أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (15)
كارثة الطوفان ( 15 )
الحمد لله
وفي خضم تورط (الذراع الإيراني) في (الطوفان الكارثي) فقد ورطوا غيرهم للاستدلال على صحة فعلهم والرد على المخالفين، فحصل عبث كبير وكثير في نصوص الوحي استدلالا باطلا بها من جهة، وردا لما تدل عليه من جهة أخرى، وفي كل يوم نرى لهم من هذا العبث، ليس في القتال فحسب بل في الانتخابات والعمليات والتحالفات والتبرعات وغيرها.
ونذكر في ذلك أمثلة، منها:
١. قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} من سورة البقرة/١٩٥، فقد قالوا إن لفظ (التهلكة) لا يشمل ما حدث في الطوفان وإنما التهلكة في الآية هي في ترك الجهاد والانشغال بالدنيا والزرع، وقصروا الآية على ذلك ولم يقولوا بغير تلك المعاني من المغامرة بالأرواح والتفريط بها في معارك خاسرة غير متكافئة بالمرة.
واستدلوا لذلك بقول أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه -لمّا حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة- : “إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلُم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)” رواه الترمذي بسند صحيح.
والجواب من ثلاثة وجوه :
الأول:
أنه قد جاء عن غير أبي أيوب رضي الله عنه من الصحابة أن لها سببا آخر في نزولها، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : “نزلت في النفقة”.
والمقصود ترك النفقة في سبيل الله،كما جاء موضحا في رواية أخرى، “هو تركُ النفقة في سبيل الله مخافةَ العَيْلَة(أي:الفقر)”.
الثاني:
إن أكثر العلماء نصوا على أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، وهذا يعني أن الآية وإن نزلت في سياق معين -وهو الانشغال بالدنيا، وترك النفقة الواجبة- فإنها تشمل كل ما يؤدي إلى الهلاك، سواء في الدنيا أو الآخرة، فالتهلكة في الآية لا يقتصر معناها على ترك الجهاد والانشغال بالزرع، وترك النفقة في الجهاد، بل تشمل جميع أنواع التهلكة، ومما تشملها فعل المعاصي المؤدي للتهلكة في الآخرة.
وهذا هو فهم الصحابة رضي الله عنهم :
أ. (ابن عباس -رضي الله عنهما-) ، قد جاء عنه أن معناها (عذاب الله) وهو الذي مال إليه الإمام الطبري، لعلاقة النهي بالأمر قبله بالنفقة، موافقا في ذلك لما قاله حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
قال الطبري -رحمه الله- :
غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا -أيها المؤمنون- في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي. انتهى.
ب. (البراء بن عازب رضي الله عنه) قد جاء عنه أنه قال: هو الرجل يُذْنِبُ الذنبَ، فيُلْقِي بيديه، فيقول: لا يغفرُ الله لي أبدًا.
قال ابن حجر في “فتح الباري”: أخرجه ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح. انتهى.
وقد وجه الإمام الطبري قول البراء رضي الله عنه فقال :
الآيِسُ من رحمة الله لِذنبٍ سَلَفَ منه مُلْقٍ بيديه إلى التهلكة؛ لأنّ الله قد نهى عن ذلك، فقال: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ يوسف/٨٧. انتهى.
قال ابن عطية -رحمه الله- : الظاهر من لفظ (التهلكة) أنها عامّة في كل ما يؤدّي إلى الهلاك، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه فصاحة العرب. “تفسير ابن عطية”.
وقال القرطبي -رحمه الله-: الآية وإن كان سببها خاصًا فإن حكمها عام. “تفسير القرطبي”.
وقال البغوي -رحمه الله- : الآية نزلت في ترك الإنفاق في سبيل الله، ولكن معناها عام في النهي عن كل فعل يؤدي إلى الهلاك سواء كان الهلاك في الدنيا أو في الآخرة.
وقال الآلوسي -رحمه الله-: والظاهر من الآية أنها تشمل كل أنواع التهلكة، سواء كانت التهلكة في الدنيا أو في الآخرة، ولذلك قالوا إنها قاعدة عامة. “روح المعاني”.
قال ابن حجر -رحمه الله- : وأما قصرها عليه –يعني قصر الآية على موضوع ترك النفقة في سبيل الله- ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ. “فتح الباري”.
قال الشوكاني رحمه الله :
والحق: أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. “فتح القدير”.
الثالث:
التفسير بالمقاصد الشرعية، وليس ثمة خلاف في أن أعظم مقاصد الدين هو (حفظ النفس والدين والمال والعرض والعقل)، ولذا قال العلماء إن كل ما يعرض النفس للهلاك أو يؤدي إلى فساد الدين يدخل تحت (التهلكة) .
قال ابن العربي المالكي – رحمه الله – : (التهلكة) كل ما يؤدي إلى فساد الدين أو الدنيا، وقال بعض العلماء: هي عامّة في كل ما يؤدّي إلى هلاك النفس أو المال أو الدين. “أحكام القرآن”.
وقال النووي -رحمه الله-:
(التهلكة) هي كل ما يؤدي إلى هلاك النفس أو الدين، وقد استدل العلماء بهذه الآية على تحريم كل ما فيه ضرر بالغ على النفس أو الدين. “شرح مسلم”.
– وبه يتبين أن الآية عامة في النهي عن كل اقتراف فعل يؤدي بصاحبه إلى تهلكة حسية أو معنوية، ولا يزال الفقهاء يستدلون بها على من أودى بنفسه أو بغيره في الهلكة، من غير نكير من أهل العلم، ومن أمثلته – ويرجى النظر في الحلقة رقم (١١) ففيها مزيد فائدة- :
قال الخطيب الشربيني -رحمه الله-:
إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا: استُحب لنا الثبات، وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية: وجب علينا الفرار؛ لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أو بنكاية فيهم: استُحب الفرار. “مغني المحتاج”.
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب: فقد ألقى بيده إلى التهلكة. “السيل الجرار”.
وليست الآية هذه الوحيدة في النصوص الشرعية التي تحرم هذا الفعل حتى يخرج كتّاب الأوهام والخيالات والنصر الزائف ليشنعوا على المستدل بها في الإنكار على من قام بـ(الطوفان الإيراني الكارثي) بحجج واهية، وهم قد جربوا العدو فيما هو أقل مما فعلوه ورأوا تدميرا وتضييقا وقتلا، فماذا كانوا يتوقعون من عدو غاشم غير أضعاف ما قد فعل بهم سابقا؟.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لمن أفتى لصحابي جريح بالاغتسال وعدم التيمم -مع كونه معذورا- (قتلوه قتلهم الله)، وفعليا هم لم يباشروا قتله قطعا لكنهم تسببوا بذلك لما أفتوه بغير علم فاغتسل فمات.
وهذا الدعاء يشمل كل من فعل مثل فعلهم، فكيف إذا كان التسبب بمقتل خمسين ألف وجرح أضعاف هذا العدد وتهديم واحتلال مدينة كاملة؟!.
– وهذا الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول ﷺ في سرية وأجنب وإذا الجو بارد فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: (أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟) قال: يا رسول الله، ذكرتُ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرّه. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وهذا من فقه هذا الصحابي الفقيه فقد استدل بعموم الآية التي تشمل قتل الإنسان نفسه مع أنها في قتل المسلم أخاه، وفي ارتكابه لما حرم الله عليه، كما أنه من فقهه جعل التسبب بالقتل في حكم القتل، وفيه موافقة للحديث السابق (قتلوه قتلهم الله).
– وكان بإمكانكم الاستدلال بالآية على معانيها الصحيحة من النهي عن ترك الجهاد والقعود عنه انشغالا بالدنيا، والاستدلال بها على وجوب النفقة في الإعداد للجهاد والاستعداد له حفاظا على الأموال والأنفس والأعراض، لكن لم يكن لكم ان تنفوا عنها النهي عن إهلاك النفس بمثل مغامرتكم القاتلة لألوف الأنفس.
– ومن قال إن الآية لا تشمل صاحب الجرأة والشجاعة في القتال فله أن يخترق صفوف الأعداء ولا يترك لهم شاذة ولا فاذة ولو قتل، وهذا من إلقاء النفس في التهلكة! : فنقول: لا بد من معرفة الحكم الدقيق لهذا ومعرفة حقيقة الصور التي أجازها العلماء وضوابطها، وينتظم ذلك في امرين مهمين:
الأول:
أن ما ورد في هذا في القتال هو (فردي) وبشروط منها : صدق النية والنكاية بالعدو وتشجيع غيره للقتال، وما لم يكن الأمر كذلك فهو من إلقاء النفس في التهلكة.
قال الطاهر بن عاشور -رحمه الله- :
وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي، عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو، فقال القاسم بن محمد من التابعين وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد من المالكية ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: لا بأس بذلك:
(١) إذا كان فيه قوة.
(٢) وكان بنية خالصة لله تعالى.
(٣) وطمع في نجاة.
(٤) أو في نكاية العدو .
(٥) أو قصد تجرئة المسلمين عليهم.
وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبيء ﷺ.
فإن لم يكن كذلك (كان من الإلقاء إلى التهلكة).
التحرير والتنوير”.
الثاني:
أن لا تتسبب هذه الشجاعة الجرأة والإقدام على إلحاق الضرر بغيره.
قال الشيخ خالد السبت -حفظه الله- :
يعني أن هذا الرجل حينما دخل في صف العدو لوحده، أو إذا خرج إلى العدو من غير درع، قالوا عنه: ألقى بيده إلى التهلكة، فهل هذا هو المراد؟.
يقال: الجواب لا؛ لأنه يجوز للإنسان في الجهاد أن يخرج من غير درع، ويجوز له أن يحمل على العدو لوحده ولو كان المظنون غالباً أنه يقتل (إذا كان لا يتحمل تبعة ذلك غيره من المسلمين بحيث يعود عليهم بالضرر) ، أما إذا كان تصرفه يفضي إلى ضرر يتحمله غيره فيقال له: (لا وألف لا)؛ لأنه يسع الإنسان في نفسه ما لا يسعه في غيره، وهذه قاعدة مهمة، فالإنسان يمكن أن يحمل نفسه على أمور من الورع، أو أمور تتصل بالجهاد أو نحو ذلك من الأمور التي فيها لون من المخاطرة بالنفس، لكن لا يتحمل تبعة هذا غيره، ولذلك عمر لم يكن يولي البراء بن مالك مع أنه من خيار الصحابة؛ وذلك لفرط جراءته، ففي (يوم اليمامة) -كما هو معلوم- طلب من الصحابة أن يجعلوه على ترس، ويُرفع على أسنة الرماح الطوال، ثم ألقوه في حديقة الموت في حصن أهل اليمامة، فنزل عليهم يضربهم بالسيف حتى فتح الباب، فهذا الأمر يمكن أن يفعله رجل واحد، وإن كان المتوقع غالباً أنه يموت، لكن لا يقدم على هذا إنسان يقود مجموعة من الجيش، ويحملهم على هذه الأمور بهذه الطريقة فيفضي بهم ذلك إلى هلكة وموت غالب، فهو يسعه في نفسه ما لا يسعه في غيره، وهذا إذا كان قتله بيد العدو، وهو بخلاف ما إذا كان موته بيده هو، فهذه قضية ثانية. “شرح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير”.
وهذا المنع لو تسبب في إلحاق الضرر بالجيش فكيف أن يلحق الضرر بالمدنيين العزل؟ كما حصل في (الطوفان الكارثي) حيث تسبب الفعل المتهور من تمكين العدو المجرم من المدنيين وصارت معركة الإبادة الجماعية، وكل ما ينظر به المنظرون في اختلاف القوة والعدد بين الطائفتين والإتيان بشواهد من الغزوات والمعارك فهو من الكذب المبين والتدليس القبيح على عامة المسلمين؛ إذ كل ما جاءوا به فهو بين جيش وجيش لا بين جيش ومدنيين من النساء والأطفال والشيوخ، فهو قتال بين مدرب ومستعد مع عدوه لا أن تصنع معركة بين عدو غاشم ومدنيين أبرياء عزل ويتستر الجيش المدرب في الأنفاق لا يستطيع حمايتهم ولا الدفاع عنهم بعد أن تسبب في إبادتهم بل يتواقح أحد قادتهم أن حماية المدنيين ليست مسئوليتهم بل مسئولية الأمم المتحدة واليهود! وقد رأينا ذلك عمليا في عدم الشعور بالمسئولية ولا الاهتمام بالقتلى منهم في إيجاد المبرر للعدو في قصفهم مع نزوحهم، وذلك من خلال إطلاق الصواريخ من أماكن وجودهم ومن خلال وضع أسرى العدو بينهم.
والله المستعان.
حرر يوم الثلاثاء16/2/1446 هـ الموافق 20/8/2024 م