الرئيسية بلوق الصفحة 73

دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟

دخلت في الإسلام من شدة حبها لزوجها ثم تراجعت إلى النصرانية فهل تكون مرتدة؟

السؤال:

أهلًا، آسفة على الإزعاج، لكني قلقة، زوجي مسلم، وبعد أن تزوجنا: تحولتُ للإسلام؛ لأني أحبه بجنون! وعلى استعداد أن أفديه، ولكني لم أكن أعلم معنى التحول من دين لآخر، وكيف أمارس شعائر دين مختلف، وبعد عدة سنوات: حاولت أن أتكيف مع دينه، لكن لم أكن أشعر بارتياح، فتحولت لديني السابق، وهو المسيحية، أنا أعلم أنني ارتكبت خطأً  كبيرًا، وما كان ينبغي أن أغيِّر ديني بسبب الحب، ولكنني كنت أحب زوجي بشدة ، والآن لي ولد عمره عامان، وزوجي  يريد أن يطلقني؛ لأنني تلاعبت بالأديان، والدين ليس لعبة، كما أن الإسلام لا يقبل المتحولين عنه؟ فأرجو المساعدة هل هذا صحيح؟.

ثانيًا: هل ينبغي أن أطلَّق بسبب ذلك؟ هو يقول: إنه مازال يحبني، وإذا أقر الدين على بقائه معي: فلن يفارقني، لكن هناك بعض الأئمة الذين تحدث معهم وقال: إنه ينبغي أن يطلقني، وأنا أحبه، وهو يحبني، ولدينا ابن – وأنا أعتقد أن أهم شيء في الإسلام هو الأسرة – وأنا لم أقتل، أو أؤذي أحدًا، لكني فعلت خطأً ما كان ينبغي أن أفعله. أرجو المساعدة، فأنا أحبُّه، وشكرًا على مساعدتك.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام، وأن يهديك لما في صلاح آخرتك، والفرصة التي تيسرت لك للدخول في الإسلام لم تتيسر لكثيرات غيرك، وكان يمكنك اقتناصها لتكوني على الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى دخول الجنة، وهذا الدين الذي ندين به هو دين الأنبياء والرسل جميعًا، ومنهم عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم، فقد كانا موحَّدَيْن لربِّ العالمين، وكانا ملتزمين بما شرعه الله من أحكام، وليس أشرف للمرء من أن يكون عبدًا لرب العالَمين، يلتزم شرعه، ويرجو رحمته وثوابه يوم القيامة.

 

ثانيًا:

واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة، أو ثانيها: لا يُقبل منك إلا أن تكوني صادقة، مخلصة، غير شاكة، ولا مرتابة، بل دخول فيه بقناعة، واعتقاد، راسخيْن أنه الدين الحق، وإلا لم يُقبل منك.

 

 

* واعلمي أن دخولك الإسلام أول مرة من أجل حبك لزوجك: لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، مع الاقتناع التام بهذا الدين، وأنه حق لا ريب فيه.

الثانية: أن يكون حبُّه سبباً لدخول الإسلام، من غير اقتناع به، ولا إخلاص، ولا صدق، وإنما فقط لإرضائه، والتقرب منه.

 

وإذا كان الأمر على الحالة الأولى: فدخولك في الإسلام صحيح، وما حصل منك بعد ذلك: فهو ردَّة، وكفر، ويوجب فسخ النكاح بينه وبينك، من غير حاجة لطلاق، وإنما الطلاق لأجل الوثائق والأوراق؛ لعدم اعتراف غالب المحاكم في العالم بالفرق بسبب اختلاف الدين.

وإذا أراد زوجك إرجاعك لعصمته: فلا يستطيع؛ لأنك مرتدة، ولم تعودي كتابية، والطريقة الوحيدة لرجوعك إليه: هي بدخولك الإسلام، بصدق، وافتناع بكونه الدين الحق الذي رضيه الله لخلقه أجمعين.

 

وإن كان الأمر على الحالة الثانية: فاعلمي أنك لم تكوني مسلمة في الأصل؛ لأن دخولك في الإسلام لم تتحقق شروطه، وعليه: فلا يكون ما حصل منك بعد ذلك ردَّة؛ لأنه لم يسبق ذلك إسلام أصلًا.

وعليه – أيضًا -: يكون عقد الزوجية بينكما قائم على ما كان عليه، ولم يتغير؛ لأنه يجوز للمسلم التزوج بكتابية – يهودية، ونصرانية -.

 

وبخصوص تحديد أي الحالين السابقين هو حالك: نرجو من زوجك أن يكون حكمًا على هذا الأمر، وأن يستعين بأهل العلم حوله، مع عرض ما كتبناه هنا عليهم؛ لأن من حكم عليك بالردة لعله لم يتبه لما ذكرناه من احتمال أن يُحكم ببطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وبعده يكون الحكم: هل تبقين زوجة له على اعتبار بطلان دخولك في الإسلام أصلًا، وأنك لا زلت كتابية، يجوز له إبقاءك زوجة له، أو يكون فسخ للنكاح؛ باعتبار وقوعك في الردة، وهنا: لا يستطيع التزوج بك حتى لو رجعتِ للنصرانية؛ لأن برجوعك عن الإسلام تكونين مرتدة، والمرتد ليس حكمه حكم الكافر الأصلي، بل يختلفان.

 

 

 

 

 

ثالثًا:

وسواء كان الأمر على الحالة الأولى، أو الثانية: فإننا ندعوك بقوة وشفقة إلى الدخول في دين الله تعالى الإسلام، وندعوك للتأمل بشيء غاية في الأهمية، وهو أنك إن رضيت لنفسك أن لا تكوني مسلمة: فلن يكون بينك وبين زوجك لقاء في الآخرة، ولا مع ابنك كذلك؛ لأن اختلاف الدِّين سيفرق بينكم، وبينما يكونا في جنة الله تعالى: تكوني أنت في نار جهنم، وهذه الخسارة، وذلك الشقاء يدعوانك لإعادة النظر في الحال التي أنت عليها، فاجتماعك مع أسرتك في الدنيا سيكون محدودًا بسنين معدودة، وأما النعيم الأخروي فهو أبدي، لا ينقطع.

 

وما أجملها من أوقات، وما أحلاها من سعادة، يوم تكون الأسرة المسلمة مجتمعة في جنة الله تعالى في الآخرة، تتقلب في النعيم، وتسعد بثواب الله الجزيل، فأعيدي النظر في حالك، ولا ترضي لنفسك شقاء الدنيا والآخرة، واجعلي حبَّك لزوجك، وابنك أسبابًا للتأمل في الإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وإننا لنظن فيك خيرًا أنك لن تختاري لنفسك إلا ما هو صواب، وهو إعلان إسلامك، مخلصة من قلبك، صادقة، غير شاكَّة، ولا مرتابة.

 

ونرجو من زوجك أن يعينك على هذا الخير، وأن يأخذ بيدك إلى ما فيه سعادتك، وإننا لنشكر له موقفه مما حصل منك، وتوقفه في إرجاعك، حتى يتضح له الحكم الشرعي، ونوصيه بنفسه، وبابنه، وبك، خيرًا، ونحن ننتظر منكم أخبارًا سارَّة، ونحن على استعداد للإجابة على تساؤلاتكم الشرعية، والاجتماعية.

 

والله أعلم.

 

حكم من رمى الجمار ثم تبين له في بلده أنها أقل من سبع حصيات

حكم من رمى الجمار ثم تبين له في بلده أنها أقل من سبع حصيات

السؤال:

عندما ذهبتْ والدتي إلى الحج: ذهبت لرمي الجمرات، فأخذتْ بعض الحصوات في جيبها، فرمتها، ثم عادت إلى الفندق، وخلعت العباءة التي كانت ترتديها، عندما عادت إلى ” هولندا “: وجدت أنه بقي بعض الحصى في جيب العباءة، فهل عليها من شيء في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا خلاف بين العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمى الجمار بسبع حصيات، وأن هذا هو هديه، ولا ريب.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رمَى الجمرة بسبع حصيات، من رواية عبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عمر، وشكُّ الشاكِّ لا يؤثر في جزم الجازم.  ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 5 / 312 ).

