الرئيسية بلوق الصفحة 63

موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة

موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة

السؤال:

هل يوجد في الإسلام أعمال، ووظائف حقيرة، وأعمال مرموقة؟ وهل حرص الإنسان على الطموح في أن ينال المناصب الرفيعة في عمله ضد الرضا؟ ومتى يتعارض الطموح مع الرضا؟ وهل حرص الإنسان على أن يعمل في وظائف ذات وجاهة في المجتمع يتعارض مع الزهد في الدنيا وعدم جعلها أكبر همه، أم أنه أمر عادى لا يمنعه الشرع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله هذه الدنيا مطية الآخرة؛ وسببًا يستعين بها الإنسان على أمر الآخرة؛ ولذلك بيَّن الله في كتابه أنه سخَّر الأرض وما فيها للإنسان، قال الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) البقرة/ من الآية 29, وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك/ 15.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها، وأرجائها، في أنواع المكاسب، والتجارات. ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 179 ).

فكثير من الآيات والأحاديث جاءت بالحث على الكسب، والضرب في الأرض, وكل ذلك من أجل تحصيل المال، ليس لمجرد جمعه، بل ليكف به وجهه، ويصل به رحمه، ويستعين به على طاعة ربِّه.

* قال ابن القيم – رحمه الله – مبيِّنًا فضل المال وأهميته -:

وقد سمَّى سبحانه المال خيرًا في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ ) البقرة/ 180، وقوله ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) العاديات/ 8 … وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قِواماً للأنفس، وأمر بحفظها، ونهى أن يأتي السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم، ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ) – رواه أحمد بإسناد صحيح -، وقال سعيد بن المسيب: ” لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حلِّه، يكفُّ به وجهه عن الناس, ويصل به رحمه, ويعطي حقه “، وقال أبو إسحاق السبيعي: ” كانوا يرون السعة عونًا على الدِّين “، وقال محمد بن المنكدر: ” نعمَ العون على التقى: الغنى “، وقال سفيان الثوري: ” المال في زماننا هذا سلاح المؤمن “، وقال يوسف بن سباط: ” ما كان المال في زمان منذ خلقت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان ” ….

وقد جعل الله سبحانه المال سبباً لحفظ البدَن, وحفظه سببٌ لحفظ النفس التي هي محل معرفة الله، والإيمان به, وتصديق رسله، ومحبته، والإنابة إليه، فهو سبب عمارة الدنيا، والآخرة .. .

ومن فوائد المال: أنه قِوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق برِّ الحج والجهاد, وبه حصل الإنفاق الواجب والمستحب, وبه حصلت قربات العتق، والوقف، وبناء المساجد، والقناطر، وغيرها, وبه يتوصل إلى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافل العبادة, وعليه قام سوق المروءة, وبه ظهرت صفة الجود والسخاء, وبه وُقيت الأعراض, وبه اكتسبت الإخوان والأصدقاء, وبه توصل الأبرار إلى الدرجات العلى, ومرافقة الذين أنعم الله عليهم؛ فهو مرقاة يصعد بها إلى أعلى غرف الجنة, ويهبط منها إلى أسفل سافلين, وهو مقيم مجد الماجد، كان بعض السلف يقول: ” لا مجد إلا بفعال, ولا فعال إلا بمال “، وكان بعضهم يقول: ” اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى “، وهو من أسباب رضا الله عن العبد، كما كان من أسباب سخطه عليه.

” عدة الصابرين ” ( ص 221 – 223 ) باختصار.

 

ثانيًا:

ولتحقيق هذه الغايات الشريفة للمال: عمل الأنبياء، والرسل بمهن، وحرَف، ووظائف مختلفة، ففي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ )، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ) رواه البخاري ( 2143 )، وكذا عملَ نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم بالتجارة مع عمِّه أبي طالب, وكذلك عمل لخديجة رضي الله عنها، كما هو مشهور في السيرة.

وفي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا ) رواه مسلم ( 2379 ).

وقد أخبر الله تعالى عن عمل داود عليه السلام بقوله: ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ) الأنبياء / 80.

وعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) رواه البخاري ( 1966 ).

 

 

 

وقد أكد الإسلام مبدأ السعي في الأرض، وطلب الرزق، فعن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ” كَانَ ” ذُو الْمَجَازِ “، و ” عُكَاظٌ ” مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ”  رواه البخاري ( 1681 ).

وقد نص الفقهاء والمحدثون على ذلك؛ فبوب البخاري في صحيحه في كتاب البيوع باب ” الخروج في التجارة وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) الجمعة/ 10 “، ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري مع عمر وقول عمر: ” أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ ” يَعْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.

رواه البخاري ( 1956 ) ومسلم ( 2153 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي ” الْحَاشِيَةِ “: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِجَازَةُ الْحَرَكَاتِ فِي التِّجَارَةِ, وَلَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً، خِلَافًا لِمَنْ يَتَنَطَّعُ وَلَا يَحْضُرُ السُّوقَ.

” فتح الباري ” ( 4 / 349 ).

وبوب البخاري – كذلك -: ” باب التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ “, و ” باب ما قيل في الصواغ “, و ” باب ذكر القين والحداد “, و ” باب الخياط “, و ” باب النساج “، و ” باب النجَّار ” … إلخ.

وأراد البخاري بهذه التبويبات وأحاديثها: التدليل على مشروعية العمل، والاحتراف ، والتمهن.

وعلى ذلك: فما يظنه بعض الناس أن الإسلام لا يحث على التكسب، والعمل، أو العمل بالوظائف: فهو هم مغلوط، ويرده ما تقدم.

وما يظنه كثيرون في بعض المهن أنها دنيئة – كالنجارة، والحدادة، والرعي -: فغير صحيح، ويكفي لردِّه ثبوت هذه المهن، والأعمال لخيرة خلق الله، وهم الأنبياء، والرسل، عليهم السلام .

 

ثالثًا:

لا يعارض الإسلام أن يكون الإنسان في مهنة مرموقة، ووظيفة حسنة، بل يشجع الإسلام على ذلك, وأن يكون الإنسان في أحسن مستوى، وأكمل حال, بل وأن يطلب الأفضل والأحسن، ويسعى لتحصيله، بشرط أن لا يؤثر ذلك على دينه، واستقامته، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ ) رواه مسلم ( 2664 )، و ( خَيْر ) نكرة تعم كل خير في الدنيا، والآخرة.

 

 

بل كره الإسلام مزاولة بعض المهن الدنيئة, وأمر المسلم أن يترفع عنها, كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ: ( اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ ) رواه أبو داود ( 3422 ) والترمذي ( 1277 ) وحسَّنه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء بَعْد ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة – كسب الحجام – فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ حَلَال … وَقَالُوا: هُوَ كَسْب فِيهِ دَنَاءَة، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْر عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيه. ” فتح الباري ” ( 4 / 459 ).

* وقال – رحمه الله -:

إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهَا مِنْ الْمَكَاسِب الدَّنِيئَةِ أَنْ لَا تُشْرَع؛ فَالْكَسَّاحُ أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْحَجَّام، وَلَوْ تَوَاطَأَ النَّاس عَلَى تَرْكِهِ لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ.

” افتح الباري ” ( 4 / 324 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحرِّ تنزيهًا؛ لدناءة هذه الصناعة، وأمرُه صلى الله عليه وسلم بإطعام الرقيق منها: دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم.  ” المغني ” ( 6 / 133 ).

 

فيتحصل من هذا: أنه يوجد مهَن، ووظائف، يمكن الاصطلاح عليها بأنها ” دنيئة “، كالحجامة التي يعمل صاحبها باستخراج الدم الفاسد، وكجمع القمامة، والعمل في المجاري، وغير ذلك، وننبه هنا إلى أمور:

  1. لا يعني أنها مهن دنيئة أنه يحرم العمل بها، وقد سبق بيان ذلك.
  2. الأصل أن تكون هذه المهن لغير المسلمين، أو للعبيد.
  3. لا شك أن المجتمع المسلم يحتاج لهذه المهن، وهي ضرورية، فعدم جمع القمامة لأيام قليلة يعني صعوبة الحياة في ذلك المجتمع، ويعني انتشار الأمراض والأوبئة، ولذلك يجب على الدولة الإسلامية أن تُكرم أهل هذه الوظائف بميزات تشجيعية، حتى لا ينقطع الناس عن العمل بها.
  4. لا ينبغي تعيير من يعمل بهذه المهن، ممن قلَّت عنده فرص التعليم، أو كان ضعيف العقل، والعاملون بها بلا شك أفضل ممن يمد يده للناس، ويعرِّض وجهه للمذلة.

 

 

 

 

رابعًا:

حث الإسلام على تحصيل الكمال الديني، أو الدنيوي لا يعارض الرضا بما قسم الله تعالى للإنسان؛ لأن من أسباب نيلها: بذل الأسباب, فمباشرة الأسباب التي خلقها الله بحكمته، وتدبيره: تُفضي في الأغلب الأعم إلى تحصيل مسبباتها.

وأما إذا طلبها الإنسان بغير ما أحله الله، كطلبها بمعصية، أو غش، أو تدليس وكذب، وكان همه الأعظم تحصيل هذه المنافع الدنيوية من غير استثمارها في طاعة الله: فقد خالف الرضا بما قسم الله، ووقع في معصيته.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا عظيمًا لحِرص الإنسان على المال، والجاه، ففي الحديث عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) رواه الترمذي ( 2376 ) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا ريب أن الحرص، والرغبة في الحياة الدنيا, وفي الدار الدنيا، من المال، والسلطان: مضرٌّ، كما روى الترمذي عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) وقال: حديث حسن صحيح.

فذم النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على المال، والشرف – وهو الرياسة والسلطان – وأخبر أن ذلك يفسد الدِّين، مثل، أو فوق: إفساد الذئبيْن الجائعيْن لزريبة الغنم. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 142 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وإنَّما يُذم – المال – منه ما استخرج من غير وجهه, وصرف في غير حقه, واستَعْبَد صاحبه, وملَك قلبَه, وشغله عن الله، والدار الآخرة؛ فيذم منه ما يتوصل به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة، أو شغله عن المقاصد المحمودة، فالذم للجاعل، لا للمجعول، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ) – رواه البخاري  ( 2730 ) – فذمَّ عبدَهما، دونهما ….

” عدة الصابرين ” ( ص 221 ، 222 ).

 

وأما الزهد في الدنيا: فلا يعارض طلب المال، والعمل بالوظائف المرموقة.

 

والله أعلم.

 

 

حكم الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر قبل التسليم من الصلاة

حكم الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر قبل التسليم من الصلاة

السؤال:        

هل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال واجبة في هذا التشهد أم سنَّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

روى مسلم ( 588 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ).

وفي رواية عند مسلم ( 590 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: ( قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ).

قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: بَلَغَنِي أَنَّ طَاووسًا قَالَ لاِبْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلاَتِكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ: ” أَعِدْ صَلاَتَكَ “؛ لأَنَّ طَاووسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلاَثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ.

انتهى.

وقد اختلف العلماء في حكم هذه الاستعاذة، فذهب جمهورهم إلى استحبابها، وذهبت طائفة منهم إلى وجوبها.

* قال النووي – رحمه الله -:

وإن طاووسا رحمه الله تعالى أمر ابنه حين لم يدع بهذا الدعاء فيها بإعادة الصلاة، هذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء، والتعوذ، والحث الشديد عليه, وظاهر كلام طاووس رحمه الله تعالى أنه حمل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته, وجمهور العلماء على أنه مستحب، ليس بواجب.” شرح النووي ”  (5 /89).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

بل قد ذهب طائفة من السلف، والخلف، إلى أن الدعاء في آخرها واجب، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم آخر الصلاة بقوله: ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم، وغيره، وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب أحمد.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 518 ).

* وقال الصنعاني – رحمه الله -:

والحديث: دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية، وقال ابن حزم منهم: ” ويجب أيضاً في التشهد الأول “! عملًا منه بإطلاق اللفظ المتفق عليه, وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها، فإنه يقول بالوجوب، وبطلان صلاة من تركها, والجمهور حملوه على الندب.

” سبل السلام ”  ( 1 / 38 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان:

القول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لما يلي:

  1. لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها.
  2. ولشدَّة خطرها، وعِظَمها.

والقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء.

ولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها: فهو على خَطَرٍ من أمرين:

  1. الإثم.
  2. ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة.

” الشرح الممتع ”  ( 3 / 199، 200 ).

 

والأرجح هو قول الجمهور، ويُحمل فعل طاووس رحمه الله – إن صح عنه -على توكيد هذا الاستحباب؛ حيث أن أمره بالإعادة كان لابنه في سياق تعليمه، لا لعامة المصلين، وهو احتمال ذكره أبو العباس القرطبي، وارتضاه جمع من الأئمة، حيث قال:

” ويحتمل: أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحْرَم فائدتها، وثوابها.

انتهى من ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 209 ).

 

ثم إن الأصل في الأدعية في الصلاة وغيرها: أنها للاستحباب، والإرشاد، إلا أن تدل قرينة قوية على الوجوب.

 

والله أعلم.

 

تنازل عن حصته في الشركة ولم يوثَّق ذلك كتابة فهل له التراجع عن ذلك؟!

تنازل عن حصته في الشركة ولم يوثَّق ذلك كتابة فهل له التراجع عن ذلك؟!

السؤال:        

اشتركت مع صهري في محل تجاري, وبعد مرور تقريبًا سنة قال لي شفويا – بدون أية وثيقة -: إنه متنازل لي عن حقه, وكرر لي ذلك عدة مرات، على أن أرد له ما دفع، على شكل أقساط سنوية، بعد ذلك قمت بشراء بقعة أرضية باسمي الشخصي، دون أن أخبره, على أساس أننا لم نعد شركاء, وبعد مرور سنَة أعطيته قسطًا من المال، كما اتفقنا عليه, في هذه اللحظة فاجئني, وتراجع عن تنازله.

سؤالي يا شيخنا هو:

هل صهري مشترك معي في الأرض التي اشتريتها من مال الشركة بعد تنازله الشفوي، أم ماذا أصنع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشركة  مشروعة في الجملة، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

الشَّرِكَةُ: هِيَ الِاجْتِمَاعُ فِي استِحقَاقٍ، أَو تَصَرُّف.

وَهِي ثَابِتةٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ) النساء/ 12، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُم ) ص/ 24.

– وَالْخُلَطَاءُ: هُمْ الشُّرَكَاءُ.

ومن السنَّة: ما روي أن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فَاشْتَرَيَا فِضَّةً بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ بِنَقْدٍ فَأَجِيزُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّه – رواه أحمد بإسناد صحيح – ….

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا.

” المغني ” ( 5 / 109 ).

ثانيًا:

وما حصل من صهرك – كما تقول – من تنازله عن حصته في الشراكة بينك وبينه: لا حرج فيه، ويجب تمضيته، إلا أننا ننبه على أمر يتعلق بمطالبته برأس ماله فقط، فنقول:

الأمر حال مطالبته بفسخ الشراكة لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون رأس المال الشركة موجودًا، مع أرباح، أو بدونها، فهنا: يصح منه المطالبة برأس ماله، ويكون منه تنازل عن أرباحه إن وُجدت.

والثاني: أن لا يكون رأس مال الشركة موجودًا، بل يوجد فيه نقص، فهنا: ليس من حقه ضمان رأس ماله، والمطالبة به؛ لأنه شريك معك في رأس المال، والربح، والخسارة، إلا أن ترضى بإعطائه إياه عن طيب نفس منك، فيكون صلحًا يجب تمضيته، أو يكون بيعاً لحصته في الشركة، فيجب تمضيته إن وافقتَ على ذلك.

عن عوف المزني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ صُلْحًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا ).

رواه الترمذي ( 1352 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ثالثًا:

وما دام أن صهرك قد تنازل عن حصته في الشركة بينك وبينه, وكرَّر ذلك عن طيب نفس ورضا، بدون إحراج، أو إكراه: فقد انفصلت الشركة بذلك, ولا يلزمك إلا أن تدفع له نصيبه من الشركة كما اتفقتم، والاتفاق الشفوي يلزمه شرعًا، والأصل في عقود المعاملات أنها تتم شفويًّا، وتلزم أحكامها بالاتفاق بين الطرفين، ورضاهما بما تعاقدا عليه.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 238 ):

قد يُلزم الإنسان نفسه بأمرٍ، فيلزمه ذلك شرعًا، إن لم يخالف الشّرع, بمعنى: أنّ الشّرع جعل التزامه سببًا للزوم, ومن ذلك:

أ. العقد, فإذا عقدا بينهما عقدًا: لزمهما حكمه, كعقد البيع مثلًا، يلزم به انتقال ملكيّة المبيع إلى المشتري, وملكيّة الثّمن إلى البائع, وكعقد الإجارة يلزم به الأجير العمل, ويلزم المستأجر الأجرة .

ومن هذا القبيل أيضًا: كل شرطٍ صحيحٍ التزمه العاقد في العقد, فيلزمه؛ وذلك لقول اللّه تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ), وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون على شروطهم ).  انتهى.

وأما توثيق العقود كتابةً: فهو على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، كما هو قول الجمهور، وأمَّا كون الكتابة شرطًا لصحة العقد فلا نعلم قائلًا به، وإنما الكتابة لحفظ الحقوق، وتثبيتها ببينة شرعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 135 ):

في التوثيق منفعة من أوجه:

أحدها: صيانة الأموال، وقد أمرنا بصيانتها، ونهينا عن إضاعتها.

والثاني: قطع المنازعة؛ فإن الوثيقة تصير حكَمًا بين المتعامليْن، ويرجعان إليها عند المنازعة، فتكون سبباً لتسكين الفتنة، ولا يجحد أحدهما حق صاحبه؛ مخافة أن تخرج الوثيقة، وتشهد الشهود عليه بذلك، فينفضح أمره بين الناس.

والثالث: التحرز عن العقود الفاسدة؛ لأن المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة  للعقد ليتحرزا عنها، فيحملهما الكاتب على ذلك، إذا رجعا إليه ليكتب.

والرابع: رفع الارتياب، فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل، ومقدار الأجل، فإذا رجعا إلى الوثيقة: لا يبقى لواحد منهما ريبة.

وهذه فوائد التوثيق بالتسجيل. انتهى.

وقالوا:

فآية المداينات: الأمر فيها إنما هو للإرشاد إلى حفظ الأموال، والتعليم، كما أمر بالرهن، والكتابة، وليس بواجب، وهذا ظاهر، صرّح بذلك فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وذهب إليه أيضا أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، والشعبي، والحسن، وإسحاق، وجمهور الأمة من السلف والخلف.

” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 137 ).

* وبما سبق يتضح:

  1. أن تنازل صهرك عن شراكته بلسانه دون إحراج أو إكراه: يلزمه العمل بمقتضاه.
  2. ليس له المطالبة برأس ماله دون أن يكون موجودًا إلا أن تطيب نفسك بدفعه له، أو يكون بيعًا منه لحصته في الشركة.
  3. جمهور العلماء على استحباب كتابة العقود المتعلقة بالبيع، والدَّين، والنكاح، وليس أحد من أهل العلم من يقول إن الكتابة شرط لصحة العقد.
  4. الالتزام بالكتابة والإشهاد على المعاملات له منافع عظيمة، وخاصة فيما يتعلق بالديون، وأموال الشراكة، وما ذكرناه عن أهل العلم من تلك المنافع كاف ليدفع المسلمين إلى توثيق عقودهم.

 

رابعًا:

ونختم بالقول:

إن صهرك – بحسب قولك – ليس له الحق في شراكتك بأي شيء اشتريته أو بعته بعد تنازله أول مرة، لكن لو أقلته من تنازله السابق, وأشركته في الأرض التي اشتريتها: فهذا خير، وبركة, وليس بواجب عليك، ولعل الله أن يبارك لك في ذلك, ويعوضك خيرًا, وخصوصا أن بينكما مصاهرة؛ فهو أدعى لتقوية أواصر المحبة، والمودة، والصلة بينكما.

وفقنا الله وإياكم لعمل الخير.

 

والله أعلم.

 

ما حكم تنويم الأم لأولادها بأذكار شرعيَّة أو آيات قرآنية؟

ما حكم تنويم الأم لأولادها بأذكار شرعيَّة أو آيات قرآنية؟

السؤال:

تستخدم بعض الأمهات أسماء الله في تنويم أطفالهم مثل ” الله أكبر “، و ” لا إله إلا الله “، فما حكم ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

لو كان السؤال عن حكم استعمال ما فيه ذكر لله تعالى في تنويم الأطفال لكان أدق؛ لأن ” الله أكبر “، و ” لا إله إلا الله ” ليسا من أسماء الله.

