التقليد واتباع الدليل ، وهل كان ابن حزم حنبليّاً ؟
السلام عليكم
كيف يمكن للشخص أن لا يكون مقلداً وفي نفس الوقت يتبع أحد الأئمة الأربعة ؟
أسأل هذا السؤال لأنني بعد قراءة مختصر ابن حزم وأنه يتبع مذهب الإمام أحمد ولم يكن مقلداً .
أرجو أن توضح هذا لي .
جزاكم الله خيراً و السلام عليكم
الجواب
الحمد لله
أولاً :
المتبعون للمذاهب ليسوا على درجة واحدة ، بل منهم المجتهد في المذهب ، ومنهم المقلد الذي لا يخالف مذهبه في شيء .
فالبويطي والمزني من الشافعية لكنهم مجتهدون ويخالفون المذهب إذا تبين لهم الدليل ومنهم النووي وابن حجر ، وابن عبد البر من المالكية لكنه يخالف مالكاً إذا كان الصواب مع غيره ، ومثل هذا يقال في كبار أئمة الحنفية كأبي يوسف ومحمد الشيباني ، وكذا أئمة الحنابلة كابن قدامة وابن مفلح .
فتتلمذ الطالب على مذهب لا يعني أنه لا يخرج عنه إذا تبين له الدليل ، بل لا يفعل هذا إلا من رق دينه وقلَّ عقله من المتعصّبة .
ووصية الأئمة الكبار هي أن يأخذ الطالب من حيث أخذوا ، وأن يضربوا قول أئمتهم عُرْض الحائط إذا خالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو حنيفة : هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه ، وقال مالك : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ , فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة ، وقال الشافعي : إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط , وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي ، وقال الإمام أحمد : لا تقلدني ولا تقلد مالكاً , ولا الشافعي , ولا الثوري , وتعلم كما تعلمنا ، وقال : لا تقلد في دينك الرجال , فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا .
فليس لأحدٍ أن يقلِّد إماماً بعينه لا يخرج عن أقواله ، بل الواجب عليه أن يأخذ بما وافق الحق سواء كان من إمامه أم من غيره .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
وليس على أحدٍ من الناس أن يقلِّد رجلاً بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه ويستحبه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون تارة هذا وتارة هذا ، فإذا كان المقلِّد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه أو القول بها أرجح أو نحو ذلك : جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد .
” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 382 ) .
وقال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله رحمه الله :
بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلم معنى ذلك ، في أي شيء كان ، أن يعمل به ، ولو خالفه من خالفه ، فبذلك أمرنا ربنا تبارك وتعالى ، ونبينا صلى الله عليه وسلم ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة ، إلا جهال المقلدين وجفاتهم ، ومثل هؤلاء ليسو من أهل العلم كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره .
” تيسير العزيز الحميد ” ( ص 546 ) .
ثانياً :
أما ابن حزم : فالمعروف أنه كان إماماً مجتهداً ، وهو يحرِّم التقليد ، ولم يكن تابعاً لمذهب فقهي بل كان هو إمام أهل الظاهر في زمانه وإلى الآن ، ولعلّ انتسابه للإمام أحمد كان في مسائل العقيدة والتوحيد كما روي عنه ذلك ، على أن عنده مخالفات ومجازفات كثيرة في مسائل الأسماء والصفات .
والله أعلم

