والتحريف . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ) .

ويدخل في الجواز : تلوين كلمات الآيات وفق أحكام التجويد ، بشرط العناية الفائقة في الأمر .

ولا يدخل في الجواز: ما يوضع من خطوط تشويهية تحت الآيات ، ولا يدخل – كذلك – تعليم بعض الكلمات أو الآيات باللون الفسفوري ؛ لما فيه من تشويه وعبث بأوراق المصحف ، من غير ضرورة ، ولا حاجة ، ولا مصلحة معتبرة .

والثاني: أن تكون لكلمات من جنس كلمات القرآن .

وهذا الثاني ينقسم إلى قسمين:

أ. أن تكون الكتابة داخل إطار الآيات ، ومعها .

وهذه مما ينبغي التشدد فيها ، المنع منها ، ولئن تشدد فيها السلف أول أمر تدوين المصحف : فلا تزال المصلحة من المنع قائمة .

قال السيوطي – رحمه الله – :

وقال الجرجاني – من أصحابنا – في ” الشافي ” : مِن المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ) .

ب. أن تكون خارج إطار الآيات ، وفي هامش المصحف .

* وهذه مما منع منها بعض العلماء المعاصرين ، ومنهم علماء اللجنة الدائمة ، حيث قالوا :

الأصل الذي جرى عليه عمل الأمة : هو تجريد كتاب الله تعالى من أي إضافة إليه ، ويبقى تداول المصحف برسمه المتداول بين المسلمين ، دون إضافة أو نقص .

لهذا ننصحك بترك ما ذكر من التحشية على المصحف ، وبوسعك أن تكتب ما تحتاج إليه في أوراق خاصة تشير إلى اسم السورة ورقم الآية ، فتجمع بين المحافظة على كتاب الله تعالى ، وبين تقييد ما يفيدك ويعينك على فهمه .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 3 / 53 ، 54 ) .

لكننا نرى أنه ليس ثمة مفسدة من كتابة ما يفيد من معاني الكلمات ، وشروح الآيات ، وذِكر أسباب النزول ، والقراءات ، وكتابة التأملات ، وكتابة المتشابه من الكلمات ، والآيات ، إذا كان ذلك على هامش المصحف .

وتنوع طرق الطباعة: يجعل الخلط بين القرآن والكتابة في هامشه بعيداً جدّاً ، فالآيات القرآنية لها خطها الخاص ، ولها تشكيلها ، وحولها إطارها الذي يفصلها عن الكتابة حوله ، والذي عادة ما يميَّز بخطٍّ وحجمٍ مختلفيْن عن خط وحجم حروف المصحف .

وقد طُبع في هامش المصحف كثير من التفاسير ، كتفسير البيضاوي ، والجلالين ، وزبدة التفسير ، وتفسير السعدي – وقد قدَّم له الشيخ العثيمين رحمه الله – ، وغيرها كثير ، كما طبع في هامشه أسباب النزول ، ومعاني الكلمات ، والقراءات ، وكل ذلك بكتابة وإشراف وعناية وإقرار علماء أجلاء ، وقد نفع الله بما كتبوه كثيراً ، ولم يختلط ما كتبوه بالمصحف على أحدٍ .

وعليه: فالذي نطمئن إلى القول به : هو جواز مثل تلك الكتابات العلمية النافعة في هامش المصحف ، بشرط جعلها خارج إطار الآيات ، وتمييزها بخط خاص .

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله – :

يقوم بعض مدرسي القرآن الكريم بوضع ملاحظات بالقلم الرصاص على مصحفهم ، أو مصاحف الطلاب لتنبيههم إلى أخطائهم بوضع خط تحت مواضع الغنة ونحوها من أحكام التلاوة ، وذلك بعد الفراغ من التلاوة ، فهل يجوز كتابة شيء من هذا القبيل على المصحف ؟ أفتونا مأجورين .

فأجاب:

أرى أنه لا بأس بوضع هذه الملاحظات لما ذكر من الأسباب ، سواء وضعت بالهامش أو الحاشية أو وضعت بين الأسطر ، إذا كانت تلك الملاحظات رموزا أو إشارات تشبه ما في المصاحف من حروف علامات الوقف وعلامات قراءة التحويد ، مثل الإخفاء والإظهار والإقلاب ، فمتى كانت هذه الملاحظات بأحرف صغيرة وبأقلام الرصاص بحيث يتمكن من محوها بعد انتهاء الغرض منها فلا بأس بوضعها لهذا السبب ، وإنما ورد النهي أن يكتب في المصاحف ما ليس منها إذا خيف التباس ذلك على القارئ ، وتوهمه أن تلك الكتابة من القرآن أو من بيان معاني القرآن ، أما إذا لم يخف من الالتباس : فلا نرى بأساً بوضعها لهذا الغرض بقدر الحاجة ، والله أعلم .

” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 395 ) .

 

والله أعلم.

يريد شرح حديث كمل من الرجال كثير

السلام عليكم،
هل لكم أن تزودوني بمعلومات إضافية عن الحديث التالي، جزاك الله خيرا،
“حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.”
صحيح البخاري، المجلد 5 (كتاب 62)
ج 7181 الحمد لله
أولاً :- اختلف العلماء في معنى كمال النساء ، فقال بعضهم : يعني : كمال النبوة .
قال ابن حجر في ” الفتح ” :
لأن أكمل النوع الإنساني في الأنبياء ثم الأولياء ثم الصديقون والشهداء فلو لم تكونا نبيتين للزم ألا تكون في النساء وليَّة ولا صدِّيقة ولا شهيدة . والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن فكأنه قال : لم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة .
” الفتح ” ( 6 / 447 ) .
فيكون تخصيص النساء بالكمال للنبوة لأن الولاية موجودة في النساء والكمال خاص بهما فيكون فوق الولاية هي النبوة ! .
وهذا القول خطأ !
الرد على هذا القول :
أنه وقع في بعض الروايات ” وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ” .
أخرجه الطبراني .

