الرئيسية بلوق الصفحة 433

يدعي أن الجن تساعده في القراءة على الناس

العلاج عن طريق الجن وتحضير الأرواح

يوجد لدي صديق قال لي إنه يعالج بالقرآن لكن عن طريق الجن حيث إنهم يخبروه بالآيات التي يقرؤها على المريض وأنهم مسلمون حيث إنهم عندما يأتون إليه يردون عليه السلام … لكن مرة أخبرني بشيء غريب ألا وهو أن يأتي بروح أحد الأشخاص ويتكلم على لسانه كأحد الأنبياء أو أن والده المتوفى يجلس معهم ويشرب الشاي معهم لكنهم لا يروه إنما يرى الكاسة ترتفع وتنزل ومرة أخبرني شيئاً ! يتعلق بأمر الغيب بأن أحد الأشخاص سوف يموت بعد عامين أو تحدث بعض التغيرات … لكنه أيضا إذا أحد مرض يقرأ عليه الرقية الشرعية ، وأيضا إنه لا يأخذ الفلوس مقابل هذه الخدمة …. هل ما يقوم به هذا الشخص صحيح أم يخالف الإسلام ؟ … وإذا كان يخالف الشريعة ما هو موقفي تجاهه ؟ هل أستمر في صحبته أم أقطع علاقتي به ؟ …. وماذا يستفيد من ذلك لأنه كما أسلفت لا يتقاضى المال ؟ …. وجزاك الله خير الجزاء ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً :
يجوز للمسلم أن يعالج بالقرآن ، وقد جعله الله تعالى شفاءً ورحمة ، وقد صح في غير ما حديث قراءة بعض الآيات أو السور علاجاً من أمراض حسية ومعنوية ، ومنه حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين – البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ) – وفيه قراءة الفاتحة على الملدوغ ، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها : ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها “.
رواه البخاري ( 4175 ) ومسلم ( 2192 ) .
ثانياً :
لا يجوز لأحدٍ أن يستعين بالجن في أي أمرٍ من الأمور ، ونحن في غنية عن دلالة الجن لبعض الآيات التي يقرؤها المعالِج على مرضاه ، فقد جاء في السنة الصحيحة ما يغنينا عن مثل هذا .
وكون الجن يبدؤون بالسلام ويدلون على بعض الآيات لا يدل على صدقهم ، فالأصل في الجن الكذب ، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة – عن الجني – ” صدقك وهو كذوب ” .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أمسّ الحاجة إلى من يعينهم في أمور القتال وكشف أسرار الأعداء ، ولم يستخدموا أحداً من مسلمي الجن في ذلك ، فإذا كان الداعي إلى استعمال الجن قائماً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الإمكانية ولم يستعملهم دلَّ ذلك على أن استعمالهم بعده غير مشروع .
وكيف نجزم – أصلاً – أن هذا الجن من المسلمين ؟
لا يمكن ذلك من غير وحي ، ومن قال : بالقرائن ، فنذكره بمن نراه وهو منافق ، ونذكره بالاستدراج ، فسقطت المسألة من أصلها .
1. قال علماء اللجنة الدائمة :
الاستعانة بالجن واللجوء إليهم في قضاء الحاجات مِن الإضرار بأحدٍ أو نفعه : شرك في العبادة ؛ لأنه نوعٌ من الاستمتاع بالجني بإجابته سؤاله وقضائه حوائجه في نظير استمتاع الجني بتعظيم الإنسي له ولجوئه إليه واستعانته به في تحقيق رغبته .
قال الله تعالى { ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجَّلتَ لنا ، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ، وكذلك نولِّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون } .
وقال تعالى { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً } .
فاستعانة الإنسي بالجني في إنزال ضرر بغيره ، واستعانته به في حفظه مِن شرِّه : كلُّه شرك .
ومن كان هذا شأنه : فلا صلاة له ولا صيام ، لقوله تعالى { لئن أشركتَ ليحبطنَّ عملُك ولتكونن من الخاسرين } .
ومن عُرف عنه ذلك : لا يُصلَّى عليه إذا مات ، ولا تُتبع جنازته ، ولا يُدفن في مقابر المسلمين .
الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن منيع
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 407 ، 408 ) .
2. وسئلت اللجنة الدائمة سؤالا في الموضوع يقول :
أفيدكم علماً بأن في ” زامبيا ” رجلاً مسلماً يدَّعي أن عنده جنّاً ، والناس يأتون إليه ويسألون الدواء لأمراضهم ، وهذا الجن يحدِّد الدواء لهم .
وهل يجوز هذا ؟
فأجابوا :
لا يجوز لذلك الرجل أن يستخدم الجن ، ولا يجوز للناس أن يذهبوا إليه طلباً لعلاج الأمراض عن طريق ما يستخدمه من الجن ولا لقضاء المصالح عن ذلك الطريق .
وفي العلاج عن طريق الأطباء من الإنس بالأدوية المباحة مندوحة وغنية عن ذلك مع السلامة من كهانة الكهَّان .
وقد صحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ” من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء : لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ” رواه مسلم .
وخرَّج أهل السنن الأربعة والحاكم وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ” .
وهذا الرجل وأصحابه من الجن يعتبرون من العرَّافين والكهنة ، فلا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 408 ، 409 )
ثالثاً :
وأما ” تحضير الأرواح ” فهو من خرافات السحرة والكهنة أتباع الشياطين ، وللشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – فتوى مفصلة في هذا الأمر ، نقتبس منه بعض الجمل .
قال رحمه الله :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :
فلقد شاع بين كثير من الناس من الكتَّاب وغيرهم ما يسمى بعلم ” تحضير الأرواح ” ، وزعموا أنهم يستحضرون أرواح الموتى بطريقة اخترعها المشتغلون بهذه الشعوذة ، يسألونها عن أخبار الموتى من نعيم وعذاب وغير ذلك من الشؤون التي يظن أنَّ عند الموتى علماً بها في حياتهم .
ولقد تأمَّلت هذا الموضوع كثيراً ، فاتضح لي أنه علم باطل ، وأنَّه شعوذة شيطانية يراد منها إفساد العقائد والأخلاق والتلبيس على المسلمين والتوصُّل إلى دعوى علم الغيب في أشياء كثيرة ، ولهذا رأيت أن أكتب في ذلك كلمة موجزة لإيضاح الحق والنصح للأمة وكشف التلبيس عن الناس ، فأقول : لا ريب إن هذه المسألة مثل جميع المسائل يجب ردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فما أثبتاه أو أحدهما أثبتناه ، وما نفياه أو أحدهما نفيناه ، كما قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } .
ومسألة ( الروح ) من الأمور الغيبية التي اختص الله سبحانه وتعالى بعلمها ومعرفة كنهها ، فلا يصحُّ الخوض فيها إلا بدليل شرعي ، قال الله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً } ، وقال سبحانه في سورة النمل : { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } الآية …..
فهذا هو الذي عليه السلف من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله وتسمع ، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام ، كما أنَّهُ لا صحةَ لما يدعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاؤون من الأموات ويكلمونها ويسألونها .
فهذه ادعاءات باطلة ليس لها ما يؤيدها من النقل ولا من العقل ، بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح والمتصرف فيها ، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك ، فهو المتصرف وحده في ملكه وخلقه لا ينازعه منازع .
أما من يدعي غير ذلك فهو يدعي ما ليس له به علم ، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح ، إما لكسب مال أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة .
وما يدعيه هؤلاء الدجالون من تحضير الأرواح ، إنما هي أرواح شياطين يخدمها بعبادتها وتحقيق مطالبها وتخدمه بما يطلب منها كذباً وزوراً في انتحالها أسماء من يدعونه من الأموات ، كما قال الله تعالى :
{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } ، وقال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } .
وذكر علماء التفسير أن استمتاع الجن بالإنس بعبادتهم إياهم بالذبائح والنذور والدعاء ، وأن استمتاع الإنس بالجن قضاء حوائحهم التي يطلبونها منهم وإخبارهم ببعض المغيبات التي يطلع عليها الجن في بعض الجهات النائية أو يسترقونها من السمع أو يكذبونه وهو الأكثر …..
ومما ذكرناه في أول الجواب وما ذكرته اللجنة والدكتور محمد محمد حسين في التنويم المغناطيسي يتضح بطلان ما يدعيه محادثوا الأرواح من كونهم يحضرون أرواح الموتى ويسألونهم عما أرادوه ، ويعلم أن هذه كلها أعمال شيطانية وشعوذة باطلة داخلة فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الكهنة والعرافين وأصحاب التنجيم ونحوهم ، والواجب على المسؤولين في الدول الإسلامية منع هذا الباطل والقضاء عليه وعقوبة من يتعاطاه حتى يكف عنه ، كما أن الواجب على رؤساء تحرير الصحف الإسلامية أن لا ينقلوا هذا الباطل وأن لا يدنسوا به صحفهم ، وإذا كان لا بد من نقل فليكن نقل الرد والتزييف والإبطال والتحذير من ألاعيب الشياطين من الإنس والجن ومكرهم وخداعه وتلبيسهم على الناس .
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ، وهو المسؤول سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين ويعيذهم من خداع المجرمين وتلبيس أولياء الشياطين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 309 – 316 ) باختصار .
وأخيراً :
عليك أن تنصح هذا المخالف للشرع ، فإن لم يستجب فيجب عليك هجره والتحذير منه ، ولا يجوز لك مصاحبته على حاله تلك حتى يدع ما هو عليه ، ولا يغرنك قراءته لبعض الآيات ولا عدم أخذه للمال ، فإن هذا لا يجعل الباطل حقّاً ، ثم هو لا يدوم طويلاً مع أمثال هؤلاء فسرعان ما تظهر حقيقتهم فيبدؤون بأخذ المال من الناس وترك الواجبات وارتكاب المحرمات .
والله أعلم

هل هناك في الإسلام شيء يسمى القرين؟

هل هناك في الإسلام شيء يسمى القرين؟

السؤال:

هل هناك في الإسلام شيء يسمى القرين؟ أود أن أعرف ما إذا كان هناك قرين لي.

ماذا يقول الإسلام عن هذا؟ أم أنه لا يوجد أصلاً؟

 

الجواب:

الحمد لله

نعم ، هناك ما يسمَّى القرين، وقد جعله الله تعالى مع كلِّ أحدٍ من خلقه ، وهو الذي يدفع صاحبه للشر والمعصية ، باستثناء النبي صلى الله عليه وسلم – كما سيأتي – .

قال الله تعالى : { قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ . مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ ق / 27 – 29 ] .

قال ابن كثير :

{ قال قرينه } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وغيرهم : هو الشيطان الذي وُكِّل به .

{ ربَّنا ما أطغيته } أي : يقول عن الإنسان قد وافى القيامةَ كافراً يتبرأ منه شيطانه ، فيقول : { ربنا ما أطغيته } أي : ما أضللتُه .

{ ولكن كان في ضلالٍ بعيدٍ } أي : بل كان هو في نفسه ضالاًّ قابلاً للباطل معانداً للحقِّ ، كما أخبر سبحانه وتعالى في الآية الأخرى في قوله { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .

وقوله تبارك وتعالى { قال لا تختصموا لديَّ } يقول الرب عز وجل للإنسي وقرينِه من الجن وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق تعالى فيقول الإنسي : يا رب هذا أضلَّني عن الذِّكر بعد إذ جاءني ، ويقول الشيطان { ربَّنا ما أطغيتُه ولكن كان في ضلالٍ بعيدٍ } أي : عن منهج الحق .

فيقول الرب عز وجل لهما : { لا تختصموا لدي } أي : عندي ، { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل ، وأنزلت الكتب ، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين .

{ ما يبدل القول لديَّ } قال مجاهد : يعني : قد قضيتُ ما أنا قاض .

{ وما أنا بظلاَّم للعبيد } أي : لست أعذِّب أحداً بذنب أحدٍ ، ولكن لا أعذِّب أحداً إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 227 ) .

وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن ، قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ” .

وفي رواية : ” … وقد وكِّل به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة ” . رواه مسلم (2814).

وبوَّب عليه النووي بقوله : باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قريناً.

قال النووي :

” فأسلم ” برفع الميم وفتحها ، وهما روايتان مشهورتان ، فمن رفع قال : معناه : أسلم أنا من شرِّه وفتنته ، ومَن فتح قال : إن القرين أسلم ، من الإسلام وصار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير .

واختلفوا في الأرجح منهما فقال الخطابي : الصحيح المختار الرفع ، ورجح القاضي عياض الفتح ، وهو المختار ؛ لقوله : ” فلا يأمرني إلا بخير ” ، واختلفوا على رواية الفتح ، قيل : أسلم بمعنى استسلم وانقاد ، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم ” فاستسلم ” ، وقيل : معناه صار مسلماً مؤمناً ، وهذا هو الظاهر ، قال القاضي : واعلم أن الأمَّة مجتمعة على عصمة النَّبي صلَّى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه .

وفي هذا الحديث : إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه ، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان . ” شرح مسلم ” ( 17 / 157 ، 158 ) .

وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا كان أحدكم يصلِّي فلا يدع أحداً يمرُّ بين يديه ، فإن أبى فليقاتلْه فإن معه القرين ” . رواه مسلم ( 506 ) .

قال الشوكاني :

قوله ” فإن معه القرين ” في القاموس : ” القرين ” : المقارن ، والصاحب ، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه ، وهو المراد هنا . ” نيل الأوطار ” ( 3 / 7 ) .

 

والله أعلم.

 

 

هل يؤاخذ من كان تحت تأثير السحر-

ما هي حكم التصرفات التي يقوم بها المرء المسلم وهو تحت تأثير السحر هل هو مؤاخذ عليها
أمام رب العالمين أم لا ؟.

الجواب

الحمد لله

تختلف الأحكام بالنسبة للمسحور تبعاً لاختلاف حاله ، فإذا كان السحر قد أثَّر على عقله وإدراكه
فلم يعد يدري ما يقول وما يفعل : فهو كالذي يغضب غضبًا شديداً فيخرج عن حد الاختيار فيقول
كلامًا لا يدري ما معناه : فهذا ليس لطلاقه بل ولا لغيره – كاليمين أو النذر – أي اعتبار من حيث
الأحكام المترتبة عليها .
وإن كان السحر لم يؤثر على عقله وإدراكه بل أضعفه وأمرضه –مثلاً – : فإنه إن طلَّق وقع طلاقه ، وإن نذر لزمه اليمين ، وإن نذر وجب عليه الوفاء بنذره .
وثبوت الضرر بالسحر ثابت في الشرع ، بل ثابت فيه أيضاً حصول التفريق بين الرجل وامرأته ،
لكن لا يكون ذلك إلا بعد أن يشاءه الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين
على مُلْك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملَكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما ‏يفرِّقون به بين المرء وزوجه ‏وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } ‏[ البقرة / 102 ] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
ومَن سُحر فبلغ به السحر أن لا يعلم ما يقول : فلا طلاق له .
” مختصر الفتاوى المصرية ” ( ص 531 ) للبعلي .
ولا نستطيع أن نحكم بأن شخصًا ما قام بطلاق زوجته تحت تأثير السحر أو لا ، أو كان السحر مؤثراً أو لا بمجرد كلامه ، فقد يدَّعي كثيرون أنهم لم يكونوا بوعيهم وأنهم مسحورون ، بل يكون مرجع الأمر إلى القاضي الشرعي الذي يبحث القضية ويستعين بأهل الخبرة الذين يعرفون مثل هذه الأمور ، ثم يكون حكمه في هذه المسألة .
والله أعلم

يشعر بالارتياح عند موت الآخرين؛ لأنه يريد للناس العظة بالموت!

