هل يجوز له العمل في مهنة المحاماة؟

السؤال

أرجو من فضيلتكم إفتائي في هذا الأمر الكبير الذي أعرضه عليكم, وأستحلفكم بالله أن تسرعوا بالرد عليَّ، فأنا على أحر من الجمر في معرفة رأيكم فيما سأعرضه عليكم, ورسالتي طويلة فاعذروني، وها أنا ذا أسوقها إليكم – مع ملاحظة أن هناك إجابة على مثل سؤالي إلا أنني أريد استيضاح أموراً أكثر, فلا تتركوا الرد عليّ بسبب ذلك, جزاكم الله خيرا على ما توضحونه من أمور الدين لمن لا يفقهونه -.

تخرجت من كلية الحقوق منذ عدة سنوات وأعمل الآن – على فترات متقطعة – كمحامٍ، ولم أكن وقت دخول هذه الكلية على بصيرة في ديني، ثم بعد تخرجي من الكلية عرفت ما في الحكم بغير شرع الله من الإثم الكبير العظيم ووجدت قوانين كثيرة في بلدي – فضلا عن بلدان كثيرة إسلامية – تخالف شرع الله وتتعدى حدوده – وإن كنت أنا لم أسن هذه القوانين- فأتساءل هل يجوز لي والحالة هذه في قوانين بلدي ممارسة مهنة المحاماة مع ما فيها من التحاكم لغير شرع الله؟ وهل يلحقني إثم القوانين الظالمة المخالفة للشرع في حالة التعامل بها في مهنتي؟ إلا أنني أريد منكم قبل إفتائي في أمري أن أعرض بعض الأمور – سواء كنت مصيبا فيها أم مخطئا – لتعلموا ما يدور بداخلي فتوجهوني – بإذن الله – الوجهة الصحيحة.

إنني لا أرضى أبداً بقانون مخالف للشرع أبدا أبدا أبدا، مهما تكن الميزات التي تعود من ورائه، وأنه في حالة ممارستي لهذه المهنة أبتعد قدر استطاعتي عن القوانين المخالفة لشرع الله، وإن وجدت قضية سأستخدم فيها قوانين مخالفة للشرع لا أقبلها مهما يكن المقابل المادي الذي يمكن أن يعود عليَّ من وراء ذلك، وهذا ما يجعلني دائم البحث عن عمل آخر أجد رزقا طيبا فيه.

هل إذا تعاملت بقوانين جائرة للحصول على حق وليس للحصول على باطل أكون بذلك محتكما لغير شرع الله؟ فمثلا إذا استندت على قوانين الضرائب والجمارك وخاصة قانون العقوبات – المخالف لأحكام وحدود الله في أغلب أحكامه -؛ وذلك لإرجاع حق أو رد حق مسلوب أو يراد أن يسلب منا بتطبيق هذه القوانين.

أريد أن أنبه – حتى لا أكون ظالما – أن هناك قوانين كثيرة غير مخالفة لشرع الله، مثل الأحوال الشخصية وكثير من المعاملات والعقود المدنية والتجارية، إلا أنه مازالت هناك بعض القوانين التي لا تلتزم بشرع الله مثل تلك التي تنظم البنوك الربوية وإلغاء الحدود والعقوبات وتطبيق عقوبات ابتدعوها من عندهم ما أنزل الله بها من سلطان، وحتى لا أكون ظالما أيضا علينا التفرقة بين القوانين التي تلغي شرع الله وتضع أحكاماً أخرى بديل لها، وبين تلك القوانين التي تنظم الفساد؛ مثل القوانين التي تنظم السينما والمسرح والرقص والتمثيل, فهل بعد هذه الأمور التي ذكرتها بما يجيش في نفسي، وتضييق ممارسة المهنة – بالنسبة لي – إلى هذا الحد بالابتعاد عن عدم تطبيق شرع الله إلا في حالات الضرورة لإرجاع وللحصول على الحقوق يكون ذلك تطبيقا واحتكاما لغير شرع الله؟ وهل القراءة في الكتب القانونية وإنفاق الأموال عليها فيه تضييع لوقت ومال في ما لا يرضي الله؟ وهل هذه القراءة بمجردها – حتى لو فُرض أنني لا أمارس هذه المهنة – لمجرد معرفة القوانين والأنظمة المطبقة علينا في كل شئون حياتنا – سواء موافقتها أو مخالفتها لشرع الله – تكون حراما، جريا على قاعدة: ” أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد “، ( كالنهي مثلا عن القراءة في كتب السحر فهذا حرام فضلا عن العمل به ) ؟, وما الشأن في الأموال التي دفعتها لكي أقيد في نقابة المحامين، والتي تنتظرني إلى بلوغ سن الستين – إن قدر الله لي العمر – لأحصل عليها كمعاش مرتب، مع التنبيه أن هناك أموالا تحصل من كل خاسر في قضية تسمى مقابل أتعاب المحاماة وتذهب هذه الأموال إلى نقابة المحامين! بجانب ما يحكم عليه أيضا من مصروفات ترد إلى للمحكمة! فهل بعد ذلك كله أترك مهنة المحاماة غير آسف عليها, وأحرق كتبي الكثيرة، أم آخذها كشيء جانبي – طالبا رزقي الأساسي من طريق آخر – وأقضي بها حاجاتي وحاجات الناس في غير مخالفة شرع ونحصل على حقوقنا وأعرف القوانين التي تطبق علينا حتى لا نتعرض للنصب أو نفقد الحقوق إلى غير ذلك من المصالح المعتبرة والمرعية شرعا؟.

أخيرا أقول: بأنني أعرف أن رسالتي طويلة جدًّا لا يعهد مثلها في الأسئلة المطروحة عليكم, ولكن اعذروني لما من الهم والحزن الثقيل في قلبي, والذي أدعو الله أن يريحني منه بفضله ثم بمشورتكم وفتواكم لي من بعده.

الجواب

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يفرج همك ويعظم أجرك.

– وما تسأل عنه من حكم ممارسة مهنة ” المحاماة “:

فالمحاماة: ليست مهنة محرَّمة لذاتها؛ لأنه ليس فيها حكم بغير ما أنزل الله، بل هي وكالة وإنابة في الخصومة، وهي من الوكالات الجائزة، لكن ينبغي للمحامي التحري والتثبت من القضية قبل الخصومة عنها، فإن كانت الدعوى حقًّا مسلوبا عن صاحبها وظلما واقعا عليه: جاز لك التخاصم عنه وإرجاع الحق له، ورفع الظلم، وهو من باب التعاون على البر والتقوى، وإن كانت القضية فيها سلب حقوق الناس والتعدي عليهم: فلا يجوز لك المرافعة عنها ولا قبول وكالته؛ لأنه يكون من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد توعد الله تعالى المتعاونين على هذا بالإثم والعقوبة، فقال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ المائدة / الآية 2 ].

ولمزيد الاطمئنان ننقل لك فتاوى أخَر لبعض أهل العلم في المسألة نفسها:

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما حكم الشريعة الإسلامية في حرفة المحاماة؟.

فأجاب:

لا أعلم حرجا في المحاماة؛ لأنها وكالة في الدعوى والإجابة إذا تحرى المحامي الحق ولم يتعمد الكذب كسائر الوكلاء.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 505 ).

  1. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما رأي فضيلتكم من اشتغالي بالمحاماة من حيث الترافع أمام المحاكم المدنية للدفاع عن القضايا المدنية والتجارية التي بها شبهة الربا؟.

فأجاب:

لا شك أن كون الإنسان ينوب عن غيره في الخصومة لا بأس به، ولكن الشأن في نوعية الخصومة:

  1. فإذا كانت بحق والنائب إنما يدل بما عنده من حقائق ليس فيها تزوير ولا كذب ولا احتيال وهو ينوب عن صاحب القضية لإبداء ما معه من البينة والبراهين على صدق ادعائه أو دافع به فهذا لا بأس به.
  2. أما إذا كانت الخصومة في باطل أو يخاصم النائب أو الوكيل عن مبطل فهذا لا يجوز، فالله جل وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) ، وكلنا يعرف أنه إذا كانت القضية قضية حق ولا يستعمل فيها شيء من الكذب والتزوير فهذا شيء لا بأس به، خصوصا إذا كان صاحب القضية ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو لا يستطيع إقامة الدعوى لحقه، فكونه ينوب من هو أقوى منه جائز في الشرع، والله تعالى يقول: ( فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل ) ، فالنيابة عن الضعيف لاستخراج حقه أو دفع الظلم عنه شيء طيب، إما إذا كان خلاف ذلك بأن كان فيه إعانة لمبطل أو دفاع عن ظلم أو بحجج مزيفة ومزورة والوكيل أو النائب يعلم أو القضية من أصلها باطلة، وكالنيابة في أمر محرم كالربا فهذا لا يجوز، فلا يجوز للمسلم أن يكون نائبا أو وكيلا في باطل ولا محاميا في المعاملات الربوية لأنه معينا على أكل الربا فتشمله اللعنة. ” المنتقى من فتاوى الفوزان ” ( 3 / 288 ، 289 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة