الرئيسية بلوق الصفحة 57

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في الدين؟

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في الدين؟

السؤال:

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في دينه؟ وإذا وقع فيها فماذا يتوجب عليه لدرء هذه الفتنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن صلاح دين المرء في الدنيا يعني سعادته وفوزه في الآخرة، ولقد أحسن السائل في اختيار موضوع السؤال لما له من أهمية عظمى، وإن رأس مال المسلم دينه، فمن فرَّط فيه وعرَّضه للفتن فقد خاب وخس، ومن حافظ عليه واعتنى بتقويته أفلح ونجح، ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ).

رواه مسلم ( 2720 ).

* قال المناوي – رحمه الله -:

( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ) أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإن مَن فسد دينُه فسدت جميعُ أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة.

” فيض القدير ” ( 2 / 173 ).

ثانيًا:

ويستطيع المسلم – بتوفيق الله له – أن يحصِّن دينَه من الفتن وذلك بسلوكه سبيل المؤمنين فيما أوصوا به من أمور، ومن ذلك:

  1. الابتعاد عن بيئة الفساد الديني والخلقي، فيبتعد عن السكنى في ديار الكفر، وينأى بنفسه عن مخالطة الفسَّاق، ومن ابتعد وسائل الفساد حفظَ دينه من الضياع بإذن الله، وتوشك بيئات الكفر ومخالطة أهلها أن تؤثر في الساكن بينهم من المسلمين، وقد رأينا وسمعنا ما يفطِّر القلب ممن انتكس على عقبيه، وباع دينه بمتاع من الدنيا زائل، وكان ذلك بسبب انبهاره ببيئة الكفر وأهلها، وموت قلبه في السكنى بينهم، أو بمخالطتهم.

 

ومما يشبه ما سبق: الابتعاد عن الدخول في معترك الخلافات بين المسلمين، وخاصة إذا أدَّى الاختلاف بينهم إلى التقاطع والتدابر والعراك.

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين: تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحدٌ فحمد عاقبة دخوله؛ لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت مِن باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به الذي قال الله فيه ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

” منهاج السنَّة النبوية ” ( 4 / 410 ).

  1. ومما يعين المسلم على تحصين دينه: تقوية إيمانه، بفعل الطاعات الواجبة، وترك المنكرات المحرَّمة، ومن أعظم الطاعات الواجبة: الصلاة، فيحافظ المسلم على إقامتها في أوقاتها، بشروطها، وأركانها، وخشوعها، قال تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام بعموم الطاعات للنجاة من فتن الدين، وحذَّر من فتن الدنيا كالمال والنساء والجاه أن تكون سببًا ليبيع دينه من أجلها، وأخبر أنه قد يكون المرء مسلماً في الليل فيرتد في النهار! أو يكون مسلمًا في النهار فيرتد في الليل.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ). رواه مسلم ( 118 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

المهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من هذه الفتن التي كقطع الليل المظلم، يصبح الإنسان مؤمناً ويمسى كافرًا – والعياذ بالله – يومٌ واحدٌ يرتد عن الإسلام، يخرج من الدَّين، يصبح فيه مؤمنًا ويمسى كافرًا – نسأل الله العافية – لماذا؟ يبيع دينه بعرَض من الدنيا، ولا تظن أن العرَض من الدنيا هو المال! كل متاع الدنيا عرَض، سواء مال، أو جاه، أو رئاسة، أو نساء، أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع: فإنه عرَض، كما قال تعالى: ( تبتغون عرَض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة) فما في الدنيا كله عرَض.

فهؤلاء الذين يُصبحون مؤمنين ويمسون كفارًا، أو يمسون ويصبحون كفارًا: كلهم يبيعون دينهم بعرَض من الدنيا. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن، واستعيذوا دائما من الفتن. ” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 20 ).

  1. ومنه: الدعاء، وقد أرشدنا ربنا تعالى، وعلَّمَنا نبينا صلى الله عليه وسلم من جوامع دعائه ما ينفع من أراد حماية دينه من الفتن، ومنه: قوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم ) في كل ركعة، ومنه: ( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ … ) – رواه والترمذي ( 464 ) وحسَّنه، وأبو داود ( 1425 ) – وهو ما يقوله المسلم في قنوت الوتر، وغير ذلك كثير، مما فيه الاستعانة بالله تعالى أن يهدي الداعي للدين القويم، والصراط المستقيم، وأن يثبته عليهما، وأن يدلَّه على خير طريق وأقصره مما يوصله إلى رضوانه تعالى.
  2. البُعد عن الرفقة السيئة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ ). رواه أبو داود ( 4833 ) والترمذي ( 2378 ) وحسَّنه.

* قال الخطابي – رحمه الله -: 

لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته؛ فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، فلا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًّا في دينه ومذهبه.

” العزلة ” ( ص 141 ).

  1. تعلم العلم الشرعي، والرجوع إلى أهل العلم الثقات.

فمِن أعظم ما يرد به المسلم الفتنة في دينه عنه هو بالعلم الشرعي، ولذا كان الجاهل عرضة للفتنة في دينه، فانظر من يطوف حول القبور، ومن يعتقد النفع والضر بالأموات، فإنك إن تأملت حالهم رأيتهم من الجهلاء، ومن كان منهم على علم فهو ممن باع دينه ليأكل به عرَضاً من الدنيا زائل.

 

ثالثًا:

ومن وقع في شيء من فتن الدِّين:

  1. فليبادر إلى الخروج منها، والانفكاك عنها بالكلية.
  2. وليغيِّر بيئته إلى بيئة طاهرة نظيفة.
  3. وليدعُ ربَّه تعالى – بصدق وإخلاص – أن يخلِّصه منها.
  4. وليعقب بعدها بأعمال صالحة.
  5. وإذا تعين عليه فعل شيء من المعصية ولم يتمكن إلا أن يفعل: فليدفع أعلى المفسدتين بارتكاب أخفهما.

 

والله أعلم.

 

هل ثبت حديث أن الصحابة رقصوا ويستدل بذلك على الرقص في حلَق الذِّكر؟

هل ثبت حديث أن الصحابة رقصوا ويستدل بذلك على الرقص في حلَق الذِّكر؟

السؤال:

الكثير من المتصوفة يتخذون هذا الحديث دليلًا لرقصهم ودروشتهم ويقولون: إن شيخ الاسلام ابن تيمية وغيره قالوا بصحته، هذا الحديث في ” مسند أحمد ” برقم ( 860 ): قال علي رضي الله عنه: زرت النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر وزيد بن حارثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: ( أنت مولاي ) فبدأ زيد يحجل ويقفز على رجل واحدة حول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لجعفر: ( أما أنت فتشبهني في خَلقي وخُلقي ) فحجل جعفر كذلك، ثم قال لي: ( أنت مني وأنا منك ) فحجل خلف جعفر.

فما تعليقكم على هذا الحديث؟ هل هو صحيح؟ وهل يمكن للشخص أن يرقص ويقفز بهذا الشكل لإرضاء الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الوارد في السؤال رواه أحمد ( 2 / 213 )، ولم يصححه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا نعلم أن الصوفية يقيمون وزنًا لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى يقبلوا قوله في الحكم على الأحاديث.

وليعلم أن الصوفية الذين يرقصون في الذِّكر ليس ينطلقون بفعلهم ذاك من نصوص الوحي، بل ولا يقيمون له وزنًا، فهم يبتدعون البدعة بأهوائهم، أو من منامات شيوخهم، ثم لما حاججهم أهل السنَّة بأفعالهم وعقائدهم البدعية راحوا يبحثون عن نصوص توافق ما ابتدعوه في دين الله تعالى، وإلا فأين النصوص التي فيها أن الصحابة تراقصوا وتمايلوا في حلقات يذكرون فيها ربَّهم تعالى؟! إنهم لن يجدوها حتى في الأحاديث الضعيفة، وكل ما يستدلون به من نصوص إما أنها لا يصح، أو أنها لا تنهض للاحتجاج لهم، ومنها هذا الحديث، فلا هو بالصحيح، ولا هو بالذي يحتج به لبدعتهم.

ثانيًا:

والحديث المذكور في السؤال فيه علتان:

الأولى: جهالة أحد رواته، وهو ” هانئ بن هانئ “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، قال: وكان يتشيع، وقال ابن المديني: مجهول، وقال حرملة عن الشافعي: هانئ ابن هانئ لا يُعرف وأهل العلم بالحديث لا يثبتون حديثه لجهالة حاله. ” تهذيب التهذيب ” ( 11 / 22 ).

والثانية: تدليس أبي إسحاق السبيعي.

* قال أبو سعيد العلائي – رحمه الله -:

عمرو بن عبد الله السبيعي أبو إسحاق، مشهور بالكنية، تقدم أنه مكثر من التدليس. ” جامع التحصيل في أحكام المراسيل ” ( ص 245 ).

والحديث ضعفه محققو مسند الإمام أحمد ( 2 / 213، 214 ) وقالوا:

إسناده ضعيف، هانئ بن هانئ تقدم القول فيه، ومثله لا يحتمل التفرد، ولفظ ” الحجل ” في الحديث منكر غريب. انتهى.

وللحديث طريق أخرى رواها ابن سعد في ” الطبقات ” (4 / 35، 36 ) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: إن ابنة حمزة لتطوف بين الرجال … فقام جعفر فحجل حول النبي صلى الله عليه وسلم دار عليه فقال النبي عليه السلام: ( ما هذا؟ ) قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم.

والحديث ضعيف، فهو مرسل، فمحمد الباقر بن علي زين العابدين لم يدرك أحدًا ممن ذُكر في الحديث من الصحابة رضي الله عنهم.

وقد حكم عليه بالإرسال : الزيلعي في كتابه ” نصب الراية لأحاديث الهداية ” ( 3 / 268 )، والألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3 / 256 ).

ثالثًا:

والحديث رواه البخاري في صحيحه – ( 2552 ) – وليس فيه تلك اللفظة المنكرة والتي استدل به الصوفية على رقصهم.

* ونص روايته:

” … فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالَتِهَا وَقَالَ: ( الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ) وَقَالَ لِعَلِيٍّ: ( أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ ) وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: ( أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي ) وَقَالَ لِزَيْدٍ: ( أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا ). انتهى.

رابعًا:

وحتى على فرض صحة الحديث فليس فيه أنهم رقصوا في حلقة ذِكر لربهم – حاشاهم -، وإنما فيه أنهم عبَّروا عن فرحهم بثناء النبي صلى الله عليه وسلم بقفزة على رِجل واحدة، وهو فعل مباح في نفسه، وإنما الحكم عليه يكون تبعًا لسبب فرحهم، وحاشا أحدًا من العقلاء أن يستدل به على رقص أثناء ذِكره لربه تعالى.

* قال البيهقي – رحمه الله -:

وفى هذا – إن صح! – دلالة على جواز الحجَل وهو أن يرفع رجلًا ويقفز على الأخرى من الفرح، فالرقص الذى يكون على مثاله يكون مثله في الجواز، والله أعلم.

” السنن الكبرى ” للبيهقي ( 10 / 226 ).

وحتى هذا الجائز – إن تنزلنا مع الخصم وأن الحديث صحيح وأنه يستدل به على الجواز – فإنه لا يليق بأهل الفضل والقدوة أن يفعلوه، فكيف أن يكون هذا الرقص منهجاً تعبديّاً في حلَق الذِّكر؟!.

* قال البيهقي – رحمه الله -:

والحجَل: أن يرفع رِجلًا ويقفز على الأخرى من الفرح، فإذا فعله إنسان فرحًا بما أتاه الله تعالى من معرفته أو سائر نعمه: فلا بأس به، وما كان فيه تثنٍّ وتكسُّر حتى يباين أخلاق الذكور: فهو مكروه ؛ لما فيه من التشبه بالنساء.

” الآداب ” ( 626 ).

* وقال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

والحجَل هو الرقص، وذلك يكون لفرح، أو شوق، فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محمودًا، والرقص يزيده ويؤكده: فهو محمود، وإن كان مباحا: فهو مباح، وإن كان مذمومًا: فهو مذموم، نعم لا يليق اعتياد ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة؛ لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب، ومالَهُ صورة اللعب واللهو في أعين الناس: فينبغي أن يجتنبه المقتَدى به؛ لئلا يصغر في أعين الناس فيترك الاقتداء به.

” إحياء علوم الدين ” ( 3 / 300، 301 ).

* وقد سُئل الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

ما تقول السادة الفقهاء – أحسن الله توفيقهم – فيمن يسمع الدف والشبانة والغناء ويتواجد، حتى إنه يرقص، هل يحل ذلك أم لا؟ مع اعتقاده أنه محب لله وأن سماعه وتواجده ورقصه في الله؟! أفتونا مأجورين، رحمكم الله.

فقال:

الجواب وبالله التوفيق:

إن فاعل هذا مخطئ، ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل: مردود الشهادة في الشرع، غير مقبول القول، ومقتضى هذا: أنه لا تُقبل روايته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شهادته برؤية هلال رمضان، ولا أخباره الدينية.

وأما اعتقاده محبة الله: فإنه يمكن أن يكون محبًّا لله سبحانه، مطيعًا له، في غير هذا، ويجوز أن يكون له معاملة مع الله سبحانه، وأعمال صالحة في غير هذا المقام.

وأما هذا: فمعصية ولعب، ذمَّه الله تعالى ورسوله، وكرهه أهل العلم، وسموه: بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يُتقرب الى الله سبحانه بمعاصيه، ولا يُطاع بارتكاب مناهيه، ومَن جعل وسيلته الى الله سبحانه معصيته: كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب دينًا: كان كمن سعى في الأرض الفساد، ومن طلب الوصول الى الله سبحانه من غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنَّته: فهو بعيد من الوصول الى المراد.

” جزء فيه فتيا في ذم الشبَّابة والرقص والسماع ” لابن قدامة، مخطوط ( ورقة 2 ).

* وسُئل علما اللجنة الدائمة:

عن حكم الإسلام فيمن يذكرون الله وهم يتمايلون يمينًا وشمالًا في حالة قفز، وفي جماعة، وفي صوت عالٍ؟.

فأجابوا:

لا يجوز؛ لأنه بهذه الكيفية بدعة محدثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 529 ).

 

فالخلاصة:

أن الحديث الوارد في السؤال ضعيف لا يصح، والشاهد المذكور لا يصلح لتحسينه؛ لوجود راوٍ مجهول في الحديث الأول، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يصححه، وأنه لو صحَّ فليس فيه دليل على الرقص في العبادة، بل فعل ذلك بدعة منكرة قبيحة لا يليق بعاقل أن ينسبها لدين الله تعالى.

 

والله أعلم.

 

النصيحة بكتب ومقالات ومواد مرئية لمن أراد دعوة شيعي لطريق أهل السنَّة

النصيحة بكتب ومقالات ومواد مرئية لمن أراد دعوة شيعي لطريق أهل السنَّة

السؤال:

أسألكم ما هي الطريقة التي تساعد فتاة سعودية شيعية الى أن تصبح سنية؟ هل هناك كتب أو أي شيء يساعدني على دعوتها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يسددك وأن يوفقك لما يحب ويرضى، ولا شك أن الدعوة إلى الإسلام، وإلى اعتقاد أهل السنَّة هو أولى ما صرفت فيه الأوقات، وبذل من أجله الغالي والنفيس، وهي وظيفة المرسلين الجليلة، وقد أوجب على الله تعالى على أمة النبي صلى الله عليه وسلم أن تقوم بهذه الأمة، قال تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران/ 104.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

والمقصود من هذه الآية: أن تكون فِرْقَة من الأمَّة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 91 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به، وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه: فعليه أن يقوم به.  ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 166 ).

ثانيًا:

ومما يساعدك على دعوة تلك الفتاة الشيعية لدعوتها لاعتقاد أهل السنَّة والجماعة:

  1. من الكتب المهمة في معرفة عقائد الشيعة والرد على شبهاتهم:

أ. ” منهاج السنَّة النبوية ” لشيخ الإسلام ابن تيمية.

http://www.waqfeya.com/book.php?bid=589

ب. ” أصول مذهب الشيعة الإمامي الإثني عشرية – عرض ونقد ” للشيخ ماصر القفاري.

http://www.dd-sunnah.net/records/view/action/view/id/66/

ج. ” أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق ” إعداد وجمع: سليمان بن صالح الخراشي.

http://saaid.net/book/open.php?cat=89&book=1747

د. ” علماء الشيعة يقولون ” وثائق مصورة من كتب الشيعة، إعداد: مركز إحياء تراث آل البيت.

http://www.alburhan.com/cd_download/shia_s/shia-book.rar

هـ . ” ربحتُ الصحابة ولم أخسر آل البيت ” ، تأليف : علي بن محمد القضيبي – وهو مهم لأنه من تأليف شيعي مهتدي لطريق أهل السنَّة -.

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=89&book=1851

  1. ومن المواد المرئية:

” مناظرات قناة المستقلة “.

هنا مقتطفات منها:

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=37908

وهنا مادة متنوعة من المناظرات:

http://alburhan.com/cd_download/cd.rar

  1. ومن المواقع الإلكترونية المهمة:

أ. ” شبكة الدفاع عن السنَّة “.

http://www.dd-sunnah.net/

ب. ” موقع البرهان “.

http://alburhan.com/

  1. ومن المقالات المهمة في باب دعوة تلك الفتاة لاعتقاد أهل السنَّة:

” أفكار في دعوة الشيعة الإثني عشرية ” للأخ أبي أحمد.

http://www.saaid.net/afkar/71.htm

  1. وأخيرًا:

عليك بهذا الكتاب وهو مؤلَّف لموضوع دعوة الشيعة، وفيه بيان الوسائل النافعة لذلك:

” كيف تدعو شيعيًّا؟ وسائل علمية وعملية لدعوة الشيعة “، تأليف: عبدالمجيد بن عبد الرزاق العمير.

http://saaid.net/book/open.php?cat=5&book=4711

 

والله الموفق.

 

فوائد دراسة التاريخ وحكم دراسة التاريخ الفرعوني تحديدًا

فوائد دراسة التاريخ وحكم دراسة التاريخ الفرعوني تحديدًا

السؤال:

” التاريخ الفرعونى ” أو بمعنى أصح: ” التاريخ المصرى القديم “، ما حكم دراسته بصفة عامة، حيث أنه تاريخ يختص بقوم قد كفروا بالله؟ وما حكم دراسته بصفة أن دراسته تحتاج إلى التعامل مع آثار مثل: تماثيل، ونقوش على جدران المقابر والمعابد، حيث أن تلك الآثار هى سبيل دراسة هذا النوع من التاريخ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

في كتاب الله تعالى دعوات متعددة للنظر في أحوال الأمم السابقة – وخاصة المكذبة للرسل والطاغية في الأرض -، ودعوات للتأمل في حالهم كيف كان وهلاكهم كيف صار، ومن ذلك:

  1. قال تعالى: ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) آل عمران 137.
  2. وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج/ 46.
  3. وقال تعالى: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) الروم/ 9.

 

ثانيًا:

وفي معرفة أحوال الأمم السابقة، وخاصة من أهلكها الله لطغيانها وكفرها: فوائد جمة، ومن أعظمها: أخذ العبرة من هلاكهم وعقوبتهم، والسعي لعدم السير على طريقهم وإلا أصاب المشابهين لهم ما أصاب أسلافهم.

يقول ابن خلدون – رحمه الله -:

اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.

” تاريخ ابن خلدون ” ( 1 / 9 ).

 

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 427 ).

ومن هنا نعى ابن الأثير الجزري رحمه الله على من لم يقم لعلم التاريخ وزنًا، فقال:

لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية: يحتقر التواريخ ويزدريها، ويُعرِض عنها ويلغيها؛ ظنًّا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار؛ وهذا حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، ومن رزقه الله طبعًا سليمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا: علم أن فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والأخروية جمَّة غزيرة.

” الكامل في التاريخ ” ( 1 / 7 ، 8 ).

 

ومما ذكره – رحمه الله – من الفوائد الدنيوية:

أن الملوك ومَن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ورأها مدوّنةً في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا الى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال: استقبحوها، وأعرضوا عنها واطَّرحوها، وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأنّ بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالهم درّت: استحسنوا ذلك ورغبوا فيه، وثابروا عليه وتركوا ما يُنافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخرًا. انتهى.

 

ومما ذكره – رحمه الله – من الفوائد الأخروية:

أن العاقل اللبيب إذا تفكّر فيها، ورأى تقلّب الدنيا بأهلها، وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنّها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تُبقِ على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غنيّ ولا فقير: زهد فيها، وأعرض عنها، وأقبل على التزوّد للآخرة منها، ورغب في دار تنزّهت عن هذه الخصائص، وسلم أهلها من هذه النقائص. انتهى.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

والتاريخ الفرعوني هو حقبة من تاريخ الدنيا، ولا شك أن فيه العبرة والعظة لمن تأمله، ولكننا نجد في هذا الزمان من يريد بذكره لذلك التاريخ عكس ما تريده الشريعة، ومن ذلك:

  1. أنه يراد بتلك الحقبة تأصيل العنصرية في نفوس أهل تلك البلاد، بل إن بعضهم لينسب بلاده إلى ” الفراعنة “! وكذا رأيناه في تسمية فرقهم الرياضية، وأخيرًا – وليس آخرًا – تسمية قناة فضائية باسم ” الفراعنة “.
  2. أنه قد جُعل التاريخ الفرعوني بديلًا – في المناهج الدراسية – عن التاريخ الإسلامي!.

 

قال الدكتور جمال عبد الهادي – حفظه الله -:

ألغي في ” مصر ” التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب، فبينما كان التاريخ الفرعوني يدرَّس في ( 75 ) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط: أصبح يدرَّس في المراحل الثلاث وفي ( 317) صفحة!.

هذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرَّس في المراحل الثلاث في ( 307 ) صفحة، ليختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى ( 32 ) صفحة!. ” مجلة البيان ” ( عدد 130 ).

 

  1. تعظيم الأصنام والأوثان الفرعونية، ورعايتها، وجعلها محطات سياحية، للنظر، والاستمتاع، فلا عبرة بزوال تلك الدولة وطغاتها، ولا اعتبار لتحريم الشريعة المطهرة لبقاء الأصنام شامخة تُرعى، وتُحرس، وتُعظَّم!.

 

هذا بعض ما نراه من سوء وشر ومخالفة للشرع في دراسة ” التاريخ الفرعوني “، ولو كانت الدراسة لتلك الحقبة من باب التأمل والاعتبار بزوال تلك الحقبة بعدما أرست قواعدها في الأرض لكان لتلك الدراسة وجه شرعي، بل لرغَّبنا بها، ولكننا نجد لتلك الحقبة تعظيمًا في نفوس أهل تلك الديار من قبَل أناس مخصوصين – كرفاعة الطهطاوي وأحمد لطفي السيد ومن تبعهم -، ونرى واقعًا مخالفًا للشرع من جهة تعظيم طغاة تلك الحقبة، ومن جهة ورعاية أصنامهم.

 

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما يبيِّن ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا في القرآن قصَّة أحد إلا لنعتبر بها، وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول وكانا مشتركين في المقتضى والحكم، فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين للرسل – فرعون ومن قبله -: لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، لكن الأمر كما قال تعالى: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ )، وقال: ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ )، وقال تعالى: ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ )، وقال: ( يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ).

” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 216 ).

 

وعليه: فما كان من دراسة لتلك الحقبة من التاريخ يسير في الاتجاه المخالف للشرع – من تعظيم للأصنام وأصحابها الطغاة: فهو غير جائز، وما كان من دراسة لتلك الحقبة خاليًا من تلك المخالفات: فهو جائز.

 

والله أعلم.

 

التوكيل في الأضحية لتذبح في خارج بلد المضحي بين المانعين والمجوزين

التوكيل في الأضحية لتذبح في خارج بلد المضحي بين المانعين والمجوزين

السؤال:

الأضحية في بلدنا تصل لمبلغ 1200 ريالًا أو أكثر، والتكلفة عالية حتى لو كان الشخص مقتدرًا، لكن هل دفع هذا المبلغ للجهات التي ترسل أضاحي خارج البلد بقيمة 200 أو 300 ريالًا تقابل 3 أضاحي بدلًا من واحدة بقيمة المحلِّي أفضل بالأجر أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يرغب كثير من المضحين أن ينتفع المسلمون في البلاد الفقيرة بلحوم أضاحيهم وقت العيد، فيوكلون هيئات خيرية لتقوم بذبح تلك الأضاحي في تلك البلاد، فهل يجوز لهم توكيل تلك الجهات لتذبح عنهم أضاحيهم في ذلك البلد؟.

اختلف علماؤنا المعاصرون في ذلك، فمنع منه بعض، وقالوا: إنه خلاف السنَّة، ومن هؤلاء: الشيخ العثيمين رحمه الله والشيخ صالح الفوزان حفظه الله، وأجازه آخرون، ومن هؤلاء: الشيخ الجبرين رحمه الله.

  1. قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وعكس ذلك: أقوام يبذلون أموالهم ليضحَّى بها في أماكن أخرى، وهذا غلط! بعض الناس يعطي ” هيئة الإغاثة ” أو غيرها من الجهات دراهم ليضحَّى عنه في أماكن أخرى، هذا لم يؤد الأضحية، الأضحية شعيرة ينبغي أن تقام في كل بلد، ومن نعمة الله عز وجل أنه لما اختص الحجاج بالهدايا يذبحونها تقربًا إلى الله في أيام العيد: شرع الله لمن لم يحج أن يضحي، حتى يشاركوا الحجاج في شيء من شعائر الله عز وجل، ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الحج/ 36، فإذا كان هذا هو المقصود من الأضحية: قلنا للإنسان: لا تضح خارج بيتك، ضحِّ في بلدك، أقم هذه الشعيرة، والأضحية في مكان يبعث بالدراهم إليه: مخالف للسنَّة، يفوت بها مصالح كثيرة، أذكر منها ما يلي:

أولًا: إخفاء شعيرة من شعائر الله في بلادك، وهي ” الأضحية “.

ثانيًا: يفوتك التقرب إلى الله تعالى بذبحها؛ لأن المشروع في الأضحية أن يباشر الإنسان ذبحها بيده، فإن لم يحسن: فقال العلماء: يحضر ذبحها، وهذا يفوته.

ثالثًا: يفوتك ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأضحية إذا كانت عندك في البلد: فأنت الذي تذكر اسم الله عليها، وقد أشار الله إلى هذه الفائدة بقوله: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) الحج/ 34، فتذهب أضحيتك إلى مكان بعيد لا تدري هل يذكر اسم الله عليها أم لا، وتحرم نفسك من ذكر اسم الله عليها.

رابعًا: يفوتك أن تأكل منها؛ لأنها إذا كانت في ” البوسنة والهرسك “، و ” الشيشان “، و ” الصومال “، وغيرها، هل يمكن أن تأكل منها؟! لا، يفوتك الأكل منها، وقد قال الله عز وجل: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) الحج/ 28، ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) الحج/ 36، فبدأ بالأكل، ولهذا ذهب بعض علماء المسلمين إلى أن الأكل من الأضحية واجب، كما تجب الصدقة يجب الأكل، وهذا قطعًا يفوت إذا ضحيت في غير بلادك.

خامسا: أنه يفوتك التوزيع المطلوب؛ لأن المطلوب في الأضحية أن تأكل، وتهدي، وتتصدق، وهذا يفوت، إذا وزعت هناك لا ندري أتوزع صدقة على الفقراء، أم هدية على أغنياء ، أم هدية على قوم ليسوا بمسلمين؟!.

سادسًا: أنك تحرم أهل بلدك من الانتفاع بهذه الأضاحي، أن تقوم بالإهداء إلى جيرانك، وأصحابك، من الأضحية، وبالصدقة على فقراء بلدك، لكن إذا ذهبتْ هناك: فات هذا الشيء.

سابعًا: أنك لا تدري هل تُذبح هذه على الوجه الأكمل، أو على وجه خلاف ذلك، ربما تذبح قبل الصلاة، وربما تؤخر عن أيام التشريق، وربما لا يسمِ عليها الذابح، كل هذا وارد، لكن إذا كانت عندك ذبحتها على ما تريد، وعلى الوجه الأكمل.

ولهذا ننصح بألا تدفع الدراهم ليضحى بها خارج البلاد، بل تضحى هنا، وننصح – أيضًا – بأن من عنده فضل مال فليتصدق به على إخوانه المحتاجين في أي بلاد من بلاد المسلمين، ولتكن الأضحية له من غير غلو ولا تقصير.

” اللقاء الشهري ” ( لقاء رقم 26 ).

 

  1. وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

أيها المسلمون: الأضحية سنة مؤكدة في حق من يستطيعها، تذبح في البيوت، ويأكلون منها في بيوتهم، ويهدون منها لجيرانه ، ويتصدقون منها على من حولهم من الفقراء.

وأما ما أحدثه بعض الناس من دفع ثمن الأضحية للجمعيات الخيرية لتذبح خارج البلد وبعيدًا عن بيت المضحي: فهذا خلاف السنة، وهو تغيير للعبادة، فالواجب: ترك هذا التصرف، وأن تذبح الأضاحي في البيوت، وفي بلد المضحي، كما دلت عليه السنَّة، وكما عليه عمل المسلمين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حصل هذا الإحداث، فإني أخشى أن يكون بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ).

ومن أراد أن يتصدق على المحتاجين: فباب الصدقة مفتوح، ولا تغير العبادة عن وجهها الشرعي باسم الصدقة – قال تعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) الحشر/ 7.

” مجلة الدعوة “، العدد ( 1878 ) في 27 / 11 / 1423 هـ.

 

وأما الشيخ عبد الجبرين رحمه الله : فالفتاوى عنه كثيرة ، فقد سئل:

هل يجوز ذبح الأضاحي في خارج المكان المتبرع فيه كأن تتبنى مؤسسة خيرية المشروع في المملكة وترسل المبالغ إلى إحدى الدول الفقيرة لعمل المشروع؟.

فأجاب:

لا شك أن الأضاحي تُعتبر صدقات، ويقصد أهلها حصول الأجر بالصدقة على الفقراء، والمستضعفين، حتى يُشاركوا غيرهم في أيام الأعياد فرحتهم وسرورهم بالأكل من هذه اللحوم، والتفكه بها، وحيث أن أهل المملكة عندهم الكثير والكثير من الأضاحي كوصايا عن الأحياء والأموات: فنرى إرسال كثير منها إلى خارج المملكة؛ لذبحها في البلاد الفقيرة؛ توسعة على المسلمين هناك، وتأليفًا لهم، حتى يعرفوا أن إخوانهم في البلاد الإسلامية يحبونهم، ويواسونهم، ويوصلون إليهم ما يحتاجون إليه بقدر الإمكان، فإخراجها وإرسالها إلى الدول الفقيرة: أولى من ذبحها في البلاد الغنية، حيث أن أهلها قد يُصبرونها في الثلاجات، ويأكلون منها عدة أشهر، ولا يجدون الفقراء إلا قليلًا، وقد يجتمع عند فقير أكثر من حاجته، وفي إرسالها إلى الدول الفقيرة تخفيف على المتبرعين، لقلة أثمانها، فيتصدقون بما زاد على ثمن الأضحية في وجوه الخير. انتهى.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?vie…15&parent=1262

 

والذي نراه في هذه المسألة:

  1. أن الأصل في ذبح الأضحية أن تكون بيد المضحي وفي بيته؛ إظهارًا لهذه الشعيرة، ليحضرها ويقوم عليها، فحيث وُجد أهل بيت استطاعوا التضحية فلا نرى إرسالها للخارج لتذبح عنهم في بلاد فقيرة أو غيرها.
  2. أنه يوجد أسباب يمكن من خلال تحققها أن ترسل أثمان الأضاحي للخارج لتذبح عن أصحابها، ومن هذه الأسباب:
  3. رغبة أكثر من فرد في الأسرة الواحدة أن يضحي، فحيث أن السنَّة أن يَذبح أهل كل بيت أضحية واحدة: فإنه إذا رغب أحدٌ من أهل البيت أن يضحي أضحية أخرى غير ما سيضحيه رب البيت: فنرى أن إرسال هذه الأضحية مرغبٌ فيه، وهو موافق للشرع.

ومثله يقال: لو كانت ثمة رغبة من المضحي نفسه أن يذبح أكثر من أضحية، فنوصيه بذبح واحدة في بلده، وإرسال ما يشاء من غيرها في البلاد الفقيرة.

وعليه: فما ذكره الأخ السائل من أن قيمة أضحية واحدة في بلده تعادل ثلاث أضاحي في غيره: ليس عذرًا ليوكل من يذبح عنه تلك الثلاث خارج بلده؛ لما ذكرناه من عدم جواز ذلك لمن يجد ثمن أضحية، ولما قاله بعض أهل العلم  من عدم مشروعية ذبح أكثر من أضحية من الشخص الواحد.

  1. عدم قدرة المضحي على التضحية في بلده بسبب غلاء أسعار الأضاحي، فمثل هذا لا نحرمه من شعيرة الأضحية، ولا نحرم الفقراء في البلاد الفقيرة من الاستفادة من لحومها، فمثل هؤلاء يُفتى لهم باستحباب إرسال أثمان أضاحيهم لبلاد فقيرة لتقام هذه الشعيرة فيها.

 

والله أعلم.

 

معترضة على تخليد الكفار في جهنم وتزعم أن هذا ليس من الرحمة!

معترضة على تخليد الكفار في جهنم وتزعم أن هذا ليس من الرحمة!

السؤال:

إذا كان الله أكثر رحمة بالشخص مِن أمّه ومَن في الأرض جميعًا فلماذا يدخله النار؟ أنا أعلم أن ذلك من باب العقوبة، ولكن نعلم أن الأم ما كان لها أن تضع ابنها قرب النار أبدًا فكيف بحق الله؟ حيث يُوضع الشخص في النار خالدًا فيها، وأي نار؟! إنها نار جهنم، ولا تسأل عنها.

بالنسبة لي: فلا أرى في ذلك رحمة، حتى أسوء الناس لا أظن أنهم يستحقون النار؛ فإنهم لم يطلبوا أن يأتوا إلى هذه الدنيا، بل جاءوا رغمًا عنهم.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. جاء في بيانات السائل أنها أنثى وأنها مسلمة! وأنها تعيش في الغرب! ونأسف – إن كانت البيانات صحيحة – أن يصل الحال بمسلم إلى هذا الحد من الجهل والكفر؛ حيث تعتقد تلك السائلة أنه حتى المشرك بالله تعالى أو ساب الرب عز وجل – ولا أسوأ منهما – لا يستحقان النار! وتعتقد أن إدخال مثل هؤلاء النار – فضلًا عن الخلود فيها – ليس من الرحمة في شيء.

وأما إن كانت البيانات غير صحيحة: فليس يستبعد من الملحدين والزنادقة مثل هذا الاعتراض على الرب عز وجل والطعن في علمه وحكمته ورحمته.

  1. وليُنظر إلى التناقض الوارد في السؤال: فالسائلة تعتقد أن الله تعالى هو الخالق، وهو الذي خلق جهنَّم، وهو الذي يحاسب ويعذِّب، ومع ذلك كله لا تبحث عما يُرضي الله تعالى لتتجنب سخطه وعذابه، ولا تعمل للفوز بمرضاته، فأي شيء يفيدها أنها جاءت إلى الدنيا رغمًا عنها؟! وأي شيء تستفيد منه في حكمها على ما يفعله الله تعالى بالكفار أنه ليس من الرحمة؟! إنه لو كان عندها مسكة عقل لعلمت أن ما تقوله هو ضار بها، وأن واقعها الآن هو أنها على قيد الحياة، وأن مصيرها إلى حفرة مع اعتقادها وأعمالها، وأنها ستلقى ربها بما تعتقده وبما كانت قد عملته.
  2. وتلخيص جواب إشكالاتها – ومعه كثير من إشكالات مشابهة – هو بكلمة واحدة لا غير، وهي ” الحكمة “! فمن اعتقد أن الله تعالى خالقه العالِم بما خلق، والقادر على كل شيء، والمحيط بخلقه: أنه يتصف – سبحانه وتعالى – بالحكمة: زال عنه كل إشكال، بل لم يرد عليه إشكال أصلًا، فالله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى، وأفعاله تعالى صادرة عن حكمة بالغة، وقد أكثر الله تعالى في كتابه الكريم من ذِكر ذلك في صور متعددة، منها:

أ. التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه، كقوله تعالى ( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ) القمر/ 5.

ب. إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله تعالى ( ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) المائدة/ 97.

ج. الإتيان بـ ” كي ” الصريحة في التعليل، كقوله تعالى ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) القصص/ 13.

د. ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو ” من أجل “، كقوله تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) المائدة/ 32.

هـ. إنكاره سبحانه وتعالى على من زعم أنه لم يخلق الخلقَ لغاية ولا لحكمة، كقوله تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) المؤمنون/ 115، وقوله (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) القيامة/ 36، وقوله ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الدخان/ 38، 39، والحق هو الحِكَم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله.

وغير ذلك كثير من الصور المتعددة والمتنوعة.

  1. وكل من زعم مثل زعم من قال بمثل ما جاء في السؤال فقد أساء الظن بربه تعالى غاية الإساءة، وليعلم أن له سلف فيما يقول، لكنه سلف سوء من نفاة ” الحكمة ” عن الله تعالى، ومن الملاحدة.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وسبحان الله! كيف يستجيز أحدٌ أن يظن برب العالمين، وأحكم الحاكمين: أنه يعذِّب كثيرًا من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير غاية، ولا حكمة، ولا سبب، وإنما هو محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب، فلا سبب هناك، ولا حكمة، ولا غاية، وهل هذا إلا من سوء الظن بالرب تعالى!.

” شفاء العليل ” ( ص 205 ).

  1. ويقال لمن اعترض على خلق الله تعالى للنار، وعلى خلق إبليس، وعلى خلْق من علم أن يكفر به تعالى ويخلَّد في نار جهنَّم: يقال لهم:

أ. ” العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالًا ظهرت فيها حكمته، ووقعت على أتم الوجوه، وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت كذلك، ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه: لم يسعهم غير التسليم؛ لما عرفوا مِن حكمته، واستقر في عقولهم منها، وردُّوا منها ما جهلوه إلى محكَم ما علموه.

هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم، حتى إن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم! فإذا جاءهم إشكال على قواعد أئمتهم ومذاهبهم قالوا: هم أعلم منَّا، وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة، ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه! فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول؟! “.

ب. ويقال لهم: إن الرب سبحانه وتعالى من أسمائه أسماء مزدوجة كالقابض الباسط، ومن صفاته تعالى صفات متقابلة كالحب والبغض، والرضا والسخط، وهذه صفات كمال للرب تبارك وتعالى لم يتعطل مقتضاها وموجبها، وقد تعلقت بمحالها التي تليق بها، ومن فهم باب الأسماء والصفات لله تعالى كان هذا كافٍ له لإزاحة الإشكال إن كان طرأ عليه.

والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة، وفوات ظهورها منافٍ لكمال تلك الأسماء والصفات واقتضائها لآثارها.

والسائلة تريد تعطيل صفة السخط، والغضب، والانتقام، وتريد أن لا يظهر من صفاته إلا ” الرحمة ” بمفهومها هي ولو كانت لغير مستحقها، وفي غير مكانها! فالله تعالى قال: ( ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف/ 156، والسائلة تريد هذه الصفة تشمل الذين يفسقون، ولا يؤتون الزكاة، والذين هم بربهم كافرون!! ولا شك أن هذا من أعظم الجهل والضلال، ويكفي لنقضه تصوره وذِكره.

ج. وأي حكمة في جعل الناس كلهم مؤمنين، ومرحومين، وفي الجنة؟! وإنما تتبين الأشياء وتُعرف قيمتها بوجود أضدادها، ” فلولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحُسن، ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عُرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا لما عُرف قدره، ولو جعل الليل سرمدًا لما عُرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرف قدر الإيمان به، فتبارك مَن له في خلقه وأمره الحِكَم البوالغ، والنِّعَم السوابغ “.

ما سبق مستفاد – ملخصًا مهذَّبا – من كتاب ” شفاء العليل ” لابن القيم رحمه الله ( ص 190 – 252 )، وما بين علامتي التنصيص فمن نص قوله رحمه الله.

  1. ونختم بالقول: بأن مفهوم ” الرحمة ” الذي تريده السائلة لو كان محقّقًّا في الأرض: لانتشر بسببه – مع الكفر – الفسق والفجور، ولو لم تكن العقوبات الدنيوية والأخروية في تشريع الله تعالى لحصل الفساد في الأرض، ودعنا هنا نرد على السائلة بعينها في قولها المنكر ” حتى أسوء الناس لا أظن أنهم يستحقون النار “، وإننا نسألها بالله تعالى أن تجيب صادقة: لو كان لأسرة ابنة في الخامسة من عمرها واجتمع عليها أربعة من الرجال فاغتصبوها ونزفت حتى ماتت! وقد صوروا فعلتهم تلك ونشروها مستمتعين، لا يبالون ببكائها، ولا بضعفها، ثم جيء بأولئك الذئاب البشرية لتلك الأسرة وقيل لهم: احكموا عليهم بما شئتم، ونفذوا فيهم ما تطيب به خواطركم من أحكام! فهل تعتقدين أنهم سيكونون بعقليتك النظرية ويرون أنهم ولو كانوا سيئين وفعلوا ما فعلوا فإنهم لا يستحقون عقابًا في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة؟! والجواب يعلمه كل عاقل، ولذا فإن فهمك لمعنى ” الرحمة ” يعني انتشار الكفر والفسوق والفجور، إلا أن يهون عندك الكفر فتجوزين وقوعه من أي أحد كان، وأما المعاصي والموبقات فإنك تعاقبين فاعلها أشد العقوبات، وحينها يكون التناقض.

قال ابن الجوزي – رحمه الله – وفي كلامه ردٌّ على عين مسألتك -:

ومنهم – أي: العوام – من يقول الرب كريم والعفو واسع والرجاء من الدِّين، فيسمُّون تمنِّيهم واغترارهم ” رجاء “! وهذا الذي أهلك عامة المذنبين!.

قال أبو عمرو بن العلاء: بلغني أن ” الفرزدق ” جلس إلى قوم يتذكرون رحمة الله، فكان أوسعَهم في الرجاء صدرًا، فقال له: لم تقذف المحصنات؟ فقال: أخبروني لو أذنبتُ إلى والديَّ ما أذنبته إلى ربي عز وجل أتراهما كانا يطيبان نفسًا أن يقذفاني في تنور مملوء جمْرًا؟ قالوا: لا، إنما كانا يرحمانك، قال: فإني أوثق برحمة ربي منهما.

قلت: وهذا هو الجهل المحض؛ لأن رحمة الله عز وجل ليست برقة طبع، ولو كانت كذلك لما ذُبح عصفورٌ، ولا أُميت طفل، ولا أُدخل أحدٌ إلى جهنم.

وبإسناد عن عباد قال الأصمعي: كنت مع ” أبي نُوَاس ” بمكة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبِّله عند الحجر الأسود! فقلت: ويلك، اتق الله عز وجل فإنك ببلد حرام، وعند بيته الحرام، فقال: ما منه بدٌّ، ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس فوضع خدَّه على خدِّ الغلام فقبَّله وأنا أنظر، فقلت: ويلك أفي حرم الله عز وجل؟! فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشد يقول:

وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود

فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد

قلت: انظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها إلى الرحمة ونسي شدة العقاب بانتهاك تلك الحرمة، وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا أن رجلًا زنى بامرأة في الكعبة فمسخا حجرين.

ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له: تب إلى الله عز وجل، فقال: إياي تخوِّفون؟! حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لكل نبي شفاعة وإني أختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) أفترى لا أكون أنا منهم.

 

 

 

 

قال المصنف رحمه الله:

وخطأ هذا الرجل من وجهين:

أحدهما: أنه نظر إلى جانب الرحمة الله، ولم ينظر إلى جانب العقاب.

والثاني: أنه نسي أن الرحمة إنما تكون لتائب، كما قال عز وجل: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ )، وقال: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ).

وهذا التلبيس هو الذي هلك عامَّة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الإباحة.

” تلبيس إبليس ” ( 1 / 345 ، 346 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

الرد على من زعم أن معنى ( وَفِّرُوا اللِّحَى ) يصدق على من أخذ منها!

الرد على من زعم أن معنى ( وَفِّرُوا اللِّحَى ) يصدق على من أخذ منها!

السؤال:

جاء أحد المشايخ ودحض فكرة عدم جواز الأخذ من اللحية، حيث استدل بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وفّروا اللحى … ) لا يقصد به هنا عدم الأخذ مطلقًا؛ لأن الشخص قد يكون له مال مُدخر في البنك، وقد يكثر هذا المال أو يقل، وفي كلتا الحالتين يُعتبر موفرًا، ويستطيع أن يقول إنه وفّر ماله في البنك حتى لو لم يكن المبلغ الموفّر إلا ريالًا واحدًا، فما قولكم في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نأسف أن يكون مثل هذا التمحل في مناقشة الأدلة الشرعية من قبَل بعض المشتغلين بالعلم، وقد قرأنا في الآونة الأخيرة عبثًا كثيرًا باسم العلم الشرعي من أجل الوصول إلى إباحة الأخذ من اللحية ولو دون القبضة، وإلى إباحة المعازف والغناء ولو كانت المغنية – أو المغني – من أفجر خلق الله! حتى إنك لترى بعض أولئك يلبسون البنطال الضيق، ويقصون لحاهم إلى أدنى درجة، ثم تراه مستمتعًا بسماع أغنية من فاجر أو فاجرة، فهل مثل هؤلاء يؤمنون على دين الله أن ينسبوا له حكمًا؟!.

 

ثانيًا:

ونرد على ذلك المتمحل من وجهين، شرعي، ولغوي:

أما الوجه الشرعي: فنقول له: هب أنك نجحت في تحريف هذه اللفظة النبوية (وفِّروا) فماذا أنت صانع بأخواتها ( أعفوا ) و ( أرخوا ) و ( أرجوا ) و ( أوفوا ) وكلها ألفاظ نبوية جاءت في أحاديث صحيحة تحمل المعنى نفسه وهو ترك اللحية وعدم التعرض لها بحلق أو قص؟!.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما ( أوفوا ) فهو بمعنى ( أعفوا ) أي: اتركوها وافية كاملة، لا تقصوها … .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( وأرخوا ) معناه: أخروها، واتركوها، وجاء في رواية البخاري – ( 5553 ) -: ( وفِّروا اللحى )، فحصل خمس روايات: ( أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا ) ومعناها كلها: تركها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا، وغيرهم من العلماء. ” شرح مسلم ” ( 3 / 142 و 143 ).

 

 

وقد جاءت هذه الكلمة ببعض مشتقاتها بما يدل على معناها في كتاب الله تعالى:

قال تعالى : ( قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا ) الإسراء/ 63 .

قال الطبري – رحمه الله -:

( جزاءً موْفُورًا ): يقول : ثوابًا مكثورًا مكملًا.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 490 ).

وقال ابن كثير – رحمه الله -:

قال مجاهد: وافرًا، وقال قتادة: مُوَفّرا عليكم، لا ينقص لكم منه.

” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 93 ).

فالمعني الشرعي لكلمة ” وفر ” – وهو موافق لمعناها اللغوي -: التكثير، وعدم الإنقاص، وهو يطابق ما ذكرناه من معنى الحديث، وأنه لا يجوز إنقاص شعر اللحية بالأخذ منه.

وأما الوجه اللغوي: فنقول له: إنك لم تصب في قولك ذاك من جهتين:

الجهة الأولى: أنك خالفت المعنى اللغوي للفظة ( وفِّروا )، فجعلت اللفظة تصدق على أخرج شعيرات في وجهه وقضى على غيرها، وهذا تحريف لمعنى تلك اللفظة من حيث وضعها اللغوي الدال على ” الكثرة ” وهذا يقتضي الإبقاء عليها وعدم الأخذ منها حتى تصير وافرة موفورة.

قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

وقوله ( وفِّروا ) بتشديد الفاء: أمرٌ من التوفير، وهو الإبقاء، أي: اتركوها موفرة. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 22 / 46 ).

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

أما قوله وفروا فهو بتشديد الفاء من التوفير وهو الإبقاء أي اتركوها وافرة.

” فتح الباري شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 350 ).

ومثله يقال في باقي ألفاظ الحديث، ولنذكر مثالًا على ذلك لفظة ( أعفوا )، وذلك من كلام أهل اللغة:

قال ابن منظور – رحمه الله -:

وعَفا القومُ: كَثُرُوا، وفي التنزيل ( حتى عَفَوْا ) أَي: كَثُرُوا، وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يَعْفُو فهو عافٍ: كثُرَ وطالَ، وفي الحديث ” أَنه صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بإعْفاء اللِّحَى ” هو أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَصَر كالشَّوارِبِ، من عَفا الشيءُ: إذا كَثُرَ. ” لسان العرب ” ( 15 / 72 ).

 

 

 

وأما الجهة الثانية: فنقول له: إنك جئت للفظة ” التوفير ” بمعنى عامي لا يوافق الواقع اللغوي للكلمة، بل حتى لو وافقها فإنه لا يؤدي لأن تدل على مقصودك، وبيان ذلك:

أن لفظة ” التوفير ” في البنك التي جعل ذلك الشيخ! معناها يصدق على من وضع ريالًا في حسابه: غير موافقة لمعناها اللغوي، وأن اللفظة اللغوية المناسبة والمستعملة على وجهها الصحيح هو ” الادخار “!.

وحتى على المعنى الخطأ الذي استعملها ذلك الشيخ فيه فإنه يرد عليه بها؛ وذلك أن معنى ” التوفير ” في حالة ” الادخار ” في البنك هو ” التكثير “! فمن رغب بالتوفير فهو يعني الجمع بلا حد! والتكثير لماله، فتبين أنه لم يصب لا في استعمال الكلمة بمعناها اللغوي، ولا بمعناها العرفي، بل قد انقلب استدلاله عليه!، وحتى على المعنى الآخر الشائع لدى العامة للفظ ” التوفير ” بمعنى ” الاقتصاد ” و ” التقتير ” فإنه يمكن توجيهه على المعنى الصحيح للفظة وهو ” التكثير “! فهم يوفرون في النفقة لتكثر أموالهم!.

وننقل الآن كلامًا لأحد المختصين باللغة العربية ليرد على ذلك الشيخ، وذلك ببيان معنى كلمة ” التوفير ” لغة ، وعرفًا، ووجه الخطأ في الاستعمال وصوابه:

قال الأستاذ الدكتور مكّي الحسَني الجزائري – وفقه الله -:

جاء في معاجم اللغة وكتبها:

أ. وَفَرَ الشيءُ يَفِرُ وَفْرًا و وُفُورًا: كَثُر واتسع فهو وافر ( واسم التفضيل أوفر؛ يقال: فلانٌ أوفرُ من فلانٍ حظًّا في النجاح ).

فالوَفْر: مصدرٌ بمعنى الكثرة والاتساع، كالوفرة، ويوصف به فيقال: مالٌ وَفْرٌ، ومتاعٌ وَفْرٌ: أي كثير واسع، كالوافر ( ومن المولَّد: الوفير بمعنى الوافر ).

والوَفْر: الغنى [ تستعمل العامة ( الوفر ) بمعنى ما اقتُصد، ما أمكن استبقاؤه وعدم إنفاقِه / استهلاكه، ونرى أنْ لا أثَرَ لهذا المعنى في اللغة ].

قال الجاحظ ( البخلاء / 264 ): ” … ومَن كان سببًا لذهاب وَفْرِه: لم تعدَمْه الحَسْرةُ من نفسه، واللائمة من غيره، وقلّة الرحمة وكثرة الشماتة “. [ وَفْرِه: سَعَتِه].

أما الموفور (الوافر ) فهو التام من كل شيء، يقال: أتمنى لكم موفور الصحة.

ب. وَفَّرَ الشيءَ توفيرًا: كَثَّره.

وَفَّر لفلانٍ طعامه: كَمَّلَه ولم يَنْقُصْه وجَعَلَه وافرًا.

وفّر له الشيءَ توفيرًا: إذا أَتَمَّه ولم يَنْقُصه.

جاء في ( محيط المحيط ): ” والعامة تستعمل ( التوفير ) في النفقة بمعنى التقتير، وضد الإسراف “.

أقول: بل الشائع لدى العامة الآن هو استعمال ( التوفير ) بمعنى الاقتصاد في النفقة واختصارها ( لا التقتير ).

ويمكن توجيه هذا الاستعمال، باعتبار أن الاقتصاد في النفقة يُوفِّر ( يُكثِّر ) الباقي في حوزة المنفِق … .

ج – تَوَفَّر الشيءُ ( مطاوع وَفَّر ): إذا تَحَصَّل دون نقص.

ومن المجاز: توفّر على كذا: صرف هِمَّته إليه. تَوَفَّر على صاحبه: رَعَى حُرُماتِه وبَرَّه. ( ” وأرجو مخلصاً أن يتوفر المؤتمر على حلّ هذه المشكلة “، الكلام موجَّه إلى مؤتمر مجمع القاهرة ).

حكى صاحب الأغاني قَوْلَ بشّار: ” إن عدم النظر يُقوِّي ذكاء القلب، ويقطعُ عنه الشغل بما ينظر إليه من أشياء، فيَتَوفَّر حِسُّه “.

وقال المرتضى في أماليه: ” فيتَوفَّرُ اللبنُ على الحَلْب “.

وقال أبو علي المرزوقي في شرح الحماسة: ” وإن العناية متوفّرة من جهتهم “.

وقال أبو حيّان التوحيدي في مُقابساته: ” ولهذا لا تتوفَّر القُوَّتان للإنسان الواحد “.

وبهذا يستبين أن: ( تَوَفَّر الشيءُ ) يعني: وَفَرَ وتَجَمَّع … .

د. تَوافَرَ الشيءُ: تَوَافُرًا: كَثُر واتسع فهو وافر.

جاء في معجم ( متن اللغة ): ” وهُم متوافرون: هُم كثير، أو فيهم كَثْرة، متكاثرون “.

انتهى باختصار من مقال بعنوان: ” نحو إتقان الكتابة باللغة العربية ” ( مقالة رقم 4).

وقد ذكر الكاتب في آخر مقاله استعمالات للكلمة جانبها التوفيق، وذكر الصواب في استعمالها، ومنها:

قولهم: ” كان همّه أن يوفر أكبر قدْرٍ من دخله “.

والصواب:

كان همه أن يدّخر / يستبقي / يستفضل / أكبر قدر من دخله.

وقولهم: ” استطاع أن يوفر هذا المبلغ الضخم في سنة واحدة

والصواب:

استطاع أن يقتصد / يدّخر هذا المبلغ الضخم في سنة واحدة.

انتهى.

وكما لاحظنا فإن استعمالات كلمة ” وفَّر ” ومشتقاتها لم تخرج عن الاتساع والكثرة وعدم الإنقاص.

به يتبين أن قول الشيخ الذي نقله عنه الأخ السائل لا يصح شرعًا، ولا لغة، وأن الاستعمال العرفي له خطأ، ويمكن توجيهه بما يوافق المعنى الشرعي واللغوي له.

 

والله أعلم.

معنى ” العالِم ” و ” الشيخ ” وكلمة في الإخلاص في طلب العلم وعدم الاستعجال فيه

معنى ” العالِم ” و ” الشيخ ” وكلمة في الإخلاص في طلب العلم وعدم الاستعجال فيه

السؤال:

ما الفرق بين العالِم والشيخ؟ وكيف يتسنَّى لطلاب العلم الوصول لهذه الألقاب مثل ” عالم “، ” مفتي “، ” شيخ “، ” إمام ” … الخ؟ وكيف نستطيع أن نختار عالمًا نثق به ونتبعه لا سيما وأن الخلافات والاختلاف في الرأي هذه الأيام كثيرة بين رجال العلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” العالِم “: هو المحيط علمًا بما في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من أحكام، وهو المحقق للناسخ والمنسوخ، والعارف بفيَّد المطلق، ومخصص العام، وهو المميز لصحيح الحديث من ضعيفه، والمطلع على اختلاف العلماء، مع معرفته لجملة وافرة من علوم الآلة كأصول الفقه، واللغة العربية.

وهذه جملة من أقوال العلماء في ذلك:

  1. قال عبد الملك بن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول: كانوا يقولون: لا يكون إمامًا في الفقه من لم يكن إمامًا في القرآن والآثار، ولا يكون إمامًا في الآثار من لم يكن إمامًا في الفقه.

قال: وقال لي ابن الماجشون: كانوا يقولون: لا يكون فقيهًا في الحادث من لم يكن عالمًا بالماضي. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 47 ).

  1. قال الحاكم النيسابوري:

قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم، والناسخ والمنسوخ من الحديث: لا يسمَّى عالمًا.

” معرفة علوم الحديث ” للحاكم ( ص 60 ).

  1. وروى ابن عبد البر – رحمه الله – عن سعيد بن أبي عروبة قال: مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالمًا. ” جامع بيان العلم وفضله ” ( 2 / 46 ).

 

 

 

 

 

 

ثانيًا:

وأما ” الشيخ “: فتطلق على الكبير في السن، والكبير في العلم، والكبير في القدر.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يصح أن تطلق كلمة ” الشيخ ” لكل أحد من الناس, ولا سيما أن هذه الكلمة أصبحت متفشية؟ فأرجو توضيح ذلك.

فأجاب:

كلمة ” شيخ ” في اللغة العربية لا تكون إلا للكبير, إما كبير السنِّ، أو كبير القدْر بعلمه، أو ماله، أو ما أشبه ذلك, ولا تطلق على الصغير, لكن كما قلتَ: تفشت الآن حتى كاد يلقب بالشيخ من كان جاهلًا أو لم يعرف شيئًا, وهذا فيما أرى لا ينبغي؛ لأنك إذا أطلقت على هذا الشخص كلمة ” شيخ ” وهو جاهل لا يعرف: اغتر الناس به, وظنوا أن عنده علمًا، فرجعوا إليه في الاستفتاء، وغير ذلك، وحصل بهذا ضرر عظيم, وكثير من الناس – نسأل الله لنا ولهم الهداية – لا يبالي إذا سئل أن يفتي ولو بغير علم, لأنه يرى إذا قال: ” لا أدري “: كان ذلك نقصًا في حقه, والواقع: أن الإنسان إذا قال فيما لا يعلم ” لا أدري “: كان ذلك كمالًا في حقه, ولكن النفوس مجبولة على محبة الظهور إلا من عصم الله عز وجل.

فالذي أرى: أنها لا تطلق كلمة ” شيخ ” إلا على من يستحقها, إما لكبره، أو لشرفه وسيادته في قومه, أو لعلمه, وهذا كما كان بعض الناس الآن يطلق كلمة ” إمام ” على عامة العلماء, حتى وإن كان هذا العالم من المقلدة يقول: هو إمام, وهذا أيضًا لا ينبغي, ينبغي ألا تطلق لفظ ” إمام ” إلا على من استحق أن يكون إمامًا، وكان له أتباع, وكان معتبرًا قوله بين المسلمين.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 117 / السؤال 11 ).

ثالثًا:

وقد لفت نظرَنا قولُك ” وكيف يتسنَّى لطلاب العلم الوصول لهذه الألقاب مثل ” عالم “، ” مفتي “، ” شيخ “، ” إمام ” … الخ؟ “! وننبهك على أمرين مهمين:

  1. الإخلاص في الطلب.

فطالب العلم إنما يطلبه لأجل أنه فريضة فرضه الله تعالى عليه، ولأجل أن يرفع الجهل عن نفسه وعن الآخرين، وحتى يحوز الطالب على رضا ربه تعالى وعلى منزلة وفضل طلب العلم: لا بدَّ أن يكون مخلصًا في طلبه للعلم، وأنه لا يقصد بطلبه أن يشار له بالبنان، وأن ينتشر اسمه في الآفاق، وأن يصرف وجوه الناس إليه، وإنه لو لقي ربَّه وهو جاهل أهون من أن يلقاه عالمًا بهذه النيات، ونكتفي بذكر حديثين في هذا الباب لعلهما أن يكونا كافيين لمن نوى بطلبه العلم ما ذكرنا:

  1. عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ … وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَه نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُه وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَال عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ … . ).

رواه مسلم ( 1905 ) ورواه الترمذي ( 2382 ) وفي آخره: فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) والثلاثة في الحديثين هم: عالم، ومنفق، ومجاهد.

  1. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ).

ابن ماجه برقم ( 253 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

وفي ” حاشية السندي على ” سنن ابن ماجه “:

قوله ( ليماري به السفهاء ) أي: يجادل به ضعاف العقول.

قوله ( أو ليباهي به ) أي: يفاخر.

( أو ليصرف وجوه الناس إليه ) أي: ينوي به تحصيل المال والجاه، وصرف وجوه الناس العوام إليه، وجعلهم كالخدم له، أو جعلهم ناظرين إذا تكلم متعجبين من كلامه إذا تكلم، مجتمعين حوله إذا جلس. انتهى.

  1. عدم الاستعجال لتفتي أو تؤلف أو تدرِّس.

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولا يجوز للإنسان أن يتصدَّر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا ) – متفق عليه -.

والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ولكنه يأتي حتى يدركه وينشره: فإنه إن فسح له الأجل حتى أدرك ما أراد: فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقضى الله عليه الموت: فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.

وكم من إنسان تعجَّل في التدريس والفتيا فندم؛ لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا خرجت من فم صاحبها ملكَتْه، وإذا كانت عنده ملكَهَا .

 

 

 

فليحذر الإخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل، وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة، وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يبيع، بل يدرك من يشتري منه، بل العلم إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعرًا حين الفتوى شيئين:

الأول: أنه يقول عن الله عز وجل وعن شريعة الله.

الثاني: أنه يقول عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء.

” كتاب العلم ” ( ص 135 ، 136 ).

 

رابعًا:

وأما العالِم الذي يُستفتى في دين الله تعالى: فهو الذي جمع بين العِلم والتقوى، ويجب على العامي أن يتحرى ذلك كما يتحرى في أمور دنياه، ولكل شيء قواعده، فهيئة العالِم واستدلاله بالنصوص وحكمه على الأحاديث وعدم مسايرة الواقع: كل ذلك يستطيع العامي معرفة وجوده فيمن يستفتيه وفي خلوه منه، ولا يكلفه الله إلا ما في وسعه وطاقته.

والراغب بمعرفة حكم الله في المسألة إما أن يكون قادرًا على البحث في الأدلة، وتقليب النظر فيها والترجيح بين أقوال العلماء، أو لا يستطيع من ذلك شيئًا، فإن كان حاله الأول فيبحث ويتحرى الصواب، ويفتي نفسه، وإن كان حاله الثاني: فيسأل من يثق بعلمه ودينه، ويأخذ بفتواه.

 

والله أعلم.

 

تخفي إسلامها منذ سنوات ويريد أهلها تزويجها لنصراني! فماذا تصنع؟

تخفي إسلامها منذ سنوات ويريد أهلها تزويجها لنصراني! فماذا تصنع؟

السؤال:

إحدى الفتيات اللاتي أعرفهن اعتنقت الاسلام منذ سنوات، وتمارسه بشكل سري؛ خوفًا من عائلتها الكارهة للإسلام، وقد كانت آنذاك لديها مخطط للزاوج من أحد الشباب المسيحيين ولكن ذلك لم يتم، الآن قام والداها بالتحضير للزواج من جديد، وهي لا تريد أن تتزوج لأنها لا تريد أن تغادر الإسلام، كما تعلم أن الزواج من غير المسلم حرام، فكيف تتعامل مع هذه المشكلة؟ وهل تصبح كافرة؟ ما لو تزوجت به؟ وهل يجوز لها أن تهرب من البيت؛ لأن هذا ما تخطط له كنوع من أنواع الحلول، فما رأيكم؟ وما دوري أنا كشاب مسلم أعرف هذه الفتاة والوضع الذي هي فيه؟ إنها في حالة يُرثى لها، وتخشى أن تذهب إلى الجمعيات الإسلامية خشية أن ينتشر الأمر ويسيء ذلك لسمعة أسرتها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى ونشكره أن وفق تلك الفتاة للدخول في الإسلام، ونسأله تعالى أن يثبتها على الحق والهدى، وأن يزيدها توفيقًا وثباتًا.

 

ثانيًا:

وتزوج المسلمة بكافر لا شك أنه محرَّم، وهو عقد فاسد، ولا تكفر المسلمة لو فعلت ذلك فتزوجت من كافر، لكنها لا شك آثمة، قال تعالى: ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ من الآية 10.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

هذه الآية هي التي حَرّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة؛ ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها، وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه. ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 93 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 133 ):

ولا يجوز زواج المسلمة من غير المسلم، ولو كان ذميا أو كتابيا. وذلك باتفاق الفقهاء لقوله تعالى: ( وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ) البقرة/ من الآية 221، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ من الآية 10. انتهى.

ثالثًا:

وإذا أصرَّ أهل تلك الفتاة أن تتزوج بذلك الكافر فإننا نرى أن تجهر بإسلامها، وأن تجد ملجأً عند أحد المراكز الإسلامية الموثوقة، أو عند إحدى الأسر المسلمة المأمونة، إلى أن تجد زوجًا من المسلمين يتزوجها فتعيش معه.

 

ولا تدري تلك الفتاة فلعلَّ في إظهار دينها خيرًا كثيرًا، فقد يُسلم بعض أفراد أسرتها، وهذا ما حصل مع غيرها من الأخوات اللاتي أظهرنَ إسلامهن، وقد قال تعالى ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) النساء / من الآية 19.

 

وإنما يعذر مِن المسلمين في البقاء بين أظهر الكفار ولا يظهر شعائر دينه مَن كان مستَضعفًا منهم، وأما من وجد مخرجًا يرفع عنه ذلك العذر فلا يحل له البقاء بين أظهر الكفار، لا في بيتهم، ولا في بلدهم، فإن وجد ملجأ آمنًا في البلد نفسه انتقل من بيته إليه، وإن كان البلد نفسه غير آمن انتقل من بيته إلى بلد مسلم يأمن فيه على نفسه، ويتمكن من إظهار شعائر دينه.