يشعر بالارتياح عند موت الآخرين؛ لأنه يريد للناس العظة بالموت!

السؤال:

عندما يموت شخص أشعر بالارتياح؛ لأنني أريد الأمة أن تتعظ من الموت، وتعود إلى الله، لا أني أحب أن يموت الناس، فهل أنا مؤاخذ بمثل هذا الشعور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– لسنا معك في شعورك بالارتياح لموت الناس لما ذكرتَ ؛ وذلك لأسباب:

الأول: أن الموت مصيبة على المتوفَّى، قال تعالى: ( فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) المائدة/ من الآية 106، فأي راحة مع حلول مصيبة عظمى على أحدٍ من المسلمين؟!.

الثاني: أن حياة المؤمن خير له من مماته ، فبحياته يصلِّي ، ويذكرُ ربَّه ، ويصلُ رحِمَه ، وأما موته : فهو يقطع عليه أعماله ، وطاعاته .

عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ , وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا ) . رواه مسلم ( 2682 ) .

وعند البخاري ( 7235 ) بلفظ : ( لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ ) .

الثالث: نسمع في عالَم الناس عن موت كثيرين ، ولا نرى تأثيراً ملحوظاً على محيط ذلك المتوفَّى ومعارفه ، فضلا عن عامة الناس ، فالتأثر يكاد يكون في أقرب الناس من الميت ، وغالباً ما يكون مؤقتاً ، والتأثير يكاد يكون معدوماً .

فلا حاجة لأن تشعر بالارتياح وأنت ترى مصيبة عظيمة قد وقعت على صاحبها ، وأنه خسر بذلك زماناً يزيد في حسناته ، وأنك لا ترى ذلك التأثير للموت في حياة الناس بأن يرجعوا إلى دينهم ، ويستقيموا على طاعة ربهم .

ثانياً:

والطريقة السليمة في هذا الباب أن تذكِّر الناس بموتهم هم ، وأن أجلهم إذا جاء فلن يتأخر عنهم لحظة ، وأنهم مقبورون ، ثم مبعوثون ، ثم محشورون ، ثم محاسَبون ، ثم معذَّبون ، أو منعَّمون ، فمثل هذه المواعظ لها تأثير بالغ في حياة الناس ، وهو مشاهد في الواقع .

ولعلَّ كثرة الموتى ، وكثرة المُلهيات والمُشغِلات : جعلت من سماع موت أحدٍ من الناس مجرد خبر يطرق سمعه ، ثم تراه ينشغل بدنياه ، أو يأتيه خبر موتٍ لآخر فيشتغل به عن الأول ، وهكذا ، وأما تذكير الإنسان بحاله هو ، وأن مصيره – ولا ريب – هو الموت : فإن من شأن هذا – غالباً – أن يكون له تأثير بالغ في المستمع ، وخاصة إن أحسن الواعظ موعظته ، وأتقن عرضها .

ولهذه الطريقة السليمة نصوص من الشرع تؤيدها، ومن ذلك:

  1. ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار مِن ذكر الموت ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ) – يَعْنِي : الْمَوْتَ – . رواه الترمذي ( 2307 ) وحسَّنه ، وابن ماجه ( 4258 ) .

هاذم: يعني: قاطع .

  1. ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيارة القبور ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ) رواه مسلم ( 976 ).

والأدلة أكثر من أن تُذكر في جوابنا هنا ، وقد اكتفينا بنا فيه دلالة على ما ينتفع به المسلم لترك تقصيره في طاعة الله ، او لترك ما يفعله من معصية .

والخلاصة:

أنه يجب عليك – أخي السائل – الكف عن الشعور بالارتياح لموت الآخرين، حتى لو كانت نيتك ما ذكرتَ من انتفاع الناس بعظة الموت ، ولعلك لا ترضى أن يشعر أحدٌ من الناس بارتياح لموتك أنت ! حتى لو كان للسبب الذي ذكرتَه ، أليس كذلك ؟! فالموت أمره عظيم ، وخطبه جلل ، لا يكون معه إلا التفكير بالحال لو كنا نحن هو .

ولتعلم أننا وإياك على الدرب سائرون ، وسنلقى المصير نفسه ، فنرجو أن نكون على استعداد لذلك المصير ، ونسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق ، والهدى .

 

والله أعلم.

هل يحرم التخطيط للغد في الإسلام؟

هل يحرم التخطيط للغد في الإسلام علماً بأننا نعتقد بأن الموت يأتي في أي وقت؟
الحمد لله
لا يحرم أن يتفكر المسلم في أمور دنياه التي تصلح له معاشه في غده لأن غده قد يأتيه إن لم يبغته الموت فيكون مستعداً لأمور دنياه المباحة التي لم يحرمها الشرع ولكن عليه ألا يبالغ في ذلك وألا يضيع عليه هذا أمر آخرته فيجعل حياته كلها في التخطيط للغد .
مع أن مسلك الصالحين هو الزهادة في الدنيا واحتقارها وتعظيم شأن الآخرة حتى أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يصبر على مال كان عنده بعد صلاته بل بادر بإخراجه .
عن عقبة قال :” صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ففزع الناس من سرعته فخرج عليهم فرأى أنهم عجبوا من سرعته فقال ذكرت شيئا من تِبْر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته ” .
رواه البخاري ( 813 )
ومع هذا فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة مقابل طعام .
عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير ” .
رواه البخاري ( 2759 ) ومسلم ( 1603 ) .
وكان يدَّخر من الطعام لأهله أحياناً قوت سنَةٍ .
عن ابن عيينة قال : قال لي معمر : قال لي الثوري : هل سمعت في الرجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة ؟ قال معمر : فلم يحضرني ثم ذكرتُ حديثاً حدثناه ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سَنَتِهم .
رواه البخاري ( 5042 ) – واللفظ له – ومسلم ( 1757 ) .
قال ابن حجر :
ومع كونه صلى الله عليه وسلم كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجرَّه منهم لمن يرِد عليه ، ويعوضهم عنه ، ولذلك مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعيرٍ اقترضه قوتاً لأهله .
” فتح الباري ” ( 9 / 503 ) .
وهذا الحديث لا يعارض ما رواه الترمذي ( 2362 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 920 ) من حديث أنس ” كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدَّخر شيئاً لغد ” .
قال الحافظ ابن حجر :
وقد ورد في الادخار : ” كان يدخر لأهله قوت سنة ” وفي رواية ” كان لا يدخر لغدٍ ” والأول في ” الصحيحين ” ، والثاني في ” مسلم ” والجمع بينهما :
أنه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله ، أو : أن ذلك كان باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة .
” فتح الباري ” ( 10 / 26 ) .
قلت : وقد وهم الحافظ رحمه الله في نسبة الحديث الثاني لمسلم .
فلم يمنعه زهده وورعه واحتقاره للدنيا أن يأخذ الطعام لغده ، ولو لم نفعل هذا لما زرع زارع ولا حصد حاصد ولا بنى بانٍ ولا استقام أمر واحدٍ من أمور الحياة .
وقد عُلِم أن من عقائد المتصوفة تحريم الادخار للمستقبل .
قال ابن عبد البر :
وفي ذلك رد على من قال من الصوفية لا يدخر لغدٍ .
” التمهيد ” ( 3 / 253 ) .
فقد قال الله تعالى : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } [ القصص / 77 ] .
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية :
{ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } : أي : استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح فإن لربك عليك حقّاً ولنفسك عليك حقّاً ولأهلك عليك حقّاً ولزَوْرك عليك حقّاً فآت كل ذي حق حقه .
{ وأحسن كما أحسن الله إليك } أي : أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك .
{ ولا تبغ الفساد في الأرض } أي : لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض وتسيء إلى خلق الله { إن الله لا يحب المفسدين } .
” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 400 ) .
ولو استعرض الإنسان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجد تخطيطاً منه صلى الله عليه وسلم لأموره المستقبلية مع جزمه بموته ، وذلك مثل التجهيز والتخطيط للهجرة من مكة إلى المدينة، وكذلك التخطيط للغزوات ، وللعمرة والحج وما شابه ذلك .
وكل ذلك لا ينافي ما يعتقده المسلم من قرب أجله ، ذلك أن الحياة كتب الله لها أن تسير بتفكير وتخطيط وعمل .

