هل يحرم التخطيط للغد في الإسلام؟

السؤال

هل يحرم التخطيط للغد في الإسلام علمًا بأننا نعتقد بأن الموت يأتي في أي وقت؟

الجواب

الحمد لله

لا يحرم أن يتفكر المسلم في أمور دنياه التي تصلح له معاشه في غده لأن غده قد يأتيه إن لم يبغته الموت فيكون مستعدًا لأمور دنياه المباحة التي لم يحرمها الشرع ولكن عليه ألا يبالغ في ذلك وألا يضيع عليه هذا أمر آخرته فيجعل حياته كلها في التخطيط لغد.

مع أن مسلك الصالحين هو الزهادة في الدنيا واحتقارها وتعظيم شأن الآخرة حتى أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يصبر على مال كان عنده بعد صلاته بل بادر بإخراجه.

عن عقبة قال:” صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ففزع الناس من سرعته فخرج عليهم فرأى أنهم عجبوا من سرعته فقال ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته “. رواه البخاري ( 813 ).

– ومع هذا فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة مقابل طعام.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ”  توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير ” . رواه البخاري ( 2759 ) ومسلم ( 1603 ).

– وكان يدَّخر من الطعام لأهله أحياناً قوت سنَةٍ.

عن ابن عيينة قال: قال لي معمر: قال لي الثوري: هل سمعت في الرجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة؟ قال معمر: فلم يحضرني ثم ذكرتُ حديثًا حدثناه ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سَنَتِهم. رواه البخاري ( 5042 ) – واللفظ له – ومسلم ( 1757 ).

* قال ابن حجر:

ومع كونه صلى الله عليه وسلم كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجرَّه منهم لمن يرِد عليه، ويعوضهم عنه، ولذلك مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعيرٍ اقترضه قوتًا لأهله. ” فتح الباري ” ( 9 / 503 ).

وهذا الحديث لا يعارض ما رواه الترمذي ( 2362 )  وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 920 ) من حديث أنس ” كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدَّخر شيئًا لغد”.

* قال الحافظ ابن حجر:

وقد ورد في الادخار: ” كان يدخر لأهله قوت سنة ” وفي رواية ” كان لا يدخر لغدٍ ” والأول في ” الصحيحين “، والثاني في ” مسلم ” والجمع بينهما:

أنه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو: أن ذلك كان باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة. ” فتح الباري ” ( 10 / 26 ).

قلت: وقد وهم الحافظ رحمه الله في نسبة الحديث الثاني لمسلم.

فلم يمنعه زهده وورعه واحتقاره للدنيا أن يأخذ الطعام لغده، ولو لم نفعل هذا لما زرع زارع ولا حصد حاصد ولا بنى بانٍ ولا استقام أمر واحدٍ من أمور الحياة.

وقد عُلِم أن من عقائد المتصوفة تحريم الادخار للمستقبل.

* قال ابن عبد البر:

وفي ذلك رد على من قال من الصوفية لا يدخر لغدٍ.

” التمهيد ” ( 3 / 253 ).

فقد قال الله تعالى: { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } [ القصص /  77 ].

 * قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية:

{ وابتغ  فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا }: أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح فإن لربك عليك حقًّا ولنفسك عليك حقًّا ولأهلك عليك حقًّا ولزوْرك عليك حقًّا فآت كل ذي حق حقه.

– { وأحسن كما أحسن الله إليك } أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك.

– { ولا تبغ الفساد في الأرض } أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض وتسيء إلى خلق الله { إن الله لا يحب المفسدين }. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 400 ).

ولو استعرض الإنسان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجد تخطيطًا منه صلى الله عليه وسلم لأموره المستقبلية مع جزمه بموته، وذلك مثل التجهيز والتخطيط للهجرة من مكة إلى المدينة، وكذلك التخطيط للغزوات، وللعمرة والحج وما شابه ذلك.

وكل ذلك لا ينافي ما يعتقده المسلم من قرب أجله، ذلك أن الحياة كتب الله لها أن تسير بتفكير وتخطيط وعمل.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة