تفصيل أحكام الرهان، وإذا كان الشرط من جانب واحد.
السؤال
أعلم بأن الشرط أو ما يسمَّى ” الرهان ” حرام ولكن إذا كان الشرط من جانب واحد فهل هو حرام؟ لي صديق قال لي: إذا ربحت بكذا وكذا فلك مني عشاء على حسابي، فقلت له: بأن الرهان من جانب واحد من الممكن أنه حرام. أرجو الإيضاح.
الجواب
الحمد لله
المراهنة التي تجري بين الناس لها صور متعددة ، وهي تنتظم في خمس صور مشهورة:
الأولى: أن تكون مسابقة على عوض من أحد المتسابقين: بأن يقول – مثلًا -: عليَّ مائة دينار إن سبقتَني، أو يقول: عليك مائة ريال إن سبقتُك.
الثانية: أن يتسابقا على عوض من الطرفين: بأن يقول: إن سبقتني فعلي مائة دينار، وإن سبقتُك فعليك مائة دينار.
الثالثة: أن يتسابقا على عوضٍ من طرف خارج عنهما وفي أمورٍ مباحة غير محرمة.
الرابعة: أن يتسابقا على عمل غيرهم: بأن يتراهنا على فوز واحد بشخصه أو فريق بعينه.
الخامسة: التسابق على أمور مبغوضة للشرع محرمة، ولو كانت في أي صورة من الصور السابقة.
* أما أحكامها:
فالأولى منها: جائزة بلا خلاف يُذكر.
* سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
ما حكم المسابقة إذا كانت في عِوض من أحد المتسابقين؟.
فأجاب:
حكمها الجواز، وتوضيح المسابقة: إذا كانت على عِوض من أحد المتسابقيْن أن يقول مثلًا: عليَّ مائة ريال إن سبقتني، أو يقول عليك مائة ريال إن سبقتُك.
” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).
وأما الثانية:
فالرهان فيها غير جاهز، ويشمل هذا – عند الجمهور – جميع الألعاب، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى جوازه إذا كان في مسابقة الخيل والإبل والنصال، ومثله: كل ما يعين على الجهاد كالمسابقة بالمشي والسباحة والمصارعة، وهي من المحبوبات في الشرع مما يعين على تقوية البدن، وكذا في المسائل العلمية الشرعية.
وقول الشيخين هو الصواب، ولهم عليه أدلة كثيرة، منها: مراهنة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في المصارعة، ومراهنة أبي بكر الصديق لقريش في غلبة الروم.
* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
المراهنة معلومة عند كثير من الناس، وهي أن يختلف اثنان في شيء فيقول أحدهما: إن كان الأمر على ما أقول: فعليك كذا وكذا – مما يسمونه -، وإن كان الأمر على ما تقول أنت: فعليَّ كذا وكذا – ويسمونه -.
وهذا محرَّم؛ لأنه من الميسر الذي قرنه الله عز وجل بالخمر، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }، وعلى هذا: فهذه المقامرة حرام، وتسمية بعض الناس لها حقًا لا يزيدها إلا قبحًا؛ لأنه جعل الباطل حقًّا وسمَّاه بغير اسمه، وأصبغ عليه صبغة الحل، فيكون كاذبًا فيما ادَّعاه، مخادعًا فيما أظهره، نسأل الله السلامة. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 434 ).
* وفي الاستثناء قال الشيخ – رحمه الله -:
أما إذا قال: إن سبقتَني فعليَّ مائة ريال، وإن سبقتُك فعليك مائة: فهذا لا يجوز إلا في الخيل والإِبل والسهام، لثبوت السنة بذلك.
” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).
* وقد ردَّ ابن القيم – رحمه الله – على من قال إن رهان الصدِّيق لقريش منسوخ بأية تحريم الميسر فقال:
ولا يصح أن يقال: إن قصة الصدِّيق منسوخة بتحريم القمار؛ فإن القمار حُرِّم مع تحريم الخمر في آية واحدة، والخمر حُرِّمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني النضير، وكان ذلك بعد أحد بأشهر، وأحد كانت في شوال سنة ثلاث بغير خلاف … وهذه الغلبة من الروم لفارس كانت عام الحديبية بلا شك …
” الفروسية ” ( ص 207 ).
* وقال – رحمه الله -:
وهذه المراهنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه هي من الجهاد الذي يُظهر الله به دينه ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة جنسها يُعد للجهاد بخلاف جنس الصراع، فإنه لم يعد للجهاد، وإنما يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمن نصرة الحق وإعلائه، كصراع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة.
وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس كانت مذمومة، فالصراع والسباق بالأقدام ونحوها إذا قصد به نصر الإسلام كان طاعة، وكان أخذ السَبَق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل.
” الفروسية ” ( ص 203 ، 204 ).
والثالثة:
جائزة أيضًا.
* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
وإذا كان العوض من طرف ثالث لم يشارك المتسابقين: فهذا لا بأس به في المسابقات الجائزة غير المحرّمة، مثل أن يقول: تسابقوا على الأقدام والذي يسبق منكم له مائة ريال، أو تصارعوا والذي يصرع منكم له مائة ريال: فهذا لا بأس به؛ لأنه يعتبر مكافأة، وتشجيعًا. ” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).
وأما الرابعة:
فمعاملة محرمة؛ وهي ميسر واضح، وكل طرف إما أن يكون غانمًا أو غارمًا، ولن يكون سالمًا، وهو ما يضبط معاملة الميسر، وهم لم يشاركوا بأبدانهم فلا استثناء لهم.
وأما الخامسة:
فالمعاملة محرمة – أيضًا – لحرمة اللعبة ذاتها حتى لو لم يكن فيها رهان.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
كثيرًا ما نلعب مع بعض ذوي الأموال الكثيرة الورق ” البلوت “، والفائز منا يعطيه هؤلاء 200 ريال فهل هذا حرام ومن القمار؟.
فأجاب:
هذه اللعبة على الوجه المذكور حرام ومن القمار، والقمار هو الميسر المذكور في قوله سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [ المائدة / 90 ، 91 ]، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله ويحذر هذه اللعبة وغيرها من أنواع القمار، ليفوز بالفلاح وحسن العاقبة والسلامة مما يترتب على هذه اللعبة من الشرور الكثيرة المذكورة في الآيتين.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 388 ).
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
– المغالبات ثلاثة أنواع:
- فما كان معينًا على ما أمر الله به في قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } : جاز بجُعل وبغير جُعل.
- وما كان مفضيًا إلى ما نهى الله عنه كالنرد والشطرنج: فمنهي عنه بجُعل وبغير جُعل.
- وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة كالمسابقة والمصارعة: جاز بلا جعل.
” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 227 ).
والله أعلم.