والله أعلم

لماذا لم يهد الله جميع البشر؟

لماذا لم يجعل الله كل الناس مؤمنين مهتدين؟

بما أن لله كل القوة، فلماذا لم يجعل كل شخص يؤمن به طالما أن ذلك هو ما يريد, ويمنح الهداية لكل شخص حتى يعبده وحده دون سواه ؟

الحمد لله
أولاً :
الله تعالى قادر على كل شيء ، ولا يعجزه شيء ، ولا ترده عن إرادته قوة ولا إرادة ، فله القوة البالغة ، ومن هو دونه ضعيف ، وله الإرادة البالغة ومن هو دونه لا تنفذ إرادته إن أراد الله شيئاً .
ثانياً :
ولا يعني كون الله تعالى قادراً على فعل شيء أنه يلزم فعله ، لأن الحكمة قد تقتضي عدم فعله ، فالله قادر على أن يخلق الناس ويجعل فريقاً منهم في النار من غير إقامة الحجة عليهم ، ولكنه لا يفعل هذا ، لأنه ظلم وهو منزّه عنه ، ولا تقتضيه حكمة الله تعالى البالغة .
إذاً فقد لا يعمل الله تعالى عملا مع قدرته على الشيء وعدم عجزه عن نفاذه ، لأن الحكمة لا تقتضيه ، فمثلا : أنت قادر على قتل نفسك ، فلماذا لا تفعل ؟ هل هذا يعني أنك عاجز عن فعل هذا ؟ لا ، ولكن من السفه والطيش أن تفعل مثل هذا . ولله المثل الأعلى فهو قادر على كثير من الأمور ولكن حكمه لا ينفذ فيها لأن حكمته اقتضت عدم ذلك .
ثالثاً :
أما قولك : لماذا لا يمنح الله الهداية لجميع خلقه وهو قادر على ذلك ؟
نقول : لأن حكمته اقتضت غير ذلك ، وإلا فقد أثبت الله تعالى لنا قدرته على ذلك بلا شك ولا ريب ، فخلق أهل السماء على هداية تامة وخير تام ، لا نقص فيهم ولا سوء ولا شر ورفعهم عنده في السماء ، ولو شاء الله تعالى لأهل الأرض لجعل حالهم كحال أهل السماء .
رابعاً :
ولكن ما هي هذه الحكمة التي بها خلق الله تعالى الشرور فخلق إبليس وخلق الكفر وخلق السحر وما أشبه ذلك ؟
نقول : من تلك الحِكَم التي أشرنا إليها :
1. من أجل أن تتجلى أسماء الله تعالى العلى وصفاته الحسنى ، فتظهر آثارها على خلقه فهو: رحيم وغفور وتواب وعفو ، فلو لم يكن الشر ولم يكن الذنب والخطيئة لما علم الناس أن من صفاته الرحمة والمغفرة والتوبة على عباده والعفو عنهم إذا أذنبوا وعصوا ، ولما تجلّت هذه الصفات في قلوبهم ولما عرفوا ربهم حق المعرفة .
والله تعالى حليم وصبور ولولا ذنوب عباده لما علمنا صبره وحلمه ، على قوم يعصونه بكرة وعشيّة ، وهو لهم ممهل مرتقب منهم التوبة صابر على ذنوبهم ، حليم عليهم مع قدرته على إهلاكهم .
والله تعالى قوي جبار ذو البطش الشديد ، ولولا ذنوب عباده الذين أهلكهم الله بسبب ظلمهم ومعاصيهم ، لما علمنا أن الله تعالى جبار قوي ذو البطش الشديد .
لمّا علمنا أن الله تعالى قادر على عباده فتتجلّى صفات الله تعالى في قلوب عباده عندما يرون الدمار والهلاك على الكافرين فيكونون له أشد رهبة وخوفا .. وقل مثل ذلك في صفاته كلها .
2. ومن الحكم : أن يميز الله تعالى عبادَه فيعلم الصالح من الذي هو غير ذلك ، ويعلم الذي يحبه من الذي يحبّ الأنداد من دونه ، فلولا الشر عند الناس لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد البشر ، ولولا الشر عندهم لما كان الأنبياء هم خير خلق الله ، ولولا الشر لما كان أبو بكر وعمر – على خيرهم – قدوة المسلمين إلى يوم القيامة ، فهم أبعد الناس عن الشر ، فامتازوا بالخير ، ولولا وجود الشر لما عرفت قيمة الخير . فلولا السواد لما علم الناس حُسْن البياض ، ولولا ظلمة الليل لما تغزل الشعراء بوجه البدر المنير البسام ، ولولا القبح لما علم الناس قيمة الحسن والجمال ولذته .
وقال الشاعر :
وبضده تتميز الأشياء
وقال آخر :
فالضد يظهر حسنه الضد
فانظر عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدره وانحطاط أبي جهل في قلبك ، فلولا الشر الذي في قلب أبي جهل لما تميز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخير والبركة .
ثم إن من تلك الحكم :
3. أن الله تعالى حين يفرض على عباده الطاعات والمشقات فإن عباده الصالحين يلبونها على قسوتها وهم لها محبون ، فهنا تتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه وذلك أن الأتقياء يحبون أمره وفعله على الرغم من قسوته وغلظته .
فانظر وقد جهز الكافرون جيشا عرمرما بقضه وقضيضه وحده وحديده ، وترى السيوف في لمعانها وبريقها، والموت دونها فاغرا فاه ، ورؤوس الرجال تتقطع والناس في فرّ وكرّ ، وخوف ورعب ، وترى بين الجحفلين رجال صابرين في موقف تشيب له الولدان طواعية لله وحبا وتعظيما له .
واعلم أن خير الحب حبك لمن يؤذيك : فلو أن رجلا من الناس سلبك مالك وما تملك وأخرجك من دارك وأهلك وضربك بقسوة سياطه ، ومع هذا كله كنت أنت له محبا ، أفلا يعني هذا أنك تحبه لعظيم قدره عندك في قلبك على الرغم مما كان منه تجاهك ، كذلك ولله المثل الأعلى فالله تعالى أمر المؤمنين أن يخرجوا فخرجوا طائعين ، وأمرهم أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله ففعلوا وأمرهم بالجهاد فلبوا مناد الجهاد ، ووضع عليهم من الأوامر الشاقة فأطاعوا وأمرهم بترك اللذات المحرمة عليهم فتركوها ، قال الله تعالى : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [ البقرة / 216 ] ، أليس هذا كله دليل على عظمة الله تعالى في قلوب المؤمنين ؟ فلولا الشرّ لما كانت هذه النتائج المرضية العجيبة .
ثم إن الله تعالى لما خلق الخلق ما خلقهم إلا ليعبدوه فقال تعالى : { وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون } [ الذاريات / 56 ] ، وإن من أحسن العبادات الصبر على الطاعة مهما شقت والصبر على ترك الملذات مهما استحسنتها الأنفس .

والله أعلم

لماذا يتعذب بعض الأطفال في الدنيا؟

ما هي الحكمة من ألَم الأطفال في الدنيا؟

السؤال:

حاولت أن أدعو صديق لي في العمل للإسلام والإيمان بالله فقال إن الحاجز الذي يعيقه عن الإيمان بالله هو أن الأطفال البريئين يتألمون في هذه الدنيا ، وهو لا يستطيع أن يفهم لماذا يحصل هذا الشيء . فكرت قليلاً ثم وجدت جواباً وأريد تعليقك وجوابك قبل أن أقابله وأعطيه الجواب.

– لا أريد أن أقول لك جوابي حتى لا  يؤثر على جوابك أو تفكيرك في الموضوع.

جزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

ينبغي أن يعلم الناس جميعاً أن الله تعالى حكيم ، وأن في أوامره وتقديراته الحكمة البالغة ، وأنه قد يعلم عباده أو بعض عباده حكمته فيها ، وقد يخيفها عنهم ابتلاء واختبارًا.

والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ، وذلك كإرسال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر أنه أرسله رحمة للعالمين ، ومثلها خلق الجن والإنس إنما هو لتوحيده سبحانه وتعالى .

قال ابن تيمية:

وعلى هذا فكل ما فعله علمْنا أن له فيه حكمة ، وهذا يكفينا من حيث الجملة ، وإن لم نعرف التفصيل ، وعدم علْمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته ، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأما كنْه ذاته فغير معلومة لنا : فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه ، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به ، وعدم علْمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته ، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها.

ونحن نعلم أن مَن علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفاً بصفاتهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو : لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه ، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو ، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفاً للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير علمٍ بشيءٍ من ذلك.

” مجموع الفتاوى ” ( 6 / 128 ).

وإيلام الله تعالى للأطفال لا شك ولا ريب أنه لحكمٍ عظيمة لكنها قد تخفى على بعض الناس فينكر تقدير الله تعالى لهذا الأمر ، ويَدخل عليه الشيطان من خلاله فيصده عن الحق والهدى .

ومن حِكم الله تعالى في ألم الأطفال:

  1. الاستدلال به على مرضه أو وجعه ، ولولا ذلك ما عُلم ما به من مرض .
  2. البكاء الذي يولٍّده الألم ، وفيه منافع عظيمة لجسم الطفل .
  3. الاعتبار والاتعاظ ، فقد يكون أهل الطفل هذا من مرتكبي المحرَّمات أو تاركي الواجبات ، فإذا رأوا تألَّم طفلهم فقد يرجعهم ذلك إلى ترك المحرَّمات كأكل الربا أو الزنا أو ترك الصلوات أو شرب الدخان ، وخاصة إذا كان هذا الألم بسبب مرض تسببوا بوجوده كبعض ما سبق ذكره من المحرَّمات .
  4. التفكر في الدار الآخرة ، وأنه لا سعادة ولا هناء إلا في الجنة ، ولا يكون هناك ألَم ولا عذاب ، بل صحة وعافية وسعادة ، والتفكر في النار وأنها دار الألَم الدائم غير المنقطع ، فيعمل ما يقربه إلى الجنة ، ويباعده عن النار .

قال ابن قيم الجوزية:

ثم تأمل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الأطفال وما لهم فيه من المنفعة ؛ فإن الأطباء والطبائعيين شهدوا  منفعة ذلك وحِكمته ، وقالوا : في أدمغة الأطفال رطوبة لو بقيت في أدمغتهم لأحدثت أحداثاً عظيمةً ، فالبكاء يسيِّل ذلك ويحدِّره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح .

وأيضاً: فإن البكاء والعِياط – أي : الصراخ – يوسِّع عليه مجاري النَّفَس ، ويفتح العروق ، ويصلِّبها ، ويقوِّي الأعصاب .

وكم للطفل مِن منفعة ومصلحة فيما تسمعه من بكائه وصراخه ، فإذا كانت هذه الحكمة في البكاء الذي سببه ورود الألم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك : فهكذا إيلام الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة مِن الحكَم ما قد خفي على أكثر النَّاس ، واضطرب عليهم الكلام في حِكمته اضطراب الأرشية –  أي : الخصوم – .

” مفتاح دار السعادة ” ( 2 / 228 ) .

وقال  أيضاً – :

هذه الآلام هي من لوازم النشأة الإنسانية التي لا ينفك عنها الإنسان ولا الحيوان ، فلو تجرَّد عنها لم يكن إنساناً بل كان ملَكا أو خلقاً آخر .

وليست آلام الأطفال بأصعب من آلام البالغين ، لكن لما صارت لهم عادة سهُل موقعها عندهم ، وكم بين ما يقاسيه الطفل ويعانيه البالغ العاقل .

وكل ذلك من مقتضى الإنسانية وموجب الخلقة ، فلو لم يُخلق كذلك لكان خلقاً آخر ، أفترى أن الطفل إذا جاع أو عطش أو برَد أو تعب قد خُصَّ من ذلك بما لم يُمتحن به الكبير ؟ فإيلامه بغير ذلك من الأوجاع والأسقام كإيلامه بالجوع والعطش والبرد والحر دون ذلك أو فوقه ، وما خلق الإنسان بل الحيوان إلا على هذه النشأة .

قالوا : فإن سأل سائل وقال : فلم خُلق كذلك ؟ وهلا خُلق خلقة غير قابلة للألم ؟ .

فهذا سؤال فاسد ؛ فإن الله تعالى خلَقه في عالم الابتلاء والامتحان من مادة ضعيفة، فهي عرضة للآفات ، وركبَّه تركيباً معرَّضا للأنواع من الآلام …

فوجود هذه الآلام واللذات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد ، وأن الحكمة التي اقتضت ذلك هي أولى باقتضاء دارين : دار خالصة للذات لا يشوبها ألم ما ، ودار خالصة للآلام لا يشوبها لذة ما ، والدار الأولى : الجنة ، والدار الثانية : النار …

” مفتاح دار السعادة ” ( 2 / 230 ، 231 ) .

 

والله أعلم.

أسئلة في القدر من مسلم وكافر عن تقدير الشر والمعاصي وأمور أخرى.

أسئلة في القدَر من مسلم وكافر

السؤال:

أنا مسلم منذ ولادتي ولكنني لم أبدأ بتطبيق الإسلام فعليّاً إلا قبل عدة أسابيع ، عندما بدأت أتصفح موقعك والمواقع الأخرى عن الإسلام بدأ الإيمان يزيد في قلبي ، ولكن طريق التقوى لم يكن سهلاً، طرح عليَّ أحد الكفار سؤالاً ووجدت نفسي تائهاً فأرجو أن توضح لي بعض الأمور التي سألني عنها هذا الكافر، ليس فقط لتوضح لي ولكن ربما تزيل الغشاوة عن هذا الكافر تجاه الإسلام.

  • بما أن الله خلق كلَّ شيءٍ ، فقد قدَّر وقوع المعصية لأن الشيطان من مخلوقات الله ومن المؤكد أن الله يعلم عن وجود المعصية في أرواحنا.
  • لماذا لم يطلب الشيطان العفو والمغفرة من الله بعد أن طرده الله من الجنة بسبب إغوائه لآدم وحواء وتسبب في جعلهم يهبطون للأرض؟.
  • بما أن الله يريد من جميع الخلق أن يعبدوه ويوحدوه فلماذا قدر الشر والمعصية؟.
  • هل شعر الله بالضجر – ( والعياذ بالله ) – حتى أنه خلق الإنس وليشعر بالعظمة طلب من العباد أن يعبدوه؟.

5- بما أنه مكتوب لكل شخص هل سيكون مصيره الجنة أو النار فما هو الغرض من وجودنا في هذه الدنيا والله يعلم الغيب؟.

6- إذا كانت الإعاقة وجدت لكي نتفكر ونشكر الله فلماذا نحن سعداء لأننا لم نكن من المعوقين ثم يجب أن نشكر الله على هذه النعمة ؟ وماذا بشأن المعوقين ؟ وإلى من يجب أن ينظروا ليشكروا الله؟.

7- لماذا خلق الله الكثير من الناس ليذنبوا ثم يُلقى بهم في نار جهنم ؟ ما هو السبب؟.

– هذا الكافر ذهب لأبعد من هذا وقال إذا خلق الله الروح فلن يخلق لها ناراً ليعذبها بها.

