الرئيسية بلوق الصفحة 74

حكم المواقع التي تفرد أقسامًا للكتابة في تفاصيل العلاقة الزوجية الخاصَّة

حكم المواقع التي تفرد أقسامًا للكتابة في تفاصيل العلاقة الزوجية الخاصَّة

السؤال:

ما حكم الكتب، ومواقع الإنترنت، والدورات التدريبية المتخصصة بمواضيع الثقافة الجنسية؟ علمًا بأن المواقع التي أتحدث عنها – وقد شاهدتها بنفسي – عربية، ويرتادها نساء مسلمات، وهي مخصصة للنساء فقط، ولا يسمح بمشاركة الرجال فيها إطلاقًا، وتتحدث عن أنواع المداعبات الزوجية، وأوضاع الجماع، ولكن دون صور إباحية، أو ما شابه، كما أنها تنبذ الممارسات الشاذة، والمحرمة بالدين الإسلامي، والدورات التي أتحدث عنها أيضًا مخصصة للنساء المتزوجات فقط، وتُلقيها أستاذة – امرأة -، وتتحدث عن مواضيع مختلفة، منها: زيادة الحب، والود بين الزوجين، وطرق إغراء الزوج، والتفاهم بين الزوجين.

أنا أعترف بأنني أشعر بانتعاش، وتحسن شديد بعلاقتي الزوجية بعد قراءتي لهذه المواضيع. ما حكم هذه الأمور؟. جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أمر الله تعالى الأزواج أن يعاشر كل منهما صاحبه بالمعروف، والمعاشرة الجنسية بين الأزواج تدخل في هذا الأمر، ومما لا شك فيه أن كلا الزوجين بحاجة لـ ” ثقافة جنسية ” تسهل عليهما الحياة الزوجية، وتقوي ما بينهما من رباط.

– وإنه لمن المحزن أننا نجد في هذا الأمر إفراطًا، وتفريطًا:

أما الإفراط: فهو ما ينتشر في الآفاق من نشر لهذه الثقافة الجنسية بقوة، من غير حياء، ولا حشمة، فتتناولها المناهج الدراسية بالتعليم النظري، ويتناولها دعاة الفحش، والعهر، بالتطبيق العملي، وذلك من خلال تسهيل عملية اللقاء بين الجنسين بكل ما هو محرَّم، ومثل هذا العلم والعمل يكون قبل الزواج بسنوات، بل إنه ليبعِّد كثيرين عن الزواج؛ لما يراه من متعة! من غير تحمل مسئولية، ومن غير ارتباط بشريك واحد.

وأما التفريط: فهو منع تعلم تلك الأمور المتعلقة بالجنس، فتتزوج الفتاة وهي لا تعرف ما يثير زوجها، ولا تعرف كيف تعينه على قضاء شهوته، ولا تعرف ما يحل لها في تلك العلاقة، وما يحرم عليها.

ومن ظنَّ أن الإسلام جاء ليحارب هذه ” الثقافة ” بالكلية: فهو مخطئ، وهو جاهل بأحكام الإسلام، وثمة أبواب في كتب الإسلام المشهورة صنفت لهذا الغرض، كما أفرد بعضهم ذلك بالتصنيف المستقل، قديمًا، وحديثًا.

 

وفي القرآن والسنَّة تصريحات بأدق تلك الأمور التي تكون بين الزوج وزوجته، في التقبيل، والمداعبة، والجماع، لكن جاء ذلك بعبارات غاية في الأدب، والحشمة، كما في قوله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ ) البقرة/ 187، وقوله تعالى: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) البقرة/ من الآية 223، وقوله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله لما علِم بتزوجه من ثيب:  ( فَهَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا ) رواه البخاري ( 5052 ) ومسلم ( 715 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص المواقع التي تعلِّم النساء تلك الثقافة الجنسية: فإننا لا نرى مانعًا من الاشتراك بها، وقراءة موادها، لكن ليس الأمر على إطلاقه، بل لا بدَّ من شروط وضوابط، حتى لا تقع مخالفات شرعية، ومن ذلك:

  1. أن تُضبط أمور الاشتراك بحزم، فلا يمكَّن كل من أراد الاشتراك والقراءة، بل يُقتصر في ذلك على النساء المتزوجات، أو اللاتي عقدن النكاح، وهنَّ على أبواب الدخول في الحياة الزوجية العملية، وهذا الحزم هو ما تسلكه الأخوات اللاتي يلتقين في ” البال توك ” للتحدث بأصواتهن في مسائل العلم، ولو فُتح الباب لكل أحدٍ: لفتح باب شر كبير، ولا شك أن لقراءة تفاصيل العلاقة الحميمية بين الزوج وزوجته يهيج الشهوة، وإذا كانت الأمور غير منضبطة بما ذكرناه: أمكن مشاركة الشباب والشابات، وصارت تلك المواقع مواقع نشر فساد، وتهييج شهوات.
  2. أن تخلو تلك المواقع، والمقالات من الصور المحرَّمة، كصور النساء عمومًا، أو الصور اليدوية، وخاصّه تلك التي تُرسم فيها الأعضاء الجنسية.
  3. تجنب الألفاظ النابية، والتخلق بأخلاق الإسلام في الاكتفاء بما يوصل الرسالة، دون التعرض للألفاظ الصريحة المؤذية، إلا أن تكون حاجة لذلك.
  4. تجنب عرض تلك المواضيع بالصوت – كما تعقدها بعض النساء في دورات! -، ومن باب أولى بالصوت والصورة؛ لما في ذلك من تعريض المتكلمات أنفسهن للسوء، من خلال انتشار أشرطة تلك المحاضرات بين أيدي السفهاء، وتعريض المتكلمات أنفسهن لتعليقات ساخرة، ومهينة، من أهل الفساد.
  5. عدم الاكتفاء في التعليم والتوجيه لمسائل الحب، والعشق، وممارسة الجنس، وتعليق الزوج بالفراش، فالعلاقة الزوجية أسمى من أن تكون موجهة لذلك الاتجاه دون غيره، بل تعلَّم المرأة أخلاق الإسلام في التعامل مع زوجها، وأهل زوجها، وتعلَّم أصول تربية أولادها، وضبط علاقاتها بجيرانها، وأقرباء زوجها، وأمور تنظيف البيت، وترتيبه، والطهي، واستغلال الوقت في التزود بالعلم الشرعي، والإتيان بالأذكار، وتعليمهن مسائل الشرع الخاصة بالنساء، كأحكام الحيض، والغسل، وغير ذلك، وبذلك تكون هذه المواقع قد أدت رسالتها على أكمل وجه، وإننا لنرى أنه من المهانة للمرأة حصر تعليمها وتوجيهها في الأمور الجنسية، وأمور الفراش، وهذه الأمور وإن كانت لها أهمية بالغة، لكنها جزء من الحياة الزوجية، لا كلها.

والمرجو من أصحاب المواقع الالتزام بهذه الشروط، والضوابط، وعدم التسبب في نشر الفساد، والفواحش، ولو التزموا بما ذكرناه كان لهم عظيم الأجر في الدلالة على ما فيه سعادة الأسرة، وتماسكها، وتوثيق العلاقة بين أفرادها.

 

والله أعلم.

 

 

 

نصائح وتوجيهات مهمة لأخت تحب شيختها أكثر من والديها!

نصائح وتوجيهات مهمة لأخت تحب شيختها أكثر من والديها!

السؤال:

هل شعور طالبة العلم تجاه شيختها بالحب، والاحترام، أكثر من حب الوالدين هو من العقوق؟ وماذا تنصحون بخصوص هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن شعور الطالبة بالحب والتقدير لشيختها أمر طيب، وإن بذل الاحترام لها من الأخلاق الجليلة في شرع الله تعالى، ولكن لا نرى مجالًا للمقارنة بين حبِّ الطالبة لشيختها مع حبها لوالديها؛ ذلك أن حب الوالدين فطري، ومنبعه ليس كمنبع حب الشيخة المتولد من سبب دفعها لذلك الحب.

* ولكننا نلمح في السؤال أمرًا خطيرًا، ويتمثل ذلك في أمرين:

الأول: أننا نخشى على ذلك ” الحب ” بين الطالبة وشيختها أن يتطور إلى ” إعجاب “، وهو داء عظيم ابتليت به فئام من الناس، فتعلق الطالب بأستاذه، والعكس ، وتعلقت الفتاة بمدرستها، والعكس، ونتج عن ذلك مفاسد لا حصر لها.

والثاني : أننا نخشى أن يتطور ذلك ” الحب ” بين الطالبة وشيختها إلى ” التعظيم “، و ” التقديس “، وهو ما يحصل في الجماعات الصوفية، وخاصة ما يطلق عليه جماعة ” القبيسيات ” – نسبة لمنيرة القبيسي في دمشق – ، أو ” الطبَّاعيات ” – نسبة لفادية الطبَّاع في الأردن، وهنَّ أصحاب مدرسة ” الدر المنثور ” في العاصمة عمَّان -، أو ” السَّحَريات ” – نسبة لسحَر الحلبي في لبنان -، أو ” بيادر السلام ” – اسم الجمعية النسائية في الكويت -، وكلها أسماء لمسمى واحد، وهي جماعة صوفية نسائية، تتبنى الطريقة النقشبندية، وتجتمع على تعظيم الشيخة! وتقديسها، وتتربى الفتيات والنساء المنتسبات لهذه الجماعة على تقديم شيختهن على الوالدين، وعلى الأزواج، وهو ما سبَّب فتنًا كثيرة في بيوت تلك المنتسبات، وأدى لطلاقهن.

* وقد صدرت فتوى مطولة بخصوص تلك الجماعة من علماء اللجنة الدائمة، نقتطف منها:

  1. الطرق الصوفية، ومنها النقشبندية: كلها طرق مبتدعة مخالفة للكتاب والسنة.
  2. الطرق الصوفية لم تقتصر على كونها بدعة – مع ما في البدعة من الضلال -، ولكن داخلها كثير من الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في مشائخ الطرق والاستغاثة بهم من دون الله.
  3. ومن ذلك ما ورد في السؤال من قولهم: ” مَن لا شيخ له: فشيخه الشيطان “، و ” مَن لم ينفعه أدب المربي: لم ينفعه كتاب ولا سنَّة “، و ” مَن قال لشيخه: لمَ؟: لمْ يفلح أبدًا “، وهذه كلها أقوال باطلة، مخالفة للكتاب والسنَّة؛ لأن الذي يقبل قوله مطلقا بدون مناقشة، ولا معارضة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  4. فالواجب: الحذر من الصوفية، ومَن يتبعها، رجالًا، ونساءً، ومِن توليهم التدريس، والتربية، ودخولهم في الجمعيات النسائية وغيرها؛ لئلا يفسدوا عقائد الناس، والواجب على الرجل: منع موليته من الدخول في تلك الجمعيات، أو المدارس التي يتولاها الصوفية، أو يدرسون فيها ؛ حفاظًا على عقائدهن، وحفاظًا على الأسَر من التفكك، وإفساد الزوجات على أزواجهن.
  5. والمرأة التي تأثرت بالتصوف، ولم تصل إلى حدِّ الاعتقاد المذكور: لا ينبغي التزوج بها ابتداء، ولا إمساكها ممن تزوجها إلا بعد مناصحتها، وتوبتها إلى الله.
  6. والذي ننصح به للنسوة المذكورات هو التوبة إلى الله، والرجوع إلى الحق، وترك هذا المذهب الباطل، والحذر من دعاة السوء، والتمسك بمذهب أهل السنَّة والجماعة، وقراءة الكتب النافعة المشتملة على العقيدة الصحيحة، والاستماع للدروس والمحاضرات والبرامج المفيدة التي يقوم بإعدادها العلماء المستقيمون على المنهج الصحيح، كما ننصح لهن بطاعة أزواجهن وأولياء أمورهن في المعروف.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 74 – 79 ).

وهذا الذي نخشاه مما ذكرناه آنفًا ليس هو محض خيال، ولا توهم لما ليس موجودًا، بل نحن على اطلاع كافٍ لنحكم على علاقات الناس بما يناسب واقعها، ولنحذرهم من مغبة الوقوع في مفاسد قد لا ينتبه أحدهم إلى احتمال حدوثها، أو أنه يستبعد وقوعها؛ لجهله بحقيقة ما ومن ينتسب إليه، من جماعة، أو شخص.

فننصح الأخت السائلة أن تقتصد بحب شيختها، وأن تربط حبها لها باستقامة تلك الشيخة على طاعة الله تعالى، فلا تربط تلك المحبة بشكلها، ولا تحبها لهيئتها، ولا لباسها، ولا لمالها، بل تكون محبتها لها مبنية على الشرع، فتحبها لاستقامتها، ويكون ذلك بقدَر، من غير غلو ولا إفراط، وإذا رأت أن محبتها بدأت تنحرف عن مسارها الشرعي الصحيح إلى ما ذكرناه من ” إعجاب “، أو ” تعظيم “: فلتسارع لعلاج نفسها، ولتقوِّم تلك المحبة ، فإن لم تستطع : فلتتركها، ولن تكون آثمة، بل الإثم – حينئذٍ – في الاستمرار بتلك العلاقة.

 

والله أعلم.

 

 

الأسباب الواردة في هبة سودة ليلتها لعائشة وبيان الراجح منها

الأسباب الواردة في هبة سودة ليلتها لعائشة وبيان الراجح منها

السؤال:

ذُكر أن النبي صلى الله عليه عرض على ” سودة بنت زمعة ” الطلاق عندما كبرت في العمر، ولكنها رفضت، ومن ثَمَّ أعطت يومها لعائشة رضي الله عنها.

يبدو لي أن هذا الفعل على إطلاقه هكذا لا يمكن أن يكون صدر من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنه لا بد من أن يكون هناك خلفية لهذه القصة، وهو الأمر الذي أريد أن تشرحوه لي. وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

ثبت في الصحيحين أن أم المؤمنين ” سودة بنت زمعة ” رضي الله عنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله، وهذا المقدار لا شك فيه من حيث الثبوت, ولكن ما هو سبب هذا الفعل من أم المؤمنين سودة رضي الله؟ جاء ذلك على وجوه متعددة:

  1. قيل: إن ذلك كان بعد تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لها.
  2. وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم همَّ بتطليقها.
  3. وقيل: إنها ظنَّت أنه سيطلقها، ولذا تنازلت عن ليلتها لعائشة؛ لتبقى في عصمته صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وتكون زوجة له في الآخرة، فقبل منها ذلك صلى الله عليه وسلم.
  4. وقيل: إنها أرادات بتلك الهبة رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كانت تعلم محبته لعائشة رضي الله عنها، وهذان السببان هما أصح ما ورد من الأسباب لذلك الفعل منها رضي الله عنها.

أ. أما ما ورد أنها رضي الله عنها وهبت ليلتها لعائشة بعد أن طلقها النبي صلى الله عليه وسلم : فهي رواية ضعيفة.

* قال ابن الملقِّن – رحمه الله -:

وَهَذِه رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه: ” أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طلَّق سودةَ، فلمَّا خرج إِلَى الصَّلَاة أمسكتْهُ بِثَوْبِهِ، فقالتْ: مَا لي فِي الرِّجال حَاجَة، وَلَكِنِّي أُرِيد أَن أُحْشَرَ فِي أَزوَاجك، قَالَ: فراجَعَهَا، وَجعل يَوْمهَا لعَائِشَة، فَكَانَ يِقَسْم لَهَا بيومها، وَيَوْم سَوْدَة “.

وَهَذَا مَعَ إرْسَاله: فِيهِ أَحْمد العطاردي، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا بَأْس بِهِ ، وَقَالَ ابْن عدي: رَأَيْتهمْ مُجْمِعِينَ عَلَى ضعفه، وَقَالَ مُطيَّن: كَانَ يكذب.

” البدر المنير ” ( 8 / 48 ).

وكذبه رحمه الله ليس في الحديث، وإلا كان حديثه موضوعًا، وقد بيَّنه الإمام الذهبي رحمه الله فقال إنه كذب في لهجته، لا في روايته.

* قال رحمه الله:

قُلْت: يَعنِي فِي لَهْجَتِهِ، لاَ أَنَّه يَكْذِبُ في الحَديثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَد مِنهُ، وَلاَ تَفَرَّدَ بِشَيْءٍ، وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّهُ صَدوقٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ: أَنَّه رَوَى أَوْرَاقاً مِنَ ” المَغَازِي ” بِنُزُولٍ، عَن أَبِيهِ، عَن يُونُسَ بنِ بُكَيْرٍ، وَقَد أَثنَى عَلَيهِ الخَطِيبُ، وَقَوَّاهُ، وَاحتَجَّ بِهِ البَيْهَقِيُّ فِي تَصَانِيْفِهِ. ” سير أعلام النبلاء ” ( 25 / 55 ).

وثمة رواية أخرى نحوها قال عنها الحافظ ابن كثير في ”  التفسير ” ( 2 / 427): غريب، مرسل.

 

ب. وأما القول بأن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنهما: فلم نره في حديث، بل كان فهمًا من بعض المفسرين، والعلماء، ومن ذلك:

* قال الماوردي – رحمه الله – في بيان سبب نزول قوله تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا ) –:

أحدهما: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همَّ بطلاق سودة بنت زمعة، فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها، فنزلت هذه الآية فيها، وهذا قول السدِّي.

” تفسير الماوردي ” ( 1 / 533 ).

 

ج. وأما ما ورد أنها رضي الله عنها خشيت من تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لها: فهو أصح ما ورد في المسألة:

عَنْ عروة بن الزبير قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ، وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، قَالَتْ: نَقُولُ: فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا – أُرَاهُ قَالَ -: ( وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ).

رواه أبو داود ( 2135 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ” لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَة، فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ: ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ).

رواه الترمذي ( 3040 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

د. وأما ما ورد أن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها ساعية لرضا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد ثبت ذلك في صحيح البخاري، قال عائشة رضي الله عنها: ” غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” رواه البخاري ( 2453 ).

 

فهذه الآثار واضحة من كلام عائشة رضي الله عنها أن ” سودة ” إنما خافت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم بسبب كبر سنِّها، وليس أنه باشر طلاقها فعلًا، وما ورد أنه فعل ذلك: مرسل ضعيف لا يصح، ولم يرد أنه همَّ بطلاقها لأجل كبر سنِّها.

 

وأمر آخر: أن النبي صلى الله عليه لم يتزوجها أصلًا من أجل صغر سنِّها، ولا من أجل الشهوة، فقد كانت كبيرةً في السنِّ حين تزوجها، فلم يكن ليطلقها عندما ازدادت حاجتها له صلى الله عليه وسلم، وكل نسائه لمَّا تزوجهن كنَّ ثيبات، وذوات أولاد، إلا عائشة رضي الله عنها، فلم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم صاحب شهوة يبحث عن أبكار وصغيرات ليتزوجهن، ثم إن كبرن طلَّقهن، فهذا ليس من خلقه صلى الله عليه وسلم، وإن كان ذلك جائزًا من حيث الحكم الشرعي.

 

وأمر أخير: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هاجرًا لسودة رضي الله عنها بالكلية، بل كانت هبتها لعائشة إنما هو ليلتها فقط، ولذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدور على نسائه عصرًا كل يوم، فيقبِّل، ويمس، دون جماع.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ “. رواه مسلم ( 1474 ).

* قال المناوي – رحمه الله -:

ومن ثَمَّ كان يعتني بهن، ويهتم بتفقد أحوالهن، فكان إذ صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل انقلب إلى صاحبه النوبة.

” فيض القدير ” ( 3 / 662 ).

* وقال الصنعاني – رحمه الله -:

” ثم يدنو منهن ” أي: دنو لمس، وتقبيل، من دون وقاع.

” سبل السلام ” ( 3 / 164 ).

 

والله أعلم.

زوَّج أخته لأخي صاحبه المصلي ثم طلقها ففقد الثقة في المصلين جميعًا! نصائح وتوجيهات

زوَّج أخته لأخي صاحبه المصلي ثم طلقها ففقد الثقة في المصلين جميعًا! نصائح وتوجيهات

السؤال:

أختي تزوجت منذ سنتين، وبعد شهرين طلقها زوجها بدعوى أنها غير صالحة للزواج، وقال: إن لديها ضمورًا بالصدر، ولا تمكِّن نفسها منه، وذهبنا بها إلى طبيبة نسائية، وقالت: إنها امرأة طبيعية ليس بها شيء، لكن زوجها أصرَّ على طلاقها، وقال: أنا منذ اليوم الأول أردت إرجاعها لأني رأيت ضمورًا في صدرها، فهل هذا عيب خَلْقي يبيح له الطلاق؟ وأنا لم أزوجه إلا لأني أعرف أخاه يصلي معي في المسجد، حتى أني فقدت الثقة بالمصلين! وقررت أن لا أتعامل معهم بعد اليوم؛ خوفاً من تكرار ما مضى معي.

هذا جانب، الجانب الآخر: أختي هذه كانت دائمًا تفتعل المشاكل في البيت، خصوصاً مع أمي، وزوجة أخي الكبير، وكانت تسبها، وتسخر منها، وتقلل من شأنها، وكانت تدعو علينا بأن لا يوفقنا، فهل هذا عقوبة دنيوية لها بأن سخر لها شخصًا دمَّر حياتها بطلاقها، مع العلم أني وإخوتي بسببها لا يمكننا الزواج داخل البيت، وليس لنا إمكانية نتزوج خارج البيت، لذا قررنا ترك الزواج نهائيًّا، فما رأي فضيلتكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قولك ” حتى أني فقدت الثقة بالمصلين! وقررت أن لا أتعامل معهم بعد اليوم؛ خوفًا من تكرار ما مضى معي “!: مرفوض شرعًا، وعقلًا؛ لما يلي:

  1. يجوز للزوج أن يطلِّق حتى من غير إبداء أسباب لذلك، فكيف وقد أبدى عذره في طلاقه لأختك، فليس انتقادك له في محله.
  2. إن كنتَ زوَّجته أختك لمجرد أن أخاه يصلي معك: فأنت مخطئ منذ بداية، فأنت لا تعرف الزوج بل تعرف أخاه! فعليك أن تلوم نفسك، لا أن تلوم المصلين.
  3. وما دخل المصلين في الموضوع حتى تفقد الثقة فيهم، وهل يستوي المصلون جميعاً في سلوكهم، وأخلاقهم؟ وهل يصج شرعًا وعقلًا مثل هذا الحكم الجائر على من ليس له علاقة بموضوعك أصلًا؟!.
  4. وإذا كنتَ فقدت الثقة في المصلين، ولن تعيد الكرة مرة أخرى معهم: فهل يعني هذا أنك ستزوج أختك لرجل ليس له أخ يصلي؟! أم ستزوجها لغير مصلٍّ أصلا؟!.
  5. ولم لا تعكس الصورة؟ فبحسب منطقك: لن يتزوج أحد أخت أو ابنة أحد المصلين! لأن الزوج يعتبر نفسه قد خُدع، وسيحمِّل اللوم لأخيه المصلي! وهذا – منك ومنه – منطق مرفوض، وعلى كل واحد منكما أن يحمِّل نفسه المسئولية، ولذا شُرع النظر في الخطبة، وشرع السؤال والتحري قبل عقد النكاح.
  6. وها أنتَ تريد تحميل اللوم للزوج، ولأخيه، وللمصلين، وترفض الاعتراف بالحق، وهو أن تحمِّل اللوم لأختك، وها أنت تعترف بما تفعله أختك مع أمها، ومعك، ومع زوجة أخيك، فكيف تلوم – إذن – الزوج على تطليقها؟!.

 

ثانيًا:

وأنتَ لم تكن منصفًا مع نفسك حينما تحريتَ عن سببٍ واحد للطلاق، وسألتَ عنه، ولم تتحرَّ ولم تسأل عن السبب الثاني، فزوج أختك قال ” إن لديها ضمورًا بالصدر، ولا تمكِّن نفسها منه ” وأنت ذهبت لطبيبة لتتكشف عن صدرها وترى هل هو طبيعي أم لا، وسألتنا عن حكم الطلاق من أجل هذا العيب، لكنك لم تلتفت إلى ما نراه السبب الأهم، وهو أنها لا تمكِّن نفسها لزوجها؛ حيث إنه أخبرك أنه رأى ضمور الصدر أول يوم في النكاح، لكنه تجاوز أن يجعله السبب الرئيس في الطلاق، فلما حصل منها نشوز عن حقه في الجماع: لم يكن بدٌّ من الطلاق، فجمع السببين لك، والظاهر بحسب نقلك عنه أن السبب الثاني هو الدافع الأقوى للطلاق.

 

ثالثًا:

وسؤالك إن كان ضمور الصدر يبيح الطلاق: ليس له وجه؛ لأننا ذكرنا أن الطلاق يجوز للزوج – مع القول بكراهته -حتى لو لم يكن له سبب، وهو إن كان غير متصور، لكن هذا هو الحكم النظري للمسألة، وأما عمليًّا: فلا يتصور طلاق إلا بسبب، ولا يهم أن يكون مقنعًا للزوجة، أو لأوليائها، أو لا يكون، والمهم أنه لم يتزوجها ليطلقها – بنية الطلاق – وإلا كان آثمًا، وها هو يخبرك بالأسباب التي دفعته للطلاق، فليس عليه حرج.

وإنما يرد مثل هذا السؤال من الزوج، لا منك، لو اعتبره هو من العيوب التي يرد بها النكاح – ولعلك تسأل هو كذلك أو لا، وهو ما قصدنا بقولنا لك ” ليس له وجه ” -، والصحيح: أن العيوب التي يرد بها النكاح هو ما كان مؤثِّرًا في مقاصد النكاح: الخدمة، والولد، والمتعة، وقد بينا هذا في جواب السؤال رقم ( 121794 )، وبما أن الزوج لم يتهمكم بالخداع، ولم يطالب بما دفعه لكم من مال: فلا نتعرض لهذه المسألة الآن.

 

 

 

 

رابعًا:

والظاهر لنا أن ما حصل مع أختك مع زوجها: هو من باب العقوبة؛ لأنك ذكرت أنها تفتعل المشاكل مع أمها، وعقوق الوالدين، والإساءة إليهما – وخاصة الأم – من كبائر الذنوب التي تستوجب على فاعلها عقوبة في الدنيا قبل عقوبة الآخرة.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بَابَانِ مُعَجَّلانِ عُقُوبتُهُما في الدُّنْيا: البَغْيُ وَالعُقُوقُ ). رواه الحاكم ( 4 / 196 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1120 ).

* قال المنَّاوي – رحمه الله -:

( بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا ) أي: قبل موت فاعليها.

( البغي ) أي: مجاوزة الحدِّ، والظلم.

( والعقوق ) للوالدين، وإن علَيا، أو أحدهما، أي: إيذاؤهما، ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع. ” فيض القدير ” ( 3 / 251 ).

فعليك واجب النصيحة لأختك، ولا تسمح لها بالإساءة لأحد ظلمًا وبغيًا، وخاصة والدتك، ولعلها أن تعقل، وتتوب، ونسأل الله ييسر الله لها زوجًا يستر عليها عاجلاً غير آجل.

 

خامسًا:

ولا ننصحك أنت وإخوتك بترك الزواج، أو حتى تأخيره؛ لأن الله تعالى ركَّب في الرجل غريزة وشهوة، ولا بدَّ له من تحصيل هذه الشهوة وتصريفها، فإن لم يفعل بالحلال: فقد لا يسلم من الوقوع فيما حرَّم الله تعالى عليه، فاحذروا من التأخير في الزواج، واسعوا لهداية أختكم، فإن لم يُجد معها: فخذوا على يديها بالقوة، ولا تحرموا أنفسكم من التمتع بما شرع الله لكم، ورغبكم به، واحرصوا على الزوجات الصالحات، ونسأل الله تعالى أن ييسر لكم ذلك عاجلًا غير آجل.

 

والله أعلم.

 

زوجته تطيل لسانها وتسيء عشرتها ويعالج ذلك بترك الصلاة! معتقدًا أنها قدر محتوم!

زوجته تطيل لسانها وتسيء عشرتها ويعالج ذلك بترك الصلاة! معتقدًا أنها قدر محتوم!

السؤال:

كيف أخلص نفسي من مصائد الشيطان، فلديَّ زوجة ذات لسانٍ حادٍّ، وسيء، وقد فكرت عدة مرات أن أطلقها، وأتركها، ثم آتي، وأفكر في قدَري، فأقول: لماذا يختارُ الله لي هذا الوضع؟! وكنتيجة لذلك: أترك الصلاة، ثم أعود فاستغفر الله، وأتوب، فما هي نصيحتكم لي؟ وهل من الممكن شرح مسألة القدر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذا المنطق – أخي السائل – الذي تتحدث به ليس مقبولًا منك، لا شرعًا، ولا عقلًا، وأنت لو كنتَ تعمل في بيئة سيئة، وفوقك مدير يهينك، ويحقرك، أو يبخس حقك ، أو يحملك فوق طاقتك : لا نظن أنك تبقى في وظيفتك بحجة ” أن الله اختار لك هذا الوضع “! بل الظن أنك تغادر عملك غير متأسف عليه، وتبحث عن عمل آخر، تحفظ به كرامتك، أليس كذلك؟.

وظننا – أيضًا- أنه لو كان عندك جيران يسيئون في جيرتهم، ويطلعون على عوراتكم، ويؤذنوكم الليل والنهار: لكنتَ غادرت ذلك المنزل غير مأسوف عليه، ولن ترضى لنفسك أن تبقى في العذاب بحجة ” أن الله اختار لك هذا الوضع “! أليس كذلك؟.

وما الفرق – بعد هذا – بين ذينك الأمرين، وبين وجود زوجة قبيحة الأخلاق، طويلة اللسان ، وسيئة العشرة، في ذمتك، تراها طيلة الوقت وتراك، وتنام معها وتنام معك؟! إن الذي يدفعك لتغيير وظيفتك السيئة بمديرها، وتغيير منزلك السيء بجيرانه: هو الذي ينبغي أن يدفعك لتغيير زوجتك السيئة عشرتها، ولا فرق.

فلا ندري لم يحتج واحدكم بالقدر في أمر الزوجية، ولا يفعل الأمر نفسه في سائر أموره! وأنت في كل ما سبق: لك الخيار أن تبقى في وظيفتك أو تغادرها، وأن تبقى في منزلك أو تغادره، وكذلك لك الخيار في أن تبقى مع زوجتك أو تفارقها، فما اخترته لنفسك: لم يجبرك الله تعالى عليه، بل أنت من اختاره لنفسه، وعليك تحمل أثر ذلك وحدك.

وما دخل الصلاة في سوء عشرة زوجتك لتتركها، ولماذا لم تبق على صلاتك على الأقل بحجة ” أن الله اختار لك هذا الوضع “! وسبحان الله كيف تمكَّن منك إبليس فجعلك تترك صلاتك التي علَّق الشرع الكفر على تركها! وليس لك خيار في تركها، وجعلك تتمسك بزوجتك التي استحب لك الشرع تطليقها! فما كان لك الخيار في تركه: تمسكت به بحجة القدر! وما ليس لك الخيار في تركه: تركته، ولم تحتج لا بالقدر، ولا بالشرع! فأي غفلة هذه عن شرع الله تعالى؟!.

 

ثانيًا:

وإن الواجب عليك – أخي السائل – الآن الكف عن ترك الصلاة، ولو صلاة واحدة، وليس لك فعل ذلك، وقد اختلف العلماء هل يكون المتعمد لترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها يعدُّ كافرًا أو لا، فالأمر جِدٌّ ليس بالهزل، وإن تركك للصلاة لن يحل مشكلاتك، بل سيزيدها تعقيدًا؛ لأنك تفعل ما هو كبيرة أو كفر بالله تعالى، فأنَّى لك التوفيق في حياتك والحال هذه؟.

 

ثالثًا:

واعلم أن الشرع المطهَّر قد رغَّبك بنكاح ذات الدين ابتداء، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن مقاصد الرجال في اختيار زوجاتهم مختلفة، فمنهم من يبحث عن الجمال، ومنهم من يبحث عن النسب، ومنهم من يبحث عن صاحبة المال، والوصية من النبي صلى الله عليه وسلم هي نكاح ذات الدِّين، فأين القدر في ذلك وهو يوصيك بالبحث، والتحري، ونكاح من يسعدك في دنياك، ويحفظ عليك عرضك، ومالك، وأولادك؟!.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ).

رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).

والأمر كذلك بالنسبة لأولياء المرأة، فليس أول من يطرق بابهم ليخطب ابنتهم يزوجوه إياها، بل يسألون عن دينه، ويتحرون عن خُلُقه، ولو كان قدرًا مجرّدًا ليس لهم فيه خيار: لما كانت الوصية للأولياء بتزويج مولياتهم بأصحاب الخلق والدِّين، فتنبه لهذا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ).

رواه الترمذي ( 1084 )، وابن ماجه ( 1967 )، وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

فلو كان الأمر مجرد قدَر: لما شُرع الطلاق، بل لأصبحت الزوجة قدر زوجها, والزوج قدر زوجته، يلتقيان، ولا يفترقان حتى الموت! وهذا ليس شرع الله تعالى، بل قد شرع ربنا تعالى للزوج الطلاق، واستحبه له أحيانًا، وأوجبه أحيانًا أخرى، بل إن الزوج ليكون ” ديوثًا ” لو أنه أبقى امرأته عنده وهي تصاحب الرجال الأجانب، وقد شرع الله تعالى للمرأة ” الخلع ” ، فلها أن تخالع زوجها إن رأت عدم استقامته على شرع الله تعالى، أو أنه لا يؤدي حقوقها، وهو يرفض تطليقها، فأين القدر في الحياة الزوجية وفيه مثل هذه التشريعات؟!.

 

رابعًا: وأخيرًا:

  1. تب إلى الله تعالى مما فعلتَ من تركك للصلاة.
  2. لا تعد لمثل ذلك الفعل.
  3. لا تنسب للقدر عجزك، وسوء تصرفك، بل انسب ذلك لنفسك التي اختارت ذلك.
  4. عظ زوجتك بالتي هي أحسن أن تتقي الله تعالى ربَّها، وأن تؤدي الواجبات الزوجية المناطة بها، وأن تكف عن الإساءة إليك بالقول والفعل.
  5. وسِّط العقلاء من أهلها لنصحها، وتوجيهها.
  6. إن لم ينفع ذلك معها: فلا تتردد في تطليقها، والأمر لا يحتاج منك سوى الذهاب للمحكمة الشرعية للتخلص من سوء عشرتها بذلك الطلاق.
  7. اسأل ربَّك تعالى أن يبدلك خيرًا منها، واستعن به عز وجل على تحقيق ذلك، وابذل من أسباب البحث عن ذات الدِّين ما تحمِّل نفسك مسئولية ذلك الاختيار.
  8. حافظ على صلاة الاستخارة قبل البت في اختيار الزوجة.

 

والله أعلم.

 

 

ترجمة ابن القيم وابن الجوزي، ومعنى ” نفعنا الله ببركتهم ” في كلام العلماء

ترجمة ابن القيم وابن الجوزي، ومعنى ” نفعنا الله ببركتهم ” في كلام العلماء

السؤال:

سؤالي هو أني وجدتُ في كتاب ابن القيم عندما يحكي عن الصالحين والذين حسنت خاتمتهم أنه يقول ” نفعنا الله ببركاتهم “، وفيما معناه أنه كان يقول: أن نتبرك بقبورهم! فما الذي تحذرونا منه عن كتب ابن القيم رحمه الله، واقصد صاحب كتاب ” بحر الدموع “.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

خلط الأخ السائل بين شخصيتين، الأولى: ابن قيم الجوزية، والثاني: ابن الجوزي، وبينهما فرق في الاسم، والكنية، والميلاد، والاعتقاد.

  1. فابن الجوزي: هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله الجوزي.

وهو منسوب إلى ” فرضة الجوز ” وهو مرفأ نهر البصرة، وقيل بل كانت في داره بواسط جوزة لم يكن بواسط جوزة سواها.

* قال عنه ابن كثير: أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف.

* وقال عنه الذهبي: ما علمتُ أحدًا صنَّف ما صنَّف هذا الرجل.

وكان مشهورًا بالوعظ البليغ المؤثر.

من أبرز شيوخه: القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو بكر المزرفي.

ومن أبرز تلامذته: عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي، عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم.

من أبرز كتبه: ” زاد المسير في علم التفسير “، ” صيد الخاطر “، ” المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم “، ” تلبيس إبليس “، ” أخبار الحمقى والمغفلين “.

وكانت عقيد ابن ابن الجوزي مضطربة، يميل إلى الأشعرية أحياناً كثيرة، وإلى السلف تارة أخرى.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في ذكر ما انتُقد على ابن الجوزي -:

ومنها – وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا، وأئمتهم من المقادسة والعلثيين -: مِن ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكيرهم عليه في ذلك، ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب، مختلف، وهو وإن كان مطلعًا على الأحاديث، والآثار في هذا الباب: فلم يكن خبيرًا بحل شبهة المتكلمين، وبيان فِسادها ، وكان معظِّمًا لأبي الوفاء بن عقيل، يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه، وإن كان قد ردَّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعاً في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث، والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون.

* قال الشيخ موفق الدين المقدسي: كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب قبول، وكان يدرِّس الفقه، ويصنِّف فيه، وكان حافظاً للحديث، وصنَّف فيه، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنَّة، ولا طريقته فيها. انتهى ” ذيل طبقات الحنابلة ” ( 1 / 414 ).

فالحذر من قراءة كتبه التي ألفها في باب الصفات ككتاب ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه “، وكانت وفاته رحمه الله في سنة ( 597 ) هـ.

 

  1. وابن قيم الجوزية – ويُختصر اسمه إلى ابن القيِّم -: هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي.

وكان والده عالمًا مشهورًا بعلم الفرائض، كان قيِّمًا – مسئولًا – للمدرسة الجوزية بدمشق, فعرف إمامنا بابن قيم الجوزية.

ومن أبرز شيوخه: شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد لازمه ملازمة تامة مدة طويلة، ونهل من علمه.

ومن أبرز تلامذته: ابن رجب الحنبلي، وابن عبد الهادي، وابن كثير، رحمهم الله جميعًا.

ومن أبرز كتبه: أعلام الموقعين عن رب العالمين، أحكام أهل الذمة، بدائع الفوائد، زاد المعاد في هدى خير العباد، هداية الحيارى من اليهود والنصارى.

وكان ابن القيم رحمه الله سلفيًّا على الجادة.

وكانت وفاته رحمه الله في سنة ( 751 ) هـ.

وعليه: فكتاب ” بحر الدموع ” ليس لابن قيم الجوزية، بل هو منسوب لابن الجوزي، رحمهما الله.

 

ثانيًا:

– وأما بخصوص مقولة ابن الجوزي رحمه الله: ” نفعنا الله ببركاتهم “: ففيها تفصيل:

  1. فالبركة لا تكون في ذات أحدٍ مجردًا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله تعالى ذات نبيه صلى الله عليه وسلم ، وآثاره الطاهرة كشعْره، وبصاقه: جعله بركة، وليس هذا لأحدٍ غيره، ولو كان لإمام الأولياء بعده أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.
  2. والبركة لا تكون في ميت ، ولا منه، وليّاً كان أو دعيًّا.
  3. والبركة في أهل العلم والفضل تكون في علمهم، وتربيتهم، وحسن خلقهم، لا في ذواتهم المجردة.

* سئل الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – عن قول:

” كلك بركة “، أو ” هذه من بركاتك ” ؟.

فأجاب :

لا بأس بذلك، كما في قول أسيد بن حضير: ” ما هي بأَول بركتكم يا آل أَبي بكر “، إذا تلمَّح أَن فيه البركات التي جعل الله فيه، أَو أَن الله الذي جعل فيه البركة، والبركات.

والممنوع: ” تباركت علينا يا فلان “.

* وسئل – كذلك – عن قول:

” وأعاد علينا من بركته ” عبارة شارح ” زاد المستقنع “:

فأجاب:

يعني بركة علمه، وليس المراد بركة ذاته؛ فإن الذوات جعل الله فيها ما جعل من البركة، ولكن لا تصلح للتبرك بها، إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من أَبعاضه، كرِيقه، ولا يقاس على النبي صلى الله عليه وسلم غيره، والصحابة ما فعلوا مع أَبي بكر، وعمر من قصد البركة فيهما كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 1 / 103 ).

وحسن الظن بالمؤلف يقتضي القول أنه أراد أنه استفاد من علوم أولئك الذي وصفهم بما نقلته عنه، والظاهر أنه يدعو الله تعالى أن ينفعه بما تعلمه منهم، وهي البركة التي جاءته منهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقول القائل: ” أنا في بركة فلان ” و ” تحت نظره ” إن أراد بذلك أن نظره، وبركته مستقلة بتحصيل المصالح، ودفع المضار: فكذب،  وإن أراد أن فلانًا دعا لي فانتفعت بدعائه، أو أنه علَّمني، وأدبني، فأنا في بركة ما انتفعتُ به من تعليمه، وتأديبه: فصحيح، وإن أراد بذلك أنه بعد موته يجلب المنافع، ويدفع المضار، أو مجرد صلاحه ، ودينه، وقربه من الله ينفعني من غير أن يطيع الله: فكذب.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 358 ).

 

ثالثًا:

وما فهمه الأخ السائل من كون قصد المؤلف ابن الجوزي أن مقولته تعني ” التبرك بقبورهم “: بعيد جدًّا عن الصواب؛ لما قدمناه من التفصيل النافع إن شاء الله، في أن المقصود علم أولئك العلماء، وليس ذواتهم فضلًا أن يكون المراد به قبورهم!، وهل يتبرك بالقبور عاقل فضلًا عن عالم؟!.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وأما التبرك بها – يعني: بالقبور -: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله عز وجل: فهذا شرك في الربوبية، مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب، وليست تنفع من دون الله : فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده: فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلي بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت فينتقل من الدنيا على أسوأ حال.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 231، 232، سؤال رقم 290 ).

 

والله أعلم.

حكم المقولات المنتشرة ” باسم الحب ” و ” أقسم باسم العشق ” ونحوهما

حكم المقولات المنتشرة ” باسم الحب ” و ” أقسم باسم العشق ” ونحوهما

السؤال:

منذ فترة لفت انتباهي في بعض المنتديات البعض تدفعه عواطفه نحو المقرَّب إلى نفسه، يهديه كلمات، وأنا متأكدة أنها دون قصد؛ لأننا لا نعلم الحكم في هذا اللفظ، وأرجو منكم مساعدتي؛ لأني فعلًا في حيرة من أمري، مثلًا: ” باسم الحب أهديك قلبي “، ” أقسم باسم الصداقة سأبقى وفيًّا “، ” أحلف باسم العشق ” =، ” باسم الهوى أحبك ” ، ” باسم الحب “.

سؤالي: باسم الحب وغيره ألا يعتبر هذا حلفاً بغير الله سبحانه وتعالى =؟ من الأساس هل جائز القسم باسم الحب، وغيره، وعند كتابتي ” باسم الحب ” هل هذا حلف أم لا؟ هل جائز المناداة أو المخاطبة باسم الحب، أو العشق، وغيره؟.

أتمنى أن لا أكون أثقلت عليكم بالأسئلة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا

أما الحلف والقسَم: فلا يجوز إلا بالله تعالى، وبأسمائه، وصفاته، ولا يحل لأحدٍ أن يحلف بغير الله تعالى، فإن فعل: وقع فيما حرَّم الله عليه، وهو شرك أصغر بمجرده، فإن كان المحلوف به عند الحالف في منزلة الله تعالى أو أعظم: كان حلفه كفرًا مخرجًا عن الملة، وهو بتنزيله للمحلوف به منزلة الله يكون كافرًا أصلًا حتى لو لم يحلف به، لكن حلفه به مع ذلك الاعتقاد السيء علامة على كفره أصلًا.

وعليه: فيكون قول القائل: ” أقسم باسم الصداقة سأبقى وفيًّا “، ” أحلف باسم العشق “، وما يشبهه : من الحلف بغير الله، وهو محرَّم، يجب صون اللسان عنه.

 

ثانيًا:

وأما قول القائل ” باسم الحب “، أو ” باسم الوطن “، أو ” باسم الحرية “، وما يشبهه: ففيه تفصيل:

  1. فهو إما أن يكون في ابتداء الكلام، قاصداً قائله التبرك، والاستعانة به، وهو ما يكون مقابل قول الموحدين ” بسم الله الرحمن الرحيم “: فهذا شرك، وقد يكون شركاً أكبر، وذلك بحسب منزلة هذا المتبرك والمستعان به، كما سبق في الحلف والقسم.
  2. أن يكون في ابتداء الكلام، أو أثنائه، قاصدًا قائله أن يكون وكيلًا حقيقيًّا، أو مجازيًّا عن المتكلم باسمه، كأن يتكلم باسم ” الطلاب “، أو باسم ” المسلمين “، أو باسم ” المتهم “، أو ما يشبهه: فهذا جائز، ولا حرج فيه.

وأما من يتكلم بكلام فيه عشق، وغرام، ويدعي أنه يتكلم باسم ” الحب “! أو يتكلم عن الوفاء ، ويدعي أنه يتكلم باسم الوفاء، وهكذا في أمور معنوية، يريد تسويق كلامه على أن كلامه جزء من اللفظ المزعوم – كالحب، والوفاء -: فكل هذا ليس شركًا في حدِّ ذاته، لكنه يأثم بحسب كلامه، وما يحويه من فحش، وبحسب من يخاطبه به، فإن كان كلامًا عن الغرام، والعشق، والعلاقات المحرَّمة، وكان مع أجنبية عنه: كان حرامًا قوله، واستماعه؛ لما في ذلك من نشر الفاحشة، والتهييج على فعل المعاصي، والآثام، وإن كان كلامًا من زوج مع زوجته: كان جائزًا، وإن كان كلامًا في معاني سامية – كالأُخوَّة، والوفاء، والصلة -: كان جائزًا أيضًا، بشرط أن يكون مطابقًا للحكم الشرعي المنزل في الكتاب والسنَّة، فلا يتكلم عن وفاء العشيق لمعشوقته، ولا عن صلة الحبيبة بحبيبها، بل الجائز منه ما كان كلامًا شرعيًّا، مطابقًا للشرع.

* وهذه فتاوى أهل العلم فيما سبق ذِكره:

  1. * سئل علماء اللجنة الدائمة:

بعض من يقوم بالتقديم لمحاضر، أو شيخ ، يقول في البداية : ” باسمي، وباسمكم، أرحِّب بفضيلة الشيخ ” مثلا، فهل يجوز ذلك؟، وكذلك من يقول: ” باسم الشعب، أو الحكومة “، وغيره

فأجابوا :

إذا كان المقصود أنه يرحب بالقادم، أو الحاضر، أصالة عن نفسه، ونيابة عمَّن أقاموه في هذا الأمر: فلا حرج في ذلك.

وإذا كان يقصد الاستفتاح بها بدلًا من اسم الله: فهو ممنوع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 139، 140 ).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن هذه العبارات: ” باسم الوطن “، ” باسم الشعب “، ” باسم العروبة “؟.

فأجاب:

هذه العبارات: إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبِّر عن العرب، أو يعبِّر عن أهل البلد: فهذا لا بأس به.

وإن قصد التبرك، والاستعانة: فهو نوعٌ من الشرك، وقد يكون شركًا أكبر، بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 88 ، 89 ).

 

 

 

ثالثًا:

وننبه إلى حرمة العلاقات بين الرجال والنساء الأجانب، في المنتديات، والجامعات، والمدارس، والعمل، وغيرها من نواحي الحياة، سواء كانت العلاقات شخصية ذاتية، أو بالمكالمات الهاتفية، أو بالمراسلات الكتابية، وكل ذلك من وسائل إغواء الشيطان للمسلمين للإيقاع بهم في جرائم شنيعة، وكبائر قبيحة.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز الاقتباس من القرآن في الشعر عامة، وفي الأناشيد خاصة؟

هل يجوز الاقتباس من القرآن في الشعر عامة، وفي الأناشيد خاصة؟

السؤال:

ما حكم الأناشيد التي يكون فيها قصة دينية ولكنها تكون على شكل أناشيد، وفيها أحيانًا كلمات من القرآن الكريم؟.

هذه الأناشيد الموجودة حاليًّا بالأسواق، ولكم جزيل الشكر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الأناشيد هي كلام ملحَّن، وفيه الغث والسمين، وفيه الطيب والخبيث، وهو وإن كان في الأصل جائزًا لكن قد طرأ عليه ما أفسده، من الانشغال به أكثر الوقت، ومن تأثيره على قلة أو انعدام حفظ القرآن وحفظ المتون، ومن التشبه بالفسَّاق في اللباس، والهيئات، والألحان، ومن التكسر والتغنج في الألفاظ، وغير ذلك من المفسدات.

وعليه: فما كان من الأناشيد جادًّا، يحتوي على كلمات لها هدف سامٍ، وما كان يسمع منه بقدر معيَّن من غير إفراط، وكان يخلو من المعازف، كالدفوف والطبول: فنرجو أن يكون جائزًا.

وللوقوف على الضوابط الشرعية للنشيد المباح، وللوقوف على المفاسد التي وُجدت في أناشيد زماننا هذا: نرجو الاطلاع على أجوبتنا الأخرى.

ثانيًا:

وأما بخصوص اقتباس كلمات من القرآن الكريم لوضعها في تلك الأناشيد: فهو داخل في حكم الاقتباس من القرآن في الشِّعر، وقد اختلف العلماء في أصل الاقتباس من القرآن، فالجمهور على الجواز، ومنهم من منع منه مطلقًا، وذهبت طائفة من العلماء إلى المنع من الاقتباس في الشعر، دون النثر.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 17 ):

يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة، إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسيناً للكلام، أما إن كان كلامًا فاسدًا: فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن، وذلك ككلام المبتدعة، وأهل المجون والفحش.  انتهى

* وفيها – أيضًا – ( 6 / 18 ):

وقد اشتهر عند المالكية تحريمه – أي: الاقتباس -، وتشديد النكير على فاعله، لكن منهم من فرَّق بين الشِّعر فكره الاقتباس فيه، وبين النثر فأجازه، وممن استعمله في النثر من المالكية: القاضي عياض، وابن دقيق العيد، وقد استعمله فقهاء الحنفية في كتبهم الفقهية.  انتهى.

وهذا هو الأليق بمذهب المالكية، وهو عدم المنع من الاقتباس من القرآن في النثر، وإنما المنع عند بعضهم – الكراهة أو التحريم – هو في الشِّعر، لا في النثر، وقد نقل السيوطي رحمه الله الإجماع على جواز الاقتباس في النثر، فقال:

ولا أعلم بين المسلمين خلافًا في جوازه في النثر، في غير المجون، والخلاعة، وهزل الفساق، وشربة الخمر، واللاطة، ونحو ذلك.

وقد نصَّ على جوازه: أئمة مذهبنا بأسرهم، واستعملوه في الخطب، والرسائل، والمقامات، وسائر أنواع الإنشاء، ونقلوا استعماله عن أبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وأوردوا فيه عدة أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمله.

” تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ” ( 1 / 312 ).

ولذا فالراجح عندنا: جاوز الاقتباس من القرآن، إذا كان لغرض صحيح، دون ما يُقصد به المزاح والسخرية، ويستعمل في البدعة والمجمون، ويشمل هذا الاقتباس ما كان في النثر، أو الشعر.

وعليه: فالاقتباس من القرآن للنشيد جائز، بشرط أن يكون نشيدًا مباحًا، جادًّا.

وللدكتور عبد المحسن العسكر – حفظه الله – دراسة موسعة في الاقتباس، وقد أسماها ” الاقتباس، أنواعه، وأحكامه، دراسة شرعية، بلاغية “، وبعد أن عرض الخلاف في الاقتباس من القرآن في الشعر قال – ( ص 66 ) -:

والحق الذي يجب المصير إليه: ما ذهب إليه الأكثرون، من جواز الاقتباس في النظم؛ لعدم الدليل المانع من ذلك، ثم إن القول بمنع الاقتباس في الشعر: موجب للتفريق بين النثر، والشعر، وهما سواء، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: ” الشِّعر كلام، حسَنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام “. انتهى.

وقد بيَّن – حفظه الله – بعض الوجوه مما لا يجوز الاقتباس من القرآن فيها، لا شعرًا، ولا نثرًا، ومنها:

  1. ما أضافه الله إلى نفسه مما تكلم به سبحانه وتعالى، مثل ( إني أنا ربك فاخلع نعليك ).
  2. ما أقسم الله به من مخلوقاته، كما في قول بعضهم:

” والتين والزيتون … وطور سينين … وهذا البلد المحزون ” .

  1. ما خوطب به الرب جل وعلا، كما وقع في كتابٍ لعبد الرحمن المرشدي إلى القضاة، جاء فيه: ” يا أعدل قاضٍ به عماد الدين, آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين “.
  2. ما يتبادر إلى السامع أنه من القرآن، مع تغيير بعض الكلمات، كقول أحدهم:

” والنجم إذا هوى … ما ضل يراعك وما غوى … علَّمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى “.

  1. ومنه ما يعد محاكاة للقرآن واستعمالا له في غير معناه، كقول النبيه يمدح القاضي الفاضل:

” لا تسمِّه وعداً بغير نوال … إنه كان وعده مفعولًا “.

انتهى باختصار، من ” الاقتباس، أنواعه، وأحكامه ” للعسكر ( 74 – 76 ).

وقد ذكرنا في جواب سابق جواز الاقتباس من الحديث النبوي.

 

* والخلاصة:

لا فرق – على الصحيح – بين الشِّعر والنثر، ولا بين الاقتباس من القرآن والسنَّة، والمهم في كل ذلك: الالتزام بكون الكلام ليس تأييدًا لبدعة، ولا دعوة لمجون، وأن يكون النشيد خاليًا مما يفسده – مما سبق ذِكره، والإحالة عليه في أول الجواب -.

 

والله أعلم.

 

 

ما حكم قراءة الإمام في الصلوات الجهرية من أول القرآن إلى آخره بالترتيب؟

ما حكم قراءة الإمام في الصلوات الجهرية من أول القرآن إلى آخره بالترتيب؟

السؤال:

ما حكم قراءة القرآن مرتبا في الصلوات الجهرية لختم القرآن، بحيث يبدأ بقراءة أول البقرة، ثم يكمل من الموضع الذي وقف عنده في الصلاة التي بعدها، وهكذا، ويختم القرآن في الصلوات الجهرية كل ستة أشهر، فهل هذا العمل جائز؟ وإن كان جائزًا: فما هو الأفضل في حق الإمام فعل ذلك أم الاقتصار على ما ورد في السنَّة؟. وفقكم الله لكل خير، وسدد خطاكم.

 

الجواب:

الحمد لله

قراءة القرآن في الفريضة على ترتيب المصحف من ” البقرة ” إلى ” الناس “: جائز مع الكراهة، والأفضل الاقتصار على ما ورد في السنَّة، من عدم فعل ذلك – إلا في التراويح – وقراءة سورة في الركعتين بعد الفاتحة، أو قراءة سورة في كل ركعة، ولو قرأ الإمام من أوائل السورة، أو أواسطها، أو أواخرها: جاز.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

اختلف قوله في قراءة القرآن الكريم في الفرائض على التأليف على سبيل الدرس، فروى عنه ابنه عبد الله: أنه قال: سألت أبي عن الرجل يقرأ القرآن كله في الصلاة الفريضة: قال: لا أعلم أحداً فعل هذا، وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرأ بعض القرآن سورًا على التأليف.

وروى عنه حرب في الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة، اليوم سورة الرعد، وغدًا التي تليها، ونحو ذلك: قال: ليس في هذا شيء، إلا أنه يروى عن عثمان أنه فعل ذلك في ” المفصَّل ” وحدها.

وروى عنه مهنا أنه رخص أن يقرأ في الفرائض حيث ينتهي.

سالم بن قتيبة عن سهل بن أبي حذيفة عن ثابت عن أنس قال: ” كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره “، وروى المروزي أن أحمد سئل عن حديث أنس هذا فقال: هذا حديث منكر. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 605 ).

ومن فهم عن الإمام أحمد رحمه الله من قوله ” ليس في هذا شيء “: الجواز وعدم الكراهة: فلا نراه مصيبًا؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله يريد به: ليس فيه شيء ثابت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله بعدها ” إلا أنه يروى عن عثمان “، فواضح أنه أراد عدم ثبوت هذا الفعل في السنة، ثم استدرك بالنقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه من فعل ذلك في ” المفصَّل ” – من سورة ” ق ” إلى ” الناس ” -، والتصريح بمعنى العبارة جاء موضَّحًا في نقل ابنه عبد الله عنه، حيث قال: ” لا أعلم أحدًا فعل هذا “، وقد فهم بعض الحنابلة من الجملة الأولى من نقل ” حرب ” عنه عدم الكراهة، فنصوا عليها في كتبهم، ومنهم صاحب ” كشاف القناع ” الشيخ منصور البهوتي رحمه الله، حيث قال:

و ( لا ) تكره ( قراءة ) القرآن ( كله في الفرائض على ترتيبه ) قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة: اليوم سورة وغدا التي تليها: قال: ليس في هذا شيء، إلا أنه روى عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصَّل وحده.

” كشاف القناع ” ( 1 / 375 ).

والقول بالكراهة هو ما يفتي به علماؤنا المحققون من المعاصرين:

1.* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أفيدك بالنسبة لسؤالك عن قراءة القرآن متتابعاً في صلوات المغرب، والعشاء، والفجر حتى تختمه: أن الأولى ترك ذلك؛ لأنه لم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه الراشدين رضي الله عنهم، وكل الخير في اتباع سيرته عليه الصلاة والسلام، وسيرة خلفائه رضي الله عنهم، وإذا تيسر لك أن تختم القرآن في التهجد: فذلك خير لك في الدنيا، والآخرة، وفي إمكانك إن شاء الله أن تختمه مرات كثيرة قبل رمضان.  ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 146 ).

  1. * سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

كثيرٌ من أئمة المساجد يقرؤون قراءة متسلسلة من البقرة، وحتى سورة الناس في غير رمضان، وقيل: إن هذا بدعة، ويحتج بعضهم بالمراجعة، وضبط الحفظ، وإسماع الجماعة آيات مباركات من القرآن الكريم قلَّ أن يسمعوها، فما رأي فضيلتكم في هذا؟.

فأجاب:

ذَكر العلماء رحمهم الله أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصَّل، وفي صلاة المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، والمفصَّل: أوله سورة ” ق “، وآخره آخر القرآن، وطِواله: من ” ق ” إلى ” عمَّ “، وقصاره: من ” الضحى ” إلى آخر القرآن، وأوساطه: من ” عمَّ ” إلى ” الضحى “، هكذا قال أهل العلم، والذي ينبغي للإنسان أن يفعل هكذا؛ لأن من الحكمة في ذلك أن هذا المفصَّل إذا ورد على أسماع الناس حفظوه، وسهل عليهم حفظه، ولم أعلم أن أحدًا من أهل العلم قال إنه ينبغي أن يقرأ من أول القرآن إلى آخره متسلسلًا ليُسمع الناس جميع القرآن، ولا يمكن أيضًا أن يُسمع الناسَ جميعَ القرآن؛ لأنه سيبقى مدة إلى أن ينتهي إلى آخر القرآن، وسيتغير الناس، يذهبون، ويجيئون، ولا يسمعون كل القرآن، وإذا لم يكن هذا من السنَّة، والعلماء ذكروا أن السنَّة القراءة في المفصل: فالأولى للإنسان أن يتَّبع ما كان عليه العلماء.

والفائدة التي أشرنا إليها من أن العامَّة إذا تكررت عليهم سور المفصل حفظوها: لا تُدرك بما إذا قرأ الإنسان من أول القرآن إلى آخره، فالأولى: العدول عن هذا، وأن يقرأ كما يقرأ الناس. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 360، وجه أ ).

 

– فالراجح – كما قدَّمنا – الجواز مع الكراهة، إلا في التهجد في رمضان.

 

والله أعلم.

حكم لبس موضة الشباب التائه الجديدة: ” الميني عقال “!

حكم لبس موضة الشباب التائه الجديدة: ” الميني عقال “!

السؤال:      

إن مما لفت انتباهي خلال تجولي في عالم الانترنت: انتشار موضة ” الميني عقال “، وهي عبارة عن أساور يلبسها البنات، والشباب، وعلى حد زعمهم: أنها تعبِّر عن الهوية السعودية؛ لأنها تأخذ شكل العقال، وفي طرفه قطعة صغيرة من قماش الشماغ! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل لبس هذا النوع من الأساور يجوز أم لا يجوز؟.

أرجو الإجابة، جزيتم أعالي الجنان.

http://www.alweeam.com/news/news-action-show-id-930.htm

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نأسف أن يصل الحال بالشباب الممتلئ نشاطًا وحيوية ما نراه في شوارعنا، وأسواقنا، وجامعاتنا، في لبسهم، وهيئتهم، ومشيتهم، فضلًا عن سلوكهم وأخلاقهم، مما في كل ذلك من مخالفة للشرع المطهَّر، فاللباس يكاد يسقط من وسطهم! والثوب يكشف عن كل ما تحته! والشَّعر يقف كأنه صواريخ معدَّة للإطلاق! وتخنث في المشية، والكلام، عدا عن أشياء أخرى لم تعد خافية على أحد ينظر ويسمع حوله.

وقد عُرف عن الشباب الخليجي لباسهم المميز من الثوب الساتر، والشماغ – أو الغترة – التي تغطي الرأس، وغالباً ما يُلبس ” العقال ” ليثبت الذي على الرأس، وعندما يكون الفراغ الروحي مسيطرًا على طائفة من أولئك فإنهم يبتدعون ما يظنونه يملأ ذلك الفراغ، فترك طائفة منهم لبس الثوب، واجعل بدلا منه البنطال، وتركوا الشماغ والعقال وكشفوا شعورهم وقد أغرقوه بالجل! ونصبوا شعيرات منه تقف هنا وهناك!.

وفي آخر ما ابتدعوه أنهم صغَّروا ” العقال ” و ” الشماغ ” جدًّا، وبدلًا من أن يكونا على الرأس: صارا أسورة في أيديهم! وأطلقوا عليه ” الميني عقال ” – أي: العقال الصغير -، حتى يجمعوا بين لبس البنطال – الضيق أو الساحل – وبين لبس العقال، والعجيب أنهم جعلوا لذلك اللباس التافه شعار ” أقدر “! ظانين أنه يصب في ” تشجع الشباب على البحث عن ذاتهم، وقدراتهم، وطاقتهم الداخلية “!! وكتبوا عليه أيضًا ” اعقل وتوكل ” ! فصار هذا ” الميني عقال ” علامة على أن لابسه من الشباب، وأنه يمتلئ حيوية، وأنه يفعل ما يشاء، وبعض من سوَّق له أراد أنه يحمل رمزًا وطنيًّا! ظانّاً أنه بذلك يحمي نفسه ولابسه من التعرض له، ونقده، حتى قال بعض الحمقى منهم إننا نتعرف على لابسه أنه من ” السعودية “! إن رأيناه في بلد أجنبي، فيكون ذلك وسيلة للتقارب بيننا! ثم انتقل إلى دول خليجية أخرى، فادعوا أنه شعار ليعرف بعضهم بعضاً أن لابسه ” خليجي “! وهذا يعمق مفهومًا غير شرعي، ويقوي التعصب لما لم يشرعه الله تعالى، بل لما ذمه من التفرق ، والتشتت.

وهلا كان تميزهم بالانتساب إلى بلدهم، أو إقليمهم: لباسهم الشرعي القديم الذي تخلوا عنه لأجل موافقة الغرب؟! وهلاَّ كان تميزهم بدينهم، وصلاتهم، وحسن أخلاقهم؟! لا ندري كيف وصل بهم الحال إلى هذا، لكنه وصل، ولا بد له من علاج.

فعلى الخطباء والمدرسين والآباء أن يقوموا بدورهم في إنقاذ هؤلاء الشباب مما هم فيه من ضياع، وليس الأمر مقتصرًا على ” الميني عقال ” فقط، بل إن لبسه صار علامة على تردي الحال الذي وصل إليه أولئك.

 

ثانيًا:

وأما من حيث حكم لبسه الشرعي: فهو حرام، ولا شك في ذلك؛ لأن المعصم لا توضع فيه الزينة للرجال، بل هو من زينة النساء، ففاعل ذلك متشبه بهن، وهذا من كبائر الذنوب.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ” لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ “.

رواه البخاري ( 5546 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أمّا السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك: فهذا نحرِّمه من وجهٍ آخر، وهو التشبه بالنساء، والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 108 ).

كما أن في لبس ” الميني عقال ” محذورًا آخر: وهو تجذير التعصب، وهو نوع من إحياء الجاهلية، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بما فيه خير الناس، فجمعت الناس على إله واحد، ونبي واحد، ودين واحد، وقرآن واحد، وقبلة واحدة، وأذابت ما فيه تعصب للون، والجنس، والعِرق؛ لأن في ذلك الإحياء لهذه الأشياء تهييج لأفعال الجاهلية المذمومة، كما أن في الاجتماع على البلد الواحد تهوينًا من الولاء والبراء مع كفار ذلك البلد، كما ستكون المحبة لغير الله، بل للوطن.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إن الواجب – يا إخواني – ألا نكون وطنيين، وقوميين، أي: ألا نتعصب لقومنا، ولوطننا؛ لأن التعصب الوطني قد ينضم تحت لوائه المؤمن، والمسلم، والفاسق، والفاجر، والكافر، والملحد، والعلماني، والمبتدع، والسنَِّي، وطن يشمل كل هؤلاء، فإذا ركزنا على الوطنية فقط: فهذا لا شك أنه خطير؛ لأننا إذا ركزنا على الوطنية: جاء إنسان مبتدع إلى إنسان سنِّي، وقال له: ” أنا وإياك مشتركان في الوطنية، ليس لك فضل عليَّ، ولا لي فضل عليك “!، وهذا مبدأ خطير في الواقع، والصحيح هو التركيز على أن نكون مؤمنين.

ونبيِّن – أيضًا – أن التعصب للوطن، وكون الجامع بيننا هو الوطنية: ليس بصحيحٍ أبدًا، ولا يستقيم الأمر إلا أن يكون الجامع بيننا الإيمان: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الحجرات/ 10، والآية نزلت في المدينة، وكان في المدينة يهود قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، ومع ذلك فلم يدخلوا في الآية مع أنهم مواطنون؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي

فهذه مسألة خطيرة، فالمبدأ الصحيح أن الذي يجمع بيننا هو الإسلام، والإيمان، وبهذا نكسب المسلمين في كل مكان.

أما احتجاج بعض دعاة الوطنية بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمكة: (إنكِ أحب البقاع إلى الله ): فلا حجة لهم في ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: ” إنك أحب البلاد إليَّ “، بل قال: ( أحب البقاع إلى الله )، ولذلك قال: ( ولولا أن قومكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ )، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من أجل الوطنية، وإنما من أجل أن مكة أحب البقاع إلى الله تعالى، وهو صلى الله عليه وسلم يحب ما يحبه الله  . ” لقاء الباب المفتوح ” ( 48 / السؤال رقم 6 ).

 

والله أعلم.