وقد اختلف أهل العلم في حكم من أنقص من حصيات الرمي في الحج اختلافًا كثيرًا، وليس في المسألة نص يُرجع إليه ليحسم الخلاف، فأما جمهورهم فقد ذهبوا إلى وجوب استيفاء العدد الثابت في السنَّة، وتساهل آخرون مطلقًا، فقالوا: يكفي التكبير!، وقال آخرون: لو أنقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، وليس عليه شيء، وقال آخرون: إن ذلك في حال لم يكن متعمدًا، واختلفوا فيما يجب عليه مقابل ترك الحصاة، والحصاتين.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 80، 81 ):

مذهب الشافعية والحنابلة أنه يجب الدم على من ترك الرمي كلَّه، أو ترك رمي يوم، أو يومين، أو ترك ثلاث حصيات من رمي أي جمرة.

– وعند الشافعية في الحصاة: يجب مدٌّ واحد، وفي الحصاتين: ضعف ذلك.

– وعند الحنابلة في الحصاة، أو الحصاتين: روايات.

– قال في ” المغني “: الظاهر عن أحمد أنه لا شيء عليه في حصاة، ولا حصاتين.

– وذهب الحنفية إلى أنه يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمار كلها في الأيام الأربعة، أو ترك رمي يوم كامل، ويلحق به ترك رمي أكثر حصيات يوم أيضا؛ لأن للأكثر حكم الكل، فيلزم فيه الدم، أما إن ترك الأقل من حصيات يوم: فعليه صدقة، لكل حصاة نصف صاع من بُرٍّ، أو صاع من تمر، أو شعير.

– ومذهب المالكية: يلزمه دم في ترك حصاة، أو في ترك الجميع. انتهى.

هذه أقوال العلماء في المسألة، وبخصوص فعل والدتك: فالمرجو أن لا يكون عليها إثم؛ لكونها غير متعمدة لإنقاص الحصيات، ولأحوط لها: مذهب الجمهور، وهو فدية مقابل ذلك الترك لتلك الحصيات ، والأحوط في الفدية : أن تكون ذبح شاةٍ في مكة، ويوزع لحمها على فقرائها، ودليل ذلك: أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” مَن ترك نسكًا، أو نسيه: فليُهرق دمًا ” رواه مالك في ” الموطأ ” ( 905 ) بإسنادٍ صحيح.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فهذا الأثر هو عمدة من أوجب الدم في سائر واجبات الحج، وهو أثر صحيح، وقد روي مرفوعِا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الموقوف أصح، والأقرب: أنه في حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم يبعد أن يقوله ابن عباس من جهة رأيه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ( 17 / 397 ).

* وقال – رحمه الله -:

فعلى كل مَن ترك واجبًا، عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا، كرمي الجمار، أو المبيت ليالي ” مِنى “، وطواف الوداع، ونحو ذلك: دم، يُذبح في مكة المكرمة، ويقسم على الفقراء، والمجزئ في ذلك هو المجزئ في الأضحية، وهو رأس من الغنم، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 16 / 153 ).

 

والله أعلم.

 

 

تحقيق القول في مسألة سماع الأحياء لكلام الأموات

تحقيق القول في مسألة سماع الأحياء لكلام الأموات

السؤال:

هل يمكن للأحياء سماع أصوات الموتى في قبورهم، سواء كانوا معذّبين، أو منعّمين؟ لأنّه سمع أنّ هذه القدرة هي المرحلة الأولى لكي يصبح الإنسان من الأولياء الصالحين.  والسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينتقل الميت بموته إلى عالم ” البرزخ “، وهو عالَم آخر غير الذي قضى عمره فيه، وهذا العالَم الغيبي ليس لأحدٍ أن يثبت فيه شيئًا، أو ينفيه، إلا بدليل من الكتاب والسنَّة .

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة تثبت تكلم ” الميت ” وهو محمول على الأكتاف لدفنه، وأيضًا وهو في قبره، وثبت في تلك الأحاديث وغيرها أن الأحياء لا يسعمون ذلك الكلام الذي قاله الميت، أما الموضع الأول فقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم ” الإنس ” من السماع، وأما الموضع الثاني: فقد استثنى “الإنس والجن”.

أ. الموضع الأول:

عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ ). رواه البخاري ( 1314 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله في آخر الحديث ( يسمع صوتها كل شيء ): دال على أن ذلك بلسان القال، لا بلسان الحال. ” فتح الباري ” ( 3 / 185 ).

* وقال العيني – رحمه الله -:

واستدل بالحديث المذكور على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان غير الإنسان.

” عمدة القاري ” ( 8 / 114 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني ) تقول ذلك بصوت مسموع، يسمعه كل شيء إلا الإنسان، لا يسمعه، نعمة من الله عز وجل؛ لأننا لو سمعنا ما يقوله الأموات على نعوشهم: لانزعجنا، لكن الله أخفاه عنَّا، لكن تسمعه الدواب، يسمعه كل شيء تقول ” قدموني قدموني “. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 549، 550 ).

ب. الموضع الثاني:

* وهو حديث البراء بن عازب المشهور، وفيه:

فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ مَنْ رَبُّكَ مَا دِينُكَ مَنْ نَبِيُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيَقُولُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَوْتَ وَيَأْتِيهِ آتٍ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ فَيَقُولُ وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ. رواه أحمد ( 30 / 578 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3 / 219 ).

وفي الفرق بين الموضعين، وعدم الإنس في الأول دون غيرهم، وعدم سماع الإنس والجن في الموضع الثاني غيرهم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله – تعليقًا على الحديث الأول -:

وقد استُشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر ( فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعه كل شيء إلا الثقلين ) والجامع بينهما الميت، والصعق، والأول استثنى فيه الإنس فقط، والثاني استثنى فيه الجن، والإنس؛ والجواب: أن كلام الميت بما ذُكر لا يقتضي وجود الصعق – وهو الفزع – إلا من الآدمي؛ لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجن في ذلك، وأما الصيحة التي يصيحها المضروب: فإنها غير مألوفة للإنس، والجن، جميعًا؛ لكون سببها عذاب الله، ولا شيء أشد منه على كل مكلف، فاشترك فيه الجن، والإنس. ” فتح الباري ” ( 3 / 185 ).

* ويستُثنى من الإنس في سماع عذاب القبر: النبي صلى الله عليه وسلم.

أ. عن زَيْد بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: ( مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ ) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ ) قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ ، فَقَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ). رواه مسلم ( 2868 ).

ب. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَجَبَتْ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: ( يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا ). رواه البخاري ( 1309 ) ومسلم ( 2769 ).

– وجبت الشمس: غربت.

والحديث رواه ابن حبان ( 7 / 394 ) وبوَّب عليه بقوله: ” ذِكر الإخبار بأن المصطفى صلى الله عليه و سلم أسمع أصوات الكفرة حيث عذبت في قبورها “.

وفي عدم سماع الإنسان في كلا الموضعين حكَم جليلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

– قوله: ( إلا الإنسان ): يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحِكَم عظيمة؛ منها:

أولًا: ما أشار إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: ( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن  يسمعكم من عذاب القبر ).

ثانيًا: أن في إخفاء ذلك سترًا للميت

ثالثًا: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذَّب، ويصيح: لم يستقر لهم قرار .

رابعًا: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك.

خامسًا: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه .

سادسًا: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين: لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوه قطعًا؛ لكن إذا كان غائباً عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر: صار من باب الإيمان بالغيب .

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 482، 483 ).

ثالثاً:

والاتصال الوحيد بين الأحياء والأموات ، والذي يمكن للحي فيه سماع الميت : هو عندما يصير الحي في عالم الأموات ! وذلك بالنوم ، فتتصل روحه بروح الأموات ، ويمكن رؤيتهم وسماع كلامهم .

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

قال ابن القيم رحمه الله : ” وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه ، فيستخبره ، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ ، فيصادف خبره كما أخبر ” ، فهذا هو الذي عليه السلف ، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله ، وتسمع ، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 311 ، 312 ).

رابعا:

وأما من يزعم أنه يستطيع سماع الأموات في قبورهم، وأنه يراهم، ويتحدث معهم: فهو يكذب في ذلك، وإنما يرى الشياطين تتمثل له بصورة الأموات، أو تخاطبه بأصواتها، وتلبس عليه، وهو يلبس على الناس.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطابٍ يسمعه، وشخصٍ يراه، وتصرفٍ عجيب، ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن، والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق، وخرج منه الميت، وكلمه، وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء، وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس، ويدَّعي أحدهم أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان، ويكون كاذبا في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدّا، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر، وعانقه، أو كلمه: هو المقبور، أو النبي، أو الصالح، وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان، ويتبين ذلك بأمور:

أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها: تغيب ذلك الشخص، أو ساخ في الأرض، أو احتجب، ولو كان رجلا صالحا، أو ملَكا، أو جنيّا مؤمنا: لم تضرَّه آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح مِن حديث أبي هريرة لما قال له الجني: اقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيْك مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( صَدَقَك وَهُوَ كَذُوبٌ ) – رواه البخاري (2311) – معلَّقاً بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” (ص 533) .

ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.

ومنها: أن يستعيذ بالعوَذ الشرعية؛ فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم، وتريد أن تؤذيهم، وتفسد عبادتهم، كما جاءت الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد أن تحرقه، فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التي تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن حبيش وكان شيخا كبيرا قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ قَالَ: تَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَرَعَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ قَالَ مَا أَقُولُ؟ قَالَ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرِ يَا رَحْمَنُ قَالَ فَطَفِئَتْ نَارُهُمْ وَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

ومنها: أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين.

والمقصود هنا: أنَّ مِن أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة، ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق، وخرج منه شيخ بهيٌّ: عانقه، أو كلَّمه: ظنَّ أن ذلك هو النبي المقبور، أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق؛ وإنما الشيطان مثَّل له ذلك، كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق، وأنه خرج منه صورة إنسان، ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان، وأراه أنه خرج من الحائط.

” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 168 – 178 ) باختصار.

 

والله أعلم.

حكم استعمال نبتة ” كف مريم ” للحامل لتسهيل ولادتها

حكم استعمال نبتة ” كف مريم ” للحامل لتسهيل ولادتها

السؤال:

هناك ورد يسمَّى بـ ” ورد مريم “، تعتقد العائلة أنه عندما تُغمر في الماء، وتوضع بجانب المرأة التي على وشك الولادة: فإنها بمجرد أن تتفتح حتى تساعد المرأة في تسهيل ولادتها! فأنا أظن أن هذه خرافة، وأنها تصرف الشخص عن التوكل على الله، مع أن أختي قالت: إنها جربتْها فنجحت معها، فما هي نصيحتكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

من الواضح أن ما جاء في السؤال هو محض ” خرافة “؛ إذ لا تعلق لتفتح وردة بجانب امرأة حامل على وشك الوضع بتسهيل عملية الولادة.

ولعله حصل لبس عند الأخت السائلة، أو من نقلت عنهم، وأنهم خلطوا بين ” ورد مريم “, و ” كف مريم “، فالأول لا نعلم له وجودًا، والطريقة الواردة في السؤال محض خرافة كما سبق، وأما نبتة ” كف مريم ” فهي التي لها تعلق بالولادة، حيث ثبت أنها تساعد المرأة في ولادتها.

ويعرف نبات ” كف مريم ” علميًّا باسم: ” Anastatica hierochuntica “، وهي تستعمل في علاج ” نزلات البرد ” عند الأطفال عن طريق التبخير، ويُشرب منقوعها لتسهيل عملية الولادة في حال تعسرها.

* قال الدكتور جابر بن سالم القحطاني – وهو من المختصين في الأعشاب -:

” كف مريم ” هو نبات يشبه في شكله الكف المقبوض، ويستعمل عند الشعور بالطلْق، حيث تسحق نصف حبة واحدة، وتنقع في ملء كوب ماء بارد، لمدة 4 ساعات، ثم يصفَّى، ويشرب الماء مرة واحدة فقط، أما اللهوم بشكل عام: فلا أنصح باستخدامه.

جريدة الرياض، الإثنين 28 ربيع الأول 1428هـ، 16 إبريل 2007 م، العدد (14175).

ويُعتقد أن التسمية جاءت من أسطورة تدعي أن مريم عليها السلام كانت تقبض بيدها عليها أثناء ولادتها!.

وهذه صورة النبتة:

http://www.khayma.com/hawaj/HERBPIC2/KFMRYM.JPG

 

والله أعلم.

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

هل يجوز للداعية والمؤلف والمحاضر أخذ مال على أفعاله؟ وهل لهم أجور يوم القيامة؟

السؤال:

رجل أو امرأة يعملان في الدعوة، ويؤلفان الكتب، هل يجوز له أو لها أن يأخذا ربحًا على الكتب الدينية التي يكتبها – أو تكتبها هي – بعد تغطية كلفة الطباعة، أو أجرًا على إلقاء محاضرة، أو تعليم أحدٍ دينَه؟ وهل ينقص من أجره يوم القيامة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أما ما ذُكر من أخذ الأجرة على كتابة الكتب الإسلامية، أو إلقاء المحاضرات النافعة، أو تعليم الدين: فكل ذلك جائز، على القول الصحيح، ويقوى الجواز حيث توجد الحاجة لأخذ ذلك الأجر.

ومن أدلة الجواز:

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟! حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 5405 ).

– ومعنى ( مرُّوا بماء ) أي: بقوم نازلين على ماء.

  1. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

رواه البخاري ( 4741 ) ومسلم ( 1425 ).

– ومعنى ( فاعتل له ) حزن وتضجر من أجله، أو: تعلل أنه لم يجده.

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكلاهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وغيرهم، ومنَعَه جماعة، منهم: الزهري، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) يردان قول مَن منع ذلك، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة. ” شرح مسلم ” ( 9 / 214، 215 ).

وقد ردَّ العلماء على قول الحنفية الذين منعوا من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، وواجب شرعي، والأجر فيه على الله، وأباحوا أخذ الأجر على الرقية.

* قال ابن بطَّال رحمه الله:

وأما قول الطحاوي: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا فرض: فغلط؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض، فكيف تعليمه؟! وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد: ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك: فضيلة، ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضًا الصلاة ليس بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة على الرقَى، وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة.

وقوله عليه السلام: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم. ” شرح صحيح البخاري ” ( 6 / 405، 406).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تأخذ أجرًا على تعليم القرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلا امرأة بتعليمه إياها ما معه من القرآن، وكان ذلك صداقها، وأخذ الصحابي أجرة على شفاء مريض كافر بسبب رقيته إياه بفاتحة الكتاب، وقال في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) أخرجه البخاري ومسلم، وإنما المحظور: أخذ الأجرة على نفس تلاوة القرآن، وسؤال الناس بقراءته.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 96 ).

 

ثانيًا:

ولا شك أن لأخذ الأجرة على التعليم، والكتابة، وإلقاء المحاضرات، أثرًا في حصول الأجل الكامل لثواب تلك الأعمال الجليلة، لكن ننبه أنه ليس كل من لم يأخذ أجرًا على تلك الأعمال أنه سيحصل ثوابها كاملًا يوم القيامة – كما كان عمله رياءً وسُمعة -، وفي المقابل ليس كل من أخذ أجرًا دنيويّا أنه ستضيع عليه أجور الآخرة؛ وذلك إذا أتقن عمله، وقصد بتلك الأجور الدنيوية أنها مقابل تفرغه لتلك الأعمال، لا أنها مقابلها.

 

 

 

والحال أنه يمكن تقسيم المعلمين والمؤلفين والدعاة الذين يأخذون الأجور على أعمالهم تلك، من رواتب، أو مال بيعٍ لتلك الكتب، أو مال يُدفع لهم مقابل إلقاء المحاضرات: يمكن تقسيمهم إلى قسميْن:

  1. أن يقصد أولئك بتلك الأجور والأموال الاستعانة بها على طاعة الله، ويكون قصدهم الأصلي نشر العلم، ورفع الجهل عن الناس، ورفع راية الإسلام في كل مكان، وأما ما يحصل من نفع دنيوي: فهو تبع لا أصل، ولا شك أن أجر هؤلاء ليس كمن فعل تلك الطاعات ولم يأخذ من أجور الدنيا شيئًا، فأجرهم ناقص، ويكمل بحسب قوة النية الأصلية، وضعف التبع.
  2. أن يقصد أولئك بنشر تلك الأعمال الكتابية، والقيام بالأعمال الدعوية، والتعليم: أن يقصدوا بذلك ما يترتب عليها من نفع دنيوي، ابتداءً، وانتهاءً، وليس من مقصودهم نفع الناس، ولا رفع الجهل عنهم، فمقصود هؤلاء الأصلي نفع أنفسهم، غير حريصين انتفع الناس أو لم ينتفعوا.

وقد اختلف العلماء في أثر نية هؤلاء، فقال بعض العلماء ببطلان أعمالهم، وطاعاتهم، وقال آخرون: لا يأثم على نيته، ولكن ليس لهم أجور – قطعًا – في الآخرة، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول الأول.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وجماع هذا: أن المستحب: أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلم، أو ليعلِّم، أو ليجاهد: فحسن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها )، شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع إذا كانت أجنبية.

وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق: فهذا من أعمال الدنيا، ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده، والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص، ليس هذا موضعها. ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 19، 20 ).

* وقول شيخ الإسلام رحمه الله قول قوي، وهو مؤيد بحديثين:

الأول:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّ يَعْلَى ابْنَ مُنْيَةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ فَوَجَدْتُ رَجُلًا فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا السُّهْمَانِ وَمَا يَبْلُغُ سَهْمِي فَسَمِّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَسَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَتُهُ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ فَذَكَرْتُ الدَّنَانِيرَ فَجِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرَهُ فَقَالَ: ( مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى ).

رواه أبو داود ( 2527 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

أي: لا يُعطى شيئًا من الغنيمة؛ لأنه اتفق معه على هذا المقدار، وكذلك ليس له شيء في الآخرة؛ لأنه ما جاهد من أجل الله، وإنما خرج من أجل الأجرة.

” شرح سنن أبي داود ” ( 13 / 439 ) ترقيم الشاملة.

الثاني:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا أَجْرَ لَهُ) فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ وَقَالُوا لِلرَّجُلِ عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَعَلَّكَ لَمْ تُفَهِّمْهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ: ( لَا أَجْرَ لَهُ ) فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: ( لَهُ لَا أَجْرَ لَهُ ).

رواه أبو داود ( 2516 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله -:

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه ( لاَ أَجْرَ لَهُ  ) وهي محمولة على أنه لم يكن له غرضٌ في الجهاد إلا الدنيا.

” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 17 ).

* وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

لأن الذي يدفعه للجهاد: هو أن يحصل عَرَضًا دنيويًّا، من غنيمة، أو أجرة، ولعل المقصود من ذلك: أن قصده الدنيا وحدها, ولا يريد إعلاء كلمة الله.

” شرح سنن أبي داود ” ( 13 / 417 ) ترقيم الشاملة.

 

والله أعلم.

 

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات ” مونت بلانك “؟

حكم شراء المنتجات وعليها النجمة السداسية، وهل منها منتجات ” مونت بلانك “؟

السؤال:

فقد انتشر بين الناس ماركة عالمية ” مون بلان ” – للتصحيح فالماركة اسمها ” مونت بلانك “، تحمل شكلًا مشابهًا لـ ” نجمة إسرائيل “،  فهل يجوز ارتداء حليهم، أو اقتناء أقلامهم، أو كباكتهم؟ وهل لهذه النجمة ارتباط ديني؟ أرجو توضيح ذلك؛ فقد عم بها البلاء.

وهذا موقع الشركة www.montblanc.com.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– ثمة تنبيهات لا بدَّ منها قبل الإجابة على السؤال، وهي تتعلق بالمصطلحات، وضرورة عدم موافقة اليهود فيما يخالف منها الشرع، والواقع، والتاريخ:

  1. من الخطأ أن نقول: ” نجمة داود “، والصواب: أن نقول: ” النجمة السداسية “؛ لأنه لا يُعرف لداود عليه السلام نجمة، ثم هم يريدون نسبة أنفسهم لنبي من الأنبياء، مع أن الواقع أن الكفرة منهم ملعونون على لسانه عليه السلام، قال تعالى: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) المائدة/ 78.
  2. من الخطأ أن ننسب اليهود إلى ” إسرائيل “، فلا يقال ” دولة إسرائيل “، ولا ” شعب إسرائيل “؛ لأن ” إسرائيل ” هو يعقوب عليه السلام، وهؤلاء الكفرة لا يستحقون شرف النسبة لأي نبي، والأليق بهم تسميتهم ” يهود “، أو يقال ” بنو إسرائيل “.

 

ثانيًا:

وثمة اختلاف في حقيقة تاريخ اتخاذ النجمة شعارًا لليهود، والمسألة فيها أقوال كثيرة، وليس ثمة ما يرجح بعضها على بعض، والذي ظهر لنا أنه لم يكن لها ارتباط ديني من حيث الأصل، أما الآن فقد اختلف الأمر، وصارت شعارًا لهذه العصبة الكافرة، وجزء من علَم تلك الدول اليهودية المحتلة لفلسطين.

* وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” نجمة داود “، ” Star of David “:

وتسمَّى أيضًا ” ترس داود “، وهي الرمز العالمي لليهودية، تظهر نجمة داود في علَم ” دولة إسرائيل “! – وقد نبهنا علىعدم جواز إطلاق هذا اللفظ عليهم – والمعابد اليهودية، وفي الأشياء التي تستخدم عند ممارسة الطقوس الدينية، وفي شعارات مختلف المنظمات.

تتكون النجمة من مثلثين، يتشابكان لتكوين نجمة سداسية، وشكل هذه النجمة معروف منذ القدم، ولكن لا يعرف الباحثون متى اشتهر بوصفه رمزًا لليهودية، ويعتقد أنه ظهر قبل عام 960 ق.م، أما المصطلح اليهودي ” ماغن ديفيد ” الذي يعني ” ترس داود “: فيعود إلى أواخر القرن الثالث الميلادي. انتهى.

ومن أراد الزيادة في معرفة تاريخ ظهور هذه النجمة السداسية: فلينظر كتاب ” موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية ” تأليف الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله.

 

ثالثًا:

ولكون النجمة السداسية الآن صارت شعارًا لتلك العصابة الإجرامية، وجزء من رايتها: فإن المنع من نقشها، ورسمها على الثياب، والساعات، والجدُر، وغيرها : هو المتعيِّن، وهو الذي أفتى به العلماء.

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

عن حكم بيع أو شراء أو عرض: ” نجمة إسرائيل “! أو ” الصليب “، أو ما يمت لليهود والنصارى بشيء من شعائرهم؟.

فأجابوا:

لا يجوز عمل هذه المصوغات بما يحمل شعارات الكفر ورموزه، كالصليب، ونجمة إسرائيل، وغيرهما، ولا يجوز بيعها، ولا شراؤها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / – 70 ).

 

رابعًا:

وأما بخصوص ذات العلامة التجارية الوارد ذِكرهافي السؤال: فالذي علمناه أنه لا يُقصد بذلك الشعار ” النجمة السداسية “، وليست الشركة المنتجة شركة يهودية، وإذا عُرفت حقيقة الأمر تبين حكم المسألة.

فاسم الماركة ” مونت بلانك “montblanc  هو اسم ” جبل ” ثلجي في فرنسا، يقع على الحدود الفرنسية الإيطالية، وهو يعد أعلى الجبال الواقعة في ” أوروبا الغربية “، والشركة المنتجة لهذه المصنوعات هي شركة ألمانية، تأسسيت سنة 1906 م، وكان لها اسم غير هذا، وفي عام 1909 تم تغيير الاسم، وفي عام 1913 تم ابتكار هذا الشعار، وقد قصدوا بالشعار قمة ذلك الجبل، وأن مصنوعاتهم تشبه تلك القمة، في بياضها، وعالميتها، وعلو مكانتها، وهذا كله بحسب موقعهم الذي أحالنا عليه الأخ السائل، ونذكر هذا من باب الإنصاف، وعدم الغلو في النظر للمسائل، وننبه هنا إلى أمور:

  1. أن كثيرًا من الناس يزعم في أشكال كثيرة أنها صليب، ومن ثم يحرم صناعتها، أو رسمها، أو شراءها وبيعها وهذا ليس صحيحًا، بل الصليب المأمور بنقضه، والمحرَّم شراء ما نُقش عليه: هو ما كان صليباً في ذاته.

 

  1. بعض منتجات الشركة الوارد ذكرها في السؤال قد تكون محرَّمة باعتبار آخر، إما لذاتها كساعات ذهبية للرجال، أو لاستعمالها، كزينة محرّم على المرأة إظهارها، أو عطور نسائية تضعها يجد الأجانب ريحها.

 

ويمكن لمن أراد الاطلاع على شعار الشركة أن يراه هنا:

http://www.lacotedesmontres.com/mesIMG/imgStd/21807.jpg

 

والله أعلم.

 

 

 

هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

السؤال:

هل ما زال باب الاجتهاد مفتوحًا؟ وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجَهد، وهو المشقة، أو الوسع، أو الطاقة.

وأما الاجتهاد عند علماء الفقه، أو الأصول: فقد عرَّفوه بتعاريف متقاربة في ألفاظها، ومعانيها، وإذا كان قد أُورد على بعض هذه التعاريف اعتراضات ترجع إلى الصناعة اللفظية، فكلها تدور حول بذل الجَهد، والطاقة لمعرفة الحكم الشرعي من دليله.

وأدق ما قيل في تعريفه ما ذهب إليه صاحب ” مسلَّم الثبوت ” – وهو: محب الله بن عبد الشكور البهاري -: ” إن الاجتهاد هو: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنِّي “. ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 18، 19 ).

 

ثانيًا:

وفي أوائل القرن السادس انطلقت دعوى إغلاق باب الاجتهاد، ولا يملك أحد أن يغلق باب الاجتهاد، وليس ذلك من حق أحد حتى يغلقه، ودعوى إغلاق باب الاجتهاد هي ” اجتهاد ” أصلًا! فهي دعوى متناقضة، إذ كيف لهذا المدَّعي أن يجتهد في إغلاقه، ثم يمنع غيره منه؟!.

 

ثالثًا:

ولا تزال الأمة تمر عليها النوازل، ويحتاج المسلمون في الأرض لمعرفة حكم الله تعالى فيها، ولا يتم ذلك إلا بالاجتهاد في النظر في الأدلة الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لها.

ومَن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم الحاجة إليه، وأنه ” لم يترك الأوائل للأواخر شيئًا “: يُرد عليه بوجود نوازل تُلزم أهل العلم بالإفتاء فيها، وبيان حكم الله الذي يرونه منطبقًا عليها، ولا يوجد لها ذِكر في كتب المتقدمين.

ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم وجود مَن هو أهل له، أو وجود من يجتهد إرضاء لحكامه: فيرد عليه بالكثرة الكاثرة من أئمة الدِّين في كل عصر، ومصر، ممن هم أهلٌ للاجتهاد، وممن لا يخافون في الله لومة لائم.

* ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق حتى لا يُفتح المجال لكل أحد أن يفتي في دين الله: فيرد عليه:

أ. أن الحاجة ملحة للحكم على ما يستجد من مسائل.

ب. أن العلماء وضعوا ضوابط وشروطًا ينبغي تحققها في المجتهد، فليست المسألة فوضى حتى يُجعل الاجتهاد بيد كل أحد.

ج. أن الجاهل لو أفتى بغير علم فإن العلماء له بالمرصاد لإسقاطه، والتحذير منه، فهم أمناء الدين، وحراس حدوده.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 42، 43 ) :

والذي نَدين الله عليه: أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علمٍ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، ومواطن الإجماع، وفتاوى الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودونت بها السنَّة النبوية، وأن يكونوا قبل ذلك وبعد ذلك على الصراط المستقيم، لا يخشون في الله لومة لائم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث، وما يجدّ من نوازل، وألا يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يُحسن أن يجمع بين أشتات الموضوع، ويرجح بعضها على بعض.

والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد إنما نزعوا عن خوفٍ من أن يدَّعي الاجتهاد أمثال هؤلاء، وأن يفتري على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، وإنما يقولون ذلك إرضاء للحكام، ولقد رأينا بعض من يدَّعي الاجتهاد يتوهم أن القول بكذا وكذا فيه ترضية لهؤلاء السادة، فيسبقونهم بالقول، ويعتمد هؤلاء الحكام على آراء هؤلاء المدعين، فقد رأينا في عصرنا هذا من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقا؛ لأن المصلحة – في زعمه – توجب الأخذ به، ومنهم مَن أفتى بجواز الإجهاض ابتغاء تحديد النسل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه ” تنظيم الأسرة “، ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحدِّ، ومنهم … ومنهم … فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على القول بإقفال باب الاجتهاد.

ولكنا نقول: إن القول بحرمة الاجتهاد وإقفال بابه جملة وتفصيلًا لا يتفق مع الشريعة نصًّا وروحًا، وإنما القولة الصحيحة هي إباحته، بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه؛ لأن الأمَّة في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية فيما جدَّ من أحداث لم تقع في العصور القديمة.  انتهى.

* وسئل علماء اللجنة الدائمة: 

هل يعتبر باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية مفتوحًا لكل إنسان، أو أن هناك شروط لا بد أن تتوفر في المجتهد؟ وهل يجوز لأي إنسان أن يفتي برأيه، دون معرفته بالدليل الواضح؟ وما درجة الحديث القائل ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) أو ما معناه؟.

فأجابوا:

باب الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية لا يزال مفتوحًا لمن كان أهلاً لذلك، بأن يكون عالمًا بما يحتاجه في مسألته التي يجتهد فيها، من الآيات والأحاديث، قادرًا على فهمهما، والاستدلال بهما على مطلوبه ، وعالمًا بدرجة ما يستدل به من الأحاديث، وبمواضع الإجماع في المسائل التي يبحثها حتى لا يخرج على إجماع المسلمين في حكمه فيها، عارفًا من اللغة العربية القدر الذي يتمكن به من فهم النصوص؛ ليتأتَّى له الاستدلال بها، والاستنباط منها، وليس للإنسان أن يقول في الدين برأيه، أو يُفتي الناس بغير علم، بل عليه أن يسترشد بالدليل الشرعي، ثم بأقوال أهل العلم، ونظرهم في الأدلة، وطريقتهم في الاستدلال بها، والاستنباط، ثم يتكلم، أو يفتي بما اقتنع به، ورضيه لنفسه دينًا.

أما حديث ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ): فقد رواه الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في ” سننه “، عن عبد الله بن أبي جعفر المصري مرسلًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 17 ، 18 ).

 

رابعًا:

وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟! ولعل السائل يريد: الاجتهاد الذي يخالف ما أجمع عليه الصحابة، والجواب عليه: أنه لا يجوز لأحدٍ أن ينقض إجماعًا ثابتًا، ليس من أهل عصرنا فحسب، بل من كل من جاء بعد ثبوت ذلك الإجماع، ولو كان من التابعين، وإنما نرى خلاف العلماء للإجماعات قبلهم لأسباب:

  1. أنه قد لا يكون ثبت لدى ذلك الفقيه ذلك الإجماع، فبذل وسعه، واجتهد، وتوصل لخلاف ما ثبت الإجماع عليه.
  2. أن الإجماع الثابت قد لا يكون إجماعاً متفقًا على حجيته، كالإجماع السكوتي، فيرى الفقيه أن من حقه أن يجتهد، وأن ذلك الجماع ليس ملزمًا له.

وأما مع كون الإجماع قطعيًّا: فإنه لا يحل لأحدٍ أن يجتهد في المسألة أصلًا، فضلًا أن يخالفها، والإجماع مستنده النص، والمخالف له: مخالف للقرآن والسنَّة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما أجمعوا عليه فلا بدَّ أن يكون فيه نصٌّ عن الرسول، فكل مسألة يُقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين: فإنها مما بيَّن الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البيِّن، وأما إذا كان يظن الإجماع، ولا يقطع به: فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر؛ بل قد يكون ظن الإجماع خطأ ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع، وما لا يكفر.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 39 ).

* وقال السرخسي – رحمه الله -:

الإجماع موجب للعلم قطعًا بمنزلة النص، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الاجماع بدليله. ” أصول السرخسي ” ( 1 / 308 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح؛ لقوة مأخذه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 64 ).

 

والله أعلم.

 

 

ادعاء بإكراه والد زوجها لها على الزنا ربع قرن! وما يترتب على ذلك من أحكام

ادعاء بإكراه والد زوجها لها على الزنا ربع قرن! وما يترتب على ذلك من أحكام

السؤال:

لو أن زوجة الابن كانت تُجبر على أن تضاجع أبا زوجها لمدة خمسة وعشرين سنَة! فهل هذا يفسد الزواج بزوجها الأصلي الذي هو الابن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما في السؤال هو محض خيال! فكيف لإجبارٍ على الزنا أن يستمرَّ ربع قرن؟! يمكن أن يحدث أن تُجبر المرأة على الزنا من والد زوجها، أو من غيره، لكن استمرار ذلك الإجبار خمسًا وعشرين سنة هو أمر غير متخيَّل، وهل عجزت عن إخبار زوجها طيلة هذه المدة؟ وكيف لم تخبر أهلها؟ وهل لم تنجب أولادًا فيصيروا رجالًا يخشى منهم ذلك الجد! أسئلة كثيرة ترد في الذهن على مثل ذلك الادعاء الغريب تجعلنا نرفض حتى مجرد التفكير فيه.

وعليه: فإن تبين أن المرأة تكذب بهذا الادعاء على والد زوجها – ولو أنه فعل ذلك بها مرة واحدة – : فتعدُّ قاذفة، وعليه العقوبة الشرعية المقدَّرة للقذف، وهي الجلد ثمانين جلدة، كما قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور/ 4 ، فإذا لم يعترف والد زوجها بتلك الفعلة المنكرة : فيقام عليها حدُّ القذف.

ثانيا:

ومن المعلوم في الشرع المطهَّر: أن زوجة الابن محرَّمة على والد زوجها إلى يوم القيامة، قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ … وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيما ) النساء/ 23، ومن كانت من النساء محرَّمة النكاح: كان الزنا بها أشد إثمًا، وأعظم جرمًا من الزنا بغيرها ممن يجوز له نكاحها، ولذا كانت عقوبة الزنا بالمحارم: القتل على كل حال، محصنًا كان الزناة أو غير محصنِين، على الصحيح من أقوال العلماء.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الصحيح: أن الزنا بذوات المحارم فيه القتل بكل حال؛ لحديث صحيح ورد في ذلك – وهو حديث ( مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ ) رواه الترمذي وغيره، واختلف في رفعه ووقفه -، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة، واختار ذلك ابن القيم في كتاب ” الجواب الكافي ” أن الذي يزني بذات محرم منه: فإنه يُقتل بكل حال، مثل: ما لو زنا بأخته – والعياذ بالله -، أو بعمته، أو خالته، أو أم زوجته، أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لا بعقد، ولا بغيره؛ ولأن هذه فاحشة عظيمة. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 246، 247 ).

* وقال ابن قيم الجوزية – رحمه الله – في التعليق على عقوبة قتل من وقع على ذات محرَم -:

وهذا الحكم على وِفق حكم الشارع؛ فإن المحرَّمات كلما تغلظت: تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال: أعظم جُرمًا مِن وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ. ” زاد المعاد ” ( 5 / 36 ).

ومن نازع في الحديث فضعفه، ونازع في الحكم فقال: إنه لا يُقتل: فيقال له: لكن هذا لا ينطبق على حالتنا هذه؛ لأن والد الزوج محصن! فإن ثبت أنه زنا بزوجة ابنه: قتل رجمًا؛ لأنه زانٍ محصن، وحد الزاني المحصن: الرجم بالحجارة حتى الموت، وهو الذي ينبغي أن يقال في مثل هذه المسألة وشبيهاتها، وهو أن من وقع على ذات محرم وهو محصن: فإنه يطبَّق عليه الحكم المتفق عليه في حالته، وهو الرجم بالحجارة حتى الموت، وأما إن كان غير محصن: ففيه خلاف هل هو كالزنا أم يقتل على كل حال، والراجح: أنه يُقتل.

ولا يختلف حكم الزوجة عن حكم والد زوجها إن ثبت أنها مطاوعة له في الزنا؛ لأنها محصنة، فحدها: الرجم بالحجارة حتى الموت، ولا يمكن لقاضٍ أن يصدِّق أنه ثمة من تُكره على الزنا ربع قرن، ولا تستطيع دفع ذلك عن نفسها.

وبكل حال: فما ذكرناه هو حكم الله تعالى، والواجب على من تلبس بتلك القاذورة أن يتوب إلى الله قبل أن يلقاه على هذه الكبيرة، وأن يصلح حاله وشأنه، وأن يبتعد عن مكان تلك المعصية دون تأخير، أو تردد.

ثالثًا:

ولو ثبت زنا الأب بزوجة ابنه: لم يكن ذلك مفسداً للنكاح على الراجح من أقوال العلماء، وقد وقع في المسألة خلاف، فالحنفية والحنابلة يرون أن الزنا موجب لفسخ النكاح، وهو قول عند المالكية، وذهب الشافعية إلى أنه زنا الأب بزوجة ابنه: لا يحرم الزوجة على الابن، ولا يوجب فسخ النكاح، وهو القول الآخر عند المالكية، وهو الأشهر والمعتمد عندهم.

 

 

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فإن زنى بامرأة أبيه، أو ابنه، أو أم امرأته: فقد عصى الله تعالى، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه، امرأته، لو زنى بواحدة منهما .

” الأم ” ( 5 / 153 ).

* وقد بيَّن ابن رشد القرطبي رحمه الله سبب الخلاف بين العلماء فقال:

وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم ” النكاح “، أعني: في دلالته على المعنى الشرعي، واللغوي، فمن راعى الدلالة اللغوية في قوله تعالى ( وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) قال: يحرِّم الزنا، ومن راعى الدلالة الشرعية قال: لا يحرِّم الزنا، ومن علل هذا الحكم بالحرمة التي بين الأم والبنت، وبين الأب والابن قال: يحرِّم الزنا أيضا، ومن شبهه بالنسب قال: لا يحرِّم لإجماع الأكثر على أن النسب لا يلحق بالزنا.

” بداية المجتهد ” ( 2 / 26 ).

والراجح: هو مذهب الشافعي رحمه الله، وأن النكاح في الآية ليس هو الوطء، بل العقد، وأن الحرام لا يحرِّم الحلال؛ وللفروقات الكثيرة بين العقد، والوطء الحرام، من جهة النسب، والعدة، والميراث، وغيرها.

وهو الذي رجحه طائفة من المحققين المعاصرين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

نقول: هذا الواطئ وطئ مَن ليست زوجةً له، لا شرعًا، ولا اعتقادًا، ولا يمكن أن يلحق السفاح بالنكاح، فإلحاق هذا بهذا: من أضعف ما يكون.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 13 / 332 ).

* وقال – رحمه الله -:

لو أن رجلًا زنى بامرأة فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنه لا يدخل في قول: ( وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ )، وقوله: ( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ )، وقوله: ( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ )، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها من ليست من حلائل الأبناء، وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذًا: فتكون حلالًا؛ لدخولها في قوله تعالى: ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)، وفي قراءة و ” أَحلَّ لكم ما وراء ذلك “.

والمذهب: أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأةٍ: حرُم عليه أصولها، وفروعها، وحرم عليها أصوله، وفروعه ، تحريمًا مؤبَّدًا، وهذا من غرائب العلم، أن يُجْعل السفاح كالنكاح،  وهو من أضعف الأقوال. ” الشرح الممتع ” ( 12 / 119 ، 120 ).

 

ولعل مثل هذه الحوادث أن تبين للناس مدى الظلمة التي يعيش فيها من ابتعد عن دين الله تعالى، وسواء ثبتت تلك الواقعة أو لم تثبت: فقد ثبت غيرها كثير، فالواجب على المسلمين أن ينتبهوا قبل أن يصبحوا عبرة لغيرهم، وليراعوا فروقات الأعمار بين آبائهم وزوجاتهم، وبين نسائهم وأمهات نسائهم، فالأب الفتي الشاب ليس كالشيخ الكبير، وأم الزوجة الكبيرة ليست كالشابة الفتية، ومن لم يراعِ مثل هذا، وسمح لنفسه بالتساهل في اللمس، والتقبيل، والخلوة: فقد يسقط على أم رأسه، وفي الحوادث الكثيرة عبر لمن اعتبر.

 

والله أعلم.

 

كيف يتصرف مع أخته التي اكتشف أن لها علاقة محرَّمة مع أجنبي؟

كيف يتصرف مع أخته التي اكتشف أن لها علاقة محرَّمة مع أجنبي؟

السؤال:

أنا شاب، اكتشفت علاقة محرَّمة لأختي الكبيرة بشاب أجنبي عنها عن طريق الإنترنت، وأظن أن السبب الأول هو: الفراغ العاطفي الذي تعاني منه أختي من جهة أمي، وأبي، ومن جهتي أنا، والثاني: هو أنها خائفة من تأخر زواجها، أو عدمه – حسب ظني -.

كما أني قد اكتشفت لها علاقة محرمة من قبلُ، وحذرتها من الوقوع في هذا مرة ثانية، وعاهدتني على أن لا تعود لهذا ، علماً أن أختي تعمل في مكان مختلط، وتكلم الأجانب كأنهم إخوة لها.

الرجاء منكم نصحنا لما هو خير، وما الواجب عليَّ فعله لمواجهة هذا البلاء العظيم؟. جزاكم الله عنَّا كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن هذا أمر محزن، ومؤلم، والمسلم لا يرضى الفحش في أهل بيته، ولا يقبل به، وإذا كان هذا الفحش صادرًا من أنثى في الأسرة: كان أشد إيلامًا على النفوس الشريفة من أهل بيتها.

وكثيرا ما نسمع ونرى من تصرفات حمقاء، خرقاء، من بعض من يظن نفسه مصيباً في فعله، فيسارع إلى قتل أخته، أو ابنته، إن علم بوجود علاقة بينها وبين رجل أجنبي، وقد لا تكون تتعدى المراسلات والمكالمات، نعم فعلها محرَّم، ونعم غيرته حسنة، طيبة، في أصلها، لكن تصرفه كان مخالفًا للشرع، وليس حكم من كلمت أجنبيًّا، أو راسلته أنها تُقتل.

ولذا فنحن نشكر لك غيرتك المحمودة، ونشكر لك توجهك بالسؤال لنا، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تصيب الحق والصواب في تصرفك معها، ونسأله تعالى أن يهديها، وأن يصلح حالها.

وملخص ما نذكره هنا هو قطع الأسباب التي أدَّت بها في أن تقع بذلك المنكر، والعمل على تقوية دينها، وإيمانها، بما يجعلها تنفر من فعل الحرام، وتبتعد عنه.

وعليك أن تحاول أنت وأهلك بكل ما أوتيتم من قوة وحكمة أن توقفوا أختك عن العمل إما مطلقًا، وهذا أفضل، أو أن تعمل في بيئة ليس فيها رجال؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تعمل في مكان مختلط؛ لما يترتب على الاختلاط من مفاسد، ومحاذير.

 

والله الموفق.

هل تلتقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات في المنام؟ وهل ما يرونه من حال يصدَّق؟

هل تلتقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات في المنام؟ وهل ما يرونه من حال يصدَّق؟

السؤال:

هل تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام؟ لأن الإنسان يرى أمواتاً من أقاربه، ويتحدث إليهم في منامه، أو يطلبون صدقة، أو يرى الميتَ في نعيم، وبساتين، هل هذه منازله؟ وهل هذه روحه التقت مع روح الميت لأن النوم هو الموتة الصغرى؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثبت في الشرع، والواقع، ما يدل على التقاء أرواح الأحياء والأموات، وذلك في قول طائفة من أهل السنَّة.

  1. أما ثبوت اللقاء في الشرع: ففي قوله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الزمر/ 42.

* وفي هذه الآية قولان مشهوران:

الأول: ” وهو أن المُمْسَكة: مَن توفيت وفاة الموت أولًا، والمرسَلة: مَن توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه يتوفى نفس الميت، فيمسكها، ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم، ثم يرسلها إلى جسده إلى بقية أجلها، فيتوفاها الوفاة الأخرى “.

وهذا كلام ابن القيم في كتابه ” الروح ” ( ص 20، 21 ) وترجيحه.

والقول الثاني – وعليه الأكثرون -: ” أن كلا من النفْسين: الممسَكة، والمرسَلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت : فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدَّمها بقوله: ( الله يتوفى الأنفس حين موتها)، وعلى هذا يدل الكتاب، والسنَّة …

فإن الله ذكر توفيتين: توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة، وإرسال الأخرى، ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم، أو قبل ذلك؛ ويرسل من لم تمت. وقوله: ( يتوفَّى الأنفس حين موتها ) يتناول ما ماتت في اليقظة، وما ماتت في النوم؛ فلما ذكر التوفيتين: ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين، ويرسلها في الأخرى؛ وهذا ظاهر اللفظ، ومدلوله، بلا تكلف “.

وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمة في ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 452، 453 ) وترجيحه.

والآية على كلا القولين تصلح دليلا لالتقاء أرواح الأحياء بالأموات، فقد ذكر ابن القيم المسألة، وانتصر لها بقوة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – بعد ترجيحه القول الثاني -:

وما ذُكر من التقاء أرواح النيام والموتى: لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه. ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 453 ).

كما أن طائفة كبيرة من السلف رحمهم الله رأت في الآية دليلا على ذلك اللقاء بين أرواح الأحياء في منامهم، مع أرواح الأموات في برزخهم.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد: أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.

وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى ) أي: يعيدها.  ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 260 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف اللّه فيها في الوفاة، والإمساك، والإرسال، وأن أرواح الأحياء، والأموات، تتلاقى في البرزخ ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات.

” تفسير السعدي ” ( ص 725 ).

وثمة قول آخر في الآية: وهو أن الروح الممسَكة، والمرسَلة: هي روح الميت، وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ثانيًا:

  1. وأما ثبوت اللقاء في الواقع: فقد قال ابن القيم رحمه الله:

شواهد هذه المسألة، وأدلتها: أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى، والحس، والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء، والأموات، كما تلاقي أرواح الأحياء. ” الروح ” ( ص 20 ).

* وقال – رحمه الله -:

وقد دلَّ التقاء أرواح الأحياء والأموات: أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيُّ، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي، والمستقبل، وربما أخبره بمالٍ دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، وذَكَر له شواهده، وأدلته.

وأبلغ من هذا: أنه يخبر بما عملَه من عملٍ لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا، فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمورٍ يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره. ” الروح ” ( ص 21 ).

وما يوجد من الحكايات والأخبار الحقيقية في هذا الباب أشهر من أن تُنكر، وأكثر من أن تُذكر، ومن هنا قال ابن القيم رحمه الله:

وهذا باب طويل جدًّا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلتَ: هذه منامات، وهي غير معصومة: فتأمَّل مَن رأى صاحباً له، أو قريبًا، أو غيره، فأخبره بأمرٍ لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا، أو أخبره بمالٍ دفنه، أو حذَّره من أمر يقع، أو بشَّره بأمرٍ يوجد، فوقع كما قال، أو أخبره بأنه يموت هو، أو بعض أهله إلى كذا وكذا، فيقع كما أخبر، أو أَخبره بخصبٍ، أو جدبٍ، أو عدوٍّ، أو نازلة، أو مرض، أو بغرضٍ له، فوقع كما أخبره، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذاك عجائب.

وأبطل من قال: إن هذه كلها علوم، وعقائد، في النفس، تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم، وهذا عين الباطل، والمحال؛ فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور التي يُخبِر بها الميتُ، ولا خطرت ببالها، ولا عندها علامة عليها، ولا أمارة بوجه ما، ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك.

” الروح ” ( ص 29 ).

ثالثًا:

وما قاله الإمام ابن القيم، ونقلناه عن السلف، هو الذي يقول به أئمتنا المعاصرون، وينفون ما يُزعم من لقاء الأحياء بالأموات عن طريق ” التنويم المغناطيسي “، أو ما يسمَّى ” تحضير الأرواح “، أو اللقاء في المقابر في أيام معينة، وإنما يحصرون هذا اللقاء في المنام فقط.

  1. * قال الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله -:

قال ابن القيم رحمه الله: ” وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ ، فيصادف خبره كما أخبر “، فهذا هو الذي عليه السلف، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله، وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدَّعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات، ويكلمونها، ويسألونها، فهذه ادعاءات باطلة، ليس لها ما يؤيدها من النقل، ولا من العقل، بل إن الله سبحانه وتعالى هو العالم بهذه الأرواح، والمتصرف فيها، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه، وخلافه لا ينازعه منازع، أما مَن يدعي غير ذلك: فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 311، 312 ).

  1. * قال علماء اللجنة الدائمة:

دنو أرواح الأموات من قبورهم يوم الجمعة، أو ليلتها، ومعرفتهم مَن زارهم، أو مرَّ بهم، وسلَّم عليهم، أكثر من معرفتهم بهم في غير يوم الجمعة، أو ليلتها، والتقاء الأحياء والأموات ذلك اليوم: كل هذا من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، فلا تُعلم إلا بوحي من الله لنبيٍّ من أنبيائه، ولم يثبت في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، ولا يكفي في معرفة ذلك الأحلام؛ فإنها تخطئ، وتصيب، فالقول بها، والاعتماد عليها: رجم بالغيب. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 646 فما بعدها )، وقد نقدوا الروايات الواردة في لقاء الأحياء بالأموات في المقابر، وكذا ما جاء في ذلك من منامات، وهو أضعف من أن يُحتج به على أمر غيبي.

  1. * قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقد تكون الرؤيا صحيحة، فإن الإنسان قد يرى الميت في المنام، ويحدثه بأحاديث، ومن ذلك ما حدث لثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه حين استشهد في اليمامة، وكان عليه دِرع فمرَّ به رجل من الجند، وأخذ درعه، ووضعه في رحله تحت برمة – والبُرمة شيء يشبه القِدر لكنه يكون من الطين، أو الحجارة – المهم: أنه وضع هذا الدرع تحت هذه البرمة، وكان حوله فرس يستن، فرأى رجل من أصحاب ثابت بن قيس – رآه في المنام – وأخبره بالخبر، وقال: إنه مرَّ بي رجل، وأخذ الدرع، ووضعه تحت برمة في جانب العسكر، وحوله فرس تستن، فلما أصبح ذهب إلى المكان، ووجد الأمر كما قال ثابت بن قيس، وهناك قضايا تُذكر لنا، تتلاقى فيها أرواح الأحياء والأموات، ويتحدث الأموات بشيء يكون حقيقة، ولكن لو تحدث الميت إلى الشخص بأمرٍ لا يحلُّ شرعًا، أو بأمر لا يمكن أن يكون، أو بأمرٍ من أمور الغيب المستقبلة ، مثل أن يقول: سيحدث كذا، وسيحدث كذا: فإن هذا ليس بشيءٍ، ولا يُركن إليه، ولا يُقبل. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 206، وجه: أ ).

رابعًا:

وما يراه النائم من حال الميت، أو منزلته في الجنة: فإنه إن كانت رؤيا صحيحة: فما يراه هو الواقع، وقد ثبت عن كثير من السلف أنهم رأوا أمواتاً في المنام، فسألوهم عن أحوالهم، فأخبروهم بها، ثم نقلوا ذلك لنا، وهم أئمة أعلام، ولولا أن ذلك مما يؤخذ به: لما كان لهم ذِكر ذلك للناس، على أننا نقول: قد يكون ما رأوه هو حال ذلك الميت في تلك اللحظة، أما الخير والنعيم: فإما أن يثبت، أو يزيد، وأما حال الشر والسوء: فقد يتغير للأحسن بفضل الله ورحمته، ومما ورد في ذلك من نقل العلماء الثقات الأثبات، ونبدأ بما يقطع بصحة الأمر شرعًا، وذلك بالنقل عن صحابي رأى آخر في منامه، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم:

  1. عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ.

فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ. رواه مسلم ( 116 ).

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فغُفِرَ ليدَيْهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 1 / 324 ).

  1. * قال أبو داود – صاحب ” السنن ” -:

محمَّد بن محمد بن خلاَّد – وهو من شيوخه – قتله الزِّنج صبرًا، فقال بيده هكذا – ومدَّ أبو داود يده، وجعل بطون كفيه إلى الأرض -، قال: ورأيتُه في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة.

أبو داود بعد الحديث رقم ( 3281 ).

  1. * وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

رئي عمرو بن مرَّة الجملي – وهو من خيار أهل الكوفة، شيخ الثوري وغيره – بعد موته ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بحبِّ علي بن أبي طالب، ومحافظتي على الصلاة في مواقيتها.

” منهاج السنَّة النبوية ” ( 6 / 201 ).

  1. * وقال الذهبي – رحمه الله -:

قال حبيش بن مبشر – أحد الثقات -: رأيتُ ” يحيى بن معين ” في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أعطاني، وحبَاني، وزوَّجني ثلاث مائة حوراء، ومهَّد لي بين البابين. ” تذكرة الحفَّاظ ” ( 2 / 15 ).

والله أعلم.