– أسأل الله أن يرزقك جنة الفردوس على مجهودك. جزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

يمكن للكافر والمسلم أن يقف على حقيقة القدر وما يقدّره الله من خير وشر بأن يعرف مراتب القدَر، ويمكننا تيسير أمرها بأن نقول:

لا يمكن أن يقع شيء في الوجود – من خير وشر – إلا ويكون الله قد علمه ، فلله العلم الكامل الذي لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان ، وهي المرتبة الأولى .

وقد أمر الله تعالى بكتابة ما علم أنه سيقع في اللوح المحفوظ ، وهي المرتبة الثانية .

ولا يقع ما علمه الله تعالى وأمر بكتابته إلا بعد مشيئته ، فلا مشيئة لأحد – طائعاً كان أم عاصياً – إلا من بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى ، وهذا يدل على عظيم قدرة الله تعالى وإحاطته بمخلوقاته ، وهي المرتبة الثالثة .

وبعد أن علم الله وقوع الأشياء – خيرها وشرها – وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وشاءها فإنه يخلقها ، فالله تعالى خالق الإنسان وخالق عمله ، وهي المرتبة الرابعة .

بعد هذا نقول:

هل يعني علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه للمعصية أنه يحبها تعالى ويرضاها ؟ الجواب : لا ، لأن الله تعالى حذَّر منها على لسان رسله وتوعد بعقوبة فاعلها ، فكيف يقال إنه يحبها ويرضاها ؟ .

فإن قال قائل : وكتابته لها في اللوح المحفوظ ؟ قلنا : لم يكتب الله تعالى إلا ما علم أنه سيقع من عبيده .

وهل يلزم من كتابته وتقديره للأشياء أن يكون محبّاً لها ؟ الجواب : لا ، فلا يحب الله تعالى إلا ما يأمر به وهو ما يسميه علماؤنا ” الإرادة الشرعية ” ، وأما الأولى فهي ” الإرادة الكونية ” وهي كل ما كان معلوما لله تعالى ومكتوبا ومقدراً ، وهذا فيه ما يحبه الله تعالى ويرضاه كالطاعة ، وفيه ما يبغضه الله كالمعصية .

ثانياً :

وأما سبب عدم طلب الشيطان المغفرة من الله تعالى فهو الكِبر ، وكمْ صدَّ الكِبْر الكفار عن الدخول في الإسلام والتوبة والرجوع إلى الله تعالى .

قال الله تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }[ الأنعام / 33 ] ، وقال تعالى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } [ النمل / 14 ] .

فنرى في هاتين الآيتين أن الجحود والظلم والعلو هي الأسباب الحقيقية لعدم الإيمان بالله تعالى واتباع رسله ، ولك أن تنظر وتتفكر في معصية آدم – عليه السلام – ومعصية إبليس ، فآدم عليه السلام سارع إلى التوبة والاستغفار ، وأبى إبليس واستكبر عن التوبة .

ومعصية آدم كانت بارتكاب نهي ، بخلاف معصية إبليس والتي كانت بترك الأمر ، والفرق بينهما كبير ؛ لأن الغالب على مرتكب النهي هو الهوى والشهوة ، بخلاف تارك الأمر فإن سبب تركه له هو الكبر والجحود .

قال ابن تيمية :

والكبر والحسد هما داءان أهلكا الأولين والآخرين ، وهما أعظم الذنوب التي بها عصى الله أولا ؛ فإن  إبليس استكبر وحسد آدم ، وكذلك ابن آدم الذي قتل أخاه حسد أخاه ؛ ولهذا كان الكِبْر ينافي الإسلام كما أن الشرك ينافي الإسلام ، فإن الإسلام هو الاستسلام وحده ، فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك به ، ومن لم يستسلم فهو مستكبر كحال فرعون وملئه .

” جامع الرسائل ” ( ص 233 ) .

ثالثاً :

وجواب هذا السؤال مضمَّن في جواب النقطة الأولى ، وملخصه : أن تقدير الله تعالى للشر والمعصية لا لحبه لهما بل لعلمه بوقوعهما ، ولا يمكن أن يقع في ملك الله تعالى ما لا يريده وما لا يعلمه وما لا يخلقه وإن كان مبغوضاً له سبحانه وتعالى .

ولما كان الله سبحانه وتعالى محبّاً للتوحيد والطاعة فإنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب ووعد بالثواب الجزيل لمن أطاع أمره ، وتوعد لمن خالفه .

– ومن فرَّق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية : زال عنه الإشكال .

رابعاً :

هذا السؤال من جاهل بالله سبحانه وتعالى ، غير عالم بما لله تعالى من أسماء وصفات ، فالله سبحانه وتعالى غني عن عبادة العابدين ، ولا يضره كفر الكافرين ، وقد قال سبحانه – في الحديث القدسي – : ” يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم : ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً … ” – رواه مسلم ( 2577 ) – .

ومن علم أحوال ملائكته سبحانه وتعالى وما هم فيه من العبادة والتسبيح والتمجيد لربهم عرف سخف هذا الكلام ، قال تعالى : { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء / 19 ، 20 ] .

وبيَّن تعالى أن البشر لو استكبروا عن عبادته تعالى فإن عنده ملائكة يسبحون الليل والنهار ولا يملون ، قال الله تعالى : { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ } [ فصلت / 38 ] .

وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد ، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً ، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم على أو إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله ” . رواه الترمذي ( 2312 ) وابن ماجه ( 4190 ) ،

وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1722 ) .

الأطيط: صوت الإبل من ثقل حِملها، الصعدات: الطرق ، تجأرون: تتضرعون .

خامساً :

وقد أجبنا عن النقطة في ” أولاً ” ونزيد هنا شيئاً يسيراً ، وهو أن الله تعالى لا يمكن أن يعاقب الناس على ما علمه منهم وكتبه عليهم ، بل يكون العقاب على ما قدمت أيديهم وكسبت جوارحهم.

 

 

 

سادساً:

لله سبحانه أن يبتلي عباده بما يشاء ، ولا شك أن لله تعالى حِكَماً بالغة في تقديره ومشيئته ، فربَّ معوَّق زادته إعاقته قرباً من الله وذلاًّ وانكساراً ودعاء فحصَّل ما لم يحصله الأصحاء ، وربَّ معوَّق صرفته إعاقته عن ارتكاب معاص قدر عليه غيره من الأصحاء .

ولا شك – كذلك – أن من ابتلاه الله تعالى بإعاقة فإنه قد أعطاه كثيراً من الصحة والعافية ونِعَم الله تعالى لا تُعدُّ ولا تُحصى ، فمن كان لا يبصر – مثلاً – فإنه يفكر ويتكلم ويمشي وينام ويقوم … الخ ، وهكذا يقال في كل إعاقة أو أكثر فإن الله سبحانه وتعالى يهب أصحابها صحة وعافية أكثر مما أخذ منه .

ويجب على من ابتلاه الله تعالى بالإعاقة أن يصبر عليها وأن يحمد الله تعالى على العافية في غيرها ، وعلى من كان صحيح الجسم معافى البدن أن يشكر الله تعالى على نعمته وأن يحمد الله على العافية .

والمؤمن ليس كغيره فإنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطأه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ويعلم أن السراء من الله فيشكر الله عليها ، والضراء منه تعالى فيصبر عليها لو ابتلاه الله بها ، وليس ذلك إلا للمؤمن كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم .

والمعوَّق لو نظر إلى من هو أكثر منه إعاقة لعلم مدى نعمة الله تعالى عليه ، وهكذا يقال في كل من تصيبه مصيبة فإنه لو يتفكر في مصيبة غيره مما تكون أعظم من مصيبته : فإنه تهون عليه مصيبته .

والإنسان يتقلب في نِعم عظيمة من ربه سبحانه وتعالى ، ولو قضى عمره كله في شكر الله تعالى ما أدَّى شكر نعمةٍ واحدة من نِعَمه فكيف أن يؤدِّي شكر نِعَمه كلها .

سابعاً :

قد بيَّنا أمر هذا الإشكال فيما سبق في الجواب ، ونزيد هنا أن الله تعالى قد بيَّن أنه خلق الإنس والجن ليعبدوه وحده لا شريك له ، لا ليذنبوا ويعصوا ، قال الله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } [ الذريات / 56 ، 57 ] .

ثامناً :

وأما قول الكافر أن الله تعالى لن يخلق ناراً للروح : فكذب محض ، والنار مخلوقة الآن ، وهي معدَّة للكافرين ، وسيعذب فيها الكفار بأرواحهم وأجسادهم .

وأخيراً :

فإننا ننصح الأخ السائل أن يقوي إيمانه بكثرة قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى والنظر في تفسير معانيه ، وكذا في قراءة كتب الحديث وسيَر أعلام النبلاء من الصحابة والتابعين ، وكذا أن يكثر من الدعاء والإخبات لربه عز وجل ، وعليه أن يبحث عن صحبة صالحة يستفيد منها زيادة في علمه وإيمانه .

كما ننصحه بالابتعاد عن الكفار وعدم سماع شبهاتهم ، فالقلب كلما تعرض للشبهات كلما ضعف إيمانه ويقينه ، ولا ينبغي أن يكون المسلم سمَّاعاً لمثل هؤلاء الذين يُبعدون المسلم عن دينه ويشككونه في إسلامه .

– ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإيمان واليقين ، وأن يزيدك علماً وتوفيقاً وهدى.

 

والله أعلم.

 

الفطرة والنفس الأمارة بالسوء، ولماذا نفعل المعاصي إذا كنا مفطورين على الإسلام؟

الفطرة والنفس الأمارة بالسوء

السؤال:

ما هو المفهوم الإسلامي للفطرة والنفس الأمارة بالسوء؟ إذا كنا مفطورين على عبادة الله وحده فكيف تقودنا أنفسنا للمعاصي؟ ما هو الشيء الذي يبعدنا عن عبادة الله وأين تقع النفس الأمارة بالسوء؟

في سورة الأعراف أُخبرنا بأنه قد تم أخذ العهد علينا قبل ولادتنا بالإقرار بأنه لا إله إلا الله، فهل يجعلنا هذا مسؤولين عن تذكر أو نسيان هذه الرسالة بعد وصولنا للدنيا ؟ هل معنى هذا أن أي شخص بالغ عاقل مسؤول عن الشرك ؟ ولكنني قرأت في إجابتك بأن الشخص الذي وصلته صورة مشوهة عن الإسلام لا يؤاخذ ، كيف هذا وقد شهدنا جميعاً بأنه لا إله إلا الله والصورة المشوهة ليس لها أي قيمة أظن بأنه إذا كان هناك فهم صحيح لمعنى الفطرة والنفس وما الذي يقودنا للضلال بعد قدومنا للدنيا قد يكون أسهل للفهم . جزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

– اختلف أهل العلم في معنى ” الفطرة “، والصواب من الأقوال: أنها الإسلام.

قال شيخ الإسلام رحمه الله : أما قوله صلى الله عليه وسلم : ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه “: فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي فطرة الإسلام ، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال : { ألست بربكم قالوا بلى } ، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة ، والقبول للعقائد الصحيحة ؛ فإن حقيقة ” الإسلام ” أن يستسلم لله لا لغيره ، وهو معنى لا إله إلا الله ، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال : ” كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ” : بيَّن أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ ، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله : ” إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ” .

ولهذا ذهب الإمام أحمد رضي الله عنه في المشهور عنه : إلى أن الطفل متى مات أحد أبويه الكافرين حكم بإسلامه ؛ لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة .…

ومثل الفطرة مع الحق : مثل ضوء العين مع الشمس ، وكل ذي عينٍ لو تُرك بغير حجاب لرأى الشمس ، والاعتقادات الباطلة العارضة من تهوُّدٍ وتنصُّرٍ وتمجُّسٍ : مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس . وكذلك أيضا كل ذي حس سليم يحب الحلو إلا أن يعرض في الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرّاً ، ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل ، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً ، ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغيِّر لما كان إلا مسلماً ، وهذه القوة العلميَّة العمليَّة التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع : هي فطرة الله التي فطر الناس عليها . ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 4 / 245 – 248 ) .

وأما النَّفس الأمَّارة بالسوء فهي التي تأمر صاحبها بفعل المعاصي وترك الطاعات ، وقد جاء ذكرها على لسان امرأة العزيز التي حاولت فعل الفاحشة مع النبي يوسف عليه السلام ، قال الله تعالى : { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ يوسف / 53 ] .

ثانياً :

وأما أنفسنا: فالتي يقودها إلى المعاصي والكفر هو تأثير البيئة – كما سبق في الحديث – ، وقد جبل الله تعالى النفوس على الميل إلى الشهوات ، قال تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس / 7 – 10 ] .

والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ولا المعصية ، بل أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب لئلا يقع من الخلق ما لا يحبه الله تعالى ، قال عز وجل : { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الزمر / 7 ] .

ثالثاً :

والأشياء التي تبعدنا عن عبادة الله تعالى كثيرة ، ومنها : اتباع الهوى ، وجحد اليوم الآخر، والاغترار بعبادة الكفار وآلهتهم ، وترك بلاد المسلمين والانغماس في ديار الكفر والفجور ، وتزيين شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل ، وترك العلم والرضا بالجهل بالإسلام وشرائعه .

* وأما النفس الأمارة بالسوء فمكانها هو القلب:

قال ابن القيم :

فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه جعل هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد وشرّها أوعاها للغي والفساد وسلّط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنّة الماؤى ويستحق من لا يصلح للجنة بمتابعته نارا تلظى وجعله مركب النفس الأمارة بالسوء وقوتها وغذاها وداء النفس المطمئنة ومخالفته دواها . ” روضة المحبين ” ( ص 5 ) .

رابعاً :

قال الله تعالى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } [ الأعراف / 172 ] .

عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بـ ” نعمان ” – يعني : عرفة – فأخرج من صلبه كلَّ ذريةٍ ذرأها ، فنثرهم بين يديه كالذرِّ ، ثم كلمهم قُبُلا قال : ” ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنَّا كنَّا عن هذا غافلين ، أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل ، وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ” . رواه أحمد ( 2415 ) ، وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1623 ) .

عن حجاج بن المنهال قال : سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث ” كل مولود يولد على الفطرة ” قال : هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم ، حيث قال { ألست بربكم قالوا بلى } . رواه أبو داود ( 4716 ) ، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود ” (3947).

وهذا العهد والميثاق حقٌّ وصِدْق ، ولا يذكره أحد ، وهو ليس الذي يكون سبباً لعذاب الكافر والمشرك ، بل هو الموافق للفطرة التي خلقهم الله عليها كما فسَّره حماد بن سلمة ، وأما العذاب فإنما يكون للكافر بسبب تركه الإيمان بالله الذي بلغه عن طريق الرسل وأتباعهم وقرأ وسمع ذلك في كتاب ربه عز وجل .

قال العلامة حافظ حكمي :

هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنَّة :

الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } الآيات ، وهو الذي قاله جمهور المفسرين – رحمهم الله – في هذه الآيات ، وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما .

الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة ، وهو أنه تبارك وتعالى فطَرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول ، كما قال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}[ الروم / 30 ] الآية ، وهو الثابت في حديث أبي هريرة وعياض ابن حمار والأسود بن سريع رضي الله عنهم وغيرها من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما .

الميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب تجديداً للميثاق الأول ، وتذكيراً به { رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً }[ النساء / 165 ] ، فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته التي هي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف ؛ لأنه جاء موافقاً لما في فطرته وما جبله الله عليه فيزداد بذلك يقينه ويقوى إيمانه فلا يتلعثم ولا يتردد ، ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه وهوَّده أبواه أو نصَّراه أو مجَّساه ، فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته فرجع إلى فطرته وصدَّق بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب : نفعه الميثاق الأول والثاني ، وإن كذَّب بهذا الميثاق : كان مكذِّباً بالأول فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه حيث قال : بلى ، جوابا لقوله تعالى { ألست بربكم } وقامت عليه حجة الله وغلبت عليه الشقوة وحق عليه العذاب ومن يهن اللهُ فما له من مُكْرِم ، إن الله يفعل ما يشاء ، ومن لم يدرك هذا الميثاق بأن مات صغيراً قبل التكليف مات على الميثاق الأول على الفطرة ، فإن كان من أولاد المسلمين : فهم مع آبائهم ، وإن كان من أولاد المشركين : فالله أعلم بما كان عاملا لو أدركه كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال صلى الله عليه وسلم الله تعالى إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين … ” معارج القبول ” ( 1 / 92 ، 93 ) .

 

خامساً :

ولم نقل إن من وصلته صورة الإسلام مشوّهة إنه غير مؤاخذ ، بل قلنا إنه لم تُقم عليه الحجة في الدنيا ، وأنه سيختبر في الآخرة ، وأما في الدنيا فلا يعامل معاملة المسلمين بل يعامل معاملة الكفار من حيث الذبح والزواج وما شابه ذلك ، وفي الآخرة تكون حاله بحسب طاعته وعصيانه في اختبار الآخرة .

عن الأسود بن سريع قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أربعة يوم القيامة يدلون بحجة : رجل أصمّ لا يسمع ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ومن مات في الفترة ، فأما الأصم فيقول : يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً ، وأما الأحمق فيقول : جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل ، وأما الذي مات على الفترة فيقول : يا رب ما أتاني رسولك ، فيأخذ مواثيقهم ليطعنه ، فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ، قال : فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً .  رواه أحمد ( 15866 ) والطبراني في ” الكبير ” ( 1 / 287 ) . ورواه أحمد ( 15866 ) من حديث أبي هريرة ، وفي آخره ” فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها يُسحب إليها ” . وصححهما الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1434 ) .

 

والله أعلم.

 

 

يريد تحصيل العلم فيما يتعلق بالأمور الغيبية – لا سيّما عالم الجن –

يريد تحصيل العلم فيما يتعلق بالأمور الغيبية – لا سيّما عالم الجن –

السؤال:

أريد أن أتعلم وأتزود من العلم حتى يمكنني أن أسمي نفسي مسلماً عن حق وليس بالاسم فقط ، أريد أن أتعلم عن الأشياء الغيبية فهي تقلقني وتخيفني ، بدأ هذا الأمر عندما كنت مرة نائماً وأحسست بشيء يلمس رأسي ولم يكن هناك أحد ، لم أر أو أسمع من قبل عن شيء يقال له الجن ، كما أنه لا يوجد لدي اليقين اللازم ، ودائماً أتخيل سوء الحظ ، قال لي صديقي بأنني يجب أن لا أضع نفسي دائماً في موضع سيئ الحظ وأنني يجب أن أترك الأشياء التي لا أعلم عنها .

أريد أن أتعلم حتى لا أخاف أبداً ، أريد نصيحتك بطريقة تحصيل العلم ولماذا أتخيل الجن وأخاف منهم .

– سأكون ممتناً جداً إذا أجبت عن سؤالي .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

لمعرفة كيفية طلب العلم والكتب التي تبدأ بها يرجى مراجعة إجابة أسئلة سابقة  وفيها قائمة موسعة بأسماء الكتب التي ننصحك بها في طلب العلم .

ثانياً :

وما سألتَ عنه من خوفك من الجن : إنما هو بسبب التوهم ، وعليك أن تتعامل مع المحسوس دون الخيالات والتي يستغلها الشيطان لإيخافك مما لا يخيف ، أو مما لا وجود له ، أو مما يمكن دفعه بأيسر طريق .

والشياطين مهما بلغ كيدهم وضررهم فإنه يمكن دفع شرهم بالاستعاذة بالله منهم ، ويمكن التخلص من هذه الأوهام بتقوية الإيمان وزيادة الصلة بالله سبحانه وتعالى .

والخوف الوهمي: هو الخوف الذي ليس له سبب أصلاً ، أو له سبب ضعيفٌ جدّاً ، فهذا خوف مذموم ويدخل صاحبه في وصف الجبناء ، وقد تعوَّذ النبي صلى الله عليه وسلم من الجبن ، فهو من الأخلاق الرذيلة ، ولهذا كان الإيمان التام والتوكل الصحيح أعظم ما يدفع هذا النوع من الخوف ويملأ القلب شجاعةً ، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه الخوف من غير الله ، وكلما ضعف إيمانه زاد وقوي خوفه من غير الله ، ولهذا فإن خواص المؤمنين وأقوياءهم تنقلب المخاوف في حقهم أمناً وطمأنينة لقوة إيمانهم ولسلامة يقينهم وكمال توكلهم { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونِعْم الوكيل . فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضل لم يمسسهم سوء } .

نشرة ” الخوف من الله عز وجل ” – مجموعة من مصادر متفرقة – .

 

 

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

والخوف أقسام :

الأول : خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع ، وهو ما يسمى بخوف السر.

وهذا لا يصلح إلا لله – سبحانه – ، فمن أشرك فيه مع الله غيره ؛ فهو مشرك شركاً أكبر ، وذلك مثل : مَن يخاف من الأصنام أو الأموات ، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم ؛ كما يفعله بعض عباد القبور : يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله .

الثاني : الخوف الطبيعي والجبلي ؛ فهذا في الأصل مباح ، لقوله تعالى عن موسى :{ فخرج منها خائفاً يترقب } [ القصص / 21 ] ، وقوله عنه أيضاً : { رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون } [ القصص / 33 ] ، لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم : فهو محرم ، وإن استلزم شيئاَ مباحاً : كان مباحاً ، فمثلاً من خاف من شيء لا يؤثر عليه وحمله هذا الخوف على ترك صلاة الجماعة مع وجوبها ؛ فهذا الخوف محرم ، والواجب عليه أن لا يتأثر به .

وإن هدده إنسان على فعل محرم ، فخافه وهو لا يستطيع أن ينفذ ما هدده به ، فهذا خوف محرم لأنه يؤدي إلى فعل محرم بلا عذر ، وإن رأى ناراً ثم هرب منها ونجا بنفسه ؛ فهذا خوف مباح ، وقد يكون واجباً إذا كان يتوصل به إلى إنقاذ نفسه .

وهناك ما يسمى بالوهم وليس بخوف ، مثل أن يرى ظل شجرة تهتز فيظن أن هذا عدو يتهدده ، فهذا لا ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك ، بل يطارد هذه الأوهام لأنه حقيقة لها ، وإذا لم تطاردها ؛ فإنها تهلكك .…

… وعُلم من هذه الآية أن للشيطان وساوس يلقيها في قلب ابن أدم منها التخويف من أعدائه ، وهذا ما وقع فيه كثير من الناس ، وهو الخوف من أعداء الله فكانوا فريسة لهم ، وإلا لو اتكلوا على الله وخافوه قبل كل شيء لخافهم الناس ، ولهذا قيل في المثل : مَن خاف الله خافه كل شيء ، ومن اتقى الله أتقاه كل شيء ، ومن خاف من غير الله خاف من كل شيء .

ويفهم من الآية أن الخوف من الشيطان وأوليائة مناف للإيمان ، فإن كان الخوف يؤدي إلى الشرك ، فهو مناف لأصله ، وإلا ، فهو مناف لكماله .

” القول المفيد ” ( 2 / 67 – 71 ) .

 

والله أعلم.