الرئيسية بلوق الصفحة 76

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

حكم تهنئة غير المسلمين في مناسبات غير دينية

السؤال:

قرأت الفتاوى المتعلقة بعدم جواز مشاركة غير المسلمين في احتفالاتهم، ولكنني أريد أن أعرف ما حكم الاحتفال معهم في مناسبة مدرسية أو جامعية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية مما لا يجب أن يُختلف في حرمته، على الأقل الأحوال، وقد سبق لنا في فتاوى متعددة بيان ذلك، والتحذير منه.

 

ثانيًا:

وأما مناسباتهم الشخصية الخاصة، كزواج، أو نجاح في مدرسة، أو تعيين في وظيفة، أو شفاء من مرض، أو إنجاب ولد، أو قدم من سفر، ونحوه: فهذا مما اختلف فيه العلماء إلى أقوال ثلاثة – وهي أقوال ثلاثة عن الإمام أحمد -: فمنهم من رأى الجواز، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين، وهذا أرجح الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وتحرم العيادة، والتهنئة، والتعزية لهم, كالتصدير، والقيام, وكمبتدع يجب هجره، وعنه- أي: عن الإمام أحمد -: يجوز، وعنه: لمصلحة راجحة, كرجاء إسلام, اختاره شيخنا – أي: ابن تيمية –  ومعناه اختيار الآجري, وأنه قول العلماء: يُعاد، ويعرض عليه الإسلام، نقل أبو داود: إن كان يريد يدعوه إلى للإسلام: فنعم.

” الفروع و تصحيح الفروع ” ( 10 / 334 ).

 

* على أننا ننبه إلى شروط أخرى يجب توفرها حتى يقال بالجواز، ومنها:

  1. خلو بيئة التهنئة والزيارة من المنكرات، كالاختلاط، والمعازف، والأطعمة والأشربة المحرمة، فاحتفالات المسلمين غالبًا – وللأسف – لا تخلو من منكرات، فالحكم نفسه لاحتفالات غير المسلمين إن احتوت على منكرات.
  2. أن تخلو عبارات التهنئة من مخالفات شرعية، كابتدائه بالسلام، أو الدعاء له بالعز والبقاء.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه، ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى ، والكلام فيها كالكلام في التعزية، والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم ” متَّعك الله بدينك “، أو ” نيَّحك فيه ” – أي: قوَّاك فيه -، أو يقول له: ” أعزك الله “، أو ” أكرمك “، إلا أن يقول ” أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به “، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة.  ” أحكام أهل الذمة ”  ( 1 / 441 ).

 

  1. أن لا يهنَّأ ذلك الكافر – ولا المسلم كذلك – إن كان رجوعه من سفر معصية، أو حرب على المسلمين، أو لتولي وظيفة محرمة، كعمل في بنك، أو قضاء بين الناس بخلاف الشرع.

* قال ابن القيم -رحمه الله -:

فمن هنَّأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر: فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء، والتدريس، والإفتاء؛ تجنباً لمقت الله، وسقوطهم من عينه، وإن بُلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشرٍّ يتوقعه منهم، فمشى إليهم، ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق، والتسديد: فلا بأس بذلك. ” أحكام أهل الذمة ” ( 1 / 441، 442 ).

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وهو ممن يميل للمنع بالكلية -:

لا يجوز الذهاب إلى أحد من الكفار عند قدومه للتهنئة بوصوله، والسلام عليه؛ لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

 

  1. تجنب تهنئة رؤوس الكفر كالقساوسة، والأحبار، وزعماء الكفر؛ لقطع الطمع في إسلامهم، ولما في تهنئتهم ومشاركتهم من عزٍّ لهم، وذل للمسلم، إلا أن يُطمع بأحد بعينه: فيجوز، كما في عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب.

 

*قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – وسئل عن تهنئة ” قس ” بوصوله -:

وأما ذهاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهودي الذي كان مريضًا: فإن هذا اليهودي كان غلامًا يخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمَّا مرض عاده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليعرض عليه الإسلام، فعرَضه عليه، فأسلم، فأين هذا الذي يعوده ليعرض عليه الإسلام من شخص زار قسّاً ليهنئه بسلامة الوصول، ويرفع من معنويته؟! لا يمكن أن يقيس هذا على ذاك إلا جاهل، أو صاحب هوى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 47 ).

 

فالقول بالمنع من مشاركة الكفار في مناسباتهم الشخصية هو الأحوط، والجواز بشروط هو الأرجح دليلًا، وتعليلًا.

 

والله أعلم.

 

 

هل يأثم من نسي ما حفظه من القرآن بسبب ضعف ذاكرته؟

هل يأثم من نسي ما حفظه من القرآن بسبب ضعف ذاكرته؟

السؤال:

ما حكم من حفِظ شيئًا من القرآن الكريم، أو الأسماء الحسنى، ثم نسيها، أو نسي بعضًا منها بسبب ذاكرته الضعيفة، هل سيعذبه الله على ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا ينبغي للمسلم أن يقول ” نسيتُ ” فيما ضاع من ذاكرته في حفظه للقرآن، بل يقول: ” أُنسيتُ ” أو ” نُسِّيت “.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( بِئْسَمَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا ). رواه البخاري ( 4744) ومسلم ( 790 ).

وفي لفظ لمسلم: ( لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ ).

 

وهو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ( رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا ).

رواه البخاري ( 4751) ومسلم ( 788 ).

 

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

قوله في آخر الحديث: ( بل هو نُسِّي )، وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر، والتشديد لغيره، ولكل منهما وجهٌ صحيح، فعلى التشديد يكون معناه: أنه عوقب بتكثير النسيان عليه؛ لما تمادى في التفريط، وعلى التخفيف يكون معناه: تُرِك غير مُلْتَفَتٍ إليه، ولا مُعْتَنىً به، ولا مرحوم، كما قال الله تعالى: ( نسوا الله فنسيهم )؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة . ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 419 ).

 

 

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في حكم نسيان القرآن ممن كان حفظه، وقد ذهب طائفة من الشافعية إلى أنه من الكبائر! وقال بعضهم إنه من الذنوب.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن نسيان القرآن من الذنوب. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 423 ).

* وقال الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله -:

( ونسيانه كبيرة ), وكذا نسيان شيء منه؛ لخبر ( عُرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها )، وخبر ( من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة أجذم ) رواهما أبو داود ) ا.هـ.

* وفي حاشية ” الرملي ” عليه:

قوله: ( ونسيانه كبيرة ) موضعه إذا كان نسيانه تهاونًا وتكاسلًا.

” أسنى المطالب ” ( 1 / 64 ).

 

والصحيح: أنه ليس ذنبًا، فضلًا أن يكون كبيرة، ولكنه مصيبة، أو عقوبة، والغالب أن يكون هذا بسبب إعراضه عن العمل به، وعدم تعاهده، وقد أمِر بكلا الأمرين، فلما لم يستجب للأمر عوقب بما فيه سلب لخيرٍ عظيم، وقد يكون نسيانه له بسبب معاصٍ وذنوب، فيأثم عليها، ويعاقب بسلب القرآن منه، وأما إن كان نسيانه لما حفِظَ بسبب ضعفٍ في ذاكرته: فلا شيء عليه، لكن عليه المداومة على تنشيطها بكثرة القراءة، وبالقيام بما يحفظ؛ فإنه من أعظم السبل للبقاء على ما يحفظ.

  1. من قال إنه مصيبة:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفًا قال: ” ما مِن أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم )، ونسيان القرآن من أعظم المصائب. ” فتح الباري ” ( 9 / 86 ).

  1. من قال إنه عقوبة:

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -: مَن جمع القرآن: فقد علت رتبته، ومرتبته، وشرف في نفسه، وقومه شرفًا عظيمًا، وكيف لا يكون ذلك و ” من حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه ” – قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وانظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5118 ) -، وقد صار ممن يقال فيه: ” هو مِن أهلِ الله تعالى وخاصته ” – رواه ابن ماجه ( 215) وهو صحيح -، وإذا كان كذلك: فمِن المناسب تغليظ العقوبة على من أخلَّ بمزيته الدينية، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره، كما قال تعالى : ( يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين )؛ لاسيما إذا كان ذلك الذنب مما يحط تلك المزية ويسقطها؛ لترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة . ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 419 ).

وبكل حال : فهي مصيبة أو عقوبة، لكن لا نجزم بالإثم لمجرد النسيان.

 

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

فلا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته، ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه وردًا يوميّا يساعده على ضبطه، ويحول دون نسيانه؛ رجاء الأجر، والاستفادة من أحكامه، عقيدة، وعملًا، ولكن مَن حفظ شيئا مِن القرآن ثم نسيه عن شغل، أو غفلة: ليس بآثم، وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 99 ).

 

والظاهر أن من قال إن نسيان القرآن من الذنوب، أو الكبائر: قد استدل بحديثين وردا في ذلك – كما نقلناه عن زكريا الأنصاري -، لكن كلا الحديثين لا يصحان، فلا يصلح الاستدلال بهما.

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا ).

رواه الترمذي ( 2916 ) وضعفه، ونقل عن البخاري استغرابه منه، وأبو داود ( 461)، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “.

  1. عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ ).

رواه أبو داود ( 1474 ) وضعفه الألباني في ” ضعيف أبي داود “.

والظاهر أن من قال إن النسيان كبيرة، أو أنه ذنب: لم يرِد ما يكون بسبب ضعف الذاكرة، بل ما كان النسيان بسبب التهاون، والكسل، كما صرَّح به الرملي الشافعي.

 

* سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله -:

نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبون بسبب نسيان ما حفظوه؟.

فأجاب:

نسيان القرآن له سببان:

الأول: ما تقتضيه الطبيعة.

والثاني: الإعراض عن القرآن، وعدم المبالاة به.

فالأول: لا يأثم به الإنسان، ولا يعاقب عليه، فقد وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى بالناس، ونسي آية، فلما انصرف ذكَّره بها أبيّ بن كعب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلا كنت ذكرتنيها )، وسمع رسول الله قارئاً يقرأ، فقال: (يرحم الله فلانا فقد ذكرني آية كنت أنسيتها).

 

وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة: ليس فيه لوم على الإنسان.

 

أما ما سببه الإعراض، وعدم المبالاة: فهذا قد يأثم به، وبعض الناس يكيد له الشيطان، ويوسوس له أن لا يحفظ القرآن لئلا ينساه ويقع في الإثم! والله سبحانه وتعالى يقول: ( فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) النساء/ 76، فليحفظ الإنسان القرآن؛ لأنه خير، وليؤمل عدم النسيان، والله سبحانه عند ظن عبده به.

” كتاب العلم ” ( 96 ، 97 ).

 

وما سبق من الجواب هو في ” نسيان القرآن “، ولم نجد شيئا من كلام العلماء في ” نسيان أسماء الله الحسنى “، وليسا سواءً.

 

والله أعلم.

حكم التدخين عن طريق ” الأرجيلة ” – الشيشة – وبيان مضار ذلك

حكم التدخين عن طريق ” الأرجيلة ” – الشيشة – وبيان مضار ذلك

السؤال:

هل الشيشة حرام؟ وماذا لو أن الشخص لم يستخدم أي نوع من أنواع التبغ، وإنما يستخدم ماء الورد، فهل ما تزال حراماً كذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما لا شك فيه أن ” الدخان ” من أخبث السموم التي تكالب كثير من الناس على تناوله، غير عابئين بما يسببه من الأمراض، والتي تؤدي إلى موت كثيرين منهم، وقد ذكرت ” منظمة الصحة العالمية ” في تقريرها لعام 2008 م: أنّ تعاطى ” التبغ ” يقتل بالفعل 5.4 مليون نسمة سنويًّا!، أي: بمعدل 14.000 شخصًا تقريبًا كل يوم!، وأنه ما لم تتخذ إجراءات عاجلة: فإن التبغ سيقتل 10 مليون شخص سنويًّا بحلول عام 2020 م!

 

ثانيًا:

و ” التبغ ” – ومثله ” الجراك ” و ” المعسِّل ” – الذي يدخَّن عن طريق ” الشيشة ” – الأرجيلة – لا يختلف عن تبغ السجائر العادية الملفوفة بالورق، بل فيه من السوء ما ليس في السجائر.

* وجاء في موقع ” جمعية مكافحة التدخين ” في البحرين ما نصه:

مكونات الشيشة:

لا تختلف هذه المكونات عن مكونات تبغ السجائر، ودخانها, حيث أن بها ما لا يقل عن 4000 مادة سامَّة, أهمها: النيكوتين، وغاز أول أكسيد الكربون، والقطران، والمعادن الثقيلة، والمواد المشعة، والمسرطنة، والمواد الكيميائية الزراعية، ومبيدات الحشرات، وغيرها الكثير من المواد السامَّة.

تدَّعي بعض شركات إنتاج التبغ إزالة كل أو معظم مادة القطران من تبغ الشيشة, كما أنه يضاف إلى تبغ الشيشة العديد من المواد المنكهة مجهولة التركيب, ونجهل مقدار ضررها.

ما يقال عن التدخين عن طريق الشيشة – أو النارجيلة – باستخدام التبغ، أو الجراك، أو المعسِّل بأنه خالي من الخطر: غير صحيح البتة، فقد أثبتت أحد الدراسات على مدى أربع سنوات في المملكة العربية السعودية بأن المعسِّل هو عبارة عن تبغ خالص, مع كميات كبيرة من الأصباغ، والألوان، والنكهات التي تخلط من غير أي رقابة صحية، وثبت أنها تسبب مختلف الأمراض والسرطانات.

ويحتوي ” الجراك ” على 15 % من التبغ الذي يخلط ببعض العسل، والفواكه، والمضافات الكيمائية التي تطبخ، وتخمَّر. انتهى.

http://www.antismokingbh.org/fact8.asp

ثالثًا:

ويعتقد بعض السذَّج من الناس أن تناول هذه النبتة عن طريق ” الأرجيلة ” – الشيشة – حلال! لأن الدخان يمرُّ عبر ماء الأرجيلة! وهذا بعيد جدًّا عن الصواب، وأما أهل الخبرة فيقولون:

  1. تدخين رأس واحد للأرجيلة يعادل تدخين عشرة سجائر على الأقل.
  2. الاحتراق الجزئي للمعسِّل يزيد من المواد السامة في الأرجيلة.
  3. استعمال الأرجيلة من قبل أشخاص متعددين يزيد من انتقال الأمراض المعدية بينهم.
  4. الماء لا يُفلتر المواد السامة والمسرطنة التي يحتويها تبغ الأرجيلة.

* وجاء في موقع ” جمعية مكافحة التدخين ” في البحرين ما نصه:

هناك اعتقاد لدى الكثيرين بأن تدخين ” الشيشة ” أقل ضررًا من السيجارة, وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن مرور الدخان من خلال الماء الموجود في الشيشة يعمل على ترشيح الدخان من المواد الضارة وبالتالي تقليل الضرر الناجم عن تدخين الشيشة، وقد تبيَّن خطأ هذا الاعتقاد من خلال تحليل الدخان الخارج من فم مدخن الشيشة على أنه يحتوي على نفس المواد الضارة، والمسرطنة الموجودة في دخان ” السجائر “، كما أثبتت الدراسات أن التدخين بالشيشة:

  1. يسبِّب الإدمان.
  2. يقلل من كفاءة أداء الرئتين لوظائفهما, ويسبب انتفاخ الرئة ” الإنفزيما “، والالتهاب الشعبي المزمن، وهذا المرض يحد من قدرة الإنسان على بذل أي مجهود كلما تفاقم.
  3. يؤدي إلى حدوث سرطانات الرئة، والفم، والمريء، والمعدة.
  4. يؤدي إلى ارتفاع تركيز غاز أول أكسيد الكربون في الدم.
  5. يؤدي إلى تناقص الخصوبة عند الذكور، والإناث.
  6. يساعد على ازدياد نسبة انتشار ” التدرن الرئوي ” عند مستخدمي الشيشة.
  7. عند النساء المدخنات للشيشة أثناء الحمل يؤدي إلى تناقص وزن الجنين, كما يعرض الأجنَّة إلى أمراض تنفسيَّة مستقبلًا، أو إلى حدوث الموت السريري المفاجئ بعد الولادة.
  8. انبعاث الروائح الكريهة مع النفَس، ومن الثياب، كذلك من التأثيرات الأخرى، كبحة الصوت, واحتقان العينين, وظهور تجاعيد الجلد، والوجه خصوصًا في وقت مبكر.
  9. هذا علاوة على كون تدخين الشيشة يعتبر أحد أهم ملوثات الهواء في غرف المنازل، وقريبًا من المقاهي حيث يوجد عدد كبير من المدخنين. انتهى من الرابط السابق.

ولذا كان تحريم استعمال التدخين عن طريق الأرجيلة – الشيشة – هو المتعيّن.

* سئل الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

عن الفرق بين شرب الدخان بورقه الملفوف، وشرب الجراك في الشيشة … إلخ؟.

فأجاب:

والدخان خبيث – بلا شك -؛ ولما فيه من الإخلال بالصحة، وإضاعة المال المنهي عنها.

إذا ثبت هذا: فلا فرق بين شربه في أوراقه المعدة له، وفي غيرها، كالشيشة الخبيثة، وسواء كان ورق الدخان المشروب خالصُا، أو مخلوطًا بغيره كالجراك: فإنه مخلوط بالدخان الخبيث، والأسماء لا تغير الحقائق، وإذا خلط الشيء المحرم بغيره: فتحريمه باق بحاله، وفي الحديث: ( يأتي في آخر الزمان أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها ) – رواه أحمد، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” ( 414 ) -.

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 12 / 90 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

الشيشة، والنرجيلة، والدخان: من الخبائث، وهي محرمة؛ لما فيها من الأضرار على البدن، والمال، قال الله تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ )، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا ضرر ولا ضرار )، فلا يجوز استعمال هذه الأمور، ولا بيعها، ولا ترويجها.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 351 ).

رابعًا:

وأما سؤالك عن استعمال الشيشة من غير وضع ” تبغ ” بل ” ماء ورد ” فقط: فهو ما لا نعرفه، ولا نتخيل وجوده، فما هي المادة المحترقة؟ وماذا ستستنشق؟ والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فنرجو توضيح الأمر في مرة قادمة.

 

والله أعلم.

حكم إنشاء الجمعيات الخيرية، ونصائح في التعامل مع أصحاب الأموال

حكم إنشاء الجمعيات الخيرية، ونصائح في التعامل مع أصحاب الأموال

السؤال:

نسأل عن حكم الجمعيات الخيرية، وما الضوابط التي تنصح بها السلفي في حالة التعاون معها – إن كان جائزًا – ومع أصحاب الأموال من عوام الناس الذين يحبون دعوتنا، ولا يعرفون تفاصيلها؛ لأنهم يثقون في إخواننا السلفيين بإعطائهم الأموال، وتوزيعها في أماكنها، وجزاكم الله خيرًا، وصلكم الله بهداه، ووفقكم لرضاه، وأعانكم على تقواه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إقامة الجمعيات الخيرية الإسلامية يعدُّ من الأعمال الجليلة للأشخاص القائمين على تأسيسها، ونرجو لهم تحصيل الأجور العظيمة بسبب إنشاء تلك الجمعيات؛ لما لها من نفع متعدٍّ للمسلمين، بل لضعفائهم، وفقرائهم، وإن إعانة هؤلاء، وتفريج كرباتهم: لهو من الأعمال الجليلة في شرع الله تعالى؛ لما لها من أجور جزيلة، ومن هذه الأعمال التي تقوم بها الجمعيات، ولها تلك الأجور:

  1. كفالة الأيتام.

عَنْ سَهْل بنِ سَعْد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا – وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا – ).

رواه البخاري ( 4998 ). ومسلم ( 2983 ) من حديث أبي هريرة بلفظ قريب.

 

  1. السعي على الأرامل.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ ).

رواه البخاري ( 5038 ) ومسلم ( 2982 ).

 

  1. بناء المساجد.

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ).

رواه البخاري ( 439 ) ومسلم ( 533 ).

 

 

 

  1. قضاء الديون.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ). رواه مسلم ( 2699 ).

 

  1. تزويج العزاب.

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ ). رواه البخاري ( 2442 ) ومسلم ( 2580 ).

 

  1. تفطير الصائمين.

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ). رواه الترمذي (807) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وابن ماجه (1746)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ويشمل ما سبق – وثمة كثير لم نذكره – وغيره من أعمال الجمعيات الخيرية: هذا الحديث المبارك، والذي هو نصٌّ في فضل الطاعات المتعدية:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ, وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ, أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً, أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا, أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا, وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ – يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ – شَهْرًا, وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ, وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ ). رواه الطبراني ( 12 / 453 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 955 ) .

وعليه:

فمن كان من الجمعيات الخيرية قائمًا على مثل هذه المشاريع النافعة: فإنه يُعان، ويشجع عليها؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) المائدة/ من الآية 2.

 

 

ثانيًا:

وليست الجمعيات الخيرية كلها سواء من حيث المنهج، والاعتقاد، بل منها ما هو حزبي جلد، تتعصب لحزبها، ومنها ما يتبنى أفرادها اعتقادًا فاسدًا، كالأشعرية، والتصوف.

والموقف من الأولى يختلف عنه من الثانية، ففي حال كانت الجمعية حزبية – والحزب في إطاره العام من أهل السنَّة -: فإنها تُعان على ما فيه خدمة للإسلام، ولا تعان على ما في نشاط لحزبها، وجماعتها، وأما الجمعيات التي يقوم عليها أصحاب اعتقاد فاسد: فينبغي هجرها، وأن يقوم أهل السنَّة بإنشاء جمعية مستقلة خاصة بهم.

 

ثالثًا:

والموقف من أصحاب الأموال ينبغي أن يكون حكيمًا، وإذا كانوا من أهل الدنيا، وليسوا أفرادًا منكم: فإننا ننصح في التعامل معهم:

  1. أن لا يكون التقرب منهم طمعًا في أموالهم، بل طمعاً في هدايتهم، وهم لو هداهم الله، واقتنعوا بالمنهج السلفي، واعتقدوا عقيدة أهل السنَّة والجماعة: فإن ذلك كافٍ ليقوموا بنصرته، بأموالهم، وجاههم.

 

  1. أن تجعلوا بعضهم أعضاء في مجلس إدارة الجمعية؛ فإن من شأن هذا أن يُكسبكم ثقتهم، وفي الوقت نفسه يقربهم من الاعتقاد الصحيح، والمنهج السليم.

 

  1. أن تتعاهدوهم بالعناية، والرعاية، وذلك بتقديمهم في احتفالات الجمعية، ونشاطاتها العامة، فمثل هذه النفوس مجبولة على حب التقديم، وهذا ما يفعله أهل الدنيا معهم، فأنتم أولى بهذه المداراة، وليس في ذلك مخالفة لشرع الله.

وفي فتح مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ). رواه مسلم ( 1780 ).

* قال الدكتور علي الصلابي – حفظه الله -:

ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيئٌ يُشبع ما تتطلع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيت له على الإسلام، وتقوية لإيمانه، وكان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملًا على امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان، وبرهن له بأن المكانة التي كانت له عند قريش: لن تنتقص شيئًا في الإسلام، إن هو أخلص له، وبذل في سبيله، وهذا منهج نبوي كريم، على العلماء، والدعاة إلى الله أن يستوعبوه، ويعملوا به في تعاملهم مع الناس. ” السيرة النبوية، عرض وقائع، وتحليل أحداث ” ( ص 756 ).

 

 

  1. إيقافهم بأنفسهم على حالات محتاجة؛ وذلك حتى يطمئنوا أن أموالهم تذهب في طريقها الصحيح، وحتى يكون هذا دافعاً لهم لاستقرار البذل، واستمراره، بل زيادته.

 

  1. تقديم شهادات ثناء باسم الجمعية، أو هدايا رمزية، ويفضل أن يكون ذلك كل عام؛ حتى يستمر عطاؤهم، وتقوى قلوبهم على البذل، وفي شرعنا أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لكل من يأتي بزكاته، فقال تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) التوبة/ 103، وهو ما طبَّقه صلى الله عليه وسلم عمليًّا.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ ) فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ). رواه البخاري ( 1427 ) ومسلم ( 1078 ).

 

هذا ما ننصحكم به في التعامل مع أصحاب المال، والجاه، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

 

والله أعلم.

 

مرضت ورفضت زوجة ابنها أن تخدمها وطلبت أن تسكن خارجا عن أهله

مرضت ورفضت زوجة ابنها أن تخدمها وطلبت أن تسكن خارجا عن أهله

السؤال:

أتوجه إليكم بالسؤال التالي، طالبًا من فضيلتكم التكرم بالرد عليه بما فتح الله عليكم من العِلم، راجيًا من الخالق جلَّ وعلا أن يجزل لكم الثواب: أنا أم لولدين، تزوَّج الأول، وسكن في شقة، وبقيتُ مع زوجي وولدي الثاني في الشقة المجاورة، وتزوج ولدي الثاني في نفس الشقة التي نسكن فيها، بابنة عمته – شقيقة زوجي -، وكانت علاقتي بالبنت، وبأمها، علاقة قويَّة جدًّا، وبعد الزواج بفترة قصيرة: أُصبت بانزلاق غضروفي في العمود الفقري، الأمر الذي منعني من القيام بأي عمل مهما كان بسيطًا، وبعد مكوثنا مع ولدي وزوجته بسنتين تقريبًا: فوجئت بأن زوجة ولدي تركت البيت، وذهبت إلى بيت أهلها، وتطالب ببيت مستقل لها، ولزوجها، بدون أي سبب يستدعي ذلك، خاصة وأنه لا يوجد لدي سوى ولديّ المذكوريْن، وليس لديَّ بنات، وأنا غير قادرة على رعاية نفسي وزوجي، ولم يصدر منِّي تجاهها أي شيْ يستدعي غضبها، بل كنت أعاملها كابنتي، كما أني غير قادرة على فراق أولادي، ولا أتحمل غيابهم عني ولو ليوم واحد، وحاولنا معها ومع أهلها لإصلاح الأمر والعودة إلى ما كنَّا عليه، لكننا قوبلنا بالإصرار الشديد من الجميع على أن تخرج هي وولدي في بيت آخر، وأنها لا تستطيع البقاء معنا، ورعايتنا، وبالإمكان – كوضع مؤقت – أن نظل معها شهرًا أنا وزوجي، ثم نعيش مع ولدي الأكبر شهرًا، وهكذا بالتناوب، مع العلم أن زوجة ولدي الأكبر موظفة، وعندها ثلاثة أبناء، بينما الأخرى ليست موظفة، وليس لديها أبناء، وكانت تقضي معظم وقتها – صباحًا مساءً – في بيت أهلها؛ لقربه من منزلنا، وكنا نتحمل تقصيرها في رعايتها لنا، وإهمالها لنا، ولم نُظهر شيئًا سوى الرضى، والحب، وكنَّا نُخفي ذلك عن ولدي؛ خشية المشاكل، وقد شكل هذا التصرف منها ومن أهلها صدمة عنيفة لنا؛ لأنه غير مبرر، ولأن العلاقة بيننا كانت قويَّة جدًّا، ولأنني غير قادرة على فراق ابني: تركتُ لها البيت أنا وزوجي، وسكنَّا مع ولدي الأكبر في الشقة الأخرى، وخرجتُ من بيتي وأنا منهارة، وأبكي بكاءً شديدًا، وبأعلى صوتي؛ لأني لم أكن متوقعة أنني سأتعرض في حياتي لمثل هذا الموقف، وبعدها وافق أبوها على إعادتها إلى البيت بعد خروجنا منه، بشرط: أن لا يدخل منَّا أحدٌ عند ابنته، وبعد فترة: أظهرت هي وأهلها استياءهم لعدم دخولنا عندهم – وذلك حرجاً من الناس فقط – ولكنني بعد ما حدث لم أستطع الدخول، لا عندها، ولا عند أهلها، وتحوَّل حبِّي لها ولأمها إلى كرهٍ، وأدعوا عليهما، ولي على هذا الحال حوالي عشرة أشهر، وفي المقابل: هناك قطيعة من قبَلهم، والتواصل بيننا عدمٌ، وأنا في حالة قلق، وخوف من الحرام؛ بسبب هذه القطيعة، ومما أجده في نفسي، من كرهٍ لم أستطع التغلب عليه.

لذا أفيدونا – جزاكم الله عنا خير الجزاء – بما يتوجب علينا عمله؛ وقاية من الوقوع في الحرام، واتقاءً لغضب الله تعالى.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلمي – أختنا السائلة – أنه من حق زوجة ابنك أن يكون لها مسكن مستقل، يحتوي على ضرورات المسكن، من غرفة نوم، ومطبخ، وحمّام، ويختلف الأمر سعة وضيقًا باختلاف قدرة الزوج، وحال الزوجة، وهذا من حقوق الزوجة التي يصح لها التنازل عنه لتسكن مع أهله – بشرط أن تكون البيئة شرعية -، وللزوجة أن ترجع عن موافقتها لتطالب زوجها بسكنها الخاص.

 

ثانيًا:

ومما يجب عليك علمه – أختنا السائلة – أن زوجات أبنائك لا يجب عليهن خدمتكِ أنتِ وزوجكِ، إلا أن يكون ذلك بطيب نفسٍ منهنَّ، وليس من حق الزوج على زوجته خدمة أمِّه وأبيه، ولا على مثل هذا تمَّ العقد الشرعي بينهما، بل الواجب عليها خدمة زوجها، والعناية بأولادها، وأما تكليف الزوجات بالعناية بأهل الزوج، والرعاية لهم: فهذا مما لا توجبه الشريعة على إحداهنَّ، إلا أن تتبرع واحدة منهنَّ عن طيب نفسٍ منها؛ احتسابًا للأجر الأخروي، وإرضاء لزوجها، فالبحث عما يُرضي الزوج من الأعمال المباحة وفعله من قبَل الزوجة: مما يدل على رجاحة عقلها، ومتانة دينها، ومن لا تفعل: فلا حرج عليها.

 

ثالثًا:

والواجب على زوجك أن يقوم بما يخفف عنك عبء المرض، والخدمة، وكذا أبناؤك؛ وذلك بالتعاقد مع امرأة تقوم على خدمتك، والعناية بك، في أوقات تحتاجين وجودها بجانبك، مع أخذ الاحتياط في عدم الخلوة مع زوجك، وأبنائك، وقطع النظر المحرَّم بينهم جميعًا.

وليس لك أن تحملي في قلبك على زوجات أبنائك، فهم لم يرتكبوا فعلًا محرَّمَا بامتناعهن عن خدمتك، والسكن معك، ولا ينبغي أن تحملي في قلبك على أهل زوجة ابنك لوقوفهم مع ابنتهم، فما فعلوه ليس أمرًا منكرًا، ولعلك تفعلين الفعل نفسه لو أنه كان لك ابنة متزوجة من رجل يجعلها تخدم أهل زوجها.

 

وبكل حال: فنحن ننصح زوجات أبنائك برعايتك، والعناية بك، وهو أمر لو فعلوه لأجروا عليه جرًا عظيمًا، والترتيب الذي اتُّفق عليه بالمكث شهرًا عند كل واحدة منهما: أمر جيد، وهو يخفف العبء على كل واحدة، ويقسِّم الجهود عليهما، بدلًا من أن تتحمله واحدة.

 

ونسأل الله أن يشفيك، ويعافيك، ويكتب لك أجر الصبر على المرض، واحتساب الأجر عند الله تعالى، ونوصيك بتصفية قلبك على زوجات أبنائك، وعلى أهاليهن.

 

والله أعلم.

 

 

يريد معاونة في ” الإعجاز العلمي ” في القرآن ليستعمله في دعوة الكفار

يريد معاونة في ” الإعجاز العلمي ” في القرآن ليستعمله في دعوة الكفار

السؤال:

أنا مؤمن – بلا شك – أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الذي كان أُنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ( إنّا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون ).

أقول ذلك لأن عندي بعض الأصدقاء الكفرة، وأود أن أتكلم معهم في ” فضائل الإسلام “، على أمل أن يسلموا، وإن أحد الأمور المهمة التي أريد طرحها لهم عن الإسلام هي عن معجزات القرآن الكريم, مثل أن أقول لهم: إن القرآن الكريم الذي بين أيدنا هو نفسه الذي كان قبل 1429 سنة, فأقول لهم: إن القرآن الكريم يُثبت أنه لا يوجد تشابه بين بصمتين لأصبعين في العالم, وأقول لهم أيضا الكثير من العلوم الحديثة التي تم اكتشافها، مثل كروية الأرض ، أنه قد أثبتها القرآن الكريم ,  والكثير من المعجزات.

فكيف لي أن أُثبت أصالة القرآن الكريم لأنني أشعر أن أحدهم سيجادل ويقول: إن أحدًا ما قد أدخل على القرآن مثل تلك الحقائق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لك أخي السائل حرصك على الخير، وعلى هداية الناس لهذا الدين العظيم، ونبشرك أن ما تفعله هو من أجلِّ العبادات، والطاعات، وهو مما يميز هذه الأمة الخيِّرة، أن جعلها الله تعالى آمرة بالمعروف، وناهية عن المنكر، قال تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) آل عمران/ 110.

فاستمر – بارك الله فيك – على نشر الخير في الأرض، وابذل ما تستطيع من جهد لهداية من ضل عن الطريق.

 

وفي الوقت نفسه ننبهك إلى ضرورة طلب العلم، والسعي في تحصيله؛ لأن ما تقوم به هو من مهمات الأنبياء، ولا بدَّ لمن قام بهذا الجهد أن يكون على دراية بما يتكلم به، وخاصة أنك تتكلم في شرع الله، وهو ما ينبغي التأني فيه حتى تتقن العلوم الشرعية، وخاصة المتعلقة بموضوع الدعوة، وهو المسائل العلمية في الإعجاز القرآني.

 

ثانيا:

ونحب أن ننبهك – والمسلمين جميعًا – في سياق الكلام عن ” الإعجاز العلمي ” في القرآن الكريم إلى أمور، نرجو أن يكون فيها فائدة:

  1. القرآن الكريم كتاب هداية، احتوى على ما يُصلح حال الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، وهو ليس كتاب ” كيمياء “، أو ” جيولوجيا “، أو ” طب “، وما فيه من إشارات لعلوم الطبيعة لا ننكرها، لكن لا نعطيها أكبر من حجمها.

وإعجاز القرآن في أصله هو إعجاز لغوي، بياني، ومن هنا فقد تحداهم النبي صلى الله عليهم بالإتيان بمثله، فعجزوا، مع أنهم أهل فصاحة، وبيان.

  1. ينبغي التفريق بين ” النظريات ” و ” الحقائق ” في هذا الباب، فكثيرًا ما يُخلط بينهما، فتُجعل النظريات حقائق ثابتة، فتفهم الآيات من القرآن من خلالها، ثم سرعان ما تُنقض بنظرية أخرى! فيقع في قلب المسلم من الشك والريب ما يكون سببه جهل من تكلم في هذا العلم، وخلط بين الأمور.

كما أنه توجد حقائق لا شك فيها، فترد لظاهر يفهمه المسلم خطأ، فينبغي التنبه للفرق بين الأمرين، وعدم الخلط بينهما.

* وقد ذكر العلماء أن كتاب الله تعالى يفسَّر على وجوه:

أ. تفسير القرآن بالقرآن.

ب. تفسير القرآن بالسنَّة.

ج. تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.

د. تفسير القرآن بلغة العرب.

ومن العلماء من أضاف وجهاً خامسًا، وهو قول التابعي.

ولا مكان للنظريات الحديثة لتزاحم تلك الوجوه، بل – وللأسف – وُجد من قدَّمها على الوجه الأول! اغترارًا بما اكتشفه ” مختبر “، أو قاله ” عالِم ” كافر مخصص.

* قال الشيخ صالح الفوزان – رحمه الله -:

أما تفسير القرآن بغير هذه الوجوه: فلا يجوز؛ لأنه قول على الله بلا علم، فالذين يفسِّرون القرآن بالنظريّات الحديثة – أو ما يسمُّونه بالعلم الحديث -: فهذا خطأ، وهذا قول على الله بلا علم، فالنظريّات هذه: عمل بشر، تصدَّق، وتكذَّب، وكثير منها يكذب، ويأتي نظرية أخرى تبطل هذه النظرية السابقة، مثل: ما عند الأطباء، ومثل: ما عند الفلاسفة؛ لأنه عمل بشر، فالنظريّات الحديثة لا يفسَّر بها كلام رب العالمين، ولا يقال: هذا من الإعجاز العلمي – كما يسمونه – ، هذا ليس بإعجاز علمي أبدًا، كلام الله يُصان عن نظريّات البشر، وعن أقوال البشر؛ لأن هذه النظريّات تضطرب، ويكذب بعضها بعضًا، فهل يفسَّر كلام ربنا بنظريّات مضطّربة؟، هذا باطل، ولا يجوز، ويجب رفض هذا التفسير، والاقتصار على الوجوه الأربعة – أو الخمسة – التي نصّ عليها أهل العلم، كما ذكرها ابن كثير رحمه الله، في أول ” التفسير “.

” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ” ( ص 317 ).

  1. وللأخذ بما يقوله بعض العلماء المعاصرين بما تدل عليه بعض الآيات القرآنية من أوجه الإعجاز العلمي ينبغي مراعاة أمور:

أ. عدم الجزم بالنظريات على أنها حقائق علمية لا تقبل المناقشة.

ب. عدم الجزم بأن ما يقولونه هو تفسير للآية القرآنية، ولا هو بالمرجح بين الأقوال المختلفة فيها.

ج. يجب مطابقة المعنى المذكور للغة العربية؛ لأنها لغة القرآن.

د. أن يكون المتكلم في دلالة الآية من أصحاب العلم الشرعي.

هـ. أن لا يخالف المعنى المذكور آية، أو حديثًا صحيحًا، أو إجماعًا.

و. الابتعاد عن التكلف في الاستنباط من الآية القرآنية.

انظر ” التفسير العلمي للقرآن بين المجيزين والمانعين ” للشيخ محمد الأمين ولد الشيخ.

والقول بدلالة الآيات على بعض مسائل مكتشفة حديثًا لا مانع منه إذا كان الأمر  منضبطًا بتلك الضوابط، وقولهم في الآية لا يختلف عما يقوله غيرهم من دلالة الآية على مسألة فقهية، أو عقيدية، أو سلوكية، أو إدارية، وهي قابلة للنقاش، والرد، وكثيرًا ما استدل أرباب المذاهب الفقهية وأهل الانحراف والزيغ بآيات قرآنية تقوية لما يقولونه، ثم يقوم أهل العلم بالرد عليهم، وبيان خلل فهمهم للآية.