 

ونحن لم نعرف عمر تلك الفتاة، ولا بلدها، والذي يظهر لنا أنها قادرة على الخروج من بيتها ولكنها تخاف من أن يُساء إلى سمعة أهلها! وهذا ليس عذرًا مقبولًا منها، وغالب قوانين الدول تحفظ لأفراد شعبها حق اختيار ما تشاء من الأديان، فيمكن استثمار ذلك بالشكوى للدولة إن كانت ستتعرض لأذى من أهلها.

 

وبكل حال: نعلم أن الأمر صعب على فتاة، لكنَّ دينها يستحق منها أن تبذل ما في وسعها للتمسك به وإظهار شعائره، وعدم الوقوع في محرَّم.

 

ونسأل الله تعالى أن يفرِّج همَّها، ويزيل كربتها، وأن يهدي أهلها للإسلام، ونسأله تعالى أن يرزقها زوجًا صالحًا وذرية طيبة.

 

رابعًا:

وننبه هنا على أمور:

  1. أنه إن تزوجها مسلم فلا بدَّ لها من ولي يقوم على نكاحها، فإن كان ثمة أحد من أهلها – من الرجال – مسلمًا: فيكون هو وليها، وإن لم يكن: فالقاضي المسلم، أو المفتي، أو المسئول عن أحوال المسلمين يقوم هو مقام الولي لها؛ لأنه لا ولاية لكافر – ولو كان كتابيًّا – على امرأة مسلمة.

 

  1. وننبهك أنت أخي السائل أنه لا يحل لك أن تكون على علاقة بتلك الفتاة، فهي أجنبية عنك، وإن أردت مساعدتها – وهو واجب عليك عند القدرة – فدلَّها على أخوات مسلمات يرعينها، أو على أسرة مسلمة مأمونة تعيش في كنفها .

 

ولا تبق على علاقة معها؛ لأنك أجنبي عنها، وقد حرَّمت الشريعة المطهرة هذا العلاقات.

 

  1. لا يصح تسمية النصارى بـ ” المسيحيين “.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل يجوز ضرب المصروع بالعصا وغيرها؟

هل يجوز ضرب المصروع بالعصا وغيرها؟

السؤال:

في الرقية الشرعية هل يجوز الضرب بالعصا أو غيرها ضربًا مبرحًا بعد استحضار الجن أثناء القراءة ورفضه الخروج من الجسد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أجمع أهل السنَّة على أنه يمكن للجن أن يصيب الإنس بمس، وأنه يدخل الجن في بدن الإنسي.

 

ثانيًا:

والطريقة المثلى الشرعية في علاج المصروع هو بالرقية الشرعية، تُقرأ على المصروع، ويؤمر الجني بالخروج من بدن من صرعه.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب على صدر مصروع، وأمر الجني بالخروج من بدن من صرعه، وهذا غاية ما ثبت في السنَّة بخصوص ضرب المصروع، دون استعمال العصا أو السوط أو غيرهما.

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: لَمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ( ابْنُ أَبِي الْعَاصِ ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( مَا جَاءَ بِكَ؟ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَوَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي، قَالَ: ( ذَاكَ الشَّيْطَانُ ادْنُهْ ) فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ وَتَفَلَ فِي فَمِي وَقَالَ: ( اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ) فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ( الْحَقْ بِعَمَلِكَ ) قَالَ: فَقَالَ عُثْمَانُ: فَلَعَمْرِي مَا أَحْسِبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ. رواه ابن ماجه ( 3548 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وأما ضرب المصروع بعصا أو سوط أو غيرهما: فقد ثبت عن بعض أئمة السلف:

  1. 1. جاء في ” طبقات الحنابلة ” ( 1 / 233 ) للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفرَّاء: أن الإمام أحمد بن حنبل كان يجلس في مسجده فأنفذ إليه الخليفة العباس المتوكل صاحباً له يعلمه أن جارية بها صرع، وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له، وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس الجارية وتقول له – يعني الجن -: قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين؟ فمضى إليه، وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، وخرج من الجارية وهدأت ورزقت أولادًا، فلما مات أحمد عاودها المارد، فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروذي وعرفه الحال، فأخذ المروذي النعل ومضى إلى الجارية، فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله، فأمرنا بطاعته.

انتهى.

  1. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإنه يُصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه ويضرب على بدنه ضربًا عظيما لو ضُرب به جملٌ لأثَّر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله. ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 277 ).

وقال – رحمه الله -:

ولهذا قد يحتاج فى إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب، فيُضرب ضربًا كثيرًا جدًّا، والضرب إنما يقع على الجني ولا يحس به المصروع، حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر فى بدنه، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة، أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل بحيث لو كان على الإنسى لقتله، وإنما هو على الجني، والجني يصيح ويصرخ ويحدِّث الحاضرين بأمور متعددة، كما قد فعلنا نحن هذا، وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 60 ).

  1. وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وحدَّثني – أي: شيخه ابن تيمية – أنه قرأها مرة – أي: قوله تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ) المؤمنون/ 115 – فى أُذن المصروع، فقالت الروح: نعمْ ، ومد بها صوته، قال: فأخذتُ له عصا، وضربتُه بها فى عروق عنقه حتى كَلَّتْ يدَاىَ من الضرب، ولم يَشُكَّ الحاضرون أنه يموتُ لذلك الضرب، ففى أثناء الضرب قالت: أَنا أُحِبُّه، فقلتُ لها: هو لا يحبك، قالتْ: أنَا أُريد أنْ أحُجَّ به، فقلتُ لها: هو لا يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ مَعَكِ، فقالتْ: أنا أدَعُه كَرامةً لكَ، قال: قلتُ: لا، ولكنْ طاعةً للهِ ولرسولِه، قالتْ: فأنا أخرُجُ منه، قال: فقَعَد المصروعُ يَلتفتُ يمينًا وشمالًا، وقال: ما جاء بى إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضربُ كُلُّه؟ فقال: وعلى أي شيء يَضرِبُنى الشيخ ولم أُذْنِبْ؟ ولم يَشعُرْ بأنه وقع به الضربُ ألبتة.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 68 ، 69 ).

فيتبين بما سبق أن ضرب المصروع جائز من حيث الأصل، لكن له شروط، منها:

  1. أن يكون الضرب من خبير بمواضع الضرب، وبحال المضروب، وبحال الجني في بدن المصروع، فقد يقع الضرب على مواضع حساسة فيؤثر فيها تأثيرًا بالغًا أو يفقدها صاحبها، وقد تُضرب المرأة الحامل فيسقط جنينها، وقد يضرب المصروع ولا يكون الجني قد دخل في كامل بدن المصروع، وكل ذلك يؤكد على أهمية هذا الشرط، وكم حصل من ضربٍ لمصروع من جاهل أحمق فمات المصروع بين يديه، فأسيء بعده للرقية، وللإسلام.
  2. أن لا يقع الضرب على المصروع بل على الجني، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما سبق -: ” وإنما هو – أي: الضرب – على الجني “، ويتبين ذلك بأمرين:

أ. بوجود الأثر على البدن.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما سبق -: ” ولا يؤثِّر فى بدنه “.

ب. أو بإحساس المصروع به.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما سبق -: ” والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب “، وقال: ” لم يحس بشيء من ذلك “، وقال عن المصروع – كما في نقل ابن القيم -: ” ولم يَشعُرْ بأنه وقع به الضربُ ألبتة “.

فهذه هي الضوابط الشرعية للذين يستعملون الضرب بالعصا في علاج المصروع، وعلى من لا يحسن ذلك أن يكتفي بالضرب اليسير على الصدر، أو بقراءة الرقية الشرعية، وأن لا يزيد على قول ” اخرج عدو الله “.

قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ولكنني من جانب آخر أُنكر أشد الإنكار على الذين يستغلون هذه العقيدة، ويتخذون استحضار الجن ومخاطبتهم مهنة لمعالجة المجانين والمصابين بالصرع، ويتخذون في ذلك من الوسائل التي تزيد على مجرد تلاوة القرآن مما لم ينزل الله به سلطانًا، كالضرب الشديد الذي قد يترتب عليه أحيانا قتل المصاب، كما وقع هنا في ” عمَّان “، وفي ” مصر “، مما صار حديث الجرائد والمجالس.

لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفرادًا قليلين صالحين فيما مضى، فصاروا اليوم بالمئات، وفيهم بعض النسوة المتبرجات، فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية لا يقوم بها إلا الأطباء عادة، إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معا، فهي – عندي – نوع من الدجل والوساوس يوحي بها الشيطان إلى عدوه الإنسان ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )، وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في الجاهلية المذكورة في قوله تعالى ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا )، فمن استعان بهم على فك سحر – زعموا – أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى، مسلم أم كافر، وصدقه المستعين به ثم صدق هذا الحاضرون عنده: فقد شملهم جميعا وعيد قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد )، وفي حديث آخر: ( … لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ).

 

فينبغي الانتباه لهذا، فقد علمت أن كثيرًا ممن ابتلوا بهذه المهنة هم من الغافلين عن هذه الحقيقة، فأنصحهم – إن استمروا في مهنتهم – أن لا يزيدوا في مخاطبتهم على قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” اخرج عدو الله “، مذكِّرًا لهم بقوله تعالى : (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

” السلسلة الصحيحة ” ( 6 / 417 ).

 

والله أعلم.