الرئيسية بلوق الصفحة 85

يعمل في مكان غير طاهر فهل يمسح قدميه ويصلي جالسًا؟!

يعمل في مكان غير طاهر فهل يمسح قدميه ويصلي جالسًا؟!

السؤال:

أعمل في مكان غير طاهر مع غير المسلمين، ولا يوجد مكان للصلاة بالشكل الصحيح، أو الوضوء، كغسل القدمين – مثلًا -، فهل يجوز الصلاة جالسًا، والمسح على القدمين؟ علمًا أني حاولتُ ذلك لكن تمت العملية بدون الخشوع أو حتى اللذة الإيمانية المرجوة، الأمر الذي أشعر به حين أصلي في البيت، أو المسجد!.

وما سبب فتور الرغبة في الصلاة حين أكون في البيت؟ وهل لزوجتي الحق في حثي على الصلاة؟.

 

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز لك أن تعرِّف نفسك أنك تسكن في ” إسرائيل “! فهو كيان مغتَصِب، وهي أرض احتلها بالقوة، وكان الأجدر أن تقول ” فلسطين “.

ثانيا:

وبناء على ما سبق التنبيه عليه نقول: إن المكان الذي تعمل فيه إن كان يعود ليهودي: فلا يجوز العمل عنده؛ لأن الأرض التي هي مكان العمل أرض مغتصبة، وقد ذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها! وهو وإن كان غير راجح فإنما نذكره لأن العمل في هذه الأرض من باب أولى أن يكون ممنوعًا، وهذا الحكم عام في كل أرض أو محل يُغتصب من صاحبه، وفي أي بقعة على وجه الأرض، وأما إن كان مكان العمل لا يعود ليهودي: فلا حرج من العمل فيه، ولو وجد في أرض يسيطر عليها اليهود الأنجاس.

واعلم أنه ينبغي أن يكون العمل مباحًا، فاحذر أشد الحذر من الكسب المحرَّم من عملٍ محرَّم، وإنما دعانا لقول هذا: ما ذكرتَه من كون المكان غير طاهر، وإذا كنتَ تعمل في مطعم: فاحذر من طبخ الخنزير، أو الميتة، أو أن يكون المطعم يقدِّم الخمور.

ثالثًا:

ولا يحل لمسلم أن يتيمم مع وجود الماء المقدور على استعماله، ولا أن يمسح على قدميه مع قدرته على غسلهما.

وعليك أخي السائل أن تحتاط لوضوئك، وأن لا تفرِّط فيه، ويمكنك الوضوء قبل مجيئك للعمل، كما يمكنك مغادرة العمل من أجل الوضوء، والصلاة، والمهم: أن عليك بذل الأسباب التي تتمكن من خلالها من القيام بالوضوء.

 

* وإذا كان الأمر يتعلق بغسل الرجلين فقط: فإننا نفيدك بحلَّين شرعيين:

  1. المسح على الجوارب، ويكون ذلك بتوضئك وضوء كاملًا في بيتك، ثم تلبس الجوربين على تلك الطهارة، ولك أن تمسح عليهما يومًا وليلة، وهكذا تصنع كل يوم.
  2. غسل الرجلين غسلًا خفيفًا، وهو ما يُطلق عليه ” الإسالة ” وهو معنى المسح على قراءة الجر في لفظة ( وَأَرْجلكُم ) الواردة في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/ من الآية 6 .

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنَّة؛ فإن المسح جنس تحته نوعان: الإسالة وغير الإسالة، كما تقول العرب: ” تمسحت للصلاة “، فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خص أحد النوعين باسم الغسل فقد يخص النوع الآخر باسم المسح، فالمسح يقال على المسح العام الذي يندرج فيه الغسل ويقال على الخاص الذي لا يندرج فيه الغسل. ” منهاج السنة ” ( 4 / 172 ).

* وقال:

وفي ذِكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل فإن السرف يعتاد فيهما كثيرًا. ” منهاج السنة ” ( 4 / 174 ) .

فأصبحت الحلول المتوفرة لديك كثيرة، وهو ما يقطع عذرك في عدم الوضوء، أو عدم غسل الرجلين، فكن على تنبه مما ذكرناه آنفًا.

رابعًا:

ولا يجوز لك صلاة الفريضة جالسًا مع قدرتك على القيام؛ فإن القيام من أركان الصلاة المتفق عليها بين أهل العلم، وصلاتك جالسًا مع تلك القدرة: يجعل صلاتك باطلة.

وعليك الاهتمام بصلاتك أعظم من اهتمامك بعملك وباقي شئون دنياك؛ فإن الدنيا لا تغني عن الآخرة شيئًا، ولا بدَّ لك من العمل على الأسباب التي تمكنُّك من الصلاة قائمًا، ومن الصلاة على بقعة طاهرة؛ لأن هذا أيضًا من شروط صحة الصلاة، وإذا لم يوجد مكان طاهر في مكان عملك: فاخرج لغيره من الأماكن الطاهرة، ولا تفرِّط في أحكام الصلاة؛ فقد أمرك الله تعالى بإقامتها، ومن إقامتها: القيام بأركانها، وشروطها، وواجباتها.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

لقد شرع الله سبحانه وتعالى الطهارة لكل صلاة؛ فإن رفع الحدث، وإزالة النجاسة – سواء كانت في البدن، أو الثوب، أو المكان المصلَّى فيه -: شرطان من شروط الصلاة. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 235 ).

 

خامسًا:

ومن عادة البيوت أنها بيئة الغفلة، والانشغال بالأهل والأولاد، ومتطلبات الحياة، لذا فإن من يصلي في بيته يشعر بالفرق الكبير العظيم بينه وبين الصلاة في بيت من بيوت الله، وإنه ليجد من النشاط في المسجد ما لا يجده في البيت، ومن أسباب ذلك غالبًا:

  1. الصلاة في المسجد جماعة، الصلاة منفرداً في البيت.
  2. سماع القرآن من غيره في المسجد، والسماع أبلغ من القراءة في التأثر.
  3. عدم وجود ملهيات البيت في المسجد، من أهل، وأولاد، وضوضاء.
  4. ولا شك أن من يكون في ضيافة الله تعالى في بيته، ليس حاله كمن ليس كذلك.

سادسًا:

ومن واجب زوجتك حثك على إقامة الصلاة، وأدائها في وقتها، وجماعة في المسجد، ومن حقها عليك: تذكيرها بالواجبات الشرعية التي أمرها الله تعالى بها، وعلى رأسها الصلاة، وقد أثنى نبينا صلى الله عليه وسلم على من توقظ زوجها لصلاة الليل، فكيف يكون الثناء لو كان ذلك حثّاً على صلاة الفرض؟!.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ).

رواه أبو داود ( 1308 ) والنسائي ( 1610 ) وابن ماجه ( 1336 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال شمس الحق العظيم آبادي – رحمه الله -:

والمراد: التلطف معها، والسعي في قيامها لطاعة ربها، مهما أمكن، قال تعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى )، وقال ابن الملِك: وهذا يدل على أن إكراه أحدٍ على الخير يجوز، بل يُستحب. ” عون المعبود ” ( 4 / 135، 136 ).

وأخيرا:

نشكر لك اهتمامك بالصلاة عمود الدين، وحرصك على معرفة أحكامها، وحرصك على أدائها كما شرعها الله تعالى، ونوصيك خيرًا بها، وأن تظل على صلة بربك بصلاتك خاصة، وعموم طاعتك، واشكر لزوجتك حرصها على دينك، وعلى عدم التسبب بسخط الله، فمثل هذا الفعل منها يدل على قوة دين، ورجاحة عقل.

 

والله أعلم.

طلَّق زوجته وأساءت في تربية ابنه فكيف يتصرف وهو يعيش في دولة غير مسلمة؟

طلَّق زوجته وأساءت في تربية ابنه فكيف يتصرف وهو يعيش في دولة غير مسلمة؟

السؤال:

أعيش في الولايات المتحدة منذ خمس سنوات، حيث تزوجت بامرأة أمريكية مسلمة – لكن تصرفاتها لا تدل على ذلك -، منذ عشر سنوات، ولديَّ منها ولد، بالإضافة إلى ولدها من الزوج الأول، وقد طلقتها منذ سنتين بعد إصرار منها، رغم عدة محاولات من جهتي أن أبقي على رباط الزوجية بيننا إلا أنها لم ترغب في ذلك، بعد الطلاق تدهورت حالتها المعيشية، ولم يعد لديها عمل، وبالتالي: أثَّر ذلك على ولدي الذي لم يعد يتغذى الغذاء الصحيح، كما أنه بدء يتأثر بأخيه لأمه تأثرًا سلبيًّا، فأصبح يتلفظ بألفاظ بذيئة، كما أنها أيضا لم تهتم بتربيته وتنشئته تنشئة دينية، فطلبتُ منها أن تأخذ أي شيء، وأن تسمح للولد أن يبقى معي يومين في الأسبوع، ولكنها رفضت ذلك، وقالت: يومان كل أسبوعين كافٍ لرؤيته، فاضطررنا إلى أن نذهب إلى المحكمة، هناك في المحكمة صدر الحكم بأنه يتوجب عليها أن تغادر البيت الذي كنا نعيش فيه، والذي هو من ممتلكاتي، كما أنهم حكموا بأن لي الحق أن يمكث الولد معي يومين في الأسبوع، بالإضافة إلى غرامة مالية فُرضت عليها، ولكنها لم تلتزم بأي شيء من هذا، فما رأي الإسلام في ذلك؟ وما هي نوع العلاقة التي تظل بين الرجل والمرأة بعد الطلاق؟ وما مصير الولد من وجهة نظر شرعية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة، فانظر تلك الأجوبة داخل الموقع.

وهذه القضية شرعية بحتة – ومثلها الطلاق والزواج والعدة – ومع ذلك فها أنتم تتحاكمون إلى المحاكم الكافرة، وفق قوانين وضعية، وهذا من أعظم مفاسد إقامتكم في تلك الديار.

ثانيًا:

والزوج الذي يطلِّق زوجته إما أن يكون الطلاق رجعيًّا، أو بائنًا، فإن كان رجعيًّا – وهو ما يملك الزوج فيه إرجاع زوجته لعصمته -: فالعلاقة بينهما علاقة زواج كاملة، إلا أنه يُمنع من جماعها إلا أن يقصد به إرجاعها لعصمته، وفي حال الطلاق الرجعي فإنه لا يجوز للزوج أن يُخرج زوجته من بيت الزوجية، ولا يجوز لها أن تخرج، ويجوز أن يراها، وتراه، ولو متزينة، بل من مقصود عدم خروجها وإخراجها هو أن يحدث رغبة في الرجعة، وإصلاح الأمر بينهما.

قال تعالى في بيان الطلاق الذي تُِرجع فيه الزوجة: ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) البقرة/ من الآية 229، وقال تعالى في بيان حق الزوج في إرجاعها في العدة: ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ) البقرة/ من الآية 228، وقال تعالى في بيان المنع من إخراج الزوجة وخروجها في الطلاق الرجعي: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) الطلاق/ 1.

وأما إن كان الطلاق بائنًا – وهو ما لا يملك فيه الزوج إرجاع زوجته، وهي حالتك هنا -: فإنها تكون أجنبية عنه بمجرد تطليقها، ولا يحل له أن يراها، ولا أن يختلي بها، وتُعامل معاملة الأجنبيات، وإن كان بينهما ولد، أو أمر يحتاجان معه للكلام: فيُلتزم بالضوابط الشرعية لذلك، من عدم الخضوع في الكلام، وعدم الخلوة، وغير ذلك مما فيه إغلاق الباب على الشيطان أن يوقعهما فيما حرَّم الله.

ثالثًا:

والأصل في الحضانة بعد الطلاق: أن تكون مع من يُحسن تربية أولاده، ويدلهم على الخير لدينهم ودنياهم، ومن يفرِّط في ذلك من أحد الأبوين: فلا حضانة له، وهذا – للأسف – غير معمول به في دول الإسلام، فأنَّى أن يكون له اعتبار في دول الكفر والإلحاد؟!.

فعليك أن تحاول ضم ابنك لك بما تستطيعه من وسائل شرعية، فإن عجزت: فعليك استثمار اليومين اللذين تلتقي فيهما بابنك لتعلمه الصلاة، وتربيه على حسن الخلق، وإذا لم تستجب الزوجة السابقة للحكم الصادر في حقها: فعليك متابعة الأمر مع الجهات المسئولة عن التنفيذ القضائي، ولعلك تثبت لهم تفريطها في رعاية ابنك، وعدم قدرتها على تربيته، والعناية به؛ ليئول إليك، وإلى حضانتك.

