الرئيسية بلوق الصفحة 96

سائل يعلق على جواب سابق في الصوم، وحديث ابن عباس في رؤية الهلال بشاهد واحد.

سائل يعلق على جواب سابق في الصوم، وحديث ابن عباس في رؤية الهلال بشاهد واحد.

السؤال:

في جواب لكم سابق ذكرتم جواز الأخذ برأي الثقة في رؤية الهلال، ولكن هذا يتعارض مع الحديث الذي جاء فيه بدوي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبره برؤية الهلال، عندها سأله الرسول هل تؤمن بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فلمَّا أجاب بالإيجاب، سأله هل تشهد أنك رأيت الهلال؟ فمن هذا الحديث الدليل على جواز قبول رؤية الهلال من أي مسلم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل هو:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ – قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِى: رَمَضَانَ – فَقَالَ: ( أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدا ). رواه الترمذي ( 691 ) وأبو داود ( 2340 ) والنسائي ( 2112 ) وابن ماجه ( 1652 ).

والحديث: ضعيف، لا يصح، وقد ضعفه النسائي والألباني وغيرهما.

 

ثانيا:

وإذا علمتَ أخي السائل أن الحديث ضعيف: علمتَ أنه لا تعارض بينه وبين ما ذكرناه في أجوبتنا أنه لا بدَّ أن يكون الرائي للهلال عدلا.

* وعلى فرض صحة الحديث: فإن معناه يحمل على وجوه، منها:

  1. أن الأمر في قبول شهادة الرائي للهلال، وكونه ثقة، عدلا: يرجع للقاضي، وأنه إن استقر في نفسه بسبب خبرته بالناس أن هذا الرائي موثوق بشهادته: فإن له قبول تلك الشهادة منه، وإن لم يكن يعرفه أحد ليزكيه ويوثقه.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

إذا: أمر بلالا بأن يؤذن، أي: يعلن في الناس أن يصوموا غدا، فقنع الرسول عليه السلام من هذا الرجل الذي لا يعرفه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، بمعنى: أنه عرف أنه مسلم ، لكنه ما جرَّبه، ولا عرف ذكاءه، وفطنته، وكياسته، كما كان الأمر بالنسبة للحديث الأول الذي فيه أن الشاهد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومع ذلك قبِل شهادته، فهذا فيه تيسير واسع، ومعنى هذا أن القاضي يقنع بظاهر الشاهد دون أن يأتي بمزكين يعرِّفونه كما جرى على ذلك عرف القضاة قديما، يكتفي منه بأن يعرف إسلامه، هذا أعرابي ما يعرفه سابقا عليه الصلاة والسلام، فاكتفى أن يشهد أمامه بالشهادتين، فهو مسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا، وبناءً على شهادته وإسلامه قال: يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا. ” التعليق على كتاب بلوغ المرام ” دروس صوتية، الحديث رقم 5، كتاب الصيام.

  1. أن يكون هذا الحديث دليلا على أن الأصل في المسلم العدالة، حتى يتبين خلاف ذلك.

* قال الصنعاني – رحمه الله – في فوائد حديث ابن عباس -:

فيه دلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة، إذ لم يطلب صلى الله عليه وسلم من الإعرابي إلا الشهادة. ” سبل السلام الصنعاني ” ( 2 / 153 ).

  1. أن يكون هذا الحكم خاصّاً بالصحابة، وهو كذلك؛ لأنهم جميعا عدول، ومما لا شك فيه أن ذاك الأعرابي قد انتظم في عقد الصحابة رضي الله عنهم، وهو بذلك صار من العدول، والذين لا يُحتاج النظر في عدالتهم.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والصحابة كلهم ثقات ذوو عدل، تقبل رواية الواحد منهم، وإن كان مجهولا، ولذلك قالوا: جهالة الصحابي لا تضر.

والدليل على ما وصفناه من حال الصحابة: أن الله أثنى عليهم ورسوله، في عدة نصوص، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبل قول الواحد منهم إذا علم إسلامه، ولا يسأل عن حاله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني رأيت الهلال: يعني رمضان. انتهى ” مصطلح الحديث ” من موقعه رحمه الله.

وثمة أمر يقوِّي ما سبق، وهو كون تلك الشهادة في زمن الوحي، ولا يمكن أن يُقرَّ ذلك الأعرابي على شهادة باطلة تتعلق بطاعة المسلمين وعبادتهم.

 

– وبما أن الحديث ضعيف: فقد أغنانا الله تعالى عن تأويله، والحمد لله رب العالمين.

 

والله أعلم.

هل يحتسب صيام كفارة اليمين من الستة أيام من شوال؟

هل يحتسب صيام كفارة اليمين من الستة أيام من شوال؟

السؤال:

لدي سؤال فيما يخص القسم بالله، وهو أنني أقسمت بالله على أن لا أذهب إلى المكان الفلاني، ولكن بعد أسبوع من ذلك ذهبت إلى ذلك المكان، وقررت أن أصوم ثلاثة أيام في الست من الشوال، هل تعتبر كفارة عن اليمين أو ماذا؟.

وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ننبه الأخ السائل إلى أمور مهمة قبل الإجابة عن عين مسألته:

  1. الأصل في المسلم أن يحفظ يمينه من إلقائها هنا وهناك على أمور لا تستحق أن يكون معها القسم بالله تعالى، قال تعالى: ( وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ) المائدة/ من الآية89.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأصل: أنه لا ينبغي إكثار اليمين؛ لقول الله تعالى ( وَاحْفَظُوْا أَيْمَانَكُمْ )، قال بعض العلماء في تفسيرها: أي: لا تكثروا الأيمان، ولا شك أن هذا أولى، وأسلمُ للإنسان، وأبرأُ لذمته. ” الشرح الممتع ” ( 15 / 117 ).

  1. أن المكان الذي أقسمتَ على عدم الذهاب إليه: إن مكانًا محرَّمًا لا يحل لك الذهاب إليه في شرع الله تعالى: وجب عليك الوفاء بيمينك، وعدم الذهاب، وإن كان الذهاب واجبًا – كصلة رحِم أو زيارة قريب – ، أو مستحبًّا – كتكرار عمرة أو حج -: وجب عليك الحنث في يمينك إن كان ذهابك واجبًا، واستُحب لك الحنث إن كان الذهاب مستحبًّا، وإن كان الذهاب إلى ذلك المكان مباحًا: فانظر الخير لدينك ودنياك، والأتقى لربك تعالى، وافعله، فإن كان الذهاب خيرًا وأتقى: فاذهب وكفِّر عن يمينك، وإلا فابق على منع نفسك من الذهاب إليه.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ).

رواه البخاري ( 6343 ) ومسلم ( 1652 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ).

رواه مسلم ( 1650 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 8 / 63 ):

برُّ اليمين معناه : أن يصدق في يمينه , فيأتي بما حلف عليه ، قال الله تعالى : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ).

وهو واجب في الحلف على فعل الواجب، أو ترك الحرام, فيكون يمين طاعة يجب البر به بالتزام ما حلف عليه, ويحرم عليه الحنث فيه، أمّا إن حلف على ترك واجب أو فعل محرم: فهو يمين معصية، يجب الحنث فيه.

فإن حلف على فعل نفل, كصلاة تطوع، أو صدقة تطوع: فالتزام اليمين مندوب, ومخالفته مكروهة، فإن حلف على ترك نفل: فاليمين مكروهة, والإقامة عليها مكروهة, والسنَّة أن يحنث فيها، وإن كانت على فعل مباح: فالحنث بها مباح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير, وكفر عن يمينك ). انتهى.

  1. قرارك في أنك ستصوم ثلاثة أيام مقابل الحنث في يمينك: لا يجوز إلا إن كنتَ عاجزًا عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فكفارة اليمين هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد: صام ثلاثة أيام، قال الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة/ 89.

– وانظر السؤال ( 45676 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص سؤالك عن جعل صيام كفارة اليمين في شوال، واحتسابها من الأيام الستة منه، الوارد في فضل صومه مع رمضان أنه كصيام الدهر فرضًا: فنقول: إنه إن ترتب في ذمتك الصيام لعجزك عن الإطعام والكسوة: فلا تحسبها من الأيام الستة من شوال، ولا يجوز التشريك بين نية واجبة، ونية نفل، وصيام الكفارة مخصوص يحتاج لنية مستقلة، كما هو الحال في صيام الأيام الستة من شوال، وعليه: فصيامك للأيام الثلاثة كفارةً ليمينك لا تُحسب من صيام الأيام الستة من شوال.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل صوم ستة من شوال، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، هل يجزئ عن الأيمان، وقد عجز المرء على حصرها؟.

فأجابوا:

كفارة الأيمان هي: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم تجد شيئًا من ذلك: فتصوم عن كل يمين ثلاثة أيام.

وأما عجزك عن حصر الأيمان : فيجب عليك الاجتهاد في حصرها بالتقريب، ثم التكفير فيما حنثت فيه منها ، ويكفيك ذلك إن شاء الله .

ولا يجزئ صيام يوم عاشوراء، وعرفة، وستة من شوال، عن كفارة اليمين، إلا إذا نوى بصيامها أنه عن الكفارة لا التطوع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 23 / 37 ، 38 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

السائلة تذكر بأنها حلفت، وتريد أن تكفر عن هذا الحلف بصيام ثلاثة أيام، فهل يجوز أن أصومها مع صيام الست من شوال بحيث يكون صيامي ستة أيام؟.

فأجاب:

أولًا: لا يجوز للحالف إذا حنث في يمينه أن يصوم، إلا إذا كان لا يجد إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ )، وقد اشتهر عند كثير من العامة: أن كفارة اليمين إذا حنث الحالف: صيام ثلاثة أيام لمن يجد الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، ومن لا يجد، وهذا غلط، بل لا يجوز الصيام إلا إذا كان الحالف الذي حنث لا يجد إطعام عشرة مساكين، أو يجد لكن لا يجد مساكين، فحينئذٍ يصوم ثلاثة أيام متتابعة.

ثم إذا كان يندرج تحت صيام الأيام الثلاثة: فإنه لا يجزئ أن ينوي بها صيام ستة أيام من شوال؛ لأنهما عبادتان مستقلتان، فلا تغني إحداهما عن الأخرى، بل يصوم ستة أيام من شوال، ثم يصوم الأيام الثلاثة زائدة على صيام الأيام الستة.

” فتاوى نور على الدرب ” ( / 84 ، 85).

 

ولا يشترط في الأيام الثلاثة أن تكون متتابعة – خلافًا لما رجحه الشيخ العثيمين رحمه الله -.

 

 

والله أعلم.

كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة؟

كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة؟

السؤال:

ما هو أفضل شيء يقوم به الإنسان لشكر الله على نعمه التي منّ بها علينا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشكر هو: المجازاة على الإحسان، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان، ومن أعظم أنواع الشكر باعتبار المشكور هو شكر المسلم ربَّه تعالى؛ لما له من عظيم النعَم والمنن على عباده في الدِّين والدنيا، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم، وعدم جحودها، فقال: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) البقرة/ 152.

ثانيًا:

ومن أعظم من قام بهذا الأمر، فشكر ربَّه، حتى استحق وصف ” الشاكر ” و ” الشكور ” هم الأنبياء والمرسلون عليهم السلام:

قال تعالى: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل/ 120، 121.

وقال تعالى: ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُورًا ) الإسراء:/ 3.

ثالثًا:

وقد ذكر الله تعالى بعض نعمه على عباده، وأمرهم بشكرها، وأخبرنا تعالى أن القليل من عباده من قام بشكره عز وجل.

  1. قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) البقرة/ 172 .
  2. وقال تعالى: ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) الأعراف/ 10.
  3. وقال تعالى: ( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل:114) .
  4. وقال تعالى: ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) الملك/ 23.
  5. وقال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الروم/ 46.
  6. وقال تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فاطر/ 12.
  7. ومن النعم الدينية: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة/ 6.

وغير ذلك كثير، وإنما ذكرنا هنا بعض تلك النِّعَم، وأما حصرها: فيستحيل، كما قال الله تعالى: ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم/ 34، ثم منَّ الله علينا فغفر لنا تقصيرها في شكر تلك النعم، فقال: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل/ 18.

والمسلم دائم الطلب من ربِّه تعالى أن يعينه على شكره تعالى؛ إذ لولا توفيق الله لعبده، وإعانته: لما حصل الشكر، ولذا شرع في السنَّة الصحيحة طلب الإعانة من الله على شكره تعالى.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: ( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ).

رواه أبو داود ( 1522 ) والنسائي ( 1303 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وكان الشكر على النِّعَم سببًا في زيادتها، كما قال تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم/ 7.

رابعًا:

وكيف يكون شكر العبد ربَّه على نعمه الجليلة؟ يكون الشكر بتحقيق أركانه، وهي شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الشكر يكون: بالقلب: خضوعًا واستكانةً، وباللسان: ثناءً واعترافًا، وبالجوارح: طاعةً وانقيادًا.

” مدارج السالكين ” ( 2 / 246 ).

* وتفصيل ذلك:

  1. أما شكر القلب: فمعناه: أن ينعقد القلب على الاعتراف بأن المنعم بهذه النعَم الجليلة هو الله وحده لا شريك، قال تعالى: ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) النحل/ 53.

وليس هذا الاعتراف من باب الاستحباب، بل هو واجب، ومن نسب هذه النعم لغيره تعالى: كفر.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولًا، واعترافًا، وبذلك يتم التوحيد، فمن أنكر نعَم الله بقلبه، ولسانه: فذلك كافر، ليس معه من الدين شيء

ومَن أقر بقلبه أن النعَم كلها من الله وحده، وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله، وتارة يضيفها إلى نفسه، وعمله، وإلى سعي غيره – كما هو جارٍ على ألسنة كثير من الناس -: فهذا يجب على العبد أن يتوب منه، وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ولا يتحقق الإيمان، والتوحيد إلا بإضافة النعَم إلى الله، قولًا، واعترافًا.

فإن الشكر الذي هو رأس الإيمان مبني على ثلاثة أركان: اعتراف القلب بنعَم الله كلها عليه، وعلى غيره، والتحدث بها، والثناء على الله بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم، وعبادته.

” القول السديد في مقاصد التوحيد ” ( ص 140 ).

وقال تعالى مبينًا حال من يجحد نسبة النعم لله تعالى: ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ) النحل/ 83.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي : يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 592 ).

 

  1. وأما شكر اللسان: فهو الاعتراف لفظًا – بعد عقد القلب اعتقادًا – بأن المنعَم على الحقيقة هو الله تعالى، واشتغال اللسان بالثناء على الله عز وجل.

قال تعالى في سياق بيان نعمه على عبد محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ) الضحى/ 8، ثم أمره في مقابل ذلك بقوله: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى/ 11.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: وكما كنت عائلا فقيراً فأغناك الله: فحدِّث بنعمة الله عليك.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 427 ).

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ).

رواه مسلم ( 2734 ).

 

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا: أن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، وفيه دلالة على أن شكر النعمة – وإن قلَّت -: سببُ نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي قول الله عز وجل لأهل الجنة حين يقولون: ” أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ( ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ ) فيقولون: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟، فيتول: ( أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا).

وإنما كان الشكر سببًا لذلك الإكرام العظيم لأنَّه يتضمَّن معرفة المنْعِم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعَم عليه، تفضلًا من المنعِم، وكرمًا، ومنَّة، وإن المنعَم عليه فقيرٌ، محتاجٌ إلى تلك النعَم، ولا غنى به عنها، فقد تضمَّن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحقَّ العبد وفاقته ، وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة: تلك الكرامة الشريفة .

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 7 / 60 ، 61 ).

ومن هنا قال بعض السلف: ” مَن كتم النعمة: فقد كفَرها، ومن أظهرها ونشرها: فقد شكرها “.

* قال ابن القيم – تعليقا على هذا -:

وهذا مأخوذ من قوله: ( إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة: أحب أن يَرى أثر نعمته على عبده ). ” مدارج السالكين ” ( 2 / 246 ).

ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله: تذاكروا النِّعَم، فإنَّ ذِكرها شكرٌ.

 

  1. وأما شكر الجوارح: فهو أن يسخِّر جوارحه في طاعة الله، ويجنبها ارتكاب ما نهى الله عنه من المعاصي والآثام.

وقد قال الله تعالى: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً ) سـبأ/ من الآية 13.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: ( يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ).

رواه البخاري ( 4557 ) ومسلم ( 2820 ).

* قال النووي – رحمه الله -: قال القاضي: الشكر: معرفة إحسان المحسن، والتحدث به، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرًا: لأنها تتضمن الثناء عليه، وشكر العبد اللهَ تعالى: اعترافه بنعَمه، وثناؤه عليه، وتمام مواظبته على طاعته.

” شرح مسلم ” ( 17 / 162 ).

 

* قال ابن بطَّال – رحمه الله -: قال الطبري: والصّواب في ذلك: أن شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذى يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ) سبأ/ 13، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلًا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم حين تفطرت قدماه في قيام الليل: ( أفلا أكون عبدًا شكورًا ). ” شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 183 ، 184 ).

* وقال أبو هارون:

دخلتُ على أبي حازم، فقلت له: يرحمك الله، ما شكرُ العينين؟ قال: إذا رأيتَ بهما خيرًا: ذكرته، وإذا رأيتَ بهما شرًّا: سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعتَ بهما خيرًا: حفظته، وإذا سمعتَ بهما شرًّا: نسيتَه.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

الشكر على درجتين:

إحداهما واجب: وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، … .

ومن هنا قال بعض السلف: ” الشكر: ترك المعاصي “، وقال بعضهم: ” الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته “، وذكر أبو حازم الزاهد شكرَ الجوارح كلها: ” أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات “، ثم قال : ” وأما مَن شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثَلُه كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر “.

الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين.

” جامع العلوم والحكم ” ( ص 245 ، 246 ).

* والخلاصة:

أنه حتى تكون شاكرًا لربك تعالى على ما أنعم عليك: فإنه يجب عليك الاعتراف بقلبك أن واهب هذه النعم، ومسديها هو الله تعالى، فتعظمه، وتنسبها إليه، وأن تعترف بذلك بلسانك، فتشكره بعد الاستيقاظ من النوم أن وهب لك الحياة، وبعد الطعام والشراب أن رزقك إياهما وتفضل بهما عليك، وهكذا في كل نعمة تراها على نفسك، وبخاصة إن ثبت في نعم مخصوصة أحاديث فيها الحمد والشكر والثناء على الله تعالى المنعِم، وتشكره بجوارحك بأن لا تجعلها ترى، ولا تسمع، معصية، أو منكرًا، كغناء، أو غيبة، ولا تمش برجليك إلى أماكن محرَّمة، ولا تستعمل يديك في منكر، ككتابة محرمة في علاقة مع نساء أجنبيات، أو كتابة عقود محرمة، أو القيام بصنعة أو عمل محرَّم، ومن شكر النعم بالجوارح: تسخيرها في طاعة الله تعالى، بقراءة القرآن، وكتب العلم، وسماع النافع والمفيد، وهكذا باقي الجوارح تسخرها في الطاعات المختلفة.

واعلم أن شكر النعَم نعمة تحتاج لشكر، وهكذا يبقى العبد متقلباً في نعَم ربِّه حتى يكون شكره لتلك النعمة هو عجزه عن شكر.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

على كل نعمة على العبد من الله في دِين، أو دنيا: يحتاج إلى شكر عليها، ثم للتوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدا فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعَم، وحقيقة الشكر: الاعتراف بالعجز عن الشكر كما قيل:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليَّ له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمر

” لطائف المعارف ” ( ص 244 ).

 

– ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى.

 

 

والله أعلم.

منذ متى تؤدى صلاة التراويح 20 ركعة في الحرم؟

منذ متى تؤدى صلاة التراويح 20 ركعة في الحرم؟

السؤال:

منذ متى تؤدى صلاة التراويح ذات العشرين ركعة في الحرم؟ ولماذا – حيث المسنون ثمان ركعات فقط – ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يصح أن يقول أحدٌ إن الزيادة على صلاة ثمان ركعات في التراويح بدعة ولا أنه مخالف للسنة، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنها تُصلَّى عشرون ركعة ومن هؤلاء أهل مكة في الحرم وغيره إلى هذا الزمان، وكان أهل المدينة يصلونها ستّاً وثلاثين ركعة.

 

– قال النووي الشافعي: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح:

– مذهبنا : أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وداود وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء.

– وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع.

– وقال مالك: التراويح تسع ترويحات: وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا، وعن نافع قال: أدركتُ الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث.

 

واحتج أصحابنا بما رواه البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: ” كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، وكانوا يقومون بالمائتين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام ” …

 

وروى البيهقي عن علي رضي الله عنه أيضا قيام رمضان بعشرين ركعة.

وأما ما ذكروه من فعل أهل المدينة فقال أصحابنا: سببه أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين طوافا ويصلون ركعتين ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا ست عشرة ركعة وأوتروا بثلاث فصار المجموع تسعاً وثلاثين، والله أعلم.” المجموع ” ( 3 / 528 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد: عشرين ركعة أو كمذهب مالك ستا وثلاثين، أو ثلاث عشرة، أو إحدى عشرة فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 344 ).

 

ثانيا:

وقد غلا في هذه المسألة طائفتان، الأولى أنكرت على من زاد على إحدى عشر ركعة وبدَّعت فعله، والثانية أنكروا على من اقتصر على إحدى عشر ركعة وقالوا: إنهم خالفوا الإجماع.

 

– ولنسمع إلى توجيه من الشيخ الفاضل ابن عثيمين حفظه الله حيث يقول:

وهنا نقول: لا ينبغي لنا أن نغلو أو نفرط:

* فبعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنَّة، وينكر أشدَّ النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ.

وهذا لا شك أنه خطأ، وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، ولم يحدد بعدد، ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأنّ من لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى، وهو ليس ممن خدم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نقول إنه يعلم ما يحدث داخل بيته، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن له كيفية الصلاة دون أن يحدد له بعدد: عُلم أن الأمر في هذا واسع، وأن للإنسان أن يصلِّيَ مائة ركعة ويوتر بواحدة.

 

وأما قوله صلى الله عليه وسلم:” صلوا كما رأيتموني أصلي ” فهذا ليس على عمومه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أن يوتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع، ولو أخذنا بالعموم لقلنا يجب أن توتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع سرداً، وإنما المراد: صلوا كما رأيتموني أصلي في الكيفية، أما في العدد فلا إلا ما ثبت النص بتحديده.

 

وعلى كلٍّ ينبغي للإنسان أن لا يشدد على الناس في أمر واسع، حتى إنا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا مَن يبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة، ويخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:” من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة “، وقد يجلسون إذا صلوا عشر ركعات فتنقطع الصفوف بجلوسهم، وربما يتحدثون أحياناً فيشوشون على المصلين.

ونحن لا نشك بأنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهدٍ يكون مصيبا.

 

والطرف الثاني: عكس هؤلاء، أنكروا على من اقتصر على إحدى عشرة ركعة إنكاراً عظيماً، وقالوا: خرجتَ عن الإجماع، قال تعالى:{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً }، فكل من قبلك لا يعرفون إلا ثلاثاً وعشرين ركعة، ثم يشدِّدون في النكير، وهذا أيضاً خطأ. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 73 – 75 ).

 

والله أعلم.

يريدون ترك الصلاة في المسجد وأداءها في قاعة المحاضرات ليتأثر غير المسلمين!

يريدون ترك الصلاة في المسجد وأداءها في قاعة المحاضرات ليتأثر غير المسلمين!

السؤال:

في الجامعة التي أدرس فيها نقوم بتنسيق أسبوع دعوي توعوي كل سنة، حيث نقوم بدعوة غير المسلمين في الجامعة باستخدام تقنيات مختلفة، هذه السنة جاء المنظمون بفكرة جديدة، واقترحوا أن نصلي إحدى الصلوات في إحدى قاعات الجامعة بدلا من المسجد؛ وذلك بغرض إبراز شعائر الإسلام ومِن ثَم تتكاثر التساؤلات لديهم عن الإسلام، ولكني في الحقيقة غير مطمئن بشرعية هذه الطريقة لأنها إذا نجحت فستتكرر عدة مرات في السنوات القادمة.

فما حكم مثل هذا الفعل؟ وهل إذا تكررت في كل سنَة تصبح من قبيل البدعة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نشكر لكم حرصكم على تبليغ دعوة الإسلام للناس، ونشكر لكم حرصكم على تطبيق السنَّة وعلى عدم مخالفة الشرع، ونسأل الله تعالى أن ييسر مسعاكم، وأن يجزيكم خير الجزاء.

ثم إن الجواب على ما تسألون عنه:

أن الصلاة في المسجد واجبة على كل من كان يسمع النداء بالصوت العادي من غير تعويق مؤثرات ، ولا زيادة بمكبرات، والراجح من أقوال العلماء أن الجماعة إنما تجب في المسجد حيث يُنادى بالصلوات.

وعليه: فإن أهل الوجوب لا يُرخَّص لهم بترك الصلاة في المسجد، وما ذكروه من إظهار شعيرة الصلاة أمام أهل الكفر ليس بعذر للوقوع في مخالفة ترك الواجب.

– ويمكننا اقتراح بعض الصور التي تجمع لأولئك بين قصدهم وبين عدم الوقوع في مخالفة شرعية، ومن ذلك:

  1. أن يقيم الصلاة في القاعة جماعةً مَن ليس مِن أهل الوجوب، كطلبة مسافرين، أو ضيوف غير مقيمين، ومن يشبه هؤلاء في الحكم، ولن تعدموا جماعات من هؤلاء في أسبوعكم الدعوي ذاك.
  2. أن يتم نقل صلاتكم في المسجد بناقل صوت وصورة.
  3. أن تكون صلاة الجماعة في القاعة للمتخلفين عن الجماعة الأولى في المسجد، ومن المعلوم أنه من تفوته الجماعة الأولى في المسجد أنه لا يلزمه الصلاة فيه، بل يمكن أداء الجماعة – وهي واجبة في الأصل – في أي مكان، فتكون القاعة المكان المناسب.
  4. وثمة نقل مباشر للحرمين الشريفين على مدار اليوم كاملا، في قناتين فضائيتين، ويتخلل ذلك أداء الصلاة فيهما، فلعلَّ هذا النقل أن يكون أكثر تأثيراً من صلاتكم أمامهم.

 

على أننا لا نرى أن تهتموا كثيرا بهذه الشعيرة أن تقام في القاعة أمام أولئك المدعوين من غير المسلمين، ولعلَّ حسن استقبالكم ولطف أقوالكم وجميل أفعالكم أن تكون طرقا أقوى في إيصال رسالة الإسلام لأولئك المخالفين.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز تقسيم الأذكار ذات الأعداد على الوقت كله؟

هل يجوز تقسيم الأذكار ذات الأعداد على الوقت كله؟

السؤال:

هل يصح تقسيم الأذكار بشكل عام وذِكر ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ” بشكل خاص؟ بمعنى: هل يؤجر الشخص كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك )، إذا وزَّع – قطَّع – الذِّكر على مدى اليوم مثلا بعد الفجر 50 و 50 بعد العصر أو 20 بعد كل فريضة أو يجب المولاة ليحصل الأجر؟.

الهدف ليس ابتداعا ولكن محولة الاستمرار على هذا الذِّكر، حيث أنه في أغلب الأحيان الشخص منّا يأتي به 30 مرة ثم ينقطع لسبب ما، وسبحان الله ينسى أن يكمل، فإذا وضع الشخص برنامجا دائما لهذا الذِّكر مثلا 20 مرة بعد كل فريضة علما أنه ليس من أذكار الصلاة فيكون المجموع 100 مرة في اليوم، للإيضاح: المقصد هو المداومة والاستمرار بهذا الطريق، وليس في بعض الأحيان.

والله الموفق إلى سواء السبيل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ما يُطلق عليه ” أذكار الصباح والمساء ” يمكن أن يستغرق الإتيان بها وقت الذِّكر كله، وهو طرفا النهار، وليس شرطاً ما يفعله كثيرون من التزام تلك الأذكار في وقت واحد وفي جلسة واحدة، والأفضل في الأذكار التي في ثوابها الحفظ لقائلها أن يُعجَّل بها قبل غيرها، وكلامنا هذا في الذكر الذي لم يأت بأعداد بل يقال مرة واحدة.

ثانيا:

والأعداد التي في الأذكار توقيفية لا يجوز لمن رغب بأجورها وثوابها أن يخالف في عددها وإلا وقع في المخالفة وحرم من أجورها.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله –:

واستنبط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة وإلا لكان يمكن أن يقال لهم أضيفوا لها التهليل ثلاثا وثلاثين، وقد كان بعض العلماء يقول: إن الاعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور: لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد.

” فتح الباري ” ( 2 / 330 ).

ومن خالف هذا فأجاز الزيادة وأنه لا يُحرم الثواب فيُحمل قوله على أن الزائد لا يريد مخالفة الامتثال بل نيته في الزيادة الذِّكر المجرد بعد الامتثال لا بقصد تحصيل أجر أعظم، وكذا وجه الحافظ ابن حجر كلام شيخه العراقي في الموضع السابق.

ثالثا:

وبخصوص عين السؤال: فيقال إن ما ورد في الأذكار التي تقال طرفي النهار يجوز أن تقسَّم على الصباح كله وعلى المساء كله، من غير تخصيص عدد معيَّن بعد فعل معيَّن أو قبله، بل يوزع العدد على الوقت كله حسبما يتيسر له دون التزام لكيفية معينة، والأفضل أن يأتي بالذِّكر الذي فيه عدد كاملا في وقت واحد؛ خشية النسيان أو الخطأ في العد، وأما من حيث الجواز فيجوز ولا يشترط الموالاة فيها، وثمة نصٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بالجواز، فنحن نذكره ثم نعقبه بكلام الشرَّاح.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ).

رواه البخاري ( 6042 ) ومسلم ( 2691 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في هذا الحديث من قال هذا التهليل مائة مرة فب يومه، سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار ليكون حرزاً له في جميع نهاره. ” شرح مسلم ” ( 17 / 17 ).

* وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله ( في يوم ) قال الطِّيبي: ( يوم ) مطلق لم يُعلم في أي وقت من أوقاته، فلا يقيد بشيء منها. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 23 / 25 ).

 

 

والله أعلم.

هل يجوز أداء صلاة الرواتب والنوافل في السيارة في الحضر؟

هل يجوز أداء صلاة الرواتب والنوافل في السيارة في الحضر؟

السؤال:

هل يصح أن أصلِّي صلاة الضحى في السيارة لأني أمكث بها نصف ساعة قبل وصولي للمدرسة؟ وهل يكون لها نفس الأجر لو صليتها بالمدرسة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

– ثمة مسائل ثلاثة هنا:

الأولى: صلاة النافلة في السيارة جالسًا ولغير اتجاه القبلة في السفر.

الثانية: صلاة النافلة في السيارة الواقفة جالسًا باتجاه القبلة في الحضر.

الثالثة: صلاة النافلة في السيارة السائرة جالسًا ولغير اتجاه القبلة في الحضر.

والمسألة الأولى والثانية محل اتفاق بين الفقهاء على الجواز، والمسألة الثالثة خلافية.

وهذا بيانها – باختصار -:

أما المسألة الأولى:

فقد ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى نافلة على راحلته في السفر حيثما توجهت به، فسقط شرط الاتجاه للقبلة، وسقط ركن القيام، لكنَّ ذلك مشروط في كون الصلاة نافلة، ويكون للمصلي نصف أجر المصلي قائمًا.

وعليه: فمن كان مسافرًا راكبًا في سيارة: فله أن يصلي الضحى – أو غيرها من النوافل – في أي اتجاه سارت تلك السيارة، يومئ في ركوعه وسجوده، ويجعل إيماءه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.

عَن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ الْقِبْلَة. رواه البخاري ( 1043 ) ومسلم ( 540 ).

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِى السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.

رواه البخاري ( 955 ) ومسلم – نحوه – ( 700 ).

* وهي مسألة إجماعية.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 228 ):

اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمسافر صلاة النفل على الراحلة حيثما توجهت به . انتهى.

وأما إن كانت السيارة – أو الراحلة – في السفر واقفة: فحكمها حكم الحضر، فيشترط القبلة والسجود، وهي المسألة الآتية.

 

 

وأما المسألة الثانية:

فإنه لا خلاف بين العلماء – أيضًا – في جواز صلاة النافلة في الحضر جالسًا باتجاه القبلة مع القدرة على القيام، وأن للمصلي نصف أجر المصلي قائمًا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

لا نعلم خلافًا في إباحة التطوع جالسًا، وأنه في القيام أفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ ) متفق عليه – رواه البخاري ( 1064 ) فقط -، وفي لفظ مسلم – ( 735 ) – (صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلاَةِ ). ” المغني ” ( 1 / 811 ).

وعليه: فمن صلَّى الضحى – أو غيرها من النوافل أو الرواتب – في سيارته الواقفة جالسًا في الحضر، وكان اتجاه السيارة إلى القبلة – أو استطاع هو أن يتجه إلى القبلة -: فإنه لا حرج عليه لو صلَّى على تلك الحال بالاتفاق، ولا فرق بين أن يصلي جالسًا – والحالة هذه – في سيارة أو في بيت أو مسجد، وله أن يومئ في الركوع، لكن ليس له أن يومئ في سجوده، بل عليه أن يسجد على أرضية السيارة أو كرسيها الذي يصلي عليه، كما يفعل في صلاته جالساً فيما ذكرناه من تلك الأماكن، فحكم السيارة الواقفة حكم الأرض، ولا يسقط عنه شرط الاتجاه إلى القبلة، ولا يسقط السجود لمن كان قادرًا عليه – على الراجح والأحوط من قولي العلماء وهو قول الجمهور – وإنما الذي يسقط عنه هو القيام، والركوع الذي يتبع القيام.

وقد وصفت عائشة رضي الله عنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في بعض حالاتها، وبيَّنت أنه كان يركع وهو قاعد ويسجد وهو قاعد، يعني: يركع من قعود ويسجد من قعود دون أن يأتي بهما وهو قائم، فقد روى مسلم ( 730) عنها رضي الله عنها قولها ” وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ

ويكون للمصلي في تلك الحال نصف أجر صلاة القائم كما سبق ذِكره في الحديث الصحيح.

وأما المسألة الثالثة:

هل يجوز الصلاة في السيارة السائرة جالسًا لغير اتجاه القبلة في الحضر كما هو الحال في السفر أم أن تلك الحال للمصلي لا تصلح إلا في السفر؟.

قولان للعلماء، والجمهور على الثاني، وذهب إلى الأول: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول الطبري والأوزاعي وابن حزم.

 

 

 

وقال به من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن عقيل، والشيخ عبد الله بن قعود، وقال الشيخان عبد الله بن جبرين وعبد الكريم الخضير بالجواز في حال خشي المصلي فوات وقت النافلة أو الراتبة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما الصلاة على الراحلة: فقد ثبت فى الصحيح بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلِّي على راحلته في السفر قبَل أي وجه توجهت به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة.

وهل يسوغ ذلك في الحضر؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، فإذا جوِّز في الحضر: ففي القصر أولى، وأما إذا منع في الحضر: فالفرق بينه وبين القصر والفطر يحتاج إلى دليل. ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 37، 38 ).

– وانظر ” شرح مسلم ” للنووي ( 5 / 211 ) و ” المجموع ” – له – ( 3 / 212 )، و ” المحلى ” لابن حزم ” ( 3 / 56 )، و ” نيل الأوطار ” للشوكاني ( 2 / 149 ).

وتنظر رسالة الشيخ عبد الله بن عقيل حفظه الله التي ألَّفها لهذا المسألة تحديداً وهي بعنوان ” تُحْفَةُ اْلقَافِلَةِ فِي حُكْمِ الْصَّلَاةِ عَلَى الْرَّاحِلَة “.

فعند هؤلاء العلماء يجوز لمن يركب السيارة السائرة في الشارع أن يصلي فيها الضحى – وغيرها من الرواتب والنوافل – جالسًا – ولا يفضَّل ذلك للسائق – ويومئ المصلي في ركوعه وسجوده، ويكون إيماؤه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.

 

والذي نرجحه: هو قول الجمهور، وهو أن صلاة النافلة جالسًا ولغير القبلة إنما هي لمن كان راكبًا على الراحلة السائرة، وفي السفر دون الحضر، وهو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يرجحه من المعاصرين الشيخان عبد العزيز بن باز والعثيمين رحمهما الله، وغيرهما كثير، ولسنا ننكر على أحدٍ أخذ بالقول الآخر؛ فهو قول قوي، وقال به أئمة معتَبرون.

 

 

والله أعلم.

متى يكون المصلي مدركًا لتكبيرة الإحرام؟ وهل ثبت لها فضل معين؟

هل ثبت لإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضائل؟ ومتى يكون المصلي مدركًا لها؟

السؤال:

هل من أدرك الإمام قبل أن يركع الركعة الأولى مدركا لتكبيرة الإحرام وفضلها؟ أفيدوني، مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوارد في فضل إدراك تكبيرة الإحرام أمران: عام صحيح، وليس فيه التنصيص على فضل معيَّن، وخاص ضعيف، وفيه النص على الفضل:

* فمن العام الصحيح:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ).

رواه البخاري ( 590 ) ومسلم ( 437 ) .

– ومعنى ( استهموا ) أي: اقترعوا.

* قال النووي – رحمه الله -:

التهجير: التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت، قال الهروي وغيره: وخصَّه ” الخليل ” بالجمعة. والصواب المشهور: الأول. ” شرح مسلم ” ( 4 / 158 ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث أيضًا: فضل النداء، وهو الأذان، وفضل الصف الأول، وفضل البكور بالهاجرة إلى الصلاة في المسجد، في الجمعة، وغيرها، ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بكَّر، وانتظر الصلاة، وإن لم يصلِّ في الصف الأول: أفضل ممن تأخر، ثم تخطى إلى الصف الأول، وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصف الأول: أنه ورد من أجل البكور إليه، والتقدم. ” التمهيد ” ( 22 / 14 ).

والشاهد من الحديث هو: الحث على التهجير، وهو التبكير في الحضور إلى الصلاة.

* وأما الخاص الضعيف:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ ). رواه الترمذي ( 241 ) وضعفه، وضعفه الحافظ ابن حجر كما في ” التلخيص الحبير” ( 2 / 520 )، وضعفه – كذلك – جمعٌ من العلماء من المتقدمين، والمتأخرين.

 

* قال ابن الملقن – رحمه الله -:

مروي من طرق، وقد نص غير واحد من الأئمة على ضعف هذا الحديث.

” البدر المنير ” ( 4 / 397 ).

– وللوقوف على فضل التبكير إلى المسجد للصلاة، وحال الصحابة والسلف في ذلك، وحرصهم على إدراك تكبيرة الإحرام.

ثالثًا:

وعلى القول بتحسين حديث الترمذي السابق – وقد حسَّنه الألباني-: فإن في متى يكون المأموم مدركًا لتكبيرة الإحرام مع الإمام أقولًا، أشهرها:

الأول: أنه يكون مدركًا لها إذا كبَّر بعد إمامه قبل أن يشرع الإمام في دعاء الاستفتاح.

الثاني: أنه يكون مدركًا لها قبل أن يشرع الإمام في الفاتحة.

الثالث: أنه يكون مدركًا لها إذا أدرك مع الإمام ركوع الركعة الأولى.

والراجح من الأقوال: هو القول الأول، وهو ظاهر حديث ( إذَا كبَّر فَكبِّروا )، وأنه إذا شرع الإمام بدعاء الاستفتاح: فقد فاته الإدراك، وهو الذي رجحه النووي، والمناوي، والمباركفوري، والعثيمين، وغيرهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

واختلف أصحابنا فيما يُدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه:

أصحها: بأن يحضر تكبير الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته، من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر: لم يدركها.

والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط.

والثالث: بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى.

والرابع : بأن يُدرك شيئًا من القيام.

والخامس: إن شغله أمر دنيوي: لم يدرك بالركوع، وإن منعه عذر، أو سبب للصلاة – كالطهارة -: أدرك به.

* قال الغزالي في ” البسيط ” في الوجه الثالث والرابع: هما فيمن لم يحضر أحرام الإمام، فأما من حضر: فقد فاته فضيلة التكبيرة، وإن أدرك الركعة.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 206، 207 ).

* وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

وإنما يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

 

 

 

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارئ في ” المرقاة “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا كبَّر فكبروا ) فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح : فقد فاتته تكبيرة الإحرام. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

*وسئل – رحمه الله – أيضًا-:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

وبخصوص الصلاة السريَّة: فإنه يقدَّر إدراك تكبيرة الإحرام فيها بالوقت.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

تفصيل القول في حديث ( من صلى لله أربعين يومًا … ) روايةً ودرايةً

السؤال:

السلام عليكم سؤالي: قرأت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي حسنه الألباني: ( من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق ).

سؤالي: أحيانا في الجامعة، أو في الشركة، توجد مصليات، ولا يوجد مسجد، وكل من أتى أقام وصلَّى بمن معه، وأحيانا تتأخر المحاضرة إلى بعد الأذان، فيسبقوننا، ويقيمون الصلاة قبل قدومنا، فهل يصح إذا كنت أريد تطبيق الحديث أن لا أصلي معهم، وأنتظر جماعة أخرى كي أدرك تكبيرة الإحرام، علمًا أن الجماعة الأخرى دائما تكون موجودة؛ لأن الجامعة تضم عدد ضخمًا من الطلاب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث، والكلام عليه:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ).

* رواه الترمذي ( 241 ) وقال:

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا، وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلاَّ مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو. انتهى.

وقد ضعَّف الحديث جمع من العلماء المتقدمين، والمتأخرين، وأعلُّوه بالإرسال، والاضطراب، ونذكر منهم: الترمذي، والدارقطني، وابن الجوزي، وابن حجر، وغيرهم كثير.

وقد حسَّنه الشيخ الألباني، كما في ” صحيح الترمذي ” و ” السلسلة الصحيحة ” (2652 ).

ورأى من صحح وقفَه من أهل العلم أن له حكم الرفع، كون مثله لا يقال بالرأي، فجعلوا في حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لثبوته عن أنس عندهم، ولكونه لا يقال بالرأي.

* وفي ” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ):

قال القارىء: ومثل هذا ما يقال من قبَل الرأي، فموقوفه في حكم المرفوع.

انتهى.

 

ثانيًا:

وأما معناه:

فقد ذهب بعض العلماء إلى أن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام الوارد في الحديث يستمر إلى إدراك الركوع معه، وقال بعضهم بأن إدراكها هو بتكبيره للإحرام قبل شروع الإمام في قراءة الفاتحة، وطائفة ثالثة من العلماء يرون أن إدراك تكبيرة الإحرام يكون بإدراك الإمام قبل شروعه بدعاء الاستفتاح، وهذا أرجح الأقوال.

* قال النووي – رحمه الله – وذكَر قولين إضافييْن -:

واختلف أصحابنا فيما يُدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه:

أصحها: بأن يحضر تكبير الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته، من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر: لم يدركها.

والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط.

والثالث: بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى.

والرابع: بأن يُدرك شيئاً من القيام .

والخامس: إن شغله أمر دنيوي: لم يدرك بالركوع، وإن منعه عذر، أو سبب للصلاة – كالطهارة -: أدرك به.

* قال الغزالي في ” البسيط ” في الوجه الثالث والرابع: هما فيمن لم يحضر أحرام الإمام، فأما من حضر: فقد فاته فضيلة التكبيرة، وإن أدرك الركعة.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 206، 207 ).

* وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

وإنما يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارىء في ” المرقاة “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا كبَّر فكبروا ) فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح: فقد فاتته تكبيرة الإحرام. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

* وسئل – رحمه الله – أيضًا -:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

ثالثًا:

ومع ضعف الحديث إلا أنه لا يمنع من الالتزام بإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقد كان هذا هو هدي السلف، ولم يكن يقصدون العمل بهذا الحديث، ولذا فقد صحَّ عن كثيرين منهم إدراك السنوات الكثيرة لتكبيرة الإحرام مع الإمام، وليس فقط أربعين يومًا.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

ما فضل متابعة الإمام في تكبيرة الإحرام؟

فأجاب:

لا أعلم في فضل إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام حديثًا إلا ما أخرجه الترمذي من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: ( مَن صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق )، لكنَّه لم يصح مرفوعًا، وقد روي موقوفًا على أنس، كما أخرجه ابن أبي شيبة في ” مصنفه “، وجاء أيضا خبر: ( لكل شيء أنْف، وإن أنْف الصلاة : التكبيرة الأولى ) لكنه ضعيف، وأيضًا: ( لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى ) وهو ضعيف أيضًا، وفيه أحاديث لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، لكن السلف الصالح كانوا شديدي الحرص عليها، ولهم في ذلك أخبار، فهذا قاضي بغداد ” ابن سماعة ” رحمه الله يقول الذهبي في ” الميزان ” عندما ترجم له: ” وقال أحمد بن عمران سمعته يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي، فصليتُ خمسًا وعشرين صلاة أريد التضعيف”.

وفي مسند ” ابن الجعد ” قال: حدثنا محمود بن غيلان قال : قال وكيع: ” كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفتُ إليه قريبًا من سنتين فما رأيته يقضي ركعة “.

وفي ” حلية الأولياء ” عن الأوزاعي رحمه الله قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحدٍ من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس، وفي ” الحلية ” أيضًا عن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: ” ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنَة، وما نظرتُ في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة “، والمعنى: أنه يكون في الصف الأول من شدة حرصه على المبادرة إلى الصلاة.

وفي ” الحلية ” عن إبراهيم التيمي رحمه الله قال: ” إذا رأيتَ الرجلَ يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه “.

وآثار السلف الدالة على أهمية تكبيرة الإحرام، وفضلها، وحرصهم عليها: كثيرة، وفي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فضائل، منها: تحصيل أجر الجماعة من مبدئها حتى نهايتها، وبالحرص عليها أيضًا يحصل التبكير إلى الصلاة، وهو مندوب، وبالحرص عليها وتعاهدها يكون قلب العبد معلقًا بالمساجد، وهذه صفة أحدِ مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وبالجملة: فالحرص عليها فيه تحصيل لمنافع شرعية، واتباع لسيَر السلف الصالح، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 64 / 85 ، 86 ).

رابعًا:

والمقصود في الحديث لمن أراد العمل به: هو إدراك الجماعة الأولى، مع الإمام الراتب، وليس الجماعة الثانية، أو ما بعدها؛ لأن فضائل الصلاة من حيث التبكير، والصف الأول، والجمع بين الصلاتين لعذر المطر، وغير ذلك: إنما تكون لمن أدرك الجماعة مع الإمام الراتب.

وإذا كان المسجد مسجدَ سوق، أو مجمع تجاري، أو مطار، أو طريق سفر، وليس له إمام راتب: فحيث صلَّى المسلم مع إحدى جماعات ذاك المصلى، وأدرك تكبيرة الإحرام معه: أدرك الفضل الوارد في الحديث إن شاء الله.

ومثله يقال فيمن كان من أهل الأعذار الشرعية، وصلَّى جماعة في بيته مع أهله، أو كانوا مسافرين وصلوا جماعة في طريق السفر.

* قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي – حفظه الله -:

ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حيٍّ: أدرك ذلك في مسجد الحيِّ، وإذا كان مع إمامه الذي صلَّى معه جماعة – كأن يكون في سفر -: فالعبرة بجماعة مَن سافر معهم

” شرح زاد المستقنع ” ( الدرس رقم: 75 ).

وعليه: فمن صلَّى في بيته جماعة وهو من غير أهل الأعذار ، أو أدرك تكبيرة الإحرام مع الجماعة الثانية في مسجد له إمام راتب : لم يحصل الفضل الوارد في الحديث .

 

وبخصوص حالتك على التحديد: اعلم أن الجماعة الثانية والثالثة والرابعة في المصليات التي ليس لها إمام راتب: أن إدراك إحدى جماعاتها عند دخولك المصلى له حكم الجماعة الأولى في مسجد له إمام راتب ، ولا يحل لك تفويت ما تدركه من تلك الجماعة من أجل أنك لم تدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بل يلزمك الدخول مع الجماعة، على الحال التي عليها إمام تلك الجماعة.

 

وثمة فائدة لم نرَ من نبَّه عليها، وهي: أنه ليس في الحديث – على فرض صحته – أن الأربعين يومًا تكون متتالية! فيُرجى لمن حافظ على هذا العدد ولو غير متتالٍ أن يحصِّل الفضل الوارد فيه.

 

 

والله أعلم.

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟

السؤال:

الناس في الجنة مراتب متفاوتة، فمنهم في مكانة عالية، وبعضهم في مكانة أقل، وبعضهم أقل، وهكذا، فهل يستطيع الذي في المكانة الأقل أن يحصل على نفس ما يحصل عليه الذي فوقه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما يعتقده المسلمون أن الجنة درجات، وأن الله قد وعد الطائعين بمنازل في الجنة إن هم قاموا بما حثَّهم عليه من تلك الطاعات، وما ذلك التفاضل بين أهل الجنة في المنازل  والدرجات: إلا بسبب تفاضلهم في أعمال الطاعات في الدنيا.

قال تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء/ 21، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) الأنعام/ من الآية132.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والجنَّة درجات، متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات: بحسب إيمانهم، وتقواهم . ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 188 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَلِكُلٍّ ) منهم ( دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) بحسب أعمالهم، لا يُجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب، والجنة وإن اشتركوا في الربح، والفلاح، ودخول الجنة: فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم.

فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفيْن من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده. ” تفسير السعدي ” ( ص 274 ).

ثانيا:

ومما لا شك فيه أن أهل الجنة يتفاوتون في النعيم في الجنان، بحسب درجتهم فيها، فليس من يسكن ” الفردوس ” كمن يسكن في الجنان دونها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري ( 2637 ) ومسلم ( 2831 ).

– ومعنى ” أوسط الجنة ” أي: أفضلها.

وقد ذكر الله تعالى وصفًا لجنان من خاف مقامه سبحانه وتعالى، فقال: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) الرحمن/ 46 – 48، فوصفهما، ثم قال تعالى: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) الرحمن/ 62، فتبين به اختلاف الجنان بعضها عن بعض بحسب أعمال أهلها، ومنزلتهم عند ربهم.

ثالثًا:

وقد ثبت في صحيح السنَّة أن أهل الجنة في الدرجات الدنيا يرون من فوقهم.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ).

رواه البخاري ( 3083 ) ومسلم ( 2831 ).

* قال القرطبي – رحمه الله -:

اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو، والصفة، بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض، وأرفع.

وقوله ( الغائر من المشرق أو المغرب ) يروى بالياء اسم فاعل، من غار، وروي ” الغابر ” بالباء بواحدة، ومعناه الذاهب، أو الباقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه، وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بيَّنه بقوله ( من المشرق أو المغرب ) و قد روي العازب بالعين المهملة والزاي, أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى. ” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 398 ).

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا). رواه الترمذي ( 3658 )، وحسَّنه، وابن ماجه ( 96 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

والمعنى: أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم، بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم مَن هو أسفل منهم كالنجوم.” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 273 ).

 

رابعًا:

وما ذكرناه فيما سبق يبين بوضوح أنه لا يستطيع أهل الدرجات الدنيا تحصيل ما في الدرجات العلى؛ لعدم قيامهم بما استحقوا من أجله تلك الدرجات، ولو اشترك أهل الجنان بالنعيم الذي أعده الله لمن هو فوقهم: لما كان للتفاوت في المنازل والدرجات حكمة! ومن عظيم عدل الله تعالى أن لا يساوي بين المستحقين للجنة في الدرجة والنعيم؛ فالتفاضل بين الناس في الدنيا في الإيمان والطاعات يؤدي إلى التفاضل في المنازل والدرجات عنده سبحانه وتعالى.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقوله: ( والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين؛ وذلك ليُعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية، ولا تلجلج، وإلا فكيف تُنال الغرفات بالإيمان, والتصديق الذي للعامة؟! ولو كان كذلك: كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا )، والصبر: بذل النفس الثبات له، وقوفًا بين يديه بالقلوب، عبوديةً، وهذه صفة المقربين.

” التذكرة ” ( ص 398 ).

مع التنبيه على أنه ليس ثمة حسد في الجنة ولا بغضاء، وفي ذلك قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) الحجر/ 47.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُون، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا .

رواه البخاري ( 3073 ) ومسلم ( 2834 ).

* قال ابن عطية الأندلسي -رحمه الله -:

وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنَّا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم، على قدر أعمالهم, وعلى قدر فضل الله على من شاء. ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ” ( 2 / 91 ).

 

 

 

خامسًا:

وما هي السبل التي يمكن أن يرتقي بها المسلم في الجنة ليصل إلى درجة أعلى مما هو فيه؟:

  1. محض فضل الله.

فقد يمنُّ الله على من يشاء من عباده، فيكرمه برفع منزلته في الجنة إلى حيث يشاء سبحانه، والله ذو الفضل العظيم، وعليه يدل عموم قوله تعالى ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/ من الآية83، وهو داخل في معنى صفته تعالى ” رفيع الدرجات ” على أحد التفسيرين، قال تعالى: ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) غافر/ 15.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقال يحيى بن سلام: ” هو رفعة درجة أوليائه في الجنة “، فـ ( رَفِيعُ )0 على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 299 ).

* وقال أبو حفص الدمشقي – رحمه الله -:

وهذا يحتمل أن يكون المراد منه: ” الرافع “، وأن يكون المراد منه ” المرتفع “، فإن حملناهُ على الأول: ففيه وجوه:

الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء، والأولياء في الجنة .

والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم، والأخلاق الفاضلة.

” اللباب في علوم الكتاب ” ( 17 / 23 ).

  1. شفاعة الشافعين.

وفي ذلك حديثان:

أ. عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ) – وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ – ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ ). رواه البخاري ( 4067 ) ومسلم ( 2498 ).

– وأبو عامر هو الأشعري، وهو عم أبي موسى، رضي الله عنهما.

ب. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ). رواه مسلم ( 920 ).

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والنوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات. ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 13 / 56 ).

واستدل – رحمه الله – على كلامه بالحديثين السابقين.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الشفاعة -:

النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي سلمة: ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه )، والدعاء شفاعة، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه ).

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 9 / 326 ).

  1. دعاء واستغفار الولد لوالده.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ).

رواه ابن ماجه ( 3660 )، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1598 ).

  1. إلحاق الآباء بدرجة الأبناء والعكس.

قال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21.

وعن ابن عباس قال: ” إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ” ، وهو أثر صحيح ، له حكم الرفع ، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ) .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

قال عز وجل: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور/21، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا: هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم.

وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )، ( ألتناهم ) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ).” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 187 ).

سادسًا:

وليُعلم بعدما سبق أن نزول أصحاب الدرجات العليا إلى الدرجات الدنيا: أنه لا يوجد ما يمنع منه، بخلاف العكس؛ فإنه الذي لا يوجد ما يدل عليه، بل الوارد هو أنه لا يحصل، وذلك بالنظر إلى الأحاديث التي جاء فيها أنهم ينظرون إليهم، دون الارتقاء إليهم، ولمخالفته الحكمة التي من أجلها جُعل التفاضل بين الدرجات.

وأعلى ما وقفنا عليه من كلام أهل العلم في المسألة هو ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” ( 422 ) عن حميد بن هلال قال: بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى. وحميد من التابعين، وإسناده إليه صحيح.

* هذا، وقد جاءت أحاديث تنص على ما قررناه، لكنها لا تصح، ومنها:

  1. عن أبي سلام الأسود قال: سمعتُ أبا أمامة قال: سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: ( نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم ). رواه ابن أبي حاتم في ” تفسيره ” ( 10 / 3371 ).

وفيه ضعف، فيه سعيد بن يوسف.

* قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، ليس بالقوي. ” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 1 / 327 ).

  1. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا، فيزور أهل عليين من أسفل منهم، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا ). رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 8 / 240 ). وفيه: بِشر بن نُمير، متروك، وقد اتهم بالوضع.

* قال الهيثمى – رحمه الله -:

فيه بشر بن نمير وهو متروك. ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 496 ).

– “الحشايا”: هي الفرش المحشوة.

  1. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” برقم ( 421 ) من طريق جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه.

– وجعفر بن الزبير: متروك، وقد اتهم بالوضع.

– وبشر بن نمير: سبق بيان حاله.

  1. ( إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا ) . وهو حديث ضعيف، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5029 ).

 

 

والله أعلم.

لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!

لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!

السؤال:

أنا أفعل معاصي كثيرة، مثل كثير من الناس، ولكنني لا أستطيع أن يفوت عليَّ يوم دون أن أكون قد أديت صلواته كاملة، وأشعر بأنه ينقصني شيء إذا ضاعت عليَّ صلاة، حتى لو كنت قد فعلت معاصي كبيرة، فهل تلك الصلاة تكون مجرد عادة أم عبادة؟ وإذا كانت عادة ماذا أفعل لكي أجعلها عبادة، وأخشع فيها؟.

وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

إن العلاقة بين ترك المعاصي والسيئات وبين إقامة الصلاة: علاقة وثيقة متداخلة، وما تقوله أيها السائل يُرى في كثيرين ممن التزموا الصلاة، ومع ذلك لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر! فما هو سبب ذلك؟ يمكن إجمال الأسباب في سببين:

الأول: وجود الخلل في الصلاة ذاتها. الثاني: النفاق! – عياذًا بالله -.

والذي يَظهر لنا أن غالب الناس الذين يُرى عليهم عدم الانفكاك بين الصلاة وبين فعل الفحشاء والمنكر إنما يعود أمرهم إلى السبب الأول، وهو الخلل في الصلاة ذاتها، ومؤدَّى ذلك أن صارت الصلاة في حياتهم عادة، لا عبادة.

* والذي نرجو منك تأمله لعلاج مشكلتك أشياء، منها:

  1. أن الله تعالى لم يأمر في آية واحدة بأداء الصلاة! بل بإقامتها، ولم يذكر الله تعالى في صفة المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة، بل يقيمونها، وشتان بين الأداء والإقامة، وهو كالفرق بين العادة والعبادة، والذي يقيم الصلاة حقًّا هو الذي ينتهي عن فعل المعاصي والسيئات، ففي وصف المؤمنين قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) البقرة/ 3.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ثم قال: ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة: إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله، ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة: فرائضها، ونوافلها.

” تفسير السعدي ” ( ص 40 ).

 

  1. أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاستعانة بالصلاة، ومن أعظم وجوه الاستعانة: التخلي عن الصفات والأفعال القبيحة، والتحلي بالصفات والأفعال المليحة، قال تعالى: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة/ 45.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عونًا للإنسان؟.

الجواب: تكون عونًا: إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها، أما صلاة غالب الناس اليوم: فهي صلاة جوارح، لا صلاة قلب، ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر: ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها، ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب، لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة: لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة ) – رواه النسائي ( 3940 )، وهو صحيح -، أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها: فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة، فيفوِّت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت/ 45، وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها، لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو على ما هو عليه، لا لانَ قلبُه لذِكر، ولا تحوَّل إلى محبة العبادة. ” تفسير سورة البقرة ” ( 1 / 164، 165 ).

  1. وإذا أردتَ أن تكون الصلاة عبادة لا عادة، وأن تستعين بها على طاعة الله تعالى، وترك الفواحش والمنكرات: فعليك أن تقيمها حق القيام، وأن تتفكر بما فيها من تكبير، وتسبيح، وتحميد، وقرآن، وأن تتأمل ركوعك، وسجودك، وأن تستشعر قربك من ربك تعالى، وقرب ربك منك، وبهذا تكون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وخاصة إذا علمت الحكمة العظيمة في جعلها خمس صلوات على طول اليوم؛ فكلما خبت تقواك، ونشطت نفسك الأمارة بالسوء: جاءت الصلاة الأخرى، وهكذا تبقى محاطًا من كيد الشيطان متصلًا بربك تعالى على الدوام. قال الله تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.

* قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله، من أقوال، وأفعال، من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكِّر بالله تعالى، إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يُرضي الله، وهذا كما يقال: ” صديقك مرآة ترى فيها عيوبك “، ففي الصلاة من الأقوال: تكبير لله، وتحميده، وتسبيحه، والتوجيه إليه بالدعاء، والاستغفار، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد، والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له، وطلب الإعانة، والهداية منه، واجتناب ما يغضبه، وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله، والإقلاع عن عصيانه، وما يفضي إلى غضبه، فذلك صدٌّ عن الفحشاء والمنكر.

وفي الصلاة أفعال هي خضوع، وتذلل لله تعالى: من قيام، وركوع، وسجود ، وذلك يذكِّر بلزوم اجتلاب مرضاته، والتباعد عن سخطه، وكل ذلك مما يصدُّ عن الفحشاء، والمنكر.

وفي الصلاة أعمال قلبية: من نية، واستعداد للوقوف بين يدي الله، وذلك يذكِّر بأن المعبود جدير بأن تُمتثل أوامره، وتُجتنب نواهيه.

فكانت الصلاة بمجموعها: كالواعظ الناهي عن الفحشاء، والمنكر ….

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار، والليل؛ ليتجدد التذكير، وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك: تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان، حتى تصير التقوى ملَكة لها، ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.

روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: ( سينهاه ما تقول ) أي: صلاته بالليل.

واعلم أن التعريف في قوله ( الفحشاء والمنكر ) تعريف الجنس، فكلما تذكَّر المصلي عند صلاته عظمة ربه، ووجوب طاعته، وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر: كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء، والمنكر.

” التحرير والتنوير ” ( 20 / 259، 260 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها، وشروطها، وخشوعها: يستنير قلبُه، ويتطهر فؤادُه، ويزداد إيمانُه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل – أو تعدم – رغبته في الشرِّ، فبالضرورة مداومتها، والمحافظة عليها على هذا الوجه: تنهى عن الفحشاء، والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها. ” تفسير السعدي ” ( ص 632 ).

  1. وما قلناه يؤكده حديث في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، يبيِّن فيه نبينا أن الخلل هو في صلاة المسلم، وأنه متى أقامها، وأحسن شروطها، وواجباتها: نهته عن الفحشاء والمنكر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، قَالَ: ( إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ ).

رواه أحمد ( 15 / 483 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3482 ).

وليس المسلمون على درجة واحدة في حضور القلب، والاطمئنان، في الصلاة، بل قد بين لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تفاوتهم في هذا، ويُبنى عليه: تفاوتهم في الأجر، وتفاوتهم في فعل المنكرات.

عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا ). رواه أبو داود ( 796 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولهذا يجب علينا جميعًا – وأقول ذلك لنفسي قبلكم – أن نراجع قلوبنا كل ساعة، وكل لحظة، أين يعيش القلب؟ بماذا ينشغل؟ لماذا ينصرف عن الله؟ لماذا يلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثير من الناس، حتى إنه ليصرف الإنسان عن صلاته، التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته: ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا، حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وعد الله؟ حينها يقال: يا أخي! هل صلاتك صلاة؟ إذا كنت من حين تكبِّر تفتح لك أبواب هواجس لا نهاية لها، فهل أنت مصلٍّ ؟ صليتَ بجسدك لكن لم تصلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها ) حسب ما يعقل منها.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 34 / المقدمة ).

  1. وأما من استمر على فعل الفواحش والمنكرات وهو يصلي ويحافظ على صلواته: فليعلم أنها صلاة خاوية، وأنه ليس له منها إلا السهر والتعب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ).

رواه ابن ماجه ( 1690 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* قال المناوي – رحمه الله -: يعني: أنه لا ثواب له؛ لفقد شرط حصوله، من نحو إخلاص، أو خشوع، أما الفرض: فيسقط طلبه. “التيسير بشرح الجامع الصغير” (2 /55). وللاستعانة على الخشوع في الصلاة: انظر جواب السؤال رقم ( 25778 ).

* ونوصيك بتقوى الله تعالى، والخوف منه، واستشعار رقابته، واترك فعل المعاصي قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها، وتب إلى الله مما فعلته توبة صادقة، واصدق مع ربك في عدم الرجوع لفعل ما يُسخطه، وأصلح ما بينك وبينه تعالى، وثق بوعد الله في تبديل سيئاتك حسنات، وفي تثبيتك على الهداية والطاعة.

والله الموفق.