والذي يظهر لنا أنه لا مانع للأم أن تقرأ القرآن، أو تسبح، أو تهلل، وهي تهز طفلها لينام؛ لأمور، منها:

  1. أن الانشغال بذِكر الله، ورفع الصوت به: خيرٌ للأم إن هي احتسبت ذِكرها أنه عبادة تتقرب فيه لربها تعالى، ونرجو أن يكون خيراً للطفل في قابل الأيام، فهو وقت من حياتها تستثمره في زيادة حسناتها، وفي الوقت نفسه تستثمر ما في الذِّكر من أثر طيب في تنويم ولدها.
  2. أن ذِكر الله تعالى خير مما تفعله كثير من الأمهات، من الغناء! أو الحديث مع نفسها! أثناء تنويم أولادها.
  3. أنه صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( كانَ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ) رواه البخاري معلقًا، ومسلم ( 373 ).
  4. أنَّ ذِكر الله تعالى، وقراءة القرآن، من الأمور المشروع فعلها قبل النوم للكبار ، وقد بوَّب البخاري رحمه الله على طائفة من الأحاديث بقوله: ” باب التعوذ والقراءة عند المنام “.

– فأي حرجٍ يوجد من أن يُختم للطفل يقظته بإسماعه ما فيه ذِكر الله؟!.

لذلك كله: لا نرى مانعًا من أن تذكر الأم ربَّها تعالى، وترفع صوتها قليلًا، لينام طفلها على هذا الذِّكر، ونذكر الأمهات بضرورة احتساب النية في تلك الأذكار؛ حتى تحصل أجورها كاملة إن شاء الله.

 

والله أعلم.

أفضل صيغ إلقاء السلام ورده، وضعف زيادة ” ومغفرته “

أفضل صيغ إلقاء السلام ورده، وضعف زيادة ” ومغفرته ”

السؤال:

أريد أن أسأل عن طريقة السلام، ورد السلام، كما ورد عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهل ورد هذا الرد: ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أفضل صيغة وردت في إلقاء السلام: ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “.

وأفضل صيغة في الرد: ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته “.

عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه، ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عَشْرٌ ) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردَّ عليه فجلس، فقا : ( عِشْرُونَ ) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: ( ثَلاَثُونَ ). رواه أبو داود ( 5195 ) والترمذي ( 2689 )، وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هَذَا جِبْريلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمُ ) قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.

رواه البخاري ( 3045 ).

وثمة مسألة اختلف فيها العلماء، هل إذا سلَّم على واحد يقول ” السلام عليك ” أم ” السلام عليكم “؟.

والراجح: جواز الأمرين، وبكلٍّ جاءت السنَّة الصحيحة.

أ. روى الترمذي ( 2721 ) قولَه صلى الله عليه وسلم ( إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” ) والحديث صححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ب. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ.

رواه أبو داود ( 5203 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

 

 

 

* قال النووي – في باب كيفية السلام -:

يستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “، فيأت بضمير الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا.

ويقول المجيب: ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته “، فيأتي بواو العطف في قوله: ” وعليكم “. ” رياض الصالحين ” ( ص 446 ).

 

ثانيًا:

وأما زيادة ” ومغفرته “: فلم تصح، لا في إلقاء السلام، ولا في ردِّه.

  1. ما ورد من زيادة ” ومغفرته ” في إلقاء السلام:

عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه أي – معنى حديث عمران المتقدم – زاد: ” ثم أتى آخر فقال: ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته “، فقال: ( أَرْبَعُون ) قال: هكذا تكون الفضائل.

رواه أبو داود ( 5196 ). وقد ضعف هذا الحديث بزيادة ” ومغفرته “: ابن العربي المالكي، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، والألباني، رحمهم الله.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا يثبت هذا الحديثُ؛ فإن له ثلاث علل:

إحداها: أنه من رواية أبى مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يُحتج به.

الثانية: أن فيه أيضًا سهلَ بن معاذ، وهو أيضا كذلك.

الثالثة: أن سعيد بن أبى مريم أحدَ رواته لم يجزم بالرواية، بل قال: أظنُّ أنى سمعتُ نافع بن يزيد.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 2 / 417، 418 ).

– وانظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5433 ).

  1. ما ورد من زيادة ” ومغفرته ” في رد السلام:

أ. عن أنس: كان رجل يمُر بالنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، فيقولُ له النبيُّ صَلى الله عَليه وسلم: ( وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه وَمَغْفِرَتُه وَرضْوَانُه ) فقيل له: يا رسول الله، تُسَلِّم على هذا سلامًا ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ فقال: ( ومَا يَمْنَعُني مِنْ ذلِكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا )، وكَانَ يَرْعَى عَلَى أصْحَابِهِ. رواه ابن السنِّي في ” عمل اليوم والليلة ” ( 235 ).

وهو حديث ضعيف جدًّا، ضعفه ابن القيم في ” زاد المعاد ” 2 / 418 )، وضعفه الحافظ ابن حجر بقوله:

وأخرج ابن السني في كتابه بسند واهٍ من حديث أنس قال: كان رجل يمرُّ ….

” فتح الباري ” ( 11 / 6 ).

ب. عن زيد بن أرقم قال: ” كنَّا إذا سلّم النبي صلى الله عليه وسلم علينا قُلنا: ” وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته “.

رواه البيهقي في ” شُعَب الإيمان ” ( 6 / 456 )، وضعفه بقوله :

وهذا إن صحَّ قلنا به، غير أن في إسناده إلى شعبة من لا يحتج به.

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأخرج البيهقي في ” الشعب ” بسند ضعيف أيضًا من حديث زيد بن أرقم … فذكره. ” فتح الباري ” ( 11 / 6 ).

وكل ما ورد من أحاديث في هذا الباب: فليس بصحيح.

وللفائدة: فقد كان الشيخ الألباني قد ذكر تحسين هذه الرواية في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1449 ) ثم تبين له ضعفها، فتراجع عنها حديثيًّا، وقال بمقتضاها فقهيّاً ، فرأى جواز الزيادة في رد السلام بهذا لعموم قوله تعالى ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) النساء/ 86، ولا يسلم له رحمه الله الاستدلال بالآية.

 

ولذا فالأفضل ترك هذه الزيادة في الإلقاء، والرد، والاقتصار على الصحيح الوارد.

تنبيه:

نقل تضعيف زيادة ” ومغفرته ” في رد السلام حديثيًّا عن الشيخ الألباني رحمه الله عنه مباشرة: الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله، فليسمع قوله تحت هذا الرابط:

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson…esson_id=28443

والموضع: في الدقيقة: 42 فما بعدها.

وهذا إقرار الشيخ الألباني رحمه الله بصوته لضعف الزيادة:

http://www.alalbany.name/audio/842/842_c_20.rm

 

والله أعلم.