ومن هنا رأينا مناقشات عديدة للعلماء المعاصرين مع المستدلين بآيات من القرآن على معانٍ ومسائل في العلوم الحديثة، وليس كل ما يقال يُقبل، ولا كل من يرد يصيب، ولذا رأينا من يعرض أبحاثه فيما يسمى ” الإعجاز العلمي ” يُناقش في المؤتمرات من قبَل أهل الاختصاص، ويرد عليه في كتب، وأبحاث، فيحذف أشياء، ويثبت على بعضها، ويتوقف في ثالثة، وهكذا، وكل هذا يؤكد ما ذكرناه سابقًا، وهو أن هذا الأمر كله لا يعدو أن يكون اجتهادًا بشريًّا قابل للتخطئة.

والذي لا نقره من بعض المتكلمين في ” الإعجًاز العلمي ” هو سخريتهم من تفسير السلف، وتجاهلهم له، وقطع الصلة بينهم بمثل هذه النظريات!، وكذا عدم الالتفات إلى اللغة العربية لتكون معيناً لهم لفهم الآية على وجهها، مما أدى بهم إلى اختراع أقوال في الآيات مما لا أصل له في الشرع، فمثل هذا يرد من غير تردد.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم الشرع في التفاسير التي تسمى بـ ” التفاسير العلمية “؟ وما مدى مشروعية ربط آيات القرآن ببعض الأمور العلمية التجريبية؟ فقد كثر الجدل حول هذه المسائل.

فأجابوا:

إذا كانت من جنس التفاسير التي تفسر قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) بأن الأرض كانت متصلة بالشمس وجزءًا منها، ومن شدة دوران الشمس انفصلت عنها الأرض، ثم برد سطحها، وبقي جوفها حارًّا، وصارت من الكواكب التي تدور حول الشمس، إذا كانت التفاسير من هذا النوع : فلا ينبغي التعويل، ولا الاعتماد عليها.

وكذلك التفاسير التي يستدل مؤلفوها بقوله تعالى: ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) على دوران الأرض، وذلك أن هذه التفاسير تحرِّف الكلم عن مواضعه، وتخضع القرآن الكريم لما يسمونه نظريات علمية، وإنما هي ظنيات، أو وهميات، وخيالات، وهكذا جميع التفاسير التي تعتمد على آراء جديدة ليس لها أصل في الكتاب، والسنَّة، ولا في كلام سلف الأمة؛ لما فيها من القول على الله بغير علم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 180، 181 ).

ثالثًا:

وللاطلاع على موقع متخصص في الأمور العلملية التجريبية تلك: انظر:

http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show&select_page=2

ومن الطبيعي أننا لا نقر كل ما في الموقع؛ لأن الأمر يحتاج لتتبع، وطول كتابة، ولكن لأن القائمين عليه هم من أهل الاختصاص: فلعل ما فيه من الصواب ينفعك فيما طلبت.

رابعًا:

وأما قولك في احتمال أن يزعم زاعم أنه ثمة من وضع هذه الأشياء في القرآن: فهو احتمال بعيد؛ لأن وجود هذا الاحتمال مرفوض حتى عند أعداء الدين، وهم يعلمون قطعًا أن ما تلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وما تلاه النبي على أصحابه: هو الذي بين أيدينا الآن، ليس فيه حرف زائد، ولا ناقص، فلو أدخل أحد حرفًا فيه: لانكشف أمره، وافتُضح، وقد تكفل الله تعالى بحفظه، ولا نظن أنك قصدت أن أحدًا من المتقدمين قد يكون هو الذي وضع مثل هذه الزيادات في القرآن؛ فبالإضافة لما ذكرناه من حفظ الله له من التحريف: فقد كان المتقدمون في غفلة وبُعد عن العلم التجريبي هذا، وعن اكتشافه بالأدوات والآلات المخترعة حديثًا.

 

والله أعلم.

هاشمية من آل البيت تشعر بتميزها عن الناس وتعاملهم بما لا يليق!

هاشمية من آل البيت تشعر بتميزها عن الناس وتعاملهم بما لا يليق!

السؤال:

أنا عندي مشكلة وهي: أنا هاشمية، ويرجع نسبي إلى ” جعفر الطيار “، وعندما أذهب إلى أناس ليسوا من آل البيت، أو يقوم أحد بخطبتي ليس من آل البيت: أحس أنهم أقل منِّي، وما أقدر أتحدث إليهم، وإذا يوجد مجلس: أخرج منه، ولكن والدي، ومن حولي من أهلي ينصحوني، هل هذا الشيء يعد تفاخرا، وجاهلية، ولكن الله قال في كتابه العزيز ( وجعلناكم شعوبا وقبائل )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلمي أن أصل الناس جميعًا واحد، وكل خلق الله من البشر فأبوهم آدم، وأمهم حواء، وقد ذكَّرنا الله تعالى بهذا في مواضع من كتابه، وكذا جاء ذلك في السنَّة النبوية، ومن الحكَم في ذلك: ترك التفاخر بالأنساب، والتطاول على الناس، وازدراؤهم.

وما جعل الله تعالى الناس شعوبًا وقبائل إلا لأجل أن يعرف بعضهم بعضًا بتميز القبيلة والجنس، كالتميز بالاسم، لا لأجل التفاخر بعربيته، أو بقبيلته، أو بجنسه، أو بلغته.

وكون الإنسان هاشميًّا لا يرفعه عند ربه تعالى، وليس هو مجال المفاضلة بين الناس؛ لأن نسب الإنسان وهبي من الله ليس كسبيًّا، والكافر من آل البيت سيكون حطب جهنم، والعبد الأعجمي المسلم قد يكون مأواه الفردوس الأعلى.

وقد جمع الله تعالى تلك الأشياء الثلاثة في سياق واحد، وآية واحدة، نرجو منك تأملها، وتأمل كلام أهل العلم في تفسيرها.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات/ 13.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

لمَّا كان قوله تعالى: ( إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) يدل على استواء الناس في الأصل؛ لأن أباهم واحد، وأمهم واحدة، وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب، وتطاول بعض الناس على بعض: بيَّن تعالى أنه جعلهم شعوبًا، وقبائل لأجل أن يتعارفوا، أي: يعرف بعضُهم بعضًا، ويتميز بعضهم عن بعض، لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض، ويتطاول عليه، وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض، وأكرم منه: إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب، وقد بيَّن الله ذلك هنا بقوله: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) فاتضح من هذا: أن الفضل، والكرم، إنما هو بتقوى الله، لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال:

فقد رفع الإسلام سلمان فارس *** وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وقد ذكروا أن سلمان رضي الله عنه كان يقول:

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم

وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان، ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه: تقوى الله جل وعلا، وطاعته، فأكرم الناس، وأفضلهم: أتقاهم لله، ولا كرم، ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب.  ” أضواء البيان ” ( 7 / 417، 418 ).

ثانيًا:

ولا يشك مسلم أن الله تعالى قد فضَّل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بفضائل متعددة، وأوجب علينا محبتهم، ورعايتهم، لكن ننبه على أن ذلك للمؤمن منهم، لا لكل منتسب إليهم، وأن هذه الفضائل لا تدعو للتفاخر، بل تدعو لشكر المنعِم عز وجل، واحترام الآخرين، وتقدير تلك المحبة والرعاية منهم.

ولما كان الفخر بالأنساب من كبائر الذنوب: لذا وجب عليك التنبه لنفسك في موقفك مع الآخرين، وطريقة تعاملك معهم، وقد ورد النهي عن التفاخر بالأنساب في أحاديث كثيرة:

  1. منها: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلاَنِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) – رواه الترمذي ( 3270 )، وأبو داود ( 5116 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “، والعبية – بضم العين وكسرها -: الكبر والفخر، الجِعلان: دويبة سوداء، كالخنفساء تدير الخراء بأنفها.

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

قال الخطَّابي: ” معناه: أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخير الفاضل، وإن لم يكن حسيباً في قومه، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفًا رفيعًا ” انتهى.

وقيل: معناه أن المفتخر إما مؤمن تقي، فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال.

” تحفة الأحوذي ” ( 10 / 317 ).

  1. ومنها: حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَْحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأْنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ) – رواه مسلم ( 934 ) -.

* قال عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

( أربع ) أي خصال أربع كائنة.

( في أمتي من أمر الجاهلية ) أي: من أفعال أهلها.

( الفخر في الأحساب ) أي: الشرف بالإباء، والتعاظم بمناقبهم.

( والطعن في الأنساب ) أي: الوقوع فيها بنحو قدح، أو ذم.

( والاستسقاء بالنجوم ) أي: اعتقاد أن نزول المطر بنجم كذا.

( والنياحة ) أي: رفع الصوت بندب الميت، وتعديد شمائله.

فالأربع: محرَّمات، ومع ذلك لا تتركها هذه الأمة، أي: أكثرهم مع العلم بتحريمها.

” التيسير بشرح الجامع الصغير ” ( 1 / 273 ).

فأعيدي النظر في طريقة تعاملك مع الناس، ولا يحل لك ازدراء أحد من الناس ، وما أنتِ فيه من نعمة من انتسابك لأهل البيت ليس لك فيه كسب ، وإن بقيتِ على حالك هذه : صارت تلك النعمة نقمة ، وخسرتِ أشياء كثيرة ، فتضيع عليك حسناتك ، وتأخذين سيئات غيرك ، وهذا هو عين الإفلاس .

وليكن قدوتك سيد آل البيت جميعًا، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف كان يعامل الكبار، وكيف كان رحيمًا بالصغار، وكيف كان يصبر على الأعراب، ويقدِّم العجمي – كسلمان الفارسي لدينه – وليس في منهج حياته اعتبار لنسبه في تعامله مع الآخرين، وهذه حياته بين يديك، قلبي صفحاتها، وتأملي معانيها، واستغرقي في أحوالها: فلن تجدي حرفاً منها يماثل، ولا يقارب ما أنت عليه من حال.

ونسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر أمرك، ويهدي قلبك.

 

والله أعلم.

حكم تحميل الكتب غير المجانية من المواقع عن طريق برامج الاختراق وغيرها

حكم تحميل الكتب غير المجانية من المواقع عن طريق برامج الاختراق وغيرها

السؤال:

أرجو منك توضيح حكم تحميل بعض الكتب الإلكترونية ( غير المجانية ) من برامج المشاركة – أو ما يسمَّى بـ Peer-to-Peer ” -؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

الكتب التي تعرضها المواقع الإلكترونية منها ما يتمكن الزائر من تحميل تلك الكتب – أو بعضها – لجهازه، ومنها ما يكون للتصفح – كاملًا أو لأجزاء منه – ولا يستطيع تنزيل الكتاب.

 

والكتب التي يُسمح بتنزيلها: لا إشكال في حكمها، ولا سؤال عنها أصلًا، وأما التي يمنع أصحاب الموقع من تنزيلها: فإن الأصل هو المنع من تنزيلها؛ وذلك لأن لأصحابها حقوقًا تضيع عليهم بذلك التنزيل غير مدفوع الثمن.

 

والطريقة التي وردت في السؤال – (Peer-to-Peer) وتعني: الاتصال الندِّي المباشر- هي ما يسلكه ” المخترقون ” للمواقع التي تعرض مواد محفوظة الحقوق لأهلها، فيتمكنون من خلالها من الاستيلاء على تلك المواد، ولا يخفى أن كثيرًا من تلك المواد محرَّم أصلًا، ولو بالمجان، كالأغاني، والأفلام، وإنما كلامنا هنا عن المباح منها، كالكتب العلمية، أو الشرعي منها، كالكتب الإسلامية.

 

وقد صدرت الفتاوى المتنوعة من علماء اللجنة الدائمة، ومن المجامع الفقهية، باحترام تلك الحقوق المحفوظة لأصحابها، والمنع من الاستيلاء عليها من غير رضا أصحابها، وقد سبق أن ذكرنا هذه المسألة، ونقلنا تلك الفتاوى وغيرها في موقعنا هذا، فانظرها.

 

والله أعلم.

توفي والدهنَّ ولم يعطهنَّ أشقاؤهنَّ نصيبهنَّ من ميراث المحلات

توفي والدهنَّ ولم يعطهنَّ أشقاؤهنَّ نصيبهنَّ من ميراث المحلات

السؤال:

السؤال عن مسألة إرث، نحن سبع بنات، وستة صبيان، والدنا يملك محلَّين، المهم: أن الأب قبل وفاته لم يعترف بأن البنات لهنَّ نصيب في الإرث إلا الخمس في نصيب الأب، والصبيان والأم كلهم مشتركون في الخمس !!، مع العلم أن الصبيان لهم كل شيء، من أرباح، وغير ذلك، والأب توفي منذ 15 عامًا، ولم تأخذ البنات شيئًا من الإرث؛ لأن الصبيان أخذوا كل شيء لهم ولأولادهم، وأيضا أخذوا قروضًا من البنوك، ومن التجار أيضًا, ولم يسددوها، وعندما طلبنا – نحن البنات – ميراثنا قالوا: إن المحلات عليها ديون، وليس لكم حقوق بسبب الديون، على الرغم من أنهم ينفقون ببذخ شديد، هم وأولادهم، ولم يسددوا أية ديون.

السؤال هو:

هل من المعقول أن البنات لا تأخذ شيئًا من ميراثهم من المحلات، سواء بيعت هذه المحلات أو أجّرت؟ وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لم يختلف أهل العلم في مسألتكم هذه، فنصيبكن من ميراث والدكم: للذَّكَر مثل حظ الأنثيين؛ لقول تعالى ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) النساء/ من الآية 11، وترث أمُّكنَّ من الميراث: الثمُن؛ لقوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) النساء/ من الآية 12.

فالواجب على من تولى قسمة ميراثكم أن يُعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، وما أُخذ من نصيبكم فهو سحت على آكله، ويجب عليه التوبة، وإرجاع الحق لأهله.

ولم يكن لوالدكنَّ أن يغيِّر في نصيبكن من الميراث، والخمس ليس نصابًا مفروضًا لأحد من الورثة، لا في قضيتكنَّ، ولا في غيرها، وليس لأحدٍ كائنًا من كان أن يغير من نصيب الورثة شيئًا، فيسلب من المستحق، ويزيد على هواه لمن يشاء، ولو كان كلامه وصية: فوصيته باطلة من جهتين: الأولى: أنها وصية لوارث، وهي محرمة، والثانية: أن فيها سلبًا لحقوقكن التي شرعها لكنَّ رب العالمين، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذين الأمرين في حديث واحد، فعن أبي أُمَامَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ) رواه الترمذي ( 2121 ) وأبو داود ( 2870 ) والنسائي ( 3641 ) وابن ماجه ( 2713 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

ثانيًا:

والورثة الشرعيون – ذكورًا وإناثًا – يرثون كل ما تركه مورِّثُهم، من مال، أو أعيان، أو متاع، قلَّ، أو كثر؛ لقوله تعالى ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضاً ) النساء/ 7.

ونصيبكنَّ في المحلات التي تركها والدكنَّ لا يختلف عن نصيبكنَّ في المال الذي خلَّفه وراءه، ويجب إشراككنَّ في ملكية تلك المحلات بحسب نصيبكنَّ، كما هو الحال بالنسبة لوالدتكنَّ، وأشقائكنَّ، فإذا بيعت المحلات: أخذتنَّ من ثمنها نصيبكنَّ المحدد، وإذا أُجِّرت: أخذتنَّ من إيجارها بقدر نصيبكنَّ الشرعي.

ومن أراد أن يشتري حصتكنَّ من أشقائكنَّ: فله ذلك، فيقدَّر قيمة النصيب المراد بيعه، ويباع على من يرغب بالشراء، وليس للورثة أن يُلزموا شقيقاتهم بالبقاء شركاء في المحلات، وصاحب النصيب حرُّ التصرف في البقاء، أو البيع.

والديون التي ترتبت على المحلات بعد الوفاة إنما هي على من تولى إدارتها إن كانوا قد اغتصبوا حقكنَّ فيها، وهي ديونٌ مشتركة على جميع الورثة إن كنَّ رضين ببقاء أشقائهنَّ يعملون فيها، إلا أن يقع تفريط منهم، فعليهم وحدهم تحمل ذلك، وإن كانت الديون على المحلات قد ترتبت عليها قبل وفاة والدكم: فتسدَّد من المحلات نفسها، قبل تقسيمها على الورثة؛ لما قاله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) النساء/ من الآية 11، فقضاء الديون، والوصية يقدمان على تقسيم الميراث.

هذا هو حقكم الذي كفله لكم الشرع المطهَّر، وما قاله والدكنَّ، وما فعله أشقاؤكنَّ: ليس من الشرع في شيء، فلكنَّ المطالبة بحقكنَّ من الجهات الشرعية، وهي تحصِّل لكنَّ حقوقكنَّ.

ويجب عليكنَّ نصح أشقائكنَّ بالتوبة من أخذهم القروض الربوية، كما تنصحونهم بتقوى الله وتذكرونهم باليوم الآخر، ووجوب إعطاءكن حقوقكن، وليكن هذا قبل رفع الأمر للجهات الشرعية التي تضع الأمور في نصابها، وتحصل لكن حقوقكن، فلعلهم أن يتوبوا ويُرجعوا الحقوق من غير حاجة لرفع قضية، وكما ننصحكم أيضًا بتوسيط أهل الخير بينكن وبين أشقائكم لإرجاع الحق لأهله، فإن لم يستجيبوا لهذا ولا ذاك: فأنتم معذورون برفع قضية عليهم لاسترجاع حقكن المسلوب.

 

والله أعلم.

 

كلمات في زواج الصغيرة، والدخول بها، عند أهل السنَّة

كلمات في زواج الصغيرة، والدخول بها، عند أهل السنَّة

السؤال:

سألتني فتاة نصرانية عن ” التمتع بالصغيرة ” على أنه نقطة سوداء تبين بشاعة الإسلام، وبحثت عن الموضوع فلم أفهم، هل هذا موجود عند أهل السنَّة، أم هو موجود فقط عند الرافضة؟ وأرجو منكم جوابًا شافيًا يدحض هذا الاتهام وإن كان موجودًا في زمن سابق، ما الفتوى الأخيرة بصدده في زماننا، فلا أتصور نفسي أقوم باستغلال بنت صغيرة جنسيًّا على أنه حلال.

 

الجواب:

الحمد لله

ثمة أمران يتعلقان بهذه المسألة عند أهل السنَّة، خلط بينهما الروافض، وأعداء الإسلام، فجعلوهما أمرًا واحدًا، وهما: الزواج بالصغيرة، والدخول بها.

* أما المسألة الأولى:

وهي الزواج بالصغيرة: فإن عامَّة العلماء على جواز هذا الأمر، وأنه ليس ثمة سن معينة في الشرع تُنكح الأنثى فيها، وأنه لا يحل الزواج بها قبله، بل حتى لو كانت ابنة يوم فإنه يجوز التزوج بها، وقد دلَّ على ذلك: كتاب الله تعالى، وسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعال الصحابة، مع الإجماع من العلماء، والذي لم يخالف فيه إلا واحد من أهل العلم، ومثله لا ينقض الإجماع.

  1. قال تعالى: ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) الطلاق/ من الآية 4.

وهذه الآية واضحة الدلالة على ما نحن في صدده، وفيها بيان عدة المطلَّقة إذا كانت صغيرة لم تَحض، ولا يكون ذِكرٌ لعدَّة طلاق على عقد زواج فاسد!.

* قال البغوي – رحمه الله -:

( وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ ) يعني: الصغار اللائي لم يحضن، فعدتهن أيضًا: ثلاثة أشهر.

” تفسير البغوي ” ( 8 / 152 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

عدة التي لا حيضَ لها، وهى نوعان: صغيرة لا تحيض، وكَبِيرة قد يئست من الحيض، فبيَّن اللهُ سبحانَه عِدَّة النوعين بقوله: ( واللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهر وَاللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ ) الطلاق/ 4، أي: فعدتهن كذلك. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 595 ).

 

 

 

  1. وأما السنَّة:

فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع ومكثت عنده تسعًا. رواه البخاري (4840) ومسلم ( 1422 ).

وهذه الصغيرة يزوجها أبوها، لا غيره من الأولياء، على الصحيح من أقوال العلماء، ولا تملك الخيار إذا بلغت.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

المرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا بإذنها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كرهت ذلك: لم تُجبر على النكاح، إلا الصغيرة البكر، فإن أباها يزوجها ولا إذن لها. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 39 ).

  1. وأما أفعال الصحابة:

فقد زوَّج الزبير بن العوام ابنته لـ ” قدامة بن مظعون ” حين نفست بها أمها، كما رواه سعيد بن منصور ( 1 / 175 ) وابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 4 / 345) عن هشام بن عروة عن أبيه.

  1. وأما الإجماع:

* فقد قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

أجمع العلماء على أن للأب أن يزوِّج ابنته الصغيرة، ولا يشاورها، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّج عائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة بنت ست سنين، أو سبع سنين، أنكحه إياها أبوها.

” الاستذكار ” ( 16 / 49، 50 ).

* وقال ابن حجر – رحمه الله -:

والبكر الصغيرة يزوِّجها أبوها اتفاقًا، إلا من شذ. ” فتح الباري ” ( 9 / 239 ).

* وأما المسألة الثانية:

وهي الدخول بالصغيرة، وهذا الأمر لا يلزم من العقد، فإنه من المعلوم أنه قد تُنكح الكبيرة ولا يلزم من نكاحها الدخول، وأوضح بيان في هذا أنه قد يحصل طلاق بعد العقد وقبل الدخول، وأنه ثمة أحكام لهذه الصورة – وهي تشمل بعمومها: الصغيرة – من إلزامه بنصف المهر إذا سمِّي، وعدم ترتب عدة عليها، وفي الأولى قال تعالى: ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ) البقرة/ من الآية 237، وفي الثانية قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) الأحزاب/ 49.

وعليه: فالصغيرة التي تنكح لا تسلَّم لزوجها حتى تكون مؤهلة للوطء، ولا يشترط البلوغ، بل القدرة على تحمل الوطء، ولو حصل دخول عليها، ثم طلقت: فتكون عدتها ثلاثة أشهر، كما سبق بيانه.

وهذه كلمات العلماء في ذلك، وهي ترد على من زعم أنه يمكن للزوج الاستمتاع، أو الدخول بها.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما وقت زفاف الصغيرة المزوَّجة والدخول بها: فإن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة: عُمل به، وإن اختلفا: فقال أحمد وأبو عبيد: تجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهن، ولا يضبط بسنٍّ، وهذا هو الصحيح، وليس في حديث عائشة تحديد، ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيمن لم تطقه وقد بلغت تسعًا، قال الداودي: وكانت عائشة قد شبَّت شبابًا حسنًا رضي الله عنها.  ”  شرح مسلم ” ( 9 / 206 ).

 

– وانظر في الرد على الرافضة في إباحتهم زواج المتعة في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.