 

والله أعلم.

يعترض على ترجيحنا جواز التصويت في الانتخابات مع قولنا بمضادة الديمقراطية للإسلام!

يعترض على ترجيحنا جواز التصويت في الانتخابات مع قولنا بمضادة الديمقراطية للإسلام

السؤال:

قلتم في إحدى الفتاوى أن تحكيم غير شرع الله كفر أكبر، ومن تحاكم إلى غير شريعة الله فقد كفر، ثم  أجد في فتوى أخرى  أن الذهاب إلى الاقتراع أمر جائز، وهذه فتوى الشيخ ابن عثيمين، وغيره من العلماء، مع أن مثل هذه العملية تبنى على الديمقراطية، والديمقراطية تحكيم لغير شرع الله، وهذا ما قرره الشيخ الغنيمان ( لسماع فتوى الشيخ الغنيمان اتبع الرابط الموجود في الأعلى ) فما الحكم الصحيح في مسألة الترشيح والانتخاب؟ أرجو التوضيح.

وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لا تعارض – بتوفيق الله – بين ما نقلناه في تعريف الديمقراطية، وبيان حكمها، وبين نقلنا لفتوى الشيخ العثيمين رحمه الله، وآخرين، في بيان حكم الترشح والترشيح في الانتخابات؛ وذلك لأن علماءنا لم يقل واحد منهم بجواز العمل بنظام الديمقراطية، تشريعًا، أو تنفيذًا، فلم يفتوا لأحدٍ بأن يكون قاضيًا يحكم بين الناس في الدماء، والأموال، والأعراض، بالقوانين الوضعية، ولم يفتوا بجواز تشريع ما يخالف شرع الله تعالى، وإنما كانت فتاواهم في الدخول في مجالس يمكن للداخل فيها أن يخفف من الشر الموجود، أو يمنع ما يمكنه منعه مما فيه مخالفة لشرع الله تعالى، بل ذهبت فتاواهم لأبعد من هذا، فأفتى بعضهم بجواز انتخاب الكافر إن كان أقلَّ شرًّا من غيره، إن كان لأصواتهم تأثير في الانتخابات، وهذا كله لا يتناقض مع القول بأن الديمقراطية مضادة للدين، وأن الحكم لا يكون إلا لله وحده.

* وهذا بيان تفصيل ما سبق:

  1. 1. في جواب سؤال سابق قلنا: ” الديمقراطية نظام أرضي، يعني حكم الشعب للشعب، وهو بذلك مخالف للإسلام، فالحكم لله العلي الكبير، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائنًا من كان “.

وفيه:

” من علِم حال النظام الديمقراطي وحكمه ثم رشح نفسه، أو رشح غيره مقرًّا لهذا النظام، عاملًا به: فهو على خطر عظيم، إذ النظام الديمقراطي منافٍ للإسلام، وإقراره والعمل به من موجبات الردة والخروج عن الإسلام.

وأما من رشح نفسه أو رشح غيره في ظل هذا النظام، حتى يدخل ذلك المجلس وينكر على أهله، ويقيم الحجة عليهم، ويقلل من الشر والفساد بقدر ما يستطيع، وحتى لا يخلو الجو لأهل الفساد والإلحاد يعيثون في الأرض فسادًا، ويفسدون دنيا الناس ودينهم، فهذا محل اجتهاد، حسب المصلحة المتوقعة من ذلك، بل يرى بعض العلماء أن الدخول في هذه الانتخابات واجبة”.

  1. 2. وفي جواب آخر بينا أن المجالس النيابية قد أُفقدت عملها في جانب محاسبة المقصرين، ومنع الفساد، ومثل هذه لم نجوز دخولها؛ لعدم تأثير ذلك في واقع الأمر، وأنه إن وُجد في بعض البلدان لتلك المجالس أثر طيب في منع شر، أو إيقاف فساد، أو محاسبة تقصير: فإنه لا بأس بدخول من يرى في نفسه قدرة على التغيير، وقد اشترطنا في الجواب أن يكون هذا الداخل من أهل الخير من أهل العلم والخبرة.
  2. 3. وفي جواب آخر بينَّا: أن المصلحة الشرعية تقتضي أحيانًا التصويت من باب تخفيف الشر، وتقليل الضرر، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من الآخر، وكان تصويت المسلمين مؤثرًا في الاقتراع، وأنه لا بأس بالتصويت له في مثل هذه الحال.
  3. 4. وفي جواب آخر نقلنا قرار ” مجلس المجمع الفقهي الإسلامي “ التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، في موضوع ” مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية “، ونقلنا قولهم بجواز الترشح والترشيح للمسلمين المقيمين في دول الكفر مما تكون مشاركتهم في الانتخابات النيابية تعود بمصالح على المسلمين، وتدرأ عنهم مفاسد، وأن الفتوى في ذلك تختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، وكل ذلك مشروط بألا يترتب على مشاركة المسلم في هذه الانتخابات ما يؤدي إلى تفريطه في دينه.

هذا مجمل ما ذكرناه في موقعنا هذا من فتاوى، وأحكام، وهي – كما ترى – لا يخالف بعضها بعضها، فالحكم لله العلي القدير، ولا يجوز لأحدٍ أن يشرِّع ذِكرًا للناس، ووردًا، فكيف نجوِّز تشريع قوانين تحكم على الناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؟! وبينَّا أن ذم الديمقراطية إنما هو لذاتها، وأما الحكم بجواز الترشح، والترشيح، للانتخابات النيابية: إنما يرجع للمصلحة التي يستفيد منها المسلمون، مع تسليمنا بوجود خلاف بين أهل العلم في هذه المسائل، وأننا نعلم بوجود من يخالف من أهل العلم في ذلك، فيمنع من مشاركة المسلم مطلقًا ترشحًا، وترشيحًا، ومنهم من يمنع ترشحه للانتخابات، ولا يمنع ترشيحه! وما ذكرناه في موقعنا هو ما ارتضيناه راجحًا.

 

والله أعلم.

كيف يتصرف مع أهله الذين يحتفلون بالمولد النبوي ويلمزونه لعدم مشاركته معهم؟

كيف يتصرف مع أهله الذين يحتفلون بالمولد النبوي ويلمزونه لعدم مشاركته معهم؟

السؤال:

أنا لا أحتفل بالمولد النبوي، على خلاف بقية الأسرة الذين يحتفلون بذلك، ويقولون: إن إسلامي إسلام جديد، وأنني لا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، فهل من نصيحة في ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد أحسنت غاية الإحسان في تركك الاحتفال بما هو بدعة وضلالة في الدِّين، ولا تلتفت لمن يطعن باتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم، ويلمزك باستقامتك على هدي الإسلام؛ فما من رسول أرسله الله تعالى لقومه إلا سخروا منه، وطعنوا في عقله، ودينه، كما قال تعالى: ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) الذاريات/ 52، وهكذا أخبرنا ربنا تعالى عن حال المؤمنين مع الكفار أنهم لا يسلمون من همزهم، ولمزهم، وطعنهم، كما قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ . فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )  المطففين/ 29 – 36.

ثانيا:

والنصيحة لك: بأن تُعرض عن مناقشتهم، ومجادلتهم، إلا أن ترى منهم عاقلا يسمع، ويستفيد، فيمكنك أن تنتقي أمثال هؤلاء لتوقفهم على حقيقة المولد، وحكمه، وأدلة نقضه، وتبين لهم فضل الاتباع، وشر الابتداع، وإذا رأيتَ مثل هؤلاء: فإليك ما ينفعك في الحوار معهم، والنصح لهم:

  1. لنبدأ مع هؤلاء من حيث انتهوا، وهو قولهم لك إن إسلامك إسلام جديد، فنقول: أيهما أقدم دينا وإسلاما: من احتفل بالمولد النبوي، أم من لم يحتفل؟ والجواب بلا شك عند كل عاقل منصف: أن من لم يحتفل هو أقدم إسلاما ودينا، فالصحابة رضي الله عنهم، والتابعون، وأتباع التابعين، ومن بعدهم إلى العصر العبيدي في مصر لم يحتفلوا بهذا المولد، وإنما كان هذا بعدهم، فمن هو صاحب الإسلام الجديد؟!.
  2. لنرى من يحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر، الصحابة رضي الله عنهم، أم من بعدهم من القرون المتأخرة؟ والجواب بلا شك عند عاقل ومنصف أن الصحابة أكثر، وأعظم حبّا للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل احتفلوا بميلاده أم تركوه؟! وكيف سيكون مثل هؤلاء باحتفالهم بميلاد النبي صلى الله وسلم منافسين للصحب الكرام في محبة نبيهم؟!.
  3. لنسأل: ما معنى محبة النبي صلى الله عليه وسلك؟ إنها عند كل عاقل ومنصف تعني: الاتباع لهديه، وسلوك طريقه صلى الله عليه وسلم، ولو أن هؤلاء المحتفلين التزموا هدي نبيهم، وسلكوا طريق الاتباع: لوسعهم ما وسع الصحابة المحبين، والمتبعين لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ولعلموا أن الخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلَف.

* قال القاضي عياض – رحمه الله -: في فصل في علامة محبته – صلى الله عليه وسلم -:

اعلم أن مَن أحب شيئا: آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبِّه، وكان مدعيّا، فالصادق في حبِّ النبي صلى الله عليه وسلم: مَن تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله، وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في عسره، ويسره، ومنشطه، ومكرهه، وشاهد هذا: قوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله )، وإيثار ما شرعه، وحض عليه على هوى نفسه، وموافقة شهوته، قال الله تعالى: ( والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) وإسخاط العباد في رضى الله تعالى ….

فمن اتصف بهذه الصفة: فهو كامل المحبة لله، ورسوله، ومن خالفها في بعض هذه الأمور: فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها.

” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 2 / 24 ، 25 ).

  1. لننظر في تاريخ ميلاده صلى الله عليه وسلم، هل يثبت فيه شيء؟ ومن ثم لننظر في المقابل هل ثبت تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم؟ إن الجواب عند كل عاقل ومنصف: أنه لم يثبت تاريخ ميلاده، وأنه قد ثبت باليقين تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم.

* وإذا نظرنا في كتب السيرة النبوية: سنجد أن كتَّاب السيرة يختلفون حول ميلاده صلى الله عليه وسلم إلى أقول هي كما يلي:

  1. يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
  2. ثامن ربيع الأول.
  3. عاشر ربيع الأول.
  4. ثاني عشر ربيع الأول.
  5. وقال الزبير بن بكار: ولد في رمضان.

ولو كان يترتب على ميلاده صلى الله عليه وسلم شيء لسأله عنه الصحابة رضي الله عنهم، أو لأخبرهم هو به صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك لم يكن.

* وأما وفاته: فلم يُختلف في أنها في الثاني عشر من ربيع أول منة السنة الحادية عشر للهجرة.

ثم لننظر بعدها متى يحتفل هؤلاء المبتدعة؟ إنهم يحتفلون في وقت وفاته لا ميلاده! وقد مشَّى عليهم العبيديون – الذين زوروا نسبهم وسموا أنفسهم ” فاطميون ” نسبة لفاطمة رضي الله عنها – الباطنية بدعتهم، وقبلوها بسذاجة بالغة، فقد كان أولئك القوم زنادقة، ملحدون، وقد أرادوا الفرح بوقت وفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فاخترعوا تلك المناسبة، وأقاموا لها الاحتفالات، وإنما أرادوا الإعراب عن فرحهم، فأوهموا السذَّج من المسلمين أن من وافقهم في هذه الاحتفالات فهو إنما يعبِّر عن محبته صلى الله عليه وسلم، وهكذا نجحوا في خبثهم ومكرهم، ونجحوا مع هؤلاء في تحريف معنى ” المحبة “، وجعلوه في قراءة قصائد المولد، وتوزيع الشعير! والحلويات، مع إقامة حلقات الرقص، والاختلاط بين الرجال والنساء، وما يصحف ذلك من معازف، وتبرج، وفجور، عدا عن التوسلات البدعية، والكلمات الشركية التي تقال في تلك المجالس والحلقات.

– وينظر كتاب الشيخ صالح الفوزان في نقض هذه البدعة تحت هذا الرابط:

http://www.islamqa.com/ar/ref/books/94

ثالثا:

اصبر – أخي السائل – على اتباعك لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يغرنك كثرة المخالفين، ونوصيك بطلب العلم، والحرص على نفع الناس، ولا تجعل مثل هذه الأفعال من أهلك سببا للفرقة بينك وبينهم، فهم يقلدون غيرهم ممن يفتي لهم بجواز هذه الاحتفالات، بل باستحبابها! فعليك التلطف معهم في الإنكار، والحرص على إظهار أحسن الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وأرهم أثر الاتباع على سلوكك، وعبادتك، ونسأل الله لك التوفيق.

 

والله أعلم.

هل يجوز الاستماع لأناشيد الرافضة؟

هل يجوز الاستماع لأناشيد الرافضة؟

السؤال:

ما حكم الاستماع إلى أناشيد الشيعة لمجرد أن أصواتهم جميلة، ومع العلم أنني لا أصدق شيئًا منها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

فالغالب على أناشيد القوم الاستغاثة بالأموات والغلو في آل البيت عليهم السلام، مع ما عندهم من فاسد مذهبهم في سب الصحابة الكرام وسلف الأمة رحمهم الله، ولما كان الأمر كذلك فلا يجوز لك الاستماع إلى أناشيدهم، خاصة وقد أغناك الله بغيرهم.

منعت الإدارة أناشيد الشيعة لما فيها من غلو لأهل البيت و تحقير للصحابة رضوان الله عليهم اجمعين.

الأناشيد التي تصدح بأصوات أهل السنَّة فيها كثير من المخالفات الشرعية، ولم يعُد الكثيرون من المنشدين يلتزمون بالضوابط الشرعية لإباحتها، فأنَّى أن يكون الاستماع لأناشيد الرافضة مباحًا ولا تخلو كلمات تلك الأناشيد مِن غلو في أهل البيت، ومِن طعن في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومِن تعظيم للقبور والأوثان؟!.

ومن المعلوم أنهم يختارون في إنشادهم إلى منشد – ” رادود ” – ذوي أصوات فاتنة؛ وذلك لجلب الناس إلى مجالس عزائهم، فيثبت الرافضي على دينه، ويزداد غلوًّا، وطعنًا في الصحابة رضي الله عنهم، وحقدًا على أهل السنَّة، كما أن تلك الأناشيد تستخدم في الدعاية لمذهبهم، وذلك بجلب قلوب الضعاف من أهل السنَّة لحضور مجالس عزائهم، واجتماعاتهم.

وعليه: فلا يجوز لمسلم يوحِّد الله تعالى أن يصغي بسمعه لأناشيد أولئك الروافض؛ لما فيها من مخالفات شرعية في ذات كلامهم، ولما فيها من الرضا بعقائدهم وضلالاتهم، ولما فيها من السكوت عن الإنكار عليهم ونصحهم ودعوتهم، وليست المسألة متعلقة بالأدوات الموسيقية التي قد تستعمل مع تلك الأناشيد، وإنما النهي والمنع بسبب ما في عقائدهم من انحراف، وما في كلامهم من مخالفات لشرع الله تعالى المطهَّر.

وهذه المجالس المنكرة الآثمة التي تقام من قبَل هؤلاء الروافض: الواجب إنكارها، وعدم تشجيعها، وعدم الاستماع لما فيها من شرك، وبدعة، وضلالة، واستماع الأناشيد التي تصدح منها مخالف لواجب الإنكار، ومخالف لتحريم تكثير سواد أهل البدعة، وهجر مجالسهم.

قال تعالى: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) النساء/ 140.

عن أبي سَعِيد الخُدْري قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ). رواه مسلم ( 49 ).

 

والله أعلم.

حكم العمل في ” هيئة المحلَّفين ” في محكمة غير شرعية في بلاد غير إسلامية

حكم العمل في ” هيئة المحلَّفين ” في محكمة غير شرعية في بلاد غير إسلامية

السؤال:

هل يجوز لشخص يعيش في بلاد غير مسلمة أن يعمل في ” الهيئة القضائية ” في إحدى المحاكم، وعلى وجه التحديد أن يكون عضوًا من أعضاء ” هيئة المحلفين “، وهم عبارة عن 12 شخصًا، يحددون ما إذا كان الشخص مذنبًا أم لا، بعد الاستماع إلى الدعاوى والردود …الخ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن الحكم على الشخص المدان، والمعروضة قضيته على هيئة المحكمة بكونه مذنبًا أو ليس بمذنب: يعدُّ حكمًا، وقضاءً، ومن شرط الحكم والقضاء أن يكون مبنيًّا على كتاب الله، وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان ذلك في الحكم على الكفَّار، أو فيما بينهم.

قال تعالى: ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) المائدة/ من الآية42.

وقال تعالى: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) المائدة/ 49.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ ) هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: ( فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ )، والصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم مخيَّر بين الحكم بينهم، وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق، وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم: فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله، من الكتاب، والسنَّة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ )، ودلَّ هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل، والقسط، وما خالف ذلك: فهو جور، وظلم.

” تفسير السعدي ” ( ص 234 ).

* وقال الإمام الطبري – رحمه الله -:

وأما قوله: ( إن الله يحب المقسطين ): فمعناه: إن الله يحب العادلين في حكمهم بين الناس، القاضين بينهم بحكم الله الذي أنزله في كتابه، وأمْرِه أنبياءَه صلوات الله عليهم.

” تفسير الطبري ” ( 10 / 335 ).

 

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز أن يعمل المسلم قاضيًا إلا في المحاكم الشرعية، التي تطبق شرع الله في جميع أحكامها. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 136 ، 137 ).

ولا يخفى على أحد أن مرجع الحكم على الناس في تلك البلاد، وفي كثير من البلاد الإسلامية – وللأسف – ليس هو الكتاب والسنَّة، وعليه فسيكون الانطلاق من الحكم على الناس – مسلمين وكفارًا – إنما هو القوانين الوضعية، والتي تضاد في تشريعاتها تشريعات رب العالمين، ولا لقاء ولا تقارب بين ما شرعه الله تعالى وحيًا من عنده، وبين كتبه أولئك بأيديهم تشريعًا للناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ليس لأحدٍ أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك، إلا بحكم الله، ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك: تناوله قوله تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )، وقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ). ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 35 / 407 ، 408 ).

 

* والخلاصة:

أنه لا يجوز لك العمل في هيئة المحلفين، بل ولا في أي قسم من أقسام المحاكم التي تحكم بين الناس بغير شرع الله تعالى.

 

والله أعلم.

هل يجوز شراء بيت عن طريق الدخول في قرعة مع دفع رسوم غير مستردة؟

هل يجوز شراء بيت عن طريق الدخول في قرعة مع دفع رسوم غير مستردة؟

 

السؤال:

هل يجوز امتلاك بيت بشرط أن يدفع الشخص مبلغاً مقدَّمًا، ورسومًا محددة للدخول فيما يشبه القرعة، ففي حال كانت القرعة من نصيب الشخص: فإنه يدفع بقية الفلوس المفترض أن يدفعها كقيمة لهذا البيت، أما في حالة أن القرعة لم تكن من نصيب الشخص: فإنهم يعيدون له المبلغ الذي دفع مقدَّمًا فقط، ولا يعيدون رسوم القرعة؟.

لم أُقدم على مثل هذه العملية؛ لأني شعرت أنها نوع من المقامرة، فهل شعوري هذا صحيح؟ أرجو تزويدي بالإجابة؛ لأن هناك كثيرًا من الأشخاص انخرطوا في مثل هذا العمل.

ولكم أن تراجعوا هذا الرابط في حال أردتم أن تتأكدوا من الشرط المذكور.

http://www.dhai.com.pk/dhahomes/bform.pdf

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن توقفك عن الاستمرار في تلك العملية هو الصواب، بل هو الواجب، ومما لا شك فيه أن الدخول في تلك القرعة بدفع الرسوم غير المستردة: هو دخول في عقد ” ميسر ” – مقامرة، ولمعرفة ضابط ” الميسر “: انظر هل يكون الدافع لهذا المال إما غانمًا أو غارمًا أو لا يكون إما غانمًا أو سالمًا؟ فإن كان الأول: فهو الميسر والمقامرة، وإن كان الثاني: فالمعاملة حلال جائزة، وبالنظر فيما ذكرته لنا يتبين أن الذي لا ترسو عليه القرعة يخسر – يغرم – ما دفعه من الرسوم، وهنا يكون غارمًا، وإن خرج اسمه في القرعة كان غانمًا – أي: في شراء البيت -، وبذا يتبين حرمة الدخول في هذه المعاملة، وأنه لا فرق بينها وبين صور المقامرة المشتهرة كمثل الدخول في العطاءات الحكومية، والخاصة، وذلك عن طريق دفع مبلغ من المال من كل متقدم، ثم يدخل في قرعة – إذا تساوى مع غيره في المواصفات والأسعار – وتضيع على من اشترك في العطاء ذلك المال المدفوع ، وغالبًا ما يؤخذ من الداخلين في العطاء مبالغ أكثر من قيمة دفتر الشروط والمواصفات الذي يُعطى لهم – مع أن طائفة من العلماء منعت من استيفاء حتى قيمة الدفتر -، ومن هنا فإن ” مجمع الفقه الإسلامي ” منع من استيفاء أكثر من ثمن ” دفتر الشروط ” الذي يحتوي على الشروط والمواصفات للعمل المراد القيام به، وقد ذكرنا نص القرار في جواب السؤال رقم: ( 2150 ) وفيه:

” لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول – قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية – لكونه ثمنًا له “. انتهى.

وقد سبق ذِكر قاعدة الغارم، والغانم، والسالم في أجوبة كثيرة، لصور متعددة من تحايل الناس على الشرع المطهَّر، فانظر أجوبتها في الموقع.

 

والله أعلم.

حكم مشاهدة الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية، وحكم سماع الأغاني

حكم مشاهدة الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية، وحكم سماع الأغاني

السؤال:

هل مشاهدة المسلسلات، والأفلام حرام أم حلال؟ وأيضا سماع الأغاني هل هو حرام أم حلال؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تعالى على المسلم أن يحفظ جوارحه عن فعل المحرمات، وهذا الحفظ لتلك الجوارح يدخل في شكر تلك النعَم الجليلة التي أنعم بها على عباده، وقد توعَّد الله تعالى مصرِّف تلك النعم في المعاصي بالوعيد الشديد، ومن أهم تلك الجوارح: سمعه، وبصره، وهما طريقاه إلى تلف قلبه، وفعل الفواحش المنكرة، والكبائر المُردية، وأعلمنا تعالى أنه سائلنا عن ذلك يوم نلقاه، قال تعالى: ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ) الإسراء/ 36.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك، فمن ليس له رأس مال: فكيف يطمع في الربح، وهذه الجوارح السبعة وهي: العين، والأذن، والفم، والفرج، واليد، والرِّجل: هي مراكب العطَب، والنجاة، فمنها عطبَ مَن عطبَ بإهمالها، وعدم حفظها، ونجا مَن نجا بحفظها، ومراعتها، فحِفْظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر، قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) النور/ 30.

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 80 ).

وفي الجمع بين غض البصر وحفظ الفرج ما يؤكد ما قلناه من أن البصر – ومعه السمع – طريقٌ يسلك بصاحبه لفعل الفاحشة، من زنا، ولواط، وسحاق، وعادة سيئة، وكان الجمع بينهما في سياق واحد غاية في البلاغة المنبهة على هذه الحكمة؛ ولذا فلا عجب إن علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّى نظر العين المحرَّم “زنى”! ومثله سمع الأذن المحرَّم.

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ).

وفي رواية لمسلم: ( فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ). رواه البخاري ( 6243 ) ومسلم ( 2657 ).

 

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم ( فزنى العين النظر )، فإطلاق اسم الزنى على نظر العين إلى ما لا يحلّ: دليل واضح على تحريمه، والتحذير منه، والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.

ومعلوم أن النظر سبب الزنى؛ فإنَّ مَن أكثر مِن النظر إلى جمال امرأة – مثلًا -: قد يتمكن بسببه حبّها من قلبه تمكّنًا يكون سبب هلاكه – والعياذ باللَّه -، فالنظر بريد الزنى.

* وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:

كــسبـت لــقلـبـي نظـرة لـتسرّه *** عـيني فكـانـت شقـــوة ووبـالا

ما مرّ بي شيء أشدّ من الهوى *** سبحان من خلق الهوى وتعالى

* وقال آخر:

ألـم تــرَ أن العيـن للقلـب رائد *** فـمـا تـألـف الـعينان فـالقلب آلف

* وقال آخر:

وأنـتَ إذا أرسلــتَ طرفــك رائـدًا *** لـقلبـك يومًـا أتعبتـك المناظر

رأيـت الـذي لا كلّـه أنـت قـادر *** عليـه ولا عـن بعضه أنت صابر

* وقال أبو الطيب المتنبي:

وأنـا الـذي اجتـلب المنيّـة طرفـه *** فمَـن المطالـب والقتيـل القاتــل

” أضواء البيان ” ( 5 / 510 ).

 

ثانيا:

ولا يشك عاقل أن ما يُشاهد في المسلسلات والأفلام والتمثيليات من تبرج النساء التبرج الفاضح، ومن ميوعتهن، وتكسرهن، ورقصهن، وغنائهن: أن ذلك كلَّه من أعظم المحرمات في دين الله تعالى، ومن أسهل الطرق لتربع الشيطان على قلب المشاهد ليسكن فيه ويفرِّخ، ومن ثمَّ يستلم زمام القيادة، ليوجهه وأعضاءه حيث يكون سخط الرب تعالى، وما ذكرناه من الأدلة السابقة ينطبق على هذه المشاهدات بلا ريب، وأعظم الفتنة حيث يكون النظر إلى الممثلات من الكافرات اللاتي لا يعرفن شرفًا، ولا دينًا.

* قال البخاري رحمه اللَّه:

وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن – البصري -: إن نساء العجم يكشفن صدرهن، ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن، يقول اللَّه عزّ وجلّ: ( قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ) قال قتادة: عمّا لا يحلّ لهم، ( وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ).

” صحيح البخاري ” ( 5 / 2299 ).

ولا ينبغي لأحدٍ أن يجادل في الآثار السيئة على المجتمعات عمومًا، وعلى الشباب والشابات خصوصا جرَّاء مشاهدتهم تلك الأفلام المسلسلات، حتى إن الممثل ليفتن المرأة المتزوجة فتتعلق به، وتهدم بيتها بيدها، وحتى إن الشباب ليتعلقون بالممثلات الجميلات فيتركون لأجل ذلك الزواج الحلال للبحث عن المتعة الحرام، أضف إلى ما في تلك المعروضات من إخلال بالعقيدة الإسلامية، وتعليم العنف، وتسهيل عمل الجريمة، والجرأة على شرب الخمور، وصحبة الأجنبيات، وغير ذلك من الآثار السيئة، والتي تزداد أكثر بقوة المعروض، وإتقان إخراجه.

 

ثالثا:

ومثل ما قلنا في المشاهَدات المحرمة نقول في المسموعات المحرَّمة، فالأغاني التي ملأت أسماع الشرفاء تؤذي قلوبهم بما فيها من منكرات، ودعوة لفعل الفواحش، من الغرام بالأجنبيات، ومواعدتهن، والتأوه على فراقهن، فلا تخلو أغنية – غالبًا – من كلمة ” الحب ” ومشتقاته، حتى جعل بعض كبارهم من مات بسبب الحب ” شهيدًا ” ! فغُرس في قلوب كثير من المستمعين قوله المأفون ” قد مات شهيدا يا ولدي من مات فداءًا للمحبوب ” !! والله المستعان.

 

وبما سبق يُعرف أن الحكم الشرعي لسماع الموسيقى، ورؤية الأفلام، والمسلسلات، التي تعرض في القنوات العامة والخاصة: أنه لا شك في حرمة عرضها، وحرمة مشاهدتها، واستماعها، وأن من يأذن بذلك ويرضى به داخل في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) النور/ 19، وفي قوله تعالى: ( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2.

 

والله أعلم.

والده قاطع والدته في الكلام والمعاملة فكيف يسعى في الإصلاح بينهما؟

والده قاطع والدته في الكلام والمعاملة فكيف يسعى في الإصلاح بينهما؟

السؤال:

أبي قاطع والدتي عن الكلام والتعامل، حتى إنه لا يكلمها البتة، ولا يتعامل معها، ولا يرد السلام عليها، حتى إنه أيضا ينام في غرفة مجاورة منذ ما يقارب الشهر ونصف، وتحديدًا ثاني أيام رمضان، لغاية الآن، علمًا أن والدي يبلغ من العمر قرابة 58 عاما، وهو من المدخنين، وقد قال لنا: إنه لا يريدها، وأنا وأخي نعرف أن والدتنا لا تكذب علينا، وأنه لا سبب من تعامله معها هكذا، حتى إنه أصبح لا يأكل معنا، ولا يجلس معنا، فهل حرام عليَّ أن أقاطعه؟ وماذا عليَّ فعله لإصلاح البيت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نشكر لك حرصك على إصلاح أحوال بيتك، والسؤال عن طريقة التوفيق بين والديك، فنسأل الله تعالى أن ييسر أمر الإصلاح بينهما، وأن يكتب الأجر لك على ذلك، ونسأله تعالى أن يهدي والديك لما يحب ويرضى.

ثانيا:

ولا شك أن الإصلاح بين المتخاصمِين من الأعمال الجليلة في الإسلام، حتى إن الله تعالى قد نصَّ على هذا العمل أنه من الأعمال الجليلة فقال تعالى: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء/ 114، كما نصَّ عليه تبارك وتعالى فيمن امتنع عنه بسبب يمين حلفه، فقال: ( وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) البقرة/ 224، كما أنه تعالى قد أمر به في قوله: ( فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ ) الأنفال/ 1.

وإذا كان الأمر كذلك في الإصلاح بين المتخاصمين من الناس الأباعد: فإن الإصلاح بين الأقارب أجل وأعظم، وأكثر أجرًا، وأعظم منه وأجل: الإصلاح بين الزوجين؛ لما يترتب على الإصلاح بينهما من عمار بيتهما، وحسن تربية أولادهما، ولما في القطيعة بينهما من آثار سيئة على أولادهما.

ثالثا:

ومن الخطأ البيِّن أن تقطع علاقتك بوالدك، فهو عملٌ محرَّم من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يزيد في القطيعة بين والدك ووالدتك، ويفتح بابا آخر فيها، والمراد منك ومن أخيك إغلاق باب القطيعة والمخاصمة، لا فتح أبواب أخرى عليكم.

 

 

* والذي ننصحك به لتفعله:

  1. دعاء الله تعالى بصدق وإخلاص في أن يوفق الله بين والديك.

فالدعاء سلاح المؤمن، وعليك تحري أفضل الأوقات له، وهو ثلث الليل الآخر، واحرص على أفضل الهيئات، وهو السجود.

  1. انتداب حكَمين صالحين، عاقلين، من أهل والدك، ومن أهل والدتك، ليحكم بينهما فيما فيه يختلفون، ويُرجى أن يؤدم بين والديك إن أحسنت اختيار الحكَّام، قال تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) النساء/ 35.

* قال الشيخ طاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وقوله تعالى: ( إن يُريدا إصلاحًا ) الظاهر أنّه عائد إلى الحكَمين؛ لأنّهما المسوق لهما الكلام، واقتصر على إرادة الإصلاح لأنّها التي يجب أن تكون المقصد لولاة الأمور، والحكَمين، فواجبُ الحكَمين أن ينظرا في أمر الزوجين نظرًا منبعثًا عن نية الإصلاح، فإن تيسّر الإصلاح: فذلك، وإلاّ صارا إلى التفريق، وقد وعدهما الله بأن يوفّق بينهما إذا نويا الإصلاح، ومعنى التوفيق بينهما: إرشادهما إلى مصادفة الحقّ، والواقعِ، فإنّ الاتّفاق أطمَن لهما في حكمهما، بخلاف الاختلاف.

” التحرير والتنوير ” ( 5 / 47 ).

  1. تذكير والدك بفضل العفو، والصفح، وأثر الصلح مع والدتك على أجواء البيت، وعلى أولاده؛ فإن من شأن حسن التذكير أن يساهم في الإصلاح، وإليك ما يمكن تذكيره به:

قال تعالى: ( وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) البقرة/ 237.

وقال تعالى: ( والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/ 134.

قال تعالى: ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) النور/ 22.

  1. تذكيره بحرمة الهجر من غير عذر، وبحرمة ترك السلام على والدتك.
  2. ولا مانع من أن تكذب على الطرفين من أجل الإصلاح، فتنقل لوالدتك حب والدك لها، ومعزتها عنده، وتنقل لوالدك شوق والدتك له، ومحبتها له، وعودة الأمور لأحسن مما كانت عليه.

عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ).

رواه البخاري ( 2495 ).

– ونسأل الله أن يصلح حال والديك، وأن يهديهما ويوفقهما لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

هل يستجيب لأهله في تسمية ابنه بما له علاقة بالتنجيم والكهانة؟

هل يستجيب لأهله في تسمية ابنه بما له علاقة بالتنجيم والكهانة؟

السؤال:

أعيش أنا وزوجي  مع عائلته, ونتوقع أن يرزقنا الله عز وجل بطفل في نهاية السنة الحالية إن شاء الله, ويريد والد زوجي أن يسمِّي الطفل باسم يبدأ بحرف “الفاء”, فكل الأبناء في هذه العائلة تم تسميتهم بناءً على أول حرف من اسم الشهر، أو التاريخ الذي ولدوا فيه، وأظن أن ذلك مرتبط بالتنجيم، أو دراسة الدلالات السحرية للأعداد، فما حكم هذا الفعل؟ وإذا كان هذا الفعل محرَّمًا: هل يحل لي ولزوجي أن نطيع والده لأجل الحفاظ على التقاليد، ولتجنب المشادّات، أو المشاعر المتوترة داخل أفراد العائلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن تسمية الأولاد بحسب الحوادث التي ترافق ولادتهم لا حرج به، فمن الناس من يسمي ابنته ” مروة ” أو ” صفا ” باعتبار بلوغ خبر حمل زوجته في الحرم المكي، أو وهو على الصفا أو المروة، ومنهم من يسمي ابنه ” بدر ” لموافقة ولادة ابنه لغزوة بدر، ومنهم من يسمي ابنه ” رمضان ” أو ” شعبان ” لمجيئه في أحد هذين الشهرين، وكل هذا لا حرج فيه من جهتين: من جهة موافقة الحدث، أو اسم المكان، ومن جهة أن الاسم لا يخالف الشرع.

ولا بأس كذلك أن يجعل الأب أسماء أولاده كلها تبدأ بحرف الميم، أو حرف الألف، فالأمر في ذلك واسع.

والمهم في كل هذه الاختيارات أن لا يكون لذلك علاقة بالكهانة، والخرافة، فمن اعتقد أنه إن سمَّى ابنه أو ابنته بما ذكرناه آنفًا أنه سيجلب الحظ السعيد لولده، أو أنه سيكون صاحب جاه أو مال: فإنه بلا شك يُمنع من هذه التسمية؛ لأن مثل هذا الاعتقاد في الأسماء ليس له أصل في الشرع، إنما هو من تخريفات المشعوذين والكهنة.

وعليه: فإن تبين لكم حقيقة الأمر، وأن أهل زوجك يعتقدون هذه الخرافات في التسمية: فلا يحل لكم موافقتهم على التسمية، بل عليكم مخالفتهم بالكلية، وذلك بالإتيان باسم يبدأ بحرف بعيد عما يريدونه، ولا ينبغي لكم موافقتهم على ما يرغبون، ولو أدى ذلك لغضبهم منكم، فموافقتهم ليس من النصح الواجب عليكم تجاههم، وإذا كنتم أنتم العقلاء ستوافقونهم فيما يريدون ويرغبون به من خرافة: فمن سيقطع هذه السلسلة من الخرافات، ويقضي عليها؟.

 

ونقترح لكم: أن تسموه باسم لا يجد أهل زوجك ما ينكرونه عليكم، وهو ” عبد الله ” أو ” عبد الرحمن ” أو ” محمد “، وهي أسماء معظمة عند عامة الناس، ولا يمكن إنكارها عليكم، بل سيجدون حرجًا بالغًا لو فعلوا، ويمكنكم نصحهم بما يتناسب مع عقولهم، وذلك بالقول لهم: وأي بركة يمكن أن تأتي لمن تسمَّى باسم شهر، أو مَن كان أول حرف مِن اسمه على اسم الشهر وتزول عمَّن اسمه ” عبد الله ” إذا كانت الأسماء تنفع أصحابها؟!.

ويستدل لهم بواقع من تسمى من طرفهم واعتقدوا أنه سينتفع بتلك الأسماء، ولا شك أنكم ستجدون أمثلة في واقع أولئك تدحض تلك العقائد الفاسدة.

وهكذا يُتلطف في الإنكار عليهم، مع بيان عظيم خطر الشعوذة والكهانة على دينهم إن استمروا على الاعتقاد بما يقوله المشعوذون والكهنة، وعلى زوجك غرس التوحيد في قلوبهم، وبيان رسالة الأنبياء والمرسلين التي جاءوا بها للناس كافة، وهي في قوله تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) النحل/ من الآية 36، ويحذرهم من حبط الأعمال بالشرك، كما في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الزمر/ 65.

 

– وللوقوف على جملة نافعة من آداب تسمية الأبناء: يرجى النظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.