 

زوَّر في أوراق طبية ليحصل على إعادة منحة دراسية، فماذا يترتب عليه؟

زوَّر في أوراق طبية ليحصل على إعادة منحة دراسية، فماذا يترتب عليه؟

السؤال:

أنا طالب، أدرس في الغربة، تأتني نوبات من الربو، تشتد أحيانًا، وتخف أحيانًا أخرى، وهذا المرض يحتاج إلى مصاريف بشكل دائم لشراء الدواء، وإلا أحسست أني أشارف على الهلاك، انقطعتْ منحتي الدراسية لأسباب قانونية، ونظامية، بعثتُ للوزارة بتقرير عن حالتي الصحية، وكان الرد أنهم لن يعيدوا لي المنحة إلا إذا كان تاريخ النوبة خلال امتحانات الفصل الثاني، رغم أن هذه السنة أتتني النوبة، ولكن خلال امتحانات الفصل الأول، وليس الثاني، فما كان مني إلا أن طلبت من الطبيب المشرف على حالتي أن يعدَّ لي تقريرًا، ولكن بالتاريخ الذي تنص عليه الوزارة، وفعلاً تمَّ إعادة المنحة الدراسية، ولكن الآن: هل هذا المال الذي عندي حلال أم حرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله سبحانه وتعالى بمنّه، وكرمه أن يعافيك وأن يكتب لك الشفاء، والأجر، والثواب, فالمسلم إذا احتسب ما يصيبه كفَّر الله عنه سيئاته، ورفع درجاته، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ).

رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ).

 

ثانيًا:

لا يجوز أخذ المال بغير حقٍّ، ولو كان هذا المال لجهة حكومية، ومن قواعد الشريعة المطهرة: أن المال العام يتعلق به حق كل مسلم يعيش في هذه الدولة, فإذا أخذ الإنسان مالًا من الدولة بغير وجه حق: فكأنما أخذه من كل فرد.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

والعجب من بعض الناس – اللهم اهدنا فيمن هديت – أنهم يقولون: إن مال الحكومة ليس له حرمة، ويماطلون في حق الحكومة، وهذا خطأ، فمال الحكومة له حرمة؛ لأن المال الذي في بيت المال للمسلمين عمومًا، كل إنسان له فيه حق.

” اللقاء الشهري ” ( 74 / السؤال رقم 24 ).

 

 

وما دام أن منْحتك قد انقطعت بسبب ما ذكرتَ من أسباب قانونية، ونظامية, ولا تعلق لذلك بالمرض: فما فعلتَه أنت والطبيب هو كذب، وشهادة زور، وهاتان معصيتان من كبائر الذنوب لا يخفى على مسلم تحريمهما، ويكون المال الذي دُفع لك للمنحة الدراسية محرَّم عليك أخذه، كما يحرم على الطبيب أخذ مال مقابل شهادة الزور التي كتبها لك، وعليه التوبة مما فعله، ويحرم عليه أخذ مقابله شيئًا من المال.

فيجب عليك إرجاع المال الذي أخذتَه في تصرفك ذلك, مع التوبة، والاستغفار, ولك أن تسلك ما تراه مناسبًا من طرق لإرجاع ذلك المال، بوضعه بحسابهم، أو بعدم الطلب منهم ما يكون لك حقًّا عندهم بتلك القيمة.

 

ونرجو أن يكون كسبك بعملك المباح بعد الانتهاء من دراستك لا حرمة فيه؛ حيث إن العمل يكون باعتبار ما تقدمه من شهادة غير مزورة، وليس البحث في المسألة بمصدر المال الذي درستَ به.

 

فإن فعلت ما قلناه لك: فنسأل الله تعالى أن يعوضك خيرًا, ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب ) الطلاق/ 2، 3.

 

والله أعلم.

 

 

 

طبيب أسنان يفتي بعض مرضاه بترك المضمضة وبعضهم بالتيمم! فماذا يترتب عليه؟

طبيب أسنان يفتي بعض مرضاه بترك المضمضة وبعضهم بالتيمم! فماذا يترتب عليه؟

السؤال:

أنا طبيب أسنان, في الكثير من الأحيان، وبعد قلع الأضراس: أطلب من المريض بعض النّصائح، كالابتعاد عن المأكولات السّاخنة، والحارّة, ومن ذلك: عدم المضمضة لمدّة أربع وعشرين ساعة على الأقل؛ لتسهيل تخثّر الدّم، ولتلتئم الجروح خلال وقت أسرع، ودون مضاعفات, فيسألني المريض كيف أفعل في الوضوء؟ وكنت أجتهد – غفر اللّه لي وللمؤمنين – فأفتي بإسقاط المضمضة من الوضوء بما أنّها سنّة، وليست من الفرائض في مذهبنا المالكي, وفي أحيان أخرى كنت أنصح بالتّيمّم! وأنا الآن نادم على ذلك إلّا أنّني في حاجة إلى جواب شافٍ أقدّمه لأخي المسلم المريض.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, وجزاك الله خيرًا، ونفع بك, وزادك حرصًا على تعلم ما ينفعك في أمر دينك، ودنياك، والعتب عليك في إفتائك مرضاك بغير علم، وقد تيسرت سبل الوصول إلى أهل العلم، ومواقع الفتوى، وتيسر الحصول على الكتب الفقهية، وسماع الأشرطة الصوتية، بما تقام به الحجة على كثير من الناس لطلب العلم الواجب عليهم، ولعدم الإفتاء بغير علم، وأنت قد أخطأتَ بقولك لمرضاك بالتيمم، وهو قول ليس له أساس من الصحة، وأما القول بترك المضمضة باعتبار أنها سنَّة: فهو جارٍ على المذهب المالكي، بل على قول الجمهور من أهل العلم، وإن كنَّا نرجح وجوبها.

ثانيًا:

مسألة المضمضة والاستنشاق من المسائل التي اختلف فيها العلماء، فمن قائل بالاستحباب، وهم الجمهور، ومن قائل بالوجوب، وهو مذهب جماعة من السلف، وبعض المحققين ممن بعدهم، ومن المعاصرين، وهو الذي يظهر رجحانه.

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

فاعلم أنه قد اختلف في الوجوب وعدمه، فذهب أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، ومن أهل البيت: الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله: إلى وجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار, وبه قال: ابن أبي ليلى، وحمَّاد بن سليمان، وفي ” شرح مسلم ” للنووي: أن مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود الظاهري، وأبي بكر بن المنذر، ورواية عن أحمد: أن الاستنشاق واجب، في الغسل، والوضوء، والمضمضة سنَّة فيهما, وما نقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار: متعقب بهذا ….

وذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وقتادة، والحكَم بن عتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والناصر – من أهل البيت -: إلى عدم الوجوب.

وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وزيد بن علي – من أهل البيت عليهم السلام -: إلى أنهما فرض في الجنابة، وسنَّة في الوضوء؛ فإن تركهما في غسله من الجنابة: أعاد الصلاة. ” نيل الأوطار ” ( 1 / 172 ).

ومن أقوى ما استدل به من قال بالوجوب:

أ. حديث لقيط بن صبرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ ). رواه أبو داود ( 144 )، وصححه ابن حجر في ” فتح الباري ”  ( 1 / 262 ).

ب. عدم ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمضمضة في وضوئه في حياته كلها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم إلا تمضمض، واستنشق، ولم يُحفظ عنه أنه أخلَّ به مرَّة واحدة. ” زاد المعاد ”  ( 1 / 194 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ولم يحكِ أحدٌ ممَّن وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام على الاستقصاء: أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضا في سنن أبي داود بإسناد صحيح.

” فتح الباري ” ( 1 / 262 ).

– وقد سبق في جواب لنا بيان أن الوضوء، والاغتسال، لا يصحان إلا بالمضمضة، والاستنشاق.

ثالثًا:

وما دمت أنك كنت تعتقد عدم وجوب المضمضة والاستنشاق تقليدًا لمذهب المالكية: فلا إثم عليك، ولا حرج, ولكن إذا تبيَّن لك وجوب المضمضة والاستنشاق: فلا بد من القول، والعمل، بهذا الحكم؛ لأن الاعتبار في المسائل الخلافية هو الدليل لمن يستطيع النظر في الأدلة، ومعرفة الراجح من المرجوح, وأما من كان لا يستطيع ذلك: فليقلد من يثق بدينه وعلمه.

رابعًا:

وأما إسقاط الوضوء إلى التيمم بعذر عدم قدرة المريض على المضمضة: فهو قول شاذ؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأتي بما يقدر عليه من العبادة، ويسقط عنه ما يعجز عن القيام به من أعمالها، قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، وجاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 ).

فعلى ذلك: فالواجب أن يأتي المريض بما يستطيع فعله من أفعال الوضوء، ويجتنب ما يخاف ضرره, أو ما فيه تأخير برئه، فيتوضأ وضوءً كاملًا ويترك إدخال الماء في فمه، وليغسل شفتيه دون مس الماء لأسنانه إن استطاع ذلك بلا حرج.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في معنى الحديث السابق -:

المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به: أتى بما يقدر عليه منه، كمن عجز عن القيام في الصلاة، أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء، أو عن إكمال الفاتحة، أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب, ونحو ذلك: أتى بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه. ” مدارج السالكين ”  ( 1 / 382 ).

فينصح المريض بترك ما يخاف ضرره، كترك المضمضة – مثلًا – بشرط  أن يتأكد الضرر, أو يكون محتملًا راجحًا، أو ينصح بتخفيف المضمضة، وعدم المبالغة، على حسب حالته, ومقدار خوف الضرر.

وقد رجحنا في موقعنا أن من عجز عن غسل عضو من أعضاء الوضوء لترتب مضرة على ذلك: أنه يتيمم عنه.

وعليك التوبة والاستغفار بما قلتَه مما يخالف الشرع، وإن علمتَ أحدًا مما أفتيته بالتيمم: فأخبره بالصواب من القول، وليس عليهم إعادة لما قد صلوه بالتيمم.

 

والله أعلم.

 

التوفيق بين حديث ( لن تُغزى مكة بعد هذا العام ) وغزو القرامطة لها وقتل الحجاج فيها

التوفيق بين حديث ( لن تُغزى مكة بعد هذا العام ) وغزو القرامطة لها وقتل الحجاج فيها

السؤال:

لي سؤال مرتبط بالحديث التالي من كتاب صحيح الجامع الصغير: ( لَنْ تُغزى مكةُ بعد هذا العام أبدًا)، فيكف يكون فهمنا للحديث وهناك حوادث، مثل: غزو مكة على يد أبي طاهر من القرامطة، والعراك الذي دار بين الحَجَّاج وعبد الله بن

الزبير؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث الذي سأل عنه السائل:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( لاَ تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا).

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 24 / 133 )، وحسَّنه المحققون.

وللحديث شاهد عند الترمذي ( 1611 ) عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ : ( لاَ تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وأما معنى الحديث فهو محمول على معنيين:

الأول: أن أهل مكة لا يَكفرون أبدًا, ولا يُغزون على الكفر؛ وهكذا فسَّره سفيان ابن عيينة، كما نقله عنه الطحاوي في ” شرح مشكل الآثار ” ( 4 / 162 ).

ويشهد لذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا تَنْتَهِي الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ ).

رواه النسائي ( 2878 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

والثاني: أنه إخبارٌ بمعنى النهي، أي: لا يجوز لمسلم، أو لجيش أن يتعرض لحرمتها.

ويشهد لهذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ – أَوِ: الْفِيلَ – وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ).

رواه البخاري ( 112 ) ومسلم ( 1355 ).

 

 

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وَمُحَصِّله أَنَّهُ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي، بِخِلَافِ قَوْله ( فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ) فَإِنَّهُ خَبَر مَحْض، أَوْ مَعْنَى قَوْله ” وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ” أَيْ: لَا يُحِلّهَا اللَّه بَعْدِي، لِأَنَّ النَّسْخ يَنْقَطِع بَعْده؛ لِكَوْنِهِ خَاتَم النَّبِيِّينَ. ” فتح الباري ” ( 4 / 46 ).

وعلى كلا الوجهين لا يرِد ما فعله الجنابي القرمطي، ولا الحجَّاج الظالم، بالكعبة، وأهلها، فهم لم يغزوا مكة لأجل كفر أهلها، بل الأول هو الكافر كفرًا أشد من كفر أهل الكتاب، والثاني لم يرد إلا إخضاع عبد الله بن الزبير لطاعة الخليفة المسلم.

ثانيًا:

وأما الجواب عن فعل ” أبي طاهر الجنابي ” في مكة، وأهلها، لما استباح الحرم، وقتل ألوف الحجاج، ولماذا لم يخسف به؟  فقد أجاب ابن كثير عن ذلك فقال:

وقد سأل بعضهم ههنا سؤالًا فقال: قد أحلَّ الله سبحانه بأصحاب الفيل, وكانوا نصارى ما ذكره في كتابه, ولم يفعلوا بمكة شيئًا مما فعله هؤلاء, ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود، والنصارى، والمجوس؛ بل ومن عبَدة الأصنام0, وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد؛ فهلا عوجلوا بالعذاب، والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟ وقد أجيب عن ذلك: بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت, ولِما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها, وإرسال الرسول منها: أهلكهم سريعًا عاجلًا, ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه: لأنكرت القلوب فضله, وأما هؤلاء القرامطة: فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع, وتمهيد القواعد, والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة، والكعبة, وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغًا عظيمًا, وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبيَّن من كتاب الله وسنَّة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معالجتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار, والله سبحانه يمهل، ويُملي، ويستدرج، ثم يأخذ أخذ عزيزٍ مقتدرٍ.

” البداية والنهاية ” ( 11 / 162 ).

 

والله أعلم.

 

 

حكم المكرَهة على الزنى، ومتى يعد فعلها إكراها؟

حكم المكرَهة على الزنى، ومتى يعد فعلها إكراها؟

السؤال:

أتساءل كيف لامرأة تولَد مسلمة أن تُجبر على عمل كداعرة، فهناك حالات كثيرة في ” إندونيسيا ” أجبرت الفتيات صغيرات السن اللاتي بلا مأوى على العمل كداعرات، فهل سيكون مصير فتاة كهذه أن تدخل النار؟ فإن ترفض الفتاة هذا العمل يكون مصيرها القتل، فهل يقع إثمها عليها، أم يقع على والدها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذا مما يؤلم القلب، بل ويدميه، والعجب أن قوى الشر، والكفر لم تتسلط إلا على أبناء المسلمين وبناتهم لاستعمالهم في تجارة الدعارة، ولما رأى بعض المنسلخين من أخلاق الإسلام وفضائله ربح هذه التجارة: راحوا يفعلون فعلهم، وأيضاً تسلطوا مثلهم على أبناء المسلمين، وبناتهم، فالله المستعان، ونسأله تعالى أن يخلص أولئك من براثن أهل الشر، والسوء.

ثانيًا:

وأول ما تقع المسئولية عليه هو الحاكم لتلك البلاد، وأهل الحل والعقد فيه، ممن يعلمون هذا الأمر، ويسكتون عنه، فضلًا عن وجود بعض أهل الفساد ممن يشارك في هذه التجارة، فضلًا عمن يشرِّع لإباحتها، ويحمي تجارها، فكل هؤلاء تقع عليهم مسئولية ذلك الحدث المؤلم، وعليه إثم كل فجور يقع عليهم، ومنهم فيما بعد لو صار برضاهم.

والمسئولية تقع أيضًا على والديهم ممن رضي لأولاده بالعمل في هذا المجال، أو فرَّط في تربية أولاده حتى وصل بهم الحال إلى صاروا زبائن عند المرضى من الشاذين، وأهل الفجور.

ومن أعظم أسباب ضياع الأولاد: تقصير الوالدين في حق الأبناء بتضييعهم, وعدم القيام بواجب المسؤولية اتجاههم.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فمَن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم, وترك تعليمهم فرائض الدين، وسننه؛ فأضاعوهم صغارًا. ” تحفة المودود ”  ( ص 229 ).

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم مسئولية أولئك جميعًا في سياق واحد في هذا الحديث:

عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ). رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

ثالثًا:

ومن قواعد الشريعة المتفق عليها بين أهل العلم: التجاوز عن المكرَه إكراهًا ملجئًا، لا يستطيع التخلص منه ، بسبب ضعفه، وقلة حيلته، وبسبب جبروت المكرِه وطغيانه، حتى لو كان الإكراه في الكفر، فن الله تعالى قد تجاوز عنه، ولا يكون المكرَه آثمًا بحال، كما قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/ 106.

وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) رواه ابن ماجه ( 2045 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وقد نصَّ الله تعالى على حرمة الإكراه على ” البغاء “، وتوعَّد من أكره النساء عليه، وأخبر عن غفرانه للذنب الذي يصدر من المكرَه من النساء، بل وللمكرِه إن هو تاب، وأناب.

قال تعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) النور/ من الآية 33.

وسبب نزول هذه الآية: هو ما كان يفعله ” عبد الله بن أبيّ بن سلول ” -زعيم المنافقين – من إكراه إماءٍ عنده على الزنى.

عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا ” مُسَيْكَةُ ” ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا ” أُمَيْمَةُ ” فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى ، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) إِلَى قَوْلِهِ ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

رواه مسلم ( 3029 ).

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

قال تعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ ) أي: إماءكم، ( عَلَى الْبِغَاءِ ) أي: أن تكون زانية، ( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) لأنه لا يُتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنًا: فإنها تكون بغيًّا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهي لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يُجبر أمَته على البغاء؛ ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: ( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرًا منكم، وأعفَّ عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك؛ لأجل عرَض الحياة ، متاع قليل، يعرض، ثم يزول.

فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة – بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها-: أفضل من كسبكم العرَض القليل ، الذي يكسبكم الرذالة، والخسَّة.

ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: ( وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك: غَفر الله ذنوبه، ورحمه، كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمَته بعدم إكراهها على ما يضرها.  ” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).

* وقال الطبري – رحمه الله -:

( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ ) يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك، لهنَّ ( غَفُورٌ رَحِيمٌ )، ووزر ما كان من ذلك عليهم، دونهن.

” تفسير الطبري ” ( 19 / 174 ).

والأقرب في معنى الآية حملها على الطرفين، فهو تعالى غفور رحيم للمكرَهات على الزنى، وهو غفور رحيم لمن تاب ممن أكرههنَّ على فعل الفاحشة.

رابعًا:

وقد فصَّل العلماء في حد الإكراه الذي يُعذر فيه الإنسان.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وهو نوعان: أحدهما: من لا اختيار له, ولا قدرة له على الامتناع، كمن حُمل كرها, وأُدخل إلى مكان حلَف على الامتناع من دخوله، أو حُمل كرهًا، وضُرب به غيره حتى مات ذلك الغير, ولا قدرة له على الامتناع، أو أضجعت، ثم زني بها، من غير قدرة لها على الامتناع، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق.

” جامع العلوم والحكم ” ( ص 376 ).

فإن كان هذا الإكراه يصل إلى حدِّ القتل – كما جاء في السؤال -: فلا إثم عليها، ولا حد.

وإن كان الإكراه يصل لحدِّ المنع من الطعام والشراب، حتى يُخاف عليها من الهلاك: كان هذا عذرًا أيضًا، وكنَّ من المُكرَهات.

عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِامْرَأَةٍ جَهَدَهَا الْعَطَشُ، فَمَرَّتْ عَلَى رَاعٍ، فَاسْتَسْقَتْ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إِلاَّ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، فَشَاوَرَ النَّاسَ فِي رَجْمِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ مُضْطَرَّةٌ، أَرَى أَنْ تُخَلِّىَ سَبِيلَهَا، فَفَعَلَ. رواه البيهقي في ” سننه ” ( 8 / 236 )، وقوَّى إسنادَه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 /  341 ).

 

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والعمل على هذا، لو اضطرت المرأة إلى طعام، أو شراب، عند رجل، فمنعها إلا بنفسها، وخافت الهلاك، فمكَّنته من نفسها: فلا حدَّ عليها.

فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحال أن تمكِّن من نفسها، أم يجب عليها أن تصبر، ولو ماتت؟.

قيل: هذه حكمها حكم المكرَهة على الزنا، التي يقال لها: إن مكنتِ من نفسك وإلا قتلتُك، والمكرهة لا حدَّ عليها, ولها أن تفتدي من القتل بذلك, ولو صبرت: لكان أفضل لها, ولا يجب عليها أن تمكن من نفسها، كما لا يجب على المكره على الكفر أن يتلفظ به , وإن صبر حتى قُتل: لم يكن آثما، فالمكرهة على الفاحشة أولى.

” الطرق الحُكمية ( ص 80 ).

 

والله سبحانه وتعالى نسأله أن يحفظ أعراض المسلمين، وأن يردهم إليه ردًّا جميلًا.

 

والله أعلم.

 

هل ثمة خروج من الجنة والنار لأهلهما؟ وحال أعمال من تسمى “الأم تريزا” في الآخرة

هل ثمة خروج من الجنة والنار لأهلهما؟ وحال أعمال من تسمى “الأم تريزا” في الآخرة

السؤال:

قرأنا في جواب على الموقع أن أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها, بينما قرأت في ” صحيح البخاري ” ( كتاب 2، 12, 72 ) أن بعض أهل النار يمنُّ الله عليهم ويدخلهم الجنة لما في قلبهم من الإيمان به, فأيهما أصح؟ وإذا كان كلاهما صحيحاً فكيف الجمع بينهما؟.

وعلى هذا: فهل تدل الآيات  الواردة في سورة ” هود ” على أنه يمكث بعض الذين قاموا بأعمال حسنة فترة مماثلة في الجنة ولكن في النهاية يدخلون النار؟.