وعلم يقيناً أن خديجة وفاطمة ليستا نبيتين ، وهما ممن كمل من النساء ، فيكون المراد بـ ” كمل من النساء ” كمال الولاية وليس كمال النبوة .

قال النووي :
قال القاضي : هذا الحديث يستدل به من يقول بنبوة النساء ونبوة آسية ومريم !!
والجمهور : على أنهما ليستا نبيتين , بل هما صدِّيقتان ووليَّتان من أولياء الله تعالى .
ولفظة ( الكمال ) تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه .
والمراد هنا : التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى .
قال القاضي :
فإن قلنا : هما نبيتان , فلا شك أن غيرهما لا يلحق بهما .
وإن قلنا : وليتان لم يمتنع أن يشاركهما من هذه الأمة غيرهما .
هذا كلام القاضي , وهذا الذي نقله من القول بنبوتهما غريب ضعيف , وقد نقل جماعة الإجماع على عدمها . والله أعلم .
” شرح مسلم ” ( 15 / 198 ، 199 ) .

قال شيخ الإسلام :
وقد ذكر القاضي أبو بكر ، والقاضي أبو يعلى ، وأبو المعالي ، وغيرهم : الإجماع على أنه ليس في النساء نبيَّة .
والقرآن والسنة دلا على ذلك ، كما في قوله تعالى { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } ، وقوله { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبلبه الرسل وأمه صدِّيقة } .
ذكر أن غاية ما انتهت إليه أمه : الصدِّيقيَّة .
” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 396 ) .

ثانياً:.حديث ” فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران ” .
رواه احمد ( 11347 ) ، وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في ” الفتح ” ( 7 / 111 ) .
فقد ثبت بهذا أن فاطمة خير من آسية ولو كانت آسية نبية : لما كانت فاطمة خيراً منها ؛ لاٌن فاطمة ليست نبيَّة .

ثالثاً : الراجح أن معنى كمال النساء كما قال الكرماني :
لا يلزم من لفظة الكمال ثبوت نبوتها لأنه يطلق لكمال الشيء أو تناهيه في بابه فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء .
” الفتح ” ( 6 / 447 ) .

رابعاً : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام :
قال ابن القيم :
الثريد مركب من لحم وخبز واللحم سيد الآدام ، والخبز سيد الأقوات ، فإذا اجتمعا لم يكن بعدها غاية .
زاد المعاد ( 4 /271 ) .

وقال النووي :
قال العلماء : معناه أن الثريد من كل الطعام أفضل من المرق , فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد , وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه , والمراد بالفضيلة نفعه , والشبع منه , وسهولة مساغه , والالتذاذ به , وتيسر تناوله , وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة , وغير ذلك , فهو أفضل من المرق كله , ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة . وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية ; لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة .
” شرح مسلم ” ( 15 / 199 ) .

قال ابن القيم – في مبحث التفضيل بين عائشة وفاطمة – :
فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم ، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل : فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص ؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح
وكم من عاملين أحدهما أكثر عملا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة .
وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها
وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب : فلا ريب أن فاطمة أفضل فإنها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها .

وإن أريد السيادة : ففاطمة سيدة نساء الأمة .
وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل .
وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل ولم يوازن بينهما فيبخس الحق وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصيب وهوي لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم .

” بدائع الفوائد ” ( 3 / 682 ، 683 ) .

وأما خصائص عائشة فكثيرة :

قال ابن القيم رحمه الله :
ومن خصائصها : أنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه كما ثبت عنه ذلك في البخاري وغيره وقد سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها
ومن خصائصها أيضا : أنه لم يتزوج امرأة بكرا غيرها .
ومن خصائصها : أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها .
ومن خصائصها : أن الله عز وجل لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقالت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم وقلن كما قالت .
ومن خصائصها : أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وَحْيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرا لها ولا عائبا لها ولا خافضا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيا لها من منقبة ما أجلها …….
ومن خصائصها رضي الله عنها : أن الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها .
ومن خصائصها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتها وفي يومها وبين سحرها ونحرها ودفن في بيتها .
ومن خصائصها : أن الملَك أَرى صورتَها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها في سرقة حرير فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه .
ومن خصائصها : أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن أجمعين . أ.هـ
” جلاء الأفهام ” ( ص 237 – 241 )

تنبيه :
الحديث رواه البخاري ( 3230 ) ومسلم ( 2431 ) .

والله أعلم

هل عبارة ” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ” حديث صحيح؟

السؤال:

هل عبارة ” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ” حديث صحيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

هذه العبارة ليست بحديث صحيح ولا ضعيف ، ومن نسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ ، إذ لا أصل لها في شيء من كتب السنَّة.

وقد نسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب ” كشف الظنون ” ( 1 / 51 ) فأخطأ، وفي موضع آخر ( 1 / 46 ): لم ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم بل قال ” كما قيل “.

 

والله أعلم.