لماذا لم يهد الله جميع البشر؟

السؤال

بما أن لله كل القوة، فلماذا لم يجعل كل شخص يؤمن به طالما أن ذلك هو ما يريد, ويمنح الهداية لكل شخص حتى يعبده وحده دون سواه؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الله تعالى قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، ولا ترده عن إرادته قوة ولا إرادة، فله القوة البالغة، ومن هو دونه ضعيف، وله الإرادة البالغة ومن هو دونه لا تنفذ إرادته إن أراد

الله شيئًا.

ثانيًا:

ولا يعني كون الله تعالى قادرًا على فعل شيء أنه يلزم فعله، لأن الحكمة قد تقتضي عدم فعله، فالله قادر على أن يخلق الناس ويجعل فريقًا منهم في النار من غير إقامة الحجة عليهم، ولكنه لا يفعل هذا، لأنه ظلم وهو منزه عنه، ولا تقتضيه حكمة الله تعالى البالغة.

إذاً فقد لا يعمل الله تعالى عملا مع قدرته على الشيء وعدم عجزه عن نفاذه، لأن الحكمة لا تقتضيه، فمثلا: أنت قادر على قتل نفسك، فلماذا لا تفعل؟ هل هذا يعني أنك عاجز عن فعل هذا؟

لا، ولكن من السفه والطيش أن تفعل مثل هذا.

ولله المثل الأعلى فهو قادر على كثير من الأمور ولكن حكمه لا ينفذ فيها لأن حكمته اقتضت عدم ذلك.

ثالثًا:

أما قولك: لماذا لا يمنح الله الهداية لجميع خلقه وهو قادر على ذلك؟

نقول: لأن حكمته اقتضت غير ذلك، وإلا فقد أثبت الله تعالى لنا قدرته على ذلك بلا شك ولا ريب، فخلق أهل السماء على هداية تامة وخير تام، لا نقص فيهم ولا سوء ولا شر ورفعهم عنده في السماء، ولو شاء الله تعالى لأهل الأرض لجعل حالهم كحال أهل السماء.

رابعًا:

ولكن ما هي هذه الحكمة التي بها خلق الله تعالى الشرور فخلق إبليس وخلق الكفر وخلق السحر وما أشبه ذلك؟

نقول: من تلك الحكم التي أشرنا إليها:

  1. من أجل أن تتجلى أسماء الله تعالى العلى وصفاته الحسنى، فتظهر آثارها على خلقه فهو: رحيم وغفور وتواب وعفو، فلو لم يكن الشر ولم يكن الذنب والخطيئة لما علم الناس أن من صفاته الرحمة والمغفرة والتوبة على عباده والعفو عنهم إذا أذنبوا وعصوا، ولما تجلت هذه الصفات في قلوبهم ولما عرفوا ربهم حق المعرفة.

والله تعالى حليم وصبور ولولا ذنوب عباده لما علمنا صبره وحلمه، على قوم يعصونه بكرة وعشية، وهو لهم ممهل مرتقب منهم التوبة صابر على ذنوبهم، حليم عليهم مع قدرته على إهلاكهم.

والله تعالى قوي جبار ذو البطش الشديد، ولولا ذنوب عباده الذين أهلكهم الله بسبب ظلمهم ومعاصيهم، لما علمنا أن الله تعالى جبار قوي ذو البطش الشديد.

لمّا علمنا أن الله تعالى  قادر على عباده فتتجلى صفات الله تعالى في قلوب عباده عندما يرون الدمار والهلاك على الكافرين فيكونون له أشد رهبة وخوفا.

وقل مثل ذلك في صفاته كلها.

  1. ومن الحكم: أن يميز الله تعالى عبادَه فيعلم الصالح من الذي هو غير ذلك، ويعلم الذي يحبه من الذي يحب الأنداد من دونه، فلولا الشر عند الناس لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد البشر، ولولا الشر عندهم لما كان الأنبياء هم خير خلق الله، ولولا الشر لما كان أبو بكر وعمر – على خيرهم – قدوة المسلمين إلى يوم القيامة، فهم أبعد الناس عن الشر، فامتازوا بالخير، ولولا وجود الشر لما عرفت قيمة الخير. فلولا السواد لما علم الناس حسن البياض، ولولا ظلمة الليل لما تغزل الشعراء بوجه البدر المنير البسام، ولولا القبح لما علم الناس قيمة الحسن والجمال ولذته.

وقال الشاعر:

وبضده تتميز الأشياء

وقال آخر:

فالضد يظهر حسنه الضد

فانظر عظمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدره وانحطاط أبي جهل في قلبك، فلولا الشر الذي في قلب أبي جهل لما تميز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخير والبركة.

ثم إن من تلك الحكم:

  1. أن الله تعالى حين يفرض على عباده الطاعات والمشقات فإن عباده الصالحين يلبونها على قسوتها وهم لها محبون، فهنا تتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه وذلك أن الأتقياء يحبون أمره وفعله على الرغم من قسوته وغلظته.

فانظر وقد جهز الكافرون جيشا عرمرما بقضه وقضيضه وحده وحديده، وترى السيوف في لمعانها وبريقها، والموت دونها فاغرا فاه، ورؤوس الرجال تتقطع والناس في فر وكر، وخوف ورعب، وترى بين الجحفلين رجال صابرين في موقف تشيب له الولدان طواعية لله وحبا وتعظيما له.

واعلم أن خير الحب حبك لمن يؤذيك: فلو أن رجلا من الناس سلبك مالك وما تملك وأخرجك من دارك وأهلك وضربك بقسوة سياطه، ومع هذا كله كنت أنت له محبا، أفلا يعني هذا أنك تحبه لعظيم قدره عندك في قلبك على الرغم مما كان منه تجاهك، كذلك ولله المثل الأعلى فالله تعالى أمر المؤمنين أن يخرجوا فخرجوا طائعين، وأمرهم أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله ففعلوا وأمرهم بالجهاد فلبوا مناد الجهاد، ووضع عليهم من الأوامر الشاقة فأطاعوا وأمرهم بترك اللذات المحرمة عليهم فتركوها، قال الله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم }[ البقرة / 216 ]، أليس هذا كله دليل على عظمة الله تعالى في قلوب المؤمنين؟ فلولا الشر لما كانت هذه النتائج المرضية العجيبة.

ثم إن الله تعالى لما خلق الخلق ما خلقهم إلا ليعبدوه فقال تعالى: { وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون }[ الذاريات / 56 ]، وإن من أحسن العبادات الصبر على الطاعة مهما شقت والصبر على ترك الملذات مهما استحسنتها الأنفس.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة