أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (13)

كارثة الطوفان ( 13 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “5”

الحمد لله

١. يكتب منظرون أنه طالما كنا نحن على الإسلام وأصحاب حق وكان عدونا كافرا وهو صاحب باطل، وكنا وإياهم في معركة وقتال: فهذا كفيل بتحقق النصر لنا! ويضيفون -افتراء على الله- أنه تعالى وعدهم بذلك! وهذه مصيبة عظمى في فهم الشرع وتبليغه للعامة أن معهم من الله تعالى لذواتهم وعدا بالنصر! ولو صح هذا الكلام لما صارت هزيمة “أحد” ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولما هُزم المسلمون في معركة.

فالانتصار في كل قتال لم يحصل للأنبياء والمرسلين فضلا عن غيرهم من الأولياء والصالحين، ولكنها أوهام تسوّق للناس افتراء على الله تعالى وشرعه.

وقد استدل “هرقل” على صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الحديث (المتفق عليه) في حواره مع أبي سفيان؟ وفيه قوله “وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ ‌الرُّسُلُ ‌تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ”.

قال المهلب:

وإنما يبتلى الله الأنبياء ليِعظم لهم الأجر والمثوبة ولمن معهم، ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق، ولو أراد الله خرق العادة لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، ولثبط أيديهم عن المدافعة حتى يؤسروا أجمعين، ولكن أجرى تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم، ويأتوا يوم القيامة مكلومين شهداء في سبيل الله، ظاهري الوسيلة والشفاعة. انتهى من “شرح صحيح البخاري” لابن بطال.

قال ابن القيم -رحمه الله-في كلامه عن “غزوة أحد”، وما وقع فيها من هزيمة المسلمين، وحِكم الله العظيمة في ذلك-:

ومنها: أن حكمة الله وسنَّته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرةً، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميَّز الصادقُ من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا، لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة.

فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، ليتميز من يتَّبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به، ممن يتَّبعهم على الظهور والغلبة خاصةً. “زاد المعاد”.

٢. وقد ذكر أهل العلم أن النصر المؤكد في المعارك مع الكفار في أشياء محددة، وهي :

أ. المعارك مع كفار قريش بعد بيعة الرضوان وصلح الحديبية (وهذه قطعية، وتذكر في علامات النبوة).

قال تعالى {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح/٢٢، ٢٣.

والمعنى : لو كان حصل قتال وقتها بينكم وبين كفار قريش لانتصرتم عليهم، والمعنى الثاني: لن يحصل قتال بعد تلك البيعة وذاك الصلح إلا وتكون الغلبة لكم.

فهي خاصة بتلك الواقعة، أو خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في قتالهم مع كفار قريش تحديدا، وبعد ذلك الصلح تحديدا كذلك.

قال ابن عطية -رحمه الله- :

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾، إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ ومَن والاها في تِلْكَ السَنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي هَذا تَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما الإشارَةُ إلى العَدُوِّ الأحْضَرِ. “المحرر الوجيز”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-في الآية ومثيلاتها-:

وكان كذلك، فلم يقاتلوهم بعد نزول الآية إلا انتصر عليهم المسلمون.

“الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”.

ب. المعارك الفاصلة العظيمة بين الإيمان والكفر، لا بين مسلمين وكفار، بمعنى لا يمكن أن يسلط عدو على المسلمين جميعا فيستبيح بيضتهم.

– قال ابن كثير -رحمه الله-:

﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أَيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ، مَا تَقَابَلَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ فِي مَوْطِنٍ فَيْصَلٍ إِلًا نَصَر اللَّـه الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، فَرَفَعَ الْحَقَّ وَوَضَعَ الْبَاطِلَ، كَمَا فَعَلَ تَعَالَى يَوْمَ (بَدْرٍ) بِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ قِلَّةِ عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعددهم . “تفسير القرآن العظيم”.

– وقال الشنقيطي -رحمه الله-:

في معنى هذه الآية أوجه للعلماء: منها: أن المراد بأنه لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلاً يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم؛ كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان أنه قال:”وإني سألت ربي ألا يُهلك أمتي بسنَة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا” . “أضواء البيان”.

– ومن قال (من المتأخرين) بعموم الآية ربط ذلك بتحقيق الصبر والتقوى.

قال ابن القيم -رحمه الله-:

أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ لَوْ قاتَلُوا أوْلِياءَهُ لَوَلّى الكُفّارُ الأدْبارَ غَيْرَ مَنصُورِينَ، وأنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ قَبْلَهُمْ، ولا تَبْدِيلَ لِسُنَّتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قاتَلُوهم يَوْمَ أُحُدٍ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ ولَمْ يُوَلُّوا الأدْبارَ؟.

قِيلَ: هَذا وعْدٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ مَذْكُورٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهو الصَّبْرُ والتَّقْوى، وفاتَ هَذا الشَّرْطُ يَوْمَ أُحُدٍ بِفَشَلِهِمُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، وتَنازُعِهِمْ وعِصْيانِهِمُ المُنافِي لِلتَّقْوى، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ. “زاد المعاد”.

وقد جمع بين المعنيين الطاهر بن عاشور، فقال -رحمه الله -:

والمَعْنى: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، أيْ جَعَلَهُ عادَةً لَهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ إذا كانَتْ نِيَّةُ المُؤْمِنِينَ نَصْرَ دِينِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقالَ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أيْ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ تَكُونَ عاقِبَةُ حُرُوبِهِمْ نَصْرًا وإنْ كانُوا قَدْ يُغْلَبُونَ في بَعْضِ المَواقِعِ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ وقَدْ قالَ تَعالى {والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، وقالَ {والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى} .

وإنَّما يَكُونُ كَمالُ النَّصْرِ عَلى حَسَبِ ضَرُورَةِ المُؤْمِنِينَ وعَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّقْوى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا الوَعْدُ غالِبًا لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ فَيَكُونُ النَّصْرُ تامًّا في حالَةِ الخَطَرِ كَما كانَ يَوْمَ (بَدْرٍ)، ويَكُونُ سِجالًا في حالَةِ السِّعَةِ كَما في وقْعَةِ (أُحُدٍ) وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: “اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ”؟ وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ويَكُونُ لِمَن بَعْدَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِن جُيُوشِ المُسْلِمِينَ عَلى حَسَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِوَصايا الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وليُعلم أن الكذب على الشرع ضلال مبين وإثم عظيم ويزداد هذان بالاستدلال على ذاك الكذب بأدلة من الشرع، كمن يجيز الاستغاثة الشركية أو التوسل المبتدع أو التحريف في أسماء الله تعالى وصفاته، وحتى في المسائل العملية، ويضاف إلى آثامهم تغرير العامة وتشكيكهم بدينهم بعد انقضاء المعركة على غير ما سوقوا لها، وهو ما جعل بعضهم يرتد عن الدين، كما سبق أن بيناه في مقالات سابقة لما أقسم هؤلاء المفترون على الله بحتمية انتصار صدام حسين في معركته مع التحالف بعد غزوه للكويت.

– ويستدل هؤلاء لباطلهم بأدلة، منها:

أ. قوله تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} الأعراف/١٣٧.

والرد على ذلك أن يقال لهم:

إن بشارة موسى عليه السلام لقومه {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف/١٢٨، لم يدركها في زمانه، بل مات وأخوه هارون عليهما السلام في صحراء التيه، وأدرك البشارةَ الجيلُ الذي بعده من أتباع موسى عليه السلام، قال تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا … } الأعراف/١٣٧.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

يبين هذا أن في هذا الدعاء -يعني الوارد في آخر سورة البقرة- سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار، ومعلوم أن هذا ليس حاصلاً لكل واحد من أفراد الأمة، بل منهم من يدخل النار، ومنهم من يُنصر عليه الكفارُ، ومنهم من يُسلب الرزق؛ لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله، فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا. “مجموع الفتاوى”.

ب. ويستدل هؤلاء أيضا:

بقوله تعالى {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) النساء/ ١٤١.

وفيها ثلاثة أقوال:

أحدُها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة.

والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم الظاهرون، والعاقبة لهم.

والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة. يعني: فيما فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار.

[وليس منها أن يكون النصر والظفر في كل نازلة مع الكفار] .

ولو جعلنا المعنى الثاني هو المراد -كما يفعله كل من يقيم قتالا ضد الكفار- فلن يخلو الأمر من وجوب تحقيق شروط النصر من الإعداد والصبر والتقوى والنية في نصرة الدين، مع عدم مخالفة الشرع.

يقول ابن القيم -رحمه الله- :

الآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون: يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسبّبوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم (أُحُد) بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. انتهى. “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”.

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور -رحمه الله- :

فإن قلت: إذا كان وعدا: لم يجز تخلفه، ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بيّنا، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد؟.

قلت: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصة: فالإشكال زائل؛ لأن الله جعل عاقبة النصر أيامئذ للمؤمنين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، فلم يلبثوا أن ثُقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا، ودخلت بقيتهم في الإسلام، فأصبحوا أنصارا للدين.

وإن أريد العموم: فالمقصود من المؤمنين: المؤمنون الخُلَّص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا. ” التحرير والتنوير”.

– وللحديث بقية في نقض استدلالاتهم.

حرر يوم الخميس 26/1/1446 هـ الموافق 1/8/2024 م

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة