أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (14)
كارثة الطوفان ( 14 )
الحمد لله
١. د. ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾.
وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك بإثبات حججهم.
والثاني: بإهلاك عدوهم.
والثالث: بأن العاقبة تكون لهم.
قال ابن الجوزي – بعد ذكره الأقوال الثلاثة-:
وفصل الخطاب: أن نصرهم حاصل لابد منه، فتارة يكون بإعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل كافر، وأظهر محمدا ﷺ على مكذبيه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بإنجاء الرسل وإهلاك أعدائهم، كما فعل بنوح وقومه وموسى وقومه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل، كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا. وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد، فإن الله منجيهم من العذاب. “زاد المسير”.
– [وليس منها أن يكون النصر والظفر في كل نازلة مع الكفار].
قال ابن كثير -رحمه الله-:
أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } سؤالا فقال: قد عُلِم أن بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين.
أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.
الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم. “تفسير القرآن العظيم”.
وفي تفسير الألوسي:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ } الخ كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى لبيان أن ما أصاب الكفرة من العذاب المحكى من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة هو أن شأننا المستمر أننا ننصر رسلنا وأتباعهم { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر. انتهى.
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
الله تعالى قد يُديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين .. وإذا كان في المسلمين ضعف، وكان عدوهم مستظهرًا عليهم: كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما لعدوانهم بتعدِّي الحدود باطنًا وظاهرًا. “مجموع الفتاوى”.
وقال -أيضا-:
ومن اتبع ما بعث الله به رسوله كان مهديا منصورا بنصرة الله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون} “. “مجموع الفتاوى”.
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
والله سبحانه قد بيَّن في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهذا كثير في القرآن، وقد بيَّن سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدوٍّ، أو كسرٍ، وغير ذلك، فبذنوبه. “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”.
وقال -أيضا-:
وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقال {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه: فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم، وهو من نقص إيمانه. المصدر السابق.
٢. وفي النهاية فإن الله أمر بالقتال في عالم الأسباب وسنن الحياة الجارية، ومن علم بحصول الهزيمة لمعارك فيها أنبياء وأولياء، وعلم أن بعض النبيين قد قتل، وجب عليه الأخذ بأسباب القوة كلها، وهو يرى بعينه كيف ينتصر القوي في معاركنا المعاصرة، وها هو العدو يسرح هنا وهناك في اليمن وسوريا ولبنان قتلا واغتيالا وقصفا بما امتلكه من أسباب القوة، ولا يزال العاطفيون يتنقلون بين مقطع فيديو ومنشور وملصق يجاهدون من يخبرهم بالحقيقة وأنه قد كاد بهم أهل الشر وجعلوهم يعيشون أوهاما وخيالات لا واقع لها ولا أساس، وما أن يكتب الواحد منهم منشورا بأي وهم وخيال ويرد على مخالف، حتى يعلق عليه العاطفيون بالدعاء والثناء والنفخ في الحال فيصدق نفسه أنه أنجز إنجاز من فجر دبابة أو قتل جنودا، فينام قرير العين نومة الأبطال! وتعيش الضحايا لهذه الحرب العبثية الإيرانية في همها وغمها ونزوحها وجوعها وعطشها.
وإن القلب ليحزن على هذا البناء في تلك السنوات للجامعات والمشافي والسلاح والعقول والشباب والحفظة والأسر المتعففة التي تسعى على رزقها لولادة مولود أو لزواج ابن وبنت أو لتخرج وعمل، ثم يضيع كل هذا فيصير من الذاكرة وتباد المدينة ويفنى الحجر والشجر والبشر، على معركة خاسرة، كانوا قد جربوا مثلها من قبل في حروب عدة (٢٠٠٨ و ٢٠١٤ و ٢٠٢١) وفي مسيرات العودة (٢٠١٨) ، فما وجدوا غير القتل والهدم، والله المستعان.
وكان الواجب على المجاهدين الصادقين استثمار الاستقلال النسبي، ووجود العقول والأموال، في الإعداد الحقيقي لأسلحة فعّالة مدمّرة كما عند العدو، بقدر الاستطاعة، فإن لم توجد فلا نستعجل المعركة ولا نذعر عدونا ليحقق مقصوده.
والعجيب أن (حماسا) نفسها كانت تمنع “حركة الجهاد” و “كتائب أبو علي مصطفى” من إطلاق النار والصواريخ على اليهود! وتصادر منصات صواريخهم وتعتقل مقاتليهم! فما هو السبب في هذا المنع؟ هم قالوا (عدم استدراجها لحرب أخرى) (الصواريخ التي تهدف إلى إعطاء الاحتلال [إسرائيل] ذريعة لمواصلة العدوان)، وهذا عين العقل والحكمة، فهل بعد ذلك صرتم مهيئين لتحرير الأقصى؟! والله إنكم وقعتم في خدعة وخيانة من الإيراني البغيض، وإنه ورطكم في هذه الحرب ووقف يتفرج ويستمتع بالمشاهد، فأرجو من الله أن يَخرج صادقون ويعترفون بالحقيقة لئلا يقلدكم أناس آخرون فيهلكون الحرث والنسل مستدلين بفعلكم وبتنظير المشايخ لكم واستدلالاتهم البعيدة كل البعد عن الحق والصواب.

٣. والمشاهَد من أكثر قادة الطوفان الساسة وبعض العسكر الولاء لإيران المجوسية المحتلة لبلاد المسلمين والمتسلطة عليهم سجنا وتعذيبا وتشريدا، مع شرك ووثنية في الاعتقاد وبغض لأهل السنة شديد، مع تكفيرهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم واتهامهم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مع اعتقادهم بتحريف القرآن، فلا أدري -والله- كيف يُطلب النصر من الله مع هذا الحليف الوثني القذر، بل وأضافوا لها الباطنية من النصيرية والذين لا يقلّ إجرامهم وكفرهم عن إخوانهم المجوس [والقول أن العلاقة مع إيران لضرورة السلاح سأفرد له حلقة خاصة، فهب أننا صدقنا هذا وعذرناهم فما علاقة هذا بالتحالف مع البعث السوري والثناء عليه؟] فيصرح قائد المعركة في كل مناسبة بالثناء على إيران و التصالح مع النصيريين والتنسيق معهم في (حرب واحدة)، وسرى ذلك إلى قاعدة المجاهدين فصار بعضهم (يُهدي) عملياته الجهادية لتلك العصابات القذرة في اليمن ولبنان والعراق.
وبياناتهم في التعزية فيها وهب منقبة (الشهادة) لمجرمي وقادة التعذيب والقتل لأهل السنة، كل ذلك من أجل دراهم حرام معدودة سرقوها من البلاد السنية التي احتلوها، وتعدى بعض قادتهم بالولاء المطلق للمجوس فصار ينال بالسب والشتم لكل من فرح بقتل مجرمهم الأكبر سليماني.
فأي ذنوب اقتُرفت في هذه المعركة أعظم من هذه حتى يأتي (منظر) أو (عاطفي) فينزّل آيات الله تعالى في الكبار الأطهار عليهم، وهم يعلمون ما حصل في (أحد) من بعض الرماة في جيش كامل مع نبيهم لم يقترفوا شيئا ومع ذلك دارت عليهم الدائرة وجرح النبي صلى الله عليه وسلم وشج رأسه وكسرت بعض أسنانه، فكيف سيكون الحال مع هذه المعصية العظيمة والتي لبسوا فيها على عموم المسلمين بتبييض صفحة أولئك المجوس وأنهم حطوا رحالهم في الجنة في منازل الشهداء!.
مع ما نراه في أثناء المعركة في وضعهم الأسرى بين المدنيين للتسبب بقصفهم من اليهود المجرمين، مع تخفي بعضهم الآخر بين المدنيين في خيامهم ومراكز الإيواء وإطلاق نار على يهود فيهلك يهودي فيتسببون بقتل عشرات المسلمين ونزوح الألوف في حال شديد الموت أرحم منه، كما حصل في رفح والنصيرات والمواصي و”مدرسة خديجة” و “مدرسة دلال المغربي” وغيرها، ولا تزال مستمرة،وليست هذه روايات صهيونية كما قاله بعض (الموتورين) ممن يستحقون العلاج النفسي، بل هي رؤية عين لأهل تلك المناطق أو اعترافات مقاطع قتل اليهود، ولولا كشف أمر الأسرى الذين حررهم اليهود لأنكر أولئك الرواية وقالوا هي صهيونية، وهذا والله فعل منكر وإثم عظيم.
[إن التسبب في عدوان العدو أو إغرائه بمزيد من البطش والعنف هو مشاركة في العدوان والبغي، وتحمل لمسؤولية ما يجري بعد ذلك على الأمة من ضرر، فقد نهى الله عن سب أصنام المشركين ومعبوداتهم حتى لا يكون ذلك سببا لتعديهم في سب الله بغيا وعدوا، فقال تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فلم يكن النهي عن سب معبودات المشركين تعظيما لها، ولكنه نهي للمسلمين أن يتسببوا بذلك، ونهي عن استثارة المشركين ببغي لا يستطيع المسلمون دفعه وهو سب الله عز وجل.. .
وهكذا فالتسبب في استثارة عدوان العدو هو في حقيقته عدوان على الأمة، والتسبب بإغرائه بمزيد من البطش والبغي على العزّل من الضعفة المدنيين، هو في حقيقته بغي عليهم وبطش بيد العدو بهم.
إن ترْك القيام بالأسباب خلل في العقل، وإن الاعتماد على الأسباب خلل في العقيدة، وقد أُمر المسلمون باتخاذ الأسباب، وذلك لا ينافي الإيمان بالقدر، وقدوتهم في ذلك نبيهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، وحادثة هجرته أنموذج حي لفعل الأسباب مع صدق التوكل]. “سنام الإسلام”.
٤. ومع هذا كله تأسف أشد الأسف أن ترى قادة ومنظرين اغتروا بأنفسهم وهوّنوا من عدوهم فكانوا سببا في هذا الدمار، فقال كبير لهم (لا يجرؤ جندي صهيوني واحد على دخول غزة! ولا يجرؤون على أن يلقوا قذيفة أو قنبلة! وأن أمريكا لن تقف معهم!) وكثير منهم تحدوا العدو بالدخول البري!.
وشاركهم قوم آخرون ممن جزم بأمور الغيب المطلق فحدووا لهم (زوال إسرائيل) بتاريخ معين عابثين بكتاب الله تعالى بأرقام سوره وآياته، فصدقوهم ولم يأخذوا بأسباب القوة (لأن نبوءة أولئك أنها تزول بدون قتال!) فعقدوا مؤتمر السذاجة (وعد الآخرة) برعاية (القائد) ليناقشوا العملة الجديدة ومصير مفاعل ديمونة! وكيفية التصرف مع السلطة الفلسطينية ودول الجوار،وغير ذلك من المواضيع الهزلية، بينما كان عدوهم يخطط وينسق ويصنع السلاح ويرسم المخططات لاحتلال غزة والسيطرة على الحدود البرية مع مصر ومنابع الغاز البحرية، وحشر المجتمع الغزي في الجنوب، فتصير (غزة الشمالية) و (غزة الجنوبية) ، والله المستعان .
والله الموفق.
حرر يوم السبت 28/1/1446 هـ الموافق 3/8/2024 م