وإن لم يكن كذلك: فكيف يكافأ هؤلاء الكفار الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية  ثم ماتوا في بلاد الكفر, مثل ” الأم تريزا “؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخ السائل متابعته لما ننشره من إجابات في موقعنا، ونشكر له إعمال نظره فيها، وما سأل عنه مما ظاهره التعارض يدل على حبِّه للفائدة، وسعيه للانتفاع بما يقرأ.

ثانيًا:

ونقول للأخ السائل: إنه لا معارضة البتة بين ما ذكرناه في إجابتنا، وما تذكره من أحاديث، وبيان ذلك: أن أهل النَّار قسمان:

القسم الأول: موحِّدون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأدخلهم الله تعالى النار بذنوبهم، وشاء لهم أن يعذَّبوا فيها.

وهذا القسم عذابهم في النار إلى أمد، والله تعالى هو الذي يقدِّر ذلك الأمد، ثم يخرجهم من النار، ويكتب لهم الخلود في الجنَّة بعدها.

وهذا القسم هم المقصودون في الأحاديث التي ذكرتها، والتي فيها بيان خروج من في النار لما عندهم من توحيد، وهم أصحاب النار من المسلمين.

القسم الثاني: كفار، ومنافقون، ليس عندهم توحيد، وقد ماتوا على الكفر والشرك والإلحاد والنفاق.

وهذا القسم عذابهم إلى الأبد، وقد توعدهم ربهم بالخلود في النار إن هم لم يأتوا بما أمرهم الله تعالى به من توحيد، فاختاروا لأنفسهم الكفر واختاروا الخلود الدائم في النار.

وهذا القسم هم المقصودون في آيات سورة هود التي ذكرناها في الجواب الذي ذكرته في أول سؤالك.

ثالثًا:

وبما ذكرناه سابقاً تعلم أن دخول النار ليس لطائفة واحدة، بل لطائفتين، تخرج واحدة منها، وهم الموحدون الذي فعلوا من المعاصي ما استحقوا به النار، ولا تخرج الأخرى، وهم الذين جاءوا بالكفر وماتوا عليه.

وأما الجنَّة: فلا تدخلها إلا طائفة واحدة، وهم الموحدون، وهي لا خروج فيها لأحد، بل من دخلها من أهلها فلا يخرج منها البتة.

وبه تستطيع فهم ما جاء في كتاب الله تعالى من الحكم بعدم الخروج من النار، وأن المقصود به الكفار المخلدون في جهنم، كما في قوله تعالى ( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِين مِنَ النَّارِ ) البقرة / 167، وكما في قوله تعالى ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) المائدة/ 37.

وأما أهل الجنة: فقد حكم الله تعالى بعدم خروجهم منها، كما في قوله تعالى ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحجر/ 48.

رابعًا:

وإذا تبيَّن لك ما ذكرناه سابقًا من أن الكافر لا يخرج من النار أبد الآبدين: فاعلم أنه إن جاء بما يستحق عليه الثواب فإنه يُجازى به في الدنيا لا في الآخرة، فالكفر الذي جاء به مانع من قبول عمله لينتفع به في الآخرة؛ لأن من شروط قبول العمل الإسلام.

* قال الطبري – رحمه الله -:

مَن عمل عملا صالحًا في غير تقوى – يعني: من أهل الشرك – أُعطي على ذلك أجرًا في الدنيا: يصل رحمًا، يعطي سائلا يرحم مضطرًّا، في نحو هذا من أعمال البرّ، يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويُوسِّع عليه في المعيشة والرزق، ويقرُّ عينه فيما خَوَّله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا، في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب

” تفسير الطبري ” ( 15 / 265 ).

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ: ( لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ). رواه مسلم ( 214 ).

 

 

 

* قال النووي – رحمه الله -:

معنى هذا الحديث: أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة؛ لكونه كافرًا، وهو معنى قوله صلى الله عليه و سلم ( لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به: كافر، ولا ينفعه عمل . ” شرح مسلم ” ( 3 / 87 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال القاضي عياض: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض.

” الفتح ” ( 9 / 48 ).

واعلم أن الله تعالى لا يضيع عليهم أجور أعمالهم النافعة للناس، لكنَّ ثوابها يكون في دنياهم لا في أخراهم، وأما المؤمن فإن ثواب أعماله الخيِّرة يكون في الدنيا والآخرة.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ ) .  رواه مسلم ( 2808 ).

* وفي رواية أخرى:

( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا ).

واعلم أن هذا الجزاء في الدنيا ليس مقطوعًا به، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، قال عزَّ وجل ( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/ 18.

* قال الشنقيطي – رحمه الله -:

واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك: كله مقيد بمشيئة الله تعالى، كما نص على ذلك بقوله: ( مَن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/18 الآية.

فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث، وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا.

” أضواء البيان ” ( 3 / 450 ).

وما ذكرناه عن إثابة الله تعالى لمن شاء من الكفار لا ينطبق على ” تريزا ” – واسمها الأصلي آغنيس غونكزا بوجاكسيو، وأصلها من ” مقدونيا “، وقد توفيت سنة 1997 م – وذلك أنها كانت ” راهبة منصِّرة ” تستثمر عملها في إعانة الفقراء والمشردين والمرضى في تنصيرهم وإدخالهم في دينها، ومثل هذه لا يسمًّى عملها ” حسنة “، وما تطعمه في الدنيا فليس هو جزاء أعمالها، بل هو ما تكفل الله به وسيعاقب عليه من كان به كافراً كما قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة/ 126.

* فتحصل أن أعمال الكفار في الدنيا على قسمين:

الأول: ما كان من أعمال الدنيا من أعمال البِرّ، ولا يشترط فيه نية التقرب، كصلة الرحم وإكرام الضيف وما يشبهه، فهذا هو المقصود في الحديث والذي من أجله يثاب الكافر عليه في الدنيا إن شاء الله له المثوبة.

* قال النووي – رحمه الله -:

وصرَّح في هذا الحديث بأن يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات أي: بما فعله متقربًا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية، كصلة الرحم، والصدقة، والعتق، والضيافة، وتسهيل الخيرات، ونحوها.

” شرح مسلم ” ( 17 / 150 ).

الثاني: من كان من أعمال الدنيا، ويَقصد به صاحبه نشر دينه، وفتنة المسلمين عن دينهم، فهذا ليس داخلاً في الحديث، بل صاحبه متوعد عليه أشد الوعيد؛ لأنه يصد بها عن دين الله، ويستغل حاجات الناس وفقرهم ومرضهم لذلك الغرض الخبيث، ومنه ما تفعله ” تريزا ” وغيرها من مثيلاتها.

وأما كان من أعمال الدين وتشترط فيه نية التقرب، كالحج والعمرة والدعاء، فهذا لا يؤجر عليه الكافر في الدنيا ولا في الآخرة؛ لكونه باطلًا، لتخلف شروط قبوله وهي: الإسلام والإخلاص والمتابعة، ثم إن الكفر يحبط الأعمال فلا يستفيد منها صاحبها يوم القيامة شيئًا.

 

والله أعلم.